فقال جعفر: يا أمير المؤمنين، ما هذا التحكّم؟ قال الرشيد: وكيف؟ قال: يذكر أمير المؤمنين ما وقع اختياره عليه، ونذكر ما اخترناه، ويكون الحكم واقعا بعد، فقال الرشيد: أمرضت، فاستحسنها- يقال: أمرض الرجل: إذا قارب الصواب- ثم قال الرشيد: بل تبدأ يا يحيى، فقال يحيى: أحسن الناس تشبيها النابغة في قوله: [الكامل]
نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السّقيم إلى وجوه العوّد (١)
وفي قوله: [الطويل]
فإنّك كاللّيل الّذي هو مدركي ... وإن خلت أنّ المنتأى منك واسع (٢)
وفي قوله: [البسيط]
من وحش وجرة موشيّ أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصّقيل الفرد (٣)
فقال الأصمعيّ: أما تشبيهه مرض الطّرف فحسن، إلّا أنه هجّنه بذكره العلة، وتشبيهه المرأة بالعليل. وأحسن منه قول عدي بن الرقاع العامليّ: [الكامل]
وكأنّها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم (٤)
وسنان أقصده النعاس فرنّقت ... في عينه سنة وليس بنائم
وأما تشبيه الإدراك بالليل، فقد تساوى الليل والنهار فيما يدركانه، وإنما كان سبيله أن يأتي بما ليس له قسيم، حتى يأتي بمعنى ينفرد به، ولو قال قائل: إنّ قول النمري في هذا أحسن، لوجد مساغا إلى ذلك حيث يقول: [الطويل]
فلو كنت بالعنقاء أو بسنامها ... لخلتك إلّا أن تصدّ تراني
وأما قوله: [البسيط]
* طاوي المصير كسيف الصّيقل الفرد*
فالطرّماح أحق بهذا المعنى، لأنه أخذه فجوّده وزاد عليه، وإن كان النابغة اخترعه، وقول الطرماح: [الطويل]
يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسلّ ويغمد (٥)
стр. 1157
فقد جمع في هذا البيت استعارة لطيفة بقوله: «وتضمره البلاد» وتشبيهه اثنين بقوله: «يبدو وتضمر» «ويسلّ ويغمد»، وجمع حسن التقسيم وصحة المقابلة.
قال الأصمعيّ: فاستبشر الرشيد وبرقت أسارير وجهه، حتى خلت برقا يومض منها، وقال ليحيى: فضلتك ورب الكعبة، فانتقع يحيى، فكأنّ الرّماد ذرّ على وجهه، قال الفضل: لا تعجل يا أمير المؤمنين، حتى أمرّ ما قلته بسمعه، فقال: قل، قال:
أحسن الناس تشبيها طرفة في قوله: [الطويل]
ووجه كأنّ الشمس ألقت رداءها ... عليه نقيّ اللون لم يتخدّد (١)
وفي قوله: [الطويل]
يشقّ حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم التّرب المقايل باليد (٢)
قال: فقلت: هذا حسن وغيره أحسن منه، قد شركه في هذا المعنى جماعة من الشعراء، وبعد فطرفة صاحب واحدة، لا يقطع بقوله مع التجوّز، وإنما يعدّ من أصحاب الواحدة قال: ومن أصحاب الواحدة؟ قلت: الحارث بن حلّزة في قوله: [الخفيف]
آذنتنا بينها أسماء ... ربّ ثاو يملّ منه الثّواء (٣)
والأسعر الجعفي في قوله: [الطويل]
هل دان قلبك من سليمى فأشتفي ... ولقد عنيت بحبّها فيما مضى
والأفوه الأوديّ في قوله: [الرمل]
إن ترى رأسي فيه قذع ... وشواتي خلة فيها دوار (٤)
وعلقمة في قوله: [الطويل]
* طحا بك قلب في الحسان طروب (٥) *
وسويد بن أبي كاهل في قوله: [الرمل]
стр. 1158
بسطت رابعة الحبل لنا ... فوصلنا الحبل منها فاتّسع
وعمرو بن كلثوم في قوله: [الوافر]
ألا هبّي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا (١)
وعمرو بن معد يكرب في قوله: [الوافر]
أمن ريحانة الدّاعي السميع ... يؤرّقني وأصحابي هجوع (٢)
فاستخفّت الرشيد الأريحيّة، وقال: ادنه، فإنّك جحيش وحدك، وزدت في عيني نبلا، فقال جعفر: [الرجز]
* لبّث قليلا يدرك الهيجا حمل (٣) *
يعرّض بأنه قد يجوز أن يدرك ما يحاوله، فقال له الرشيد: فاتتك والله السوابق، وجئت سكينا ذا زوائد أربع، قال: ورأيت الحميّة في وجهه، فقال جعفر: على شريطة حلمك. قال: أتراه يسع غيرك ويضيق عنك؟ فقال جعفر: لست أنصّ على شاعر واحد أنّه أحسن الناس في بيت تشبيها، ولكن قول امرئ القيس: [الطويل]
كأنّ غلامي إذ علا حال متنه ... على ظهر باز في السّماء محلّق (٤)
وقول عديّ بن الرقاع: [الكامل]
يتعاوران من الغبار ملاءة ... غبراء محكمة هما نسجاها (٥)
تطوى إذا وردا مكانا جاسيا ... وإذا السّنابك أسهلت نشراها
وقول النابغة: [الطويل]
بأنّك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب (٦)
قال الأصمعيّ: قلت: هذا حسن كلّه بارع، وغيره أحسن منه، وإنما يجب أن يقع
стр. 1159
التعيين على ما اخترعه قائله فلم يتعرّض له، أو تعرّض له شاعر، فوقع دونه، فأمّا قول امرئ القيس: [الطويل]
* على ظهر باز في السّماء محلق*
فمن قول أبي دواد: [الطويل]
إذا شاء راكبه ضمّه ... كما ضمّ بازي السماء الجناح (١)
وأما قول عدي: [الكامل]
* يتعاوران من الغبار ملاءة*
فمن قول الخنساء: [الكامل]
جاري أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر (٢)
وأول من نطق به جاهلي من بني عقيل، قال: [الطويل]
ألا يا ديار الحيّ بالبردان ... عفت حجج بعدي لهنّ ثماني (٣)
فلم يبق منها غير نؤي مهدّم ... وغير أثاف كالرّكي دفان
وآثار هاب أورق اللون سافرت ... به الرّيح والأمطار كلّ مكان
قفار مروراة يحار بها القطا ... ويضحي بها الجابان يعتركان
يثيران من نسج الغبار عليهما ... قميصين أسمالا ويرتديان
وشارك عديّا أبو النجم، وأورده في أحسن لفظ، قال يصف عيرا وأتانا وما أثاراه من الغبار بعدوهما: [الرجز]
القى بجنب القاع من حيالها ... سرباله وانشام في سربالها
وأما قول النابغة: [الطويل]
* بأنّك شمس والملوك كواكب*
فقد تقدّمه فيه شاعر قديم من شعراء كندة يمدح عمرو بن هند، وهو أحقّ به من النابغة؛ إذ كان أبا عذرته، فقال: [الطويل]
стр. 1160
كادت تميد الأرض بالناس إذ رأوا ... لعمرو بن هند غضبة وهو عاتب
هو الشمس وافت يوم سعد فأفضلت ... على كلّ ضوء والملوك كواكب
قال: فكأنّي والله ألقمت جعفرا حجرا. فاهتز الرشيد فوق سريره، وكاد يطير عجبا وطربا، وقال: والله، لله درّك يا أصمعيّ، اسمع الآن ما كان وقع عليه اختياري، فقال:
ليقل أمير المؤمنين أحسن الله توفيقه، فقال: عيّنت على ثلاثة أشعار، أقسم بالله إني أملك السبق بأحدها، فقال يحيى: خفّض على هينتك، فأبى اللهإلا أن يكون لك الفضل، ثم قال الرشيد: أتعرف يا أصمعيّ تشبيها أفخر وأعظم في أحقر مشبه وأصغره في أحسن معرض، من قول عنترة الذي لم يسبقه إليه سابق، ولا نازعه منازع، ولا طمع في مجاراته طامع، حين شبّه ذباب الرّوض العازب في قوله: [الكامل]
وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشّارب المترنّم (١)
هزجا يحكّ ذراعه بذراعه ... فعل المكبّ على الزّناد الأجذم
ثم قال: يا أصمعيّ هذا من التشبيهات العقم التي لا تنتج، شبّهت بالريح العقيم التي لا تنتج ثمرة، ولا تلقح شجرة، فقلت: كذلك هو يا أمير المؤمنين، وبمجدك آليت ما سمعت قطّ أحدا يصف شعرا بأحسن من هذه الصفة، ولا استطاع بلوغ هذه الغاية، فقال: مهلا، لا تعجل أتعرف أحسن من قول الحطيئة يصف لغام ناقته، أو تعلم قبله أو بعده شبّه تشبيهه حيث يقول: [الطويل]
ترى بين لحييها إذا ما ترغّمت ... لغاما كنسج العنكبوت الممدّد (٢)
فقلت: والله ما علمت أحدا تقدّمه إلى هذا التشبيه، أو أشار إليه بعده ولا قبله، قال: أتعرف بيتا أبدع وأوقع من تشبيه الشّماخ لنعامة سقط ريشها، وبقي أثره في قوله:
[البسيط]
كأنّما منثنى أقماع ما مرطت ... من العفاء بليتيها الثّآليل (٣)
فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين، فالتفت إلى يحيى، فقال: أوجب، فقال:
وجب، فقال: أأزيدك؟ فقال: وأيّ خبر لم يزدني منه أمير المؤمنين! قال: وقول النابغة الجعديّ: [الطويل]
رمى ضرع ناب فاستهلّ بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهّم (٤)
стр. 1161
ثم التفت إلى الفضل، فقال: أوجب؟ قال: وجب، قال: أزيدك، قال ذلك لأمير المؤمنين، قال: قول الأعرابيّ: [الطويل]
به ضرب أنداد العطايا كأنّه ... ملاعب ولدان تحطّ وتمضغ
ثم التفت إلى جعفر، فقال: أوجب؟ قال: وجب، قال: أزيدك، قال: لأمير المؤمنين علوّ الرأي، قال: قول عديّ بن الرقاع: [الكامل]
تزجي أغنّ كأنّ إبرة روقه ... قلم أصاب من الدّواة مدادها (١)
فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا بيت حسد عديّا عليه جرير، قال: وكيف ذلك؟
قلت: زعم أبو عمرو بن العلاء أن جريرا قال: لما ابتدأ عديّ ينشد: [الكامل]
* عرف الدّيار توهّما فاعتادها (٢) *
فقلت في نفسي: ركب والله مركبا صعبا، سيبدع فيه، فما زال يتخلّص من حسن إلى حسن، إلى أن قال: [الكامل]
* تزجي أغنّ كأنّ إبرة روقه*
فرحمته، وظننت أن مادته تقصر به، فلما قال: [الكامل]
* فلم أصاب من الدّواة مدادها*
حالت الرحمة حسدا، فقال: لله أبوك يا أصمعيّ؟ ثم أطرق ورفع رأسه، وقال:
أتراك تعينني في انحطاطك في هواي؟ فقلت: كلا يا أمير المؤمنين، إنّك لتجل عن ذلك، قال: انظر خمسا، قلت: قد نظرت، قال: فالسّبق لمن؟ قلت: لأمير المؤمنين، قال: فقد أسهمت لك في العشر والعشر كثير، ثم رمى بطرفه إلى يحيى، وقال: المال الساعة، وأولى لك! فما كان ساعة حتى حضرت البدر بيني وبينه، ورأيت ضوء الصبح قد غلب على ضوء الشمع، فأشار إلى خادم على رأسه، كم هي؟ فقال: ثلاثة آلاف ألف درهم، فقال: دونك احتمل ثلاثين ألفا إلى منزلك، ونهض عن مجلسه، وأمر الخدم، بمعاونتي على حمله، فكانت أسعد ليلة ابتسم فيها الصباح عن أحد بالغنى.
فهذه الحكاية تدلّك على تبحره في علوم العربية وسعة حفظه.
***
تبع ابن الرّمادي عنترة في قوله: «وخلا الذباب» بقوله: [الطويل]
стр. 1162
وكأس كريق الإلف شعشعها به ... وعيشي من هذا الشّراب المشعشع
إذا ما شربنا كأسنا صبّ فضلها ... على روضنا للمسمع المتخلّع
وقال ابن الرومي: [الطويل]
وأذّكى نسيم الروض ريعان ظلّه ... وغنّي مغنّي الطير فيه فرجّعا
وكانت أهازيج الذباب هنا كم ... على شدوات الطير صوتا موقّعا
وكان أبوه قريب بخلافه، كان نذلا خسيسا، وكان عطاء الملك أتى بجماعة من البصرة إلى قريب فوجدوه ملتفّا بكساء، نائما للشمس، فوكزه برجله، وصاح به: قم يا قريب ويلك! قال: ألقيت أحدا من أهل العلم قطّ أو من أهل اللغة أو الفقهاء أو من المحدّثين؟ قال: لا والله، قال لمن حضر: اشهدوا على ما سمعتم، لا يقول لكم غدا الأصمعيّ أو بعد غد: أنشدني والدي أو حدّثني؛ ففضحه.
