قال ابن رشيق: وأكثر ما تجري هذه الممادح والمذامّ على جهة المنافقة، لا على جهة المناصفة، ومن باب المسامحة لا من باب المشاححة، وإلّا فالشيء لا يوافق ضده، فيكون الحسن قبيحا في حالة واحد، والمدح ذمّا لمعنى واحد، لكن لكلّ شيء- كما ذكر الجاحظ- مساوئ ومحاسن؛ كما فعل عمرو بن الأهتم بين يدي رسول الله ﷺ وقد استشهده الزّبرقان بن بدر على ما ادّعاه من الشرف في قومه، قال عمرو: أجل يا رسول الله، إنه مانع حوّزته، مطاع في أنديته، شديد العارضة. فقال الزبرقان: أما والله لقد علم أكثر مما قال؛ ولكن حسدني شرفي، فقال عمرو: أما وقد قال ما قال، فو الله ما علمته إلا ضيّق الطعن زمر المروءة، لئيم الخال، حديث الغنى فرأى الكراهة في عين رسول الله ﷺ لمّا اختلف قوله، فقال: يا رسول الله، رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت؛ وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الثانية، فقال رسول الله ﷺ : «إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة» (١).
وكتب يزيد بن معاوية في صدر كتابه إلى عبيد الله بن زياد- وقد ولّاه محاربة الحسين بن عليّ ﵄ وكان قبل ذلك يسيء الرأي فيه: أمّا بعد، فإن المسبوب يوما ممدوح، وإنّ الممدوح يوما مسبوب.
ويروى أن عيسى ﵊ لم يعب شيئا قط، فمرّ يوما بكلب ميّت، فقال أصحابه: ما أنتن ريحه! فقال عيسى ﵊: ما أحسن بياض أسنانه! .
وقالت للحضين بن منذر امرأة: كيف سدت وأنت دميم بخيل! فقال: لأني سديد الرأي، شديد الإقدام.
وقال مسلمة بن عبد الملك لأخيه هشام: كيف تطمع في الخلافة وأنت بخيل، وأنت جبان! فقال: لأني حليم، وأنا عفيف؛ فسلّم لعائبه ما ادّعاه من مساوئه، وذكر من محاسنه ما لم ينازع فيه.
صعد خالد بن عبد الله القسريّ منبر مكة يوم الجمعة، وهو أمير للوليد بن عبد الملك بن مروان، فأثنى على الحجّاج خيرا، فلما كانت الجمعة الثانية وقد مات الوليد، ورد عليه كتاب سليمان يأمره بشتم الحجّاج وذكر عيوبه، وإظهار البراءة منه، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّ إبليس كان يظهر من طاعة الله ما كانت الملائكة ترى له به عليهم فضلا، وكان الله قد علم من غشّه ما خفي عن الملائكة، فلما أراد الله فضيحته ابتلاه بالسّجود لآدم، فظهر لهم ما كان يخفيه منهم، فلعنوه. وإنّ
стр. 107
الحجّاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنّا نرى له به فضلا، وكان الله قد أطلع أمير المؤمنين من غلّه وغشّه على ما خفي عنّا؛ فلما أراد فضيحته أجرى ذلك على يد أمير المؤمنين فالعنوه لعنة الله. ثم نزل.
ومرّ غيلان بن خرشة الضّبّي مع عبد الله بن عامر بنهر أم عبد الله الذي يشقّ البصرة، فقال عبد الله: ما أصلح هذا النّهر لأهل هذا المصر! فقال غيلان: أجل والله أيّها الأمير؛ يتعلّم العوم فيه صبيانهم، ويكون لسقائهم ولسيل مياههم، ويأتيهم بميرتهم؛ ثم عاد ابن عامر فساير زيادا عليه، فقال زياد: ما أضرّ هذا النهر لأهل هذا المصر! فقال:
أجل والله أيّها الأمير، تنزّ منه دورهم، ويغرق فيه صبيانهم، ويكثر لأجله بعوضهم.
ومدح الجاحظ العروض، فقال: هو ميزان الشّعر ومعياره، به يعرف الصحيح من السقيم، والعليل من السليم، وعليه مدار القريض والشعر، وبه يسلم من الأود والكسر.
ثم ذمّه فقال: هو علم مولّد، وأدب مستبرد، ومذهب مرفوض، تستنكره العقول، مستفعلن فعول، من غيره فائدة ولا محصول.
وكان العباس بن عليّ عمّ المنصور يأخذ الكأس بيده، ثم يقول: أمّا النفس فتسمحين، وأما الهمّ فتطردين، أفتراك منّي تفلتين! ثم يشربها.
وشكا أبو العنياء حاله إلى عبد الله بن سليمان، فقال: أليس قد كتبنا لك إلى إبراهيم بن المدبّر! قال: كتبت إلى رجل قد حصر من همّته طول الفقر، وذلّ الأسر، ومعاناة محن الدهر، فأخففت في طلبتي. قال: أنت اخترته، قال: وما علمي أعزّ الله الامير في ذلك! قد اختار موسى قومه سبعين رجلا وما كان منهم رشيد، واختار رسول ﷺ ابن أبي سرّح كاتبا فرجع إلى المشركين مرتدّا، واختار عليّ ﵁ أبا موسى حكما، فحكم عليه.
***
قال الحارث بن همّام: فناجاني قلبي بأنّه أبو زيد، وأنّ تعارجه لكيد.
فاستعدته وقلت له: قد عرفت بوشيك، فاستقم في مشيك. فقال: إن كنت ابن همّام، فحيّيت بإكرام، وحييت بين كرام. فقلت: أنا الحارث، فكيف حالك والحوادث؟ فقال: أتقلّب في الحالين: بؤس ورخاء، وأنقلب مع الرّيحين: زعزع ورخاء. فقلت: كيف ادّعيت القزل، وما مثلك من هزل! فاستسرّ بشره الّذي كان تجلّى، ثم أنشد حين ولّى: [المتقارب]
تعارجت لا رغبة في العرج ... ولكن لأقرع باب الفرج
وألقي حبلي على غاربي ... وأسلك مسلك من قد مرج
стр. 108
فإن لامني القوم قلت اعذروا ... فليس على أعرج من حرج
***
قوله: «فاستعدته»، أي قلت له أعد عليّ. عرفت بوشيك، أي عرفت بحسن كلامك وتزيينه. استقم استعدل وأزل عوجك. حيّيت: طال بقاؤك، والتحية البقاء:
حييت: عشت. والحوادث: ما يحدث من الخير والشر. بؤس: شدّة العيش. رخاء: لينه وسعته. زعزع: ريح شديدة تحرّك الشجر وتقلعه. والزعزعة: تحريك الشيء إذا أردت قلعه. رخاء: ريح ليّنة سريعة، من الإرخاء في السّير، وهو عدو فوق التقريب، وناقة مرخاء: سريعة القزل: أسوأ العرج، وقد قزل قزلا.
وهزل هزلا: ترك الجدّ في قول أو فعل، يقول: كيف تحيّلت بالعرج ومثلك لا يهزل ولا يقع في هذه النقيصة! فهو يهزأ به، فغضب عند ذلك استسرّ بشره: زال عنه سماحه وطلاقة وجهه. تجلّى: ظهر. ولّى: ذهب.
قوله: «أقرع»، أي أضرب. الفرج: كشف الهمّ. ألقي حبلي على غاربي: أي أسرح وأمشي حيث أحببت، والعرب تطلق هذا اللفظ، فتقول للمرأة: حبلك على غاربك، أي أنت مسيّبة فتوجّهي حيث شئت لا مانع لك ولا حابس، والغارب: ما انحدر من السّنام، والحبل هو الذي يعقل به البعير، فإذا سرّحوه حلّوا عقاله وألقوه على غاربه، قال ابن الأنباريّ: أصله أن يلقى على حبل الناقة على غاربها فتفزع، ولا ترعى إذا لم تره على الأرض.
أسلك مسلك، أي أدخل مدخل، والمسلك: الطريق. مرج: خلط الجدّ بالهزل.
حرج: إثم والله تعالى أعلم.
стр. 109
المقامة الرّابعة وهي الدّمياطيّة
أخبر الحارث بن همّام قال: ظعنت إلى دمياط، عام هياط ومياط؛ وأنا يومئذ مرموق الرّخاء، موموق الإخاء، أسحب مطارف الثّراء، وأجتلي معارف السّراء.
فرافقت صحبا قد شقّوا عصا الشّقاق، وارتضعوا أفاويق الوفاق؛ حتّى لاحوا كأسنان المشط في الاستواء، وكالنّفس الواحدة في التئام الأهواء. وكنّا مع ذلك نسير النّجاء، ولا نرحل إلّا كلّ هوجاء، وإذا نزلنا منزلا، أو وردنا منهلا، اختلسنا اللّبث، ولم نطل المكث، فعنّ لنا إعمال الرّكاب، في ليلة فتيّة الشّباب، غدافيّة الإهاب. فأسرينا إلى أن نضا اللّيل شبابه، وسلت الصّبح خضابه.
***
قوله: «ظعنت»، أي رحلت، والظعن ضدّ الإقامة.
دمياط: بلد بينه وبين مصر ثلاثون فرسخا، وهي على ساحل البحر الملح، وإلى دمياط ينتهي ماء النيل، فيفترق منها فيخرج بعضه إلى بحيرة تنّيس، وهي بحيرة تجري فيها السفن والمراكب العظام، ويخرج بعضه إلى البحر، وبها تعمل الشروب، وقد ذكرنا ذلك عند تنيس.
قوله: «هياط»: صياح، وتهايط القوم: اجتمعوا ودبّروا أمرهم. مياط: دفاع، أي كان عام هرج وخلاف. مرموق: منظور إليه، الرخاء: سعة المال موموق: محبوب.
أسحب: أجرّ. مطارف: ثياب لها أعلام في أطرافها أجتلى: أنظر. معارف: وجوه.
السرّاء: الغنى والسرور. رافقت: صحبت في السفر. والصّحب: الأصحاب الشّقاق:
الخلاف، ومعنى شقّوا عصاه، أزالوه وطرحوه، والعرب تقول: شقّ فلان العصا، إذا ترك الطاعة وخرج مباينا، قال أبو عبيد: العصا تضرب مثلا للاجتماع، وانشقاقها يضرب مثلا للافتراق الّذي لا اجتماع بعده. أفاويق: جمع أفواق، وأفواق جمع فواق، وهو ما بين الحلبتين والوفاق: ترك الخلاف، وقد وافقته موافقة ووفاقا.
قوله: «لاحوا» أي ظهروا. والعرب تضرب المثل بأسنان المشط، وهو يقع على كلّ استواء في أيّ حال كان، قال النبي ﷺ : «الناس كأسنان المشط، وإنما يتفاضلون
стр. 110
بالعافية»، فإن أرادوا الاستواء في الشرّ قالوا: سواسية كأسنان الحمار، وقال كثيّر يهجو بني ضمرة: [الطويل]
فسائل بقومي كل أجرد سابح ... وسلّ غنما ربّي بضمرة أو سخلا (١)
سواء كأسنان الحمار فلا ترى ... لذى كبرة منهم على ناشئ فضلا
التئام: اجتماع واتّفاق. الأهواء: جمع هوى، وهو ما تحبّه وتميل إليه النفس، فأراد أنّ أغراضهم متّفقة. النّجاء: السير السريع. نرحل: نشدّ عليها الرّحل ونشخص بها. هوجاء: ناقة سريعة، كأنّ بها هوجا وهو الحمق، لسرعة مشيها. وردنا منهلا: أتينا ماءً ننزل عليه، والنّهل: المشرب الأوّل، والعلل الثاني؛ وذلك أنّ الإبل ترد الماء فتشرب منه، ثم تخرج ترعى ساعة وتستريح، وتسمّي تلك الاستراحة الرّعي التّمرئة، ثم ترد مرّة أخرى فتشرب الماء، فالشرب الأول نهل، والثاني علل. والمنهل: موضع النّهل. والورود: قصد الماء.
اختلسنا: استرقنا. اللبث: الإقامة، ومثله المكث، أي لا يستقرّون بموضع ينزلون فيه إلا قليلا. والرّكاب: الإبل؛ وإعمالها: استعمالها. فتيّة الشباب: صغيرة السن، وأراد أنها طويلة سوداء لا قمر فيها، لأن شعر الشباب أسود، ويريد أنها أول الشهر، فهي كالفتيّة، والليلة أوّل الشهر سوداء. غدافيّة: منسوبة إلى الغداف، وهو الغراب لسواده، والإهاب: الجلد، وأراد لونها أسرينا: مشينا بالليل، ويقال: سرى وأسرى. نضا الليل شبابه، أي أزال ظلامه، ونضا ثوبه: جرّده عنه، ومثله: سلت خضابه، وأراد أن الصبح بيّض الظلام بضوئه، وسلت الشيء سلتا؛ أزاله عمّا علق به، والمرأة خضابهاكذلك، وسيأتي ذكر الصبح آخر المقامة.
