← Адаб

Адаб · id 760

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

إنّ النّجوم نجوم الجوّ أحقرها ... في العين أكثرها في الجوّ إصعادا [من نوادر الولدان] ولمّا ذكر لهذا الصبيّ من فصاحة اللسان وبراعة البيان ما ذكر، وجب علينا أن نذكر من نوادر الولدان فصلا كافيا يؤنس بما ذكر، لئلا نخلّ بما شرطناه، فقد تروى للولدان نوادر، ربما عجزت عنها الكهول ذوو البصائر. حكى الخطّابيّ أنه قدم على عمر بن عبد العزيز وفد فيهم شاب، فتحوّس للكلام، فقال عمر: كبّروا كبّروا، أي ليتكلّم الكبراء منكم، فقال: الغلام يا أمير المؤمنين، لو كان [الأمر] بالسنّ لكان في المسلمين من هو أسنّ منك. قال عمر: صدقت! تكلّم. فتحوّس: فتهيّأ للكلام. وفي رواية: قدم وفد الحجاز على عمر فقدّموا غلاما منهم للكلام، فقال عمر: مهلا، ليتكلّم من هو أسنّ منك، فقال الغلام: مهلا يا أمير المؤمنين، إنّما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا منح الله العبد لسانا لافظا وقلبا حافظا فقد أجاد له الحلية. قال: تكلّم، قال: نحن وفود الشكر، لا وفود المرزئة، لم تقدمنا إليك رغبة ولا رهبة، لأنّا أمنّا في زمانك ما خفنا، وأدركنا ما طلبنا. ودخل محمد بن عبد الملك بن صالح على المأمون حين قبضت ضياعهم وهو غلام صغير، فقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين، محمد بن عبد الملك، سليل نعمتك وابن دولتك، وغصن من أغصان دوحتك؛ أفتأذن لي في الكلام؟ قال: نعم. فحمد الله تعالى وصلّى على نبيه، ثم قال: أمتعنا الله بحياطة ديننا ودنيانا، ورعاية أقصانا وأدنانا، ببقائك يا أمير المؤمنين، ونسأله أن يزيد في عمرك من أعمارنا، وفي أثرك من آثارنا، ويقيك الأذى بأسماعنا وأبصارنا، هذا مقام العائذ بظلّك، الهارب إلى كنفك وفضلك، الفقير إلى رحمتك وعدلك. ثم سأل حوائجه فقضاها. وقحطت البادية أيام هشام بن عبد الملك؛ فوفد عليه رءوس القبائل فجلس لهم، وفيهم صبيّ، ابن أربع عشرة سنة، يسمّى درواس بن حبيب، في رأسه ذؤابة، وعليه بردة يمانية. فاستصغره هشام وقال لحاجبه: ما يشاء أحد أن يصل إلينا إلا وصل، حتى الصبيان! فقال درواس: يا أمير المؤمنين، إنّ دخولي لم يخلّ بك ولا انتقصك، ولكنّه شرّفني، وإن هؤلاء قدموا لأمر فهابوك دونه، وإن الكلام نشر، والسكوت طيّ لا يعرف إلا بنشره؛ فأعجبه كلامه، وقال: انشر لا أمّ لك! فقال: إنا أصابتنا سنون ثلاثة، فسنة أكلت اللحم، وسنة أذابت الشحم، وسنة أنقت العظم (١)، وفي أيديكم فضول أموال،

стр. 1192

فإن كانت لله ففرّقوها على عباده، وإن كانت لهم فلا تحتبسوها عنهم، وإن كانت لكم فتصدّقوا بها عليهم؛ فإن الله يجزي المتصدّقين، ولا يضيع أجر المحسنين؛ وإنّ الوالي من الرعيّة كالروح من الجسد، لا حياة له إلا به. فقال هشام: ما ترك الغلام في واحدة من الثلاث عذرا، وأمر بمائة ألف دينار ففرّقت في أهل البادية، وأمر له بمائة ألف درهم: فقال: ارددها في جائزة العرب، فما لي حاجة في خاصّة نفسي دون عامّة المسلمين. أحمد بن يحيى: حدّثني السدريّ أن نميرا غزت حنيفة فغنمت، وتبعتهم حنيفة فهزموهم، وردّوا غنائمهم، فلقيت غلاما منهم، فقلت: كيف صنع قومك؟ فقال: تبعوهم والله، وقد أحقبوا كل جمالية خيفانة، فما زالوا يخصفون أخفاف المطيّ بحوافر الخيل حتى لحقوهم بعد ثالثة. فجعلوا المرّان أرشية الموت، فاستقوا بها أرواحهم. وهذا كلام فصيح كثير الاستعارة. أحقبوا: أردفوا بموضع الحقيبة، والجمالية المرأة الجميلة: وخصف: خرز، وتشبيه المرّان- وهي الأرماح- بالأرشية وهي الحبال حسن. وجلس خالد القسريّ يوما للشعراء على الفرات، فأنشدوه وأخذوا الجوائز وانصرفوا، ولم يبق إلّا غلام، فقال خالد: يا غلام، أشاعر أنت؟ قال: لا ولكني متعلّم، وقد قلت شيئا، قال: هات، فأنشأ يقول: [الطويل] ألا هل ترى موج الفرات كأنّه ... جبال سرور قد أتينك عوّما وما ذاك من عاداته غير أنه ... رأى شيمة من جاره فتعلّما وكان بقي على البساط فضلة مال، فقال له خالد: اطو البساط بما عليه، فأخذه الغلام بما عليه. ورأى بعض الملوك غلاما يسوق حمارا، وهو يعنف عليه، فقال: ارفق يا غلام، فقال: أيها الملك، في الرفق مضرّة عليه، قال: وما مضرّته؟ قال: يطول طريقه، ويشتدّ جوعه، وفي العنف عليه إحسان إليه، يخفّ حمله، ويطول أكله. فأعجب به، وقال: قد أمرت لك بألف درهم، قال: رزق مقدور، وواهب مأجور. قال: وقد أمرت بإثبات اسمك في حشمي، قال: كفيت مئونة، ورزقت بها معونة، قال: لولا صغرك لاستوزرتك، قال: لم يعدم الفضل من رزق العقل، قال: أفتصلح لذلك؟ قال: إنما يكون الحمد أو الذمّ بعد التجربة، ولا يعرف الإنسان نفسه حتى يبلوها، فاستوزره فوجده ذا رأي صائب. دخل الفرزدق- وهو غلام يافع- على سعيد بن العاص، وقد أنشد أشعارا والحطيئة حاضر فأنشده: [الوافر]

стр. 1193

ترى الغرّ الجحاجح من قريش ... إذا ما الأمر في الحدثان عالا (١) قياما ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به الهلالا فقال الحطيئة: هذا والله الشعر، لا ما تعلّل به نفسك هذا اليوم، يا غلام أدركت من قبلك، وسبقت من بعدك، وإن طال عمرك لتبرّزن، ثم قال له: هل أنجدت أمّك يا غلام، قال: لا بل أنجد أبي، فوجده لقنا حاضر الجواب فأعجبه. وكان للفرزدق نديم يسمى زيادا الأقطع، فأتى بابه، فخرجت له بنيّة له صغيرة اسمها مكية، فقال لها: ابنة من أنت؟ قالت: ابنة الفرزدق، قال: فما بالك حبشيّة؟ قالت: فما بال يدك مقطوعة؟ قال: قطعت في حرب الحرورية، قالت: بل قطعت في اللصوصية، فقال: عليك وعلى أبيك لعنة الله، ثم أخبر الفرزدق بالخبر، فقال: أشهد أنها ابنتي حقا، ثم قال: [الرجز] سام إذا ما كنت محميّه ... بدارميّ أمّه ضبّيّه * صمحمح مثل أبي مكّيّه (٢) * وقرع باب عديّ بن الرقاع جماعة من الشعراء، فخرجت إليهم بنيّة له صغيرة فقالت: ما تريدون من أبي؟ فقالوا: جئنا لنهاجيه، فقالت: [الطويل] تجمّعتم من كلّ أوب ووجهة ... على واحد لا زلتم قرن واحد (٣) فأفحمتهم، ورجعوا بأخزى حالة. وقال معاوية لعمرو بن سعيد وهو صغير: إلى من أوصى بك أبوك؟ فقال: إنّ أبي أوصى إليّ ولم يوص بي. أخذه بعضهم فقال: [المتقارب] وكنت النجيب لدى ناجلي ... فأوصى إليّ ولم يوص بي قال يحيى بن يزيد: استنشدت غلاما، فأنشدني أرجوزة، فقلت: لمن هذه؟ فقال: لي. فزجزته فأنشأ يقول: [الرجز] إني وإن كنت صغير السّنّ ... وكان في العين نبوّ عنّي