***
ومن حكاياته عن أبيه قال الأصمعيّ: حدثني أبي قال: أتي عبد الملك بن مروان برجل مع بعض من خرج عليه، فقال: اضربوا عنقه، فقال: يا أمير المؤمنين، ما هذا جزائي منك، قال: وما جزاؤك؟ قال: والله ما خرجت مع فلان إلّا بالتطيّر لك، وذلك أتى رجل مشئوم، ما كنت مع رجل قط إلا غلب وهزم، وقد بان لك صحة ما ادّعيت به، وكنت عليك خيرا لك من مائة ألف معك. فضحك منه وخلّى سبيله.
وكان للأصمعيّ بن ظريف، فقيل له يوما: أين أبوك؟ فقال: في بيته يكذب على الأعراب.
ومرض الأصمعيّ فعاده أبو ربيعة- وكان يحب أهل الأدب- فقال له: أقرضني خمسة آلاف درهم، ففعل، وقال: أتشتهي غير هذا؟ فقال: نعم، فصّا حسنا، وسيفا قاطعا، وبرذونا حسنا وسرجا محلّى، فبعث بذلك إليه.
وكان إسحاق الموصلي يعظّمه ويقرأ عليه، فدخل الأصمعيّ يوما على الفضل بن يحيى وإسحاق ينشده في صفة فرس: [الرجز]
كأنّه في الجلّ وهو سام ... مشتمل جاء من الحمام
يسور بين السّرج واللجام ... سور القطامي إلى الحمّام
فقال الأصمعيّ: هات بقيّتها، فقال له إسحاق: ألم تقل لي: ما بقي منها شيء فقال: ما بقي إلّا عيونها. ثم أنشد بعد ذلك ثلاثين بيتا، فغضب إسحاق وعرّف الفضل قلّة شكره لعارفة، وبخله بما عنده، وأخذ يصف فضل أبي عبيدة ونزاهته، وبذله لما عنده، واشتماله على علوم العرب، فأنفذ إليه الفضل مالا جليلا، واستقدمه من البصرة، وسعى بالأصمعيّ عند الرشيد؛ حتى حطّ منزلته. وقال إسحاق يهجوه: [الوافر]
стр. 1163
أليس من العجائب أن قردا ... أصيمع باهليّا يستطيل
ويزعم أنه قد كان يفتى ... أبا عمرو ويسأله الخليل
إذا ما قال: «قال أبي» عجبنا ... لما يأتي به ولما يقول
وجلله عطاء الملك عارا ... تزول الرّاسيات ولا يزول
فقل لأبي ربيعة إذ عصاني ... وحاد به عن القصد السبيل
لقد ضاعت برودك فاحتسبها ... وضاع الفصّ والسّيف الصّقيل
فأما الخمسة الآلاف فاعلم ... بأنك غبنها لا تستقبل
والأصمعيّ لا يقدح هذا القدر في جانبه، لأنّ بعض محاسنه يغطّي على كل مساوئه.
وكان منشؤه بالبصرة، وبها توفّي سنة تسع عشرة ومائتين وبلغ ثمانيا وثمانين سنة.
قوله: محرابي، وما بعده في معناه، يعني فرجها. والإمام وما بعده، يعني به ذكره. وسمّي محراب المسجد محرابا لأنه يباعد من ليس من أهله أن يقربه، إذ هو أرفع ما في المسجد، وفلان حرب لفلان، أي مباعد له. والقراب: وعاء من جلد يجعل فيه السيف مع غمده. والقراب: وعاء الزاد.
***
فقال لهما القاضي: أراكما شنّا وطبقة، وحدأة وبندقة، فاترك أيّها الرّجل اللّدد، واسلك في سيرك الجدد. وأمّا أنت فكفّي عن سبابه، وقرّي إذا أتى البيت من بابه.
فقالت المرأة: والله ما أسجن عنه لساني، إلا إذا كساني، ولا أرفع له شراعي، دون إشباعي. فحلف أبو زيد بالمحرّجات الثّلاث، إنّه لا يملك سوى أطماره الرّثاث.
فنظر القاضي في قصصهما نظر الألمعيّ، وأفكر فكرة اللّوذعيّ. ثمّ أقبل عليهما بوجه قد قطّبه، ومجنّ قد قلبه، وقال: ألم يكفكما التّسافه في مجلس الحكم، والإقدام على هذا الجرم، حتّى تراقيتما في فحش المقاذعة، إلى خبث المخادعة! وايم الله لقد أخطأت استكما الحفرة، ولم يصب سهمكما الثّغرة؛ فإنّ أمير المؤمنين، أعزّ الله ببقائه الدّين، نصبني لأقضي بين الخصماء؛ لا لأقضي دين الغرماء. وو حقّ نعمته الّتي أحلّتني هذا المحلّ، وملّكتني العقد والحلّ، لئن لم
стр. 1164
توضّحا لي جليّة خطبكما، وخبيئة خبّكما، لأندّدنّ بكما في الأمصار، ولأجعلنّكما عبرة لأولي الأبصار.
***
واللّدد: شدّة الخصومة. الجدد: الأرض الصّلبة، والمعنى في قوله: أسلك في سيرك الجدد، جامعها في الفرج لا غيره، وفي المثل: من سلك الجدد أمن العثار.
قرّي: اسكني. البيت، كناية عن فرجها. من بابه، يريد ألّا يأخذ الجار بالجار.
وقولها: إلا إذا كساني، قال النبي ﷺ : «اعروا النّساء يلزمن الحجال» (١).
والشّراع: قلع السفينة، وأرادت برفعه كشف ثيابها ورفع رجليها حين يطؤها، وقال أبو نواس في معناه: [المتقارب]
ترفّق قليلا قد أوجعتني ... وألحقت قرطي بخلخاليه
والقرط في الأذن، والخلخال في الرجل، فانظر متى يجتمعان. وقال ابن الرومي في ذلك: [البسيط]
يا أحمد بن سعيد لو بصرت بها ... إذا الأكفّ لساقيها خلاخيل
وقال البحتريّ: [المنسرح]
لم تخط باب الدّهليز خارجة ... إلا وخلخالها مع الشّنف (٢)
وقال ابن الروميّ: [الكامل]
لو أنّ رجلي عرسنا يداها ... ما أخطأتها رحمة تغشاها
قد خلقت مرفوعة رجلاها ... كأنّما يستغفران الله
وله أيضا: [الرجز]
شيخ لنا يكنى أبا حفصل ... أقرن مثل الأيّل الأثول
تبيت في منزله نسوة ... يلبسن ثوب الليل كالمنزل
يعملن فيه عملا صالحا ... يرفعه الله إلى أسفل
يستغفر النّاس بأيديهم ... وهنّ يستغفرن بالأرجل
قال الأصمعيّ: قلت لأمة ظريفة: يا جارية هل في يديك عمل؟ قالت: لا، ولكن في رجلي.
стр. 1165
والمحرّجات الثلاث: هي الطّلاق والعتق والمشي إلى مكة، وقيل: هي الطّلاق الثلاث ومحرّجات: فيها حرج، أي إثم وضيق.
وحدّث أبو حاتم، عن الأصمعيّ عن عيسى بن عمر، قال: اشتكى رجل امرأته، فقال له شيخ من بني نصر، كان أسنّ منه: ألا نكشفها بالمحرّجات- يعني الطلاق- قال:
قاتلك الله! فما أغرّك، وعليّ الطلاق ثلاثا.
حدثنا أبو بكر محمد بن أسد الدبليّ قال: سمعت أبا فتان الدارع يقول: الطلاق الثلاث البتّ لازم لي، لقد سمعت أبا عبيدة معمر بن المثنى يقول: الطلاق الثلاث، البتّ لازم لي، لقد سمعت أبا عمرو بن العلاء، يقول الطلاق الثلاث البتّ لازم لي، إن كانت العرب قالت أحكم من هذه الأبيات: [الكامل]
كن للمكاره بالعزاء مقنّعا ... فلعلّ يوما لا ترى ما تكره
فلربّما استتر الفتى فتنافست ... فيه العيون وإنه لمموّه
ولربّما خزن الكريم لسانه ... حذر الجواب وإنّه لمفوّه
ولربما ابتسم الكريم من الأذى ... وفؤاده من حرّه يتأوّه
قوله: أطماره الرّثاث، أي ثيابه الخلقة. الألمعيّ: المتوقد الحاضر الذّهن.
ابن الأعرابي: الألمعيّ: الذي إذا لمع له أوّل الأمر عرف آخره، فيكتفي بظنّه دون تعيينه. واللوذعيّ: الفطن الذّكيّ الظريف الحديد الفؤاد. قطّبه: عبسه. مجنّ: ترس.
وقلبه، كناية عن إبداء الشرّ بعد الخير، وقد تقدّم. التّسافه: الإفحاش. والشمّ. الجرم:
الذنب. المقاذعة: المشاتمة بما فحش. الثّغرة: الحفيرة في أصل العنق. خبّكما:
خداعكما وغشّكما. أندّدنّ: أسمع الناس بما ينالكما عندي من المكروه، وندّد به: شتمه وأسمعه القبيح. الأمصار: البلاد. عبرة: موعظة. أولي الأبصار: أهل العقول.
***
فأطرق أبو زيد إطراق الشّجاع، ثم قال له: سماع سماع: [الرجز]
أنا السّروجيّ وهذي عرسي ... وليس كفأ البدر غير الشّمس
وما تنافى أنسها وأنسي ... ولا تناءى ديرها عن قسّي
ولا عدت سقياي أرض غرسي ... لكنّا منذ ليال خمس
نصبح في ثوب الطّوى ونمسي ... لا نعرف المضغ ولا التّحسّي
حتى كأنّا لخفوت النّفس ... أشباح موتى نشروا من رمس
فحين عزّ الصّبر والتّأسّي ... وشفّنا الضّرّ الأليم المسّ
قمنا لسعد الجدّ أو للنّحس ... هذا المقام لاجتلاب فلس
стр. 1166
والفقر يلجي الحرّ حين يرسي ... إلى التّجلّي في لباس اللّبس
فهذه حالي وهذا درسي ... فانظر إلى يومي وسل عن أمسي
وأمر بجبري إن تشا أو حبسي ... ففي يديك صحّتي ونكسي
***
أطرق: أمال رأسه ساكنا. الشّجاع: الحيّة. سماع سماع، أي اسمع منّي، كفء البدر: أي نظيره، والكفء: النّظير والمثل. دبرها: فرجها. قسّي: ذكري. وأصل الدّير للنصارى، والقسّ والقسيس: عالمهم وعابدهم. عدت: جارت وخرجت عن طريقها.
والسّقيا: الشرب، وهي هنا مصدر بمعنى السّقي. والتحسّي: شرب الحسوة، وأراد بالمضغ والتحسّي أكل الخبز واللحم، وحسو مرقه. وقيل: المضغ في الرّخاء والحسو في الشدّة، كاستعمالهم فيها حسو السّخينة وغيرها. وعزّ: قلّ. التأسّي: الاقتداء بالغير، وقد تأسّى تأسّيا إذا اقتدى بفعل غيره وتصبّر، وهذا باب غلبت عليه الخنساء بقولها:
[الوافر]
ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي (١)
وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزّي النّفس عنه بالتأسيّ
فزاد عليه ابن العباس الروميّ، في المعنى وبيّنه حتى استحقّه حيث قال: [الوافر]
رأيت الدّهر يجرح ثم يأسو ... يؤسّي أو يعوّض أو ينسّي
أبت نفسي الهلاع لرزء شيء ... كفى رزءا لنفسي رزء نفسي
أتجزع وحشة لفراق إلف ... وقد وطنتها لحلول رمسي
فذهب في هذه الأبيات كلّ مذهب، ثم أراد أن يظهر ما عنده من فضل المنّة وحسن التّصرف، فقال: [الخفيف]
يا شبابي وأين منّي شبابي ... آذنتني أيامه بانقضاب
ومعزّ عن الشّباب مؤسّ ... بمشيب اللّذّات والأصحاب
قلت لما انتحى يعدّ أساه ... بمصاب شبابه بمصاب
ليس تأسو كلوم غيري كلومي ... ما به ما به وما بي ما بي
وكرّر هذا المعنى فأحسن ما شاء، وذهب فيه مذاهب أخرى، فقال: [الطويل]
خليليّ قد علّلتماني بالمنى ... وأنعمتما لو أنّني أتعلّل
أللناس إيثاري وإلّا فما الأسى ... وعيشكما إلّا ضلال مضلّل
стр. 1167
وما راحة المرزوء في رزء غيره ... أيحمل عنه بعض ما يتحمّل!
