← Адаб

Адаб · id 760

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وعذّب الحبالى، حتى يطرحن ما في بطونهنّ، حتى كاد يفنيهم، فقيل له: إنما هم خولك، وإنك إن تفنهم ينقطع النسل. فأمر بقتل الغلمان عاما ويستحيون عاما، فولد هارون في السنة التي يستحيون فيها. وولد موسى في السنة التي يقتلون فيها. فلما وضعته أمه حزنت لشأنه، فأوحى الله إليها: أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليمّ- وهو النيل- ولا تخافي ولا تحزني. فعملت تابوتا وجعلته فيه، وألقته في اليمّ، وقالت لأخته: قصّيه، أي اقتفي أثره، فحمله الماء حتى أدخله بين أشجار تحت قصر فرعون، فخرج جواري فرعون يغتسلن، فوجدن التابوت، فأدخلنه إلى آسية امرأة فرعون، وهي بنت مزاحم، إسرائيليّة، فكشفت عنه التابوت، فرأته. فرحمته وأخذته، وأخبرت به فرعون، فأراد أن يذبحه، وخشي أن يكون المولود الذي حذّر منه، فلم تزل به آسية حتى تركه لها، وذلك قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: ٨]، فاللام من لِيَكُونَ للعاقبة، ولم يكن لفرعون ولد، فاتّخذه له ولدا، فارتادوا له المرضعات، فلم يقبل ثدي واحدة منهن، ولما غاب أمره عن أمه، كاد قلبها يطير وجدا عليه، فبعثت أخته كأنّها تلتمس رضاعه، فلما رأت أسفهم عليه حيث لا يقبل على مرضعة- وذلك قوله تعالى وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ [القصص: ١٠] قالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم؟ فقالوا لها: دلّينا على ذلك، فذهبت فجاءت بأمه. فلما رأته كادت لشدّة حبّها فيه، وفرحها به أن تقول: هو ابني، وتفتضح، فعصمها الله من ذلك، وذلك قوله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها [القصص: ١٢]، فأعطته ثديها، فأخذ يرضعه. فربّته في قصر فرعون، فلما تحرّك عرضته آسية على فرعون، فلما أخذه مدّ موسى يده إلى لحيته فنتفها، فقال فرعون: عليّ بالذبّاحين، فإنما هو هذا! فقالت آسية: قرّة عين لي ولك، لا تقتلوه فإنه صبيّ لا يعقل، ودعت له بحمر وياقوت لتختبره، فطرح جبريل ﵇ يده في النار وأخذ قطعة منها، فوضعها موسى ﵇ في فمه، فأحرقته. فتكره فرعون، فكبر في حجره. فلمّا ترعرع تبنّاه، فكان يركب مراكبه ويلبس ملابسه، ويدعى ابن فرعون. ثم إن موسى ﵇ أخبر أن فرعون قد ركب، فركب أثره، فأدركه ببلد منف، فدخلها وقد أحليت لفرعون وليس في طرقها أحد، فرأى إسرائيليامع قبطيّ يقتتلان، فاستغاثه الإسرائيليّ، فوكز القبطيّ فقضى عليه، فكان من قصته معهما ما قص الله تعالى في كتابه، حتى خرج خائفا يترقب إلى مدين. وأما رجوعه منها إلى فرعون بأنه رسول الله إلى أن غرق فرعون في البحر وجنوده، فمذكور في الثامنة عشرة. ***

стр. 142

قوله: «نهضت»، أي مشيت. سجا الدجى: سكن بالظلام وغطّى كل شيء. الوجى: الحفا. أرتاد: أطلب. مضيفا: منزلا، وأضافه: أنزله. وضافه: نزل به فهو ضيفه، أي النازل به. أقتاد: أقود. حادي السغب: سائق الجوع [الرجز] *** حيّيتم يا أهل هذا المنزل ... وعشتم في خفض عيش خضل ما عندكم لابن سبيل مرمل ... نضو سرى خابط ليل أليل جوى الحشى على الطّوى مشتمل ... ما ذاق مذ يومان طعم المأكل ولا له في أرضكم من موئل ... وقد دجا جنح الظّلام المسبل وهو من الحيرة في تململ ... فهل بهذا الرّبع عذب المنهل يقول لي: ألق عصاك وادخل ... وابشر ببشر وقرى معجّل! *** حيّيتم: طابت حياتكم، والتحيّة البقاء. خفض: لين وخفض عيشه خفضا، إذا أخصب، خضل: ناعم، وخضل: الشيء يخضل خضلا: ابتلّ ابن سبيل: خاطر طريق، وهو الغريب، وسمّي الغريب ابن السّبيل، لأنه إذا ظهر على قوم لا يعرفونه لم يعرف له نسب إلا السبيل الذي جاء منه. ومرمل: لا زاد له، وأرمل القوم: فنى زادهم. ومن أبيات اللّغز في ابن السبيل: [الطويل] ونحن ابن من لا ينكر النّاس فضله ... وليس له في الناس من طالب وترا فإن تحفظوا فينا أبانا فحقّنا ... رعيتم وإلّا أوقدت ناركم شرّا أي سبيتم في كل مكان، كما قال الآخر: [الطويل] وأنت الذي شيّبتني قبل شيبتي ... وأوقدت لي نارا بكلّ مكان ومنها أيضا: [الوافر] وأحيانا يكون كبير سنّ ... وأحيانا يكون من الشّباب ومنسوب إلى من لم يلده ... كذاك الله أنزل في الكتاب قوله: «نضو سرى»، أي هزيل من مشى اللّيل في الأسفار. وخابط ليل: الذي يمشي فيه على غير هداية. أليل: شديد السواد. جوى الحشى: فاسد الجوف من الجوع، وهو الطوى. مشتمل: منضمّ، أي قد انضمّ جوفه على الجوع، ففسدت أحشاؤه. موئل: ملجأ، من ووألت إلى كذا أي لجأت. دجا: ألبس. جنح: سواد: المسبل. المطبق. تململ: تقلّب وتوجّع. والرّبع: المنزل، والمنهل: موضع الماء.

стр. 143

ويقال: ألقى عصاه، إذا ترك السّير وأقام، وروى الأصبعيّ عن بعض البصريين أنه قال: سمّيت العصا عصا لأن اليد والأصابع تشتمل عليها، وهو من قول العرب: عصوت القوم إذا جمعتهم على خير أو شرّ، ويقال: عصي بالسيف يعصى إذا ضرب به كما يضرب بالعصا. بشر: طلاقة وجه. *** قال: فبرز إليّ جوذر، عليه شوذر، وقال: [الرجز] وحرمة الشّيخ الّذي سنّ القرى ... وأسّس المحجوج في أمّ القرى ما عندنا لطارق إذا عرى ... سوى الحديث والمناخ في الذّرا * فما ترى فيما ذكرت ما ترى* *** برز: خرج. جؤذر: ظبي، وأصله ولد الغزالة. الشوذر: ثوب قصير. [إبراهيم ﵇] والشيخ الذي سنّ القرى، هو إبراهيم ﵇، واختصّه بلقب الشيخ لأنه أوّل من شاب، ولما رأى الشيب، قال: يا ربّ، ما هذا؟ فأوحى الله إليه، يا إبراهيم، هذا وقار، فقال: يا ربّ زدني وقارا. وشاب وهو ابن مائة وخمسين سنة، وذلك أنه لمّا ولدت سارة إسحاق، قال الكنعانيون: ألا تعجبون لهذا الشيخ والعجوز وجدا غلاما، فتبنّياه! فصوّر الله إسحاق على صورة إبراهيم ﵉، فلم يفصل بينهما، فوشم الله إبراهيم بالشيب. قوله: «سنّ»: ابتدأ، وجعله سنّة، وهو أول من ضيّف الضيف، وأطعم المساكين، وقصّ شاربه، وقلّم أظافره واستحدّ واستاك، وفرق شعره، ومضمض واستنثر، واستنجى بالماء. وأسّس المحجوج، أي بنى أساس البيت الحرام. وأمّ القرى: مكّة. والطارق: الآتي بالليل. والمناخ: موضع البروك. يقري: يضيف. الكرى: النوم برى أعظمه، أي أزال اللحم عنها. انبرى: اعترض. [قرى الضيف] وقال حبيب في أنّ أوّل من قرى الضيف إبراهيم ﵇: [الكامل] للجود سهم في المكارم والتّقى ... لا ربّه المكدي ولا المسهوم (١) وبيان ذلك أن أوّل من قرى ... وحبا خليل الله إبراهيم

стр. 144

وقال أبو بحر صفوان بن إدريس في فتى اسمه إبراهيم، وأبدع ما شاء حيث قال: [الكامل] أسميّ من سنّ القرى رفقا بمن ... يفنى عليك صبابة وغراما أنا ضيف حسنك فاصطنعني إنه ... ضيف الهوى يستوجب الإكراما لمّا نظرت نجوم خيلان بدت ... في صحن وجنتك استفدت مقاما أفنيت جسم الصبّ شوقا مثلما ... أفنى سميّك قبلك الأصناما يا زهرة سكنت فؤادي غضّة ... إنّي تبوّأت اللهيب كماما حتى كأنّ الحبّ قال لأضلعي: ... يا نار كن بردا له وسلاما وقال أبو بكر بن ميمون فيما يتعلق بهذه النار: [المتقارب] أبا قاسم والهوى جنّة ... وإني من حرّها لم أفق تقحّمت جاحم نار الحشى ... وخضت بحار سواد الحدق أكنت الخليل وكنت الكليم ... أمنت الجوى وأمنت الغرق! انظر إلى الأضياف الرابعة والأربعين. *** فقلت: ما أصنع بمنزل قفر، ومنزل حلف فقر! ولكن يا فتى، ما اسمك، فقد فتنني فهمك؟ فقال: اسمي زيد، ومنشئ قيد، ووردت هذه المدرة أمس، مع أخوالي من بني عبس. *** قوله: «بمنزل قفر»؛ كأن هذا المنزل هو الذي وصفه الآخر حيث يقول: [الرمل] ليس إغلاقي لبابي أنّ لي ... فيه ما أخشى عليه السّرقا إنما أغلقته كي لا يرى ... سوء حالي من يمرّ الطّرقا منزل أوطنه الفقر فلو ... يدخل السارق فيه سرقا [البؤس والحرمان] وإنما أخذ الحريري هذا المعنى من قصة يزيد المدني، وكان من أهل الملح، فاستضافه أعرابيّ، فقال: ما عندنا إلا الأسودان، فقال الأعرابيّ: خير كثير، فقال: لعلك تظنّهما التمر والماء! والله ما هما إلا الليل والحرّة، فلم يكن ليزيد دار إلا الحرّة- وهي أرض سوداء فيها حجارة سود، وهي مقبرة المدينة- والقبور المجصّصة تكون بالليل موحشة، فما ظنك بقبور سود في أرض سوداء في ظلمة الليل! كيف حال من يكون هذا قراه! فبهذا البلاء أعرض يزيد عن ضيافة الأعرابيّ.

стр. 145

ونحو هذا من أقوال المازحين قول أبي الشمقمق- ويروى عن وهب عابد قرطبة: [الوافر] برزت من المنازل والقباب ... فلم يعسر على أحد حجابي فمنزلي الفضاء وسقف بيتي ... سماء الله أو قطع السحاب وإنّي لم أجد مصراع بيت ... يكون من السّحاب إلى التراب ولا أنشقّ الثرى عن عود نحت ... أؤمّل أن أشدّ به ثيابي ولا خفت الإباق على عبيدي ... ولا خفت الهلاك على دوابي وفي ذا راحة وفراغ بال ... فدأب الدهر ذا أبدا ودابي وقال آخر: [الطويل] ولمّا التمست الرزق فانجذّ حبله ... فلم يصف لي من بحره العذب مشرب خطبت إلى الإعدام إحدى بناته ... فزوّجنيها الفقر إذ جئت أخطب فأولدتها الحرف الشّقيّ فماله ... على الأرض غيري والد حين ينسب فلو تهت في البيداء واللّيل مسبل ... عليّ جناحيه لما لاح كوكب ولو خفت شرّا فاستترت بظلّه ... لأقبل ضوء الشمس من حيث تغرب ولو جاد إنسان عليّ بدرهم ... لرحت إلى رحلي وفي الكف عقرب ولو يمطر الناس الدنانير لم يكن ... بشيء سوى الحصباء رأسي يحصب وإن يقترف ذنبا ببرقة مذنب ... فإنّ برأسي ذلك الذنب يعصب وإن أر خيرا في الأنام فنازح ... وإن أر شرّا فهو منّى مقرّب أمامي من الحرمان جيش عرمرم ... ومنه ورائي جحفل حين أركب وقال آخر: [الخفيف] لو ركبت البحار صارت أجاجا ... لا ترى في متونها أمواجا ولو أنّي وضعت ياقوته حم ... راء في راحتي لصارت زجاجا ولو أنّي وردت عذبا فراتا ... عاد لا شكّ فيه ملحا أجاجا وقال آخر: [الخفيف] لو وردت البحار أطلب ماء ... جفّ قبل الورود ماء البحار أو مسست العود النّضير بكفّي ... لذوى بعد بهجة واخضرار أو رمى باسمى النجوم الدّراري ... لانزوى ضوأها عن الأبصار ولو أني بعت القناديل يوما ... أدغم اللّيل في ضياء النهار