стр. 1194

فإنّ شيطاني أمير الجنّ ... يذهب بي في القول كلّ فنّ الأصمعيّ ﵀: قال وقف عليّ غلام بحمى ضريّة، ما ظننته يجمع بين كلمتين، فقلت: له: ما اسمك؟ قال: حريقيص، فقلت له: ما كفى أهلك أن سمّوك حرقوصا حتى صغروا اسمك! فقال: إن السّقط ليحرق الحرجة، فعجبت من جوابه. فقلت: أتنشد شيئا من أشعار قومك؟ قال: نعم أنشد لمرّارنا: [الكامل] سكنوا شبيثا والأحصّ فأصبحت ... نزلت منازلهم بنو ذبيان وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا ... حتى تقيم الخيل سوق طعان وإذا فلان مات عن أكرومة ... رفعوا معاوز فقره لفلان قال: فكادت الأرض تسوخ لحسن إنشاده وجودة الشعر، فحدّثت الرشيد الحديث فقال: وددت يا أصمعيّ لو رأيت هذا الغلام، فكنت أبلغه أعلى المراتب. فهذا الغلام سمّي بحقير مصغّر، وهو في معناه جليل معظّم. وينظر إلى هذا من باب الضدّ ما حدّث أبو العباس عن الرياشيّ عن الأصمعيّ، قال: مرّ بنا أعرابيّ، وهو ينشد ابنا له، فقلت له: صفه، فقال: ديمري، فقلنا: لم نره، فلم نلبث أن جاء بجعل على عنقه، فقلنا له: لو سألت عن هذا لأرشدناك، ما زال هذا اليوم بين أيدينا. الأصمعيّ: قيل لأبي المخشّ: أما كان لك ابن؟ فقال: المخشّ، قيل: وما كان المخشّ؟ قال: أشدق خرطمانيّا، إذا تكلّم سال لعابه، كأنما ينظر من فلسين، وكأنّ ترقوته بوان أو خالفة، وكأن مشاش منكبيه كركرة جمل؛ فقأ الله عينيّ هاتين إن كنت رأيت أحسن منه قبله أو بعده، وأنشد: [المنسرح] نعم ضجيع الفتى إذا برد اللي ... ل سحيرا وقرقف الصّرد زيّنها الله في الفؤاد كما ... زيّن في عين والد ولد وقال أبو المخشّ: كانت لي ابنة تجلس معي على المائدة فتبرز كفّا كأنها طلعة، في ذراع كأنّها جمارة، فلا تقع عينها على أكلة نفيسة إلّا خصّتني بها، فزوّجتها، وصار يجلس معي على المائدة ابن لي، فيبرز كفّا كأنّها الكرنافة، في ذراع كأنها سباطة، فلا تقع عيني على أكلة نفيسة إلا سبقت يده إليها قبلي. المخشّ: الذي ينخشّ في القوم، يدخل معهم وهم يأكلون، وأراد بمثل الفلسين عور عينيه. وقيل حفرتهما. خرطمانيّا: طويل الأنف، وسيلان اللعاب يدلّ على قوة النفس. البوان: عمود في مقدّم البيت، والكرنافة: طرف الكرب العريض المتّصل بالنخلة كأنها كتف. اليزيديّ: أوّل ما ظهر من نجابة المأمون وسداده أني كنت أؤدّبه فوجّهت إليه يوما

стр. 1195

ليخرج، فأبطأ، فقلت لسعيد الجوهريّ وهو في حجرة: إن هذا الفتى قد اشتغل بالبطالة، فقال سعيد: قوّمه بالأدب، فلما خرج ضربته ثلاث درر، فإنه ليبكي إذا بجعفر بن يحيى قد استأذن عليه، فوثب إلى فراشه مسرعا، وهو يمسح عينيه، فجلس ثم قال: ليدخل، فدخل، فقمت من المجلس وخشيت أن يشكوني إلى جعفر، فألقى منه ما أكره، فأقبل عليه بوجه طلق وحادثه وضاحكه، فلما همّ بالحركة قال: يا غلام، دابّته، ورجعت. فقال: ما حملك أن قمت عنا! فقلت: خفت أن تشكوني إليه فيوبّخني، فقال: إنا لله يا أبا محمد! ما كنت أطلع الرشيد على هذا، فكيف أطلع جعفرا على أني أحتاج إلى أدب! يغفر الله لك. فكنت أهابه بعد ذلك. وشكي إلى معلم عبد الرحمن بن حسان بصبيان، فضربهم حتى انتهى إلى عبد الرحمن، فهدّده فقال: [البسيط] الله يعلم أنّي كنت معتزلا ... في دار حسّان أصطاد اليعاسيبا فتركه. وبلغ حسان، فضمّه إليه وقال: أنت والله ابني حقّا فداك أبي وأمي! . ودخل عليه يوما يبكي من لسعة زنبور، فقال له: ما يبكيك؟ فقال: لسعني طائر كأنه ملتفّ في بردى حبرة، فقال: قلت والله يا بنيّ الشعر. وجاءت سكينة بنت الحسين أمّها الرباب وهي تبكي، فقالت: ما لك؟ فقالت: سربت بي طويرة فلسعتني بأبيرة. ويروى: مرّت بي دبيرة، تصغير دبرة وهي النحلة. *** قوله: اللجيّ: البحر. شواظ: لهب النار. والكهانة: بالكسر: حرفة الكاهن، وبالفتح فعل الكاهن، وهو المصدر، والكاهن: المخبر بالغيب. وافترّ: تبسّم. متضاحك: مستعمل الضحك. مماحك: لجوج، أي مشى غير غاضب. احفظها عني، أي حصّلها وعها. وعليّ، أي اكتمها واسترها، وقامت الواو مقام تكرير الفعل. اصرف: أزل ونحّ. صرف الراح: خالص الخمر الأسى: الحزن. تكتئب: تهتم وتحزن. قدك: حسبك. اتّأب: ارتجع وكفّ وقيل: معناه استحي، يقال منه: وأب واتّأب، أي خزي واستحيا والإبة والمؤبة: الخزي والحياء والانقباض، وأوأبه واستآبه: ردّه بخزي وعار، والتاء فيها مبدلة من واو، فأصل اتّأب أوتأب فأبدلت الواو تاء وأدغمت في التاء بعدها، وهي من وأب الحافر يئب وأبا إذا انضم. وحافر وأب، أي خفيف، والتؤبة مأخوذة من أتأب: وقال حبيب: [الكامل] قدك اتّأب أربيت في الغلوا ... كم تعذلون وأنتم شجوى

стр. 1196

فهذا يبيّن لك موقعها في المقامة. وعلى قوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: ٤٤]، قال: أنس: قال رسول الله ﷺ : «مررت برجال ليلة أسري بي، تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الخطباء من أمّتك الذين يأمرون الناس بالبرّ وينسون أنفسهم» (١). أبو أمامة عن رسول الله ﷺ : «إنّ الذين يأمرون الناس بالبرّ وينسون أنفسهم يجرون قصبهم في نار جهنم، فيقال لهم: من أنتم؟ فيقولون: نحن الّذين كنا نأمر بالبر وننسى أنفسنا» (٢). قال أبو العتاهية في منصور بن عمار وكأنّه يخاطب واعظ المقامة: [البسيط] يا واعظ النّاس قد أصبحت متّهما ... إذ عبت منهم أمورا كنت تأتيها كالملبس الثوب من عري وعورته ... للنّاس بادية ما إن يواريها وأعظم الأمر بعد الشّرك تعلمه ... في كلّ نفس عماها عن مساويها عرفانها بعيوب الناس تبصرها ... منهم ولا تبصر العيب الّذي فيها ومن لزوميات المعري: [الوافر] رويدك قد خدعت وأنت كهل ... بصاحب حيلة يعظ النّساء (٣) يحرّم فيكم الصهباء صبحا ... ويشربها على عمد مساء يقول لكم: غدوت بلا كساء ... وفي لذّاتها رهن الكساء إذا فعل الفتى ما عنه ينهى ... فمن جهتين لا جهة أساء [الخمريات] ونذكر هنا من الأبيات الخمريات ما يأتي على معنى البيتين اللذين أنشد، قال الحسن: [السريع] ما مثل هذا اليوم في حسنه ... عطّل من لهو ولا ضيّعا (٤) هل لك أن تغدو على قهوة ... تسرع في المرء إذا أسرعا ما وجد النّاس ولا جربوا ... للهمّ شيئا مثلها مدفعا

стр. 1197

وله أيضا: [الطويل] حلبت لأصحابي بها درّة الصّبا ... بصفراء من ماء الكروم شمول (١) إذ ما أتت دون اللهاة من الفتى ... دعا همّه من صدره برحيل وله: [البسيط] دع ذا فديتك واشربها معتّقة ... صفراء تعبق بين الماء والزّبد من كفّ مختصر الزّنّار معتدل ... كغصن بان تثنّى غير ذي أود لو كان لومك نصحا كنت أقبله ... لكنّ لومك محمول على الحسد وقال الصابي: [الوافر] كوكب الإصباح لاحا ... طالعا والدّيك صاحا فاسقنيها قهوة تأ ... سو من الهمّ جراحا ذات نشر كنسيم الرّو ... ض غبّ القطر فاحا يا غلامي ما أرى في ... ك ولا فيها جناحا وله من أبيات يصف فيها مجلس شراب: [المتقارب] كأنّ الكئوس بأيدي السّقاة ... سيوف لها بالدّماء احمرار كأن تسكابها في الزّجاج ... حريق لها من حباب شرار فلمّا برزن إلى الهمّ في ... هـ ولي بالسّرور عليه اقتدار جرى الضرب مختلفا بيننا ... فمات وعشت وقد نيل ثار وقال أبو بكر البلوي: [مجزوء الرمل] ومدام كست الكأ ... س من النّور وشاحا ظهرت في جنح ليل ... فكأنّ الفجر لاحا لم يكن وقت صباح ... فحسبناه صباحا وقال أبو بكر الخالديّ: [الكامل] ما عذرنا في تركنا الأعنابا ... سقط النّدى وصفا الهواء وطابا فأدم لذاذة عيشنا بمدامة ... زادت على هرم الزّمان شبابا سفرت وغاب حبابها من لحظها ... فعلا محاسنها فصار نقابا ولا بن المعتزّ: [الطويل] ونار قدحناها سراعا بسحرة ... متى ما يرق ماء عليها توقّد

стр. 1198

يجول حباب الماء في جنباتها ... كما جال دمع فوق خدّ مورّد *** ثم قال: أما أنا فسأنطلق، إلى حيث أصطبح وأغتبق؛ وإذا كنت لا تصحب، ولا تلائم من يطرب؛ فلست لي برفيق، ولا طريقك لي بطريق؛ فخلّ سبيلي ونكّب، ولا تنقّر عنّي ولا تنقّب؛ ثم ولّى مدبرا ولم يعقّب. قال الحارث بن همام: فالتهبت وجد عند انطلاقه، ووددت لو لم ألاقه. *** قوله: أصطبح، أشرب صبوحا وهو شرب الغدوّ. وأغتبق: أشرب غبوقا، وهو شرب العشيّ، تلائم: توافق. نكّب: تنحّ عن طريقي واجعله لجهة منكبك. تنقّر وتنقّب: تبحث وتفتش، وقد نقّرت عن الأمر إذا طلبت علم باطنه ونقّبت عنه، إذا بحثت عليه بظنّك حتى تستخرج سرّه، وفلان نقّاب، أي فطن ذكيّ يحدّث بالغائب، والتّنقيب في البلاد: تطلّع أحوال أهلها وتجريب أمورهم. ولّى: أدبر، وترك طريقه الذي كان يستقبله. يعقّب: ينظر. والوجد: الحزن. والتهبت. اشتعلت. وددت: تمنّيت. ومما قيل في ترك الوداع: [الخفيف] صدّني عن حلاوة التّشييع ... اجتنابي مرارة التّوديع لا يفي أنس ذا بوحشة هذا ... فرأيت الصّواب ترك الجميع