[مما قيل في سواد الليل]
وينظر في سراه مع صحبه في سواد الليل إلى قول ابن شهاب: [الخفيف]
وفتوّ أسروا وقد عكف اللّي ... ل وأقعى مغدودف الأطناب
وكأنّ النجوم لمّا هدتهم ... أشرقت كالعيون من أهداب
يتفرّون جوز كلّ فلاة ... جنح ليل جوزاؤه من ركاب
عنّ ذكرى لمدحهم فتناهوا ... من حديثي في عرض أمر حجاب
همّة في السّماء تسحب ذيلا ... من ذيول العلا وجدّ الرّكاب
ومما جاء في سرى الليل قول عبد الصّمد بن المعذّل، وهو من حسن الاستعارة:
[المتقارب]
стр. 111
أقول وجنح الدّجى ملبد ... وللّيل في كلّ فجّ يد
ونحن ضجيعان في مسجد ... فلله ما ضمن المسجد!
فيا ليلة الوصل لا تبعدى ... كما ليلة الهجر لا تبعد
ويا غد إن كنت لي راحما ... فلا تدن من ليلتي يا غد
وقال ابن المعتزّ: [مخلع البسيط]
يا ربّ ليل حالك الجلباب ... ملتحف خافيتي غراب
وما أحسن قول ابن شهيد في وصف الليل: [الطويل]
وبتنا نراعي اللّيل لم نطو برده ... ولم يجن شيب الصبح من فرعه وخطا
تراه كملك الزّنج من فرط كبره ... إذا رام شيئا في تأخّره أبطأ
مطلا على الآفاق والبدر تاجه ... وقد علّق الجوزاء في أذنه قرطا
وقال حبيب: [الطويل]
إليك هتكنا جنح ليل كأنّه ... قد اكتحلت منه البلاد بإثمد (١)
وقال ذو الرّمة: [الكامل]
ودويّة مثل السماء اعتسفتها ... وقد صبغ الليل الحصى بسواد (٢)
وقال أيضا [الطويل]
وليل كجلباب العروس ادّرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد (٣)
أحمّ غدافيّ، وأبيض صارم ... وأعيس مهريّ، وأروع ماجد
وقال البحتريّ: [الخفيف]
يا خليليّ بالهواجر من مع ... ن بن عوف وبحتر بن عتود (٤)
اطلبا ثالثا سواي، فإنّي ... رابع العيس والدّجى والبيد
стр. 112
وقال السّلاميّ: [الطويل]
إليك طوى عرض البسيطة عاجلا ... قطار المطايا أن يلوح لها القصر
وكنت وعزمي في الظّلام وصارمي ... ثلاثة أشباح كما اجتمع النّسر
وبشّرت آمالي بملك هو الورى، ... ودار هي الدّنيا، ويوم هو الدّهر
فالبيت الأوّل والثاني نحو بيت البحتريّ، والبيت الثالث نحو بيت ذي الرّمة في التقسيم، وبمثل هذا الكلام يمتدح الملوك وإلّا فلا. ولمّا مدح عضد الدولة بلّغه به من المكانة الغاية القصوى، وفتن بشعره، حتى كان يقول: إذا رأيت السّلاميّ في مجلسي، ظننت أنّ عطاردا نزل من السماء. وسنذكر من شعره ما يحسن.
***
فحين مللنا السّرى، وملنا إلى الكرى، صادفنا أرضا مخضلّة الرّبا، معتلّة الصّبا، فتخيّرناها مناخا للعيس، ومحطّا للتّعريس، فلمّا حلّها الخليط، وهدأ بها الأطيط والغطيط، سمعت صيّتا من الرّجال، يقول لسميره في الرّحال: كيف حكم سيرتك، مع جيلك وجيرتك؟ .
***
قوله: «السرى»، أي السير بالليل. الكرى: النوم. مخضلّة: مبتلّة بالنّدى. الرّبا:
الكدى، واحدها ربوة. معتلّة الصّبا، أي ليّنة الريح. مناخا: منزلا العيس: الإبل يخالط بياضها حمرة. محطّا: منزلا تحطّ به الأحمال. التعريس: النزول بالليل في آخره، وهذا التخيّر الذي ذكر لهذه الأرض، منتزع من حديث ابن عباس ﵄، عن النبيّ ﷺ أنه قال: «إذا كانت أرض مخصبة فتقصّدوا في السير وأعطوا الركاب حقّها، فإن الله رفيق يحبّ الرفق، وإذا كانت مجدبة فألحّوا عليها، وعليكم بالدّلجة، فإنّ الأرض تطوى بالليل، وإياكم والتّعريس على ظهر الطريق، فإنه مأوى الحيّات ومدارج السباع» (١).
الخليط: الأصحاب. هدأ: سكن. الأطيط: أصوات الإبل، والغطيط: أصوات الناس النّيام. صيّتا: جهير الصوت. سميره: رفيقه الذي يسمر معه بالحديث. الرّحال: منازل المسافرين، سمّيت رحالا باسم الرّحال التي توضع فيها، والرّحل: اسم لما يحمله البعير من حمله وقتبه وما يوطّأ به تحت الحمل. سيرتك: عادتك. جيلك: أهل عصرك. جيرتك: جيرانك.
***
فقال: أرعى الجار، ولو جار، وأبذل الوصال لمن صال وأحتمل الخليط،
стр. 113
ولو أبدى التّخليط، وأودّ الحميم، ولو جرّعني الحميم، وأفضّل الشّفيق، على الشّقيق، وأفي للعشير، وإن لم يكافئ بالعشير، وأستقلّ الجزيل، للنّزيل، وأغمر الزّميل، بالجميل. أنزّل سميري، منزلة أميري، وأحلّ أنيسي، محلّ رئيسي، وأودع معارفي، عوارفي، وأولي مرافقي، مرافقي، وألين مقالي، للقالي، وأديم تسآلي، عن السّالي، وأرضى من الوفاء، باللفاء وأقنع من الجزاء، بأقلّ الأجزاء، ولا أتظلّم، حين أظلم، ولا انقم، ولو لدغني الأرقم.
***
قوله: «أرعى»، أي أحفظ. جار: تعدّى ومال عن الحق، قال ﷺ : «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه» (١). أبذل: أعطي. صال: صاح مخوّفا. الخليط:
الصاحب، ويقع على الواحد والاثنين والجمع بلفظ واحد، وسمّي بذلك لاختلاط الأمر بين الصاحبين. الحميم الأوّل: الصديق المخلص، والثاني: الماء الحارّ. الشفيق:
المحبّ. الشقيق: الأخ من الأب، كأنه شقّ معك ظهر أبيك ومن الأمّ كأنه شقّ معك بطن أمك. أفي للعشير: أعامل الصاحب بالوفاء يكافئ بالعشير: يجازى بالعشر من فعلى، والمكافأة المواساة. استقلّ، أراد قليلا الجزيل: الكثير. النزيل: الضيف، والنّزل ما يعدّ للضيف من طعام وغيره. أغمر: أعطى الزّميل: الرديف. الجميل: الأفعال الجميلة. أميري: الحاكم علىّ الأنيس: الذي يؤنس بحديثه، وفلان رئيس قومه: أفضلهم وأعزّهم. أودع: أعطى وديعة معارفي: من يعرفني. عورا في: هباتي؛ واحدها عارفة، وهي اليد من النعمة. أولى مرافقي: أعطى مصاحبي في السفر، ومنه الرفقة لاتفاق بعضهم ببعض، جمع مرفقة وهي المعونة وما يرتفق به. القالي: المبغض، وقليت الرجل قلي، أبغضته تسآلي: كثرة سؤالي. السالي: الناسي للمودّة والتارك لها، وسلوت عن الشيء أسلو سلوّا وسلوة، إذا تركته. اللّفاء: النقصان. وقال أبو عليّ في الإيضاح: اللّفاء ما دون الحق، قال أبو زيد الطائيّ واسمه حرملة ﵀: [الوافر]
فما أنا بالضّعيف فتظلموه ... ولا حظّي اللّفاء ولا الخسيس (٢)
стр. 114
أقنع: أرضى، والقناعة الرضا باليسير. والجزاء: المكافأة، وجازيته بما صنع مثل كافأته، والأجزاء: الأنصباء تقسّم على جماعة، واحدها جزء، وأقلّها أنقصها أتظلّم:
أشتكي من الظلم. لا أنقم: لا أنتقم. تقول: نقمت منه نقمة، أي عاقبته، فمعناه: لا أعاقب صاحبي، ولو بلغ في الإضرار مني الغاية، وتقول أيضا: نقمت الشيء وأنقمه نقما ونقوما: إذا أنكرته، فمعناه على هذا: لا أنكر على صاحبي ولو بالغ في الأذى، ويقال في الإنكار أيضا، نقم ينقم.
***
فقال له صاحبه: ويك يا بنيّ! إنّما يضنّ بالضّنين، وينافس في الثّمين؛ لكن أنا لا آتي، غير المواتي، ولا أسم العاتي، بمراعاتي، ولا أصافي، من يأبى إنصافي، ولا أواخي، من يلغي الأواخي، ولا أمالي، من يخيّب آمالي، ولا أبالي، بمن صرم حبالي، ولا أداري، من جهل مقداري، ولا أعطي زمامي، من يخفر ذمامي، ولا أبذل ودادي، لأضدادي، ولا أدع إيعادي، للمعادي، ولا أغرس الأيادي، في أرض الأعادي، ولا أسمح بمواساتي، لمن يفرح بمساءاتي، ولا أرى التفاتي، إلى من يشمت بوفاتي، ولا أخصّ بحبائي، إلّا أحبّائي، ولا أستطبّ لدائي، غير أودّائي، ولا أملّك خلّتي، من لا يسدّ خلّتي، ولا أصفّي نيّتي، لمن يتمنّى منيّتي، ولا أخلص دعائي، لمن لا يفعم وعائي، ولا أفرغ ثنائي، على من يفرّغ إنائي.
***
قوله: «ويك» معناه التعجّب، كأنه قال: ما أعجبك! أو عجبا لك. وقيل: أراد «ويلك»، فحذف اللام. إنما يضنّ بالضّنين، هذا مثل؟ أوّل من قاله الأغلب العجليّ، وفسره أبو عبيد فقال: معناه: تمسّك بإخاء من تمسّك بإخائك، وبيانه أن الضّنين البخيل، ويضنّ: يبخل، فيقول: إنما أتمسّك وأتعلّق بصاحب تمسّك بي وعرف حقّي، فأنا أبخل به على غيري أن يشركني في صحبته كما يبخل بي هو على غيره، وقيل:
الضّنين في المثّل هو الشيء المضنون به لنفاسته، فمعناه إنما يبخل بالشيء النفيس الرفيع. المواتي: المساعد الموافق. العاتي المتكبّر الصعب الخلق. والمراعاة: المحافظة للودّ اسم: اجعلها سمة، أي علامة. أصافي: أخلص له ودّي. يأبى: يمنع. إنصافي، أي إعطائي الحق من نفسه. أواخي: أصير له أخا وأتخذه صديقا. يلغي: يترك ويطرح.
الأواخي: أسباب الود، واحدها أخيّة، وأصل الأخيّة عروة من حبل تشدّ في وتد أو على حجر تحت الأرض، وتبقى العروة على الأرض فيربط فيها حبل الدابة فيمسكها. أمالي:
أعاون، وأصلها الهمزة، تقول: مالأته على الأمر أمالئه، إذا عاونته وساعدته، ومنه: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت في قتله، فخفف الهمزة ليوافقآمالي، وهو جمع أمل، وهو
стр. 115
الرجاء. صرم حبالي: قطع أسباب وصالي، وهم يكنون بالحبل عن الودّ، لأن الودّ يربط القلوب ويؤلّفها كالحبل فيما يربط. قوله: «أداري» أسوس وأسخن صحبته. والزمام:
حبل من جلود يربط في حلقة في أنف البعير. يخفر ذمامي: ينق عهدي، أي لا أنقاد لمن لا عهد له. ودادي: حبّي، وهو من وادّه وهو الذي لا يكون إلا من اثنين فوضعه موضع ودّي، ويقال أيضا: في الحب حباب، مثل وداد، قال الشاعر: [الطويل]
* أداء عراني من حبابك أم سحر (١) *
أضدادي: أعدائي المناقضين لأفعالي. إيعادي: تهديدي وتخويفي الأيادي: النّعم، وواسيته: مواساة: جعلته أسوة نفسي في مالي فقاسمته فيه مساءاتي: أحزاني وما يسوء بي. التفاتي: نظري وانعطافي إلى جهته. يشمت: يسرّ: وفاتي: موتي. أخصّ: أفرد.
حبائي: عطائي. أحبّائي: جمع حبيب أستطبّ: أطلب طبّه. خلّتي: صداقتي. يسدّ خلّتي: يصلح فقري. أخلص: أجعله خالصا. يفعم: يملأ. أفرغ ثنائي: أصبّ مدحي وأكسوه، أو يكون أفرغه، أبلغ آخره.