стр. 146

وقال شواش: [الكامل] كسدت شواشينا وقلّ معاشنا ... فسعودنا مقرونة بنحوس فكأنما قطعت رءوس الناس أو ... خلقوا لشقوتنا بغير رءوس قيل لأبي الشمقمق: أبشر فإنّا روينا في الحديث: «العارون في الدنيا هم الكاسون يوم القيامة»، فأنشأ يقول: [مجزوء الرمل] أنا في حال تعالى ... الله ربي أيّ حال ليس لي شيء إذا قيل ... لمن ذا؟ قلت ذا لي فأراضي الله فرشي ... والسّماوات ظلالي ولقد أفلست حتّى ... حلّ أكلى لعيالي ومن رأى شيئا محالا ... فأنا عين المحال لو بقي في الناس حرّ ... لم أكن في مثل حالي قوله: «منزل»، أي مضيف. حلف: صاحب. منشئ: موضعي الذي نشأت فيه. [مدينة فيد] وفيد بلد مشهور، في نصف المسافة التي بين مكة وبغداد، وفيها عين ماء، وينزلها عمّال طريق مكة وأهلها من طيّئ، وهم في سفح جبلهم المعروف بسلمى، وقد ذكرها زهير في قوله: [البسيط] ثم استمرّوا وقالوا إنّ مشربكم ... ماء بشرقيّ سلمى فيد أو ركك (١) قال الزجاجيّ: سمّيت بفيد بن حام، وهو أوّل من نزلها، قال: ويقول أهل العراق: هي من قولهم: فاد الرجل يفيد فيدا إذا مات، أو من قولهم: استفاد فائدة، وقلّما يقولون: أفاد فائدة، والفيد أيضا نور الزّعفران. قال شيخنا ابن جبير ﵁: إنه خرج من مدينة رسول الله ﷺ بضحوة يوم السبت الثامن من المحرم سنة سبع وتسعين مع أمير الحاج، وصبّحوا فيدا يوم الأحد في اليوم الرابع عشر من خروجهم. ثم وصفها فقال: هي مصر كبير، منفرج في بسيط من الأرض، يمتدّ حوله ربض، يطيف به سور عتيق. وهو معمور بسكان من الأعراب يتعيشون من الحجّاج في التّجارات

стр. 147

والمبايعات وغير ذلك من المرافق، وفيها يترك الحجاج بعض أزوادهم إعدادا للإرمال (١) من الزاد عند انصرافهم يتركونها عند معارفهم، بها، فإذا رجعوا أخذوا أزوادهم، ووهبوا لمن أودعوها عندهم شيئا من ذلك. وهي نصف الطريق من بغداد إلى مكّة أو أقلّ يسيرا، ومنها إلى الكوفة اثنا عشر يوما في طريق سهلة. ودخلها أمير الحاجّ على تعبية وأهبة إرهابا للمجتمعين بها من الأعراب لئلّا يداخلهم الطمع في الحاجّ، لكنّهم لا يجدون إليهم سبيلا والحمد لله. والمياه كثيرة في آبارها، تمدّها عيون تحت الأرض، وامتلأت أيدي الحجاج القادمين من أغنام العرب بالمبايعة، فلم يبق خيمة ولا ظلالة إلا وإلى جانبها كبش أو كبشان، بحسب الوجد، فعمّ جميع المحلّة الغنم واللبن والسمن والعسل، فأكلوا واحتملوا، وكان ذلك اليوم عيدا للركب. قال: وبهذه المحلة العراقية، وما انضاف إليها من الخراسانية والموصليّة وسائر جهات الآفاق ينزل من صحبة أمير الحاج جمع لا يحصى عددهم إلا الله تعالى، يغصّ بهم البسيط الأفيح، ويضيق بهم المهمه الضحضح، فترى الأرض تميد بهم ميدا، وتموج بجمعهم موجا، فتصير بهم بحرا طامي العباب، ماؤه السراب، وسفينه الركاب، وشراعه الظّلال المرفوعة والقباب، ويسير سير السحاب، متداخلا بعضها على بعض، فتعاين تزاحما في البراح المنفسح يهول ويروع، واصطكاكا لمبيع التجارات فيه، فبعضها ببعض مقروع؛ فمن لم يشاهد هذا السفر العراقي لم يشاهد عجبا يتحدّثبه، ويتحف السامع بغرائبه، والقرة والقوّة لله وحده وحسبك أنّ النازل في منزل من هذه المحلّة متى خرج لبعض حاجاته، ولم يكن له دلالة على موضعه ضلّ وتلف، وعاد منشودا بجملة الضوالّ، وربما اضطر به الحال إلى الوصول لمضرب الأمير ورفع المسألة إليه، فيأمر أحد المنشدين بما أعدّ لذلك فيردفه خلفه على جمل، ويطوف به المحلّة مناديا باسم جماله وبلده، إلى أن يؤدّيه إلى رفقته. وعجائب هذه المحلّة كثيرة، ولأهلها من اليسار ما يغنيهم على ما هم بسبيله. وما ذكرنا أمر هذه المحلة إلا ليستدلّ على أن فيها بلدا في غاية القوّة والعمارة، حيث أمدّ هذا الجمع الكثير والجم الغفير بما تقدم من أنواع الأرزاق، وإن قبائل طيئ متوفرة بحيث تطلع إلى الغارة على مثل هذه المحلّة. والملك لله وحده مفني الجميع بعد كمال العدّة. قوله: «وردت»، أي أتيت. المدرة: البلد. عبس: قبيلة. ***

стр. 148

فقلت له: زدني إيضاحا، عشت ونعشت، فقال: أخبرتني أمّي برّة، وهي كاسمها برّة؛ أنّها نكحت عام الغارة بماوان، رجلا من سراة سروج وغسّان، فلمّا آنس منها الإثقال- وكان باقعة فيما يقال- ظعن عنها سرّا وهلمّ جرّا فما يعرف: أحيّ هو فيتوقّع، أم أودع اللّحد البلقع. قال أبو زيد: فعلمت بصحّة العلامات أنّه ولدي، وصدفني عن التّعرّف إليه صفر يدي، ففصلت عنه بكبد مرضوضة، ودموع مفضوضة. فهل سمعتم يا أولي الألباب، بأعجب من هذا العجاب! فقلنا: لا ومن عنده علم الكتاب، فقال: أثبتوها في عجائب الاتّفاق، وخلّدوها بطون الأوراق، فما سير مثلها في الآفاق فأحضرنا الدّواة وأساودها، ورقشنا الحكاية على ما سردها. *** إيضاحا: بيانا. نعشت: جبرت. وبرّة الأول اسمها والثاني صفتها، يريد أنها مكرّمة كثيرة البرّ. نكحت: تزوّجت. عام الغارة، أي عام أغار عليهم عدوّهم. ماوان: بلدة. سراة: سادة. آنس: أبصر والإثقال: الامتلاء بالولد. باقعة: داهية، ويقال: إنه الذي جال بقاع الأرض وعرف خيرها وشرها. قال ابن الأنباريّ رحمة الله: فلان باقعة، أي داهية حذر محتال حاذق، والباقعة عند العرب: الطائر الحذر المحتال الذي يشرب الماء من المباقع (١)، ولا يرد المشارع والمياه المحصورة خوفا من أن يحتال عليه فيصطاد، ثم شبّه به كل حذر محتال. هلم جرّا، معناه إلى الآن، قال ابن الأنباريّ: هلمّ جرّا، سيروا على هينتكم، أي تثبّتوا على سيركم، ولا تجهدوا أنفسكم ولا تشقّوا عليها، أخذ من الجرّ في السوق، وهو أن تترك الغنم والبقر ترعى في السير، وينتصب «جرّا» في قول الكوفيين على المصدر، لأن في «هلمّ» معنى «جرّ»، وفي قول البصريين: هو مصدر في موضع الحال تقديره «هلم جارّين» أي مستثبتين، قياسا على: جاء عبد الله مشيا، وأقبل ركضا، وجاء وأقبل عند الكوفيين بمعنى مشى وركض وقال بعضهم: ينصب على التمييز. يتوقّع: ينتظر، أودع: أدخل اللّحد البلقع: اللحد الخالي. صدفني: أمالني. التعرّف: أن يعرّفه أنه أبوه. صفر يدي: فراغها من الدراهم. فصلت: زلت مرضوضة: مدقوقة مكسورة. مفضوضة: مفترقة. أولي الألباب: أهل العقول. العجاب: مبالغة في العجب. خلدوها، أي أثبتوها. الآفاق: البلدان وجهات الأرض جميعها. أساودها:

стр. 149

أقلامها. رقشنا: كتبنا. على ما سردها، أي كما حكاها وتكلّم بها. *** ثم استبطنّاه عن مرتآه، في استضمام فتاه، فقال: إذا ثقل ردني، خفّ عليّ أن أكفل ابني؛ فقلنا: إن كان يكفيك نصاب من المال، ألّفناه لك في الحال؛ فقال: وكيف لا يقنعني نصاب، وهل يحتقر قدره إلّا مصاب! قال الراوي: فالتزم منه كلّ منّا قسطا، وكتب له به قطّا، فشكر عند ذلك الصّنع، واستنفد في الثّناء الوسع، حتى إنّنا استطلنا القول، واستقللنا الطّول. ثمّ إنّه نشر من وشي السّمر، ما أزرى بالحبر، إلى أن أظلّ التّنوير، وجشر الصّبح المنير، فقضيناها ليلة غابت شوائبها، إلى أن شابت ذوائبها، وكمل سعودها، إلى أن انفطر عودها. *** استبطنّاه: سألناه وطلبنا منه معرفة باطنه. مرتآه: رأيه وغرضه. ردني: كمّي. أكفل: أضمّ. نصاب: عشرون دينارا. ألفناه: جمعناه. يقنعني: يكفيني. مصاب: مجنون. قوله: «قسطا»، أي نصيبا. قطّا: كتابا. الصنع: الفعل الجميل، استنفد: استتمّ. الوسع: الطاقة، ووسع الرجل قدر ما يجد من مال أو كلام أو غير ذلك، وهو من السعة، أي أثنى غاية ما يمكنه من الثناء. استطلنا: استكثرنا ووجدناه كثيرا طويلا، والطّول: الإنعام والفضل، أي رأينا ما أنعمنا به عليه قليلا. والوشى: ثياب مرقومة بألوان شتّى من الحرير. والحبر: ثياب فيها خطوط ورقوم مختلفة، والحبر تصنع باليمن، فشبّه حسن حديثه بالوشى، وخصّ الحبر لحسن فنونه، وقال ابن الزقّاق- وكأنه وصف الليلة والعجاب الذي سامرهم به أبو زيد، وزاد عليه الشجاعة: [الكامل] لله ليلتنا الّتي استجدى بها ... فلق الصّباح لسدفة الإظلام طرأت عليّ مع النجوم بأنجم ... من فتية بيض الوجوه كرام إن حوربوا فزعوا إلى بيض الظّبا ... أو خوطبوا فزعوا إلى الأقلام فترى البلاغة إن نظرت إليهم ... والبأس بين يراعة وحسام جتر: طلع. قضيناها: أتممناها. شوائبها: ما ينكدها ويكدرها. الذوائب: الشعر الطويل الأسود، وأراد به ظلام الليل، وجعل فيه بياض الصبح بمنزلة الشيب في سواد الشعر، قال ابن دريد: [الرجز] إمّا ترى رأسي حاكي لونه ... طرّة صبح تحت أذيال الدّجى

стр. 150

انفطر: انشقّ وطلع. عودها: بياض صبحها، ويقال: انفطر القضيب، إذا بدا نبات ورقه، وقال امرؤ القيس: [المتقارب] * كخرعوبة البانة المنفطر (١) * *** ولمّا ذرّ قرن الغزالة، طمر طمور الغزالة، وقال: انهض بنا لنقبض الصّلات، ونستنضّ الاحالات، فقد استطارت صدوع كبدي، من الحنين إلى ولدي. فوصلت جناحه، حتّى سنّيت نجاحه؛ فحين أحرز العين في صرّته، برقت أسارير مسرّته، وقال لي: جزيت خيرا عن خطا قدميك، والله خليفتي عليك! فقلت: أريد أن أتّبعك لأشاهد ولدك النّجيب، وأنافثه لكي يجيب. *** قرن الغزالة: شعاعها وحاجبها، والغزالة من أسماء الشمس، وأسماؤها كثيرة؛ ذكرها يعقوب وغيره، وذكر منها عشرة خمسة بالهاء، وهي: الغزالة، والجارية، والجونة، ومهاة، والإلهة. وخمسة بغير الهاء وهي: الشمس، والسّراج، والضّحّ، وذكاء، وبوح. طمر: وثب. الغزالة: الظبية. انهض أي قم: الصّلات: العطايا. نستنضّ: نستحضر. والنّاضّ: المال الحاضر. والإحالات: الديون التي وعدوه بها. استطارت: توسعت وانتشرت. صدوع: شقوق. والحنين: الشوق والرحمة. وصلت جناحه، أي مشيت معه ويدي في يده، وجناح الرجل: يده. سنّيت: يسّرت. نجاحه: قضاء حاجته. أحرز العين: حصّل المال. وصرّته: خرقة دراهمه. برقت: لمعت. أسارير: طرق الوجه، ومنه الحديث عن رسول الله ﷺ : «فخرج تبرق أسارير وجهه»، ويقال لها الأسرّة؛ ويقال لخطوط الكف: الأسرّة، وقد جمعهما التّهامي في لفظ واحد في قوله: [الكامل] يبدي أسرّة وجهه ويمينه ... في ساعة الإعسار والإيسار مسرّته: سروره، أراد: انطلق وجهه سرورا بالمال. خطا: مشى. والنجيب: الجيّد العقل الكريم الأصل. قوله: «أنافثه»، أي أكلمه. ***