стр. 1199

المقامة الثانية والأربعون وهي النّجرانيّة حكى الحارث بن همام قال: ترامت بي مرامي النّوى، ومساري الهوى؛ إلى أن صرت ابن كلّ تربة، وأخا كلّ غربة؛ إلا أنّي لم أكن أقطع واديا، ولا أشهد ناديا؛ إلّا لاقتباس الأدب المسلي عن الأشجان، المغلي قيمة الإنسان؛ حتى عرفت لي هذه الشّنشنة، وتناقلتها عنّي الألسنة، وصارت أعلق بي من الهوى ببني عذرة، والشجاعة بآل صفرة. *** ترامت بي: رمتني هذه إلى هذه وهذه إلى هذه. والمرامي: المواضع التي ترميه. والمساري: مواضع السّرى، وهو سير اللّيل، وهو جمع مرمى ومسرى، ويكون المرمى والمسرى مصدرين. والنّوى: الغربة والبعد عن الأهل، أراد أنّ البلاد والجهات ترميه بلدة إلى بلدة، وجهة إلى جهة، فهو أبدا في الجولان. وابن كلّ تربة، أي ينسب لكل بلدة لكثرة ما يظهر فيها. ناديا: مجلسا. الاقتباس: الاكتساب. المسلي: المذهب للهمّ، وتسلّيت عن الهمّ: نسيته. والأشجان: الأحزان، وقد تقدم شرح هذه المعاني وتكرّر. الشّنشنة: الطبيعية. أعلق: ألصق. [بنو عذرة] وبنو عذرة: قبيلة معروفة من قبائل العرب، وهم أولاد عذرة بن سعد بن هذيم بن زيد بن ليث بن سويد بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. الفنجديهيّ: عذرة قبيلة من العرب، يستلذّون مرارة العشق مثل الضرب، جبلت المحبة في طينتهم، وجنيت المودّة من لينتهم، وصار الهوى وصفهم الذي لا ينفك، ورهائن قلوبهم من حرارات الشوق لا تفكّ، استأسرهم العشق أسرا، واستأصلهم الحب قهرا وقسرا؛ فمنهم من يموت من أوام غرامه، ومنهم من يموت بهيام سقامه. ومن مشاهيرهم جميل بن عبد الله بن معمر العذريّ صاحب بثينة بنت عبد الله العذريّة، وعروة بن حزام صاحب عفراء بنت مالك العذريّين. وقال: سعيد بن عتبة الهمدانيّ: قلت لأعرابيّ: ممن أنت؟ قال: من قوم إذا عشقوا

стр. 1200

ماتوا، قلت: عذريّ؟ قال: عذريّ وربّ الكعبة، قلت: وممّ ذاك؟ قال: لأنّ في نسائنا صباحة، وفي فتياننا عفّة. وسئل أعرابي منهم فقيل له: ما حدّ الحب عندكم؟ فقال: أعين تتلاحظ وألسن تتلافظ، وعدات تتقضّى، وإشارات تدل على السخط والرّضا. قيل له: فالمباضعة؟ قال: ذلك طلب الولد، الحبّ إذا نكح فسد. سفيان بن زياد: قلت لامرأة من عذرة- ورأيت بها هوى غالبا حتى خفت عليها الموت: ما بال العشق يقتلكم معاشر عذرة من بين أحياء العرب؟ قالت: فينا جمال وتعفّف، فالجمال يحملنا على العفاف به، والعفاف يورثنا رقّة القلب، والعشق يفني آجالنا وإنا نرى محاجر لا ترونها. أبو عمر بن العلاء: حدّثني رجل من تميم، قال: خرجت في طلب ضالّة لي، فبينما أنا أدور في أرض بني عذرة أنشدها، إذا ببيت منعزل عن البيوت، وفي كسره شابّ مغمى عليه، وعند رأسه عجوز بها بقية جمال، ساهمة تنظر إليه، فسلّمت عليها، فردّت السلام، فسألتها عن ضالّتي فلم تعلم بها، فقلت: من هذا الفتى؟ فقالت: ابني، فهل لك في أجر لا مئونة فيه؟ فقلت: والله إني أحبّ الأجر وإن رزئت، فقالت: إن ابني هذا يهوى ابنة عمّ له، علقها وهما صغيران، فلما كبرت خطبها غيره، فأخذه شبيه الجنون، فخطبها إلى أبيها، فمنعه وزوّجها غيره، فنحل جسمه واصفرّ لونه، وذهب عقله، فلما كان منذ خمس زفّت إلى زوجها، فهو كما ترى مغمى عليه، لا يأكل ولا يشرب، فلو نزلت إليه فوعظته! قال: فنزلت إليه فلم أدع موعظة إلا وعظته بها، حتى قلت له: إنهنّ الغواني صاحبات يوسف، الناقضات العهد، وقد قال فيهن كثيّر: [البسيط] هل وصل عزّة إلا وصل غانية ... في وصل غانية من وصلها خلف (١) قال: فرفع رأسه محمرّة عيناه كالمغضب، وهو يقول: لست ككثير، إن كثيّرا رجل مائق، وأنا وامق، ولكني كأخي تميم حيث يقول: [الطويل] ألا لا يضرّ الحبّ من كان صابرا ... ولكنّ ما اجتاب الفؤاد يضير ألا قاتل الله الهوى كيف قادني ... كما قيد مغلول اليدين أسير فقلت له: فإنه قد جاء عن نبينا ﷺ أنه قال: «من أصيب منكم بمصيبة فليذكر مصابه بي» (٢) فأنشأ يقول: [الوافر] ألا ما للمليحة لم تعدني ... أبخل بالمليحة أم صدود! مرضت فعادني أهلي جميعا ... فما لك لم ترى فيمن يعود!

стр. 1201

فقدتك بينهم فبكيت شوقا ... وفقد الإلف يا أملي شديد وما استبطأت غيرك فاعلميه ... وحولي من ذوي رحمي عديد ولو كنت المريض لكنت أسعى ... إليك وما يهدّدني الوعيد ثم شهق شهقة، وخفت خفته، فداخلني أمر ما داخلني مثله قطّ، والعجوز تبكي، فلما رأت ما حلّ بي قالت: يا فتى، لا ترع؛ مات والله ولدي بأجله، واستراح من تباريحه وغصصه، فهل لك في استكمال الصّنيعة؟ قلت: قولي. ما أحببت، قالت: تأتي البيوت فتنعاه إليهم، ليعاونوني على رمسه، فإني وحيدة، فركبت فرسي، وأتيت البيوت، رافعا صوتي بنعيه، فلم ألبث أن خرجت لي جارية، أجمل ما رأيت من النساء، ناشرة شعرها، حديثة عهد بعرس، تقول: بفيك الحجر المصمت! من تنعى؟ قلت: أنعى فلانا، قالت: أو قد مات! قلت: إي والله قد مات. قالت: فهل سمعت له قولا؟ قلت: اللهمّ شعرا، قالت: وما هو؟ فأنشدتها أبياته، فاستعبرت وأنشأت تقول: [الوافر] عداني أن أزورك يا مرادي ... معاشر كلّهم واش حسود أشاعوا ما علمت من الدّواهي ... وعابونا وما فيهم رشيد فأمّا إذ ثويت اليوم لحدا ... وكلّ الناس دورهم لحود فلا طابت لي الدنيا فواقا ... ولا لهم ولا أثرى العديد ثم شهقت شهقة، فوقعت مغشيّا عليها، وخرجت النساء من البيوت فاضطربت ساعة، وماتت. فو الله ما برحت حتى دفنتهما جميعا. هشام بن عروة: أذن معاوية للنّاس يوما فكان فيمن دخل عليه فتى من بني عذرة، فقام بين السّماطين وأنشأ يقول: [الطويل] أتيتك لمّا ضاق في الأرض مسلكي ... وأنكرت ممّا قد أصبت به عقلي ففرّج كلاك الله عنّي فإنّني ... لقيت الذي لم يلقه أحد قبلي وخذ لي هداك الله حقّي من الذي ... رماني بسهم كان أهونه قتلي وكنت أرجّي عدله إذا أتيته ... فأكثر تردادي مع الحبس والكبل فطلقتها من جهد ما قد أصابني ... فهل ذا أمير المؤمنين من العدل! فقال له معاوية: ادن بارك الله عليك، ما خطبك؟ قال: أطال الله بقاء أمير المؤمنين، إني رجل من بني عذرة، . تزوّجت ابنة عمّ لي. وكانت لي صرمة (١) من الإبل

