← Адаб

Адаб · id 760

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار فقال: قد قلت له فأبى عليّ- وأومأ إلي إسحاق بن بزيع- قلت: الصواب مع أمير المؤمنين، ثم قال: يا مفضل، حدّثني فحدّثته حتى انتصف النهار، قال: أنشدني، فأنشدته قول الحسين بن مطير الأسديّ: [الطويل] وقد تغدر الدنيا فيضحى غنيّها ... فقيرا ويثرى بعد بؤس فقيرها (١) وكم قد رأينا من تغيّر عيشة ... وأخرى صفا بعد كد غديرها فلا تقرب الأمر الحرام فإنه ... حلاوته تفنى ويبقى مريرها وكان المهدي رقيقا فبكى، وقال: يا مفضّل، كيف حالك؟ فقلت: كيف يكون حال من عليه عشرة آلاف درهم، وليس معه منها درهم واحد، قال: ياإسحاق، أعطه عشرة آلاف درهم قضاء لدينه، وعشرة آلاف درهم يستعين بها على حاله، وعشرة آلاف درهم يصلح بها من شأنه. ورأى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الخنساء، تطوف بالبيت محلوقة الرأس، تبكي وتلطم خدها، وقد علّقت نعل صخر في خمارها، فوعظها فقالت: إني رزئت فارسا لم يرزأ أحد مثله، فقال: إن في الناس من هو أعظم مرزأة منك، وإنّ الإسلام قد غطّى ما كان قبله، وإنه لا يحلّ لك لطم وجهك ولا كشف رأسك، فكفّت عن ذلك وقالت: [الوافر] هريقي من دموعك واستفيقي ... وصبرا إن أطقت ولن تطيقي (٢) وقولي إنّ خير بني سليم ... وأكرمهم بصحراء العقيق ألا هل ترجعنّ لنا الليالي ... وأيام لنا بلوى الشّقيق وإذ فينا معاوية بن عمرو ... على أدماء كالجمل الفنيق فنبكيه فقد أودى حميدا ... أمين الرأي محمود الصّديق فلا والله لا تسلوك نفسي ... لفاحشة أتيت ولا عقوق ولكنّي رأيت الصبر خيرا ... من النّعلين والرأس الحليق وأما أبو العباس المبرّد فقال: وقالت الخنساء ترثي أخاها معاوية بن عمرو، وكان أخاها لأبيها وأمها، [وكان صخر أخاها لأبيها] وكان أحبّهما إليها.

стр. 1122

واستحق ذلك الأمور: منها أنه كان موصوفا بالحلم مشهورا بالجود، معروفا بالتقدم والشجاعة، محظوظا في العشيرة، ثم أنشد الأبيات المتقدّمة. وكان صخر أجمل رجل في العرب، وكان سبب قتله أنه جمع جمعا، أغار على بني أسد بن خزيمة، فنذروا به والتقوا، واقتتلوا قتالا شديدا، فارفضّ أصحاب صخر عنه، فطعنه ربيعة بن ثور الأسديّ، فأدخل جوفه حلقا من الدّرع، فاستقلّ منها وسار إلى أهله فاندمل عليه الجرح، ونتأ منه مثل اليد، فأضناه ذلك حولا، فسمع سائلا يقول لامرأته: كيف صخر اليوم؟ فقالت: لا حيّ فيرجى، ولا ميت فينعى، ولقد لقينا منه الأمرّين- وامرأته بديلة الأسدية وكان سباها من بني أسد، واتخذها لنفسه- فلما سمع قولها علم أنها برمت منه، ورأى تحزّن أمه عليه، فقال: [الطويل] أرى أمّ صخر لا تجفّ دموعها ... وملّت سليمى مضجعي ومكاني (١) وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك، ومن يغترّ بالحدثان أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنّزوان لعمري قد نبّهت من كان نائما ... وأسمعت من كانت له أذنان فأي امرئ ساوى بأمّ حليلة ... فلا عاش إلا في شقى وهوان ثم عزم على قطع ذلك الموضع، فلما قطعه يئس من نفسه، فقال: [الطويل] أجارتنا إنّ الخطوب قريب ... على الناس، كلّ المخطئين تصيب أجارتنا إنّا غريبان هاهنا ... وكلّ غريب للغريب نسيب فلما مات دفن في أرض بني سليم بقرب عسيب. وحضرت الخنساء القادسية مع بنيها وهم أربعة رجال، فقالت لهم من أوّل الليل: يا بني إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو؛ إنكم لبنو رجل واحد، كما أنّكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولافضحت خالكم، ولا هجّنت حسبكم، ولا غيرت نسبكم، وقد تعملون ما أعدّ الله تعالى للمؤمنين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أنّ الدار الآخرة خير من الدار الفانية، يقول الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: ٢٠٠]، فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله سالمين فاغدوا لقتال عدوّكم مستبصرين، وبالله على

стр. 1123

أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمّرت عن ساقها، وجلّلت نارا على أوراقها، فتيمموا وطيسها وجالدوا رسيسها، تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة، فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم فتقدموا واحدا بعد واحد ينشدون أراجيز يذكرون فيها وصية العجوز لهم، حتى قتلوا عن آخرهم، فبلغها الخبر، فقالت: الحمد لله الذي شرّفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر الرحمة. وكان عمر بن الخطاب يعطيها أرزاق بنيها الأربعة، وكان لكلّ منهم مائتا درهم، حتى قبض رضي الله تعالى عنه. وقوله: قعيدة رحلي، أي امرأة بيتي، وناقة طروقة: بلغت أن يطرقها الفحل. وأنفت. استنكفت وكرهت. *** قال: فتذمّرت المرأة وتنمّرت، عن ساعدها وشمّرت، وقالت له: يا ألأم من مادر، وأشام من قاشر، وأجبن من صافر، وأطيش من طامر؛ أترميني بشنارك، وتفري عرضي بشفارك، وأنت تعلم أنّك أحقر من قلامة، وأعيب من بغلة أبي دلامة، وأفضح من حبقة، في حلقة، وأحير من بقّة في حقّة. وهبك الحسن في وعظه ولفظه، والشعبيّ في علمه وحفظه، والخليل في عروضه ونحوه، وجريرا في غزله وهجوه، وقسّا في فصاحته وخطابته، وعبد الحميد في بلاغته وكتابته، وأبا عمرو في قراءته وإعرابه، وابن قريب في روايته عن إعرابه؛ أتظّنني أرضاك إماما لمحرابي، وحساما لقرابي، لا والله ولا بوّابا لبابي، ولا عصا لجرابي. *** تذمرت: غضبت، وتذمّر الرجل، إذا رأى ما يكرهه فغضب وتهدد، والذّمر: اللوم والحضّ، وذمر قائد الجيش أصحابه يذمرهم، إذا لامهم وأسمعهم ما يكرهون ليجدّوا في القتال، تنمّرت: تغيّرت وتشبّهت بالنمر، ولا يوجد النّمر إلا مستنكرا غضبان، ونمر الرجل وتنمر: تنكّر وتغيّر. حسرت عن ساعدها: شمّرت عن ذراعها. أطيش: أخفّ والطيش: خفّة العقل. والطامر: البرغوث، يقال له طامر بن طامر، قال الأصمعيّ: كنت بالبادية فرأيت أعرابيا قد بسط كساءه ليفلّيه في الشمس، فوقفت أنظر إليه، فجعل يأخذ البراغيث، ويدع القمل، فقلت له: لم تأخذ بعضا وتدع بعضا؟ فقال: أبدأ بالفرسان ثم أعكّر على الرجّالة.

стр. 1124

سمع رسول الله ﷺ رجلا يسبّ برغوثا، فقال: «لا تسبه فإنّه نبّه نبيّا من الأنبياء لصلاة الفجر». أبو الدرداء ﵁ قال رسول الله ﷺ : «إذا آذاك البراغيث، فخذ قدحا من الماء، واقرأ عليه سبع مرات، وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا [إبراهيم: ١٢] إلى قوله: الْمُتَوَكِّلُونَ، فكفّوا شرّكم وأذاكم عنّا، ثم ترشّ الماء حول فراشك، فإنك تبيت الليلة آمنا من شرّها». شنارك: عيبك وعارك: تفري: تقطع، وفرى، يستعمل في القطع على جهة الإصلاح، وقد جاء هنا في الإفساد، ومنه قوله الشاعر: [الطويل] فرى نائبات الدهر بيني وبينها ... وصرف الليالي مثل ما فري الجلد ابن سيده: فرى الشيء يفريه فريا وفرّاه تفرية، كلاهما شقه وأفسده وأفراه أصلحه، والمتقنون من أهل اللغة، يقولون: فرى: شق الإفساد وأفرى للإصلاح وقيل: أفراه أفسده، وفراه: قطعه للإصلاح قال الأصمعيّ ﵀؛ أفرى الجلد مزقه وأفسده، يفريه إفراء، وفرى المزادة يفريها فريا: خرزها، القلامة: ما يقص من الظّفر، وبها يتعلق وسخه، فهي مع حقارتها مستقذرة. [أبو دلامة] وأما أبو دلامة، فاسمه زند- بالنون- ابن الجون، وهو كوفي أسود، مولى لبني أسد، أدرك آخر أيام بني أميّة، ونبغ في أيام بني العباس، ومدح السّفاح والمنصور والمهدي، وكان صاحب نوارد وملح، وكان خليعا فاسد الدين، رديء المذهب، وقد تقدّم له شيء من ذلك في الصّلاة والحجّ، ونذكر له هاهنا شيئا في الصيام، ونضيف له فنونا من سائر ملحه. وأما بغلته فكانت جامعة لعيوب الدوابّ كلها، وكانت أشوه الدّوابّ خلقة في منظر العين وأسوأها خلقا في مخبرها، فكان إذا ركبها تبعه الصبيان يتضاحكون به، وكان يقصد ركوبها في مواكب الخلفاء والكبراء، ليضحكهم بشماسها؛ حتى نظم فيها قصيدته المشهورة وهي: [الوافر] أبعد الخيل أركبها كراما ... وبعد الفره من من حضر البغال رزقت بغيلة فيها وكال ... وليته لم يكن غير الوكال رأيت عيوبها كثرت وغالت ... وإن أكثرت ثمّ من المقال ليحصي منطقي وكلام غيري ... عشير خصالها، شرّ الخصال فأهون عيبها أنّي إذا ما ... نزلت وقلت: أمشي لا تبالي تقوم فما تبتّ هناك شبرا ... وترمحني وتأخذ في قتالي

стр. 1125

وحين ركبتها آذيت نفسي ... بضرب باليمين وبالشّمال وبالرّجلين أركضها جمعا ... فيا لك في الشقاء وفي الكلال أتاني خائب يستام منيّ ... عريق في الخسارة والضّلال وقال تبيعها؟ قلت ارتبطها ... بحكمك إنّ بيعي غير غال فأقبل ضاحكا نحوي سرورا ... وقال أراك سهلا ذا جمال هلمّ إليّ يخلو بي خداعا ... وما يدري الشّقيّ بمن يخالي فقلت بأربعين فقال أحسن ... إليّ فإن مثلك ذو سجال فأترك خمسة منها لعلمي ... بما فيه يصير من الخبال فلمّا ابتاعها مني وبتّت ... له في البيع غير المستقال أخذت بثوبه وبرئت ممّا ... أعدّ عليه من سوء الخلال برئت إليك من مشش قديم ... ومن جرد ومن بلل المخالي ومن فتق بها في البطن ضخم ... ومن عقالها ومن انفتال ومن قطع اللسان ومن بياض ... بعينيها ومن قرض الحبال ومن عضّ الغلام ومن خراط ... إذا ما همّ صحبك بارتحال وأقطى من فريخ الذّر مشيا ... بها عرن وداء من سلال وتكسر سراجها أبدا شماسا ... وتقمص للإكاف على اغتيال ويدبر ظهرها من مسّ كف ... وتهزم في الجمام وفي الجلال تظلّ لركبة منها ووقيذا ... عليك من ورم الطّحال ومثفار تقدّم كلّ سرج ... تصيّر دفيه على القذال وتحفى لو تسير على الحشايا ... ولو تمشي على دمث الرّمال إذا استعجلتها عثرت وبالت ... وقامت ساعة عند المبال وتضرط أربعين إذا وقفنا ... على أهل المجالس للسّؤال فتقطع منطقي وتحول بيني ... وبين حديثهم فيما توالي وتذعر للدّجاجة إذ تراها ... وتنفر للصّفير، وللخيال فأمّا الاعتلاف فأذن منها ... من الأتبان أمثال الجبال وأما القتّ فأت بألف وقر ... بأعظم حمل أحمال الجمال فلست بعالف منها ثلاثا ... وعندك منه عود للخلال وإن عطشت فأوردها دجيلا ... وإذا أوردت أو نهري بلال فذاك لريّها سقيت حميما ... وإن مدّ الفرات فللنّهال