стр. 151

فنظر إليّ نظرة الخادع إلى المخدوع وضحك حتّى تغرغرت مقلتاه بالدّموع، وأنشد: [مخلع البسيط] يا من تظنّى السّراب ماء ... لمّا رويت الّذي رويت ما خلت أن يستسرّ مكري ... وأن يخيل الّذي عنيت والله ما برّة بعرسي ... ولا لي ابن به اكتنيت وإنّما لي فنون سحر ... أبدعت فيها وما اقتديت لم يحكها الأصمعيّ فيما ... حكى، ولا حاكها الكميت تخذتها وصلة إلى ما ... تجنيه كفّي متى اشتهيت ولو تعافيتها لحالت ... حالي، ولم أحو ما حويت فمهّد العذر أو فسامح ... إن كنت أجرمت أو جنيت ثمّ إنّه ودعني ومضى، وأودع قلبي جمر الغضى. *** تغرغرت: امتلأت. تظنّى: حسب. حلت: حسبت. يستسرّ: يخفي. مكري: خداعي. يخيل: يلبّس ويشبّه. عرسي: زوجتي. فنون: أنواع. أبدعت فيها: أحدثتها ولم أقتد بغيري فيها. يحكها: يحدّث بها. حاكها: نسجها وقال مثلها. الأصمعيّ مذكور في المقامة الأربعين. [الكميت الشاعر] وأما الكميت الشاعر، فهو ابن زيد الأسديّ، وهو شاعر مجيد مكثر جدّا، وديوان شعره مستعمل مشهور؛ ولمّا قال قصائده الهاشميّات قصد البصرة، فأتى الفرزدق فقال: يا أبا فراس، أنا ابن أخيك، فقال: ومن أنت؟ فانتسب له، قال: صدقت، وما حاجتك؟ قال: أنت شيخ مضر وشاعرها، وأحببت أن أعرض عليك ما قلت، فإن كان حسنا أمرتني بإذاعته، وإن كان غير ذلك أمرتني بستره: قال: يا ابن أخي، أحسب شعرك على قدر عقلك، فقل راشدا، فأنشده: [الطويل] طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ... ولا لعبا منّي وذو الشّيب يلعب (١)! قال: بلى، فالعب، فأنشده: [الطويل]

стр. 152

ولم يلهني دار ولا رسم منزل ... ولم يتطرّبني بنان مخضّب (١) قال: ما يتطرّبك إذا؟ فقال: [الطويل] لا أنا ممّن يزجر الطير همّه ... أصاح غراب أم تعرّض ثعلب قال: أنت ممّن؟ ويحك! وإلى من تسمو؟ قال: [الطويل] ولا السانحات البارحات عشيّة ... أمرّ صحيح القرن أم مرّ أعضب قال: أمّا هذا فقد أحسنت فيه، قال: [الطويل] ولكن إلى أهل الفضائل والنّهى ... وخير بني حوّاء والخير يطلب قال: فمن هم ويحك! فقال: [الطويل] إلى النّفر البيض الّذين بحبّهم ... إلى الله فيما نابني أتقرّب فقال: أرحني ويحك! من هؤلاء؟ فقال: [الطويل] بني هاشم رهط النّبيّ فإنّني ... بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب فقال: لله درّك يا بنيّ! فقد أصبت وأحسنت، إذ عدلت عن الزّعانف والأوباش، إذا لا يصرد سهمك (٢)، ولا يثلب قولك. ثم مرّ فيها، فقال: أظهر وأشهر، فأنت أشعر من مضى، وأشعر من بقي. فحينئذ قدم المدينة، فأتى عبد الله بن الحسين، فأنشده، فقال: يا أبا المستهلّ، إنّ لي ضيعة أعطيت فيها أربعة آلاف دينار وهذا كتابها، وقد أشهدت لك بها شهودا، فقال: بأبي أنت وأمي! كنت أقول الشعر لغيركم أريد به الدنيا والمال، ولا والله ما قلت فيكم شيئا إلا لله، وما كنت لآخذ في شيء جعلته لله ثمنا. فلما أبى عليه أخذ مئزره، فدفعه إلى أربعة غلمان، فجعل يدور به دور بني هاشم، ويقول: هذا الكميت، قال فيكم الشعر حين صمت الناس عن فضلكم، وعرّض دمه لبني أميّة، فأثيبوه بما قدرتم. فاجتمع له من حلى النساء ومن الدنانير والدراهم ما قيمته مائة ألف درهم، فجاء بها إلى الكميت، وقال: يا أبا المستهلّ أتيناك بجهد المقلّ، ونحن في دولة عدوّنا، فاستعن بهذا على دهرك، فقال: بأبي أنت وأمي، قد أكثرتم وأطنبتم، وما أردت بمدحي إيّاكم إلا الله، فأردده إلى أهله. فجهد به بكل حيلة، فأبى، فقال: أما إذا أبيت أن تقبل، فإن رأيت أن تقول شعرا تغضب به بين النزاريّة واليمنيّة لعل فتنة تحدث، فنخرج بين أضغانها، فقال قصيدته التي أولها: [الوافر]

стр. 153

ألا حيّيت عنّا يا مدينا ... وهل بأس بقول مسلمينا (١)! فعرّض فيها، وصاح باليمن فيما كان من أمر الحبشة وغيرهم؛ مثل قوله: [الوافر] لنا قمر السماء وكلّ نجم ... تشير إليه أيدي المهتدينا وما ضربت هجان بني نزار ... هوائج من فحول الأعجمينا وما حملوا الحمير على عتاق ... مضمّرة فيلفوا مبلغينا ومشت في العرب، فافتخرت نزار على اليمن واليمن على نزار، وثارت العصبية في البادية والحاضرة، وتحزّب الناس، فتعصّب مروان بن محمد لقومه من نزار على اليمن، فانحرفت عنه إلى الدعوة العباسية وكان الكميت سبب ذلك. وكان لامتداحه بني هاشم وتعريضه ببني أمية، يطلبه خلفاء بني أميّة، فهرب منهم عشرين سنة، فجدّ هشام بن عبد الملك في طلبه ولم يجده، ولم يستقرّ للكميت قرار من خوفه. وكان لمسلمة بن عبد الملك حاجة عند هشام يقضيها له، لا يردّه فيها، فخرج مسلمة لبعض صيوده، فأتاه الناس يسلّمون عليه، وأتاه الكميت- ومسلمة لا يعرفه- فقال: السّلام عليك ورحمة الله وبركاته، أما بعد: [مجزوء الكامل] قف بالدّيار وقوف زائر ... وتأيّ إنّك غير صاغر (٢) حتى انتهى إلى قوله: [مجزوء الكامل] يا مسلم بن أبي الولي ... د لميّت إن شئت ناشر علقت حبالي من حبا ... لك ذمّة الجار المجاور فالآن صرت إلى أميّ ... ة والأمور لها مصاير والآن كنت به المصي ... ب كمهتد بالأمس حائر فقال مسلمة: سبحان الله! من هذا الذي أقبل من أخريات الناس ثم بدأنا بالسلام، ثم قال: أما بعد ثم الشعر؟ قيل: الكميت، فأعجب بفصاحته، فسأله عمّا كان فيه من طول غيبته، فذكر له سخط هشام عليه، فضمن له أمانه وتوجّه به حتى أدخله على هشام، وهشام لا يعرفه، فقال الكميت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال هشام: نعم الحمد لله، من هذا؟ قال الكميت: مبتدئ الحمد ومبتدعه، الذي خصّ بالحمد نفسه، وأمر به ملائكته، وجعله فاتحة كتابه، ومنتهى شكره، وكلام أهل جنّته. أحمده حمد من علم يقينا، وأبصر مستبينا، وأشهد بما شهد به لنفسه، قائما بالقسط

стр. 154

وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده العربيّ ورسوله النبيّ الأميّ، الذي أرسله والناس في هبوات (١) حيرة ومدلهمّات ظلمة، عند استمرار أبّهة الضلالة. فبلّغ عن الله ما أمر به، حتى أتاه اليقين ﷺ . ثم إني يا أمير المؤمنين تهت في حيرة، وحرت في سكرة، أهاب بي داعيها، فأجابه غاويها، فاقطوطيت (٢) في الضّلالة حائدا عن الحق، قائلا بغير الصدق، فهذا مقام العائذ بك، ومنطق التائب، ومبصر الهدى بعد طول العمى. يا أمير المؤمنين، كم من عاثر أقلتم عثرته، ومجترم عفوتم عن جرمه! فقال هشام- وقد علم أنه الكميت: من سنّ لك هذا الغواية، وأهاب بك في العماية؟ قال: الذي أخرج آدم من الجنة فنسى ولم يجد له عزما، وأنت يا أمير المؤمنين، أضاء الله بك الظلمة الداجية بعد العموس فيها فبصرت، وحقن بك دماء قوم أشرب خوفك قلوبهم؛ فهم يبكون لما يعلمون من حزمك وعزمك وبصيرتك، وعزّ بأسك. وثبات جأشك. وأنت مستغن برأيك عن رأي ذوي الألباب؛ برأي أريب، وحلم مصيب. فأطال الله لأمير المؤمنين البقاء، وأتمّ عليه النّعماء، ودفع به الأعداء. فرضي عنه وأمر له بمال كثير. فهذه منزلة الكميت من الشعر والخطابة خلافا لمن يقول: القافية جلبته في المقامات؛ وغيره من الشعراء كان أولى بموضعه. *** قوله: «حاكها»، أي نسجها. يريد أن الكميت ممن يصنع الشعر ولا يقوله على طبعه، فلذلك قال: «حاكها». وسأل بعض الخلفاء جريرا عن النابغة وزهير، فقال: ينيّران الشعر ويسديانه، والعلماء بالشعر يسمون صنّاع الشعر عبيد الشعر، مثل زهير وابنه كعب والحطيئة وعديّ بن الرقّاع والكميت. قوله: «تخذتها»، أي اتخذتها، يقال: تخذ يتخذ بمنزلة اتّخذ يتخذ، وخفّف عنه، حذفوا ألف الوصل من اتخذ، والتاء الأولى الساكنة، التي هي فاء الفعل، فبقي تخذ، ومثله تقي يتقي واتّقى يتّقي، حذفت ألفه وتاؤه الأولى، وليس يطّرد هذا التخفيف، وإنما جاء في اتّخذ واتّقى وأتجه واتّسع، فقالوا: تقي وتخذ وتجه وتسع وصلة أي موصّلة. تعافيتها: تكارهتها، وهي تفاعلت من عفت الشيء أعافه عيافا، أي كرهته. حالت: تغيّرت. أحو: أجمع. مهّد: اقبل وسهّل. أجرمت: أذنبت لنفسي، جنيت: أذنبت لغيري، أراد: إن كان عذري بيّنا فأقبله، وإن كنت ظالما فتجاوز واسمح. أودع: ضمّن وجعل فيه. الغضى: شجر جمره يثبت في النار.

стр. 155

المقامة السّادسة وهي المراغيّة وتعرف بالخيفاء روى الحارث بن همّام قال: حضرت ديوان النّظر بالمراغة، وقد جرى به ذكر البلاغة؛ فأجمع من حضر من فرسان اليراعة، وأرباب البراعة، على أنّه لم يبق من ينقّح الإنشاء، ويتصرّف فيه كيف شاء، ولا خلف، بعد السّلف، من يبتدع طريقة غرّاء، أو يفترع رسالة عذراء، وأنّ المفلق من كتّاب هذا الأوان، المتمكّن من أزمّة البيان، كالعيال على الأوائل، ولو ملك فصاحة سحبان وائل. *** ديوان النظر، أي مجلس المناظرة. المراغة: بلدة من كور أذربيجان. اليراعة: القلم قبل أن يبرى ويسوّى، فإذا بري وسوّي قيل له قلم، وبقي عليه الاسم الأوّل وهو اليراعة، واليراع: القصب. أرباب البراعة: أصحاب أصالة الرأي. والبارع: الأصيل الجيّد الرأي، ويقال: برع يبرع بروعا وبراعة، إذا فاق في السؤدد. وينقّح: يحسن ويخلّص. الإنشاء. الكتابة. خلف: بقي. السلف: المتقدمون، وسلفوا: ذهبوا وتقدّموا. يبتدع: يحدث. طريقة: حالة موصوفة، وطريقة فلان كذا، أي حالته التي هو عليها. غرّاء: واضحة مشهورة لم يقل أحد مثلها. وغرّة الشيء: أوّله. يفترع: يفتضّ. عذراء: بكر، سمّيت عذراء لصعوبة جماعها، وتعذّر الشيء: تصعّب، وافتراع البكر: إدماؤها وإزالة ما تصعّب منها، وكلّ ما أدميته فقد فرعته وافترعته، فمعنى يفترع رسالة عذراء أي يأتي برسالة قد تصعّب طريقها على غيره، فاقتدر هو على سلوك طريقها والإتيان بها. المفلق: الفصيح المعرب الذي يأتي بالفلق؛ وهو الشيء العجيب. الأوان: الوقت. العيال: من يتّكل في مئونته على غيره ولا يقوم بنفسه، وعال الرجل عيلة إذا افتقر، وعلته عولا: قمت بمؤنته، فيريد أن كتّاب هذا الزمان عيال على من تقدّمهم حيث افتقروا إلى الأخذ من كلامهم. وقد وعدنا أن نذكر سحبان فيما يأتي إن شاء الله تعالى. *** وكان بالمجلس كهل جالس في الحاشية، عند مواقف الحاشية، فكان كلّما