***
ومن حكم بأن أبذل وتخزن، وألين وتخشن، وأذوب وتجمد، وأذكو وتخمد! لا والله، بل نتوازن في المقال، وزن المثقال، ونتحاذى في الفعال، حذو النّعال حتّى نأمن التّغابن، ونكفي التّضاغن؛ وإلّا فلم أعلّك وتعلّني، وأقلّك وتستقلّني، واجترح لك وتجرحني، وأسرح إليك وتسرّحني. وكيف يجتلب إنصاف بضيم، وأنّى تشرق نفس مع غيم! ومتى أصحب ودّ بعسف، وأيّ حرّ رضي بخطّة خسف! ولله أبوك حيث يقول:
***
قوله: «تخزن»، أي تحبس. أذكو: أضيء، يقال: خمدت النار، إذا سكن لهبها، وذكت:
اتّقدت. والمثقال: الصنجة التي يوزن بها، سمّيت بذلك لأنها تثقل ما يوزن بها في الكفّة الثانية.
نتحاذى: نتشابه. والفعال: بفتح الفاء: اسم للفعل الحسن أو القبيح، ولا يقال بكسرها إلا في مصدر فاعل، قال ابن الأعرابي: الفعال: فعل الواحد من الخير والشرّ، والفعال بالكسر:
الفعل بين الاثنين. حذو: متشابهة، والعرب تقول في الشيئين يشتبهان: هما حذو النعل بالنعل، أي كل واحد من النّعلين تقطع على قالب أختها، ومنه قول الهذلي: [الكامل]
стр. 116
وتأمّل السّبت الذي أحذوكم ... فانظر بمثل حذائه فاحذوني (١)
التّغابن: الغبن. نكفي: نمنع. التضاغن: العداوة، وتضاغن الرجلان: اعتقد كلّ واحد منهما لصاحبه ضغنا وهو الحقد. أعلّك: أسقيك عللا، أي مرّة بعد أخرى.
تعلّني: تمرضني. أقلّك: أرفعك. تستقلّني: تحقرني. أجترح: اكتسب. أسرح: أرعى عليك، وأجلب عليك الرزق بالغداة والعشيّ تسرّحني: تهملني. ضيم: ذلّ أنّى: كيف تشرق: تضيء، من أشرقت، وتشرق تطلع، من شرقت. غيم: سحاب. أصحب:
أنقاد. بعسف: بجور. وأصل العسف ركوب الأمر بغير تدبير. والخطة: المنزلة والمرتبة، والخسف: الإذلال والنقصان، ومنه خسف الأرض، والخاسف: المهزول، ويقال: باتوا على الخسف، أي جياعا ليس لهم شيء يتقوّتون به والخسف للدابة: أن تبيت بغير علف [السريع]
***
جزيت من أعلق بي ودّه ... جزاء من يبني على أسّه
وكلت للخلّ كما كال لي ... على وفاء الكيل أو بخسه
ولم أخسّره وشرّ الورى ... من يومه أخسر من أمسه
وكلّ من يطلب عندي جنّى ... فما له إلّا جنى غرسه
لا أبتغي الغبن، ولا أنثني ... بصفقة المغبون في حسّه
ولست بالموجب حقّا لمن ... لا يوجب الحقّ على نفسه
وربّ مذّاق الهوى خالني ... أصدقه الودّ على لبسه
وما درى من جهله أنّني ... أقضي غريمي الدّين من جنسه
فاهجر من استغباك هجر القلى ... وهبه كالملحود في رمسه
والبس لمن في وصله لبسة ... لباس من يرغب عن أنسه
ولا ترج الودّ ممّن يرى ... أنّك محتاج إلى فلسه
***
قوله: «أعلق»، فمعنى علّق، أي ألصق. أسّه: أصل بنائه؛ يقول: من علّق بقلبي ودّه، جعلت ذلك الودّ أسّا بقلبي، وبنيت عليه ودي، فإن أسس في قلبي ودّا سليما بنيت له عليه مثله، وإن غشّني في ودّ غششته، والهاء في «أسّه» ترجع إلى «من» أي من نصحني في صحبته نصحته. والخلّ: الصاحب. بخسه: نقصه أخسر: أنقص. الورى:
стр. 117
الخلق من الناس. الجنى: ما يجني من الثمرة أبتغي الغبن: أطلب الخداع: أنثني:
أرجع، وصفقة المغبون: بيعة المخدوع حسّه: فهمه، والحسنّ: صوت حركة الحيّ.
والصفقة: في الأصل مصدر، يقال: صفق صفقا إذا ضرب بإحداهما على الأخرى، وكانت صفقة البيع عند العرب أن يضرب المشتري بيده على يد البائع، فإن رضي البيع قبض على يد المشتري وانعقد البيع، وإن لم يرض أرسل يده، ثم صاروا يقولون، رضي الصفقة، إذا رضي البيع، ثم سمّي عقد البيع صفقة. مذاق: خلّاط غير مخلص. الهوى:
الحبّ. وخالني: حسبني. لبسه: تخليطه وتلبيسه. غريمي: صاحب ديني: من جنسه:
من نوع ما أعطاني. استغباك: استجهلك. القلي: البغض. هبه: احسبه. الملحود:
المدفون. رمسه: قبره، وينظر إلى بيته قول ابن الروميّ: [الرمل]
من تصدّى لأخيه ... بالغنى فهو أخوه
فإن احتاج إليه ... راء منه ما يسوه
يكرم المثري فإن أم ... لق أقصاه بنوه
أنت ما استغنيت عن صا ... حبك الدّهر أخوه
فإن احتجت إليه ... ساعة مجّك فوه
ووجد على حجر مكتوبا: [الرمل]
كلّ من أحوجك الدهر إليه ... وتعرّضت له هنت عليه
وهذان المذهبان اللّذان ذكرهما الحريريّ مبنيان على آيتين، من كتاب الله تعالى؛ قوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، والثانية قوله تعالى: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى: ٤١].
وقال النبي ﷺ : «لا خير في صحبة من لا يرى لك من الحق، مثل الذي ترى له».
وللشعراء القدماء والمحدثين في المذهبين شعر كثير، قال المقنّع الكنديّ في المذهب الأول: [الطويل]
وإنّ الّذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمّي لمختلف جدّا (١)
أراهم إلى نصري بطاء وإن هم ... دعوني إلى نصر أتيتهم شدّا
وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيّعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غيّ هويت لهم رشدا
وإنّ زجروا طيرا بنحس تمرّ بي ... زجرت لهم طيرا تمرّ بهم سعدا
لهم جلّ مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قلّ مالي لم أكلفهم رفدا
стр. 118
ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس يسود القوم من يحمل الحقدا
وقال معن بن أوس المزنيّ في المذهب الثاني: [الطويل]
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل (١)
ويركب حدّ السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل
وكنت إذا ما صاحب رام ظنّتي ... وبدّل سوءا بالذي كنت أفعل
قلبت له ظهر المجنّ فلم أدم ... على ذاك إلّا ريثما أتحوّل
وقال إبراهيم بن العباس الصولي: [الوافر]
أميل مع الذّمام إلى ابن عمّي ... وآخذ للصديق من الشقيق (٢)
وإن ألفيتني حرّا مطاعا ... فإنك واجدي عبد الصديق
أفرّق بين معروفي وبيني ... وأجمع بين مالي والحقوق
وكنت إذا الصديق أراد غيظي ... وأشرقني على شرق بريقي
غفرت ذنوبه، وصفحت عنه ... مخافة أن أعيش بلا صديق
وكلّف إبراهيم بن العباس بعض إخوانه مقاطعة صديق فقال له: [مجزوء الكامل]
إني متى أحمل بحقد ... ك لا أضرّ به سواكا (٣)
ومتى أطعتك في أخيك ... أطعت فيك غدا أخاكا
حتّى أرى مستقسما ... يومي لذا، وغدا لذاكا
وقال أبو الفتح البستيّ في المذهب الثاني: [السريع]
فإن تزرني أزر وإمّا ... تقف ببابي أقف ببابك
والله لا كنت في حسابي ... إلّا إذا كنت في حسابك
أين هذا من قول البستيّ أيضا وقد خالفه فيه خلافا شديدا، ولا نازعه أحد فيه، ولا سبقه إليه إذ يقول: [المتقارب]
وإنّي لأختصّ بعض الرجال ... وإن كان فدما ثقيلا عباما (٤)
فإنّ الجبين على أنه ... وخيم ثقيل يشهّي الطّعاما
стр. 119
ولابن شرف: [البسيط]
بع من جفاك ولا تبخل بسلعته ... واطلب به بدلا إن رام تبديلا
وهو كثير، وبما ذكرت يستدلّ على الباب.
***
قال الحارث بن همّام: فلمّا وعيت ما دار بينهما، تقت إلى أن أعرف عينهما، فلمّا لاح ابن ذكاء، وألحف الجوّ الضّياء، غدوت قبل استقلال الرّكاب، ولا اغتداء الغراب، وجعلت أستقرئ صوب الصّوت اللّيليّ، وأتوسّم الوجوه بالنّظر الجليّ، إلى أن لمحت أبا زيد وابنه يتحادثان، وعليهما بردان رثّان، فعلمت أنّهما نجيّا ليلتي، وصاحبا روايتي.
***
قوله: «وعيت»، أي حفظت. تقت، أي اشتقت. عينهما: شخصهما لاح: ظهر.
ابن ذكاء: هو الصبح، وذكاء هي الشمس، ويقال للصبح: ابن ذكاء لأنه من ضوئها.
ألحف: غطّى. الجوّ: الهواء بين السماء والأرض، أراد أن الصبح غطى نواحي السماء بضوئه.
[مما قيل في ضوء الصبح شعرا]
ومن حسن التشبيه في ضوء الصبح قول ذي الرمّة:
وقد لاح للسّاري الذي كمّل السّرى ... على أخريات اللّيل فتق مشهّر (١)
كلون الحصان الأبيض البطن قائما ... تمايل عنه الجلّ واللون أشقر
شبه اختلاط الضوء بالظلمة بالفرس الأشقر الأبيض البطن.
وقال ابن المعتزّ: [الوافر]
وساق يجعل المنديل منه ... مكان حمائل السيف الطّوال
غدا والصبح تحت الليل باد ... كطرف أشقر ملقى الجلال
وقال يوسف الرمادي: [الطويل]
وليلة أنس قد غمرنا ظلامها ... بأوجه راح تستنير فترشف
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنّما ... تحمّل لقمان، وأقبل يوسف
стр. 120
قوله: «غدت»، أي بكرت. استقلال: ارتفاع وقيام. والركاب: الإبل واحدتها، راحلة. ولا اغتداء الغراب، أي ولا مثل اغتدائه؛ فحذف «مثل» المنصوبة بلا، وأقام «اغتداء» مقامها لأن «لا» لا تنصب المعارف، وأراد أن اغتدائي كان قبل أن يغتدي الغراب، والغراب أكثر الطير بكورا، وهذا وما شابهه في هذا الكتاب مثل قوله: «ولا كيد فرعون موسى»، «ولا انهلال السحب»، «ولا عمرو بن عبيد»، إذا طلبت حقيقة معناه صار المشبّه أقوى من المشبه به، ولم يأت هذا إلا عن العرب، تقول العرب: «فتى ولا كمالك» فيريدون مالكا أفضل من الفتى، ومثله «مرعى ولا كالسّعدان» أي أن المرعى فاضل في طيبه، ولكن السعدان أفضل منه، ومثله: «ماء ولا كصدّاء»، فصدّاء أفضل من ذلك الماء على طيبه، فهذا مذهب العرب في ذكر «لا» بين المشبّهين.
وأما قول الحريري: «غدوت ولا اغتداء الغراب»، فيريد أن غدوّي أبكر من اغتداء الغراب، وكذلك «ولا انهلال السّحب»، وهو يريد أنّ جودهم فوق جود السحاب، لأن كلام العرب: فلأن أبكر من الغراب، وأجود من السحاب، ولا يقولون السحاب أجود من فلان، ولا الغراب أبكر من فلان، ولا فائدة في ذلك، فإذا حققت لفظه «ولا» في تشبيه الحريريّ على ما يجب لها في كلام العرب انقلب المعنى، وإنما اللفظ من كلام عامّة العراق، فاستعملها لأنها عندهم متعارفة وليس بعربية، ومثل هذا قد جوّزه المولدون في أشعارهم، وجاء منه في مقامات البديع كثير. ويستعمل أهل فاسّفي مغربنا لفظة «ولا» في تشبيهاتهم كثيرا جدّا على حدّ استعمال الحريريّ لها، ولا يستعملها أهل الأندلس.
وقال الفنجديهيّ: الرفع في قوله: «ولا اغتداء الغراب»، أكثر مبالغة في التشبيه من النصب.
قوله: «أستقرئ»، أي أتتبع. صوب: جهة وناحية الليليّ: الذى سمع بالليل أتوسّم، أتعرّف وأنظر سمتها. الجليّ: البيّن. لمحت: رأيت. بردان رثّان: ثوبان خلقان. نجيّا ليلتي، أي المتحدّثان فيها، وجعلهما متحدثين مع الليلة مجازا لما أوقعا الحديث فيها، كقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [سبأ: ٣٣] ولا يمكران إنما يمكر فيهما، فنسب ذلك المكر إليهما. صاحبا روايتي. أي اللذان أروى عنهما هذه القصة.