стр. 1126

وكانت قارحا أيّام كسرى ... وتذكر تبّعا عند الفعال وقد دبرت ونعمان صبيّ ... وقبل فصاله تلك الليالي وتذكر إذ نشا بهرام جور ... وعامله على خرج الجوالي وقد مرّت بقرن بعد قرن ... وآخر عهدها لهلاك مالي فأبدلني بها يا ربّ طرفا ... يزين جمال مشيته جمالي وأنشدها المهدي: فقال: لقد أقلت من بلاء عظيم، فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد مكثت شهرا أتوقع صاحبها أن يردّها، فقال المهديّ لصاحب دوابه: خيّره بين مركبين في الإصطبل، فقال: إن كان الاختيار إليّ فقد وقعت في شرّ من البغلة، ولكن مره يختر لي، ففعل. وفي القصيدة ألفاظ من الغريب أبينها، فمنها يقال: واكلت الدابة وكالا: أساءت السير. ورمحت ترمح: ضربت برجليها والمشش: داء في قوائمها. والجرد استرخاء العصب، والعقّال: أن تنقبض القوائم ولا تنبعث، والخراط: الجماح، والعرن: حكة وشقاق في القوائم، وقد عرن عرنا، وقمص يقمص ويقمص قمصا وقماصا: رفع يديه معا وطرحهما معا، وعجن بيديه، وقطا يقطو: قارب الخطو. وكان لأبي دلامة برذون أعجف محطم هرم، فدخل على المهدي يوما وبين يديه سلمة الوصيف، فقال: يا أمير المؤمنين، إني جلبت لبابك مهرا ليس لأحد مثله، وأحببت أن أهديه لك، فإن أحببت أن تشرّفني بقبوله! فأمر بإدخاله، فخرج وأدخل برذونه، فقال له المهدي: أيّ شيء هذا ويلك! ألم تزعم أنه مهر، فقال له أبو دلامة: أوليس هذا سلمة الوصيف قائم بين يديك تسميه الوصيف وله ثمانون سنة! فإن كان سلمة وصيفا فهذا مهر، فجعل المهديّ يضحك وسلمة يشتمه، فقال له المهديّ: ويلك! إن لهذه أخوات، والله ليضحكنّ بك في المحافل، فقال: والله يا أمير المؤمنين لأفضحنه، فليس في مواليك أحد إلا وقد وصلني غيره، فما شربت الماء له قطّ فحكم عليه المهديّ أن يشتري نفسه بثلاثة آلاف درهم، فقال له سلمة، على ألا تعاود، فقال أبو دلامة: أفعل، فحملها إليه. ومما ينتظم بهذا النّمط أن محمد بن عبيد الله بن خاقان حمل أبا العيناء على فرس، فكتب إلى أبيه: أعلم الأمير أعزه الله أن أبا محمد أراد أن يبرّني فعقّني، وأن يركبني فأرجلني، وأمر لي بدابة تقف للنّبرة، وتعثر بالبعرة، كالقضيب اليابس عجفاء، وكالمهجور البائس دنفاء، قد أذكر الرواة عروة العذريّ والمجنون العامريّ، مباعدا أعلاه لأسفله، حباقه مقرون بسعاله، فلو أمسك لترجّيت، ولو أفرد لتعزيت، ولكنه يجمعها في الطريق المعمور، والمجلس المشهور، كأنه خطيب مرشد، أو شاعر منشد، يضحك من فعله النّسوان، ويتناعى من أجله الصبيان، فمن صائح يصيح: داوه بالطباشير، ومن قائل

стр. 1127

يقول: نقّ له الشعير، قد حفظ الأخبار وروى الأشعار، ولحق العلماء في الأمصار، فلو أعين بنطق لروى بحق وصدق، عن جابر الجعفيّ وعامر الشعبي، ولم أوت من أمر الأمير أعزه الله وإنما أتيت من كاتبه الأعور؛ الذي إذا اختار لنفسه أصاب وأكثر، وإذا اختار لغيره أخبث وأنزر، فإن رأى الأمير أن يبدلني ويريحني بمركوب يضحكني كما أضحك منّي، يمحو بحسنه وفراهته، ما سطّره العيب بقبحه ودناءته، ولست أذكر سرجه ولجامه، لأن الأمير أكرم من أن يسلب ما يهديه، وينقص ما يمضيه. فوجّه إليه ببرذون بسرجه ولجامه، ثم اجتمع بابنه محمد عنده، فقال له عبيد الله: شكوت دابة محمد، وقد أخبرني أنه يشتريه الآن منك بمائة دينار، وهذا ثمنه لا يؤخّر عنك، فقال: أعز الله الوزير! لو لم أكذب مستزيدا، لم أذهب مستفيدا، وإني وإياه لكما قالت امرأة العزيز: أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [يوسف: ٥١]. وقال ابن رشيق في بغل: [الرجز] أوصيك بالبغل شرّا ... فإنه ابن الحمار لا يصلح البغل إلا ... للكدّ والأسفار كالعبد إن لم تهنه ... جنى على الأحرار ما اعتاض بغلا بطرف ... إلّا أخو إدبار وله أيضا فيه: [الطويل] فأوصيكمو بالبغل شرّا فإنّه ... من العير في سوء الطّباع قريب وكيف يجيء البغل يوما بحاجة ... تسرّ وفيه للحمار نصيب! وله من قصيدة: [الكامل] أو بغلة سفواء تعرض للفتى ... فتخال تحت السّرج أمّ غزال سألت إلى الأم النجابة من أب ... وزهت على الأعمام والأخوال وكأنها قد أفرغت في قالب ... لا أنها خلقت على تمثال وله من قصيدة أيضا: [المتقارب] كأنّي بعض نجوم السّماء ... تصعّد في الجوّ ثم انحدر على رسلة من هبات الملو ... ك سفواء ملمومة كالحجر تعاون في جدل أعضائها ... بنو أخدر وبنات الأغر ولمحمد بن يسير الخارجيّ في بغلة: [الكامل] نزعت عن الخيل العتاق نجاءها ... منها وعتق سوالف ولبان ولها من الأعيار عند مسيرها ... قحة وطول صبارة ومران

стр. 1128

رجعنا إلى أخبار أبي دلامة. يحكى أنّ المهديّ أو المنصور- أنشده ما أعجبه، فكساه طيلسانا وأمر له بمال، وعاهده ألّا يشرب الخمر، فحلف له وخرج إلى بني داود بن عليّ فضحكوا به. وقصّ عليهم خبره فسقوه حتى أسكروه وأخرجوه، فأعلم المهديّ الخبر، فأرسل فيه، وأمر الرّسول بسجنه وتخريق ساجه، وألّا يمكن من قرطاس ولا مداد، ففعل به الرسول ذلك، فانتبه في جوف الليل فنادى جاريته فقال له السجان: طعنة في كبدك فقال له: ويلك! من أنت، وأين أنا؟ فقال له: سل نفسك أين كنت عشاء أمس؟ فاستحلفه من أنت؟ فقال: أنا السّجان، بعث بك أمير المؤمنين وأنت سكران، فأمرني أن أحبسك مع الدجاج، فقال: أحبّ أن تسرج لي سراجا، وتأتيني بداوة وقرطاس، ولك عندي صلة، فقال له أما السّراج فنعم، وأما القرطاس والدواة، فقد أمرت ألّا أمكّنك منهما. فلما أتاه بالسّراج وجد ساجه مخرّقا ملطخا بإزبال الدجاج، ورأى نفسه جالسا بينها، فقال له: ادع لي ابني دلامة، فدعاه، فأمره أن يجيد حلاقة رأسه، وأن يأتيه بفحمة، ففعل، فكتب على رأس ابنه: [الوافر] أمن صهباء صافية المزاج ... كأنّ شعاعها لهب السّراج تهشّ لها القلوب وتشتهيها ... إذا برزت ترقرق في الزّجاج أقاد إلى السجون بغير جرم ... كأني بعض عمّال الخراج ولو معهم حبست لكان خير ... ولكنّي حبست مع الدّجاج أمير المؤمنين فدتك نفسي ... ففيم حبستني وخرقت ساجي على أني وإن لاقيت شرّا ... لخيرك بعد ذاك الشرّ راجي ثم قال: يا أمير المؤمنين، هذه أمانة، فإذا قرأتها فمزّق الرقعة. ثم أمر دلامة أن يدخل على أمير المؤمنين ويقرئه ما في رأسه، فأتى الباب وصاح: دعوة المظلوم، فعلم أمير المؤمنين بمكانه فأمر بإدخاله، فكشف رأسه، وقال: إن ظلامتي مكتوبة في رأسي، فأدني منه حتى قرأها فاشتدّ ضحكه، وعجب من حيلته وأمر بإخراجه، وقال: ما كان أحوج هذه الرقعة أن تمزّق، ثم وصله بصلة، ونهاه أن يوجد سكران. وخرج المهديّ يتصيّد ومعه عليّ بن سليمان، فسنح له قطيع من الظّباء، فأرسلت الكلاب وأجريت الخيل، فرمى المهديّ سهما فصرع ظبيا، ورمى عليّ بن سليمان سهما فصرع كلبا، فقال أبو دلامة: [الرمل] قد رمى المهديّ ظبيا ... شقّ بالسّهم فؤاده وعليّ بن سليما ... ن رمى كلبا فصاده فهنيئا لهما كلّ امر ... ئ يأكل زاده

стр. 1129

فضحك المهديّ حتى كاد يسقط. ومن ملحه، أنه دخل على المهديّ، وعنده وجوه بني هاشم، فقال: أنا أعطى الله عهدا لئن لم تهج واحدا ممّن في البيت لأقطعنّ لسانك، فنظر إلى القوم، فكلمّا نظر إلى واحد غمزه بأن عليه رضاه، قال: فعلمت أني وقعت، وأنها عزمة من عزماته لا بدّ منها، فلم أر أدعى إلى السّلامة من هجاء نفسي، فقلت: [الوافر] ألا أبلغ لديك أبا دلامه ... فليس من الكرام ولا كرامه إذا لبس العمامة كان قردا ... وخنزيرا يكون بلا عمامه جمعت دمامة وجمعت لؤما ... كذاك اللؤم تتبعه الدّمامه فإن تك قد أصبت نعيم دنيا ... فلا تفرح فقد دنت القيامه فضحكوا، ولم يبق أحد إلّا أجازه. وخرجت له صبيّة فأخذها على كتفه، فبالت عليه فرمى بها، وقال: [الوافر] بللت عليّ- لا حيّيت- ثوبي ... فبال عليك شيطان رجيم فما ولدتك مريم أمّ عيسى ... ولا ربّاك لقمان الحكيم ولكن قد تضمّك أم سوء ... إلى لبّاتها وأب لئيم ولمّا خرجت الخيزران إلى الحج تلقّاها، فصاح: الله الله في أمري! فسألته عن أمره فقال: إني شيخ كبير، وأجرك فيّ عظيم، تهبين لي جارية تؤنسني وترفق بي، وتريحني من عجوز عندي، قد أكلت رفدي، وأطالت كدّي، وقد عزف جلدها جلدي، وتمنّيت بعدها، وتشوقت فقدها، فوعدته بها، فلمّا جاءت من الحجّ دخل على أم عبيدة حاضنة موسى وهارون، فدفع إليها رقعة، فدفعتها إلى الخيزران وفيها: [مجزوء الرمل] أبلغي سيّدتي إن ... شئت يا أمّ عبيده أنّها أرشدها الله ... وإن كانت رشيده وعدتني قبل أن تخر ... ج للحجّ وليده إنّني شيخ كبير ... ليس في بيتي قعيده غير عجفاء عجوز ... ساقها مقل القديده وجهها أقبح من حو ... ت طريّ في عصيده ما حياتي- مع أنثى ... مثل عرسي- بحميده فضحكت واستعادت «حوتا في عصيده» وهي تضحك، ثم قالت لجارية: خذي ما عندك في قصري وأمشي إليه. فلمّا بلغها الرسول منزله لم يجده، فدفعها إلى امرأته، ودخل دلامة وأمّة تبكي، فسألها فأخبرته وقالت: إن أردت بري يوما من الدّهر، فاليوم.