стр. 156

شطّ القوم في شوطهم، ونثروا العجوة والنّجوة من نوطهم، ينبئ تخازر طرفه، وتشامخ أنفه، أنّه مخرنبق لينباع، ومجرمّز سيمدّ الباع، ونابض يبرى النبال، ورابض يبغي النّضال. فلمّا نثلت الكنائن، وفاءت السّكائن، وركدت الزّعازع، وكفّ المنازع، وسكنت الزّماجر، وسكت المزجور والزاجر، أقبل على الجماعة، وقال: *** الكهل: التامّ الخلق، بين الشابّ والشيخ. الحاشية: طرف المجلس. والحاشية الثاني. الأتباع وخدمة القوم، وأصلها رذال المال وصغاره، قال يعقوب: الحاشية والحواشي والحشو: صغار الإبل، وأنشد: [الرجز] * جلّلتها والأخر الحواشيا (١) * ل: جرى. شوطهم: طلقهم. نثروا: ألقوا عليها. العجوة: التمرة الطيبة. والنجوة: الرديئة، هكذا كان يفسّرها شيخنا أبو بكر بن أزهر عن ابن جهور، وما وجدت في كتاب لغة أن النّجوة اسم للتّمرة الرديئة، وقد بحث عنها بعض أصحابنا غاية البحث في كلّ كتاب فيه ذكر النخل والتّمر، فأخبرني أنه ما وجد لها ذكرا، وأظنها لغة بصرية متعارفة بينهم في التمر الرديء، لا أنها لغة عربية، فاستعملها كما استعمل غيرها من لغة بلده، لأن البصرة أكثر بلاد الله نخلا، فيسمون كل نوع من التمر باسم، والتمر تكثر أنواعه عندهم. ورأيت أكثر أهل سجلماسة لا يكادون يحصون أنواعه لكثرتها، ورأيت بها نوعا من التمر زعموا أنه لا يطيب أبدا، وإنما حاله أن ينكمش على نواه، فلا تجد إلا جلدا يابسا على النواة، فيعلفونه المعز، فيحتمل أن يكون مثل هذا في نخل البصرة يسمّى نجوة، ويقابل بالعجوة التي هيأشرف التمر وأطيبه. وأما من فسر النّجوة هنا بالمرتفع من الأرض، فلا معنى له. الفنجديهي: النّجوة، قيل: إنها لفاظة التمر إذا سقطت لا يبالي بها، فإن صحّت روايتها فكأنها سمّيت بالنجوة التي هي العذرة. نوطهم: وعاء تمرهم، قال أبو حنيفة: النّوطة: الجلّة الصغيرة من جلال التمر، والجلّة: الوعاء الذي يكنز فيه التمر، وكلّ وعاء له علاقة فهو نوطه، والجمع نوط، وقد ناطه ينوطه، إذا علقه، فأراد: ألقوا الكلمة الجيدة والرديئة من كلامهم. ينبئ: يخبر. تخازر طرفه: كسر عينيه بالنّظر، وتخازر: نظر بمؤخر عينيه، وهو نظر المنكر للشيء. تشامخ: ارتفاع، وهو فعل المستحقر للشيء مخرنبق: متهيّئ. لينباع: لينهض، وفسره أبو عبيدة في الأمثال، فقال: المخرنبق: المطرق الساكت، لينباع. ليثب إذا أصاب فرصة، قال: ومعناه أنه

стр. 157

سكت لداهية يريدها، وقيل: المخرنبق: الساكت على السّوء. لينباع: ليظهر الذي في ظنه في الشرّ. مجرمّز: منقبض، وهو كقول النابغة: وقلت يا قوم إنّ الليث منقبض ... على براثنه للوثبة الضاري (١) فأخذه ابن الرومي فقال: [الطويل] سكن سكونا كان رهنا بوثبة ... غماس كذاك اللّيث للوثب يلبد نابض: رام، ويقال: أنبض القوس، إذا جذب وترها ثم أطلقه ليختبر شدّتها. ونبض العرق: تحرّك، فيكون: «نابض» على النسب، أو على حذف الزائد. الفنجديهيّ: أورد أبو الحسين بن فارس اللغويّ في كتابه المجمل أنّ نبض لغة في أنبض، وهما بمعنى واحد، قال الشاعر: [الطويل] فإن أباها مقسم بيمينه ... لئن نبضت كفّي فإني لنابض (٢) فصحّ بهذا قوله. رابض: لاطئ بالأرض، وربضت الشاة: اضطجعت. يبغي النّضال، أي يطلب المراماة، وأراد أنه يريد أن يلقي عليهم المسائل ليجاذبوه. قوله: «نثلت»، أي نفضت وصبّ ما فيها. الكنائن: الجعاب، وهي أوعية السهام. فاءت: رجعت. السكائن: جمع سكينة، وهي الوقار، يريد: أتمّ أهل المجلس كلامهم فسكتوا. ركدت: سكنت. الزعازع: الرياح الشديدة المزلزلة، واحدها زعزع. كفّ المنازع: أمسك المخالف، يريد انقطع كلامه. *** لقد جئتم شيئا إدّا، وجرتم عن القصد جدّا، وعظّمتم العظام الرّفات، وافتتّم في الميل إلى من فات، وغمصتم جيلكم الّذين فيهم لكم اللّدات، ومعهم انعقدت المودّات. أنسيتم يا جهابذة النّقد، وموابذة الحلّ والعقد، ما أبرزته طوارف القرائح، وبرّز فيه الجذع على القارح، من العبارات المهذّبة، والاستعارات المستعذبة، والرسائل الموشّحة، والأساجيع المستملحة! وهل للقدماء إذا أنعم النّظر، من حضر، غير المعاني المطروقة الموارد، المعقولة الشّوارد، المأثورة عنهم لتقادم الموالد، لا لتقدّم الصّادر على الوارد! وإني لأعرف الآن من إذا أنشا، وشّى، وإذا عبّر، حبّر، وإن أسهب، أذهب، وإذا أوجز، أعجز، وإن بده، شده، ومتى اخترع، خرع.

стр. 158

إدّا: أمرا فظيعا منكرا. جرتم عن القصد: خرجتم عن الاستقامة. جدّا: كثيرا. الرفات: البالية. افتتّم: فعلتم ما لا يجب وتجاوزتم فيه، ويقال: افتتات الرجل «افتعل» من الفوات، وفات: ذهب وعدم. غمصتم: حقّرتم وغطيتم. جيلكم: أهل عصركم. اللّدات: جمع لدة، وهو الذي ولد معك. جهابذة: حذّاق؛ الواحد جهبذ. النقد: معرفة الكلام، نقده: ميّزه، وأصله من ميز الدراهم الجيدة من الرديئة. موابذة: حكام، والموبذ: الكثير الجاه من الفرس، مثل الوزير والقائد. أبرزته: أظهرته. طوارف، جديدات وغريبات. القرائح: الأذهان. برز: غلب. الجذع من الخيل ابن سنتين. القارح: ابن خمس، أي غلب فيه الحديث العصر القديم. عبارات: جمع عبارة وهي التفسير، وعبّرت عن فلان: تكلّمت عنه وكنت لسانه. المهذّبة: المخلصة من العيب. الاستعارة: أن تعير اللفظ ما يستحقّه غيره، وهي من العاريّة. الموشّحة: المزيّنة. الأساجيع: جمع أسجوعة، وهي الكلام المربوط بقافية. أنعم: بالغ. المطروقة: التي نزل عليها. المعقولة: المربوطة. الشوارد: الفارّة، يقول: ليس للقدماء. إلا المعاني التي قصدها المتأخّرون، كما قصدها المتقدّمون، وقيّدها المتأخرون بالكتاب كما قيّدها المتقدّمون، فكان تقييدها سببا لأن مشت في الأقطار فعرفت وحفظت. المأثورة: المحدّث بها. الصادر: الخارج عن الماء، والوارد: الداخل إليه، وذكر هنا أنّ الصادر يتقدّم الوارد، وذلك أنا إذا فرضنا موضع ماء لا يمكن وروده إلا واحدا بعد واحد، فالصادر يسبق الوارد على ما ذكره في المقامة. قال الحريري في درة الغواص: إنّ الخواصّ يقولون: هذا أمر يعرفه الصادر والوارد، ووجه الكلام أن يقال: الوارد والصادر، لأنه مأخوذ من الورد والصدر، ولما كان الورد يقدم الصّدر، وجب أن يقدّم لفظ «الوارد» على الصادر، وهذا كما ترى، الورد يقدم الصدر في حق واحد، ورد الماء ثم صدر عنه، وأما في حق اثنين كما قدّمنا وكما ذكر هو في هذه المقامة، فالصادر يتقدّم الوارد. وقول الناس: هذا أمر يعرفه الصادر والوارد في حق اثنين، فهم فيه على صواب، ومحال أن يكون المثل في حق واحد، لأنّ الشيء لا يعطف على نفسه، ولو كان الوارد على زعمه يتقدّم الصادر لجاز تقديم الصادر عليه، لأنّ الواو لا تعطي رتبة، يقول: لا نتحدّث بكلمهم ونظمهم ونثرهم لفضلهم علينا، لكن لسبقهم لنا. أنشأ: كتب. وشّى: زيّن ورقّم. عبّر: تكلم أو فسّر. حبّر: حسّن. أوجز: اختصر. أعجز، أي عجز عن فعله غيره. أسهب: أطال الكلام. أذهب: جاء بالذهب، وأصل أسهب، حفر بئرا بعيدة القعر، وأذهب: صادف معدن الذهب في حفير. بده: ارتجل ولم يتفكّر. شده: حيّر من يتعاطى منزلته. اخترع: قال ما لم يسبق إليه. خرع: شقّق المعاني. *** فقال له ناظورة الدّيوان، وعين أولئك الأعيان: من قارع هذي الصّفاة،

стр. 159

وقريع هذه الصّفات؟ فقال: إنّه قرن مجالك، وقرين جدالك؛ وإذا شئت ذاك فرض نجيبا، وادع مجيبا، لترى عجيبا. فقال له: يا هذا، إنّ البغاث بأرضنا لا يستنسر، والتّمييز بين الفضّة والقضّة متيسّر، وقلّ من استهدف للنّضال، فخلص من الدّاء العضال، أو استثار نقع الامتحان، فلم يقذ بالامتهان، فلا تعرّض عرضك للمفاضح، ولا تعرض عن نصاحة النّاصح. فقال: كلّ امرئ أعرف بوسم قدحه، وسيتفرّى اللّيل عن صبحه. فتناجت الجماعة فيما يسبر به قليبه، ويعمد فيه تقليبه؛ فقال أحدهم: ذروه في حصّتي؛ لأرميه بحجر قصّتي، فإنّها عضلة العقد، ومحكّ المنتقد. فقلّدوه في هذا الأمر الزّعامة، تقليد الخوارج أبا نعامة. *** قوله: «ناظورة»، أي كبير القوم ومقدّمهم الذي ينظرون إليه. الديوان: دار الكتّاب وموضع اجتماعهم. والديوان، الزمام يكون فيه أسماء الجند وأرزاقهم، وأصله «دوّان»، فقلبت واوه الأولى ياء لانكسار ما قبلها، ودلّ عليه دواوين في جمعه، وهو اسم أعجمي عرّب، والأصل في تسميته أن كسرى أمر الكتّاب أن يجتمعوا له في دار، ويعملوا حساب السواد في ثلاثة أيام، وأعجلهم فيه، فأخذوا في ذلك، واطّلع عليهم لينظر ما يصنعون؛ فنظر إليهم يحسبون بأسرع ما يمكن، وينسخون كذلك، فعجب من كثرة حركتهم، فقال: أرى «ديوان» ومعناه شياطين، ثم سمّى موضعهم ديوانا، ثم استعملته العرب، وجعل كل محصّل من كلام أو شعر ديوان. قارع: ضارب وكاسر. الصّفاة: الصخرة الملساء، استعارها للصعب من الكلام. قريع: سيّد. الصّفات: النعوت التي تقدّم أنه يعرف بفعلها. وقرن مجالك: صاحب كلامك الذي تجول فيه- يعني نفسه. قرين جدالك: صاحب مجادلتك، والقرن بالكسر: الذي يماثلك في شدّة أو خصام أو علم، وإن لم يكن بينكما معرفة، وقرينك: صاحبك الذي لا يفارقك كأنهقرن معك. والمجال: الموضع الذي تراض فيه الخيل. رض: سس وليّن. النجيب: الفحل الكريم من الإبل، وعنى نفسه. ادع مجيبا، يقول: سسني ثم ادعني أستجب لك. ترى عجيبا، في حسن جوابي. البغاث: صغار الطير. يستنسر: يصير نسرا، يقول: نحن أهل علم ومعارف، فلا تجوز علينا المخاوف، والعرب تقول في أمثالها: «إن البغاث في أرضنا يستنسر»، أي يرجع الضعيف قويا لعزّنا وحمايتنا له ممن يريده، وقيل في البغاث: إنه ذكر الرّخم، وقيل: البغاث كلّ ما يصاد من الطير، والجوارح: كلّ ما يصيد، والرّهام: ما لا يصيد ولا يصاد، كالخطّاف وغيره. القضّة: الحصى البيض الصغار، ويقال: جاء بالقضّ والقضيض بالقاف والضاد، ومعناه جاء بالكبير والصغير. والقضيض: صغار الحصى وما تكسّر منه، وقالوا: جاءوا قضّهم بقضيضهم. أي كلّهم. استهدف: صار هدفا، وهو

стр. 160

الغرض للسهم. النّضال: المراماة. العضال: الذي لا يبرأ منه. استثار: حرّك نقع غبار. الامتحان: الاختبار. يقذ: يقع في عينه القذى، وهو ما يسقط في العين، ويقول: من صار غرضا للألسنة قلّ أن يسلم، ومن صار طالبا لمناظرة أهل المعارف أهين وأفحم. المفاضح: المخزيات واشتهار العيوب. وسم: علامة. قدحه: سهمه، يريد قداح الميسر، وكان كلّ رجل يعمل في قدحه علامة يعرف بها، قال دريد بن الصمّة: [الوافر] وأصفر من قداح النّبع فرع ... به علمان من عقب وضرس (١) الضّرس: العضّ بالضّرس وسنذكر في الثالثة والأربعين قداح العرب: سيتفرّى: سيتكشّف. قوله: «تناجت»، أي تحدّثت سرّا. يسبر: يقاس. قليبه: بئره. يعمد: يقصد. تقليبه: تجريبه. ذروه: اتركوه. حصّتي: نصيبي. قصتي: خبري، وجعل لمسألته حجرا يرميه به مجازا. عضلة: صعبة. العقد: جمع عقدة، يريد أن عقدها صعب الحلّ. محك المنتقد: وهو حجر يقاس جيّد الفضة والذهب من الرديء؛ أراد أن مسألته نهاية في الصعوبة، والعضلة: كل مسألة شديدة لا يهتدى لمثلها، ولا يوقف على جوابها، من قولهم: داء عضال ومعضل، إذا كان شديدا لا يهتدى لدوائه، ولا يوقف على علاجه، وعضّلت المرأة تعضيلا، نشب ولدها في بطنها، وعضّلت الدجاجة بيضها كذلك، وفلان عضّلة من العضل، أي داهية لا يهتدى لمكره. قوله: «الزعامة»، أي الرئاسة. [قطريّ بن الفجاءة] وأبو نعامة هو قطريّ بن الفجاءة التميميّ الخارجيّ. وكان له فرس يكنى بها في الحرب، ويكنى في السلم أبا محمد. وقطريّ: منسوب إلى قطر، موضع قريب من عقير. وكان فارسا شجاعا شاعرا مجيدا، وكان رئيس الخوارج، وسلّموا عليه بأمير المؤمنين عشرين سنة، وكان خطيبا فصيحا، وله خطبة في ذمّ الدنيا انتهى فيها من البلاغة إلى الغاية. وأوّلها: أما بعد فإنّي أحذّركم الدنيا فإنها حلوة خضرة، حفّت بالشهوات، وراقت بالقليل، وتحبّبت بالعاجل، وتحلّت بالأمانيّ، وتزيّنت بالغرور، لا تدوم زهرتها، ولا تؤمن فجعتها، غرّارة ضرارة، حائلة زائلة، نافدة بائدة، لا تعدو إذا هي تناهت إلى أمنيّة الرغبة فيها، والرضا عنها، أن تكون كما قال تعالى: كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ

стр. 161

الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً [الكهف: ٤٥]. كم واثق بها قد فجعته، وذي طمأنينة إليها قد صرعته، وذي احتيال فيها قد خدعته. وكم من ذي أهبة فيها قد صيّرته حقيرا، وذي نخوة قد ردّته ذليلا، وذي تاج قد كبّته لليدين والفم؛ سلطانها دول، وعيشها رنق، وعذبها أجاج، وحلوها صبر، مليكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وسليمها منكوب، وجامعها محروب؛ مع أنّ وراء ذلك سكرات الموت، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحكم العدل لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم: ٣١]. ومن جيّد شعره في وقعة دولاب (١): [الطويل] لعمرك إني في الحياة لزاهد ... وفي العيش ما لم ألق أمّ حكيم (٢) من الخفرات البيض لم ير مثلها ... شفاء لدى بثّ ولا لسقيم لعمرك إني يوم ألطم وجهها ... على نائبات الدهر جدّ لئيم ولو شهدتني يوم دولاب أبصرت ... طعان فتى في الحرب غير ذميم غداة طفت علماء بكر بن وائل ... وعجنا صدور الخيل نحو تميم فلم أر يوما كان أكثر مفظعا ... يمجّ دما من فائظ وكليم وضاربة خدّا كريما على فتى ... أغرّ نجيب الأمّهات كريم أصيب بدولاب ولم تك موطنا ... له أرض دولاب ودير حميم فلو شهدتني يوم ذاك وخيلنا ... تبيح من الكفار كلّ حريم رأت فتية باعوا الإله نفوسهم ... بجنات عدن عنده ونعيم وأمّ حكيم التي شبّب بها، كانت معه في عسكر الإباضيّة، وكانت من أشجع الناس، وأجملهم وجها، وأحسنهم بدينه متمسّكا. وكان قطريّ يحبّها ويجلّها، وأخبر من شاهدها في تلك الحروب أنها كانت ترتجز فتقول: [الرجز] أحمل رأسا قد سئمت حمله ... وقد مللت دهنه وغسله * ألا فتى يحمل عنّي ثقله* والخوارج يفدّونها بالآباء والأمهات، وخطبها جماعة من أشراف الخوارج فردّتهم، وقالت: [الطويل]

стр. 162

ألا إنّ وجها حسّن الله خلقه ... لأجدر أن يلفى به الحسن جامعا وأكرم هذا الجرم عن أن يناله ... تورّك فحل همّه أن يجامعا أين هذه من أمّ خارجة، واسمها عمرة بنت سعد، كان يقال: لها خطب، فتقول: نكح، وضرب بها المثل فقيل: أسرع من نكاح أمّ خارجة. وأين هي من حفيدة قطريّ مع صاحبها، حكى الأصبهانيّ عن إسماعيل بن المهاجر قال: خرجت أنا والسيّد الحميريّ سكارى، فلقينا بنت الفجاءة بن عمرو بن قطريّ بن الفجاءة، وكانت امرأة برزة حسناء، فواقفها السّيّد، وأنشدها من شعره، فأعجب كلّ واحد منهما صاحبه، ثم خطبها، فقالت: كيف يكون هذا ونحن على ظهر الطريق! قال: يكون كنكاح أمّ خارجة، قيل لها: خطب، قالت: نكح، فاستضحكت وقالت: ننظر في هذا، وعلى ذلك فمن أنت؟ قال: [البسيط] إن تسأليني بقومي تسألي رجلا ... في ذروة المجد من أجواد ذي يمن ثمّ الولاء الذي أنجو النجاة به ... من كبّة النّار للهادي أبي حسن فقالت: لا شيء أعجب من هذا! يمانيّ وتميمية، ورافضيّ وإباضيّة، فكيف يجتمعان! فقال: بحسن رأيك تسخو نفسك، ولا يذكر أحدنا سلفا ولا مذهبا، قالت: أفليس التزويج إذا علم، انكشفت معه الستور؟ قال: وأنا أعرض عليك أخرى، قالت: وما هي؟ قال: المتعة التي لا يعلم بها أحد، قالت: تلك أخت الزنا، قال: أعيذك بالله أن تكفري بعد إيمانك! قالت: وكيف؟ قال لها: قال الله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً، قالت: أستخير الله وأقلّدك، إذ كنت صاحب قياس وتفتيش. ولما انصرفت معه، وبات معرسا بها؛ وبلغ أهلها من الخوارج أمرها توعدوها بالقتل، فجحدت وقالوا: أتزوجت بكافر! فكانت تختلف إليه مدّة وتواصله. وقوله: «تقليد الخوارج أبا نعامة»، لما قتل الزّبير بن عليّ السّليطيّ أمير الخوارج، أداروا أمرهم، فأرادوا تولية عبيدة بن هلال اليشكريّ، فقال: ألا أدلّكم على من هو خير مني لكم؟ من يطاعن في قبل، يحمي عن دبر؛ عليكم بقطريّ بن الفجاءة المازنيّ، فبايعوه. *** فأقبل على الكهل، وقال: أعلم أنّي أوالي، هذا الوالي، وأرقّح حالي، بالبيان الحالي. وكنت أستعين على تقويم أودي، في بلدي، بسعة ذات يدي، مع قلّة عددي. فلمّا ثقل حاذي، ونفذ رذاذي، أمّمته من أرجائي، برجائي، ودعوته لإعادة روائي، وإروائي؛ فهشّ للوفادة وارتاح، وغدا بالإفادة وراح. فلمّا استأذنته في المراح، إلى المراح، على كاهل المراح؛ قال: قد أزمعت ألّا أزوّدك بتاتا؛ ولا

стр. 163

أجمع لك شتاتا، أو تنشئ لي أمام ارتحالك، رسالة تودعها شرح حالك، حروف إحدى كلمتيها يعمّها النّقط، وحروف الأخرى لم يعجمن قطّ، وقد استأنيت بياني حولا، فما أحار قولا، ونبّهت فكري سنة، فما ازداد إلّا سنة. واستعنت بقاطبة الكتّاب، فكلّ منهم قطّب وتاب، فإن كنت صدعت عن وصفك باليقين، فأت بآية إن كنت من الصّادقين. فقال له: استسعيت يعبوبا، واستسقيت أسكوبا، وأعطيت القوس باريها، وأسكنت الدّار بانيها. ثم فكّر ريثما استجمّ قريحته، واستدرّ لقحته، وقال: ألق دواتك وأقرب، وخذ أداتك واكتب: *** قوله: «أوالي»، أي ألازم وأتخذه وليّا. أرقّح: أصلح، يقال رقّح من عيشه، إذا أصلح منه، قال الشاعر: [السريع] يترك ما رقّح من عيشه ... يعبث فيه همج هامج (١) الهمج: البعوض، ثم قيل لأرذال الناس: همج. الحالي: المزيّن بالحليّ. أودي: عوجي. سعة: كثرة. ذات يدي، أي مالي. عددي: عيالي. حاذي: ظهري، وفلان خفيف الحاذ، أي قليل العيال، وأصل الحاذ مؤخر الفخذين. نفد رذاذي: فرغ قليل مالي، والرّذاذ. المطر الضعيف. أمّته: قصدته. أرجائي: جهاتي وبلادي. رجائي: أملي. روائي: حسن هيئتي وحالي: إروائي: إزالة عطشي. هشّ: خفّ، ورجل هشّ بسّام: طليق الوجه. للوفاة: للقدوم عليه. وارتاح: طرب واهتزّ. الإفادة: تكسيب الفوائد. المراح، بفتح الميم: المشي والانصراف. والمراح، بالضم: الموضع الذي تروح إليه الإبل وتروح منه، أو تراح إليه، أي تساق بالعشيّ. والمراح، بالكسر: النشاط والخفّة، وقد مرح مرحا، لعب، من الفرح. كاهل: ما بين فروع الكتفين، استعاره للنشاط. أزمعت: عزمت بتاتا: زادا. شتاتا: مالا متفرّقا. تنشئ: تصنع وتكتب. أمام ارتحالك: قبل سفرك: تودّعها: تضمّنها وتجعل فيها. يعجمن: ينقطن، وأعجمت الكتاب: أزلت عنه عجمته.

стр. 164

قطّ: لفظة موضوعة لما مضى من الدهر. وجعل الحريريّ قول الخواصّ: «لا أكلمه قطّ» من أفحش الخطأ لتناقض الكلام، قال: وذلك أنّ العرب تستعمل لفظة «قطّ» فيما مضى من الزمان، كما تستعمل لفظة «أبدا» فيما يستقبل، فيقولون ما كلّمته أبدا، والمعنى: ما كلّمته فيما انقطع من عمري، لأنه من قططت الشيء، إذا قطعته، ومنه قطّ القلم، إذا قطع طرفه. وفيما يؤثر من شجاعة عليّ ﵁ أنه كان إذا استقبل قد، وإذا استدبر قطّ، فالقدّ قطع الشيء طولا، والقطّ قطعه عرضا. يقول. تصنع رسالة تضمنها حالك، يكون تركيبها من كلمة يعمّ حروفها النّقط، وكلمة لا ينقط منها حرف، وبهذا المعنى سمّيت المقامة الخيفاء، لأنّ الأخيف من الخيل: الّذي إحدى عينيه زرقاء. والأخرى كحلاء. استأنيت: أمهلت وأخّرت. أحار: ردّ وراجع. نبّهت: أيقظت. سنة: حولا. سنة: نوما. قاطبة: جماعة. قطّب وجهه، إذا عبّسه. صدعت: أوضحت وأظهرت، وأصل الصدع الشقّ. باليقين: بالحقّ الواضح. آية: علامة، قال ابن الأنباريّ ﵀: في قولهم آية من القرآن ثلاثة أوجه: قيل إنها علامة لانقطاع الكلام قبلها وبعدها، واحتجّ أبو عبيدة لذلك بقول الشاعر: [الوافر] * بآية ما تحبّون الطّعاما (١) * وبقول النابغة: [الطويل] توهّمت آيات لها فعرفتها ... لستّة أعوام وذا العام سابع (٢) الثاني: سمّيت الآية لأنها جماعة حروف، قال أبو عمرو: خرج القوم بآيتهم، أي بجماعتهم. الثالث: سمّيت آية لأنها عجب من العجائب، فالآية العجب. قوله: «استسعيت»: طلبت سعيه أي جريه. واليعبوب: الفرس السريع. استسقيت:

стр. 165

استمطرت وطلبت سقياه. والأسكوب: المطر الكثير. باريها: صانعها، وكل هذه أمثال، ويريد: أنا أهل لكلّ ما طلبت. وأوّل من قال: أعط القوس باريها الحطيئة، وذلك أنه دخل على سعيد بن العاص وهو يقري النّاس، فأكل أكلا جافيا، وخرج الناس، فأقام، وأتاه الحاجب ليخرجه فامتنع، وقال: أترغب بهم عن مجالستي! إنّي بنفسي عنهم لأرغب! فقال له سعيد: دعه. ثم تذاكروا الشعر والشعراء، فقال لهم الحطيئة: والله ما أصبتم جيّد الشّعر ولا شاعر العرب، ولو أعطيتم القوس باريها، وقعتم على ما تريدون، فقال له سعيد: فمن أشعر العرب؟ قال: الذي يقول: [الخفيف] لا أعدّ الإقتار عدما ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام (١) إلى آخر القصيدة. قال: فمن قائلها؟ قال: أبو دؤاد الإياديّ، قال: ثم من؟ قال: والله لحسبك بي رهبة أو رغبة؛ أنا إذا رفعت إحدى رجليّ على الأخرى، وعويت في إثر القوافي كما يعوي الفصيل الصادي إثر أمّه؛ قال: [من أنت؟ قال: ] الحطيئة، قال: حيّاك الله يا أبا مليكة، ألا أعلمتنا بمكانك، ولم تحملنا على الجهل بك، فنضيع حقّك ونبخسك قسطك! وأدناه ووصله. وقال الشاعر: [البسيط] يا باري القوس بريا ليس يحسنه ... لا تظلم القوس واعط القوس باريها (٢) ريث: مقدار وبطء. استجمّ: استكثر. قريحته: طبيعته، والقريحة في الأصل أوّل ماء البئر النابع، واستجمّها: تركها حتى تكثر. استدرّ: استنزل درّها وهو لبنها. واللّقحة: الناقة ذات اللبن؛ يريد: أقام قليلا يفكّر ويختار ما يقول: ومثل هذه الحالة ذكروا أن صديقا لكلثوم العتابيّ أتاه يوما، فقال له: اصنع لي رسالة، فاستمد مدّة، ثم علّق القلم، فقال له صاحبه: ما أرى بلاغتك إلّا شاردة عنك، فقال له العتّابيّ: إني لمّا تناولت القلم تداعت عليّ المعاني من كلّ جهة، فأحببت أن أترك كلّ معنى حتى يرجع إلى موضعه، وهذا مثل قول امرئ القيس- ويقال إنه قالها وهو ابن عشر سنين: [المتقارب] أذود القوافي عنّي ذيادا ... ذياد غلام غويّ جوادا (٣)