***
فقصدتهما قصد كلف بدماثتهما، راث، لرثاثتهما، وأبحتهما التّحوّل إلى رحلي، والتّحكم في كثري وقلّي، وطفقت أسيّر بين السّيّارة فضلهما، وأهزّ الأعواد المثمرة لهما، إلى أن غمرا بالنّحلان، واتّخذا من الخلّان. وكنّا بمعرّس نتبيّن منه بنيان القرى، ونتنور نيران القرى.
стр. 121
فلمّا رأى أبو زيد امتلاء كيسه، وانجلاء بوسه، قال لي: إنّ بدني قد اتّسخ، ودرني قد رسخ، أفتأذن لي في قصد قرية لأستحمّ؛ وأقضي هذا المهمّ؟ فقلت: إذا شئت فالسّرعة السّرعة، والرّجعة الرّجعة، فقال: ستجد مطلعي عليك، أسرع من ارتداد طرفك إليك.
***
كلف: محبّ. دماثتهما: سهولتهما، والدّماثة سهولة الأرض، وكل ما وطئته وسهّلته وأذللته بيدك فهو دمث. راث: باك مشفق. ورثاثتهما: سوء حالهما. أبحته:
جعلته له مباحا كثري وقلّي: أي كثير مالي وقليله. طفقت: أخذت. أسيّر: أمشي.
السيارة: القوم الذين يسيرون في الأسفار. أهزّ الأعواد، استعارة، وأراد أنه يستعطف لهما أصحاب الأموال فيواسونهم، فكنى عنهم بالأعواد، وقد كرّر هذا المعنى نظما حين قال: [الرجز]
قصدته والشيخ يبغى جنى ... عود له ما زال مهزوزا
وقال الشاعر في مثله: [البسيط]
إلّا يكن ورقي غصّا أراح به ... للمعتفين فإني ليّن العود
أراد إن لا أكن كثير المال فإني كريم. والورق: المال غير الصامت، وأراح به:
أهتزّ به، من الأريحيّة. وراح الشجر: أتى بورق في آخر الصيف لا أصل له، ويقال لها الخلفة. قوله: «غمرا»، أي أعطيا. النّحلان: العطايا. الخلّان: الأصحاب. وقوله:
«وكنا بمعرّس»، المعرّس موضع النزول آخر الليل نتنوّر: ننظر النيران. القرى: طعام الضيف. كيسه: وعاء دراهمه، والكيس: خريطة تسع خمسمائة درهم والبدرة تسع عشرة آلاف درهم، قال حبيب:
من بعد ما صارت هنيدة صرمة ... والبدرة النّجلاء صارت كيسا (١)
قوله: «انجلاء بوسه»، انكشاف فقره. درني: وسخى. ورسخ الشيء في الأرض رسوخا: غاب فيها، ورسخ العالم في العلم: دخل فيه. استحمّ: أدخل الحمام، واستحمّ الرجل: اغتسل بالحميم؛ وهو الماء الحارّ. أقضى: أقطع وأزيل، وقضيت الشيء: صنعته. المهمّ: أراد به فرض الصّلاة، قال عمر بن الخطاب ﵁: إنّ أهم أموركم عندي الصّلاة، فمن ضيّعها فهو لما سواها أضيع. وقيل: المهمّ: الوسخ لأنّ
стр. 122
الأمر المهمّ، هو الذي في القلب منه همّ وشغل، وقد ذكر أن الذي أوجب عليه قصد الحمام هو ما عليه من الوسخ، فيكون قوله: «وأقضى هذا المهمّ» من قوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ [الحج: ٢٩]، وقد أهمّني الشيء فهو مهمّ، وهذا القول أوفق بمراده.
[الحمّام وما قيل فيه شعرا]
وللزاهد بن عمران ﵀ وقد استبطأ في دخول الحمّام: [البسيط]
يا صاح عهدي بالحمّام قد بعدا ... فلا تلمني فيه إن طلبت مدى
قارعت فيه العدا في معرك لجب ... دحض تزلّ به الأقدام قد بعدا
عدا أثرن برأسي حين ثرن به ... توقّدا وأعادت جلده جلدا
فظلت مستأصلا بالقتل أجمعها ... فلم أدع والدا منها ولا ولدا
ثم انثنيت معافى ناعما جذلا ... مظفرا أستزيد الواحد الصّمدا
ورأى نفسه ممتدّا بين يدي الحكّاك، فقال: [المتقارب]
أأغترّ إن مدّ في العمر لي ... وأرجي المتاب إلى قابل
وأغفل والموت لي طالب ... حثيث كذئب الغضى القاتل
كأنّي بي هكذا ميتا ... تحكّم فيّ يد الغاسل
وله أيضا: [المنسرح]
شكرت للدهر حسن ما صنعا ... طريد مجد تحيّتي رفعا
يا حسن حمّامنا وقد غربت ... شمس الضحى فيه بعد ما متعا
أيقن أنّ الهلال راكبه ... فضاء للحاضرين واتّسعا
فأنعم أبا عامر بنعمته ... واعجب لأمرين فيه قد جمعا
نيرانه من زنادكم قدحت ... وماؤه من بنانكم نبعا
ولبعضهم في حمّام كانت مضاوئه من زجاج أحمر، وفي سمائه حمرة وبياض [المتقارب]
تحيّرت من طيب حمّامنا ... فخيّل لي أن فيه الفلق
فمن حمرة فوقنا وابيضاض ... لخدّ الحبيب إذا ما عرق
رأى الدهر ما سدّ من حسنه ... فسدّ كوى سقفه بالشّفق
ودخل الحمّام أبو جعفر التّطيليّ وأبو بكر بن بقيّ رحمهما الله تعالى، فقال أبو جعفر: [المنسرح]
يا حسن حمّامنا وبهجته ... مرأى من السّحر كله حسن
ماء ونار حواهما كنف ... كالقلب فيه السّرور والحزن
стр. 123
ونظر فيه إلى غلام وسيم، فقال: [البسيط]
هل استمالك ميّال القوام وقد ... سالت عليه من الحمّام أنداء
كالغصن باشر حرّ النار من كثب ... فظلّ يقطر من أعطافه الماء
وقال آخر: [البسيط]
حمّامنا فيه فصل القيظ محتدم ... وفيه للبرد سرّ غير ذي ضرر
ضدّان ينعم جسم المرء بينهما ... كالغصن ينعم بين الشمس والمطر
وقال ابن رشيق: ومما قلته على عقب وداع:
ولم أدخل الحمام ساعة بينهم ... لأجل نعيم، قد رضيت ببوسي
ولكن لتجري عبرتي مطمئنة ... فأبكي، ولا يدري بذاك جليسي
وقال آخر: [الوافر].
وحمّام كأنّ النار فيه ... مسعّرة بنيران الجحيم
دخلت أنا ومن أهواه فيه ... فعاد لنا كجنّات النعيم
وقال آخر في ذم حمّام: [المتقارب]
وحمّام سوء وخيم الهوا ... قليل المياه كثير الزّحام
فما للقيام به من قعود ... ولا للقعود به من قيام
حنيّاته عطفات القسيّ ... وقطراته صائبات السّهام
وقال آخر في تعجيل الخروج منه: [مجزوء الرمل]
خذ من الحمام واخرج ... قبل أن يأخذ منكا
حدّثن عنه وإلا ... حدّث الحمّام عنكا
وقال ابن رشيق: [الوافر]
ومرتهن لدى الحمّام أضحى ... وحالاه لأصحاب السّعير
إذا سئموا العذاب أو استغاثوا ... أغاثوهم بباب الزّمهرير
كذلك حاله حرّا وبردا ... ببيت الحوض أو بيت الطّهور
وطال به انتظار مواعديه ... فقد زاد الشقيّ على النّظير
وله أيضا: [الطويل]
سأشكر للحمّام بدءا وعودة ... أيادي بيضا ما لهنّ ثمين
стр. 124
جلاك على عينيّ عريان حاسرا ... فرحت بتطليق وأنت قمين
وطهّر قلبي من هواك ببارد ... وسخن نقرّ الجفن وهو سخين
قال عمر بن الخطاب ﵁: الحمّام يذكّر جهنم، وينقّي الدّرن.
وقال عليّ ﵁: بئس البيت الحمّام! تكشف فيه العورات، وترتفع فيه الأصوات، ولا يقرأ فيه آية من كتاب الله تعالى.
ودخله بعض الأمراء مع الرقاشي فقال له: امدحه، فقال: يذهب القشافة، ويعقب النظافة، ويفشّ التّخمة، ويطيّب النّعمة، فقال: ذمّه، فقال: يهتك الأستار، ويؤلّف الأقذار، ويذهب بالوقار.
***
قوله: «إذا شئت فالسرعة السرعة»، يقول إذا شئت أن تقصد الحمّام فالزم السرعة، وعجل الرجعة، وكرّرهما تأكيدا، والفعل الناصب لهما يلزم إضماره مع التكرير، فإذا أفردت جاز إظهار الفعل، ونظيرهما قول العرب: الطريق، الطريق، والأسد الأسد وقال الشاعر: [البسيط]
* خلّ الطريق لمن يبنى المنار له (١) *
فلما سقط التكرير ساغ له إظهار الفعل. مطّلعي: مصدر بمعنى طلوعي. أهل الحجاز يفتحون لامه في المصدر وغيرهم يكسرها. ارتداد طرفك، أي رجوع نظرك.
***
ثمّ استنّ استنان الجواد في المضمار، وقال لابنه: بدار بدار! ولم نخل أنّه غرّ، وطلب المفرّ. فلبثنا نرقبه رقبة الأعياد، ونستطلعه بالطّلائع والرّوّاد، إلى أن هرم النّهار، وكاد جرف النّهار ينهار. فلمّا طال أمد الانتظار، ولاحت الشّمس في الأطمار، قلت لأصحابي: قد تناهينا في المهلة، وتمادينا في الرّحلة، إلى أن أضعنا الزّمان، وبان أنّ الرّجل قد مان، فتأهّبوا للظّعن، ولا تلووا على خضراء الدّمن.
***
стр. 125
استنّ استنان الجواد: جرى كما يجري الفرس، وإنما يقال: استنّ في كلامه إذا جرى في غير طريق بتحريف، ومنه قولهم: استنّت الفصال حتى القرعى، يريدون جرت الفصال وهي تلعب، ومنه قوله ﷺ : «فاستنّت شرفا أو شرفين» (١). وقال الشاعر يذكر طعنة خرج دمها في جهة: [المتقارب]
بمستنّة كاستنان الخرو ... ف وقد قطع الحبل بالمرود (٢)
أراد المهر، ويقال له: خروف وفلوّ. وقد فسر «استنّت الفصال» بأن معناه أحسن رعيتها، حتى كأنه صقلها. والجواد: الفرس الكريم. المضمار: الطّلق تجري فيه الخيل، سمّي مضمارا لأن الخيل تضمّر فيه، وذلك أنّ العرب كانت تسمّن الخيل فتستخرجها إلى المضمار، فتجريها طلقا قدر ما تحتمل، ثم تزيدها يوما آخر في الجري على ذلك، ثم لا تزال تزيدها في الطّلق كل يوم، حتى تجري بها الأميال، فيسيل عرق الخيل بذلك الجري، ويشتدّ لحمها بذلك التضمير قال زهير: [الوافر]
تضمّر بالأصائل كلّ يوم ... تسنّ على سنابكها القرون (٣)
القرون: دفع العرق، واحدها قرن.
وقوله: «بدار بدار»، أي سبقا سبقا، وهو معدول عن بدر، فيقول لابنه: أبدر بالجري، واسبق إلى الحمّام. لم نخل: لم نحسب. غرّ: خدع. نرقبه، أي ننظر من أين يجيء ويروى: «نرقبه رقبة أهّلة الأعياد».
وما أحسن قول ابن الزقّاق في هذه الرّقبة: [الطويل]
وشهر أدرنا لارتقاب هلاله ... جفونا إلى نحو السماء موائلا (٤)
إلى أن بدا أحوى المدامع أحور ... يجرّ لأذيال الشباب غلائلا
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا ... بمن قد حوى طيب السّمول شمائلا
أتطلبك الأبصار في الجوّ ناقصا ... وأنت كذا تمشي على الأرض كاملا
وله في معناه: [الكامل]
стр. 126
لله شهر ما نظرت هلاله ... إلّا كنون أو كعطفة لام (١)
حتى تبدّي لي أغنّ مهفهف ... بضيائه ينجاب كلّ ظلام
فطفقت أهتف بالأنام ضللتم ... وغلطتم في عدّة الأيام
ما جاءنا شهر لأول ليلة ... مذ كانت الدنيا ببدر تمام
نستطلعه، أي نلتمس طلوعه. الطلائع: الباحثون عليه. والروّاد: الطالبون له، وأصل الطلائع الباحثون عن أخبار العدوّ. والراصدون في الطرقات، الواحد طليعة، وأصل الروّاد الطالبون للمرعى. هرم: شاخ، ومعناه قارب أن يتمّ ينهار: ينهدم.
والجرف: ما يأكله الوادي، استعاره للنهار. لاحت: ظهرت والأطمار: الثياب الخلقة، أراد أن ثوب الشمس وهو ضوأها قد تغيّر وبلى عند الغروب، وبعضهم يستعمل هذه الاستعارات في الشتاء وغروب الشمس.