كلا حاملي أو في الرزية مثقل ... وليس معينا مثقل الظّهر مثقل
وضرب من الظلم الخفيّ مكانه ... تعزّيك بالمرزوء حين تأمّل
ولابن رشيق: [المتقارب]
رأيت التّعزّي مما يهيج ... على المرء ساكن أوصابه
وما نال ذو أسوة سلوة ... ولكن أتى الحزن من بابه
تفكّر في مثل أرزائه ... فذكّره ما به ما به
وقال ابن رشيق: أخذته من قول عمر بن أبي ربيعة: [الوافر]
وذو الشّوق القديم وإن تعزّى ... مشوق حين يلقى العاشقينا
وأخذه عمر من قول متمم بن نويرة: [الطويل]
وقالوا أتبكي كلّ قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللّوى والدّكادك
فقلت لهم إنّ الأسى يبعث البكا ... دعوني فهذا كلّه قبر مالك
***
خفوت: ضعف النفس من شدة الجوع، وخفت خفوتا: ضعف وسكن ومات.
والأشباح: الأشخاص، وأصل الشّبح الشخص تبصره على بعد، فلا تعرف ما هو، ويقع الشّبح على كلّ شخص مرئيّ. نشروا: أحيوا. رمس: قبر، والمسّ: لصوق جارحة بأخرى. الجدّ: الحظ والنصيب. يرسي: يثبت ويقيم. التجلّي: البروز والظهور.
اللّبس: التخليط. درسي: ثوبي الخلق الجبر: أن تغني الرّجل من فقر، أو تصلح عظمه من كسر، وجبره الله: سدّ مفاقره. والنّكس: بضم النون: عود المرض بعد القوّة، ونكس نكسا.
***
فقال له القاضي: ليثب أنسك، ولتطب نفسك، فقد حقّ لك أن تغفر خطيّتك، وتوفّر عطيّتك. فثارت الزّوجة عند ذلك واستطالت، وأشارت إلى الحاضرين وقالت: [السريع]
يا أهل تبريز لكم حاكم ... أوفى على الحكّام تبريزا
ما فيه من عيب سوى أنّه ... يوم النّدى قسمته ضيزى
قصدته والشيخ نبغي جنى ... عود له ما زال مهزوزا
فسرّح الشّيخ وقد نال من ... جدواه تخصيصا وتمييزا
стр. 1168
وردّني أخيب من شائم ... برقا خفا في شهر تمّوزا
كأنّه لم يدر أنّي الّتي ... لقنت ذا الشّيخ الأراجيزا
وأنّني إن شئت غادرته ... أضحوكة في أهل تبريزا
***
ليثب: أي ليرجع. توفّر: تكثر. ثارت: ظهرت، وأفشت سرّها. واستطالت:
جرحت بلسانها، وأعلت كلامها. أوفى: أشرف عليهم وزاد. تبريزا: ظهورا وسبقا.
ضيزى: غير مستوية، فيها بخس ونقصان، وقد ضاز الحاكم، إذا جار، وضازه يضيزه ضيزا، إذا نقصه ومنعه حقه. ويحكى أن مزيدا المدني- ويكنى أبا إسحاق- صلّى يوما، فلمّا فرغ من صلاته قالت امرأته: اللهم أشركني في دعائه، فقال مزيد اللهمّ اصلبني، فقالت امرأته: أمّا على هذا فلا، فقال يا ضرّاطة، تلك إذا قسمة ضيزى.
قوله والشيخ: منصوب على المفعول معه. نبغي: نطلب. النّدى: الكرم. وجنى العود: ما يجنى من ثمره، وأرادت كرم القاضي. ما زال مهزوزا، أي ما زال القاصدون يهزّون عوده فيتساقط عليهم جناه، فمعنى ما زال مهزوزا، أي مطلوب منه العطايا.
جدواه: عطاياه تخصيصا: ترفيعا. تمييزا: تعيينا، وقد تخصّص الرجل: تشبّه بالخواصّ، وتعيّن: تشبّه بالأعيان. شائم: ناظر للبرق. خفي: لمع. تمّوز: يوليه بالسريانية، وهو أشدّ الشهور حرّا. لقنت: فهمت وحفظت. غادرته: تركته. أضحوكة: يضحك به من رآه.
***
قال: فلمّا رأى القاضي اجتراء جنانهما، وانصلات لسانهما، علم أنّه قد مني منهما بالدّاء العياء، والدّاهية الدّهياء؛ وأنّه متى منح أحد الزّوجين، وصرف الآخر صفر اليدين، كان كمن قضى الدّين بالدّين، أو صلّى المغرب ركعتين. فطلسم وطرسم، واخرنطم وبرطم، وهمهم وغمغم، ثمّ التفت يمنة وشامة وتململ كآبة وندامة، وأخذ يذمّ القضاء ومتاعبه، ويعدّد شوائبه ونوائبه، ويفنّد طالبه وخاطبه.
ثمّ تنفّس كما يتنفّس الحريب، وانتحب حتّى كاد يفضحه النّحيب، وقال: إن هذا لشيء عجيب! أأرشق في موقف بسهمين! أألزم في قضيّة بمغرمين! أأطيق أن أرضي الخصمين، ومن أين ومن أين!
***
اجتراء: إقدام وتشجّع جنانهما: قلبهما، يريد أنهما لم يهاباه. انصلات لسانهما:
خروجه بالكلام وطاقته بالشرّ، وانصلت السيف؛ تسلل من غمده وخرج. مني: بلي.
стр. 1169
الدّاء العياء: الذي يعيي الطبيب. والدّاهية: كل أمر فظيع لا يطاق. الدهياء: مبالغة وتأكيد لمعنى الدّاهية، أي الداهية الشديدة. منح: إعطاء. صقر: فارغ. ومن قضى الدّين بالدّين، فكأنّه ما قضاه وأنشدوا:
إذا كنت تقضي الدّين بالدّين لم يكن ... قضاء ولكن كان غرما على غرم
تململ: توجّع وتقلّب. كآبة: حزن وهمّ. شوائب: ما يكره ويختلط به. نوائبه:
نوازله. يفنّد: يخطّئ. الحريب: المحزون المسلوب ماله، وقد حربه، إذا سلبه «فعيل» بمعنى «مفعول». انتحب: بكى. يفضحه: يشهره. أرشق: أرمي، والرّشق جملة السهام ترمى مجتمعة، وقال لبيد: [الرمل]
فرميت القوم رشقا صائبا ... ليس بالطّيش ولا بالمفتعل (١)
وإذا وقعت السهام مجتمعة عند الغرض سمّيت رشقا، القضية: القضاء والحكومة.
المغرم والغرامة واحد.
***
ثمّ عطف إلى حاجبه، المنفذ لمآربه، وقال: ما هذا يوم حكم وقضاء، وفصل وإمضاء؛ هذا يوم الاعتمام، هذا يوم الاغترام، هذا يوم البحران، هذا يوم الخسران، هذا يوم عصيب، هذا يوم نصاب فيه ولا نصيب؛ فأرحني من هذين المهذارين، واقطع لسانهما بدينارين. ثمّ فرّق الأصحاب، وأغلق الباب، وأشع أنّه يوم مذموم، وأنّ القاضي فيه مهموم، لئلّا يحضرني خصوم.
قال: فأمّن الحاجب على دعائه، وتباكى لبكائه ثم نقد أبا زيد وعرسه المثقالين، وقال: أشهد إنّكما لأحيل الثّقلين؛ ولكن احترما مجالس الحكّام، واجتنبا فيها فحش الكلام؛ فما كلّ قاض قاضي تبريز، ولا كلّ وقت تسمع الأراجيز، فقالا له: مثلك من حجب، وشكرك قد وجب، ونهضا وقد حظيا بدينارين، وأصليا قلب القاضي نارين.
***
стр. 1170
مآربه حوائجه. البحران: كاليوم السابع من المرض، والبحران عند الأطباء: مدافعة عظيمة تقع بين الطبيعة والعلّة، وبحر الرجل بحرا، إذا اجتهد في العدو طالبا أو مطلوبا، فانقطع وضعف. ورجل بحر: مسلول ذاهب اللحم. عصيب: شديد. المهذارين:
الكثيرين الكلام بلا فائدة. اقطع لسانهما، أي صلهما حتى ينقطع بالدينارين كلامهما، وهذا اللّفظ الذي هو قطع اللسان بالصّلة قد نطق به رسول الله ﷺ حين أعطى المؤلّفة قلوبهم من نفل حنين، مائة مائة، وأعطى العباس بن مرداس أباعر، فسخطها وقال:
[المتقارب]
أتجعل نهبي ونهب العبي ... د بين عيينة والأقرع (١)
وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع
وما أنا دون امرئ منهما ... ومن يخفض اليوم لم يرفع
فقال ﷺ : «اقطعوا عني لسانه». فأعطي حتى رضي وقد جاء في النوادر في حكاية ليلى الأخيلية حين قال الحجاج: يا غلام اذهب إلى فلان، فقل له يقطع لسانها، فأمر بإحضار الحجام، فقالت: ثكلتك أمك! إنما أمرك أن تقطع لساني بالصّلة، وهي لفظة مستعملة عند من له أمر ونهي.
قوله: أمّن، قال: آمين، ومعناه الرغبة في الإجابة. تباكى: استعمل البكاء.
الثّقلين: الإنس والجن، والواحد ثقل وثقل كمثل ومثل، وأصله ما يحمل من الشيء الثقيل، فقيل لهما: ثقلان، لأنهما كالثّقل على الأرض. والفحش في القول كالفاحشة في الفعل. نهضا: تقدما. شكرك قد وجب: يقال: وجب البيع والحقّ، معناه وقع، وعنه قوله تعالى: فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها [الحج: ٣٦] أي وقعت على الأرض وسقطت.
ووجب الحائط: سقط، ووجب قلبه: فزع وخفق. حظيا: سيّدا. أصليا: أوقدا وألصقا به.
تفسير ما أودع هذه المقامة من الألفاظ اللغوية والأمثال العربية
قوله: «لقيت منها عرق القربة»، هذا مثل يضرب لمن يلقى شدّة من الأمر الّذي يزاوله، كما أن حامل القربة يلقى جهدا حتّى يعرق.
وقوله: «جعلته دبر أذني»، يعني طرحته، وهو كقوله تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ [آل عمران: ١٨٧].
стр. 1171
وقوله: «أكذب من سجاح» يعني الّتي تنبّأت في عهد مسيلمة الكذاب، وسارت إليه لتناظره وتختبره ثم آمنت به، ووهبت نفسها له؛ وهذا الاسم، مبنيّ على الكسر، مثل حذام وقطام، لكونه من الأسماء المعدولة، واشتقاقه من السّجاحة، وهي السّهولة، ومن قولهم: ملكت فأسجع.
وقولها: «أكذب من أبي ثمامة»، هذه كنية مسيلمة الكذاب، وكان تنبّأ باليمامة.
ومخرق بها، إلى أن سار إليه خالد بن الوليد ﵁ فقتله.
وقوله: «لا نعم عوفك». العوف: الحال، والعوف أيضا الذّكر، ويدعى للباني على أهله فيقال له: «نعم عوفك».
وقوله: «يا دفار يا فجار». هذان الاسمان معدولان من دافرة وفاجرة، والدّفر:
النّتن؛ وبه سمّيت الدّنيا أم دفر؛ وكلّ ما سمّي بصفة غالبة، ثم عدل بها إلى «فعال»، بني على الكسر عند النداء، كقولك: يا لكاع يا خباث، يا دفار يا فجار، ولا يجوز استعمال ذلك في غير النداء إلّا في ضرورة الشعر، كقول الحطيئة: [الوافر]
أطوّف ما أطوّف ثم آوي ... إلى بيت قعيدته لكاع (١)
وأما قوله: «أحمق من رجلة»، فهي ضرب من الحمض تنبت في جاري السّيل فيجرفها.
وأمّا قولها: «الأم من مادر»، فهو رجل من بني هلال بن عامر؛ كان اتّخذ حوضا لسقي إبله، فلمّا رويت سلح فيه، ومدره بسلحه؛ لئلا ينتفع به من بعده.
وأما قولها: «أشأم من قاشر»؛ فإنّه فحل كان في قبائل سعد بن زيد بن مناة بن تميم، ما طرق إبلا إلّا ماتت. وقيل: المراد به العام المجدب، وسمّي قاشرا لقشره ما على وجه الأرض من النبات.