стр. 1130

قال لها: قولي ما شئت أفعله، قالت: تدخل إليها، وتعلمها أنّك مالكها، فتطؤها فتحرم عليه، وإلّا شغلته فجفاني وجفاك. ففعل، وجاء أبو دلامةفسألها عنها، فقالت: هي في ذلك البيت، فدخل ومدّ يده إليها، وذهب ليقبّلها، فرأت شيخا محطّما قبيح الوجه، فقالت: تنحّ وإلّا لطمتك لطمة دققت بها أنفك. فقال: وبهذا أوصتك سيدتك؟ فقالت: إنها بعثتني إلى فتى من صفته كذا وكذا، وقد نال حاجته مني آنفا. فعلم أنه دهاء من دلامة وأمه، فخرج ولطمه ولبّبه. وحلف ألّا يفارقه إلّا إلى المهديّ، فمضى على تلك الحالة حتى دخل إلى المهديّ، فقال له: ما بالك ويحك! فقال له: عمل بي هذا ابن الخبيثة ما لم يعمله أحد بأبيه، ولا يرضيني إلا أن تقتله، وأخبره الخبر. فضحك المهديّ حتى استلقى، وأبو دلامة يقول: يعجبك فعله، فتضحك منه! فقال: عليّ بالسيف والنّطع، فقال دلامة: اسمع حجتي يا أمير المؤمنين، كما سمعت حجّته، فقال: هات، فقال: هذا الشيخ أصفق الناس وجها، وهو ينيك أمي منذ أربعين سنة فما غضبت، ونكت جاريته مرة واحدة فغضب. فضحك المهديّ أشد من ضحكه الأوّل، فقال: دعها له [يا أبا دلامة]، وأنا أعطيك خيرا منها، فقال: على أن تخبأها بين السماء والأرض، وإلّا ناكها كما ناك هذه، وحلف لدلامة إن عاد ليقتلنّه. وجاء دلامة لأبيه في محفل، وجلس بين يديه، وقال للجماعة: إنّ شيخي كما ترون قد كبر سنّة، ورقّ جلده ودقّ عظمه، وبنا إلى حياته حاجة، وأنا لا أزال أشير عليه بشيء يمسك رمقه، ويبقي قوّته؛ فيخالفني. وأرغب إليكم أن تسألوه قضاء حاجة فيها صلاح جسمه، فقالوا: حبّا وكرامة، فأخذوا أبا دلامة بألسنتهم، فقال: قولوا له الخبيث فليقل ما يريد، فستعملون أنه لم يأت إلّا ببليّة. فقال: إنما يقتله كثرة النّيك، ولا يدفعه عنه إلا الخصاء، فتعاونوني عليه حتى أخصيه، فضحكوا منه كثيرا، وقالوا لأبيه: قد سمعت فما عندك؟ فقال: قد عرّفتكم أنّه لم يأت بخير، وقد جعلت أمه حكما بيني وبينه، فقوموا إليها، فدخلوا عليها وقصّوا القصّة عليها، فأقبلت على الجماعة وقالت: إن ابني أبقاه الله، قد نصح أباه وبرّه، وأنا إلى بقاء أبيه أحوج منه إليه؛ إلّا أنّ هذا الأمر لم تقع فيه تجربة عندنا، ولا جرت به عادة، وهو قد ادّعى معرفة ذلك، فليبدأ بنفسه فليخصها، فإذا عوفي ورأينا ذلك قد أبقي عليه أثرا محمودا، استعمله أبوه على علم، فجعل القوم يضحكون ويعجبون من اتّفاقهم في الخبث. وأمره المهديّ أن يلزم المسجد في رمضان، وقال له: إن تأخّرت فلشرب الخمر، ولئن علمت ذلك لأقتلنّك، فشق عليه ذلك، وتشفّع إليه بكل إنسان، فلم يشفعه، فأدخل إلى ريطة رقعة، وكان المهديّ لا يخالفها- وفيها: [الوافر] أبلغا ريطة أنّي ... كنت عبدا لأبيها فمضى يرحمه الل ... هـ وأوصى بي إليها

стр. 1131

جاء شهر الصوم يمشي ... مشية لا أشتهيها قائدا القلة ليد ... ر كأنيّ أبتغيها تنطح القبلة شهرا ... جبهتي لا تأتليها فاطلبي لي فرجا من ... ها وأجري لك فيها فضحكت، وقالت: يصبر حتى تمضي ليلة القدر، فقال: إذا مضت ليلة القدر فني الشهر. وكتب إليها: [الرمل] خافي إلهك في نفس قد احتضرت ... قامت قيامتها بين المصلّينا ما ليلة القدر من همّي فأطلبها ... إني أخاف المنايا قبل عشرينا لا بارك الله في خير أؤمّله ... في ليلة بعد ما قمنا ثلاثينا يا ليلة القدر قد كسّرت أرجلنا ... يا ليلة القدر حقّا ما تمنينّا! فلما قرأتها ضحكت، ودخلت إلى المهديّ فشفّعها فيه. وأخباره كثيرة. *** وعلى قوله: جاء شهر الصوم قال أبو القاسم الثعالبيّ: أنشدنيه الفقيه أبو الحسن بن زرقون: [الهزج] أشهر الصّوم ما مثلك ... عند الله من شهر على أنك حرّمت ... علينا لذّة السّكر وقرع الكأس بالكأس ... ورشف الثّغر بالثّغر وإنّي والّذي شرّ ... ف أوقاتك بالذّكر وما أمسى يصلّي في ... ك من شفع ومن وتر لمسرور بأن تفنى ... على أنّك من عمري وقال ابن المعتز: [المتقارب] تجلّى عشاء هلال الصّيام ... بنحس على الكأس والبربط وكم من فتى راح بين القيا ... ن نشوان ذا فرح مفرط وكان نشيطا فلمّا رآ ... هـ همّ بهمّ ولم ينشط فأعرض عنه كما أعرضت ... فتاة عن الجانب الأشمط وقال ابن رشيق: [الخفيف] لاح لي حاجب الهلاك عشاء ... فتمنّيت أنّني من سحاب قلت أهلا وليس أهلا لما قل ... ت ولكن أسمعتها أصحابي

стр. 1132

مظهر حبّه وعندي بغض ... لعدوّ الكئوس والأكواب الحبقة: الضّرطة، والحلقة جماعة الناس، وربما تؤدّي فضيحتها أمام القوم إلى أن يموت صاحبها غمّا، وقد وجد ذلك. *** [طرائف متفرقة] وحبق أعرابيّ في جماعة فاستحيا، فأشار نحو استه، وقال: إنها خلف نطقت خلفا. وذكر الحريريّ أن مطيع بن إياس ويحيى بن زياد وحماد الراوية كانوا يشربون ذات يوم، ومعهم نديم لهم، فبرزت منه فلتة، فخجل وغاب عنهم أياما، فكتب إليه مطيع: [البسيط] أمن قلوص غدت لم يؤذها أحد ... إلّا تذكّرها بالرّمل أوطانا خان العقال لها فانبتّ إذ نفرت ... وإنّما الذنب فيه للذي خانا أظهرت منك لنا هجرا ومعتبة ... وغبت عنا ثلاثا لست تغشانا هوّن عليك فما في الناس ذو إبل ... إلّا وأينقه يشردن أحيانا دخل أبو الفضل بديع الزمان على الصّاحب بن عبّاد، ففرح به، وأجلسه معه على سريرة فحبق البديع حبقة منكرة، ثم أراد أن ينفي عن نفسه التّهمة، فقال: يا مولانا هذا صرير التخت، فقال له: بل صفير «التّحت»، فخرج البديع خجلا، وانقطع عن الوصول إليه فكتب إليه الصاحب: [البسيط] قل للصفيري لا تذهب على خجل ... من ضرطة أشبهت نايا على عود فإنّها الريح لا تسطيع تدفعها ... إذ لست أنت سليمان بن داود تزوّج أعرابيّ امرأة، فلما دخل عليها عابثها، فضرطت، فخرجت غضبي إلى أهلها، وقالت: والله لا أرجع إليه أو يفعل ما فعلت، فقال لها: عودي لأفعل، فعادت، فعابثها فضرطت أخرى، فقال: [السريع] طالبتني دينا قديما فلم ... أقضيك حتى زدت في قرضك فلا تلوميني على مطله ... إن كان ذا دأبك لم أقضك قيل لأعرابيّ: ما تقول في الضرطة؟ فقال: لا بأس بها، وربما سببت الضرطة وأنا راكع في الصلاة. قدم أبو علقمة الأزديّ على الفضل بن عبد الرحمن الهاشميّ بالبصرة، فقال: الفضل لجلسائه: إذا جلسنا على المائدة وأبو علقمة معنا فليضرط أحدكم ثم الآخر ثم

стр. 1133

الآخر، وليكن بين كلّ ضرطتين فرجة، فلما وضعت المائدة فعلوا ذلك، فأخذ أبو علقمة المائدة، وقام بها، فقيل له: إلى أين يا أبا علقمة؟ قال: إلى الكنيف، فمن أراد منكم أن يخرأ كان قريبا. وجلس ثقيل إلى بشار، فضرط بشار ضرطة منكرة، فظن الرّجل أنها فلتة، فمشى في حديثه، فضرط بشار ثانية وثالثة، فقال له: ما هذا يا أبا معاذ؟ قال: رأيت أو سمعت؟ قال: قال: بل سمعت، كلّ ما سمعت ريح لا تصدق حتى ترى. *** قوله: حقّه، أي وعاء الطّيب، ويقال له: حقّ والجمع حقاق، وتبدل عامتنا من قافه كافا، والروائح العطرة مضرّة بهذه الهوام المنتنة، وقد قال المتنبي: [البسيط] بذي الغباوة من إنشادها ضرر ... تضرّ كما تضرّ رياح الورد بالجعل (١) قوله هبك، أي حسبك. *** [الحسن بن أبي الحسن البصري] وأما الحسن فهو أبو سعيد بن أبي الحسن البصريّ، وهو من التابعين. ولد بالمدينة لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وأمّه اسمها خيرة، وكانت مولاة لأمّ سلمة زوج النبي ﷺ ، فكانت تعطيه ثديها إذا اشتغلت أمه، فدرّ ثديها له باللبن، فأظهر الله تعالى بركة ذلك اللبن عليه. وأبوه مولى لامرأة من الأنصار، وقيل إن أبويه كانا مملوكين لرجل من بني النّجّار، فتزوج امرأة في بني سلمة من الأنصار، فساقهما إليها من مهرها فأعتقتهما، وكان أحسن النّاس لفظا، وأبلغهم وعظا، وكان زاهدا عالما مقدّما في العلم والدين على نظرائه من التابعين. وكان الحجّاج له معظّما ومتعجّبا من فصاحته، ولم ينفكّ من مجلس وعظ أو تدريس علم، إلى أن مات رحمه الله تعالى. وقال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت قطّ أوعظ ولا أفصح من الحسن البصريّ. وقال أبو أيوب السّختيانيّ: ما سمع أحد كلام الحسن البصريّ إلّا ثقل عليه كلام الرجال. قال حميد: قال لي الشعبيّ ونحن بمكة: أحبّ أن اختلي بالحسن، فقلت: ذلك للحسن، فقال: إذا شاء، فجاء الشعبيّ، فقلت له: ادخل عليه، فإنه في البيت وحده،

стр. 1134

فقال: أحبّ أن تدخل معي، فدخلنا فإذا الحسن قبالة القبلة يقول: يا بن آدم، لم تكن فكوّنت، وسألت فأعطيت، وسئلت فمنعت، فبئس ما صنعت! ثم يذهب فيرجع بعيد ذلك حتى أعادها مرارا، فقال لي الشعبيّ: يا هذا انصرف فإن الشيخ في غير ما نحن فيه. ولما دخل على الحجّاج فقال له: ما تقول في عليّ وعثمان؟ قال: أقول فيهما ما قال من هو خير مني بين يدي من هو شرّ منك، قال: ومن ذلك؟ قال: موسى وفرعون حيث قال له فرعون: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ [طه: ٥١]. الشعبي قال: قدمنا على الحجاج في البصرة في جماعة من قرّاء الشام والعراق في يوم صائف شديد الحرّ، وهو في آخر ثلاثة أبيات، فدخلنا الأوّل فإذا فيه الثلج والماء قد أرسل فيه، وفي الثاني أكثر وفي الثالث أكثر، والحجاج قاعد على سريره وعنبسة بن سعيد إلى جانبه فجلسنا على الكراسيّ، ودخل الحسن آخر من دخل، فقال الحجاج: مرحبا بأبي سعيد! خلع قميصك، فجعل الحسن يعالج زرّ القميص فأبطأ به، فطأطأ له الحجاج رأسه تلطفا به حتى حلّه، وجاءت جارية بدهن فوضعته على رأس الحسن وحده، فقال له الحجاج: يا أبا سعيد، ما لي أراك منهوك الجسم، لعلّ ذلك من قلة نفقة وسوء ولاية! ألا نأمر لك بنفقة توسّع بها على نفسك، وخادم لطيف! فقال: إني من الله تعالى لفي سعة ونعمة وإني منه لفي عافية، ولكن الكبر والحرّ، فأقبل الحجاج على عنبسة، وقال: لا والله، بل العلم بالله والزهد فيما نحن فيه، فلم يسمعها الحسن، وسمعتها أنا لقربي من عنبسة، وجعل الحجاج يسأله حتى ذكر عليّ بن أبي طالب ﵁ فنال منه ونلنا منه مرضاة له، وفرقا من شرّه، والحسن عاضّ على إبهامه، فقال له: ما لي أراك ساكتا؟ فقال: وما عسىأن أقول: فقال: أخبرنا برأيك في أبي تراب، قال: إني سمعت الله يقول: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ [البقرة: ١٤٣] فعليّ ممّن هدى الله، ومن أهل الإيمان وابن عمّ نبي الله ﷺ وختنه على بنته، أحبّ الناس إليه، وصاحب سوابق مباركات سبقت له من الله ، لن تستطيع أنت ولا أحد من الناس يحظرها عليه، ولا يحول بينه وبينها. فتغيّر وجه الحجاج وقام مغضبا عن سريره، ودخل بيتا خلفه وخرجنا وأخذت بيد الحسن، فقلت: يا أبا سعيد، أغضبت الأمير، وأوغرت صدره، فقال: إليك عني يا عامر، ألست شيطانا من الشياطين إذ توافقه في رأيه! ألا صدقت إذ سئلت أو سكتّ فسلمت! فقلت: قلتها والله، وأنا أعلم بما فيها، قال الحسن: فذلك أعظم في الحجّة عليك، وأشدّ في التّبعة. ثم خرجت إلى الحسن التّحف والطّرف، وكانت له المنزلة واستخفّ بنا وجفانا، فكان أهلا لما أتى إليه، وكنّا أهلا لما أتى إلينا، فما رأيت مثل الحسن بين العلماء إلا مثل الفرس العربيّ فيما بين المقارف، وما شهدنا قط مشهدا إلّا برز علينا بفضله، وقال لله، وقلنا موافقة للولاة، وكان يقول: جدّدوا هذه الأنفس فإنها