ومما يستغرب من ذلك قول العلويّ الأصبهانيّ: [الطويل]
ومجلس شرب جئته متطرّبا ... عشيّا وعين الشّمس في الأفق تنعس
وقال ابن الرّوميّ: [الطويل]
كأنّ جنوح الشّمس ثم غروبها ... وقد جعلت في مجنح الليل تمرض
تخاوص عين بين أجفانها الكرى ... يرنّق منها النّوم وهي تغمّض
وقال أيضا: [الطويل]
إذا رتعت شمس الأصيل ونفّضت ... على الأفق الغربيّ ورسا مزعزعا
وودّعت الدّنيا لتقضي نحبها ... وشوّل باقي عمرها فتشعشعا
ولاحظت الأنوار وهي مريضة ... وقد وضعت خدّا على الأرض أضرعا
كما لاحظت عوّاده عين مدنف ... توجّع ما أوصابه ما توجّعا
أخبرني ابن منصور، قال: خرجت بخارج فاس عشية مع فتى ورّاق، فنظر إلى صفرة الشمس واستنشق برد النسيم، وأنشدني مرتجلا: [خلع البسيط]
انظر إلى الشمس في الأصيل ... كأنّها وجنتا عليل
ورقّ هذا النسيم حتّى ... كأنما يشتكي نحولي
وقال ابن الزّقاق: [الكامل]
وعشية لبست ملاء شقيق ... تزهى بلون للخدود أنيق (٢)
стр. 127
أبقت بها الشّمس المنيرة مثل ما ... أبقى الحياء بوجنتي معشوق
لو أستطيع شربتها كلفا بها ... وعدلت فيها عن كئوس رحيق
وقال ابن سراج: [الكامل]
والشمس تنفض زعفرانا بالرّبا ... وتبثّ مسكتها على الغيطان
وما أحسن قول الرّصافي في معناه: [الكامل]
وعشيّ أنس للسرور وقد بدا ... من دون قرص الشّمس ما يتوقّع (١)
سقطت ولم تملك يمينك ردّها ... فوددت يا موسى لو أنّك يوشع
وقال ابن الروميّ في طلوع الشمس في خلل السحاب وذكر امرأة: [الوافر]
تريك بياض غرّتها ووجها ... كقرن الشّمس أغسق ثم زالا
أصاب خصاصة فبدا كليلا ... كلا وانفلّ سائره انفلالا
قوله: «بدا كليلا» إشارة إلى أنه عند ما بدا غاب بسرعة، وأذكر «كلا» في المقامة التاسعة والثلاثين.
وقال ابن المعتزّ في نحوه: [الوافر]
تظلّ الشمس ترمقنا بلحظ ... مريض مدنف من خلف ستر
تحاول فتق غيم وهو يأبى ... كعنّين يريد نكاح بكر
قوله: «تناهينا»، أي بلغنا النهاية، والمهلة: التراخي، يقول: قد تراخينا في انتظاره حتى بلغنا الغاية في ذلك. «تمادينا في الرحلة»، هذا على حذفمضاف للعلم به، تقديره: تمادينا في ترك الرحلة وانتظارها، ومثل هذا الحذف جائز في النظم والنثر وأنشد أبو علي: [البسيط]
أنا النذير لكم منيّ مجاهرة ... كي لا ألام على نهيي وإنذاري
أي على تركي النهي والإنذار، وقال آخر:
وأهلك مهر أبيك الدّواء ... ليس له من طعام نصيب
أي فقد الدواء، وجاء فى القرآن وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها [يوسف: ٨٢] أي أهل القرية، وهِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ [محمد: ١٣]، أي من أهل قريتك، ومثل هذا كثير في القرآن والكلام الفصيح، بما لا يتمّ المعنى إلا بتقديره؛ فالذي غلّظ الحريريّ
стр. 128
فقال: لو تمادت بهم الرحلة لكانوا في سير متّصل، قد جهل الكلام الفصيح فأراد:
طالت بنا هذه السفرة. وتمادى الشيء فهو متماد، إذا طال فيه المدى، وهو الغاية البعيدة. يقول: تأخّرنا عن السفر اليوم لتمادينا في انتظاره، فطالت علينا السفرة لعطلة السفر، حتى أضعنا اليوم الذي انتظرناه فيه حيث لم نسافر فيه. والزمان: اليوم. بأن:
تبيّن. مان: كذب؛ يقال منه: مان يمين مينا، وأما مانه يمونه مونا، فقام بمؤنته. قوله:
«فتأهّبوا»، استعدوا. الظعن: الرحيل ولا تلوّوا: تعرّجوا. خضراء الدمن: عشب المزابل، هي حسنة المنظر سيّئة المخبر، وإذا يبست لم ينتفع بعودها لخوره وضعفه، فشبّه بها أبا زيد لحسن ظاهره فيما أبدى لهم من فصاحته، وسوء باطنه في كذبه وإخلاف وعده، حتى عطّلهم عن سفرهم نهارا في انتظاره، قال النبي ﷺ : «إياكم وخضراء الدّمن»، فقيل له: وما خضراء الدمن؟ فقال: «الجارية الحسناء في المنبت السوء».
***
ونهضت لأحدج راحلتي، وأتحمّل لرحلتي، فوجدت أبا زيد قد كتب، على القتب: [الكامل]
يا من غدا لي ساعدا ... ومساعدا دون البشر
لا تحسبن أنّي نأيت ... ك عن ملال أو أشر
لكنّني مذ لم أزل ... ممّن إذا طعم انتشر
قال: فأقرأت الجماعة القتب، ليعذره من كان عتب فأعجبوا بخرافته، وتعوّذوا من آفته.
ثمّ إنا ظعنّا ولم ندر من اعتاض عنّا.
***
قوله: «أحدج»: أي اجعل عليها الحدج، وهو مركب من مراكب النساء، وأراد أرحل الناقة. وراحلته: ناقته. أتحمّل لرحلتي، أوقر حملي للرحيل، يقال: تحمّل القوم، إذا عبّوا أحمال. هم وارتحلوا. والقتب: الرّحل. قوله: «ساعدا»، أي ذراعا يستعين به. مساعدا: موافقا. نأيتك: بعدت عنك. أشر: بطر وعدم شكر، يقال: أشر الرّجل يأشر أشرا، إذا بطر، قال الأخطل يذكر بني أمية: [البسيط]
أعطاكم الله جدّا تنصرون به ... لا جدّ إلا صغير بعد محتقر (١)
لم يأشروا فيه إذ كانوا مواليه ... ولو يكون لقوم غيرهم أشروا
стр. 129
قوله: «مذ لم أزل»، أي مذ بنت ووجدت. انتشر: ذهب. عتب: لام وسخط فعله. خرافته: حديثه الملهى.
[حديث خرافة]
وحديث خرافة مثل سائر على ألسنة الناس في القديم والحديث، يضرب لكلّ حديث لا حقيقة له. ووقع في أمثال المفضّل بسند يصل إلى عائشة ﵂، أنها قالت للنبي ﷺ : حدّثني حديث خرافة (١)، فقال: رحم الله خرافة، كان رجلا صالحا، فأخبرني أنه خرج ذات، ليلة فلقي ثلاثة نفر من الجنّ فسبّوه، فقال أحدهم: نعفو عنه، وقال آخر نقتله، وقال آخر: نستعبده، فبينما هم يتشاورون في أمره، إذ ورد عليهم رجل، فقال: السلام عليكم. فقالوا: وعليك السلام، قال: وما أنتم؟ قالوا: نفر من الجنّ، أسرنا هذا فنحن نأتمر في أمره، فقال: إن حدّثتكم حديثا عجيبا، أتشركونني فيه؟
قالوا: نعم، قال: إني كنت ذا نعمة فزالت، وركبني دين، فخرجت هاربا، فأصابني عطش شديد، فسرت إلى بئر فنزلت لأشرب، فصاح بي صائح من البئر: مه! فخرجت منها ولم أشرب، فغلبني العطش، فعدت، فصاح بي، ثم عدت الثالثة فشربت، ولم ألتفت إليه فقال: اللهم إن كان رجلا فحوّله امرأة، وإن كان امرأة فحوّلها رجلا، فإذا أنا امرأة، فأتيت مدينة فتزوّجني رجل، فولدت منه ولدين، ثم عدت إلى بلدي، فمررت بالبئر التي شربت منها، فنزلت فصاح بي كما صاح في الأول، فشربت ولم ألتفت له، فدعا كالأول، فعدت رجلا كما كنت. فأتيت بلدي، فتزوجت امرأة، فولدت منها ولدين، فلي ابنان من ظهري وابنان من بطني. فقالوا: إن هذا لعجيب، أنت شريكنا، فبينما هم يتشاورون إذ ورد عليهم ثور يطير فلما جاوزهم، إذا رجل بيده خشبة، وهو يحفز في إثره، فوقف عليهم فسلّم، فردّوا وسألهم، فردّوا عليه مثل ردهم على صاحبهم؛ فقال: إن حدّثتكم بحديث أعجب من هذا أتشركونني فيه؟ قالوا: نعم قال:
كان لي عمّ، وكان موسرا، وكان له ابنة جميلة، وكنّا سبعة إخوة، وكان لعمّي عجل يربّيه، فانفلت، فقال: أيّكم يردّه فابنتي له؛ فأخذت خشبتي هذه، واتّزرت، ثم حفزت في إثره وأنا غلام، وقد شبت، فلا أنا ألحقه ولا هو يكلّ؛ فقالوا: إن هذا لعجب، أقعد فأنت شريكنا. فبينما هم يتشاورون، إذ ورد عليهم رجل على فرس أنثى، وخلفه غلام على فرس ذكر، فسلّم كما سلّم صاحباه فردّوا عليه كردّهم على صاحبيه. فسألهم فأخبروه الخبر، فقال لهم: إن حدثتكم بحديث أغرب من هذا، أتشركونني فيه؟ فقالوا نعم، قال: كانت لي أمّ خبيثة- ثم قال للفرس الأنثى الذي تحته: أكذلك هو فقالت:
برأسها نعم- قال: وكنت أتّهمها بهذا العبد- وأشار إلى الفرس، الذي تحت غلامه:
أهكذا؟ فقال برأسه: نعم- فوجّهت بغلامي هذا الراكب ذات يوم في بعض حاجاتي،
стр. 130
فحبسته عندها فأغفى، فرأى في منامه كأنها صاحت صيحة، فإذا هي بجرذ قد خرج، فقالت: اسجد، فسجد، ثم قالت: اكرب فكرب، ثم قالت: ادرس فدرس، ثم دعت برحا فطحنت قدح سويق، فأتت به الغلام، فقالت له: ائت به مولاك، فأتاني به، فاحتلت عليهما حتى سقّيتهما القدح، فإذا هي فرس أنثى، وإذا هو فرس ذكر، قال:
أكذلك؟ قالت الفرس الأنثى برأسها: نعم، وقال الفرس الذكر برأسه: نعم، فقالوا إن هذا أعجب شيء سمعناه، أنت شريكنا. فأجمع رأيهم فأعتقوا خرافة فأتى النبيّ ﷺ وسلم فأخبره بهذا الحديث، فما جاء من الأحاديث المحاليّة نسب إلى خرافة صاحب الحديث.
***
قوله: «آفته» أي ضرره. ظعنّا: رحلنا. اعتاض: استبدل.
стр. 131
المقامة الخامسة وهي الكوفيّة
حكى الحارث بن همّام قال: سمرت ب الكوفة في ليلة أديمها ذو لونين، وقمرها كتعويذ من لجين، مع رفقة غذوا بلبان البيان، وسحبوا على سحبان ذيل النّسيان، ما فيهم إلّا من يحفظ عنه ولا يتحفّظ منه، ويميل الرّفيق إليه، ولا يميل عنه، فاستهوانا السّمر، إلى أن غرب القمر، وغلب السّهر. فلمّا روّق اللّيل البهيم، ولم يبق إلّا التّهويم، سمعنا من الباب نبأة مستنبح، ثمّ تلتها صكّة مستفتح، فقلنا:
من الملمّ، في اللّيل المدلهمّ؟ فقال:
***
[الكوفة]
سمرت بالكوفة. الكوفة بلد بالعراق مشهور بينه وبين بغداد ثلاثون فرسخا، وسميت كوفة لاستدارتها، أخذت من الكوفان، وهي الرملة الشديدةالبياض، وقيل:
سمّيت كوفة لاجتماع الناس فيها، من قولهم: تكوّف الرمل تكوّفا، إذا ركب بعضه بعضا، وقيل: سمّيت كوفة، لأنها قطعت من البلاد، من قولهم: أعطيت فلانا كيفة، أي قطعة، وكفت أكيف كيفا: قطعت والكوفة «فعلة» منه، قلبت الياء واوا للضمّة التي قبلها.
وهي مدينة العراق الكبرى، والمصر الأعظم وقبّة الإسلام، ودار هجرة المسلمين، وأوّل مدينة اختطّها المسلمون بالعراق.