وأما قولها: «أجبن من صافر»، فقد اختلف في تفسيره، فقال بعضهم: عنّى به كل ما يصفر من الطير، وخصّ بالجبن لكثرة ما يتّقيه من جوارح الجوّ ومصايد الأرض. وقيل: إنّه طائر بعينه؛ إذا جنّه الليل تعلّق ببعض الأغصان، ولم يزل يصفر طول ليلته خوفا على نفسه من أن ينام فيؤخذ. وقيل: إنه الذي يصفر بالمرأة لريبة وهو يجبن وقت صغيره مخافة أن يظهر على أمره. وقيل: إنّ المراد به في المثل المصفور به؛ وهو الّذي ينذر بالصّفير ليهرب، فعلى هذا القول فاعل هنا بمعنى مفعول، كقوله تعالى: مِنْ ماءٍ دافِقٍ [الطارق: ٦] أي مدفوق وكقولهم: راحلة بمعنى مرحولة، وهو كثير في كلامهم، وقد جاء «مفعول» بمعنى «فاعل»، كقوله
стр. 1172
تعالى: حِجاباً مَسْتُوراً [الإسراء: ٤٥]، أي ساترا. وكقوله تعالى: إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا [مريم: ٦١].
وأما قوله: «أطيش من طامر»، فالمراد به البرغوث؛ ويسمّى طامر بن طامر؛ لكثرة وثوبه.
وأما قوله القاضي: «أراكما شنّا وطبقة، وحدأة وبندقة»، فإنه أراد به أن كلّا منكما كفء لصاحبه وقاوم له. ولكل من المثلين تفسير مختلف فيه. أما شنّ وطبقة؛ فإن العلماء مختلفون في معنى قولهم: «وافق شنّ طبقة»، فقال الأكثرون: إنّهما قبيلتان؛ فشنّ هو ابن أفضى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. وطبقة حيّ من إياد؛ وكانت طبقة لا تطاق، فأوقعت بها شنّ، فانقصفت منها.
وقال بعضهم: كان شنّ رجلا من دهاة العرب، وكان ألزم نفسه ألّا يتزوّج إلّا بامرأة تلائمه، فكان يجوب البلاد في ارتياد طلبته، فصاحبه رجل في بعض أسفاره، فلمّا أخذ منهما السّير، قال له شنّ: أتحملني أم أحملك؟ فقال له الرجل: يا جاهل وعلى يحمل الرّاكب الراكب! فأمسك وسارا حتى أتيا على زرع، فقال له شنّ: أترى هذا الزّرع أكل أم لا؟ فقال له: يا جاهل، أما تراه في سنبله! فأمسك إلى أن استقبلتهما جنازة، فقال له شنّ: أترى صاحبها حيّا أم لا؟ فقال: ما رأيت أجهل منك، أتراهم حملوا إلى القبر حيّا! ثمّ إنهما وصلا إلى قرية الرجل، فصار به إلى منزله، وكانت له بنت تسمّى طبقة، فأخذ يطرفها بحديث رفيقه، فقالت له: ما نطق إلا بالصواب، ولا أستفهمك إلا عما يستفهم عن مثله ذوو الألباب. أما قوله: أتحملني أم أحملك، فإن أراد: أتحدّثني أم أحدّثك، حتّى نقطع الطريق بالحديث. وأما قوله: أترى هذا الزرع أكل أم لا؟ فإنه أراد: هل استسلف أربابه ثمنه أم لا! وأمّا استفهامه عن حياة صاحب الجنازة، فإنّه أراد به: فخلّف عقبا يحيا ذكره به أم لا. فلمّا خرج إلى الرّجل حدّثه بتأويل ابنته كلامه، فخطبها إليه، فزوّجه إياها، فلمّا سار بها إلى قومه وخبروا ما فيها من الدّهاء والفطنة قالوا: وافق شنّ طبقة، فسار مثلا.
وحكي عن الأصمعيّ، سئل عن تفسير هذا المثل فقال: أظنّ أنّ الشّن وعاء من أدم كان قد استشنّ، فلمّا اتّخذ له غطاء وافقه، ضرب فيه هذا المثل.
وأمّا حدأة وبندقة؛ فإنّه يقال في المثل المضروب لمن يفزع بعدوّه أو يبلى بنظيره:
حدأ حدأ أو وراءك بندقة؛ وكان الأصل حدأة بإثبات الهاء، فرخّم في النداء وقد اختلف في المراد بهما، فقيل: الحدأة هو الطائر المعروف، وبندقة الرامي.
وقيل: إنهما قبيلتان من سعد العشيرة، فأغارت حدأة- وكانت تنزل بالكوفة- على بندقة، وكانت تنزل باليمن، فنالت منهم، ثمّ كرت بندقة على حدأة فأنحت عليهم.
وروى بعضهم هذا المثل: حدا حدا، غير مهموز، على مثال عصا وقفا، وزعم أنّه اسم القبيلة.
стр. 1173
وأما قوله: «أخطأت استكما الحفرة»؛ فإنّه مثل يضرب لمن يخطئ في مقصده ويضع الشيء في غير موضعه.
وأمّا قوله: «طلسم وطرسم»، فمعنى طلسم كره وجهه، ومعنى طرسم أطرق.
وقوله: «اخرنطم وبرطم» أي غضب وقطّب وجهه.
وقيل: معنى اخرنطم غضب مع تكبّر. ومعنى برطم غضب مع تعبّس.
وأما قوله: «همهم وغمغم» أي لم يبيّن الكلام.
стр. 1174
المقامة الحادية والأربعون وهي التّنّيسيّة
حدّث الحارث بن همّام قال: أطعت دواعي التّصابي، في غلواء شبابي؛ فلم أزل زيرا للغيد، وأذنا للأغاريد؛ إلى أن وافى النّذير، وولّى العيش النّضير؛ فقرمت إلى رشد الانتباه، وندمت على ما فرّطت في جنب الله، ثمّ أخذت في كسح الهنات بالحسنات، وتلافي الهفوات قبل الفوات؛ فملت عن مغاداة الغادات، إلى ملاقاة التّقاة، وعن مقاناة القينات، إلى مداناة أهل الدّيانات، وآليت ألّا أصحب إلّا من نزع عن الغيّ، وفاء منشره إلى الطّي، وإن ألفيت من هو خليع الرّسن، مديد الوسن، أنأيت داري عن داره، وفررت عن عرّه وعاره.
***
أطلعت دواعي التّصابي، يقال: أطعت كذا، وطعت له، أي انقدت. والمطيع:
المنقاد، والتّصابي: التّظاهر بالصّبا والتشاغل به. ودواعيه: ما يدعوه إليه، وغلواء الشباب: أوله وسرعته، أراد: ملت إلى اللهو واللعب في أوّل شبابي، فلمّا أتى الشيب أحببت الرجوع إلى الخير. زيرا: كثير الزيارة. والغيد: جمع غيداء، وهي اللّينة العنق والمفاصل من النّعمة. أذنا للأغاريد، أي كثير الاستماع للغناء، وفلان أذن، إذا كان يستمع من كلّ قائل، ويقبل منه. وافى: أتى، والنّذير: الشيب، لأنه منذر الإنسان بتمام العمر، أي يعلمه. ولّى: رجع وزال. النّضير: الناعم، يريد زمن الشّباب.
ونؤخّر ذكر الشيب، فإنه يؤدّي إلى تغيير شرح المقامة، ونتكلم هنا على ذهاب الشّباب.
[البكاء على ذهاب الشباب]
قال أبو عمرو بن العلاء: ما بكت العرب شيئا ما بكت الشباب، وما بلغت به ما يستحقّه.
الأصمعيّ: من أحسن ألفاظ الشعر المراثي والبكاء على الشباب، قال ابن عباس ﵄: الدنيا العافية، والشباب الصحة.
стр. 1175
ومن ألفاظ أهل العصر: الشّباب باكورة الحياة، وروائح الجنة في الشباب. أطيب العيش أوائله؛ كما أنّ أطيب الثمار بواكرها.
قال الصوليّ: قد أكثر في ذكر الشّباب القدماء وأهل الإسلام. وأجمع الحذّاق بالشعر وتمييز الكلام وألفاظه؛ أنه لم يقل فيه أحسن من قول منصور النّمريّ، ووقع الإجماع عليه، فما ضرّ تأخّره، وهو: [البسيط]
ما تنقضي عبرة منّي ولا جزع ... إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع (١)
بان الشباب وفاتتني مسرّته ... صروف دهر وأيام لها خدع
ما كنت أوفي شبابي كنه غرّته ... حتّى انقضى فإذا الدّنيا له تبع
إن كنت لم تطعمي ثكل الشّباب ولم ... تشجى بغصّته الدّنيا ولا تسع
أبكي شبابا سلبناه وكان ولا ... توفي بقيمته الدّنيا ولا تسع
ما واجه الشّيب من عين وإن رمقت ... إلّا لها نبوة عنه ومرتدع
وقال أبو نواس: [الكامل]
كان الشّباب مطيّة الجهل ... ومحسّن الضّحكات والهزل (٢)
كان الجمال إذا ارتديت به ... وخرجت أخطر صيّت النعل
كان البليغ إذا نطقت به ... وأصاخت الآذان للمملي
كان المشفّع في مآربه ... عند الحسان ومدرك التّبل
والباعثي والنّاس قد رقدوا ... حتى أكون خليفة البعل
وقال جحظة: [السريع]
واها لأيّام الشبا ... ب وما لبسن من الزخارف
وزوالهنّ بما عرف ... ت من المناكر والمعارف
أيام ذكرك في دوا ... وين الصّبا صدر الصحائف
وقال ابن أبي حارثة: [البسيط]
ولّى الشّباب فخلّي العين تنهمل ... فقد الشّباب بفقد الرّوح متّصل
لا تكذبنّ فما الدّنيا بأجمعها ... من الشّباب بيوم واحد بدل
وقال آخر: [الكامل]
شيئان لو بكت الدّماء عليهما ... عيناي حتى تؤذنا بذهاب
стр. 1176
لم أبلغ المعشار من حقّيهما: ... فقد الشّباب وفرقة الأحباب
أعرابي: [الكامل]
يا طيب أيّام الشّباب وعصره ... لو يستعار جديده فيعار
ما كان أقصر ليله ونهاره ... وكذاك أيام السّرور قصار
وقال ابن عبد ربه: [الكامل]
قالوا شبابك قد مضت أيّامه ... بالعيش قلت وقد مضت أيامي
لله أية نعمة كان الصّبا ... لو أنها وصلت بطول دوام
حسر الشّباب قناعه عن رأسه ... وصحا العواذل بعد طول ملام
فكأنّ ذاك العيش ظلّ غمامة ... وكأنّ ذاك اللهو طول منام
وقال أيضا: [الوافر]
صبائي كيف صرت إلى نفاد ... وبدّلت البياض من السّواد
فما أبقى الحوادث منك إلا ... كما أبقت من القمر الدّآدي
فراقك عرّف الأحزان قلبي ... وفرّق بين عيني والرّقاد
زمان كان فيه الرّشد غيّا ... وكان الغيّ فيه من الرّشاد
يقبّلني بدلّ من قتول ... ويسعدني بوصل من سعاد
وأجنبه فيعطيني قيادا ... ويجنبني فأعطيه قيادي
قال الفرزدق: [الكامل]
إنّ الملامة مثل ما بكرت بها ... من تحت ليلتها عليك نوار (١)
قالت: وكيف يميل مثلك للصّبا ... وعليك من سمة الحليم عذار
والشّيب ينهض في الشّباب كأنّه ... ليل يصيح بجانبيه نهار
إنّ الشباب لرابح مبتاعه ... والشّيب ليس لبائعيه تجار
قال إسحاق الموصليّ: قال لي المعتصم: لقد فضحك الشيب في عارضيك، فقلت: نعم يا سيّدي، وبكيت ثم قلت: [المتقارب]
تولّى شبابك إلا قليلا ... وحلّ المشيب فصبرا جميلا
كفى حزنا بفراق الصّبا ... وإن أصبح الشّيب منه بديلا
стр. 1177
فلمّا رأى الغانيات المشي ... ب أغضين دوني طرفا كحيلا
سأندب عهد انقضاء الصّبا ... وأبكي الشّباب بكاء طويلا
وغنّيتها. فبكى المعتصم، وقال: لو قدرت على ردّ شبابك لفعلت ولو بشطر ملكي؛ فلم يكن لكلامه عندي جواب إلّا أنّ قبّلت البساط بين يديه.