стр. 166

فلمّا كثرن وعنّينه ... تخيّر منها جوادا جيادا فأعزل مرجانها جانبا ... وآخذ من درّها المستجادا وقال عريف القوافي: [الطويل] أبيت بأبواب القوافي كأنّما ... أصادي بها سربا من الوحش نزّعا (١) عواصي إلا ما جعلت وراءها ... عصا مربد تغشى وجوها وأذرعا إذا خفت أن تروى عليّ رددتها ... وراء التراقي خشية أن تطلّعا أصادي: أداري، وجعل القوافي تقتحم عليه كالإبل، وهو يضربها بعصاه حتى يختار جيادها. [الدواة والمداد والقلم] قوله «ألق»، أي اجعل فيها ليقة، تقول: لقت الدواة فهي مليقة، وألقتها فهي ملاقة، وجمع اللّيقة ليق. ويقال للصّوفة قبل أن تبلّ بالمداد: البوهة والموارة، فإذا بلّت بالمداد سمّيت ليقة، وقد يقال لها: ليقة قبل أن تبلّ، سميت بما تؤول إليه، كما قيل للكبش: ذبيح، وللصيد: رميّة، فإن كانت قطنة فهي العطبة والكرسفة، وكرسفت الدواة كرسفة، والقطن كلّه يقال له: العطب والكرسف. ويقال للمداد: نقس ونقس، والكسر أفصح، وقيل: الفتح مصدر نقستها، جعلت فيها نقسا، والحبر من المداد بالكسر لا غير، والحبر بالفتح والكسر: العالم. وقال بعضهم: سمّي المداد حبرا باسم العالم، كأنهم أرادوا مداد حبر، فحذفوا، ولو كان ما قالوه صحيحا لقالوا للمداد: حبر بالفتح، والأشبه أن يسمّى حبرا لأنه يحسّن الكتابة، من قولهم: حبرت الشيء إذا حسّنته. ويقال للجمال: حبر وسبر، فمداد حبر، كقولك مداد زينة وجمال، أو يكون من الحبر والحبار، وهو الأثر، فيسمّى بذلك لتأثيره في الكتاب. ويقال: مددت الدواة أمدّها مددا، إذا جعلت فيها مدادا، فإن كان فيها مداد فزدت عليه قلت: أمددتها، فإذا أمرته أن يأخذ من المداد بالقلم قلت: استمدد، فإن سألته أن يعطيك على القلم مدادا، قلت: أمدد لي من دواتك، واستمددته أنا؛ سألته أن يمدّني. وقال الخليل: مدّني وأمدّني: أعطني من مداد دواتك، وكلّ شيء زاد في شيء فهو مداد له، وأمهت الدّواة وموّهتها؛ إذا جعلت فيها ماء، والأمر من ذلك كلّه أمه وموّه دواتك.

стр. 167

واشتقاق الدّواة من الدّواء، لأن بها إصلاح أمر الكتّاب، وبعض الشعراء اشتقّها من دوي الرجل يدوي دويّا، إذا صار في جوفه الداء، قال: [البسيط] أمّا الدواة فأدوى حملها جسدي ... وحرّف الخطّ تحريف من القلم (١) ووزنها «فعلة» تحرّكت الياء وقبلها فتحة، فقلبت ألفا، وتجمع دويات؛ كقناة وقنوات، ودوى كقناة وقنا. ويقال: أدويت فأنا مدو: اتّخذت دواة، ويقال للذي يبيعها: دوّاء كخيّاط وإذا أمرت من يتخذها قلت: أدو دواء، ويقال لمن يحملها ويمسكها: دوّاء، ويقال لها: الدواة والرقيم والنون. ويقال: هو القلم المزبر بالزاي والمزبر من زبرت وذبرت، أي كتبت، ومن فرقّ بينهما قال: زبرت بالزاي، أي كتبت، وذبرت، أي قرأت. وسمّي قلما لأنه قلم، أي قطع وسوّى، كما يقلّم الظفر، وكلّ عود قطع وحزّ رأسه وأعلم بعلامة فهو قلم، قال الله تعالى: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [آل عمران: ٤٤]، وكانت سهاما فيها أسماؤهم مكتوبة. ويقال للذي يقلم به: مقلم، وللذي يبرى به: مبرى، ولما سقط عن البرى والتّقليم: القلامة والبراية. وقيل لأعرابيّ: ما القلم؟ ففكّر ساعة، وجعل يقلّب أصابعه، ثم قال: لا أدري؛ فقيل له: توهّمه في نفسك، قال: هو عود قلّم من جوانبه كتقليم الأظفار. ويقال لعقدة: الكعوب، واحدها كعب، ولما بينها الأنابيب، واحدها أنبوب، ويستعملان في الرّمح، وفي كلّ عود فيه عقد، والعقدة التي تشينه تسمّى الأبنة وجمعها أبن، فإن كان في العود أو القصبة تأكّل، قيل فيه: قادح ونقد، ويقال لباطنه: الشحمة، ولظاهره اللّيط، فإن قشرت منه قشرة قلت: ليّطت من القلم ليطة، فإن أخذت شحمته بالسّكين قيل: شحمته أشحمه، فإن أفرطت في أخذها، قلت: بطّنته تبطينا فهو مبطّن، وحفرته فهو محفور، فإن تركت شحمته، قلت: أشحمته إشحاما. ويقال لغشائه الذي عليه: الغلاف واللّحاء والقشر، فإذا نزعتها عنه قيل: قشرته ولحوته وقشوته وسحوته، ويقال في ثلاثتها بالياء، ووسّقته ونقّحته، مشدّدان. ويقال لطرفيه اللّذين يكتب بهما: السّنّان والشّعيرتان، واحدهما سنّ وشعيرة، فإذا قطع طرفه وهيئ للكتابة قيل: قططته أقطّه قطّا، وقصمته أقصمه قصما، والمقطّ بالكسر: ما يقطّ عليه، وبالفتح الموضع الذي يقط من رأسه، فإن جعلت إحدى سنّيه أطول من الأخرى قلت: قلم محرّف، وقد حرّفته تحريفا، فإن سوّيتهما قلت: قلم مبسوط، فإن سمع له صوت عند الكتابة، فذلك الصريف والصرير والرشيق ويقال للقصب: اليراع والأباء، الواحد يراعة وأباءة، وقيل: الأباء أطراف القلم، أي القصب، ويقال للقطن الذي يوجد في بطنها: البيلم والقيصف والقيسع، واحدته بيلمة وقيصفة وقيسعة، فإن كان في القصب تأكّل قيل فيه: قادح ونقد،

стр. 168

وكذلك العود والسنّ والقرن، فإن كان فيها عوج فذلك الدّرء. قوله: «خذ أداتك»، أي قلمك. وقال ابن طاهر لكاتب له: ألق دواتك، وأطل سنّ قلمك، وفرّق بين السطور، وتوسط بين الحروف. وقال ابن عبد ربه: ينبغي للكاتب أن يصلح آلته التي لا بدّ له منها، وأداته التي لا تتمّ صناعته إلا بها، وهي دواته، فلينعم ربّها إصلاحها، ثم ليختر من أنابيب القصب أقلّها عقدا، وأكثفها لحما، وأصلبها قشرا، وأعدلها استواء، ويجعل لقرطاسه سكينا حادّا ليكون عونا له على برى أقلامه، ويبريها من ناحية نبات القصب. واعلم أنّ محل القلم من الكاتب محل الرّمح من الفارس، نظم أحد الشعراء فقال: [الرمل] يمسك الفارس رمحا بيد ... وأنا أمسك فيها قصبه فكلانا فارس في شأنه ... إنما الأقلام رمح الكتبة وقال أبو الفتح البستي: [البسيط] إن هزّ أقلامه يوما ليعملها ... أنساك كلّ كميّ هزّ عامله وإن أقرّ على رقّ أنامله ... أقرّ بالرّقّ كتّاب الأنام له رأى جعفر بن يحيى خطّا فاستحسنه، فقال: الخطّ خيط الحكمة، ينظم فيه منثورها، وتفصّل فيه شذورها. ومن كتاب جعفر بن يحيى إلى محمد بن الليث: أما بعد، فليكن قلمك محرّفا. لا متينا ولا رقيقا، ضيّق القلب، فأبره بريا مستويا كمنقار الحمامة، وأعطف بطنه، ورقّق شفرتيه، وليكن قرطاسك رقيقا مستوى النّسج، مخرج السّحاءة (١)، مستويا من أحد الطرفين إلى آخره، فليست تستقيم السّطور إلا فيما كان كذلك، وليكن أكثر مطّك في أطراف القرطاس الذي فيه يسارك، وأقلّه في الوسط، ولا تمطّ في الطرف الآخر، والمطّ نصف الخطّ، ولا يقوى عليه إلا العاقل. قال العتابيّ: سألني الأصمعيّ في دار الرشيد أيّ الأنابيب للكتابة أصلح، وعليها أصبر؟ فقلت له: ما نشف بالهجير ماؤه، وستره من تلويحه غشاؤه، من الدّرّية الظهور، النيّرة القشور، الفضّيّة الكسور؛ قال: فأيّ نوع من البري أصوب وأكتب؟ فقلت له: البريّة المستوية القطّة، التي عن يمين سنها قرنة (٢)، تأمن معها المجّة عند المدّة والمطّة، للهواء في شقّها صفيق، وللرّيح في جوفها خريق، والمداد في خرطومها رقيق. قال العتابيّ: فبقي الأصمعيّ شاخصا إليّ لا يحير جوابا.

стр. 169

وقال الحسن بن وهب: يحتاج الكاتب إلى خلال: جودة بري القلم، وإطالة جلفته، وتحريف قطّته، وحسن التأتّي لامتطاء الأنامل، وإرسال المدّة بعد إشباع الحروف، واستواء الرسوم، وحلاوة المقاطع. وقال بعض الكتّاب: عطّروا دفاتركم بجيّد الحبر، فإنّ الكتب غوان والحبر غوال. وقال بعض الكتاب أيضا: [الوافر] وما روض الربيع وقد زهاه ... ندى الأسحار يأرج بالغداة بأضوع أو بأسطع من نسيم ... تؤدّيه الأفاوه من دواة كأنّ هذا من قول الآخر: [الوافر] دعيّ في الكتابة ليس منها ... له فكر يعدّ ولا بديه كأنّ دواته من ريق فيه ... تلاق، فريحها أبدا كريه ونظر جعفر بن محمد إلى فتى على ثيابه أثر مداد، وهو يستره، فقال له: [الكامل] لا تجزعنّ من المداد فإنه ... عطر الرجال وحلية الكتّاب ولبعضهم يهجو كاتبا: [الوافر] حمار في الكتابة يدّعيها ... كدعوى آل حرب في زياد فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو لطّخت نفسك بالمداد وقال كشاجم لورّاق يدّعي الكتابة: [الكامل] وزعمت أنّك في الكتابة مدرك ... شأوي، فقلت: رماحنا أقلام (١) هيهات تلك صناعة ممزوجة ... فيها ضياء واضح وظلام هذا الحديد سلاح أبطال الوغى ... وبه يمج دماءنا الحجّام وقال أبو العيناء: كنت عند إبراهيم بن العباس، وهو يكتب كتابا، فنقطت من القلم نقطة مفسدة، فمسحها بكمّه؛ فتعجّبت، فقال: لا تعجب، المال فرع والقلم أصل، والأصل أحوج إلى المراعاة من الفرع، وبهذا السواد جاءت هذه الثياب، ثم أطرق قليلا وقال: [الوافر] إذا ما الفكر ولّد حسن لفظ ... وأسلمه الوجود إلى العيان ووشّاه فنمنمه جواد ... فصيح في المقال بلا لسان ترى حلل البيان منشّرات ... تجلّى بينها صور المعاني

стр. 170

وكتب سليمان بن وهب بقلم صلب، فاعتمد عليه اعتمادا شديدا، فصرّ القلم في يده، فأنشد: [الطويل] إذا ما التقينا وانتضينا صوارما ... يكاد يصمّ السامعين صريرها تساقط في القرطاس منها بدائع ... كمثل اللآلي نظمها ونثيرها تقود أبيات البيان بفطنة ... تكشّف عن وجه البلاغة نورها تظلّ المنايا والعطايا شوارعا ... تدور بما شئنا وتمضي أمورها إذا ما خطوب الدهر أرخت ستورها ... تجلّت بنا عما يسرّ ستورها وأتى رجل وكيعا، فقال: رجل يمتّ إليك بحرمة! فقال له: وما حرمتك؟ قال له: كنت تكتب بمحبرتي عند الأعمش. فوثب وكيع إلى منزله، ثم أخرج منه دنانير لنفقته، وقال له: اعذرني فما أملك غيرها، ودفعها إليه. وقال أبو الحسن بن لبّال في محبرة آبنوس: [الكامل] وخديمة للعلم في أحشائها ... كلف بجمع حلاله وحرامه لبست رداء اللّيل ثم توشّحت ... بنجومه وتتوّجت بهلاله وحدثني عن شيخي الفقيه أبي عبد الله بن زرقون ابنه الفقيه أبو الحسين، قال: حدّثني أبي أنه كان بسبتة أيام الشبيبة والطلب، في مجلس جمع من طلبة الأدب، فتعرّض لهم رجل بمحبرة صنعها، وأراد أن يقصد بها الوالي على حسنها، وكانت محبرة آبنوس بحلية صفراء مذهبة، فأطرقوا يروّون، فبادرهم أبو الطالب بن أبي ركب فقال: [الكامل] جاءتك من غرر العلا زنجيّة ... في حلّة من حلية تتبختر سوداء صفراء الحليّ كأنّها ... ليل تطرّزه نجوم تزهر فاستحسنهما من حضر، ورأوا أنه قد أربى على الغاية فيما عنه صدر، فكتبا للرجل في رقعة، فبعد ما سار بها قليلا، رجع فأبرز منها قلم صفر مذهبا، ورغب أن يضمّن ذكره في منظوم يضاف إلى البيتين، فأطرقوا يروّون في ذلك، فبادرهم أبو طالب المذكور فقال: [الكامل] كملت بأصغر من نجار حليّها ... تخفيه أحيانا، وحينا يظهر خرسان إلا حين يرضع ثديها ... فتراه ينطق ما يشاء ويذكر وقال آخر يصف دواة وأقلاما: [الخفيف] قد بعثنا إليك أمّ العطايا ... والمنايا زنجيّة الأحساب في حشاها من غير حرب حراب ... وهي أمضى من نافذات الحراب