وذكر شيخنا أبو الحسن بن جبير في رحلته حاجّا، أنه دخل الكوفة في أوّل محرّم سنة تسع وتسعين وخمسمائة، فقال: هي مدينة كبيرة، وقد استولى الخراب على أكثرها، فالعامر منها أقلّ من الخراب، ومن أسباب خرابها قبيلة خفاجة المجاورة لها، وهي لا تزال تضرّ بها، وكفاك بتعاقب الأيّام والليالي ما حقا ومفنيا! وبناؤها بالآجرّ خاصّة، ولا سور لها. والجامع العتيق آخرها ممّا يلي شرق البلد، ولا عمارة تتّصل به من جهة الشرق. وهو جامع كبير، في الجانب القبليّ منه خمس أبلطة، وفي سائر الجوانب بلاطتان متّسعتان، وهي على أعمدة من السّواري المصنوعة من صميم الحجارة المنحوتة قطعة على قطعة، مفرغة بالرّصاص، ولا قسيّ عليها، وهي في نهاية من الطول متصلة
стр. 132
بسقف المسجد، فتحار العيون في تفاوت ارتفاعها، فما رئي في الأرض مسجد أعلى سقفا منه، ولا أطول أعمدة، ولهذا الجامع آثار كثيرة منها بيت بإزاء المحراب عن يمين مستقبل القبلة، يقال إنه كان مصلّى الخليل إبراهيم ﵇، وعليه ستر أسود صونا له، ومنه يخرج الخطيب لابسا ثياب السواد للخطبة، والناس يزدحمون على هذا البيت للصلاة فيه، وبمقربة هذا البيت عن يمين القبلة محراب محلق عليه بأعواد الساج، كأنه مسجد صغير مرتفع عن صحن البلاط، هو محراب عليّ بن أبي طالب ﵁، وفيه ضربه الشقيّ عبد الرحمن بن ملجم، فالناس يصلّون فيه باكين داعين، وفي الزّاوية من البلاط القبليّ المتّصل بآخر البلاط الغربيّ شبه مسجد صغير محلّق عليه أيضا بأعواد الساج، وهو مفار التّنّور الذي كان آية نوح ﵇، ويتصل بالجدار القبليّ فضاء، يقال إنه. كان منشأ السفينة.
ومع هذا الفضاء دار عليّ بن أبي طالب ﵁ تلقّينا هذه الآثار من أشياخ- البلد وفي الجهة الشرقيّة بيت قبر مسلمة بن عقيل، وفي جوف الجامع سقاية كبيرة فيها ثلاثة أحواض كبار، وفي غربيّ المدينة على مقدار فرسخ المشهد الشهير المنسوب لعلي بن أبي طالب حيث بركت ناقته، وهو محمول عليها ميّتا، وفيه قبره، والله تعالى أعلم بصحة ذلك. والفرات في الجانب الشرقيّ على قدر نصف فرسخ، والجانب الشرقي كله حدائق نخل ملتفّة يمتد سوادها امتداد البصر.
***
قوله: «سمرت» أي ذهب نومي. الأديم: الجلد، وأراد أنّ لون الليلة فيه سواد وبياض، لأن قمرها ناقص، ولذلك جعله. كتعويذ من لجين؛ وهو خرز فضة، يستعمل مستديرا استدارة القمر، وبعض الدائرة، فارغ فيربط في الدائرة خيط، فيعلّق في أعناق الصبيان.
[مما قيل في الهلال شعرا]
وقال فيه السكرادي: [الكامل]
قم سلّ همّي بالمدا ... م ففيه همّ قد أمضّه
أو ما ترى قمر السّما ... ء كأنه تعويذ فضّه
فإذا ألمّ به المحا ... ق تخاله في الخدّ عضّه
وعلى معنى البيت الآخر، قال إسماعيل القاضي يصف الهلال: [مجزوء الخفيف]
اسقني قبل صاحبي ... واخش صرف النوائب
فالهلال الذي يلو ... ح خلال الغياهب
مثل فخ اللجين صي ... غ لصيد الكواكب
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: [المنسرح]
стр. 133
لمّا رأيت الهلال منطويا ... في غرّة الفجر قارن الزّهره
شبّهته والعيان يشهد لي ... بصولجان أوفى لضرب كره
وقال القاضي أبو الحسن بن لبّال: [مجزوء الرجز]
انظر إلى الهلال إذ ... لاح بهيّ المنظر
كزورق من فضة ... وسط لجين أخضر
أخذه من قول ابن المعتزّ: [الكامل]
أهلا بفطر قد أنار هلاله ... فالآن فاغد إلى المدام وبكّر
وانظر إليه كزورق من فضّة ... قد أثقلته حمولة من عنبر
وله أيضا: [المنسرح]
أهلا وسهلا بالنّاي والعود ... وشرب كأس بكفّ مقدود
قد انقضت دولة الصيام وقد ... بشّر مرأى الهلال بالعيد
يتلو الثريّا كفاغر شره ... يفتح فاه لأكل عنقود
وقد شبّهه ابن المعتزّ بقلامة الظفر، فأحسن حيث يقول: [البسيط]
وجاءني في قميص اللّيل مستترا ... يستعجل الخطو من خوف ومن حذر
ولاح ضوء هلال كاد يفضحه ... مثل القلامة قد قدّت من الظّفر
وأخذه من قول الأعرابيّ: [المتقارب]
كأنّ ابن مزنتها جانحا ... فسيط لدى الأفق من خنصر (١)
ابن مزنتها: الهلال. الفسيط: قلامة الظفر.
قوله: «غذوا»: أي ربّوا به وجعل غذاؤهم؛ واللّبان للآدميات، واللبن للآدميات وغيرهنّ. سحبوا: جرّوا. سحبان: فصيح العرب، وانظره في السادسة عشرة. ذيل اللسان: طرفه، يريد أنهم بفصاحتهم أنسوا ذكر سحبان، فكأنهم جرّوا عليه ثوب النسيان حتى غطّوه، فلم يذكره أحد من هؤلاء، وأصل ذلك أن يسحب ذيل الثوب على أثر ليخفى، كقول امرئ القيس: [الطويل]
* تعفّى بذيل الدّرع إن جئت موئلي*
وكقوله: [الطويل]
стр. 134
خرجت بها تمشي تجرّ وراءنا ... على أثرينا ذيل مرط مرحّل (١)
قوله: «يحفظ عنه»، أي هم علماء يروون العلم فيحفظ عنهم. يتحفّظ، يتحذّر، وأخذ هذا من قول سليمان بن عبد الملك: قد أكلت الطّيب، ولبست اللّين، وركبت الفاره، وتبطّنت العذراء، فلم يبق لي من لذتي إلا صديق أطرح فيما بيني وبينه مئونة التحفّظ. فهذا الذي طلبه سليمان وجده الحريريّ في أصحابه، وأصل التحفّظ الاجتهاد في حفظ الشيء وقلة الغفلة في الأمور، كأنه على حذر، وأنشد ثعلب: [الكامل]
إنّي لأبغض عاشقا متحفّظا ... لم تتهمه أعين وقلوب (٢)
قوله: «يميل الرفيق إليه»، تقول: ملت إلى فلان، إذا أحببته وتقرّبت منه، وملت عنه، إذا كرهته وبعدت عنه. والرفيق: الصاحب يرتفق به في السفر. قوله: «استهوانا»، هوى بنا وشغلنا. والسّمر: الحديث يسمر عليه. وذكر الحريريّ أن أصل السّمر ظل القمر، والسّمر:
الحديث، ومنه أخذ السمير، وغالب أحوال السّمار أنهم يتحدثون في ظل القمر- وذكر هذا في تفسير الرابعة والأربعين- وهو الأصل، ثم لتسع فيهفصار الجلوس بالليل للحديث يسمى سمرا، على أيّ حال اتفق. روّق: ضرب رواقه، والرواق. الثوب يستظلّ به من الشمس، يريد أنّ الليل ضرب عليهم من ظلامه رواقا فانحجب عنهم به القمر. والبهيم: الخالص السواد، والبهيم الخالص من كلّ لون. والتهويم: النوم بالليل، والتغوير: النوم في القائلة، وقد هوّم الرجل، إذا أسقط النّعاس رأسه فانتبه بسقوطه فرفعه، فحقيقته سجود الرأس من النعاس، قال ذو الرّمّة في ذلك: [الطويل]
وأشعث مثل السّيف قد لاح جسمه ... وجيف المهارى والهموم الأباعد (٣)
سقاه النّعاس كأس سكر فرأسه ... لدين الكرى في آخر اللّيل ساجد
ويقال: خفق رأسه فهو خافق، قال ذو الرّمة: [البسيط]
وخافق الرأس فوق الرّحل قلت له ... زع بالزّمام وجوز الليل مركوم (٤)
стр. 135
وقال الرصافيّ فأحسن: [الخفيف]
ومجدّين للسّرى قد تعاطوا ... غفوات الكرى بغير كئوس
جنحوا وانحنوا على العيس حتّى ... خلتهم يلثمون أيدي العيس
نبذوا الغمض وهو حلو إلى أن ... وجدوه سلافة في الرءوس
قوله: «نبأة»، أي صوت. مستنبح: يحكي نباح الكلاب، وكان الرجل إذا تلف بالليل بالصحراء ولم يدر أين يتوجّه، حاكى بصوته نباح الكلب، فإن كان قريبا من العمران نبحت لنباحه كلاب الحيّ، فسمع أصواتها، فقصد الحيّ فتسمّى العرب من يفعل هذا المستنبح. وأنشد أبو عليّ في نوادره: [الطويل]
ومستنبح بات الصدى يستتيهه ... فتاه وجوز الليل مضطرب الكسر
رفعت له نارا ثقوبا زنادها ... تليح إلى الساري: هلمّ إلى قدري
وقال حسان بن ماثل: [الطويل]
ومستنبح في جنح ليل دعوته ... بمشبوبة في رأس صمد مقابل (١)
فقلت له أقبل، فإنّك راشد ... وإنّ على النار النّدى وابن ماثل (٢)
وقد أنشد أبو تمام في حماسته في باب الأضياف في المستنبح ما فيه كفاية؛ فلينظر هنالك.
قوله: «تلتها»، أي تبعتها. صكّة: دفعة. مستفتح: طالب فتح الباب الملمّ: الزائر:
المدلهمّ: الشديد السواد، من الدّهمة، ولامه زائدة [الرجز]
***
يا أهل ذا المغنى وقيتم شرّا ... ولا لقيتم ما بقيتم ضرّا
قد دفع اللّيل الّذي اكفهرّا ... إلى ذراكم شعثا مغبرّا
أخا سفار طال واسبطرّا ... حتّى انثنى محقوقفا مصفرّا
مثل هلال الأفق حين افترّا ... وقد عرا فناءكم معترّا
وأمّكم دون الأنام طرّا ... يبغي قرّى منكم ومستقرّا
فدونكم صيفا فنوعا حرّا ... يرضى بما احلولى وما أمرّا
وينثني عنكم ينثّ البرّا
***
стр. 136
المغنى: المنزل. ووقيتم: كفيتم وإنما دعا لهم بهذا، لأن في حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «يوشك قلوب الناس أن تملأ شرّا حتى يجري الشرّ فضلا بين الناس فلا يجد قلبا يدخله».
اكفهرّ: تراكم ظلامه وكثر. ذرا. شعثا: متغيّر الشعر، والشعث: ترك غسل الرأس حتى يتغيّر. مغبرّا: عليه الغبار، وفي الحديث عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلا وسخت ثيابه، فقال: «أما وجد هذا ما ينقي به ثيابه! ». ورأى رجلا شعث الرأس، فقال: «أما وجد هذا ما يسكّن به شعره! » أخا سفار: صاحب أسفار، أي ملازم لها. اسبطرّ: امتدّ وطال سفره انثنى: رجع عاد. محقوقفا: منحنيا. الأفق: ناحية السماء. افترّ: انفتحت أطرافه ولم يتقارب، كأنه فرّ هذا من هذا، ومنه فررت الدابة، وافترّ: ضحك، وشبّه انحناؤه من السفر بدائرة القمر الناقص، وأكثر ما يوقعون هذا التشبيه على الانحناء من الكبر، قال الشاعر: [الوافر]
تقوّس بعد مرّ العمر ظهري ... وداستني اللّيالي أيّ دوس
فأمشي والعصا تهوي أمامي ... كأنّ قوامها وتر لقوسي
وقال ابن لبّال: [المنسرح]
قوّس ظهري المشيب والكبر ... والدّهر يا عمرو كلّه عبر
كأنني والعصا تدبّ معي ... قوسها وهي في يدي وتر
قوله: «عرا»: قصد. فناءكم: منزلكم، وفناء الدار: ما أحاط بها من الأرض فحمته. معترّا: قاصدا لطلب معروفكم، أمّكم: قصدكم. طرّا: أجمع. يبغي قرى:
يطلب طعاما. احلولى: اشتدّت حلاوته. ينثّ: يفشي وينشر. البرّ: الإحسان
***
قال الحارث بن همّام: فلما خلبنا بعذوبة نطقه، وعلمنا ما وراء برقه، ابتدرنا فتح الباب وتلقيناه بالتّرحاب، وقلنا للغلام: هيّا هيّا، وهلمّ ما تهيّا.