стр. 1202

وشويهات، فأنفقت ذلك عليها، فلما أصابتني نائبات الزمان وحادثات الدهر رغب عنّي أبوها- وكانت جارية منها الحياء والكرم، فكرهت مخالفة أبيها- فأتيت عاملك عبد الرحمن ابن أم الحكم فذكرت ذلك له. وبلغه جمالها، فأعطى أباها عشرة آلاف درهم وتزوّجها، وأخذني فحبسني، وضيّق عليّ، فلمّا أصابني مسّ الحديد وألم العذاب طلقتها، وقد أتيتك يا أمير المؤمنين، وأنت غياث المحروب، ومعيد المسلوب، فهل من فرج؟ ثم بكى وهو يقول: [مجزوء الرمل] في القلب منّي نار ... والنّار فيها شرار وفي فؤادي جمر ... والجمر فيه احمرار والجسم منّي نحيل ... واللّون فيه اصفرار والعين تبكي بشجو ... فدمعها مدرار والحبّ داء عسير ... فيه الطبيب يحار حملت منه عظيما ... فما عليه اصطبار فليس ليلي ليلا ... ولا نهاري نهار فرق معاوية له؛ وكتب إلى ابن أم الحكم كتابا غليظا وفي آخره: [البسيط] ركبت أمرا عظيما لست أعرفه ... أستغفر الله من جور امرئ زاني قد كنت تشبه صوفيا له كتب ... من الفرائض أو آيات فرقان حتى آتاني الفتى العذريّ منتحبا ... يشكو إليّ بحقّ غير بهتان أعطي الإله عهودا لا أخيس بها ... أو لا فبرئت من ديني وأيماني إن أنت راجعتني فيما كتبت به ... لأجعلنّك لحما بين عقبان طلّق سعاد وفارقها بمجتمع ... وأشهد على ذاك نصرا وابن ظبيان فما سمعت كما حدّثت من عجب ... ولا فعالك حقّا فعل إنسان فلما ورد الكتاب على ابن أم الحكم، تنفّس الصّعداء، وقال: وددت لو أن أمير المؤمنين خلّى بيني وبينها سنة، ثم عرض عليّ السيف، وجعل يؤامر نفسه في طلاقها فلم يقدر، فلما أزعجه الوفد طلّقها ثم قال: يا سعاد اخرجي، فخرجت شكلة غنجة ذات هيئة وجمال، فلمّا رآها الوفد قالوا: ما تصلح هذه إلا لأمير المؤمنين لا لأعرابيّ، وكتب الجواب: [البسيط] لا تحنثنّ أمير المؤمنين فقد ... أوفي بعهدك في رفق وإحسان فما ركبت حراما حين أعجبني ... فكيف سمّيت باسم الخائن الزاني! فسوف تأتيك شمس لا خفاء بها ... أبهى البرية من أنس ومن جان

стр. 1203

حوراء يقصر عنها الوصف إذ وصفت ... أقول ذلك في سرّ وإعلان فلما وردت على معاوية، قال: إن كانت أعطيت حسن النغمة مع هذه الصفة، فهي أكمل البريّة، فاستنطقها، فإذا هي أحسن الناس كلاما، وأكملهم شكلا ودلّا، فقال: يا أعرابي، هل من سلوّ عنها بأفضل الرغبة؟ قال: نعم إذا فرّقت بين رأسي وجسدي، ثم أنشأ يقول: [البسيط] لا تجعلني والأمثال تضرب بي ... كالمستجير من الرّمضاء بالنار اردد سعاد على حيران مكتئب ... يمسي ويصبح في همّ وتذكار قد شفّه قلق ما مثله قلق ... وأسعر القلب منه أيّ إسعار والله والله لا أنسى محبّتها ... حتى أغيّب في رمس وأحجار كيف السلوّ وقد هام الفؤاد بها ... وأصبح القلب عنها غير صبّار فغضب معاوية غضبا شديدا، ثم قال لها: اختاري من شئت، أنا أو ابن أم الحكم أو الأعرابيّ؛ فأنشأت تقول: [الرجز] هذا وإن أصبح في أطمار ... أو كان في بعض من اليسار أكبر عندي من أبي وجاري ... وصاحب الدّرهم والدينار * أخشى إذا غدرت حرّ النار* فقال له معاوية: خذها لا بارك الله لك فيها، فأخذها وأنشأ يقول: [الرجز] خلّوا عن الطّريق للأعرابي ... ألم ترقّوا ويحكم لما بي! فضحك معاوية وأمر له بعشرة آلاف درهم، وأدخلت لبعض قصوره حتى انقضت عدّتها من ابن أمّ الحكم، ثم دفعها للأعرابيّ. وقال بعضهم: كنت سائرا في بلاد عذرة فولجت بعض أوديتهم وإذا شابّ حسن الوجه، بيده زمام ناقة، عليها هودج مسجّف، به جارية، ومن وراء الناقة خمس قلائص، وقد رفع عقيرته ينشد ويقول: [الكامل] ته كيف شئت وسر على مهل ... كلّ الجمال عليك يا جمل عليّ أنّك لا ترى كللا ... ما دام فوقك هذه الكلل فسلّمت عليه، فردّ، وسألته وسألني وتناشدنا، واتصل الأنس بيننا، وسرنا غير قليل، فرأى قانصا في أحبولته ظبي، فلما رآه يضطرب في الأحبولة أجهش بالبكاء، وأنشأ يقول: [الطويل] وذكّرني من لا أبوح بحبّه ... محاجر ظبي في حبالة قانص فقلت وجفن العين يجري بعبرة ... ولحظي إلى عينيه لحظة شاخص

стр. 1204

ألا أيّ هذا القانص الظبي خلّه ... وخذ عوضا منه جياد قلائصي خف الله لا تحبسه إنّ شبيهه ... حياتي قد أرعدت منه فرائصي فقال القانص: الله إن فعلت؟ قال: الله، فأرسل الظبي، واستاق القلائص. وحدث رجل من بني عذرة قال: كان فينا فتى ظريف غزل، كثيرا ما يتحدّث إلى النساء، فهوي جارية من الحيّ، فراسلها فأظهرت له جفوة، فوقع مضنى مدنفا وظهر أمره، وتبيّن دنفه، ولم يزل النساء من أهلها وأهله يكلّمنها فيه، حتى أجابت، فسارت إليه عائدة ومسلّمة، فلما نظر إليها تحدّرت عيناه بالدموع، وأنشأ يقول: [الطويل] أريتك إن مرّت عليك جنازتي ... تروح بها أيد طوال وتسرع أما تتبعين النّعش حتى تسلّمي ... على رمس ميت بالحفيرة يودع! فبكت رحمة، وقالت: والله ما ظننت أن الأمر بلغ بك هذا، فو الله لأساعدنّك ولأداومنّ على وصالك، فهملت عيناه بالدموع، وأنشأ يقول: [الطويل] دنت وظلال الموت بيني وبينها ... ومنّت بوصل حيث لا ينفع الوصل ثم شهق شهقة فخرجت نفسه، قال: فوقعت عليه تلثمه، ثم رجعت عنه مغشيّا عليها، فما مكثت بعده إلّا أياما حتى ماتت. قال حماد الراوية: انصرفت من جنازة لبعض السّكاسك، فإذا بصبيّ من عذرة ظريف، حسن الوجه، صغير السّنّ، موصوف بقول الشعر، فوقفنا فسلّمنا، فقام إعظاما لنا، فقلت: أنشدنا شيئا، فكأنه استحيا، فقلت له: لا بدّ، فأنشدنا: [مجزوء الرمل] هل من الحبّ مجير ... من ملاح يعتدونا قد شكونا بخضوع ... عذل قوم يعذلونا في جوى نلقاه ممن ... لا يبالي ما لقينا وبكينا بدموع ... أغرقت منّا الجفونا قال حماد: فكدت أرقص طربا وقلت: فداؤك عمّك! وجلسنا إليه تعجّبا من رقته وجماله وفصاحته، فأنشدنا: [الرمل] ولقد أرسلت دمعي شاهدا ... ثم صيّرت إليها المشتكى فتولت، ثم قالت شغلي ... كلّ من شاء تبكي! فبكى قال حماد: قلت له: فديتك، تحبّ هذه الجارية؟ قال: يا عمّ، والحبّ عيب! إن كان عيبا تركته. ثم قال: يا عمّ إذا قرأت أو بلغني أحاديث قومي مثل عروة وجميل، أفلا أشتهي أن أكون واحدا منهم! فانصرفنا عنه متعجبين.

стр. 1205

[آل أبي صفرة] قوله: والشجاعة بآل أبي صفرة، أبو صفرة هو ظالم بن سراقة بن كنديّ بن عمرو ابن عدي، ويتّصل بعمرو مزيقيا، ثم بأزددبا، وأزددبا ما بين عمان والبحرين، وكانوا أسلموا ثم ارتدوا في خلافة أبي بكر، فبعث إليهم أبو بكر عكرمة بن أبي جهل، فقاتلهم وسبى ذراريّهم وبعث بهم إلى أبي بكر، وأبو صفرة غلام، فحبسهم أبو بكر، فلما توفي أطلقهم عمر، فنزل أبو صفرة البصرة، فشرف بها. وروى بعضهم أنّ أبا صفرة طلب من عمر أن يولّيه عملا، فسأله عن اسمه فقال: ظالم بن سرّاق، فقال: تظلم أنت ويسرق أبوك! ولم يولّه عملا تطيّرا باسمه. والمهلّبية تزعم أنّ أبا صفرة قدم على النبيّ ﷺ ، وعليه حلّة صفراء يسحبها خلفه ذراعين. وله طول ومنظر وفصاحة، فأعجب النبيّ ﷺ ما رأى من جماله وخلقه، فقال له: «من أنت؟ » قال: أنا قاطع بن سارق بن ظالم بن عمرو بن شهاب بن مرة بن الهلقام ابن الجلندي بن المستكبر بن الجلندي، الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا، فقال له النبيّ ﷺ : «أنت أبو صفرة، ودع عنك ظالما وسارقا»، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله حقّا، إنّ لي لثمانية عشر ذكرا، ورزقت بآخرهم بنتا سميتها صفرة. وأما أولاد أبي صفرة، فكانوا كتّابا شجعانا أبطالا حماة، منهم أبو سعيد المهلّب. وذكروا أنّ أبا صفرة وفد على عمر ﵁ ومعه عشرة من ولده- والمهلّب أصغرهم- فتوسّمهم عمر، ثم قال: هذا سيّد ولدك المهلّب، والمهلّب هو صاحب حروب الأزارقة، وولّاه عبد الملك خراسان بعد الأزارقة سنة تسع وسبعين، ومات سنة ثلاث وثمانين، واستخلف يزيد ابنه عليها، فأقرّه عبد الملك عليها سنتين أو ثلاثا. وغزا يزيد جرجان في خلافة سليمان بن عبد الملك سنة سبع وتسعين، في ثلاثين ألف مقاتل، فقاتلهم أشهرا، ثم صالحهم على أن يعطوا خمسمائة ألف درهم كلّ عام، يؤدونها إليه، ثم غزا سنة ثمان وتسعين طبرستان، فصالحهم على سبعمائة ألف درهم وأربعمائة وقر زعفران وأربعمائة رجل مع كلّ رجل برنس وطيلسان وخاتم فضة، وسرقة حرير وكسوة، فقبل ذلك وانصرف عنهم. ثم غدر أهل جرجان بمن خلّف عليهم من المسلمين فقتلوهم، فلما فرغ من طبرستان سار إليهم، فقاتلهم شهرا، ثم نزلوا على حكمه، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريّهم وصلبهم فرسخين، وقاد منهم اثني عشر ألفا إلى وادي جرجان، فقتلهم وأجري الماء في الوادي على الدّم، وعليه أرحاء بدمائهم تطحن، واختبز وأكل، وكان قد حلف على ذلك. الأصمعيّ: قبض الحجاج على يزيد، وأخذه بسوء العذاب، فسأله أن يخفّف عنه العذاب على أن يعطيه كلّ يوم مائة ألف درهم، فكان دأبه أنه إذا أدّاها تركه، وإلّا عذّبه إلى الليل، فجمع يوما مائة ألف درهم، يشتري بها عذابه، فدخل عليه الأخطل فأنشده: [الطويل]