стр. 1135

سريعة الدثور، واقدعوها فإنها طامحة وإنكم إن لم تقدعوها تنزع بكم إلى شر غاية. وقال لمطرّف بن عبد الله بن الشّخير: عظ أصحابك، فقال له: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل، فقال له: يرحمك الله، وأيّنا يقول ما يفعل! يودّ الشيطان أنه ظفر بهذه منكم، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر. ونظر إلى الناس في مصلّى البصرة يضحكون ويلعبون في يوم عيد، فقال: إن الله تعالى جعل الصوم مضمارا لعبيده، ليستبقوا إلى طاعته، ولعمري لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه، ومسيء بإساءته عن تجديد ثوب أو ترجيل شعر. ومات في سنة عشرة ومائة وله تسعون وتقدم موت ابن سيرين بمائة يوم، ومات في رجب ليلة الجمعة. وقال عبد الواحد بن زيد: رأيت ليلة مات الحسن في النّوم أبواب السماء كأنها مفتّحة، وكأنّ الملائكة صفوف، فقلت: أن هذا لأمر عظيم، فقال لي قائل: ألا إنّ الحسن البصريّ قدم على الله وهو عنه راض! . وسمع بعض أصحابه في منامه ليلة مات كأنّ مناديا ينادي في السماء: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ [آل عمران: ٣٣]، واصطفى الحسن البصري على أهل زمانه [عامر بن شراحيل الشعبي] والشعبيّ، اسمه عامر بن عبد الله بن شراحيل بن عبيد بن ذي كبار الشعبيّ من شعب همدان، وكنيته أبو عمرو، منسوب إلى شعبان بن عمرو، وهو من حمير، فمن كان منهم باليمن فهو حميريّ، ويقال: له شعبانيّ، ومن كان بالعراق فهو همداني، ويقال له شعبيّ. وولد لستّ سنين من خلافة عمر ﵁ سمع عليّ بن أبي طالب ﵁ والحسن والحسين وجماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وهو كوفيّ، وبه يضرب المثل في الحفظ، فيقال: أحفظ من الشعبيّ. وقال الزّهريّ: العلماء أربعة: سعيد بن المسيّب بالمدينة، وعامر الشعبيّ بالكوفة، والحسن البصريّ بالبصرة، ومكحول بالشأم. وقال ابن شبرمة: سمعت الشعبيّ يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدّثني رجل قطّ بحديث إلا حفظته، ولا أحببت أن يعيده عليّ. وقال الشعبيّ لأصحابه: ما أروى شيئا أقلّ من الشعر، ولو شئت لأنشدتكم شهرا لا أعيد. وكان الشعبيّ فقيها عالما حافظا أديبا، وقال: لولا ما زوجت في الرحم ما قامت لأحد معي قائمة.

стр. 1136

وكتب عبد الملك إلى الحجاج أن ابعث إليّ رجلا يصلح للدين والدنيا، أتّخذه سميرا وجليسا، فبعث إليه بالشعبيّ، فلما دخل عليه وجده مغتمّا، فقال: ما بال أمير المؤمنين؟ قال ذكرت قول زهير: [الطويل] كأني وقد جاوزت تسعين حجّة ... خلعت بها عنّي عذار لجامي رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمي وليس برام (١) فلو أنني أرمى بنبل رميتها ... ولكنّني أرمى بغير سهامي على الراحتين تارة وعلى العصا ... أنوء ثلاثا بعدهنّ قيامي فقال له الشعبي: ليس كذلك، ولكن كما قال لبيد بن ربيعة: [الطويل] كأنّي وقد جاوزت سبعين حجة ... خلعت بها عن منكبيّ ردائيا (٢) فلما بلغ سبعا وسبعين، قال: [البسيط] باتت تشكّي إليّ الموت مجهشة ... وقد حملتك سبعا بعد سبعينا (٣) فإن تراخت ثلاثا تبلغي أملا ... وفي الثلاث وفاء للثمانينا (٤) فلما بلغ التسعين، قال: [الكامل] ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذي النّاس كيف لبيد وغنيت سبتا قبل مجرى داحس ... لو كان للنّفس اللّجوج خلود فلما بلغ عشرين ومائة، قال: [الطويل] أليس ورائي إن تراخت منيّتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع (٥)

стр. 1137

أخبّر أخبار القرون الّتي مضت ... أنوء كأنّي كلّما قمت راكع فلما بلغ ثلاثين ومائة حضرته الوفاة، فقال: [الطويل] تمنّى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلّا من ربيعة أو مضر (١) فقوما فقولا بالّذي أنا أهله ... ولا تخمشا خدّا ولا تحلقا شعرا وقولا هو المرء الّذي لا صديقة ... أضاع ولا خان الخليل ولا غدر إلى الحول ثم اسم السّلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر قال الشعبيّ: فلقد رأيت السرور في وجه عبد الملك طمعا أن يعيشها. وقال الحريري في الدّرّة: حدثني أحد شيوخي أن ليلى الأخيليّة كانت تتكلم بلغة بهراء، فتكسر حرف المضارعة، فتقول: «أنت تعلم» فاستأذنت يوما على عبد الملك بن مروان وبحضرته الشعبيّ، فقال: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في الغضّ منها؟ فقال: افعل، فلما استقرّ بها المجلس قال لها الشعبيّ: يا ليلى، ما بال قومك لا يكتنون! فقالت: ويحك أما نكتني- بكسر النون- فقال: لا والله ولو فعلت لاغتسلت، فخجلت عند ذلك، واستغرق عبد الملك في الضحك. الأصمعي: وجّه عبد الملك الشعبيّ إلى ملك الروم في بعض الأمور، فاستكبر الشعبيّ، فقال له: من أهل بيت الملك أنت؟ قال: لا فلما أراد الرجوعإلى عبد الملك حمّله رقعة لطيفة، وقال له: إذا بلّغت صاحبك جميع ما يحتاج إلى معرفته من ناحيتنا فادفع إليه هذه الرقعة، فلمّا رجع إلى عبد الملك ذكر له ما احتاج إلى ذكره، ونهض. فلما خرج ذكر الرقعة، فرجع فقال: يا أمير المؤمنين إنّه حمّلني إليك رقعة أنسيتها، فدفعها إليه ونهض فقرأها عبد الملك، وأمر بردّه فقال: أعلمت ما في الرقعة؟ قال: لا، قال: فيها عجبت من العرب كيف ملّكت غير هذا! أفتدري لم كتب إليّ بهذا؟ قال: لا، قال: حسدني عليك، فأراد أن يغريني بقتلك، فقال الشّعبيّ: لو رآك يا أمير المؤمنين ما استكبرني. فبلغ ذلك ملك الروم، فذكر عبد الملك وقال: لله أبوه! والله ما أردت إلا ذلك. وكان الشعبيّ خرج مع عبد الرحمن بن الأشعث على الحجّاج، فلما هزم عبد الرحمن أتي به موثقا مع الأسرى، وكان حكم الحجاج فيهم: من أقرّ أنه كافر أبقاه، ومن أقرّ أنه مسلم قتله. قال: فلما جئت باب القصر لقيني يزيد بن مسلم كاتبه، فقال: إنا لله

стр. 1138

يا شعبيّ، لما بين دفتيك من العلم! وليس بيوم شفاعة، فقلت له: وما المخرج؟ فقال بؤ للأمير بالشّرك والنفاق، وبالحرى أن تنجو، فلمّا دخلت على الحجاج قال لي: وأنت يا شعبيّ ممن حرج علينا! قلت: أصلح الله الأمير! أحزن بنا المنزل، وأجدب بنا الجناب، واستحلسنا الخوف، وضاق الملك، وخبطتنا فتنة، لم نكن فيها بررة أولياء، ولا فجرة أقوياء، قال: لله أبوك! لقد صدقت والله ما بررتم بخروجكم علينا، ولا قويتم خلّوا سبيله. وكلم ابن هبيرة في قوم حبسهم، فقال: إن كنت حبستهم بباطل، فالحقّ يطلقهم، وإن كنت حبستهم بحقّ فالعفو يسعهم. ودخل عليه رجل من النّوكى، وهو جالس مع امرأة، فقال: أيّكما الشعبي؟ فقال له: هذا، فقال: ما تقول أصلحك الله في رجل شتمني في أوّل يوم من رمضان هل يؤجر؟ فقال له الشعبيّ: أما إن كان قال لك: يا أحمق، فأرجو له الأجر. وسأله آخر، فقال: ما تقول في رجل أدخل إصبعه في أنفه في الصلاة، فخرج عليها دم، أترى له أن يحتجم؟ فقال: الحمد لله الذي نقلنا من الفقه إلى الحجامة. وسأله آخر، كيف كانت تسمى امرأة إبليس؟ قال ذلك نكاح لم نشهده. ودخل الحمّام فرأى داود الأوديّ بلا مئزر، فغمّض عينيه، فقال له داود: متى عميت يا أبا عمرو؟ فقال: مذ هتك الله سترك. ومات في سنة أربع ومائة وهو ابن اثنتين وثمانين سنة. [الخليل بن أحمد الفراهيدي] والخليل ﵀ هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد البصريّ الفراهيديّ ينسب إلى فراهيد بن مالك بن فهم بن عبد الله بن مالك بن نصر الأزدي ويقال: اليحمديّ. واليحمد بطن من الأزد. وكان الخليل من أزهد الناس وأعلاهم نفسا، وأشدّهم تعفّفا، ولقد كان الملوك يقصدونه ويتعرّفون إليه لينال منهم، فلم يفعل، وكان يعيش من بستان له خلّفه عليه والده، وكان يغزو سنة ويحج أخرى، حتى جاءه الموت. محمد بن حميد، قال: تزوّجت إلى جيران الخليل، فنزلت عليهم، فكنت أسمع قرآن الخليل طول الليل، فقالوا لي: ما عرفنا من هذا الرجل إلا ما ترى، وإنه ليغيب عنّا في غزو وحجّ فنتوحّش إليه، وقالوا: لا يجوز الصراط بعد الأنبياء والصحابة أدقّ ذهنا من الخليل. وكانت تلك الفضيلة فيه ببركة اسم أبيه، لأنه أوّل من تسمّى بأحمد بعد رسول الله ﷺ . أبو عاصم: دخلت عليه قبل وفاته بأيام، فقال: والله ما فعلت قطّ فعلا أخاف على

стр. 1139

نفسي منه وكان لي فضل فكر، صرفته إلى جهة وددت أني كنت صرفته إلى غيرها. وما علمت أني كذبت متعمّدا قطّ، وأرجو أن يغفر الله لي التأوّل. واجتمع أدباء من كلّ أفق، فجعل أهل بلد يرفعون علماءهم، ويقدّمونهم حتى جرى ذكر الخليل، فلم يبق أحد إلا قال: الخليل أذكى العرب، وهو مفتاح العلوم ومصرّفها. النّضر: ما رأى الراءون مثل الخليل، ولا رأى الخليل مثل نفسه. وكان أشعث الرأس، شاحب اللون، قشف الهيئة، متخرّق الثياب، متقلّع القدمين، مغمورا في الناس لا يعرف. محمد بن الفضل: كان بالبصرة رجل يعطي دواء لظلمة البصر، فينتفع به الناس، فمات فأضرّ ذلك بمن كان يستعمله، فذكر للخليل فقال: أله نسخة؟ فقالوا: لم نجدها، قال: فهل كان له آنية يعمله فيها؟ قالوا: نعم، إناء يجمع فيه أخلاطا، قال: فجيئوني به، فجعل يتشمّمه، ويخرج نوعا نوعا حتى أخرج خمسة عشر نوعا، ثم سأل عن جمعها ومقاديرها فعرفه من كان يعالج مثله فعمله، وأعطاه الناس، فانتفعوا به مثل تلك المنفعة. ثم وجدت النسخة في كتب الرجل، فإذا فيها ستة عشر خلطا، فلم يغفل إلا عن خلّط واحد. وكتب إليه ملك اليونان كتابا باليونانية، فخلا به شهرا حتى فهمه، فقيل له في ذلك، قال: قلت: لا بدّ أن يفتتح الكتاب باسم الله تعالى وما أشبهه، فبنيت أوّل الحروف على ذلك حتى انقاست لي. النّضر بن شميل. جاء رجل من حلقه يونس، فسأل الخليل عن شيء، فأطرق يفكّر، فقالوا له: ما هذا مما يحتاج إلى فكر يفكّر فيه! فقال لهم: فما الجواب عندكم؟ قالوا: كذا، قال: فإنه يزيدكم في الجواب كذا، قالوا: يقول كذا، يقول: كذا، فانقطعوا، فقال: ما أجبت بجواب قطّ إلا وأنا أعرف آخر ما عليّ فيه. وكان يخرج من منزله فلم يشعر إلا وهو في الصحراء، ولم يردها لشغله بالفكر. وقال النضر: سمعت الخليل يقول: الأيام ثلاثة: فمعهود وهو أمس، ومشهود وهو اليوم، وموعود وهو غد. وقال الخليل: إذا نسخ الكتاب ثلاث نسخ ولم يعارض به تحوّل بالفارسية. ورأى مع رجل دفترا وفيه خطّ دقيق، فقال لصاحبه: أيست يا هذا من طول عمرك! . وقال: إن لم تعلّم الناس ثوبا فعلّمهم لتدرس بتعليمهم علمك، ولا تجزع من تفرّع السؤال، فإنّه ينبّهك على علم ما لم تعلم.