وأبكى بيت ورد في فقد الشباب قول أبي الغصن الأسديّ: [الوافر]
أتأمل رجعة الدّنيا سفاها ... وقد صار الشّباب إلى ذهاب
فليت الباكيات بكلّ أرض ... جمعن لنا فنحن على الشّباب
وقال سلامة بن جندل، وهو جاهليّ: [البسيط]
أودى الشّباب حميدا ذو التّعاجيب ... أودى وذلك شأو غير مطلوب (١)
ولّى حثيثا وهذا الشّيب يطلبه ... لو كان يدركه ركض اليعاقيب
أودى الشّباب الّذي مجد عواقبه ... فيه نلذّ ولا لذّات للشيب
وقال سلامة أيضا: [البسيط]
يا خدّ أمسى سواد الرأس خالطه ... شيب القذال اختلاط الصّفو بالكدر (٢)
يا خدّ أمست لبانات الصبا ذهبت ... فلست منها على عين ولا أثر
كان الشباب لحاجات وكنّ له ... فقد فرغت إلى حاجاتي الأخر
وأنشد أبو العيناء: [الكامل]
ما في يديّ من الصّبا ... إلّا الصّبابة والأسف
جاء الشباب فما أقا ... م ولا ألمّ ولا وقف
كان الشّباب كزائر ... ملّ الزيارة وانصرف
والباب لا يحصى كثرة.
قوله: قرمت لكذا، أي اشتدّت شهوتي إليه، وأصله شدّة الشهوة إلى اللحم.
والرّشد والرّشد واحد. فرّطت: ضيّعت، وفرّط في الشيء: قدّم فيه التقصير والعجز، وهو من قولهم: فرط الفارط في طلب الماء، أي تقدّم القوم إليه. وقرئ: يا حَسْرَتَنا
стр. 1178
عَلى ما فَرَّطْنا فِيها [الأنعام: ٣١]، بتخفيف الراء، ومثله: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر: ٥٦]، ومعنى القراءتين التقصير في جنب الله، أي في حقه، وقيل: في أمر الله، وقيل في طاعته.
ابن الأعرابيّ: في قرب الله. الفراء: الجنب: القرب، والجنب معظم الشيء وأكثره، ومنه: هذا قليل في جنب مودّتك. الزجّاج: أي على ما فرّطت في الطريق الذي هو طريق الله الّذي دعاني إليه.
وكسع الهنات، أي طرد القبائح والقاذورات، والهنات، كناية عن الفواحش والأفعال القبيحة، مأخوذ من الهن، وهو الفرج، وكسعها: دفعها وإزالتها، والكسع أي أن تضرب بيدك على دبر الشيء، وكسعتهم بالسيف، إذا اتّبعت أدبارهم، فكأنه أزال القبائح عن نفسه ثم أتبعها بالدّفع والضّرب؛ حتى نفاها بحسناته، والكسع أيضا: أن تضرب الشيء بصدر قدمك وقد كسعته. الأصمعيّ: الكسع: سرعة المرّ، وكسعته بكذا:
جعلته تابعا له.
تلافي: تدارك. الهفوات: السّقطات والزّلّات، وقد هفا الرّجل، إذا فعل المنكر وما يكره. الفوات: الموت. مغاداة: مباكرة، وقد غاداه: أتاه بالغدوّ، والغادات:
النّواعم من النساء، الواحدة غادة، والتقاة: الخائفون، الواحد تقيّ، وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً [آل عمران: ٢٨]، يجوز أن يكون الأتقياء، ويجوز أن يكون مصدرا، وهو أجود القولين: تقيته، واتّقيته تقى وتقيّة وتقا وتقاء، أي حذرته، والاسم التقوى. مقاناة: مخالطة وملازمة، وهي مفاعلة من القينة، وهي الجارية المغنّية، والجمع قينات. مداناة: مقاربة ديانات، هي من الدّين، أراد بها الطاعة. آليت: حلفت. نزع:
زال وكفّ. الغيّ: الضلال. فاء: رجع. منشره: انتشاره في الصّبا واللهو. ألفيت:
وجدت. خليع الرّسن: مسيّب في المعاصي، لا يكفّه عن إتيانها عقل ولا دين، وخلعت رسن الدّابة: تركتها ترعى حيث شاءت سائبة، ومثله خالع العذار، وخلع عذاره، أصله في الدّابّة إذا خلع عذارها فسيّبت، فإن انفلت رسنها الذي تمسكها به ففرّت، قيل: جرّت رسنها، وفلان يجرّ رسنه، وبابه في الاستعارة أنه مسيّب في الشهوات مجاهر بها. مديد الوسن: طويل النّوم، أي فارغ البال من ذكر أو صلاة بالليل أو قراءة. أنأيت: أبعدت.
عرّه: جربه ودائه، يريد أنه حلف ألّا يصاحب إلّا من كفّ عن الصّبا واللهو والنساء، ومتى وجد أهل اللهو والغزل فرّ عنهم وتركهم، وقال الإلبيريّ فأحسن: [مجزوء الكامل]
من حاد عن نهج الهدى ... فأضلّ قصد سبيله
فتوقّ خلّته فدي ... ن المرء دين خليله
وله أيضا: [الوافر]
ألا خبر بمنتزح النّواحي ... أطير إليه مقصوص الجناح
стр. 1179
وأسأله وألطفه عساه ... سيأسو ما بديني من جراح
ويجلو ما دجى من ليل جهلي ... بنور هدى كمنبلج الصّباح
فأبصق في محيّا أم دفر ... وأهجرها وأدفعها براحي
وأصحو من حميّاها وأسلو ... عفافا عن جآذرها الملاح
وأصرف همّتي بالكفّ عنها ... إلى دار السّعادة والنّجاح
***
فلمّا ألقتني الغربة ب تنّيس ، وأحلّتني مسجدها الأنيس، رأيت ذا حلقة ملتحمة، ونظّارة مزدحمة؛ وهو يقول بجأش مكين، ولسان مبين: مسكين ابن آدم وأيّ مسكين! ركن من الدّنيا إلى غير ركين، واستعصم منها بغير مكين، وذبح من حبّها بغير سكّين، يكلف بها لغباوته، ويكلب عليها لشقاوته، ويعتدّ فيها لمفاخرته، ولا يتزوّد منها لآخرته.
أقسم بمن مرج البحرين، ونوّر القمرين، ورفع قدر الحجرين: لو عقل ابن آدم، لما نادم، ولو فكّر فيما قدّم، لبكى الدّم، ولو ذكر المكافآت، لاستدرك ما فات. ولو نظر في المآل، لحسّن قبح الأعمال.
يا عجبا كلّ العجب، لمن يقتحم ذات اللهب، في اكتناز الذّهب، وخزن النّشب، لذوي النّسب. ثمّ من البدع العجيب، أن يعظك وخط المشيب، وتؤذن شمسك بالمغيب، ولست ترى أن تنيب، وتهذّب المعيب.
***
[تنّيس]
تنّيس بلدة كبيرة، وهي جزيرة أحدقت بها بحيرة يتّصل بها النيل، فتعذب عند زيادته ستة أشهر، وتملح ستّة أشهر، ويتّصل بها خليج دمياط، وخليجها ينقسم على شرقيها غربيّها، ويلتقيان فى البحيرة، فيسيرون بسفنهم من دمياط إلى تنّيس؛ دخولهم لها وخروجهم بريح واحدة محكمة. وأهل تنّيس ذوو يسار، وأكثرهم حاكة. وثياب الشروب التي تصنع بها وبدمياط لا يصنع مثلها في الدنيا، وليس في الدنيا طراز كتّان يبلغ الثوب منها دون أن يعين بذهب مائة دينار، غير طراز تنّيس ودمياط، ويكتفي ثوبها بقصّارة يوم واحد في البحيرة فيبيضّ. قال اليعقوبي: مدينة تنّيس يحيط بها البحر الأعظم الملح ولها بحيرة يأتي ماؤها من النّيل، وهي مدينة قديمة بها تعمل الثياب الرفيعة الصّفاق والعصب والبرود والوشي، وبها مرسى المراكب الواردة من الشام والمغرب.
стр. 1180
قوله: ملتحمة، أي منضمة ملتصقة. ذا حلقة: يريد واعظا قد حلّقه الناس والنّظّارة: النّاظرون إليه. جاش: تنفّس. مكين: شديد. مبين: مفصح. أيّ مسكين:
ترحّم عليه لكثرة مسكنته وتعجّب منه. ركن: سكن ولجأ. ركين شديد: قويّ يركن إليه، ورجل ركين، أي وقور بيّن الركانة، والركين: الثابت. مكين: عزيز له مكانة، أي منزلة رفيعة. ذبح من حبّها بغير سكين: إشارة لعذابه فيها ومحنته، لأنّ السّكين تذبح المذبوح من ساعته، ومن يذبح بحجر أو عود أو غير ذلك، فهو في تعذيب.
أبو موسى: قال النبي ﷺ : «من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته، ومن أحبّ آخرته أضر بدنياه، فآثر ما يبقى على ما يفنى» (١).
وقال سفيان بن عيينة: ويلكم يا علماء السوء، لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب فيمرّ ويمسك النّخالة، فكذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم، ويبقى الغلّ في صدوركم، ويحكم! إنّ الذي يخوض النّهر لا بدّ أن يصيب ثوبه الماء وإن جهد ألّا يصيبه، كذلك من يحبّ الدنيا لا ينجو من الخطايا.
يكلف، أي يولع بها ويشتدّ حبّه فيها. غباوته: جهله. يكلب: يشتدّ حرصه، وكلب على الشيء: ألحّ في طلبه، وأصله من الكلب وهو السعر في الكلاب. يعتدّ:
يستعدّ. مرج: خلط، وقيل: أرسلهما وخلّاهما كما تسرح الدابة في مرعاها. والقمرين:
الشمس والقمر، غلّب لفظ القمر لخفّته بالتذكير وإن كانت الشمس أنور، وهي أصل لنور القمر، ولهذا قال المتنبي: [الوافر]
وما التّأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التّذكير فخر للهلال (٢)
أراد أنّ الشمس أنور وأضوأ، فما يضرّها تأنيث اسمها، وما ينفع الهلال تذكير اسمه، وهو ناقص عنها، فلخفّة لفظ القمر غلّب، كما قالوا: العمران لأبي بكر وعمر، وأبو بكر أفضل من عمر باتّفاق من أهل السنّة، فغلّب لفظ عمر لخفّنه بإفراده وقلة حروفه.
[القمر ومما قيل منه]
ومما يحسن موقعه مع قوله: ونوّر القمرين؛ أنّ أعرابيّا أضلّ الطريق فمات جزعا، وأيقن بالهلاك، فلما طلع القمر اهتدى، ووجد الطريق، فرفع إليه رأسه ليشكره، فقال له: والله ما أدري ما أقول لك، ولا ما أقول فيك! أقول: رفعك الله، فالله قد رفعك، أم أقول: نوّرك الله، فالله قد نوّرك، أم أقول: حسّنك الله، فالله قد حسّنك، ولكن ما بقي إلّا الدعاء أن ينسئ الله في أجلك، وأن يجعلني من السوء فداءك.
стр. 1181
وضلّت ناقة لأعرابيّ في ليلة مظلمة، فأكثر في طلبها، فلم يجدها، فلما طلع القمر وانبسط نوره وجدها إلى جانبه ببعض الأودية، وقد كان اجتاز بموضعها مرارا فلم يرها لشدّة الظلام، فرفع رأسه إلى القمر، وقال: [البسيط]
ماذا أقول وقولي فيك ذو خطر ... وقد كفيتني التّفصيل والجملا
إن قلت لا زلت مرفوعا فأنت كذا ... أو قلت زانك ربّي، فهو قد فعلا
ومما قيل في ذمّه: عربد بعض المجّان على القمر، فقال: والله إنك لتفتّت الكتّان، وتغير الألوان، وتصفّر الأسنان، وتخثّر الأبدان، وتسدّد الآذان، وتفضح السّكران، وتظهر الكتمان وتقلق الصبيان، وتبيض الأرجوان، وتلحس الزعفران، وتهزل الحيتان، وتمحق الأدمغة بالنقصان.
وقال ابن المعتز يذمه: [الكامل]
يا سارق الأنوار من شمس الضّحى ... يا مثكلي طيب الكرى ومنغصي
أمّا ضياء الشمس فيك فناقص ... وأرى حرارة نارها لم تنقص
لم يظفر التّشبيه فيك بطائل ... متسلخ لونا كلون الأبرص
قوله: الحجرين، أي الذهب والفضة. وقيل الحجر الأسود ومقام إبراهيم ﵇.
نادم: صاحب، والنّديم الصاحب على الخمر. المكافآت: المجازاة. المآل: المرجع. ذات اللهب: صاحبة النار، يعني جهنّم. يقتحم: يترامى فيها، وهذا من قول رسول الله ﷺ : «إنّي لأخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها، كما تقتحم الفراش والجنادب» (١).
الخزن: الجمع. البدع: الحدث لم يكن ثم كان، وقد ابتدعت الشيء: أحدثته، وسقت الناس إلى فعله. وخط: اختلط، وقد وخط الشيب الشّعر، إذا خالطه وفشا فيه.