стр. 1206

أبا خالد بادت خراسان بعدكم ... وقال ذوو الحاجات أين يزيد؟ فما سقي المروان بعدك قطرة ... ولا اخضرّ بالمروين بعدك عود وما لسرير بعد ملكك بهجة ... ولا لجواد بعد جودك جود فأعطاه المائة الألف. فبلغ ذلك الحجاج، فدعا به، وقال: يا مروزيّ، أكل هذا الكرم وأنت بهذه الحالة؟ قد وهبت لك عذاب اليوم وما بعده. ابن عبد الحكم: أخبرنا الشافعيّ قال: طعن يزيد بن المهلّب رجلا من الخوارج، فصرعه فوثب الخارجيّ بالسيف، وهو يقول: [الطويل] وإنّا لقوم لا نعوّد خيلنا ... إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا وننكر يوم الروع ألوان خيلنا ... من الدم حتى نحسب الورد أشقرا وليس بمعروف لنا أن نردّها ... صحاحا ولا مستنكر أن تعقّرا قال يزيد: فكرهت أن أقتل مثله، فانصرفت عنه. وقتل يزيد يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من صفر سنة اثنتين ومائة، وهو ابن سبع وأربعين سنة. وقيل للمهلّب: بم نلت ما نلت؟ قال: بطاعة الحزم، وعصيان الهوى. وقيل لأبي إسحاق الهمدانيّ: لم رويت عن المهلّب؟ قال: لأني لم أر أميرا أبين منه تقيّة ولا أشجع منه، ولا أبعد ممّا يكره، ولا أقرب ممّا يحبّ. ومرّ المهلّب بقوم فعظّموه وسوّدوه، فقال رجل: ألهذا الأعور تسوّدون! والله لو خرج إلى السوق ما زادت قيمته على ألفي درهم، فسمعه المهلّب، فقال لبعض من معه: أتعرف الرجل؟ قال: نعم، فلما انتهى إلى مجلسه أرسل إليه بألفي درهم. فقال له: لو زدتنا في القيمة لزدناك في العطيّة، فخجل الرجل، وعرف منزلته. وللمهلّب وبنيه وإخوته في حروب الأزارقة مشاهد ما شوهدت قطّ في جاهلية ولا إسلام. وقتل المهلّب وأولاده وإخوته ومن معه من الأزارقة في ليلة واحدة أربعة آلاف وثمانمائة، وانهزم بقيّتهم مع قطريّ، فنفاهم إلى أقاصي البلاد حتى قتل قطريّ ومن معه. وسئل المهلب عن ابنيه: أيّهما أشجع أيزيد أم حبيب؟ فقال: إن الولد ربّما سبق رأي أبيه فيه، وقطريّ قد مارسهما، فسلوه عنهما. فلمّا كان من الغد واصطفّوا للقتال صاح رجل: يا أبا نعامة، فقال: أفرجوا له، ثم قال: قد سمعت فقل؛ فقال: إنّا سألنا الأمير عن ابنيه يزيد وحبيب: أيّهما أشجع، فقال: سلوا أبا نعامة، فقال: على الخبير سقطت، أمّا صاحب الكرّ والفرّ والإقدام والإحجام، وصحّة التدبير ومبارزة الكميّ المدجّج فالحرون يزيد، وأمّا إذا التقت غياطيل الليل، وخفتت الأصوات إلّا الغماغم، وقرع الحديد بالحديد فالخيار حبيب.

стр. 1207

- الغيطلة التباس الظلام، وخفتت: سكنت. والغمغمة: أصوات الأبطال في القتال-. وسأل الحجاج كعب بن معدان الأشقريّ حين وفد عليه بالفتح، فقال له: أخبرني عن بني المهلّب، فقال: المغيرة فارسهم وسيدهم، وكفى بيزيد فارسا وشجاعا، وجوادهم وسخيّهم قبيصة، وما يستحي الشّجاع أن يفرّ من مدرك، وعبد الملك سمّ ناقع، وحبيب موت ذعاف، ومحمد ليث غاب. وكفاك بالمفضّل نجدة. فقال: كيف كانوا في البأس؟ قال حماة السّرح نهارا، فإذا أليلوا ففرسان البيات. قال: فأيّهم كان أنجد، قال: كانوا كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفها. وحين وفد المهلّب على الحجاج أجلسه إلى جانبه، وأظهر إكرامه، وقال: يا أهل العراق، أنتم عبيد المهلب، ثم قال له: أنت والله كما قال لقيط الإياديّ: [البسيط] وقلّدوا أمركم لله درّكم ... رحب الذّراع بأمر الحرب مضطلعا لا مترفا إن رخا في الأمر ساعده ... ولا إذا عضّ مكروه به خشعا ما زال يحلب هذا الدهر أشطره ... يكون متّبعا طورا ومتّبعا حتّى استمرّت على شزر مرارته ... مستحكم الرأي لا قحما ولا ضرعا فقام رجل وقال: أصلح الله الأمير! والله لكأنّي أسمع الساعة قطريّا يقول للمهلّب كما قال لقيط الإياديّ ... وأنشد الأبيات، فامتلأ الحجاج سرورا .... وقال له الحجاج: اذكر لي الذين أبلوا وصف لي بلاءهم، فقدّم بنيه، وقال: والله لو تقدّمهم أحد في البلاء لقدّمته عليهم، ولولا أن أظلمهم لأخّرتهم. فقال له الحجاج: نعم إنهم لسيوف من سيوف الله تعالى في الأرض. وقال يوما عبد الملك للشعراء: تشبّهونني مرة بالأسد الأبخر، والجبل الأوعر، والبحر الأجاج وبالصقر والباز، ألا قلتم كما قال كعب الأشقريّ في المهلب وبنيه: [الوافر] براك الله حين براك بحرا ... وفجّر منك أنهارا غزارا بنوك السّابقون إلى المعالي ... إذا ما أعظم النّاس الفخارا كأنهم نجوم حول بدر ... دجوجيّ تكمّل واستدارا ملوك ينزلون بكلّ ثغر ... إذا ما الهام يوم الرّوع طارا رزان في الأمور ترى عليهم ... من الشيخ الشمائل والنّجارا نجوم يهتدى بهم إذا ما ... أخو الغمرات في الظلماء حارا وفي ديوان الحماسة: [البسيط] آل المهلّب قوم خوّلوا شرفا ... ما ناله عربيّ لا ولا كادا

стр. 1208

لو قيل للمجد حد عنهم وخلّهم ... بما احتكمت من الدّنيا لما حادا إنّ المكارم أرواح يكون لها ... آل المهلّب دون الناس أجسادا ولبعضهم: [الوافر] إذا كان المهلّب من ورائي ... هدا ليلي وقرّ له فؤادي ولم أخش الدنيّة من أناس ... ولو صالوا بقوّة قوم عاد وتوفّي المهلب بفنجديّة بصحراء راغول سنة ثلاث وثمانين؛ فبعد أربعمائة وثلاثين من وفاته، رأى بعض علماء فنج ديّه في المنام كأنّ المهلّب يقول: الله، الحقني قبل أن يأخذني روذمرو- وهو نهر عظيم يعبر عليه بالسفن- وانقلني إلى بعض مقابر المسلمين، وأنا مدفون على شاطئ هذا النهر الكبير في الموضع الفلاني، وقد حفر الماء تحت قبري، وقرب أن يأخذني، فلما أصبح الرجل أخذ جماعة من أصحابه معهم المساحي والفئوس فمضوا إلى ذلك الموضع، وحفروا حتى وصلوا إلى قالبه فكشفوا التراب عنه، فكانت عظامه ما بليت بعد، فدفنوه بمقبرة مذونة. قال الفنجديهي: وهي محلتنا؛ وسمعت معنى هذه الحكاية من والدي ﵀. *** فلمّا ألقيت الجران بنجران، واصطفيت بها الخلّان والجيران، اتخذت أنديتها معتمري، وموسم فكاهتي وسمري؛ فكنت أتعهّدها صباح مساء، وأظهر فيها على ما سرّ وساء؛ فبينما أنا في ناد محشود، ومحفل مشهود، إذ جثم لدينا همّ، عليه هدم؛ فحيّا تحيّة ملق، بلسان ذلق؛ ثم قال: يا بدور المحافل، وبحور النّوافل، قد بيّن الصّبح لذي عينين، وناب العيان مناب عدلين، فماذا ترون؟ فيما ترون أتحسنون العون، أم تنأون إذ تدعون! فقالوا: تالله لقد غظت، ورمت أن تنبط فغضت. *** قوله: بنجران: بلد من كور نجد ممّا يلي بلاد اليمن، سمّيت بنجران بن زيد بن سبأ. اصطفيت: اخترت. الخلّان: الأصحاب. تخذت، بمعنى اتّخذت. أنديتها: مجالسها ومجتمع أهلها. معتمري: موضع زيارتي، واعتمرت الموضع: قصدته وزرته. موسم: عيد. فكاهتي: ممازحتي. سمري: حديثي بالليل. أتعهّدها: أتفقّدها صباح مساء: اسمان مركّبان جعلا كخمسة عشر، وأراد يزورها في الصباح والمساء. ناد محشود: مجلس مجموع الأهل، ومثله المحفل المشهود. جثم: برك. همّ: شيخ هرم، قد أذهب الكبر قوّته، ولحمه، وتقول: هممت الشّحم: أذبته، ومنه قولهم: هذا الأمر لا