стр. 1140

وقال: أكثر من العلم لتفهم، واختر قليلا منه لتحفظ. وكان يقول: إذا خرجت من منزلي لقيت أحد ثلاثة، إمّا رجلا أعلم بشيء مني، فذلك يوم فائدة، أو مثلي فذلك يوم مذاكرة، أو دوني فذلك يوم ثواب. وقال: من الناس من يدري ويدري أنه يدري، فذلك عالم فاتّبعوه، ومنهم من لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فذلك جاهل فاحذروه، ومنهم من يدري ولا يدري أنه يدري، فذلك ضالّ فأرشدوه. وكان يقول: إذا أردت أن تعلم خطأ معلمك من صوابه فجالس غيره. وقال: أنا أول من سمّى الأوعية ظروفا؛ لأنّها جعلت ظرفا للأدب والنظافة. وقال: أدركت بعض ما أنا فيه باطّراح الحشمة بيني وبين المعلّمين، ومن رقّ وجهه في طلب العلم رقّ علمه. وقال: إذا أخطأ بحضرتك من تعلم أنه يأنف بإرشادك فلا تردّ عليه خطأه، فإنك إذا نبّهته على خطئه أسرعت إفادته، واكتسبت عداوته. وقال: اجعل ما تكتب بيت مال، وما في صدرك للنفقة. وقال: العلوم أقفال والسؤالات مفاتيحها. وقال: النّاس في سجن ما لم يتمازحوا. وقال: الرجل بلا صديق، كاليمين بلا شمال. وقيل له: إن استفساد الصديق أهون من استصلاح العدو، فقال: نعم، كما أن تخريق الثوب أهون من نسجه. وقيل له: ما الجود؟ فقال: بذل المجهود، قيل له: فما الزهد؟ قال: ألّا تطلب المفقود، حتى تفقد الموجود. وقال: الدنيا أمد، والآخرة أبد. وقال: حسب امرئ من الشرّ أن يرى في نفسه فسادا لا يصلحه، ومن علم بفساد نفسه علم بصلاحها، وأقبح التحوّل أن يتحوّل المرء من ذنب إلى غير توبة ولا إقلاع عنه. وقال: الدنيا أضداد متجاورة وأشباه متباينة، وأقارب متباعدة، وأباعد متقاربة. وقال: ثلاثة أشياء أنا أحبّها لنفسي ولمن أحبّ رشده: أحبّ أن أكون بيني وبين ربي من أفضل عباده، وأكون بيني وبين الخليقة من أوسطهم، وأكون بيني وبين نفسي من شرّهم. وقال عبد الله بن داود: لو كتب شيء بالذهب لكتب هذا. ونظر في فقه لأبي حنيفة، فقيل له: كيف ترى؟ فقال: أرى جدّا وطريق جدّ، ونحن في هزل وطريق هزل.

стр. 1141

وقال عبد الله بن داود: لقد نال الناس بالخليل وعلمه الرّغائب، وإنه لبين أخصاص البصرة، يزهد فيما يرغب فيه. وقال: ثلاث ينسين المصائب: مرّ الليالي، والمرأة الحسناء، ومحادثة الرجال. النّضر: سمعت الخليل يقول؛ التواني إضاعة، والحزم بضاعة، والإنصاف راحة، واللجاج وقاحة. وكان له غلام كثير الخلاف عليه، فقال له يوما: قم، فقال: لا أقوم، فقال: اقعد: فقال: لا أقعد، قال: فأيّ شيء تصنع؟ قال: لا أصنع شيئا ويشبه هذا قول الشاعر في امرأته: [الطويل] سكتّ فقالت لم سكتّ عن الحقّ ... وقلت فقالت: ما دعاك إلى النّطق فأومأت هل من حال بين ذا وذا ... فقالت وذا الإيماء أيضا من الحمق فلم أر لي إذ حلّت الغرب راحة ... من الشرّ إلا في الهروب إلى الشّرق فلما أتيت الشّرق ألفيتها به ... وقد قعدت لي منه في ضيّق الطّرق وإنما أكثرنا من أخباره لأنّها آداب، وحكم من اقتدى بها اهتدى، وما تركناه من أخباره أكثر، وذكر النحو والعروض مؤخّر إلى الخمسين إن شاء الله تعالى: ولتقدّمه في العلم ضربت الشعراء به المثل، فمن ذلك قول أبي تمام يهجو عياش ابن لهيعة: [الوافر] ولو نشر الخليل له لعمّت ... بلادته على فطن الخليل (١) فما أدري عمائي عن رشادي ... دهاني أم عماك عن الجميل وقال آخر: [مجزوء الكامل] يا من يزيد تمقّتا ... وتباغضا في كل لحظه والله لو كنت الخلي ... ل لما روينا عنك لفظه وأنشد المبرد: [الكامل] لم تدر ما علم الخليل فتقتدي ... ببيان ذاك ولا حدود المنطق وقال المعرّي: [الطويل] إذا قيل نسك فالخليل ابن آزر ... وإن قيل فهم فالخليل أخو الفهم ابن مزاحم الشاعر: كان الخليل صديقا لي، فدخلت عليه يوما؛ فقال: أجز [الطويل] * رأيت غنى الإنسان نفسا زكية*

стр. 1142

فقلت: [الطويل] * مطهّرة من كلّ رجس وباطل* فقال: [الطويل] * ففي عاجل الدنيا مديح ورفعة* فقلت: [الطويل] * وخير عظيم عاجل بعد آجل* فقال: والله جئت بما في نفسي، ثم قال: [الوافر] كأنّك كنت قد خامرت قلبي ... فجئت بما شفيت به الغليلا رأيت براعة الإيجاز أشفى ... فصار كثير غيرك لي قليلا وله: [البسيط] العلم يذكي عقولا حين يصحبها ... وقد يزيدهما طول التجاريب وذو التأدّب في الجهّال مغترب ... يرى ويسمع ألوان التّعاجيب وكان صديق سليمان بن حبيب، وأنشده الشعراء، فتشاغل عنهم سليمان، فذكروا ذلك للخليل فكتب إليه: [الكامل] لا تقبلنّ الشّعر ثم تعقّه ... وتنام والشّعراء غير نيام واعلم بأنّهم إذا لم ينصفوا ... حكموا لأنفسهم على الحكّام وجناية الجاني عليهم تنقضي ... وكلومهم تبقى على الأيّام *** [جرير بن عطية الخطفي] وأما جرير فهو ابن عطيّة بن الخطفي. شاعر من فحول العرب، واتّفقت العلماء على أنّ أشعر الإسلاميين جرير والفرزدق والأخطل، وأكثرهم على تفضيله عليهما. وسأذكر لك شيئا من غزله وهجوه، نستدلّ به على منزلة شرفه في الشعر: ورأت أمه وهي حامل به كأنها ولدت حبلا من شعر أسود، فلما سقط جعل ينزو فيقع في عنق هذا فيخنقه حتى فعل ذلك برجال كثيرة، فانتبهت فازعة فأوّلت الرؤيا، فقيل لها: تلدين غلاما شاعرا ذا أسر وشدة وشكيمة وبلاء على الناس، فلما ولدته سمته جريرا، باسم الحبل الذي رأته، فهاجاه ثمانون شاعرا، فغلبهم. وقال جرير: ما عشقت ولو عشقت لنسبت نسيبا تسمعه العجوز فتبكي على ما فاتها من شبابها. قالوا: وأرقّ ما جاء في النسيب قوله: [البسيط]

стр. 1143

إنّ العيون الّتي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا (١) يصرعن ذا اللّبّ حتى لا حراك له ... وهنّ أضعف خلق الله أركانا أتبعتهم مقلة إنسانها غرق ... هل ما ترى تارك للعين إنسانا! ومثل هذا أوجب على الحريري أن يذكر جريرا بالغزل، وإلا فقد أخذ عليه في ذكر جرير بالغزل، وإنما الذي اشتهر في زمانه بالغزل مثل عمر بن أبي ربيعة وكثيّر عزة وجميل وقيس بن ذريح وأمثال هؤلاء، وإنما اشتهر جرير بالمدح والهجو، ولانطباعه قد جاء في شعره من الغزل الرقيق كثير، وإن كان تكلّفا إذ لم يعشق. قال الجاحظ: كان الفرزدق مشتهرا بالنساء، ومع ذلك فليس له بيت واحد في النّسيب، وكان جرير عفيفا لم يعشق امرأة قط، ومع ذلك فهو أغزل الناس شعرا. وسئل الفرزدق عنه فتنفّس حتى كادت حيازيمه تنشق، ثم قال: قاتلة الله! فما أحسن ناحيته وأشرد قافيته، والله لو تركوه لأبكى الشابّة على أحبابها، والعجوز على شبابها، ولسكنهم هزّوه فوجدوه عند الهراش نابحا، وعند الجراء قارحا، ولقد قال بيتا، لأن أكون قلته أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس، وهو: [الوافر] إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت النّاس كلّهم غضابا وقال مسعود بن بشر: قلت لابن مناذر: من أشعر الناس؟ قال: من إذا شئت جدّ، وإذا شئت لعب، وإذا شئت أطمعك لعبه، وإذا رمته بعد عليك، وإذا جدّ فيما قصد له آيسك من نفسه. قلت: مثل من، قال: مثل جرير إذ يقول حين لعب: [الكامل] إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا (٢) غيّضن من عبراتهنّ وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا! ثم قال حين جدّ: [الكامل] إنّ الذي حرم المكارم تغلبا ... جعل الخلافة والنبوّة فينا (٣) مضر أبي وأبو الملوك فهل لكم ... يا خزر تغلب من أب كأبينا هذا ابن عمي في دمشق خليفة ... لو شئت قادكم إليّ قطينا

стр. 1144

فلما بلغ عبد الملك هذا، قال: ما زاد ابن المراغة أن جعلني شرطيّا له! أما إنه وقال: «لو شاء ساقكم» لسقتهم إليه كما قال. ونزل الفرزدق حين قدم على الأحوص فقال: ما تشتهي؟ قال شواء وظلّا وغناء، قال: ذلك لك، ومضى به إلى قينة فغنّته: [الوافر] ألا حيّ الديار بسعد إنّي ... أحبّ لحبّ فاطمة الدّيارا (١) إذا ما حلّ أهلك يا سليمى ... بدارة صلصل شحطوا مزارا أراد الظاعنون ليحرموني ... فهاجوا صدع قلبي فاستطارا فقال: ما أرقّ أشعاركم يا أهل الحجاز! قال: أو تدري لمن هذا؟ قال: هو لجرير يهجوك، قال: ويل لابن المراغة! ما كان أحوجه مع عفافه إلى صلابة شعري، وأحوجني مع فسوقي إلى رقة شعره، وفي الفرزدق منها: [الوافر] وكنت إذا نزلت بدار قوم ... رحلت بخزية وتركت عارا (٢) وقال جرير: [الطويل] لقد طال كتماني أمامة حبّها ... فهذا أوان الحبّ تبدو شواكله (٣) وإني وإن لام العواذل مولع ... بحبّ الغضا من حبّ من لا يزايله ولما استقرّ الحبّ القت بي العصا ... ومات الهوى لمّا أصيبت مقاتله وقلن تزوّج لا يكن لك حاجة ... وقلبك لا تشغل وهنّ شواغله وقال أيضا: [الكامل] يا أخت ناجية السّلام عليكم ... قبل الرّحيل وقبل لوم العذّل (٤) لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكم ... يوم الفراق فعلت ما لم يفعل