وتؤذن: تعلم. شمسك بالمغيب: نفسك بالذهاب. تنيب: ترجع وتتوب. تهذب:
تخلّصه من العيب. والمعيب: الكثير العيب. يرشد: يهدي ويدلّ الطريق.
[الدنيا ومما قيل فيها]
ونذكر هنا شيئا مما قيل في الدّنيا موافقة للحريريّ، ثم نعود إلى ذكر الشيب:
ومن خطبة قطريّ بن الفجاءة في ذم الدنيا:
ألستم في مساكن من كان أطول منكم أعمارا، وأعدّ عديدا، وأوضح آثارا، وأكثر جنودا، وأعدّ عتادا، وأطول عمادا؛ تعبّدوا للدّنيا أيّ تعبّد، وآثروها أيّ إيثار، وظعنوا
стр. 1182
عنها بالكره والصّغار، فهل بلغكم أنّ الدنيا أسمحت لهم نفسا، وأغنت عنهم بحيلة، بل أرهقتهم بالحوادث، وضعضعتهم بالنوائب، ودهمتهم بالمصائب، أرأيتم مكرها بمن دان لها وآثرها، وأخلد إليها، يقول الله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها [هود:
١٥]، إلى قوله: وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [هود: ١٦].
وقال رسول الله ﷺ لأبي هريرة ﵁: «ألا أريك الدنيا جمعاء بما فيها؟
قال: قلت: بلى، فأخذ بيدي، وأتى واديا من أودية المدينة، فإذا مزبلة فيها رءوس الناس وعذرات وخرق، فقال: يا أبا هريرة، هذه الرءوس كانت تحرص حرصكم، وتأمل أملكم، ثم هي اليوم عظام، ثمّ غدا رماد، وهذه العذرات ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبوها فقذفوها في بطونهم، فأصبحت والنّاس يتحامونها، والريح تصفقها، وهذه عظام دوابّهم التي كانوا بها ينتجعون أطراف البلاد، فمن كان باكيا على الدنيا فليبك» فما برحنا، حتى اشتدّ بكاؤنا.
مرّ أبو عثمان الدّباغ، برجل على كنيف، فقال له: إلى هذا انتهت دنيا القوم ..
وقال الشاعر: [الكامل]
ولقد سألت الدار عن أخبارهم ... فتبسّمت عجبا ولم تبدي
حتى مررت على الكنيف فقال لي ... أموالهم ونوالهم عندي
ويروى أنّ عيسى ابن مريم ﵊ مرّ بجمجمة فضربها برجله، وقال: تكلّمي بإذن الله، فقالت: يا روح الله، أنا ملك زمن كذا، فبينما أنا جالس في ملكي، عليّ تاجي، وحولي حشمي وجنودي على سريري، إذ بدا لي ملك الموت وظهر، فزال عنيّ كلّ عضو من موضعه، ثم خرجت إليه نفسي.
ولبعض الزّهاد: [الكامل]
دنيا تخادعني كأ ... نّي لست أعرف حالها
مدّت إليّ يمينها ... فقطعتها، وشمالها
منع الإله حرامها ... وأنا اجتنبت حلالها
ورأيتها محتاجة ... فوهبت جملتها لها
ولبعضهم: [الوافر]
هب الدّنيا تساق إليك عفوا ... أليس مصير ذاك إلى انتقال
وما دنياك إلّا مثل فيء ... أظلّك ثمّ آذن بالزّوال
أبو العتاهية: [البسيط]
يا من ترفّع بالدّنيا وزينتها ... ليس التّرفّع رفع الطّين بالطّين
стр. 1183
إذا أردت شريف القوم كلّهم ... فانظر إلى ملك في زيّ مسكين
أرى أناسا بأدنى الدّين قد قنعوا ... ولا أراهم رضوا في العيش بالدّون
فاستغن بالله عن دنيا الملوك كما اس ... تغنى الملوك بدنياهم عن الدّين
وقال التّهاميّ: [الكامل]
حكم المنيّة في البريّة جاري ... ما هذه الدّنيا بدار قرار (١)
بينا يرى الإنسان فيها مخبرا ... حتى يرى خبرا من الأخبار
طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفوا من الأقذار والأكدار
ومكلّف الأيّام ضدّ طباعها ... متطلّب في الماء جذوة نار
وقال أبو حاتم: إنّما بيني وبين الملوك واحدة؛ أمّا أمس فلا يجدون لذته، وأنا وإيّاهم في غد على وجل، وإنما هو اليوم، فما عسى أن يكون اليوم! أخذه أبو العتاهية فقال: [البسيط]
حتّى متى نحن في الأيّام نحسبها ... وإنما نحن فيها بين يومين (٢)
يوم تولى ويوم نحن نأمله ... لعلّه أجلب الأيام للحين
ولحاتم: [الطويل]
هل الدّهر إلا اليوم أو أمس أو غد ... كذا الدّهر فيما بيننا يتردد
تردّ علينا ليلة بعد يومها ... فلا عمرنا يبقى ولا الدّهر ينفد
وللفقيه الباجي: [المتقارب]
إذا كنت أعلم علما يقينا ... بأنّ جميع حياتي كساعه
فلم لا أكون ضنينا بها ... وأجعلها في صلاح وطاعة!
وله أيضا: [الطويل]
تبلغ من الدّنيا بأيسر زاد ... فإنك عنها راحل لمعاد
وغضّ عن الدّنيا وزخرف أهلها ... جفونك واكحلها بطيب سهاد
وجاهد عن اللّذات نفسك جاهدا ... فإنّ جهاد النّفس خير جهاد
وما هي إلا دار لهو وفتنة ... وإنّ قصارى أهلها لنفاد
وقال آخر: [الوافر]
وما أهل الحياة لنا بأهل ... ولا دار الفناء لنا بدار
стр. 1184
وما أموالنا إلّا عوار ... سيأخذها المعير من المعار
ولأبي العتاهية: [الكامل]
قطعت منك حبائل الآمال ... وحططت عن ظهر المطيّ رحالي
ووجدت برد اليأس بين جوانحي ... فأرحت من حطّي ومن ترحالي
فالآن يا دنيا عرفتك فاذهبي ... يا دار كلّ تنقّل وزوال
والآن صار لي الزمان مؤدّبا ... فغدا وراح عليّ بالأمثال
يا أيّها البطل الّذي هو من غد ... في قبره متفرّق الأوصال
حيل ابن آدم في الأمور كثيرة ... والموت يقطع حيلة المحتال
وللقاضي أبي حفص بن عمران: [المديد]
أيها المغترّ بالزّمن ... في هواه خالع الرّسن
حبّك الدنيا وزينتها ... فتنة عمّتك بالفتن
ظلت والحالات شاهدة ... عاكفا منها على وثن
فاهجرنها إنّ زينتها ... زينة شانت ولم تزن
خدعتك إنها قبحت ... باطنا في ظاهر حسن
واسل عن حرص وعن طمع ... أملا يردي وعن وعن
ولتقدّم ما تسرّ به ... قبل طول البثّ والحزن
فكأنّ أخراك ما برحت ... وكأنّ دنياك لم تكن
***
ثمّ اندفع ينشد، إنشاد من يرشد: [السريع]
يا ويح من أنذره شيبه ... وهو على غيّ الصّبا منكمش
يعشو إلى نار الهوى بعد ما ... أصبح من ضعف القوى يرتعش
ويمتطي اللهو ويعتدّه ... أوطأ ما يفترش المفترش
لم يهب الشّيب الذي ما رأى ... نجومه ذو اللّبّ إلّا دهش
ولا انتهى عمّا ما نهاه النّهى ... عنه ولا بالى بعرض خدش
فذاك إن مات فسحقا له ... وإن يعش عدّ كأن لم يعش
لا خير في محيا امرئ نشره ... كنشر ميت بعد عشر نبش
***
стр. 1185
قوله: يا ويح من أنذره شيبه، ويح كلمة ترحم؛ أنذره: أبلغه وحذّره. غيّ:
ضلال. منكمش: مسرع إليه ملازم له، وقد كمش الرّجل وانكمش في أمره: استمرّ ومضى فيه مسرعا.
ومن قولهم في الشيب
في هذا المعنى ما قال أكثم بن صيفيّ: الشيب عنوان الموت.
وقال العتابيّ: الشّيب نذير الموت.
وقال النّميريّ: هو عنوان الكبر.
قيس بن عاصم: هو خطام المنيّة.
محمود الوراق: الشّيب إحدى الميتتين.
المعتز بن سليمان: الشيب موت الشّعر، وموت الشّعر علّة لموت البشر.
أعرابيّ: كنت أنكر السوداء، فيا خير مبدول ويا شرّ بدل! أخذه حبيب فقال:
[الخفيف]
شاب رأسي وما رأيت مشيب الرّأ ... س إلّا من فضل شيب الفؤاد (١)
وكذاك الرءوس من كلّ بؤس ... ونعيم طلائع الأجساد
طال إنكاري البياض وإن عمّ ... رت شيئا أنكرت لون السّواد
زارني شخصه بطلعة ضيم ... عمّرت مجلسي من العوّاد
قيل للنبي ﷺ : عجّل عليك الشيب يا رسول الله، فقال: «شيّبتني هود وأخواتها» (٢).
وقيل لعبد الملك: عجّل عليك الشيب يا أمير المؤمنين، فقال شيّبني ارتقاء المنابر وتوقّع اللحن.
وقيل لشاعر: عجّل عليك الشيب فقال: كيف لا، وأنا أعصر قلبي في عمل لا يرجى ثوابه، ولا يؤمن عقابه.
وقال محمود الوراق ﵀: [المتقارب]
بكيت لقرب الأجل ... وبعد فوات الأمل
ووافد شيب طرا ... بعقب شباب رحل
شباب كأن لم يكن ... وشبب كأن لم يزل
стр. 1186
وقال حبيب: [الطويل]
غدا الشّيب مختطّا بفوديّ خطّة ... طريق الرّدى منها إلى النّفس مهيع (١)
هو الزور يجفى والمعاشر يجتوى ... وذو الإلف يقلى والجديد يرقّع
له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنّه في القلب أسود أسفع
ونحن نرجّيه على السخط والرضا ... وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع
وقال ابن عبد ربه: [الوافر]
شباب المرء تنفده اللّيالي ... وإن كانت تصير إلى نفاد
فأسوده يعود إلى بياض ... وأبيضه يعود إلى سواد
أخذ هذا من قول المستوغر بن ربيعة حين دخل على معاوية، وهو ابن ثلاثمائة سنة، فقال: كيف تجدك يا مستوغر؟ قال: أجدني قد لان منّي ما كنت أحبّ أن يشتدّ، وابيضّ منّي ما كنت أحبّ أن يسودّ.
وقال ابن عبد ربه: [البسيط]
أطلال لهوك قد أقوت مغانيها ... لم يبق من رسمها إلا أثافيها
هذي المفارق قد قامت شواهدها ... على فنائك والدّنيا تزكّيها
للموت سفتجة فيها معنونة ... لم يبق للموت إلا أن يسجّيها
***
قوله: يعشو، أي ينظر ببصر ضعيف. يمتطي: يركب. يعتدّه: يحسبه. المفترش:
المضطجع على الفراش، يريد أنه يركب اللهو فيلتذّه ويجده وطيئا. يهب: يخف. اللّب:
العقل: دهش: تحيّر. النّهى: جمع نهية، وهي العقل ينهى عن القبيح، وينتهي به إلى حسن الرأي في الأمور، ويقال: نهاه عن ذلك نهاه، أي عقله.