стр. 1209

يهمني، بفتح الياء وكسر الهاء، أي لا يذيبني، ومن قال بضمّ الياء فمعناه لا يقلقني. هدم: ثوب خلق كأنّه هدمه البلى. ملق: متلطّف في كلامه. ذلق: حديد. النّوافل: العطايا. بيّن الصبح لذي عينين، مثل، ويريد أنّ الليل يتساوى في ظلمته الأعمى والصحيح، فإذا ظهر ضوء الصبح أبصر الأشياء من له بصر، وقيل معنى بيّن الصبح، أي تبيّن، والعيان: المشاهدة، وعاينته: شاهدته، أي أنتم ممّن لا يخفى عليكم حالي، يريد أنّ المعاينة تغني عن الشهود العدول. فماذا ترون: فما رأيكم؟ وهي من رؤية القلب. فيما ترون، أي فيما تنظرون وتبصرون، وهو من رؤية البصر. وقال الفنجديهي في شرحه: فما ترون؟ أي فما تظنّون فيما ترون؟ أي فيما تبصرون. تنأون: تبعدون. غظت، من الغيظ، أي لقد حرّكت غيظا. رمت أن تنبط أردت أن تخرج ماء. غضت. غيّبته وجففته، والغيض نقيض الفيض، وغاض الماء: ذهب في الأرض. *** فناشدهم الله عمّا ذا صدّهم؛ حتّى استوجب ردّهم؛ فقالوا: كنّا نتناضل بالألغاز؛ كما يتناضل يوم البراز؛ فما تمالك أن شعّث من المنضول، وألحق هذا الفضل بنمط الفضول. فلسنته لسن القوم، ووخزوه بأسنّة اللوم، وأخذ هو يتنصّل من هفوته، ويتندّم على فوهته، وهم مضبّون على مؤاخذته؛ وملبّون داعي منابذته، إلى أن قال لهم: يا قوم؛ إن الاحتمال من كرم الطّبع، فعدّوا عن اللذع والقذع، ثم هلمّ إلى أن نلغز، ونحكّم المبرّز. *** ناشدهم: حلّفهم. صدّهم: صرفهم وأزالهم. نتناضل: نترامى. البراز: القتال والألغاز: جمع لغز، وهو الكلام المعمّى، وألغز، إذا عمّى كلامه فلم يفهم ما يقصده، وأصله من اللّغز وهو الحجر الملويّ. ما تمالك: ما أبطأ ولا ملك نفسه. شعّث: غبّر، ويروى «شعّب». من المنضول أي نقصه وفرقه، والمنضول: المرميّ، أي قبّح فعلهم ومراماتهم. الفنجديهيّ: شعّث الدهر ماله، أي أخذه، والمنضول: المغلوب في النّضال، والمعنى فما صبر عن تشعيث همّ المغلوب ونصره وتخليصه عمّا أرتج عليه من اللّغز، ويقال: شعّث منه، أي عابه وتنقّصه، وكأنه عاب المنضول كيف أرتج عليه شيء سهل! وهذا تفسير حسن، إلّا أنّ مساق كلام الحريري أدلّ على التفسير الأوّل. نمط: نوع. لسنه: أخذه بلسانه. لسن القوم: فصحاؤهم. وخزوه: طعنوه.

стр. 1210

يتنصّل: يتبرّأ ويعتذر. هفوته: سقطته. فوهته: كلمته الّتي فاه بها، أي نطق. مضبّون: مقيمون ملتزمون، وأضبّ على الشيء: لازمه. مؤاخذته: إنشاب الشرّ معه، وتؤاخذ الرجلان: آخذ كلّ واحد منهما صاحبه بضرب أو شتم. ملبّون. مجيبون. منابذته: متاركته ومهاجرته، وقد نبذت الشيء؛ إذا رميته من يدك. الاحتمال: الصبر على الجفاء. عدّوا: انصرفوا وتنحّوا. اللذع: إحراق القلب باللوم والعتب. والقذع: السّبّ. نلغز: نعمّي الكلام ونلبسه على السامع. المبرّز: الغالب. *** فسكن عند ذلك توقّدهم، وانحلّت عقدهم، ورضوا بما بها شرط عليهم ولهم، واقترحوا أن يكون أوّلهم، فأمسك ريثما يعقد شسع، أو يشدّ نسع، ثم قال: اسمعوا وقيتم الطّيش، وملّيتم العيش، وأنشد ملغزا في مروحة الخيش: [الطويل] وجارية في سيرها مشمعلّة ... ولكن على إثر المسير قفولها لها سائق من جنسها يستحثّها ... على أنّه في الاحتثاث رسيلها ترى في ألوان القيظ تنطف بالنّدى ... ويبدو إذا ولّى المصيف قحولها *** ريث، أي بطء. شسع: شراكة النعل. أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «لن ينقطع شسع أحدكم إلا من ذنب عليه، فليستغفر الله وليرجع فإنها مصيبة عرضت عليه». والنّسع: شراكة مضفورة على هيئة النعال، ويشدّ بها الرّحل وغيره. وقيتم: كفيتم. الطيش: خفة العقل. ملّيتم: طوّل لكم. الخيش. ثياب خشنة من الكتان، وهذه المروحة تستعمل ببلاد العراق تكون شبه الشراع للسفينة، وتعلق من سقف البيت، يشدّ فيها حبل ويدار بها مشيها، وتبلّ بالماء وترشّ بماء الورد، فإذا أراد الرجل في القائلة أو الليل أن ينام جذبها بحبلها، فتذهب بطول البيت وتجيء؛ فيهبّ على الرجل منها نسيم طيّب الريح بارد فيذهب عنه أذى الحرّ ويستطيب به النوم وهي فوقه ذاهبة وجائية، ولذلك سمّاها جارية. ومشمعلّة: سريعة الذهاب. قفولها: رجوعها. والسائق: الشريط الذي يسوقها إذا جذبت به. يستحثّها: يستعجلها، ومن جنسها، أي هو من كتان مثلها أو من قنّب. والاحتثاث: التّعجيل. رسيلها، أي مرسلها، ويرسل معها لزاوية البيت ويرجع معها، والرّسيل: الفرس يرسل مع آخر في السباق. أوان القيظ: وقت الصيف. تنطف: تقطر، ونطف الماء: سال وقطر، والندى: الرشّ الضعيف. وقحولها: يبسها. ولّى: أدبر، وإذا ولّى الحرّ لم يحتج إليها، فلا ترشّ ولا تستعمل فتيبس. وللسريّ الموصليّ فيها: [الطويل]

стр. 1211

ومبثوثة في كلّ غرب ومشرق ... لها أمّهات بالعراق بواطن يحرّك أنفاس الرّياح حراكها ... كأنّ نسيم الروض فيهنّ كامن وله أيضا: [الطويل] وخيش كما انجرّت ذيول غلائل ... مصندلة يختال فيها الكواعب وقد أطلعت فيها الشمال وانثنت ... مقيّدة عن جانبيها الجوانب وممّا يكتب على مروحة الكفّ: [مجزوء الرمل] أنا في الكفّ لطيفه ... مسكني قصر الخليفه أنا لا أصلح إلا ... لظريف أو ظريفه أو وصيف حسن الق ... دّ شبيه بالوصيفه وفيها أيضا: [الرجز] إنني أجلب الرّيا ... ح وبي يدفع الخجل وحجاب إذا الحبيب ... ثنى الرّأس للقبل *** ثمّ قال: وهاكم يا أولي الفضل، ومراكز العقل، وأنشد ملغزا في حابول النّخل: [مجزوء الوافر] ومنتسب إلى أمّ ... تنشّأ أصله منها يعانقها وقد كانت ... نفته برهة عنها به يتوصّل الجاني ... ولا يلحى ولا ينهى *** قوله: هاكم، أي خذوا. مراكز العقل: مواضعه ومحالّه، كأنّ العقل ركّز فيهم. والحابول: حبل يصعد به على النخل يعمل من ليفها، وهو حبل يعقد حلقة، ويدخل فيها الرجل ويدرّجه على النّخلة شيئا شيئا عند طلوعه حتى يصير بأعلاها، وحبل النخل ليس فيه شيء من الملاسة ولا في النخلة ذلك، فله بها استمساك، ولذلك جعله معانقا لها، لأنه استدار بها، وقيل له: حابول لأنه لا يستعمل إلا للصّعود على النخيل، فرقا بينه وبين الحبل المستعمل لكلّ شيء، ولمّا كان يصنع من ليف النخل، جعل النّخلة أمه. برهة: زمانا. والجاني: الذي يجني الثّمر، ألغز به وأوهم أنه الذي يجني جناية. يلحى: يلام ويسبّ. ثم قال: ودونكم الخفيّة العلم، المعتكرة الظّلم، وأنشد ملغزا في القلم: [الوافر] ومأموم به عرف الإمام ... كما باهت بصحبته الكرام