стр. 1145

وقال أيضا: [الوافر] بنفسي من تجنّبه عزيز ... عليّ ومن زيارته لمام (١) ومن أمسي وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النّيام أتذكر إذ تودّعنا سليمى ... بفرع بشامة سقي البشام وقال أيضا: [الكامل] لا تكثرنّ إذا جعلت تلومني ... لا يذهبنّ بفعلك الإكثار (٢) كان الخليط هم الخليط فزايلوا ... ولقد تبدّل بالديار ديار لا يلبث القرناء أن يتفرّقوا ... ليل يكرّ عليهم ونهار ومن هجوه في الراعي: [الوافر] فغضّ الطرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا (٣) وعند ما قال هذا البيت وثب قائما حتى أصاب السقف رأسه، وقال: أخزيته والله وغصصته، وقدّمت أخويه عليه، والله لا يفلح بعدها، وكان كما قال، ما أفلح بعدها هو ولا نمير. وقال في جندل بن الراعي: [الوافر] أجندل ما تقول بنو نمير ... إذا ما الأير في است أبيك غابا (٤) وأنشد القصيدة والفرزدق واقف، فلما بلغ إلى قوله: [الوافر] * ترى برصا بأجمع إسكتيها* وضع الفرزدق يده على فيه، وغطى عنفقته فقال: [الوافر] * كعنفقة الفرزدق حين شابا* فانصرف الفرزدق وهو يقول: اللهمّ أخزه، ولقد علمت حين بدأ البيت ألّا يقول غيرها، ولكن طمعت ألّا تأتيه. وقال في ابن لجا: [البسيط]

стр. 1146

تعرّضت تيم لي عمدا لأشتمها ... كما تعرّض لاست الخارئ الحجر (١) يا تيم تيم عديّ لا أبا لكم ... لا يلقينّكم في سوأة عمر وقال يذكر أمه: [البسيط] تقول والعبد مسكين يزحّرها ... رفقا فدا لك أتت النّاكح الذكر (٢) وبينا جرير ينشد في زوجته: [الكامل] لولا الحياء لعادني استعبار ... ولزرت قبرك والحبيب يزار (٣) كانت إذا هجر الضجيع فراشها ... كتم الحديث وعفّت الأسرار لا يلبث القرناء أن يتصدّعوا ... ليل يكرّ عليهم ونهار إذ طلع الأحوص فقطع إنشاده، ورفع صوته، يقول: [الوافر] عوى الشعراء بعضهم لبعض ... عليّ فقد أصابهم انتقام (٤) إذا أرسلت صاعقة عليهم ... رأوا أخرى تحرّق فاستداموا فمصطلم المسامع أو خصيّ ... وآخر عظم هامتيه حطام ثم عاد. فقيل: لم فعلت هذا؟ قال: إني نهيت الأحوص أن يعين الفرزدق [عليّ] وإني والله يا بني عمرو بن عوف ما تعوّذت من شاعر قط، ولولا حقكم ما تعوذت منه. الأصمعيّ: حدثني أبي قال: رأى رجل جريرا في المنام، فقال: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قال: بماذا قال بتكبيرة كبّرت الله في الخمر- وهو ماء بالبادية- قال: فما فعل أخوك الفرزدق؟ قال: هيهات أهلكه قذف المحصنات. قال الأصمعيّ: لم يدعه في الحياة ولا في الممات، وتوفّي سنة أربع عشرة ومائة. *** [قس بن ساعدة الإيادي] وأما قسّ بن ساعدة الإياديّ، فيضرب به المثل في الفصاحة والخطابة، فيقال: أبلغ من قسّ، وهو أسقفّ نجران، وهو من حكماء العرب، وكان مؤمنا بالله ومبشّرا برسوله، وهو أول من خطب متوكّئا على عصا، وأوّل من كتب: من فلان إلى فلان، وفيه يقول الأعشى: [الطويل]

стр. 1147

وأفصح من قس وأجرى من الذي ... بذى العين من خفّان أصبح خادرا (١) ولمّا قدم وفد بكر على رسول الله ﷺ ، سألهم عن رجل كان فيهم نازلا، يقال له: قسّ بن ساعدة الإياديّ، قالوا: هلك، فقال رسول الله ﷺ : «لقد رأيته بعكاظ يخطب على جمل له أورق وهو يقول: أيّها الناس اجتمعوا، واسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكلّ ما هو آت آت، ليل موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تغور، وبحر يمور. أمّا بعد، فإنّ في السماء لخبرا، وإنّ في الأرض لعبرا، ما لي أرى الناس يموتون ولا يرجعون، أرضوا بالإقامة فأقاموا، أم تركوا كما هم فناموا أقسم بالله قسّ قسما حقا، فما حنث ولا أثم، إنّ لله دينا هو أرضى من ديننا، هذا الذي نحن عليه، ثم قال أبياتا ما أحفظها»، فقال رجل من الأنصار: أنا شاهد يا رسول الله، بأبي أنت وأمي! قال: فأنشدنا، قال: سمعته يقول: [مجزوء الكامل] في الذّاهبين الأوّلي ... ن من القرون لنا بصائر (٢) لمّا رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها ... تمضي الأصاغر والأكابر لا يرجع الماضي ولا ... يبقى من الباقين عابر أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر وقال صاحب الأغاني فيه هو قسّ بن ساعدة بن عمرو بن عدي بن مالك بن أيدعان ابن النّمر بن واثلة بن الطّمثان بن عبد مناة بن يقدم بن أفصى بن دعميّ بن إياد. وكان يفد على قيصر زائرا فيكرمه ويعظّمه، فقال له قيصر: ما أفضل العلم؟ قال: معرفة الرجل بنفسه، قال: فما أفضل العقل؟ قال: وقوف المرء عند علمه، قال: فما أفضل الأدب؟ قال: استبقاء الرجل ماء وجهه: قال: فما أفضل المروءة؟ قال: قلة رغبة المرء في إخلاف وعده، قال: فما أفضل المال؟ قال: ما قضي به الحقّ. ابن عباس ﵄: وفد الجارود بن عبد الله في وفد عبد القيس، وكان سيّدا في قومه معظّما في عشيرته، فآمن وآمن قومه، فسرّ النبي ﷺ بهم، ثم قال: «يا جارود، هل في جماعة عبد القيس من يعرف لنا قسّا»؟ قال: كلنا نعرفه يا رسول الله، وأنا كنت من بينهم، أقفو أثره، وأطلع خبره، كان قسّ سبطا من أسباط العرب، صحيح

стр. 1148

النسب، فصيحا، ذا شيمة حسنة، عمّر سبعمائة سنة، يتقفّر القفار، ولا تكنّه دار، ولا يقرّه قرار، يتحسّى في تقفّره بعض الطعام، ويأنس بالوحوش والهوامّ، يلبس المسوح ويتبع السياح على منهاج المسيح، لا يغيّر الرّهبانية، مقرّ بالوحدانية، تضرب بحكمته الأمثال وتكشف به الأهوال، وتتبعه الأبدال، أدرك رأس الحوارييّن سمعان، فهو أول من تألّه من العرب وأعبد من تعبّد في الحقب، وأيقن بالبعث والحساب، وحذّر سوء المنقلب والمآب، ووعظ بذكر الموت، وأمر بالعمل قبل الفوت، الحسن الألفاظ، الخاطب بسوق عكاظ، العارف بشرق وغرب، ويابس ورطب، وأجاج وعذب، كأنّي أنظر إليه، والعرب بين يديه، يقسم بالربّ الذي هو له: ليبلغنّ الكتاب أجله، وليوفّينّ كلّ عامل عمله، ثم أنشأ يقول: [الخفيف] هاج للقلب من هواه ادّكار ... وليال خلالهنّ نهار ونجوم يحثّها قمر اللّي ... ل وشمس في كلّ يوم تدار ضوأها يطمس العيون وإرعا ... د شديد في الخافقين مثار وغلام وأشمط ورضيع ... كلّهم في التراب يوما يزار وقصور مشيّدة حوت الخي ... ر وأخرى خوت فهنّ قفار وكثير ممّا تقصر عنه ... حدسة النّاظر الذي لا يحار والّذي قد ذكرت دل على الله نفوسا لها هدى واعتبار. فقال النبيّ ﷺ : «على رسلك يا جارود، فلست أنساه بسوق عكاظ، على جمل له أورق، وهو يتكلّم بكلام مونق، ما أظنّ أحفظه، فهل فيكم يا معشر المهاجرين والأنصار من يحفظ لنا منه شيئا»؟ فوثب أبو بكر قائما، وقال: يا رسول الله، أنا أحفظه وكنت حاضرا بعكاظ حين خطب فأطنب، ورهّب ورغّب، وحذّر وأنذر، وقال في خطبته: أيّها الناس اسمعوا وعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا، إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكلّ ما هو آت آت، مطر ونبات، وأرزاق وأقوات، وآباء وأمهات، وأحياء وأموات، وجمع وشتات، وآيات بعد آيات، إنّ في السماء لخبرا، وإنّ في الأرض لعبرا. ليل داج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات رتاج، وبحار ذات أمواج، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون! أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا هناك فناموا! أقسم قسّ بالله قسما حقّا لا آثما فيه ولا حانثا، إنّ لله دينا هو أحبّ إليه من دينكم الذي أنتم عليه، ونبيّا قد حان حينه، وأظلّكم أو أنه وأدرككم إبّانه، فطوبى لمن آمن به فهداه، وويل لمن خالفه وعصاه! ثم قال: تبّا لأرباب الغفلة من الأمم الخالية، والقرون الماضية! يا معشر إياد، أين الآباء، والأجداد، وأين المريض والعوّاد، وأين الفراعنة الشّداد؟ أين من بنى وشيد، وزخرف ونجّد، وغرّه المال والولد! أين من بغى وطغى، وجمع فأوعى، وقال: أنا ربّكم الأعلى

стр. 1149

ألم يكونوا أكثر منكم أموالا، وأطول منكم آجالا، طحنهم الثّرى بكلكله، ومزّقهم بتطاوله، فتلك عظامهم بالية، وبيوتهم خاوية، عمّرتها الذئاب العاوية كلّا بل هو المعبود، ليس بوالد ولا مولود، ثم أنشأ يقول: في الذاهبين الأولين ... الأبيات المتقدمة. قال: ثم جلس أبو بكر ﵁، وقام رجل ذو هامة عظيمة، وقامة جسيمة، فقال: يا سيّد المرسلين، وصفوة ربّ العالمين، لقد رأيت من قسّ عجبا؛ أشرف بي جملي على واد، وشجر من شجر عاد، مورقة مونقة، وقد تهدّل أغصانها. قال: فدنوت منه، فإذا بقسّ في ظل شجرة، بيده قضيب من أراك ينكت به الأرض وهو يترنّم، ويقول: [البسيط] يا ناعي الموت والملحود في جدث ... عليهم من بقايا خزّهم خرق دعهم فإنّ لهم يوما يطاح بهم ... فهم إذا انتبهوا من نومهم فرق حتى يعودوا بحال غير حالهم ... خلفا جديدا كما من قبلها خلقوا منهم عراة ومنهم في ثيابهم ... منها الجديد ومنها المنهج الخلق قال: فدنوت منه، وسلّمت عليه، فردّ عليّ السلام، وإذا بعين خرارة، في أرض خوارة، ومسجد بين قبرين، وأسدين عظيمين، يلوذان به، ويتمسّحان بأثوابه، فأراد أحدهما أن يسبق إلى الماء، وتبعه الآخر يطلب الماء، فضربه قسّ بالقضيب، وقال: ارجع ثكلتك أمّك! حتى يشرب الذي ورد قبلك. فرجع ثم ورد بعده، فقلت له: ما هذان القبران؟ قال: هذان قبر أخوين لي كانا يعهدان الله معي في هذا المكان، لا يشركان بالله شيئا، فأدركهما الموت فقبرتهما، وها أنا بين قبريهما، حتى ألحق بهما. ثم نظر إلى السماء فتغرغرت عيناه بالدموع، وانكبّ عليهما، وجعل يقول: [الطويل] خليليّ هبّا طالما قد رقدتما ... أجدّ كما لا تقضيان كراكما ألم تعلما أني بسمعان مفرد ... وما لي فيها من خليل سواكما مقيم على قبريكما لست بارحا ... طول اللّيالي أو يجيب صداكما أبكيكما طول الحياة وما الّذي ... يردّ على ذي عولة إن بكاكما كأنكما والموت أقرب غاية ... بروحي في قبريكما قد أتاكما أمن طول نوم لا تجيبان داعيا ... كأنّ الذي يسقي العقار سقاكما فلو جعلت نفس لنفس وقاية ... لجدت بنفسي أن تكون فداكما فقال رسول الله ﷺ : «رحم الله قسّا، إني لأرجو أن يبعثه الله أمة وحده». ***