وأنشد أبو طاهر السّلفيّ، قال: أنشدني القاضي أبو محمد بن الحسن بن نصر بن مرهف النّهاونديّ، قال: أنشدني الأديب المدنيّ لنفسه في نفسه: [الخفيف]
لي على النّاس فضل نظم ونثر ... من أباه هجوته وأباه
وإذا ما أتى صفعت قفاه ... وقفا من أعانه وقفاه
رحم الله من أراد محالا ... فنهاه عن المحال نهاه
قوله: خدش، أي ذمّ وسبّ، وأصل الخدش الأثر في الجلد، ثم اتّسع فيه، فجعل للعرض. سحقا: بعدا، والنّشر: الرّيح؛ طيّبة كانت أو خبيثة. نبش: أخرج، وكل مدفون
стр. 1187
أخرجته فقد نبشته. وأخذ هذا البيت من قول ابن المعتز: [الطويل]
تبحّثت عن آثاره فكأنّما ... نبشت عليه بعد ثالثة الدّفن
وله: [الكامل]
أثني عليك بمثل ريحك ميّتا ... في عقب يوم تزفّك الأعواد
وأخذ هذا وهذا من قول عمر بن عبد العزيز: لو رأيتني بعد ثالثة! وتقدّم في الحادية عشرة [السريع]
وحبّذا من عرضه طيّب ... يروق حسنا مثل برد رقش
فقل لمن قد شاكه ذنبه: ... هلكت يا مسكين أو تنتقش
فأخلص التّوبة تطمس بها ... من الخطايا السّود ما قد نقش
وعاشر النّاس بخلق رضا ... ودار من طاش ومن لم يطش
ورش جناح الحرّ إن حصّه ... زمانه، لا كان من لم يرش
وأنجد الموتور ظلما فإن ... عجزت عن إنجاده فاستجش
وانعش إذا ناداك ذو كبوة ... عساك في الحشر به تنتعش
وهاك كأس النّصح فاشرب وجد ... بفضلة الكأس على من عطش
***
يروق: يعجب: برد: ثوب. رقش: رقم وزيّن، تقول: رقشت يد المرأة بالحنّاء والحائط بالأصباغ والقرطاس بالمداد، وشبه هذا شاكه ذنبه، يقال: شاكه يشوكه، إذا دخل فيه شوكة، قال الشاعر: [الكامل]
لا تنقشنّ برجل غيرك شوكة ... فتقي برجلك رجل من قد شاكها (١)
فشاكها، أدخل فيها الشوك، وشاكته الشوكة: دخلت فيه، وشكته أنا، إذا أدخلت الشوكة في جسمه، فإن أصابك الشّوك قلت: شاكني الشّوك يشوكني شوكا. وانتقشت حقّي من فلان، إذا استخرجته ولم تترك منه شيئا.
وقال ﷺ : «وإن شيك فلا انتقش» (٢)، فشيك أصابه الشوك ومعناه إذا وقع في شرّ فلا يخلص منه.
تنتقش: تخرج الشّوكة وتبحث عليها، وأو بمعنى إلّا. والمناقشة: البحث والاستقصاء، ومنه مناقشة الحساب، وبذلك سمي المنقاش، وقال ابن الرومي: [الطويل]
стр. 1188
إذا رمت بالمنقاش نتف أشاهبي ... أتيح لها من بينهنّ الأباهم
يراوغ منقاشي نجوم مسايحي ... وهنّ بعيني طالعات نواجم
تطمس: تمحو. ونقش: كتب، والنّقش يستعمل في مثل الخشب والحائط والصّخر، والنّقش: الفتح والتأثير في نفس المنقوش. وقال الإلبيريّ في معنى هذا البيت: [الكامل]
من ليس يسعى في الخلاص لنفسه ... كانت سعايته عليها، لا لها
إنّ الذنوب بتوبة تمحى كما ... يمحو سجود السّهو غفلة من سها
قوله: عاشر، أي صاحب. دار: عامله بما يحبّ، وامش على غرضه طاش: خفّ عقله، ورجل طيّاش غير مقتصد في قوله، وهو من طاش السهم، إذا لم يصب ووقع على غير قصد، ومثله قول أعرابيّ لبنيه: عاشروا النّاس معاشرة إذا غبتم حنّوا إليكم، وإن متّم بكوا عليكم؛ وهذا من قول الشاعر: [الطويل]
وأكرم كريما إن أتاك لحاجة ... لفاقته إن العضاة تروح (١)
وقال الأضبط بن قريع: [المنسرح]
لا تهين الفقير علّك أن ... تركع يوما والدّهر قد رفعه (٢)
رش الجناح: اكسه الريش، والمعنى أصلح حال الحرّ إذا افتقر. حصّه: نتفه.
أنجد: قوّ وأعن، والموتور: المظلوم الّذي قتل له أخ أو ولد أو نسيب. استجش: اجمع جيشا، والمعنى: إذا لم تقدر على إعانة مظلوم، فتوسّط لمن يعينه. انعش: ارفع. كبوة:
سقطة وعثرة. تنتعش: ترتفع وتقوم من عثرتك. هاك: خذ، والمعنى خذ كأس النصيحة فاشربها فإذا رويت فاسق غيرك. ولا يقال كأس إلّا إذا كان فيها شراب.
***
قال: فلمّا فرغ من مبكياته، وقضى إنشاد أبياته، نهض صبيّ قد شدن، وأعرى البدن، وقال: يا ذوي الحصاة، والإنصات إلى الوصاة، قد وعيتم الإنشاد، وفقهتم الإرشاد، فمن نوى منكم أن يقبل، ويصلح المستقبل، فليبن ببرّي عن نيّته، ولا يعدل عنّي بعطيّته؛ فو الذي يعلم الأسرار، ويغفر الإصرار؛ إنّ سرّي لكما
стр. 1189
ترون، وإنّ وجهي ليستوجب الصّون؛ فأعينوني رزقتم العون.
قال: فأخذ الشّيخ فيما يعطف عليه القلوب؛ ويسنّي له المطلوب؛ حتّى أنبط حفره، واعشوشب قفره. فلمّا أن ترع الكيس؛ انصلت يميس، ويحمد تنّيس، ولم يحل للشّيخ المقام، بعد ما انصاع الغلام. فاسترفع الأيدي بالدّعاء، ثمّ نحا نحو الانكفاء.
***
قوله: قضى، أي أتمّ. نهض: قام وتقدّم. شدن: اشتدّ وقوي، وأصله في الظّبي والصبيّ، تقول: شدن الظبيّ، إذا اشتدّ وترعرع، وكذلك الصبيّ قال عمر بن أبي ربيعة:
[البسيط]
إذ تستبيك بمصقول عوارضه ... ومقلتي جؤذر لم يعد أن شدنا (١)
أراد أنّه ترعرع للمشي والرّعي. أعرى البدن: تركه عريانا. ذوي الحصاة: أهل العقول: والإنصات: السكوت وحسن الاستماع، والوصاة، بمعنى الوصيّة كالتقاة بمعنى التقيّة، وأصلها «وقيّة» قلبت الواو تاء والياء ألفا، والواو إذا انضمّت في أول الكلمة كنت بالخيار، إن شئت تركتها، وإن شئت قلبتها، ولهذا تركت في الوصاة. وقيل الوصاة بفتح الواو في الوصيّة، وبضمّها جمع واص كراع ورعاة، وعيتم: حفظتم. فقهتم: فهمتم الإرشاد: الهداية: أي قد فهمتم ما دللتم عليه من الخير فافعلوا. نوى: قصد وأضمر، وهو من النيّة، وأراد بالمستقبل، ما يستقبله من أفعاله. فليبن: فليفصح ويبيّن. ببرّي:
بإكرامي. عن نيّته: عن قصده وصدق باطنه. يعدل: يمل. الإصرار: الإقامة على الذنب، سرّي لكما ترون، أي هو ظاهر لكم غير مستتر. الصّون: الحوطة فيما يعطف عليه القلوب، يريد أنه أخذ في كلام تحنّ به للصبيّ قلوب الناس. يسنّي: يسهل وييسّر.
أنبط: أخرج الماء. القفر: ما لا نبات فيه. اعشوشب تغطّى بالعشب، يريد أنه استغنى بعد الفقر، وضرب بأنبط واعشوشب المثل. ترع: امتلأ، والكيس: وعاء الدراهم انصلت: تسلّل وخرج بسهولة. يميس: يتمايل ويتبختر. انصاع: ذهب مسرعا وانفتل راجعا. استرفع: طلب رفعها. نحا نحو الانكفاء، أي قصد قصد الانصراف.
***
قال الرّاوي: فارتحت إلى أن أعجمه، وأحلّ مترجمه، فتبعته وهو يشتدّ في سمته، ولا يفتق رتق صمته؛ فلمّا أمن المفاجي، وأمكن التناجي، لفت جيده إليّ،
стр. 1190
وسلّم تسليم البشاشة عليّ، ثم قال: أراقك ذكاء ذاك الشّويدن؟ فقلت: إي والمؤمن المهيمن؛ قال: إنّه فتى السّروجيّ، ومخرج الدّرّ من اللجّيّ. فقلت: إنّك لشجرة ثمرته، وشواظ شررته. فصدّق كهانتي، واستحسن إبانتي. ثمّ قال: هل لك في ابتدار البيت؛ لنتنازع كأس الكميت؟ فقلت له: ويحك! أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: ٤٤]، فافترّ افترار متضاحك، ومرّ غير مماحك.
ثمّ بدا له أن تراجع إليّ، وقال: احفظها عنّي وعليّ: [السريع]
اصرف بصرف الرّاح عنك الأسى ... وروّح القلب ولا تكتئب
وقل لمن لامك فيما به ... تدفع عنك الهمّ: قدك اتّأب
قوله: ارتحت، أي اشتهيت وطربت. أعجمه: أخبره. مترجمه: ملتبسه. يشتد:
يجري. سمته: طريقه. يفتق رتق: يشقّ غلق. صمته: مبهم أمره والفتق: الخرق، والرّتق: الإغلاق، وهو ضدّه، وذلك أن يضمّ المتخرّق بعضه إلى بعض. التّناجي:
التّحادث. لفت جيده: عطف عنقه. البشاشة: الخفّة وإبداء السرور. أراقك؟ : أأعجبك؟
ذكاء: حذق، والذّكاء: توقّد الذهن. الشّويدن: تصغير شادن، وأراد ابنه. والمؤمن المهيمن، هو الله تعالى، والإيمان: التصديق. وقال أبو بكر بن العربي: البارئ تعالى مؤمن بتصديقه لنفسه بقوله، وذلك حقيقته، قال الله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران: ١٨]، أو بتصديقه لرسله بإظهار المعجزة، أو لأوليائه بإظهار الكرامة، وهما مجازان، والمهيمن: الرقيب الحافظ.
الكسائي: المهيمن: الشهيد. أبو عبيدة: الرقيب، وقد هيمن هيمنة. ابن الأنباري:
القائم على خلقه، قال الشاعر: [الطويل]
ألا إنّ خير الناس بعد نبيهم ... مهيمنه التّاليه في العرف والنّكر (١)
أي القائم على الناس بعده، وأصله «مؤيمن» فأبدلوا من الهمزة هاء كما قالوا:
أرقت وهرقت. وفي مثل مدح هذا الغلام بالذكاء قال الفضل بن جعفر: [الطويل]
فإن خلّفته السنّ فالعقل بالغ ... به رتبة الكهل المرشّح للمجد
فقد كان يحيى أوتي الحكم قبله ... صبيّا وعيسى كلم النّاس في المهد
وقال البحتريّ: [البسيط]
لا تنظرنّ إلى العبّاس من صغر ... في السنّ وانظر إلى المجد الّذي شادا (٢)
стр. 1191
إنّ النّجوم نجوم الجوّ أحقرها ... في العين أكثرها في الجوّ إصعادا
[من نوادر الولدان]
ولمّا ذكر لهذا الصبيّ من فصاحة اللسان وبراعة البيان ما ذكر، وجب علينا أن نذكر من نوادر الولدان فصلا كافيا يؤنس بما ذكر، لئلا نخلّ بما شرطناه، فقد تروى للولدان نوادر، ربما عجزت عنها الكهول ذوو البصائر.
حكى الخطّابيّ أنه قدم على عمر بن عبد العزيز وفد فيهم شاب، فتحوّس للكلام، فقال عمر: كبّروا كبّروا، أي ليتكلّم الكبراء منكم، فقال: الغلام يا أمير المؤمنين، لو كان [الأمر] بالسنّ لكان في المسلمين من هو أسنّ منك.
قال عمر: صدقت! تكلّم.
فتحوّس: فتهيّأ للكلام.
وفي رواية: قدم وفد الحجاز على عمر فقدّموا غلاما منهم للكلام، فقال عمر:
مهلا، ليتكلّم من هو أسنّ منك، فقال الغلام: مهلا يا أمير المؤمنين، إنّما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا منح الله العبد لسانا لافظا وقلبا حافظا فقد أجاد له الحلية.
قال: تكلّم، قال: نحن وفود الشكر، لا وفود المرزئة، لم تقدمنا إليك رغبة ولا رهبة، لأنّا أمنّا في زمانك ما خفنا، وأدركنا ما طلبنا.
ودخل محمد بن عبد الملك بن صالح على المأمون حين قبضت ضياعهم وهو غلام صغير، فقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين، محمد بن عبد الملك، سليل نعمتك وابن دولتك، وغصن من أغصان دوحتك؛ أفتأذن لي في الكلام؟ قال: نعم. فحمد الله تعالى وصلّى على نبيه، ثم قال: أمتعنا الله بحياطة ديننا ودنيانا، ورعاية أقصانا وأدنانا، ببقائك يا أمير المؤمنين، ونسأله أن يزيد في عمرك من أعمارنا، وفي أثرك من آثارنا، ويقيك الأذى بأسماعنا وأبصارنا، هذا مقام العائذ بظلّك، الهارب إلى كنفك وفضلك، الفقير إلى رحمتك وعدلك. ثم سأل حوائجه فقضاها.