стр. 1212

له إذ يرتوي طيشان صاد ... ويسكن حين يعروه الأوام ويذري حين يستسعى دموعا ... يرقن كما يروق الابتسام *** قوله: العلم، أي الرّقم في الثوب، فأراد أنها خفيّة في اللغز، فعلمها الذي تعرف به خفي. والمعتكرة: الشّديدة السواد. ومأموم: برأسه آمة، أي شجّة، يريد الشقّ برأسه، والإمام: أمير المؤمنين، وجعله معروفا بالقلم، لأنّ القلم يبدي أسرار الملك وأخباره في كتبه. وقيل: الإمام الكتاب، من قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [الإسراء: ٧١]، أي بكتابهم، وقيل بنبيهم، ولا يمتنع أن يريد بالمأموم المتّبع، وإمامه. الذّهن الذي يملي عليه، أو يد الكاتب به، وقيل: سمّاه مأموما، لأنه يؤم القرطاس، أي يقصده ويتبعه والإمام كتاب الله لأنه يتّبع ويؤتم به، ويقتدى بما فيه. باهت: افتخرت. والكرام: الكتبة لقوله تعالى: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ* كِرامٍ بَرَرَةٍ [عبس: ١٦ - ١٧]. ولا مرتبة أشرف من مرتبتهم بعد الإمرة، ولذلك قال الصابي: [الطويل] وقد علم السّلطان أنّي لسانه ... وكاتبه الكافي السّديد الموفّق أوازره فيما عرا وأمدّه ... برأي يريه الشّمس واللّيل أغسق فيمناي يمناه ولفظي لفظه ... وعيني له عين بها الدّهر يرمق طيشان صاد، أي جولان عاطش، وطاش: خفّ. يعروه: يقصده. والأوام: العطش، يريد أن القلم إذا ارتوى بالمداد أسرع في الكتابة وإذا جفّ توقف وأمسك. يرقن: يعجبن. ونظر المأمون إلى جارية تكتب، فقال: [الطويل] وزادت لدينا حظوة حين أطرقت ... وفي إصبعيها أسمر اللون أهيف أصمّ سميع ساكن متحرّك ... ينال جسيمات العلا وهو أعجف وقال العلويّ: [الطويل] إذا ما التقينا وانتضينا صوارما ... يكاد يصمّ السامعين صريرها تساقط في القرطاس منها بدائع ... كمثل اللآلي نظمها ونثيرها ثم قال: وعليكم بالواضحة الدّليل، الفاضحة ما قيل، وأنشد ملغزا في الميل: [الطويل] وما ناكح أختين جهرا وخفية ... وليس عليه في النّكاح سبيل متى يغش هذي يغش في الحال هذه ... وإن مال بعل لم تجده يميل يزيدها عند المشيب تعهّدا ... وبرّا وهذا في البعول قليل ***

стр. 1213

قوله: الواضحة، أي البينة. الفاضحة، أي المبدية لعيب ما قيل قبلها من اللغز. والميل: المرود. والأختين: العينين. ليس عليه سبيل، مع أنّ الجمع بين الأختين. لا يجوز. يغش: يدخل لها. مال: عدل وزال عنها. والبعل: الزوج. تعهّدا: تفقّدا. برّا: إكراما. يريد أنّ الأبصار عند الكبر يضعف نظرها فتحتاج إلى الكحل. وقيل: عبّر بالمشيب عن مره العين وهو فسادها من ترك الكحل. *** ثمّ قال: وهذه يا أولي الألباب، معيار الآداب، وأنشد ملغزا في الدّولاب: [الوافر] وجاف وهو موصول ... وصول ليس بالجافي غريق بارز فاعجب ... له من راسب طافي يسحّ دموع مهضوم ... ويهضم هضم متلاف وتخشى منه حدّته ... ولكن قلبه صافي *** أولي الألباب، أي أهل العقول. معيار: مقياس يعبّر به، وتقول: عايرت المكاييل، إذا قست بعضها ببعض، وساويت بينها. والدّولاب: الناعورة. والجافي: الثقيل، يريد أنّ الدولاب جاف في نفسه وخلقته، وليس بجاف لسرعة حركته ودورانه. وموصول: ليس من عود واحد. وصول، يعني للرياض بمائة ولهذه المنفعة صنع. قوله: ليس بالجافي، يعني إذا فارق الماء عاد إليه لا يجفوه، والجفاء يكون في الخلقة والخلق، يقال: رجل جافي الخلقة، أي غليظ، وجافي الخلق إذا كان كزّا غليظ العشرة، وجفا الشيء يجفو جفاء: لم يلزم مكانه، وجفا جنبه عن الفراش: لم يطمئنّ، ويجفوه، ضدّ يصله، جفوة: مرة واحدة، وجفاء مصدر عام، ورجل وصول: كثير الوصل. وقال الرّصافي في هذا المعنى فأحسن: [مخلع البسيط] وذي حنين يكاد شوقا ... يختلس الأنفس اختلاسا إذا غدا للرياض جارا ... قال له المحل: لا مساسا يبتسم الرّوض حين يبكي ... بأعين ما رأين باسا من كلّ جفن يسلّ سيفا ... صار له غمده رئاسا ولأبي الفضل بن الأعلم في قواديس الساقية: [السريع] ونسّك كعبتهم حفرة ... من فارق الحفرة يبكيها حتى إذا ما أنفدوا دمعهم ... خرّوا على رءوسهم فيها وقال أعرابي في ساقية: [الكامل] باتت تحنّ وما بها وجدي ... وأحنّ مشتاقا إلى نجد

стр. 1214

فدموعها تحيا الرّياض بها ... ودموع عيني أحرقت خدّي قوله: غريق بارز، يريد أن بعضه يغرق في الماء وبعضه يبرز منه، وهو معنى راسب طافي، لأنك تقول: رسب الشيء في الماء، إذا هبط في قعره وسفل فيه، وطفا، إذا ارتفع على وجه الماء. يسحّ: يصبّ. مهضوم ويهضم: ينقص. متلاف: مبذّر للمال، يريد كثرة أخذه للماء وإراقته له. حدّته: سرعة جريه، لأنه إن نشب بأحد في جريه أهلكه. وقلبه صافي، لأنه ليس من الحيوان فيعتقد شرّا إن أحرج. ولابن سعد الخير البلنسيّ بن دولاب: [البسيط] لله دولاب يفيض بسلسل ... في روضة قد أينعت أفنانا قد طارحته بها الحمائم شجوها ... فيجيبها ويراجع الألحانا وكأنه دنف يدور بمعهد ... يبكي ويسأل فيه عمّن بانا ضاقت مجاري دمعه عن جفنه ... فتفتّحت أضلاعه أجفانا ولبعض أصحابنا: [المنسرح] وقدّه الحسن في محاسنها ... للعين قيد وللحجا شرك تبكي فتبدي حنين ذي نسك ... بعد التّصابي وما بها نسك إذا بكت في الرّياض من طرب ... بدا بوجه الأزاهر الضّحك كأنّ ما انهلّ من مدامعها ... رجوم شهب يقلّها فلك *** قال: فلمّا رشق، بالخمس الّتي نسق، قال: يا قوم تدبّروا هذه الخمس، واعقدوا عليها الخمس، ثمّ رأيكم وضمّ الذّيل، أو الازدياد من هذا الكيل. قال: فاستفزّت القوم شهوة الزّيادة، على ما أشربوا من البلادة، فقالوا: إنّ وقوفنا دون حدّك، ليفحمنا عن استيراء زندك، واستشفاف فرندك، فإن أتممت عشرا فمن عندك؛ فاهتزّ اهتزاز من فلج سهمه، وانخزل خصمه. قوله: رشق، أي رمى، مأخوذ من رشق السهام، يقال: رشقت رشقا، أي رميت، والرّشق بالكسر: اسم للسهام، وهو اسم للهدف الّذي يرمونه. نسق: تابع واحدا بعد واحد، وكلّ شيء تبع بعضه بعضا على السواء فهو نسق. ضمّ الذيل: التشمير. الفنجديهي: ضمّ الذيل كناية عن الاكتفاء بهذه الأحاجي الخمس، والسكوت عن طلب الزيادة، يريد بالازدياد من الكيل، أن يزيدهم من حسن الأحاجي. واستفزّتهم: استدعتهم واستخفّتهم، الزّجّاج في قوله تعالى: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ [الإسراء: ٦٤] أي استدعه لتستخفّ به إلى إجابتك، واستفزّه: ختله حتى ألقاه في مهلكة. أشربوا: سقوا ودوخلوا وخولطوا، وكلّ لون خالط لونا آخر فقد أشربه.

стр. 1215

والبلادة: التّحير في الأمر، والبليد المتحيّر: الذي لا يدري أين يتوجه، الأصمعيّ: البليد: الذي يضرب بإحدى بلدتيه على الأخرى من الغمّ عند المصيبة. والبلدة هي الرّاحة، يقال: تبلّد الرجل، إذا تحيّر وضرب بإحدى يديه على الأخرى، يريد أنّ البلادة مشت فيهم وأشربتهم. *** ثم افتتح النّطق بالبسملة، وأنشد ملغزا في المزمّلة: [الطويل] ومسرورة مغمومة طول دهرها ... وما تدري ما السرور ولا الغمّ تقرّب أحيانا لأجل جنينها ... وكم ولد لولاه طلّقت الأمّ وتبعد أحيانا وما حال عهدها ... وإبعاد من لم يستحل عهده ظلم إذا قصر اللّيل استلذّ وصالها ... وإن طال فالإعراض عن وصلها نعم لها ملبس باد أنيق مبطّن ... بما يزدرى لكن لما يزدرى الحكم *** قوله: المزمّلة، أي الملففة، وقد زمّلت، إذا لفّفت، وهي آنية يبرّد فيها الماء، شبه الخابية، تستعمل بأرض العراق وتوضع عليها لفائف ثياب خشنة، وتغشّى بجلد أو ثوب مزيّن، حسن لنظر العين، ومن تحته تلك الأغشية الخشنة الّتي لها السرّ والحكم في تبريد الماء. ومسرورة، أي محمولة على سرير، وهم يجعلون تحتها مرفعا من عود أو حديد، ترتفع به عن الأرض فهو سريرها، وكذلك رأيت خوابي الماء بسجلماسة، كلها على أسرّة عود. وقيل مسرورة: مغمومة مغطاة، وسرير الكمأة: ما غطاها من التراب. والغم: ضدّ السرور. جنينها: ولدها، أراد به الماء. وحال: تغيّر. عهدها: التقاؤها وقربها. غنم: غنيمة. أنيق: معجب. يزدرى: يحتقر، وأراد بالحكم معنى تبريد الماء، وأراد أن ما بدا منها للناظر فهو غشاء حين يعجب من رآه، وهو قد بطّن بلفائف غلاظ مستحقرة، ولها معنى تبريد الماء، وقال السريّ الموصليّ في المزمّلة: [الطويل] وحافظة ماء الحياة لفتية ... حياتهم أن تستلذّ المشارب تسربلها أجفى اللباس وإنّما ... يليق بها أفوافه والسباسب على جسد مثل الزّبرجد لم يزل ... يشاكله في لونه ويناسب إذا استودعت حرّ اللجين سبائكا ... تصوّب في أحشائها وهو ذائب فهذه القطعة وقطعة المقامة تدل على تفسيرنا، وبه كان يفسر شيخنا ابن جهور ﵀، حدّثنا بذلك شيخنا أبو بكر بن أزهر عنه. وأما الفنجديهي ففسر المزمّلة بتفسير غير مرضيّ، وذلك أنه قال: المزمّلة موضع يغطّى؛ ويحشى تبنا، ويوضع في وسط التّبن وعاء في القيظ يبقي الماء باردا، ويترك ثقبه في وسط الموضع لدخول الجرة