стр. 1150

[عبد الحميد الكاتب] وأما عبد الحميد، فهو ابن يحيى بن سعيد، كاتب مروان بن محمد، آخر ملوك في أمية، وكتب أيضا للمنصور. وقيل إنه قتل مع مروان. وكان رأسا في الكتابة، ومقدما في الفصاحة والخطابة، بليغا مرسلا، وقال فيه ابن عبد ربه: كتب عبد الحميد بن يحيى لعبد الملك بن مروان، وكتب لسليمان بن عبد الملك، وليزيد بن عبد الملك، ثم لم يزل كاتبا لخلفاء بني أمية؛ حتى انقضت دولتهم. وعبد الحميد أوّل من فتق أكمام البلاغة، وسهّل طرقها، وفكّ رقاب الشعر. وقال له مروان حين أيقن بزوال ملكه: قد احتجت أن تصير مع عدوّي، وتظهر الغدر بي؛ فإنّ إعجابهم بآدابك يدعوهم إلى حسن الظنّ بك، فإن استطعت أن تنفعني في حياتي، وإلّا لم تعجز عن حفظ حرمتي بعد وفاتي. فقال له عبد الحميد: إنّ الذي أشرت به عليّ أنفع الأمرين لك، وأقبحهما لي، وما عندي إلا الصبر حتى يفتح الله لي ولك، أو أقتل معك. ثم قال: [الطويل] أسرّ وفاء ثم أظهر غدرة ... فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره وعبد الحميد هو صاحب الرسائل والبلاغات، وهو أوّل من أطال الرسائل، واستعمل التحميدات في فصول الكتب، واستعملت بعده، وهو القائل: البلاغة تقرير المعنى في الأفهام، من أقرب وجوه الكلام. ولم يزل الشّعراء ومهرة الكتبة يضربون ببلاغته وكتابته الأمثال في كتبهم وأشعارهم في القديم والحديث، كفضل الصاحب وقرنائه، مع طبع سمح ولفظ عذب، وصلة نثر ينظم، فإن شاء قال: أنا الوليد، وإن شاء قال: أنا عبيد، وإن شاء قال: أنا عبد الحميد، وإن شاء قال: أنا سعيد. وقيل: بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد. *** [أبو عمرو بن العلاء] وأما أبو عمرو فهو ابن العلاء بن عمار بن عبد الله بن الحصين بن الحارث بن جلهم بن خزاعيّ بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم: واسمه وكنيته واحد في الأشهر. الفنجديهيّ: اختلف في اسمه على تسعة عشرة قولا، فقيل: اسمه محمد أو حميد أو حمّاد أو عثمان أو سفيان أو غير ذلك، وأصحّها زبّان. واختلف في مولده. فقيل: ولد سنة خمس وستين بمكة في أيام عبد الملك بن مروان: وقيل: سنة سبعين.

стр. 1151

أبو عبيدة: كان أبو عمرو أسمر طويلا ضرب اليدين، حادّ النظر، ما رأيت مثله قبله ولا بعده في فهمه ولا علمه، وكان صاحب غريب ونحو وعلم، وهو أحد الأئمة في القراءة، وعنه أخذ يونس والأصمعيّ وأبو عبيدة. وفيه يقول الفرزدق: [البسيط] ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمّار (١) وقال ابن مجاهد: كان أبو عمرو مقدّما في عصره، عالما بالقراءة ووجوهها، قدوة في العلم باللّغة، إمام الناس في العربية. وكان مع ذلك متمسكا بالآثار، ولا يكاد يخالف في اختياره ما جاء من الأئمة قبله، متواضعا في علمه. وقال أبو عبيدة: كان أبو عمرو أعلّم النّاس بالقرآن والعربية وأيّام العرب وأنسابها وشعرها، وكانت دفاتره ملء بيت، فلمّا تنسّك أحرقها، وجعل على نفسه أن يختم القرآن في كلّ ثلاث ليال، فلما أسنّ اختلط بالناس، واحتاجوا إليه فعوّل على حفظه، فأملى من حفظه كتب الناس ووقع عليه الإجماع. روى الأصمعيّ عن أبي عمرو قال: كنت اسمر مع مسلم بن قتيبة الباهليّ وكان يعجبه الرّويّ على السين، فأنشدته ليلة ستين قصيدة على السين لستّين شاعرا، اسمهم عمرو. الأصمعيّ: كان لأبي عمرو كلّ يوم من غلّة داره فلسان: فلس يشتري به كوزا، وفلس يشتري به ريحانا، يشرب في الكوز يومه، ويشمّ الريحان يومه، فإذا أمسى تصدّق بالكوز، وأمر الجارية أن تجفّف الريحان وتدقّه في الأشنان. الأصمعيّ: قال أبو عمرو: كنت في ضيعتي، فاشتدّ عليّ الحرّ، فكنت أدور في سدر فيها نصف النهار، فسمعت قائلا يقول: [الطويل] وإنّ امرأ دنياه أكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور (٢) فقلت: إنسيّ أم جنّي؟ فما أجابني، فنقشته في خاتمي، فكان نقش خاتمه. الأصمعيّ: كنت واقفا بالمربد، وإذا أنا بأبي عمرو، فلما بصر بي مال إليّ، فقال: ما وقوفك هنا يا أصمعيّ؟ قلت: إني أحبّ المربد وأكثر الجلوس فيه، فقال: الزمه، فإنه

стр. 1152

يشدّ النظر ويجلو البصر، ويجمع بين ربيعة ومضر. ثم أردت الانصراف، فقال: إلى أين يا أصمعيّ؟ فقلت: إلى صديق لي، فقال: إمّا لفائدة أو لعائدة أو لمائدة وإلّا فلا. ثم قال لي: مالي أراك بلا عمامة؟ قلت: لا عمامة لي، فنزع عمامته عن رأسه فدفعها إليّ، فكبر ذلك عليّ، فقال لي: إنّ لي بدلها إحدى عشرة عمامة، ثم قال لي: الزم العمامة، فإنّها تشد اللّامة، وتحفظ الهامة، وتزيد في القامة، ثم استخرج من كمّة كيسا فدفعه إليّ ثم قال: يا أصمعيّ، لا زلتم بخير ما دمتم تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، فإذا تركتم ذلّك سلّط الله عليكم أقواما غلاظا فظاظا، خبرتكم على قدر معرفتكم. وأما قراءته وإعرابه المذكوران في المقامة، فإن شجاع بن نصر، قال: قلت لأبي عمرو: كيف طلبت قراءة القرآن؟ قال: لم أزل أطلب أن أقرأه كما قرأه رسول الله ﷺ ، وكما أنزل عليه، فقلت له: وكيف ذلك؟ قال: هرب أبي من الحجّاج، وأنا شابّ، فقدمنا مكة، فلقيت بها عدّة من التابعين ممّن قرأ على أصحاب رسول الله ﷺ ، مثل مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وغيرهم، فقرأت عليهم القرآن، وأخذت العربية عن العرب الّذين سبقونا باللحن، فهذه التي أخذت بها قراءة رسول الله ﷺ ، فاشدد يدك بها. وقال: خرج أبي هاربا من الحجّاج إلى اليمن، فإنّا لنسير في الصحراء باليمن إذ لحقنا لا حق ينشد: [الخفيف] ربّما تجزع النّفوس من الأم ... ر له فرجة كحلّ العقال (١) فقال له أبي: ما الخبر؟ فقال: مات الحجاج، فأنا بقوله: «فرجة» بفتح الفاء أشدّ سرورا مني بموت الحجاج، فقال أبي: اصرف ركبانا إلى البصرة. الفنجديهيّ: رأيت في بعض الفوائد أنّ الحجاج قال لأبي عمرو: ما وجه قراءتك: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً [البقرة: ٢٤٩] بفتح الغين؟ فقال: ابلعي ريقي، فقال: قد أبلعتك الفرات. وقال: قاتل الله ابن أم الحجاج، لئن لم تأتني بالجواب إلى خمسة عشر يوما لأقتلنّك شرّ قتلة، ووكّل به موكلين، فخرج أبو عمرو يطوف في أحياء العرب، فلم يجد له حجّة إلى يوم وعده، فجرّه الموكّلون به ليرجعوه إلى الحجاج، فسمع راعيا ينشد: ربّما تجزع النفوس ... البيت، فقال له أبو عمرو: كيف تنشد هذا البيت: له فرجة أو فرجة، فقال: فرجة وفرجة، وكذلك كلّ ما جاء على فعلة، فلنا فيه ثلاث لغات، فقال له أبو عمرو: فما سبب إنشادك هذا البيت في هذا الوقت؟ فقال: إنّا كنّا خائفين من

стр. 1153

الحجاج، وقد بلغنا نعيه، قال: والله لا أدري بأيهما كنت أشدّ فرحا، بوجداني الجواب والحجّة لقولي واختياري، أم بموت الحجّاج! . سفيان بن عيينة: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقلت له: يا رسول الله، قد اختلفت عليّ القراءات، فبقراءة من تأمرني أن أقرأ؟ قال: بقراءة أبي عمرو بن العلاء. وقال أبو العباس بن سريج: من أراد أن يتظرّف فعليه بمذهب الشافعي، وقراءة أبي عمرو بن العلاء وشعر ابن المعتز، فقيل له: قد عرفنا مذهب الشافعيّ وقراءة أبي عمرو ابن العلاء، فأنشدنا من شعر ابن المعتزّ ما يوجب الظّرف فأنشد: [المنسرح] كنت صباحي قرير عين ... فصرت أمسي صريع بين بعين نفسي أصبت نفسي ... فالله بيني وبين عيني وكان يقول: إنّما نحن فيمن مضى، كبقل في أصول نخل طوال. وقال أبو عمرو: ناظرت عمرو بن عبيد في الوعيد، فقال: إن الله تعالى لا يوعدنا بشيء فيخلفه، فقلت له: يا أبا عثمان، ليس لك علم باللغة، إنّ خلف الوعيد عند العرب ليس بخلف، وأنشد: [الطويل] وإني وإن أوعدته أو وعدته ... ليكذب إبعادي ويصدق موعدي (١) وقال أبو عمرو: كنت رأسا والحسن حيّ. وتوفّي بالكوفة سنة أربع وخمسين ومائة، وهو ابن ست وثمانين سنة، وعلى قبره مكتوب «هذا أبو عمرو بن العلاء مولى بني حنيفة». وإنما قيل هذا لأن أمه كانت من بني حنيفة. أبو عبيدة: دخل أبو عمرو على سليمان بن عبد الملك، فسأله عن شيء فصدقه فيه، فلم يعجبه ما قال، فخرج أبو عمرو وهو يقول: [المتقارب] أنفت من الذلّ عند الملوك ... وإن أكرموني وإن قرّبوا إذا ما صدقت لهم خفتهم ... ويرضون منّي بأن يكذبوا وقال أبو بكر بن مجاهد: رأيت أبا عمرو في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال لي: دعني مما فعل الله بي، من أقام ببغداد على السنّة والجماعة ومات، نقل من جنة إلى جنة. ***

стр. 1154

[الأصمعي] وأما ابن قريب، فهو أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عليّ بن أصمع، وإلى أصمع هذا ينسب. وأصمع فخذ من بني قتيبة بن معن بن أعصر بن سعيد بن قيس بن عيلان، وبنو معن هم بنو باهلة وباهلة، امرأة من همدان تزوّجت معنا فنسب ولده إليها. والأصمع في اللغة الضّامر الذي ليس بمنتفخ، ومنه الصّومعة لضمرها، وتدقيق رأسها، ومثله قولهم: جاء بثريدة مصمّعة؛ إذا رققها وأحد رأسها، وسهم متصمّع: متلطّخ بالدم، فانضمّت قذذه. وكان الأصمعيّ حافظا عالما عارفا بأشعار العرب وأخبارها، كثير التطوّف بالبوادي لاقتباس علومها وتلقّي أخبارها، فهو صاحب غرائب الأشعار، وعجائب الأخبار، وقدوة الفضلاء، وقبلة الأدباء، قد استولى على الغايات، في حفظ اللغات، وضبط العلوم الأدبيّات، صاحب دين متين، وعقل رصين، وكان خاصّا بالرشيد، آخذا لصلاته كثيرا، وقد تقدّم في هذا الكتاب من الحكايات المسندة إلى الأصمعيّ، ما يدل على تبحّره وحفظه. ومن حكاياته عن إعرابه على ما أشار له الحريريّ هنا: حدّث الأصمعي ﵀، قال: أعرابي: حسن التدبير مع الكفاف، أكفى من الكثير مع الإسراف. الأصمعي: سمعت أعرابيّا يقول: من كساه الحياء ثوبه، أخفى على الناس عيبه، الأصمعيّ: قال أعرابيّ: من اقتصد في الغنى والفقر، فقد استعدّ لنائبات الدهر. قال: وقال أعرابيّ: عداوة الحكيم أقلّ عليك ضررا من مودّة الجاهل منهم. قال: وقال أعرابيّ: أعجز النّاس من قصّر في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم. وقال: تزوّج أعرابيّ إلى بعض الحاضرة، فلمّا كان ليلة دخوله بها، إذا هي أدماء مجدورة، فخرج من البيت وهو ينشد ويقول: [السريع] زوّجتني أدماء مجدورة ... كأنها من خشب البيت قبيحة الوجه لها منظر ... يفرّ منه ملك الموت قال: وجرى بين أعرابيّ وبين امرأته كلام بالمربد، فشتمته، فقال لها: اسكتي، فو الله ما شعرك بوارد، وما فوك ببارد، ولا ثديك بناهد، ولا بطنك بوالد، ولا الخير فيك بزائد، ولا الشرّ فيك بواحد، وما أنا لك بحامد، ولا بعد موتك بواجد. ونذكر بعد ذلك حكايته المشهورة مع الرشيد ووزرائه، ويحتمل طولها لما احتوت عليه من غرائب الآداب، وكان مجلس مذاكرة بين أفراد، فأظهركلّ رجل منهم أفضل ما يذكر.