فقال الضّيف: والّذي أحلّني داركم، لا تلمّظت بقراكم، أو تضموا لي ألّا تتّخذوني كلّا! ولا تجشّموا لأجلي أكلا؛ فربّ أكلة هاضت الآكل، وحرمته مآكل، وشرّ الأضياف من سام التّكليف، وآذى المضيف، خصوصا أذى يعتلق بالأجسام، ويفضي إلى الأسقام، وما قيل في المثل الذي سار سائره: «خير العشاء سوافره»، إلّا ليعجّل التّعشّي، ويجتنب أكل اللّيل الّذي يعشي، اللهمّ إلّا أن تقد نار الجوع، وتحول دون الهجوع.
***
стр. 137
قوله: «خلبنا»، أي خدعنا. علمنا ما وراء برقه، يريد أن ما أبدى لهم من الكلام الفصيح دلّهم على ما عنده من العلم، كما أن البرق إذا ظهر ولمع علم ما وراءه من المطر. ابتدرنا: استبقنا، التّرحاب: من قولهم. مرحبا مرحبا. هيّا هيّا، أي سق سق.
هلم ما تهيّا، أي أحضر ما تيسر. لا تلمّظت بقراكم: لا تذوّقت بطعامكم، وأصل التلمّظ تتبع اللسان ما بقي من الطعام في الفم بعد الأكل. كلا: ثقيلا، وفلان كلّ على أهله، إذا لم يكفهم مئونة نفسه، والكلّ: الإعياء، وجمعه كلول، وعلى فلان كلّ كثير، قال النابغة الجعديّ: [الطويل]
رأيتم بني سعد كلولا كثيرة ... شهيد بذاك ابنا حماد بن أحمرا (١)
تجشّموا: تكلفوا أكلا: طعاما، والأكلة: الغداء والعشاء، والأصل في هذا أنّ الأكل بالفتح، مصدر أكل، وبالضمّ ما أكل، والأكلة بالفتح: المرّة الواحدة، وبالضم اللقمة، وبالكسر هيئة الأكل. هاضت: أضعفت، وأدخلت عليه هيضة، وهي القيء والاسهال، وأصل المثل: رب أكلة تمنع أكلات؛ وقال ابن هرمة: [الوافر]
وربّت أكلة منعت أخاها ... بلذّة ساعة أكلات دهر
وكم من طالب يشفى بشيء ... وفيه هلاكه لو كان يدري
والمآكل: جمع مأكلة أو مأكل، وهي الأكل، وهي أيضا ما يؤكل سام التكليف، أي عرّض مضيفه إلى تكلّف ما يشقّ عليه. والأذى: الضرر، والمضيف: صاحب المنزل.
يفضي: يؤول. سار سائره: انتشر التحدّث به ومشى في الناس خير العشاء سوافره؛ بواكره، أي ما أكل منه بضوء النهار، واحدها سافرة، والسافرة: التي سفرت نقابها عن وجهها، أي كشفته؛ فكأن اللقمة إذا أبصرتها عند أكلها قد سفرت الظلام عن نفسها، وتجمع على سوافر على هذا المعنى، حكى أبو بكر بن شعبان النحويّ، قال: دخلت على محمد اليزيديّ وهو يتغدّى، فقال: يا أبا بكر، خير الغداء بواكره، فخير العشاء ماذا؟ فقلت: لا أدري، فقال:
دخلت على حسين بن الخادم، وهو يتغدّى فقال: يا أبا سليمان، خير الغداء بواكره، فخير العشاء ماذا؟ فقلت: لا أدري، فقال: كنت بحضرة الرشيد وهو يتغدّى، فدخل الأصمعيّ، فقال: يا أصمعيّ، خير الغداء بواكره، فخير العشاء ماذا؟ فقال: بواصره، يعني ما يبصر من الطعام قبل الظلام. وحكى أبو يعقوب في الغداء التأخير. فقال: قال الحكيم- وقيل هو لعليّ بن أبي طالب ﵁ من سرّه البقاء ولا بقاء، فليبكر الغداء، وليباكر العشاء، وليخفف الرّداء- يريد ثقل الدّين.
التعشّي: أكل العشاء، وهو ما يؤكل بالعشيّ. يعشي: يورث العشا، وهو سواد البصر ليلا، قال ابن دريد: [مجزوء الكامل]
стр. 138
وأرى العشا في العين أك ... ثر ما يكون من العشاء (١)
أراد من تأخير العشاء، لأن أكل الطعام بالليل يحدث ضعف البصر أكثر من غيره، وقال كشاجم: [مجزوء الخفيف]
ونديم مخالف ... لا يشاء الّذي أشا (٢)
هو في الصّحو لي أخ ... وعدوّ إذا انتشى
اقترحت العشاء يو ... ما عليه فأدهشا
ساعة ثم قالى لي: ... العشا يورث العشا
كأن هذا التطبّب أخذه كشاجم من قول [ضيف] الصاحب بن عباد، قال الصاحب:
ما أفحمني أحد كأبي الحسن البديهيّ، فإنه كان عندي، فقدّمت إليه فاكهة، فأمعن في المشمش، فقلت: المشمش يلطّخ المعدة، فقال: لا يعجبني المضيف إذا تطبّب، فوددت أني لم أقلها.
وورد النهي عن ترك العشاء في حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تدعوا العشاء، ولو بكفّ من حشف، وإنّ تركه مهرمة» (٣).
وقوله: «تحول دون الهجوع»، أي تمنع من النوم، وجاء في الحديث النّهي عن التكلف، قال سفيان: ذهبت أنا وصاحب لي إلى سلمان، فقال: لولا أنّ رسول الله ﷺ نهى عن التكلّف لتكلّفت لكم، ثم جاء بخبز وملح، فقال صاحبي: لو كان في ملحنا صعتر! فبعث سلمان مطهرته، فأرهنها، فجاء بصعتر، فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي أقنعنا بما رزقنا، فقال سلمان: لو قنعت لم تكن مطهرتي مرهونة! وجاء في حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «نعم الإدام الخلّ» (٤)، وكفى بالمرء إثما أن يسخط ما قرّب إليه. الهجوع، أي النوم.
***
قال: فكأنّه اطّلع على إرادتنا، فرمى عن قوس عقيدتنا، لا جرم أنّا آنسناه بالتزام الشّرط، وأثنينا على خلقه السّبط ولمّا أحضر الغلام ما راج، وأذكى بيننا السّراج، تأمّلته فإذا هو أبو زيد، فقلت لصحبي: ليهنئكم الضّيف الوارد، بل
стр. 139
المغنم البارد! فإن يكن أفل قمر الشّعرى فقد طلع قمر الشّعر، أو استسرّ بدر النّثرة فقد تبلّج بدر النّثر. فسرت حميّا المسرّة فيهم، وطارت السّنة عن مآقيهم، ورفضوا الدّعة الّتي كانوا نووها وثابوا إلى نشر الفكاهة بعد ما طووها؛ وأبو زيد مكبّ على إعمال يديه، حتّى إذا استرفع ما لديه، قلت له: أطرفنا بغريبة من غرائب أسمارك، أو عجيبة من عجائب أسفارك.
***
قوله: «عقيدتنا»؛ أي ما انعقدت عليه نيّاتنا، ويقال: رميت عن القوس، ولا يقال:
رميت بها، إلا أن ترميها من يدك. لا جرم، بمعنى حقا، ولا بدّ ولا محالة. السّبط:
السهل. راج: تيسر. أذكى: أوقد. السّراج: المصباح تأملته: نظرته ليهنئكم، أي ليسرّكم. الوارد: القاصد. المغنم البارد: الهنيء الذي يغنم دون قتال ولا تعب. أفل:
غاب الشّعري: كوكب معروف، وهما شعريان: العبور والغميصاء، سمّوها عبورا لأنهم يزعمون أنها عبرت المجرّة، وسموا الأخرى الغميصاء لأنها بكت على أختها حتى غمصت عينها. أي خفيت استسرّ: غاب وخفي. النّثرة: ثلاثة أنجم مجتمعة. تبلّج: ظهر وأضاء. النثر: ضد النظم، يقول: إن غاب قمر السماء الذي يتحدّث بضوئه، فهذا أبو زيد قمر الفصاحة قد طلع، فجدّدوا حديثكم ودعوا النوم.
سرت: مشت حميّا المسرّة: شدة السرور، والحميّا: حدّة الخمر وتسمّى الخمر الحميّا. السّنة: أخفّ من النوم. مآقيهم: عيونهم، والمآق: طرف العين من جهة الأنف.
رفضوا: تركوا. الفكاهة: الحديث المظرّف، وأصلها المزاح، ومنه قولهم: لا تمازحنّ صبيّا ولا تفاكهنّ أمة، قال ابن الأنباريّ: المعنى: لا تمازحنّ، إلا أنه استسمج إعادة اللفظ فأتى بلفظ في مثل معناه، مخالف للفظه. وتفاكهنّ، مشتق من الفكاهة، وهي المزاح، وقال طرفة: [الطويل]
وإن امرأ لم يعف يوما فكاهة ... لمن لم يرد سوءا بها لجهول (١)
ووصف أبو العيناء بن أبي دواد، فقال: له هزل يؤثم به، وجدّ يتقدم الجدّ، وبين ذلك فكاهة تستملح، ودعا به تستظرف. ومزح، مصادره ثلاثة: مزح ومزاح وممازحة.
اليزيديّ: بالكسر لا غير. أبو عمرو: ما ذكره اليزيديّ مصدر مازحت مزاحا وممازحة.
قوله: «مكبّ»، أي مائل الرأس. إعمال يديه: استعمالها بالأكل. واسترفع: أمر برفعه، ويروى «استفرغ»، أي أتمّ. أطرفنا، أي حدّثنا بطرفة، وهي الحديث المستملح، والطرفة عند العرب: الشيء المحدث الذي لم يكن عرف، وجاء فلان بطرفة وشيء
стр. 140
طريف. وهو مشتقّ من الطريف والطارف، وهما المال المستحدث الذي جمعه الرجل واكتسبه. والتالد: ما ورثه عن الآباء، قال الشاعر: [الطويل]
وأصبح مالي من طريف وتالد ... لغيري وكان المال بالأمس ماليا
أسمارك: جمع سمر، وهو الحديث يسمر عليه.
***
فقال: لقد بلوت من العجائب ما لم يره الرّاءون، ولا رواه الرّاوون؛ وإنّ من أعجبها ما عاينته اللّيلة قبيل انتيابكم، ومصيري إلى بابكم؛ فاستخبرناه عن طرفة مرآه، في مسرح مسراه، فقال: إنّ مرامي الغربة، لفظتني إلى هذه التّربة، وأنا ذو مجاعة وبؤسى، وجراب كفؤاد أمّ موسى. فنهضت حين سجا الدّجى، على ما بي من الوجى، لأرتاد مضيفا، أو أقتاد رغيفا، فساقني حادي السّغب، والقضاء المكنّى أبا العجب، إلى أن وقفت على باب دار، فقلت على بدار:
***
قوله: «ما لم يره الراءون»، أي الناظرون إليه، وقوله: «ولا رواه الراوون» أي حفظه الحافظون، عاينته: شاهدته ورأيته بعيني. انتيابكم: قصدكم مصيري: رجوعي.
مرآه: رؤيته. مسرح: حيث يسرح ويمشي. مسراه: سيره بالليل مرامي: قواذف التّربة:
البلدة مجاعة: جوع. بؤسى: ضرر. جراب: وعاء الزاد. كفؤاد أم موسى، أي فارغا لقوله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً [القصص: ١٠].
[موسى ﵇]
وسمّي موسى لأنّهم وجدوه بين ماء وشجر، ومو بالقبطية هو الماء، وشا الشجر، فعربت فجعلت الشين سينا. وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، ولم تزل بنو إسرائيل من عهد يوسف ﵇ تحت أيدي الفراعنة، وهم على بقايا من دين إبراهيم ﵇ المشروع له وإسحاق ويعقوب ويوسف عليهم الصلاة والسلام، حتى كان فرعون الذي بعث موسى ﵇ إليه، ولم يكن منهم فرعون أعتى على الله منه ولا أطول عمرا. وكان شديد الغلظة سيّئ الملكة. واسمه الوليد بن مصعب، وكان اتّخذ بني إسرائيل خولا، فصنف منهم يبنون، وصنف يحرثون، ومن لا عمل له وظّف عليه الجزية، فرأى في منامه أن نارا أقبلت من المقدس، فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، فسأل عن رؤياه، فقيل له:
يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه رجل يكون على يديه هلاك مصر، فأمر بقتل كلّ مولود يولد في بني إسرائيل. فجمع القوابل وعهد إليهنّ بذلك، فذبح الولدان
стр. 141
وعذّب الحبالى، حتى يطرحن ما في بطونهنّ، حتى كاد يفنيهم، فقيل له: إنما هم خولك، وإنك إن تفنهم ينقطع النسل. فأمر بقتل الغلمان عاما ويستحيون عاما، فولد هارون في السنة التي يستحيون فيها. وولد موسى في السنة التي يقتلون فيها.