стр. 171

وأحسن ما قيل في القلم قول حبيب يصف قلم محمد بن عبد الملك الزيّات: [الطويل] لك القلم الأعلى الّذي بسنانه ... تصاب من المرء الكلى والمفاصل (١) له الجلوات اللاء لولا نجيّها ... لما احتفلت للملك تلك المحافل لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجنى اشتارته أيد عواسل له ديمة طلّ، ولكنّ وقعها ... بآثاره في الشرق والغرب وابل فصيح إن استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل إذا ما امتطى الخمس اللّطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافل أطاعته أطراف القنا وتقوّضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافل إذا استغزر الذّهن الذكيّ وأقبلت ... أعاليه في القرطاس وهي أسافل وقد رفدته الخنصران وسدّدت ... ثلاث نواحيه الثّلاث الأنامل رأيت جليلا شأنه وهو مرهف ... ضنى، وسمينا خطبه وهو ناحل وقال أبو الفتح البستي: [الطويل] إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم ... وعدّوه مما يكسب المجد والكرم كفى قلم الكتاب مجدا ورفعة ... مدى الدهر أنّ الله أقسم بالقلم وقال البحتريّ: [البسيط] تعنو له وزراء الملك خاضعة ... وعادة السّيف أن يستخدم القلما (٢) وقال أبو العباس التنوخيّ: [البسيط] إن يخدم القلم السّيف الّذي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم فالموت والموت لا شيء يقابله ... ما زال يتبع ما يجري به القلم بذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أنّ السيوف لها مذ أرهفت خدم وناقضه أبو الطيب المتنبي فقال: [البسيط] حتى رجعت وأقلامي قوائل لي: ... المجد للسيف ليس المجد للقلم (٣) أكتب بنا أبدا بعد الكتاب به ... فإنّما نحن للأسياف كالخدم وقال الصوليّ: فاخر صاحب سيف صاحب قلم، فقال صاحب القلم: أنا أكتب بلا

стр. 172

غرر، وأنت تقتل على خطر، فقال صاحب السيف: القلم خادم السّيف إن تمّ مداده، وإلا فإلى السيف معاده. قال الصوليّ: وقال بعض اليونانيين: الدين والدنيا تحت شيئين: سيف وقلم، والسيف تحت القلم. وفي ذلك يقول جرير النّميريّ: [الوافر] أتحقرني ولست لذاك أهلا ... وتدنى الأصغرين من الخوان جهابذة وكتّاب وليسوا ... بفرسان الكتيبة والطّعان ستذكرني وتعرفني إذا ما ... تلاقي الحلقتان من البطان وقال كشاجم: [الطويل] هنيئا لأصحاب السيوف بطالة ... تقضّي بها أيامهم في التنعّم وكم فيهم من دائم الأمر لم يرع ... بحرب ولم ينهد لقرن مصمّم وكلّ ذوي الأقلام في كلّ ساعة ... سيوفهم ليست تجفّ من الدّم وقال آخر: [البسيط] قوم إذا أخذوا الأقلام من قصب ... ثم استمدوا بها ماء المنيّات نالوا بها من أعاديهم وإن بعدوا ... ما لا ينال بحدّ المشرفيّات وقال البحتريّ يصف كلام الحسن بن وهب وأقلامه: [الكامل] وإذا تألّق في العيون كلامه ال ... محمود خلت لسانه من عضبه (١) وإذا دجت أقلامه ثم انتحت ... برقت مصابيح الدّجى في كتبه فاللفظ يقرب فهمه في بعده ... منّا، ويبعد نيله من قربه حكم، فسائحها خلال بنانه ... متدفّق، وقليبها في قلبه فكأنّها والسّمع معقود لها ... شخص الحبيب بدا لعين محبّه وقال عليّ بن الجهم في رقعة جاءته بخط جارية: [السريع] ما رقعة جاءتك مثنيّة ... كأنّها خدّ على خدّ نبذ سواد في بياض كما ... ذرّ فتيت المسك في الورد ساهمة الأسطر مصروفة ... عن وجهة الهزل إلى الجدّ يا كاتبا أسلمني عتبه ... إليه، حسبي منك ما عندي

стр. 173

وقال البحتري في ابن الزيات: [الخفيف] قد تصرّفت في الكتابة حتّى ... عطّل الناس ذكر عبد الحميد (١) في نظام من البلاغة ما ش ... ك أمرؤ أنّه نظام فريد وبديع كأنه الزّهر الضا ... حك في رونق الرّبيع الجديد ما أعيرت منه بطون القراطي ... س وما حملت ظهور البريد حزن مستعمل الكلام اختيارا ... وتجنّبن ظلمة التّعقيد كالعذارى غدون في الحلل الصّف ... ر إذا رحن في الخطوب السّود قال المأمون لمحمد بن داود: إن شاركناك في اللّفظ فقد تاركناك في الخطّ، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ من أعظم آيات النبيّ ﷺ أنه أدّى عن الله تعالى رسالته، وحفظ وحيه، وهو أميّ لا يعرف من فنون الخطّ فنّا، ولا يقرأ من حروفها حرفا، وبقي عمود ذلك في أهله، فهم يشرفون بالشّرف الكريم في نقص الخطّ، كما يشرف غيرهم بزيادته، وإنّ أمير المؤمنين أخصّ الناس برسول الله ﷺ ، والوارث لموضعه، والمتقلّد لنهيه ولأمره، فتعلّقت به المشابهة الجليلة، وتناهت إليه الفضيلة. فقال المأمون: يا محمد، لقد تركتني لا آسي على الكتابة ولو كنت أميّا. قد ذكرنا من آلات الكتابة نثرا ونظما ما فيه كفاية وفي السادسة والعشرين من النظم في أوصاف الكتّاب ما يستحسن وينتظم بما أوردنا هنا. وإنما أخرج الحريريّ رسالته الخيفاء من هذه الأوصاف المنظومة في الرسائل التي قدّمناها آنفا لما ذكره من أنّ جميع الكتّاب قطب لإنشائها وتاب، لما فيها من لزوم نقط لفظة وترك أخرى؛ وهي على ما بها من التكلّف، رائقة المعاني، أنيقة المباني، ولو غيره تعاطاها لأظلمت معانيها، وتداعت مبانيها، فلله هو! لقد كان منقادا له صعب الكلام بأيسر مرام! وما هو في محاولة البلاغة إلا كما قال حبيب في سليمان بن وهب: [الخفيف] سرح نطقه إذا ما استمرّت ... عقدة العيّ في لسان الخطيب (٢) ومصيب شواكل الأمر فيه ... مشكلات ملكن لبّ اللبيب لا معنى بكلّ شيء ولا ك ... لّ عجيب في عينه بعجيب *** الكرم- ثبّت الله جيش سعودك- يزين، واللّؤم- غضّ الدّهر جفن حسودك يشين، والأروع يثيب، والمعور يخيب، والحلاحل يضيف، والماحل يخيف،

стр. 174

والسّمح يغذي، والمحك يقذي، والعطاء ينجي، والمطال يشجي، والدّعاء يقي، والمدح ينقي، والحرّ يجزي والإلطاط يخزي، واطّراح ذي الحرمة غيّ، ومحرمة بني الآمال بغي، وما ضنّ إلّا غبين، ولا غبن إلّا ضنين، ولا خزن إلّا شقيّ، ولا قبض راحه تقيّ. وما فتئ وعدك يفي، وآراؤك تشفي، وهلالك يضي، وحلمك يغضي، وآلاؤك تغني، وأعداؤك تثني، وحسامك يفني، وسؤددك يبني، ومواصلك يجتني، ومادحك يقتني، وسماحك يغيث، وسماؤك تغيث، ودرّك يفيض، وردّك يغيض، ومؤمّلك شيخ حكاه فيء، ولم يبق له شيء. أمّك بظنّ حرصه يثب، ومدحك بنخب مهورها تجب، ومرامه يخفّ، وأواصره تشفّ، وإطراؤه يجتذب، وملامه يجتنب، ووراءه ضفف، مسّهم شظف؛ وحصّهم جنف، وعمّهم قشف، وهو في دمع يجيب، ووله يذيب؛ وهمّ تضيّف، وكمد نيّف، لمأمول خيّب، وإهمال شيّب، وعدوّ نيّب، وهدوّ تغيّب، ولم يزغ ودّه فيغضب، ولا خبث عوده فيقضب، ولا نفث صدره، فينفض، ولا نشز وصله فيبغض، وما يقتضي كرمك نبذ حرمه؛ فبيّض أمله، بتخفيف ألمه، ينثّ حمدك بين عالمه. بقيت لإماطة شجب، وإعطاء نشب، ومداواة شجن، ومراعاة يفن، موصولا بخفض، وسرور غضّ، ما غشي معهد غنيّ، أو خشي وهم غبيّ، والسلام. *** قوله: «غضّ الدهر جفن حسودك»، يقال: غضّ جفنه، أي سدّ عينيه، دعاء عليه بالعمى، يقول: الكرم يزيّن صاحبه. واللؤم- وهو البخل- يشينه ويعيبه، ثم دعا له بدوام السّعد وثبوته، وبعمى عين الحسود حتى لا يبصر ما أعطي الممدوح من النّعم، فيأخذها بالعين. الأروع: السيد الكريم، وهو الذي قصد، وقيل: الأروع الحديد النفس، وقيل: الذي يروعك بجماله. يثيب: يجازي قاصده. والمعور: البادي العورة، وهو الفارس يظهر في طعنه خلل، وأراد به الناقص الخلق الكثير السفاهة، ومن جملة عيوبه البخل حتى يخيب قاصده، لأنه قابل به الأروع، وهو التامّ الجسيم، الجهير الصوت، قال الشاعر: [الطويل] يواخي لئيم النّاس كلّ ملائم ... وينطق بالعوراء من كان معورا (١)

стр. 175

الحلاحل: السيّد الذي يحلّ به الناس كثيرا. يضيف: ينزل الأضياف ويكرمهم. والماحل: البخيل، شبّه بالبلد الماحل، وهو الجدب، فكأنّ الماحل الذي لا يوجد عنده خير، يقال: أمحل البلد، وبلد ماحل وذو محل، مثل لابن وتامر، والماحل النّمّام، يقال: محل به إلى السلطان إذا وشى به، وهو الذي يخيف على الحقيقة، والماحل أيضا: المخاصم، وقد ما حلته وما حلني. يغذي: يطعم. والمحك: اللّجوج، وهو مقابل السّمح الخلق. يقذي: يجعل في العين قذى، أي يضرّ قاصده ويؤلمه. ينجي: يخلّص صاحبه من الذمّ، وتقدّم المطال. ينقي: يغسل العيب. والإلطاط: الامتناع من فعل الخير، ويقال: لطّ وألطّ، إذا ذهب، ولطّ الشيء وألطّه، إذا ستره. يخزي: يهين. اطّراح: ترك. ذي الحرمة، أي صاحبها، والحرمة ما لا يحلّ انتهاكه، ومن قصدك فقد دخل في حرمك، فتركه ليس من المروءة. غيّ: فساد وضلال. محرمة: منع. بنى الآمال: أهل الرجل الذين يرجون خيره ويأملونه. بغى: ظلم. ضنّ: بخل. غبين: مخدوع في رأيه. ضنين: بخيل، يقول: ما يضنّ بماله من هو سديد النظر ولا المصيب الرأي إنما يبخل به من هو فاسد النظر مغبون في رأيه. خزن: حبس ماله: قبض راحه: ضمّ كفه على ما فيها، وهذه كناية عن المنع والبخل. والتقيّ: الذي يقي نفسه من العذاب بعمله الصالح، من وقيت نفسي أقيها، واختلف في وزنه فقيل «فعول» وأصلها «وقوى»، فأبدلوا من الواو تاء لقرب مخرجيهما، ومن الواو الثانية ياء وأدغموها في الياء، وكسروا القاف لتصحّح الياء، والاختيار أن يكون وزنه «فعيلا» وأصله «تقي»، فأدغموا الياء في الياء، والدليل على صحته جمعهم له على أتقياء، كوليّ وأولياء، ومن قال: إنه «فعول» قال: لمّا أشبه «فعيلا» جمع جمعه. قوله: «ما فتئ»، أي ما زال. يفي: يصدق ويكون وفيّا. آراؤك: جمع رأى. تشفي: تزيل الهمّ عن قلب وليّك، وتبرئ مرض قاصدك من فقره، يصفه بجودة الرأي وحسن النّظر فيما يصلح به أحوال أصحابه وقصاده. هلالك يضيء: يصفه بطلاقة الوجه وإضاءته عند السؤال، قال زهير: [الطويل] تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنّك تعطيه الذي أنت سائله (١) وكما قال أبو بكر في الطّلاقة: [الكامل] وإذا نظرت إلى أسرّة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلّل (٢)