стр. 1155

حدث الأصمعيّ قال: استدعاني الرّشيد في بعض الليالي، وقد تصرّمت قطعة من الليل، فراعتني رسله، ولم أفتأ أن مثلت بين يديه، وإذا في المجلس يحيى بن خالد وجعفر والفضل، فلمّا لحظني الرشيد استدناني، فدنوت منه فتبيّن ما لبسني من الوجل، فقال لي: ليفرخ روعك، فما أردناك إلا لما يراد له مثلك، فمكثت هنيهة إلى أن ثابت إليّ نفسي بعد أن كادت تطير شعاعا، فقال: إني نازعت هؤلاء القوم في أشعر بيت قالته العرب في التّشبيه، ولم يقع إجماعنا على بيت، فأردناك لفصل هذه القضية، واجتناء ثمرة الخطار فيها فقلت: يا أمير المؤمنين، إن التعبين على بيت واحد في نوع واحد- قد وسعت العرب فيه، وجعلته معلما لأفكارها، ومستراحا لخواطرها- لبعيد أن يقع النص عليه، ولكن أحسن الناس تشبيها امرؤ القيس في قوله: [الطويل] كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لذى وكرها العنّاب والخشف البالي (١) وفي قوله: [الطويل] كأنّ عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الّذي لم يثقّب (٢) وفي قوله: [المتقارب] ولو عن نثا غيره جاءني ... وجرح اللسان كجرح اليد (٣) وفي قوله: [الطويل] سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سموّ حباب الماء حالا على حال (٤) فالتفت إليّ يحيى، وقال: هذه واحدة، قد نصّ على امرئ القيس أنّه أبدعهم تشبيها. قال يحيى: هي لك يا أمير المؤمنين، ثم قال لي الرشيد: فما أبدع تشبيهاته عندك؟ قلت: قوله يصف فرسا: [المتقارب] كأن تشوّفه بالضّحى ... تشوّف أزرق ذي مخلب إذا قرعته حلال له ... تقول سلبت ولم تسلب فقال: هذا حسن، وأحسن منه قوله: [الطويل] فرحنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تصوّب فيه العين طورا وترتقي (٥)

стр. 1156

فقال جعفر: يا أمير المؤمنين، ما هذا التحكّم؟ قال الرشيد: وكيف؟ قال: يذكر أمير المؤمنين ما وقع اختياره عليه، ونذكر ما اخترناه، ويكون الحكم واقعا بعد، فقال الرشيد: أمرضت، فاستحسنها- يقال: أمرض الرجل: إذا قارب الصواب- ثم قال الرشيد: بل تبدأ يا يحيى، فقال يحيى: أحسن الناس تشبيها النابغة في قوله: [الكامل] نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السّقيم إلى وجوه العوّد (١) وفي قوله: [الطويل] فإنّك كاللّيل الّذي هو مدركي ... وإن خلت أنّ المنتأى منك واسع (٢) وفي قوله: [البسيط] من وحش وجرة موشيّ أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصّقيل الفرد (٣) فقال الأصمعيّ: أما تشبيهه مرض الطّرف فحسن، إلّا أنه هجّنه بذكره العلة، وتشبيهه المرأة بالعليل. وأحسن منه قول عدي بن الرقاع العامليّ: [الكامل] وكأنّها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم (٤) وسنان أقصده النعاس فرنّقت ... في عينه سنة وليس بنائم وأما تشبيه الإدراك بالليل، فقد تساوى الليل والنهار فيما يدركانه، وإنما كان سبيله أن يأتي بما ليس له قسيم، حتى يأتي بمعنى ينفرد به، ولو قال قائل: إنّ قول النمري في هذا أحسن، لوجد مساغا إلى ذلك حيث يقول: [الطويل] فلو كنت بالعنقاء أو بسنامها ... لخلتك إلّا أن تصدّ تراني وأما قوله: [البسيط] * طاوي المصير كسيف الصّيقل الفرد* فالطرّماح أحق بهذا المعنى، لأنه أخذه فجوّده وزاد عليه، وإن كان النابغة اخترعه، وقول الطرماح: [الطويل] يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسلّ ويغمد (٥)

стр. 1157

فقد جمع في هذا البيت استعارة لطيفة بقوله: «وتضمره البلاد» وتشبيهه اثنين بقوله: «يبدو وتضمر» «ويسلّ ويغمد»، وجمع حسن التقسيم وصحة المقابلة. قال الأصمعيّ: فاستبشر الرشيد وبرقت أسارير وجهه، حتى خلت برقا يومض منها، وقال ليحيى: فضلتك ورب الكعبة، فانتقع يحيى، فكأنّ الرّماد ذرّ على وجهه، قال الفضل: لا تعجل يا أمير المؤمنين، حتى أمرّ ما قلته بسمعه، فقال: قل، قال: أحسن الناس تشبيها طرفة في قوله: [الطويل] ووجه كأنّ الشمس ألقت رداءها ... عليه نقيّ اللون لم يتخدّد (١) وفي قوله: [الطويل] يشقّ حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم التّرب المقايل باليد (٢) قال: فقلت: هذا حسن وغيره أحسن منه، قد شركه في هذا المعنى جماعة من الشعراء، وبعد فطرفة صاحب واحدة، لا يقطع بقوله مع التجوّز، وإنما يعدّ من أصحاب الواحدة قال: ومن أصحاب الواحدة؟ قلت: الحارث بن حلّزة في قوله: [الخفيف] آذنتنا بينها أسماء ... ربّ ثاو يملّ منه الثّواء (٣) والأسعر الجعفي في قوله: [الطويل] هل دان قلبك من سليمى فأشتفي ... ولقد عنيت بحبّها فيما مضى والأفوه الأوديّ في قوله: [الرمل] إن ترى رأسي فيه قذع ... وشواتي خلة فيها دوار (٤) وعلقمة في قوله: [الطويل] * طحا بك قلب في الحسان طروب (٥) * وسويد بن أبي كاهل في قوله: [الرمل]

стр. 1158

بسطت رابعة الحبل لنا ... فوصلنا الحبل منها فاتّسع وعمرو بن كلثوم في قوله: [الوافر] ألا هبّي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا (١) وعمرو بن معد يكرب في قوله: [الوافر] أمن ريحانة الدّاعي السميع ... يؤرّقني وأصحابي هجوع (٢) فاستخفّت الرشيد الأريحيّة، وقال: ادنه، فإنّك جحيش وحدك، وزدت في عيني نبلا، فقال جعفر: [الرجز] * لبّث قليلا يدرك الهيجا حمل (٣) * يعرّض بأنه قد يجوز أن يدرك ما يحاوله، فقال له الرشيد: فاتتك والله السوابق، وجئت سكينا ذا زوائد أربع، قال: ورأيت الحميّة في وجهه، فقال جعفر: على شريطة حلمك. قال: أتراه يسع غيرك ويضيق عنك؟ فقال جعفر: لست أنصّ على شاعر واحد أنّه أحسن الناس في بيت تشبيها، ولكن قول امرئ القيس: [الطويل] كأنّ غلامي إذ علا حال متنه ... على ظهر باز في السّماء محلّق (٤) وقول عديّ بن الرقاع: [الكامل] يتعاوران من الغبار ملاءة ... غبراء محكمة هما نسجاها (٥) تطوى إذا وردا مكانا جاسيا ... وإذا السّنابك أسهلت نشراها وقول النابغة: [الطويل] بأنّك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب (٦) قال الأصمعيّ: قلت: هذا حسن كلّه بارع، وغيره أحسن منه، وإنما يجب أن يقع

стр. 1159

التعيين على ما اخترعه قائله فلم يتعرّض له، أو تعرّض له شاعر، فوقع دونه، فأمّا قول امرئ القيس: [الطويل] * على ظهر باز في السّماء محلق* فمن قول أبي دواد: [الطويل] إذا شاء راكبه ضمّه ... كما ضمّ بازي السماء الجناح (١) وأما قول عدي: [الكامل] * يتعاوران من الغبار ملاءة* فمن قول الخنساء: [الكامل] جاري أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر (٢) وأول من نطق به جاهلي من بني عقيل، قال: [الطويل] ألا يا ديار الحيّ بالبردان ... عفت حجج بعدي لهنّ ثماني (٣) فلم يبق منها غير نؤي مهدّم ... وغير أثاف كالرّكي دفان وآثار هاب أورق اللون سافرت ... به الرّيح والأمطار كلّ مكان قفار مروراة يحار بها القطا ... ويضحي بها الجابان يعتركان يثيران من نسج الغبار عليهما ... قميصين أسمالا ويرتديان وشارك عديّا أبو النجم، وأورده في أحسن لفظ، قال يصف عيرا وأتانا وما أثاراه من الغبار بعدوهما: [الرجز] القى بجنب القاع من حيالها ... سرباله وانشام في سربالها وأما قول النابغة: [الطويل] * بأنّك شمس والملوك كواكب* فقد تقدّمه فيه شاعر قديم من شعراء كندة يمدح عمرو بن هند، وهو أحقّ به من النابغة؛ إذ كان أبا عذرته، فقال: [الطويل]

стр. 1160

كادت تميد الأرض بالناس إذ رأوا ... لعمرو بن هند غضبة وهو عاتب هو الشمس وافت يوم سعد فأفضلت ... على كلّ ضوء والملوك كواكب قال: فكأنّي والله ألقمت جعفرا حجرا. فاهتز الرشيد فوق سريره، وكاد يطير عجبا وطربا، وقال: والله، لله درّك يا أصمعيّ، اسمع الآن ما كان وقع عليه اختياري، فقال: ليقل أمير المؤمنين أحسن الله توفيقه، فقال: عيّنت على ثلاثة أشعار، أقسم بالله إني أملك السبق بأحدها، فقال يحيى: خفّض على هينتك، فأبى اللهإلا أن يكون لك الفضل، ثم قال الرشيد: أتعرف يا أصمعيّ تشبيها أفخر وأعظم في أحقر مشبه وأصغره في أحسن معرض، من قول عنترة الذي لم يسبقه إليه سابق، ولا نازعه منازع، ولا طمع في مجاراته طامع، حين شبّه ذباب الرّوض العازب في قوله: [الكامل] وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشّارب المترنّم (١) هزجا يحكّ ذراعه بذراعه ... فعل المكبّ على الزّناد الأجذم ثم قال: يا أصمعيّ هذا من التشبيهات العقم التي لا تنتج، شبّهت بالريح العقيم التي لا تنتج ثمرة، ولا تلقح شجرة، فقلت: كذلك هو يا أمير المؤمنين، وبمجدك آليت ما سمعت قطّ أحدا يصف شعرا بأحسن من هذه الصفة، ولا استطاع بلوغ هذه الغاية، فقال: مهلا، لا تعجل أتعرف أحسن من قول الحطيئة يصف لغام ناقته، أو تعلم قبله أو بعده شبّه تشبيهه حيث يقول: [الطويل] ترى بين لحييها إذا ما ترغّمت ... لغاما كنسج العنكبوت الممدّد (٢) فقلت: والله ما علمت أحدا تقدّمه إلى هذا التشبيه، أو أشار إليه بعده ولا قبله، قال: أتعرف بيتا أبدع وأوقع من تشبيه الشّماخ لنعامة سقط ريشها، وبقي أثره في قوله: [البسيط] كأنّما منثنى أقماع ما مرطت ... من العفاء بليتيها الثّآليل (٣) فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين، فالتفت إلى يحيى، فقال: أوجب، فقال: وجب، فقال: أأزيدك؟ فقال: وأيّ خبر لم يزدني منه أمير المؤمنين! قال: وقول النابغة الجعديّ: [الطويل] رمى ضرع ناب فاستهلّ بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهّم (٤)
следующие страницы →