فلما وضعته أمه حزنت لشأنه، فأوحى الله إليها: أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليمّ- وهو النيل- ولا تخافي ولا تحزني. فعملت تابوتا وجعلته فيه، وألقته في اليمّ، وقالت لأخته: قصّيه، أي اقتفي أثره، فحمله الماء حتى أدخله بين أشجار تحت قصر فرعون، فخرج جواري فرعون يغتسلن، فوجدن التابوت، فأدخلنه إلى آسية امرأة فرعون، وهي بنت مزاحم، إسرائيليّة، فكشفت عنه التابوت، فرأته. فرحمته وأخذته، وأخبرت به فرعون، فأراد أن يذبحه، وخشي أن يكون المولود الذي حذّر منه، فلم تزل به آسية حتى تركه لها، وذلك قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: ٨]، فاللام من لِيَكُونَ للعاقبة، ولم يكن لفرعون ولد، فاتّخذه له ولدا، فارتادوا له المرضعات، فلم يقبل ثدي واحدة منهن، ولما غاب أمره عن أمه، كاد قلبها يطير وجدا عليه، فبعثت أخته كأنّها تلتمس رضاعه، فلما رأت أسفهم عليه حيث لا يقبل على مرضعة- وذلك قوله تعالى وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ [القصص: ١٠] قالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم؟ فقالوا لها: دلّينا على ذلك، فذهبت فجاءت بأمه.
فلما رأته كادت لشدّة حبّها فيه، وفرحها به أن تقول: هو ابني، وتفتضح، فعصمها الله من ذلك، وذلك قوله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها [القصص: ١٢]، فأعطته ثديها، فأخذ يرضعه. فربّته في قصر فرعون، فلما تحرّك عرضته آسية على فرعون، فلما أخذه مدّ موسى يده إلى لحيته فنتفها، فقال فرعون: عليّ بالذبّاحين، فإنما هو هذا! فقالت آسية: قرّة عين لي ولك، لا تقتلوه فإنه صبيّ لا يعقل، ودعت له بحمر وياقوت لتختبره، فطرح جبريل ﵇ يده في النار وأخذ قطعة منها، فوضعها موسى ﵇ في فمه، فأحرقته. فتكره فرعون، فكبر في حجره. فلمّا ترعرع تبنّاه، فكان يركب مراكبه ويلبس ملابسه، ويدعى ابن فرعون.
ثم إن موسى ﵇ أخبر أن فرعون قد ركب، فركب أثره، فأدركه ببلد منف، فدخلها وقد أحليت لفرعون وليس في طرقها أحد، فرأى إسرائيليامع قبطيّ يقتتلان، فاستغاثه الإسرائيليّ، فوكز القبطيّ فقضى عليه، فكان من قصته معهما ما قص الله تعالى في كتابه، حتى خرج خائفا يترقب إلى مدين.
وأما رجوعه منها إلى فرعون بأنه رسول الله إلى أن غرق فرعون في البحر وجنوده، فمذكور في الثامنة عشرة.
***
стр. 142
قوله: «نهضت»، أي مشيت. سجا الدجى: سكن بالظلام وغطّى كل شيء.
الوجى: الحفا. أرتاد: أطلب. مضيفا: منزلا، وأضافه: أنزله. وضافه: نزل به فهو ضيفه، أي النازل به. أقتاد: أقود. حادي السغب: سائق الجوع [الرجز]
***
حيّيتم يا أهل هذا المنزل ... وعشتم في خفض عيش خضل
ما عندكم لابن سبيل مرمل ... نضو سرى خابط ليل أليل
جوى الحشى على الطّوى مشتمل ... ما ذاق مذ يومان طعم المأكل
ولا له في أرضكم من موئل ... وقد دجا جنح الظّلام المسبل
وهو من الحيرة في تململ ... فهل بهذا الرّبع عذب المنهل
يقول لي: ألق عصاك وادخل ... وابشر ببشر وقرى معجّل!
***
حيّيتم: طابت حياتكم، والتحيّة البقاء. خفض: لين وخفض عيشه خفضا، إذا أخصب، خضل: ناعم، وخضل: الشيء يخضل خضلا: ابتلّ ابن سبيل: خاطر طريق، وهو الغريب، وسمّي الغريب ابن السّبيل، لأنه إذا ظهر على قوم لا يعرفونه لم يعرف له نسب إلا السبيل الذي جاء منه. ومرمل: لا زاد له، وأرمل القوم: فنى زادهم.
ومن أبيات اللّغز في ابن السبيل: [الطويل]
ونحن ابن من لا ينكر النّاس فضله ... وليس له في الناس من طالب وترا
فإن تحفظوا فينا أبانا فحقّنا ... رعيتم وإلّا أوقدت ناركم شرّا
أي سبيتم في كل مكان، كما قال الآخر: [الطويل]
وأنت الذي شيّبتني قبل شيبتي ... وأوقدت لي نارا بكلّ مكان
ومنها أيضا: [الوافر]
وأحيانا يكون كبير سنّ ... وأحيانا يكون من الشّباب
ومنسوب إلى من لم يلده ... كذاك الله أنزل في الكتاب
قوله: «نضو سرى»، أي هزيل من مشى اللّيل في الأسفار. وخابط ليل: الذي يمشي فيه على غير هداية. أليل: شديد السواد. جوى الحشى: فاسد الجوف من الجوع، وهو الطوى. مشتمل: منضمّ، أي قد انضمّ جوفه على الجوع، ففسدت أحشاؤه. موئل: ملجأ، من ووألت إلى كذا أي لجأت. دجا: ألبس. جنح: سواد:
المسبل. المطبق. تململ: تقلّب وتوجّع. والرّبع: المنزل، والمنهل: موضع الماء.
стр. 143
ويقال: ألقى عصاه، إذا ترك السّير وأقام، وروى الأصبعيّ عن بعض البصريين أنه قال: سمّيت العصا عصا لأن اليد والأصابع تشتمل عليها، وهو من قول العرب: عصوت القوم إذا جمعتهم على خير أو شرّ، ويقال: عصي بالسيف يعصى إذا ضرب به كما يضرب بالعصا. بشر: طلاقة وجه.
***
قال: فبرز إليّ جوذر، عليه شوذر، وقال: [الرجز]
وحرمة الشّيخ الّذي سنّ القرى ... وأسّس المحجوج في أمّ القرى
ما عندنا لطارق إذا عرى ... سوى الحديث والمناخ في الذّرا
* فما ترى فيما ذكرت ما ترى*
***
برز: خرج. جؤذر: ظبي، وأصله ولد الغزالة. الشوذر: ثوب قصير.
[إبراهيم ﵇]
والشيخ الذي سنّ القرى، هو إبراهيم ﵇، واختصّه بلقب الشيخ لأنه أوّل من شاب، ولما رأى الشيب، قال: يا ربّ، ما هذا؟ فأوحى الله إليه، يا إبراهيم، هذا وقار، فقال: يا ربّ زدني وقارا. وشاب وهو ابن مائة وخمسين سنة، وذلك أنه لمّا ولدت سارة إسحاق، قال الكنعانيون: ألا تعجبون لهذا الشيخ والعجوز وجدا غلاما، فتبنّياه! فصوّر الله إسحاق على صورة إبراهيم ﵉، فلم يفصل بينهما، فوشم الله إبراهيم بالشيب.
قوله: «سنّ»: ابتدأ، وجعله سنّة، وهو أول من ضيّف الضيف، وأطعم المساكين، وقصّ شاربه، وقلّم أظافره واستحدّ واستاك، وفرق شعره، ومضمض واستنثر، واستنجى بالماء. وأسّس المحجوج، أي بنى أساس البيت الحرام.
وأمّ القرى: مكّة. والطارق: الآتي بالليل. والمناخ: موضع البروك. يقري:
يضيف. الكرى: النوم برى أعظمه، أي أزال اللحم عنها. انبرى: اعترض.
[قرى الضيف]
وقال حبيب في أنّ أوّل من قرى الضيف إبراهيم ﵇: [الكامل]
للجود سهم في المكارم والتّقى ... لا ربّه المكدي ولا المسهوم (١)
وبيان ذلك أن أوّل من قرى ... وحبا خليل الله إبراهيم
стр. 144
وقال أبو بحر صفوان بن إدريس في فتى اسمه إبراهيم، وأبدع ما شاء حيث قال: [الكامل]
أسميّ من سنّ القرى رفقا بمن ... يفنى عليك صبابة وغراما
أنا ضيف حسنك فاصطنعني إنه ... ضيف الهوى يستوجب الإكراما
لمّا نظرت نجوم خيلان بدت ... في صحن وجنتك استفدت مقاما
أفنيت جسم الصبّ شوقا مثلما ... أفنى سميّك قبلك الأصناما
يا زهرة سكنت فؤادي غضّة ... إنّي تبوّأت اللهيب كماما
حتى كأنّ الحبّ قال لأضلعي: ... يا نار كن بردا له وسلاما
وقال أبو بكر بن ميمون فيما يتعلق بهذه النار: [المتقارب]
أبا قاسم والهوى جنّة ... وإني من حرّها لم أفق
تقحّمت جاحم نار الحشى ... وخضت بحار سواد الحدق
أكنت الخليل وكنت الكليم ... أمنت الجوى وأمنت الغرق!
انظر إلى الأضياف الرابعة والأربعين.
***
فقلت: ما أصنع بمنزل قفر، ومنزل حلف فقر! ولكن يا فتى، ما اسمك، فقد فتنني فهمك؟ فقال: اسمي زيد، ومنشئ قيد، ووردت هذه المدرة أمس، مع أخوالي من بني عبس.
***
قوله: «بمنزل قفر»؛ كأن هذا المنزل هو الذي وصفه الآخر حيث يقول: [الرمل]
ليس إغلاقي لبابي أنّ لي ... فيه ما أخشى عليه السّرقا
إنما أغلقته كي لا يرى ... سوء حالي من يمرّ الطّرقا
منزل أوطنه الفقر فلو ... يدخل السارق فيه سرقا
[البؤس والحرمان]
وإنما أخذ الحريري هذا المعنى من قصة يزيد المدني، وكان من أهل الملح، فاستضافه أعرابيّ، فقال: ما عندنا إلا الأسودان، فقال الأعرابيّ: خير كثير، فقال: لعلك تظنّهما التمر والماء! والله ما هما إلا الليل والحرّة، فلم يكن ليزيد دار إلا الحرّة- وهي أرض سوداء فيها حجارة سود، وهي مقبرة المدينة- والقبور المجصّصة تكون بالليل موحشة، فما ظنك بقبور سود في أرض سوداء في ظلمة الليل! كيف حال من يكون هذا قراه! فبهذا البلاء أعرض يزيد عن ضيافة الأعرابيّ.
стр. 145
ونحو هذا من أقوال المازحين قول أبي الشمقمق- ويروى عن وهب عابد قرطبة: [الوافر]
برزت من المنازل والقباب ... فلم يعسر على أحد حجابي
فمنزلي الفضاء وسقف بيتي ... سماء الله أو قطع السحاب
وإنّي لم أجد مصراع بيت ... يكون من السّحاب إلى التراب
ولا أنشقّ الثرى عن عود نحت ... أؤمّل أن أشدّ به ثيابي
ولا خفت الإباق على عبيدي ... ولا خفت الهلاك على دوابي
وفي ذا راحة وفراغ بال ... فدأب الدهر ذا أبدا ودابي
وقال آخر: [الطويل]
ولمّا التمست الرزق فانجذّ حبله ... فلم يصف لي من بحره العذب مشرب
خطبت إلى الإعدام إحدى بناته ... فزوّجنيها الفقر إذ جئت أخطب
فأولدتها الحرف الشّقيّ فماله ... على الأرض غيري والد حين ينسب
فلو تهت في البيداء واللّيل مسبل ... عليّ جناحيه لما لاح كوكب
ولو خفت شرّا فاستترت بظلّه ... لأقبل ضوء الشمس من حيث تغرب
ولو جاد إنسان عليّ بدرهم ... لرحت إلى رحلي وفي الكف عقرب
ولو يمطر الناس الدنانير لم يكن ... بشيء سوى الحصباء رأسي يحصب
وإن يقترف ذنبا ببرقة مذنب ... فإنّ برأسي ذلك الذنب يعصب
وإن أر خيرا في الأنام فنازح ... وإن أر شرّا فهو منّى مقرّب
أمامي من الحرمان جيش عرمرم ... ومنه ورائي جحفل حين أركب
وقال آخر: [الخفيف]
لو ركبت البحار صارت أجاجا ... لا ترى في متونها أمواجا
ولو أنّي وضعت ياقوته حم ... راء في راحتي لصارت زجاجا
ولو أنّي وردت عذبا فراتا ... عاد لا شكّ فيه ملحا أجاجا
وقال آخر: [الخفيف]
لو وردت البحار أطلب ماء ... جفّ قبل الورود ماء البحار
أو مسست العود النّضير بكفّي ... لذوى بعد بهجة واخضرار
أو رمى باسمى النجوم الدّراري ... لانزوى ضوأها عن الأبصار
ولو أني بعت القناديل يوما ... أدغم اللّيل في ضياء النهار