стр. 176

خلافا لسيّئ الخلق الذي يقطّب وجهه عند اللقاء، واللئيم الذي إذا سئل انزوى وتقبّض. يغضي: يسمح. آلاؤك: نعمك. أعداؤك تثني: يقول لكثرة المادحين لك والناشرين لفضلك، لم يمكن أعداؤك وحسّادك ذمّك لتكذيب الناس إياهم، فصاروا يثنون عليك مع من يثني؛ ويحكى أنّ أعرابيّا استضاف حاتما، فلم ينزله، فبات جائعا مقرورا، فلما كان في السّحر ركب راحلته، وانصرف، فتقدّمه حاتم، فلما خرج من بين البيوت لقيه متنكّرا، فقال له: من كان أبا مثواك البارحة؟ قال: حاتم، قال: فكيف كان مبيتك عنده؟ قال: خير مبيت، نحر لي ناقة فأطعمني لحما عبيطا، وأسقاني الخمر، وعلف راحلتي، وسرت من عنده بخير حال. فقال له: أنا حاتم، والله لا تبرح حتى ترى ما وصفت، فردّه وقال له: ما حملك على الكذب؟ فقال له الأعرابيّ: إنّ الناس كلّهم يثنون عليك بالجود، ولو ذكرت شرّا كنت أكذب، فرجعت مضطرّا إلى قولهم، إبقاء على نفسي لا عليك. وقد تقدّم قول البحتريّ في هذا المعنى: [الطويل] أأشكو نداه بعد ما وسع الورى ... ومن ذا يذمّ الغيث إلا مذمّم (١)! وقال حبيب: [الطويل] فإن أنا لم يحمدك عنّي صاغرا ... عدوّك فاعلم أنني غير حامد (٢) بسبّاقة تنساق من غير سائق ... وتنقاد في الآفاق من غير قائد أفادت صديقا من عدوّ وصيرت ... أقارب دنيا من رجال أباعد ومحلفة لمّا ترد أذن سامع ... فتصدر إلّا عن يمين وشاهد وهذه القصيدة من كلامه يمدح بها محمد بن الهيثم، يقول: يسمع عدوّك إطنابي في مدحك فيمدحك صاغرا، فكيف وليّك! فأمدك بقصيدة تقطع الأرض، ليست بإبل تساق، ولا بخيل تقاد، فتردّ العدوّ صديقا، والبعيد قريبا، ولا يسمعها أحد إلا ويحلف أنه لم يسمع مثلها، فيشهد له بالصدق. قوله: «وسوددك يبني»، أي يرفع لك مجدا وشرفا. حسامك يفنى، أي سيفك يقطع ويفني أعداءك. مواصلك يجتنى، أي من زارك وواصلك اجتنى نعمتك ومواهبك. يقتنى، أي يكتسب. سماؤك تغيث، أي تأتي بالغيث وهو المطر فيستغيث الناس به من الجدب. سماحك يغيث، أي جودك وحسن خلقك يفرّج كرب المهموم، وتقول: غوّث الرجل، أي قال: وا غوثاه، وأغثته أغيثه، إذا فرّجت عنه ما يشتكي منه. درّك يفيض: عطاؤك يشمل، أي لبنك يملأ الإناء ويفيض عليه، يريد أن عطاءه يكثر لسائله. وردّك

стр. 177

يغيض، أي منعك يذهب الرزق، وغاض الماء: غار في الأرض، مؤمّلك: راجيك. والفيء: الظلّ بعد الزوال، يريد أن عمره قد أدبر، فشبّه نفسه بالفيء الذاهب. أمّك بظنّ، أي قصدك برجاء. وحرصه يثب، أي طمعه يتزايد فيجعله في غاية من القلق. نخب: مختارة. مهورها: حقوقها، يقول: مدحك بنخب في ملئه، فوجبت حقوقها لحسنها وجودتها. ومما ينظر إلى هذه المعارضة قول الشاعر: [الوافر] وخذ حمدي بجودك، ذا بهذا ... كلانا اليوم أربح صيرفيّ لأصبح من نوالك في رياش ... وتصبح من مقالي في حليّ وقال آخر: [مجزوء الرجز] وحلّة كساها ... كالحليّ في التهابه فاستبطنت مديحا ... كالأري في نصابه فراح في ثيابي ... ورحت في ثيابه وقال ابن شهيد في ضيف له: [الطويل] وما انفكّ معشوق الثّواء نمدّه ... ببشر وترحيب وبسط لسان إلى أن تشهّى البين من ذات نفسه ... وحنّ إلى الأهلين حنّة حان فأتبعته ما سدّ خلّة حاله ... وأتبعني ذكرا بكلّ مكان وقوله: «مرامه يخفّ»، أي مطلبه يسهل عليك. أواصره: جمع آصرة وهي صلة الرحم، والأصر: الموضع الحابس، من قولهم: أصرت فلانا على الشيء آصره أصرا، إذا حبسته عليه وعطفته، ويقال: ما تأصرني على فلان آصرة، أي ما تحبسني عليه حابسة، ولا تعطفني عليه عاطفة. ذكره ابن الأنباريّ. وذكر الحريري في الدرّة، أن اشتقاق أواصر القرابة والعهد من المأصر، بكسر الصاد، ومعناه الوضع الحابس للمارّ عليه، فسمّيت أواصر، لأنها تعطف على ما يجب رعايته من المودة والرحم. قال: وحكى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، قال: اجتمع عندنا أبو نصر أحمد بن حاتم وابن الأعرابيّ فتحادثا، فحكى أبو نصر أنّ أبا الأسود دخل على عبيد الله بن زياد، وعليه ثياب رثّة، فكساه ثيابا جديدة من غير أن يسأله، أو استكساه، فخرج وهو يقول: [الطويل] كساك ولم تستكسه فحمدته ... فتى ماجد يعطى الجزيل وياصر وإنّ أحقّ الناس إن كنت مادحا ... بمدحك من أعطاك والعرض وافر فقال ابن الأعرابيّ: «وناصر» بالنون، فقال له أبو نصر: دعني يا هذا ويا صري وعليك بناصرك؛ يريد ب «ياصر» يعطف.

стр. 178

قوله: «تشفّ»، أي تزيد وتفضل غيرها، يقول: إن الأسباب التي توجب عطفك وحنانك عليّ كثيرة منها الشّيخ والضعف وكثرة العيال وجودة المدح، والعهود السابقة التي بيني وبينك. إطراؤه يجتذب، أي مدحه يتجاذبه الناس ويحرصون على تحصيله لجودته، وأصل الإطراء المدح في الوجه، فهو بمشاهدته كأنه مدح طريّ، أو ظهرت عليه طراوة. ملامه يجتنب: ذمّه يخاف ويبعد منه، فيرشي عليه، يقول: إنّ الذي رجاك شيخ مسنّ فقير قصدك بيقين لأنك من أهل الكرم، فطمعه لذلك يزيد لما ارتجى من معروفك، وأهدى إليك من مدائحه عرائس وجبت عليك حقوقها، ومرامه سهل عليك، ولديك علق تقوم مقام القرابة، وتزيد على ذلك، وله مدح يرغّب فيه وذم يرهب منه. ووراءه ضفف، أي خلفه كثرة عيال، من ضفّ الطعام ضفّا إذا كثر القوم عليه، وضفّ العيش اشتدّ. والشّظف: سوء الحال، حصّهم: عرّاهم ونتف ريشهم. جنف: ميل الدهر عليهم. قشف: بؤس عيش. يجيب: يساعد. وله: همّ وحيرة. يذيب: يذهب اللحم. تضيّف: نزل به ومال إليه. كمد: حزن قارب الموت. نيّف: زاد على المعهود. لمأمول، أي لمقصود مرجوّ. إهمال: تضييع وتسييب. نيّب: عضّ بأسنانه. وهدوّ تغيّب، أي سكون وأمن زال عنه. يزغ: يمل. نفث صدره، أي تكلم بشرّ، ونفث: بزق من داء في صدره ومنه المثل: لا بدّ للمصدور أن ينفث. ينفض، أي يضرب ويبعد. نشز: ارتفع وزال. يقتضي: يتضمّن ويلزم. نبذ: طرح. حرمه: جمع حرمة. بيّض أمله، أي أسعد رجاءه، وردّه أبيض بعطائك الذي يخفف ألمه، ويزيل وجعه. ينثّ: ينشر. عالمه: ناسه وأهل زمانه. بقيت: عشت وطال بقاؤك. إماطة شجب: إزالة هلاك وتنحيته. نشب: مال. شجن: حزن، والشّجن أيضا الحاجة. مراعاة: حفظ. يفن: شيخ كبير. موصولا، أي متصلا. بخفض: عيش هنيء. غضّ: ناعم جديد. غشي: قصد ودخل. معهد: موضع يعهد به جلوسه. وهم غبيّ: غلط جاهل. *** فلمّا فرغ من إملاء رسالته، وجلّى في هيجاء البلاغة عن بسالته، أرضته الجماعة فعلا وقولا، وأوسعته حفاوة وطولا. ثمّ سئل من أيّ الشّعوب نجاره، وفي أيّ الشّعاب وجاره، فقال: [مجزوء الكامل] غسّان أسرتي الصّميمه ... وسروج تربتي القديمة فالبيت مثل الشّمس إش ... راقا ومنزلة جسيمة والرّبع كالفردوس مط ... يبة ومنزهة وقيمة واها لعيش كان لي ... فيها ولذّات عميمة أيّام أسحب مطرفي ... في روضها ماضي العزيمة

стр. 179

أختال في برد الشّبا ... ب وأجتلي النّعم الوسيمة لا أتّقي نوب الزّما ... ن ولا حوادثه المليمة فلو أنّ كربا متلف ... لتلفت من كربي المقيمة أو يفتدى عيش مضى ... لفدته مهجتي الكريمة فالموت خير للفتى ... من عيشه عيش البهيمة تقتاده ترة الصّغا ... ر إلى العظيمة والهضيمة ويرى السّباع تنوشها ... أيدي الضّباع المستضيمة والذّنب للأيام لو ... لا شؤمها لم تنب شيمة ولو استقامت كانت ال ... أحوال فيها مستقيمة *** قوله: «إملاء رسالته»، أي إلقائها عليه ليكتبها جلّى: كشف. الهيجاء: الحرب، وهي من الهيج وهو الحركة والاضطراب. بسالته: شجاعته. أوسعته: كثّرت له. حفاوة: إكرام. والطّول: الإنعام. الشّعوب: القبائل، وأحدها شعب، بفتح الشين وهو الأب الكبير. ثعلب، الشّعب: الأب الأكبر الذي ينتهون إليه والقبيلة دونه. نجاره: أصله. الشّعاب: الطرق في الجبال. وجاره: جحره، أراد بيته، لأنهم سألوه من أيّ قبيلة هو، وعن مسكنه في أيّ موضع هو. وقوله: «غسان أسرتي»: أي هذه القبيلة أصلي وقرابتي. الصميمة: الصريحة الخالصة. تربتي. بلدتي. إشراقا: ضياء ونقاء من العيب. جسيمة: عظيمة. الفردوس: الجنّة، سمّيت بذلك لعرائشها، والفردوس: المعرّش من الكرم. مطيبة، أي سروج مثل الجنة في طيب الهواء، وفي نزهتها وحسنها، وفي قدرها، وأراد بالبيت غسّان، وبالربع سروج، أو يريد بيته في غسان في الشرف كالشمس، ومنزله في سروج كالجنة في طيبها ونزهتها، وقد قال في أخرى: [الرمل] من رآها قال مرسى ... جنّة الدنيا سروج ومثل قوله في البيت مثل الشمس، قول أبي الطّمحان القينيّ: [الطويل] وإنّي من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم سيّد قام صاحبه (١)

стр. 180

نجوم سماء كلّما غار كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتّى نظّم الجزع ثاقبه وقال حسان بن ثابت: [الكامل] بيض الوجوه مضيئة أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل (١) وزاد عليه في الإضاءة والإشراق حجيّة بن المضرّب فقال: [الطويل] أضاءت لهم أحسابهم فتضاءلت ... لنورهم الشمس المنيرة والبدر وزاد عليه أبو الطيب وعلى الناس في علوّ الهمة وتبعيد منازلها من منازل الكواكب، حيث يقول: [البسيط] وعزمة بعثتها همّة زحل ... من تحتها بمكان التّرب من زحل وزحل أرفع من الشمس ومن سائر الكواكب منزلة، وهذا من غلوّ المتنبّي الذي يخرج به عن الناس حتى يعاب، لأنه لو جعلها مع زحل في منزلة واحدة، كما جعل الحريري منزلته مع الشمس لكان قد بلغ النّهاية، وزاد على غيره، فلم يكتف بذلك حتى جعلها تعلو على زحل، كما يعلو زحل على الأرض. ومن هذا الإفراط في شعره كثير، وأكثر النقاد يعيبون عليه؛ وبعد هذا فمعجزاته في الشعر زاد بها على المتقدّمين والمتأخّرين عند الأكثر فلا يجاري في كثير منها. واها: تعجّبا، كأنه قال: ما أعجب ما كان عيشي بها! عميمة: كثيرة. أسحب مطرفي: أجرّ ثوبي المعلم في طرفه إعجابا بنفسي. أختال: أمشي الخيلاء متكبّرا. برد الشباب: ثوب الفتوّة. أجتلي: أنظر. الوسيمة: الحسان. والنّوب والحوادث: النوازل والمصائب، كلّها بمعنى واحد، وهي ما ينوب الإنسان: أو يحدث عليه أو ينزل به، أو يصيبه من البلاء بعد العافية. المليمة: التي تأتي بما يلام عليه. كربي المقيمة: همومي الثابتة. مهجتي: نفسي، وأصلها دم القلب. تقتاده: تسوقه. برة: حلقة من صفر تجعل في وترة أنف البعير، يذلّل بها. الصّغار: الذّلّة. العظيمة: داهية يستعظم أمرها. والهضيمة: المحقّرة لشأنه عند الناس، فيريد بالبهيمة البعير الذي يقاد ويذلّل بالبرة، وبالعظيمة سؤاله الناس، وبالهضيمة احتقارهم له إذا سألهم فيردونه خائبا. والسباع هنا: الأسود. تنوشها: تتناولها وتخدشها.
следующие страницы →