وقحطت البادية أيام هشام بن عبد الملك؛ فوفد عليه رءوس القبائل فجلس لهم، وفيهم صبيّ، ابن أربع عشرة سنة، يسمّى درواس بن حبيب، في رأسه ذؤابة، وعليه بردة يمانية. فاستصغره هشام وقال لحاجبه: ما يشاء أحد أن يصل إلينا إلا وصل، حتى الصبيان! فقال درواس: يا أمير المؤمنين، إنّ دخولي لم يخلّ بك ولا انتقصك، ولكنّه شرّفني، وإن هؤلاء قدموا لأمر فهابوك دونه، وإن الكلام نشر، والسكوت طيّ لا يعرف إلا بنشره؛ فأعجبه كلامه، وقال: انشر لا أمّ لك! فقال: إنا أصابتنا سنون ثلاثة، فسنة أكلت اللحم، وسنة أذابت الشحم، وسنة أنقت العظم (١)، وفي أيديكم فضول أموال،
стр. 1192
فإن كانت لله ففرّقوها على عباده، وإن كانت لهم فلا تحتبسوها عنهم، وإن كانت لكم فتصدّقوا بها عليهم؛ فإن الله يجزي المتصدّقين، ولا يضيع أجر المحسنين؛ وإنّ الوالي من الرعيّة كالروح من الجسد، لا حياة له إلا به.
فقال هشام: ما ترك الغلام في واحدة من الثلاث عذرا، وأمر بمائة ألف دينار ففرّقت في أهل البادية، وأمر له بمائة ألف درهم: فقال: ارددها في جائزة العرب، فما لي حاجة في خاصّة نفسي دون عامّة المسلمين.
أحمد بن يحيى: حدّثني السدريّ أن نميرا غزت حنيفة فغنمت، وتبعتهم حنيفة فهزموهم، وردّوا غنائمهم، فلقيت غلاما منهم، فقلت: كيف صنع قومك؟ فقال:
تبعوهم والله، وقد أحقبوا كل جمالية خيفانة، فما زالوا يخصفون أخفاف المطيّ بحوافر الخيل حتى لحقوهم بعد ثالثة. فجعلوا المرّان أرشية الموت، فاستقوا بها أرواحهم.
وهذا كلام فصيح كثير الاستعارة. أحقبوا: أردفوا بموضع الحقيبة، والجمالية المرأة الجميلة: وخصف: خرز، وتشبيه المرّان- وهي الأرماح- بالأرشية وهي الحبال حسن.
وجلس خالد القسريّ يوما للشعراء على الفرات، فأنشدوه وأخذوا الجوائز وانصرفوا، ولم يبق إلّا غلام، فقال خالد: يا غلام، أشاعر أنت؟ قال: لا ولكني متعلّم، وقد قلت شيئا، قال: هات، فأنشأ يقول: [الطويل]
ألا هل ترى موج الفرات كأنّه ... جبال سرور قد أتينك عوّما
وما ذاك من عاداته غير أنه ... رأى شيمة من جاره فتعلّما
وكان بقي على البساط فضلة مال، فقال له خالد: اطو البساط بما عليه، فأخذه الغلام بما عليه.
ورأى بعض الملوك غلاما يسوق حمارا، وهو يعنف عليه، فقال: ارفق يا غلام، فقال: أيها الملك، في الرفق مضرّة عليه، قال: وما مضرّته؟ قال: يطول طريقه، ويشتدّ جوعه، وفي العنف عليه إحسان إليه، يخفّ حمله، ويطول أكله. فأعجب به، وقال: قد أمرت لك بألف درهم، قال: رزق مقدور، وواهب مأجور. قال: وقد أمرت بإثبات اسمك في حشمي، قال: كفيت مئونة، ورزقت بها معونة، قال: لولا صغرك لاستوزرتك، قال: لم يعدم الفضل من رزق العقل، قال: أفتصلح لذلك؟ قال: إنما يكون الحمد أو الذمّ بعد التجربة، ولا يعرف الإنسان نفسه حتى يبلوها، فاستوزره فوجده ذا رأي صائب.
دخل الفرزدق- وهو غلام يافع- على سعيد بن العاص، وقد أنشد أشعارا والحطيئة حاضر فأنشده: [الوافر]
стр. 1193
ترى الغرّ الجحاجح من قريش ... إذا ما الأمر في الحدثان عالا (١)
قياما ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به الهلالا
فقال الحطيئة: هذا والله الشعر، لا ما تعلّل به نفسك هذا اليوم، يا غلام أدركت من قبلك، وسبقت من بعدك، وإن طال عمرك لتبرّزن، ثم قال له: هل أنجدت أمّك يا غلام، قال: لا بل أنجد أبي، فوجده لقنا حاضر الجواب فأعجبه.
وكان للفرزدق نديم يسمى زيادا الأقطع، فأتى بابه، فخرجت له بنيّة له صغيرة اسمها مكية، فقال لها: ابنة من أنت؟ قالت: ابنة الفرزدق، قال: فما بالك حبشيّة؟
قالت: فما بال يدك مقطوعة؟ قال: قطعت في حرب الحرورية، قالت: بل قطعت في اللصوصية، فقال: عليك وعلى أبيك لعنة الله، ثم أخبر الفرزدق بالخبر، فقال: أشهد أنها ابنتي حقا، ثم قال: [الرجز]
سام إذا ما كنت محميّه ... بدارميّ أمّه ضبّيّه
* صمحمح مثل أبي مكّيّه (٢) *
وقرع باب عديّ بن الرقاع جماعة من الشعراء، فخرجت إليهم بنيّة له صغيرة فقالت: ما تريدون من أبي؟ فقالوا: جئنا لنهاجيه، فقالت: [الطويل]
تجمّعتم من كلّ أوب ووجهة ... على واحد لا زلتم قرن واحد (٣)
فأفحمتهم، ورجعوا بأخزى حالة.
وقال معاوية لعمرو بن سعيد وهو صغير: إلى من أوصى بك أبوك؟ فقال: إنّ أبي أوصى إليّ ولم يوص بي. أخذه بعضهم فقال: [المتقارب]
وكنت النجيب لدى ناجلي ... فأوصى إليّ ولم يوص بي
قال يحيى بن يزيد: استنشدت غلاما، فأنشدني أرجوزة، فقلت: لمن هذه؟ فقال:
لي. فزجزته فأنشأ يقول: [الرجز]
إني وإن كنت صغير السّنّ ... وكان في العين نبوّ عنّي
стр. 1194
فإنّ شيطاني أمير الجنّ ... يذهب بي في القول كلّ فنّ
الأصمعيّ ﵀: قال وقف عليّ غلام بحمى ضريّة، ما ظننته يجمع بين كلمتين، فقلت: له: ما اسمك؟ قال: حريقيص، فقلت له: ما كفى أهلك أن سمّوك حرقوصا حتى صغروا اسمك! فقال: إن السّقط ليحرق الحرجة، فعجبت من جوابه.
فقلت: أتنشد شيئا من أشعار قومك؟ قال: نعم أنشد لمرّارنا: [الكامل]
سكنوا شبيثا والأحصّ فأصبحت ... نزلت منازلهم بنو ذبيان
وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا ... حتى تقيم الخيل سوق طعان
وإذا فلان مات عن أكرومة ... رفعوا معاوز فقره لفلان
قال: فكادت الأرض تسوخ لحسن إنشاده وجودة الشعر، فحدّثت الرشيد الحديث فقال: وددت يا أصمعيّ لو رأيت هذا الغلام، فكنت أبلغه أعلى المراتب. فهذا الغلام سمّي بحقير مصغّر، وهو في معناه جليل معظّم.
وينظر إلى هذا من باب الضدّ ما حدّث أبو العباس عن الرياشيّ عن الأصمعيّ، قال: مرّ بنا أعرابيّ، وهو ينشد ابنا له، فقلت له: صفه، فقال: ديمري، فقلنا: لم نره، فلم نلبث أن جاء بجعل على عنقه، فقلنا له: لو سألت عن هذا لأرشدناك، ما زال هذا اليوم بين أيدينا.
الأصمعيّ: قيل لأبي المخشّ: أما كان لك ابن؟ فقال: المخشّ، قيل: وما كان المخشّ؟ قال: أشدق خرطمانيّا، إذا تكلّم سال لعابه، كأنما ينظر من فلسين، وكأنّ ترقوته بوان أو خالفة، وكأن مشاش منكبيه كركرة جمل؛ فقأ الله عينيّ هاتين إن كنت رأيت أحسن منه قبله أو بعده، وأنشد: [المنسرح]
نعم ضجيع الفتى إذا برد اللي ... ل سحيرا وقرقف الصّرد
زيّنها الله في الفؤاد كما ... زيّن في عين والد ولد
وقال أبو المخشّ: كانت لي ابنة تجلس معي على المائدة فتبرز كفّا كأنها طلعة، في ذراع كأنّها جمارة، فلا تقع عينها على أكلة نفيسة إلّا خصّتني بها، فزوّجتها، وصار يجلس معي على المائدة ابن لي، فيبرز كفّا كأنّها الكرنافة، في ذراع كأنها سباطة، فلا تقع عيني على أكلة نفيسة إلا سبقت يده إليها قبلي.
المخشّ: الذي ينخشّ في القوم، يدخل معهم وهم يأكلون، وأراد بمثل الفلسين عور عينيه. وقيل حفرتهما. خرطمانيّا: طويل الأنف، وسيلان اللعاب يدلّ على قوة النفس. البوان: عمود في مقدّم البيت، والكرنافة: طرف الكرب العريض المتّصل بالنخلة كأنها كتف.
اليزيديّ: أوّل ما ظهر من نجابة المأمون وسداده أني كنت أؤدّبه فوجّهت إليه يوما
стр. 1195
ليخرج، فأبطأ، فقلت لسعيد الجوهريّ وهو في حجرة: إن هذا الفتى قد اشتغل بالبطالة، فقال سعيد: قوّمه بالأدب، فلما خرج ضربته ثلاث درر، فإنه ليبكي إذا بجعفر بن يحيى قد استأذن عليه، فوثب إلى فراشه مسرعا، وهو يمسح عينيه، فجلس ثم قال: ليدخل، فدخل، فقمت من المجلس وخشيت أن يشكوني إلى جعفر، فألقى منه ما أكره، فأقبل عليه بوجه طلق وحادثه وضاحكه، فلما همّ بالحركة قال: يا غلام، دابّته، ورجعت.
فقال: ما حملك أن قمت عنا! فقلت: خفت أن تشكوني إليه فيوبّخني، فقال: إنا لله يا أبا محمد! ما كنت أطلع الرشيد على هذا، فكيف أطلع جعفرا على أني أحتاج إلى أدب! يغفر الله لك. فكنت أهابه بعد ذلك.
وشكي إلى معلم عبد الرحمن بن حسان بصبيان، فضربهم حتى انتهى إلى عبد الرحمن، فهدّده فقال: [البسيط]
الله يعلم أنّي كنت معتزلا ... في دار حسّان أصطاد اليعاسيبا
فتركه. وبلغ حسان، فضمّه إليه وقال: أنت والله ابني حقّا فداك أبي وأمي! .
ودخل عليه يوما يبكي من لسعة زنبور، فقال له: ما يبكيك؟ فقال: لسعني طائر كأنه ملتفّ في بردى حبرة، فقال: قلت والله يا بنيّ الشعر.
وجاءت سكينة بنت الحسين أمّها الرباب وهي تبكي، فقالت: ما لك؟ فقالت:
سربت بي طويرة فلسعتني بأبيرة.
ويروى: مرّت بي دبيرة، تصغير دبرة وهي النحلة.
***
قوله: اللجيّ: البحر. شواظ: لهب النار. والكهانة: بالكسر: حرفة الكاهن، وبالفتح فعل الكاهن، وهو المصدر، والكاهن: المخبر بالغيب.
وافترّ: تبسّم. متضاحك: مستعمل الضحك. مماحك: لجوج، أي مشى غير غاضب.
احفظها عني، أي حصّلها وعها. وعليّ، أي اكتمها واسترها، وقامت الواو مقام تكرير الفعل. اصرف: أزل ونحّ. صرف الراح: خالص الخمر الأسى: الحزن. تكتئب:
تهتم وتحزن. قدك: حسبك. اتّأب: ارتجع وكفّ وقيل: معناه استحي، يقال منه: وأب واتّأب، أي خزي واستحيا والإبة والمؤبة: الخزي والحياء والانقباض، وأوأبه واستآبه:
ردّه بخزي وعار، والتاء فيها مبدلة من واو، فأصل اتّأب أوتأب فأبدلت الواو تاء وأدغمت في التاء بعدها، وهي من وأب الحافر يئب وأبا إذا انضم. وحافر وأب، أي خفيف، والتؤبة مأخوذة من أتأب: وقال حبيب: [الكامل]
قدك اتّأب أربيت في الغلوا ... كم تعذلون وأنتم شجوى