стр. 1216

فيها، ولهذا قال: «مسرورة» أي مقطوعة السرّة، وهو من سرّ الصبي، إذا قطعت القابلة سرّته. *** ثمّ كشر عن أنيابه الصّفر، وأنشد ملغزا في الظّفر: [الوافر] ومرهوب الشّبا نام ... وما يرعى ولا يشرب يرى في العشر دون النّح ... ر فاسمع وصفه واعجب كشر: كشف. أنيابه: أضراسه. الصّفر، يريد أنه لا يتعهدها بالسّواك، فلذلك اصفرّت وتلك الصفرة تسمى القلح، وقد قال في السادسة والعشرين: «بحسن ملحه وقبح قلحه». مرهوب: مخوف. الشّبا: الحدّ. نام: زائد، والظفر إذا ترك بغير تقليم طال. وما يرعى، يريد أن نمو الخلق وزيادته إنما هو بما يتغذى به من الأكل والشرب، وهذا يكبر ويزيد من غير غذاء. والعشر في الظاهر: عشر ذي الحجة. والنّحر: يوم النحر أي يوم العيد فأراد أن هذا المرهوب الشّبا إنما يظهر في العشر خاصّة، فإذا جاء يوم العيد وطول السنة بعده لم يظهر، وإنما يعني بالعشر الأصابع. والنّحر: العنق، أي أنّ الأظفار خلقت في الأصابع لا في العنق، أو يريد أن الظفر يرى في الأصابع العشر في عشر النّحر من ذي الحجة. *** ثمّ تخازر تخازر العفريت، وأنشد ملغزا في طاقة الكبريت. [الوافر] وما محقورة تدنى وتقصى ... وما منها إذا فكّرت بدّ لها رأسان مشتبهان جدّا ... وكلّ منهما لأخيه ضدّ تعذّب إن هما خضبا وتلغى ... إذا عدما الخضاب ولا تعدّ *** قوله: تخازر، أي نظر بمؤخر عينيه مستقلا لذلك، وهو نظر المحتقر لمن ينظر المنكر عليه. والعفريت: الشيطان المؤذي، وهو الرئيس من الجن، والكبريت، معروف فارسيّ معرّب. وطاقاته: قضبانه التي تجعل شيئا على شيء وهو الوقود الذي يشعل به المصباح. تقصى: تبعد. جدّا، أي كثيرا، ويريد بالرأسين طرفي قضيب الوقيد اللذين ينغمسان في الكبريت، وجعلهما ضدّين لأن هذا في طرف وهذا في طرف، فقد تباعدا وضدّ الشيء بعيد عنه، وجعلهما متشبهين؛ لأن شكل الطرفين وهما الرأسان شكل واحد. وخضبا: غمسا في الكبريت. وتلغى: تهجر وتترك، وقال ابن رشيق: [البسيط] إن كنت تنكر ما منك ابتليت به ... فإنّ برء سقامي عزّ مطلبه

стр. 1217

أشر بعود من الكبريت نحو فمي ... وانظر إلى زفراتي كيف تلهبه *** ثمّ تخمّط تخمّط القرم، وأنشد ملغزا في حلب الكرم: [مجزوء الوافر] وما شيء إذا فسدا ... تحوّل غيّه رشدا وإن هو راق أوصافا ... أثار الشّرّ حيث بدا زكيّ العرق والده ... ولكن بئس ما ولدا *** قوله: تخمّط، أي تكبّر وتهيّأ للقول، وأصل التّخمّط للقرم، وهو فحل الإبل، وتخمّط: تهيّأ للهدير وأخذ في الصّياح والهجوم على الإبل. وحلب الكرم، أراد الخمر، لأنها تحلب من العنب. والحلب: اللبن المحلوب، يقول: الخمر إذا فسدت صارت خلا، فحلّ استعمالها، فقد صار غيّها وهو فسادها رشدا، أي صلاحا، وقال أبو بكر بن القبطرنة في خمر له فسدت فصارت خلا: [الطويل] أبا حسن إني فجعت بصاحب ... أنيس يسلّي الهمّ عند احتلاله غدت بنت بسطام بن قيس بدنّها ... وأمست كجسم الشّنفرى بعد خاله قوله: «غدت بنت بسطام بن قيس»، أي صهباء، لأن بسطام بن قيس يكنى أبا الصهباء. وقوله: «وأمست كجسم الشنفرى»، أي خلا، لأنه يريد قول الشّنفرى: [المديد] * إنّ جسمي من بعد خالي خلّ (١) * أي مختلّ. وقال آخر في ذلك: [البسيط] حسبتها بنت بسطام لها أرج ... ثم افتضضت ختاما من أبي سلمه عرّض بأبي سلمة الخلّال. ومن التعريض المركّب على هذا المعنى قول الشاعر: [المتقارب] شربت مداما تسرّ التريفا ... فأصبحت تجرّع خلا ثقيفا

стр. 1218

وصرت حجازا جديب المحلّ ... وقد كنت للطالب الخصب ريفا وقال آخر: [الرمل] يا عقارا صار خلا ... وملاذا للبعوض سر فما لي فيك حظّ ... كان ذا قبل الحموض ما أبالي بعد أكل الزّب ... د من طرح المخيض قوله: راق أوصافا، أي حسنت أوصافه وحسنها أن توصف بالرّقة والصفاء والحمرة والقدم وقوة الفعل، يقول: فإذا كانت أوصافه معجبة أوقد الشر حيثما حضر فإذا فسدت أوصافه صلح. زكيّ العرق: كريم الأصل، والزكاء: النماء والزيادة، أي كثير الفضل والخير، وأراد أنها شجرة مباركة يكون منها العنب والزبيب والرّبّ، ولكنها تلد ولد سوء، وهو الخمر، وأخذ هذا المعنى من قول الشاعر: [البسيط] فإن فخرت بآباء لهم شرف ... قلنا صدقت، ولكن بئس ما ولدوا أو يريد لذّة العنب. *** ثمّ اعتضد عصا التّسيار، وأنشد ملغزا في الطّيّار: [المتقارب] وذي طيشة شقّه مائل ... وما عابه بهما عاقل يرى أبدا فوق علّيّة ... كما يعتلي الملك العادل تساوى لديه الحصا والنّضار ... وما يستوي الحقّ والباطل وأعجب أوصافه إن نظرت ... كما ينظر الكيّس الفاضل تراضى الخصوم به حاكما ... وقد عرفوا أنّه مائل *** قوله: اعتضد، جعلها تحت عضده. التّسيار: السّير. والطّيّار: ميزان معروف عندهم، يرجّحه أيسر شيء؛ فلخفّته سمّي الطيّار. وقيل: الطّيّار. ميزان الدراهم المعروف عندهم بالقارسطون. الفنجديهي: الطيّار: لسان الميزان. طيشة خفة. شقّه: نصفه وجانبه، فيريد بالظاهر: وذي حمق وخفة أصابه خدر وفالج، فيبس جنبه فمال على الجانب الصحيح، ومع ذلك لا يرى أبدا إلا في مكان مرتفع عاليا كما يفعل الملك، والحجارة والذهب عنده سواء. والنّضار: الذهب، ثم قال: وإذا نظرت إليه نظر كيّس حاذق رأيت في وصفه عجبا حين كان الناس يتراضون بحكمه مع معرفتهم بأنه ناقص الخلقة، لا يعدل في حكمه إنما هو ميّال مع أحد الخصمين. والعلّية: اليد التي يمسك عليها الميزان.

стр. 1219

[من الألغاز] وقال أبو نواس يلغز: [السريع] واسم عليه جنن للصبا ... وضمّه للوصف دوّار فضحت عنه سرّ كتمانه ... وكان من شأني إظهار يحذف أول مبتدإ لاسمه ... ثم يكون الوصف إضمار فذاك عل في لعلّ وفي ... قولك في حارث: يا حار فهو بحذف ذا وترخيم ذا ... أح لمن تلذعه النار الاسم راحة، يحذف أوّل حرف وآخر حرف، ويبقى أح، وهو من لذعته النار. وقال آخر: [السريع] ويلي من الحبّ وويلاه ... ملّك قلبي وتناساه من ثالث العنبر بعض اسمه ... ورابع العنبر أولاه وقوله عند سؤالي له: ... ما في اسمه والحافظ الله؟ الاسم رعبلان. وأنشد ابن إسحاق النحويّ: [الكامل] حلف الحبيب عليّ لا سميته ... فكنّيته وأطعت خوف تغاضبه ظبي إذا ما زارني حلّ اسمه ... قلبي وذاك من عجيب عجائبه ويكون إن رخّمته وجزمته ... وقلبته ما تشتهي من صاحبه ويكون بعد الجزم إن فكرت في ... التّصحيف مقلوبا أشدّ معايبه الاسم فرجة. وأشدّ معايبه فرج، وهو ما يشتهي من صاحبه، إذا حذفت الهاء. وقال ابن شرف: [السريع] ما آكل يعطى على أكلة ... إعطاء إقلال وإكثار لقمته قيمتها وحدها ... من غير خلف ألف دينار هو فرج المرأة. وله في المرآة: [الرمل] ما يقول الشيخ في شي ... ء تراه ويراكا ثم لا تلقاه إلا ... حين لا يلقى سواكا وله أيضا في الإبرة: [الرجز] ضئيلة الجسم لها ... فعل متين السّبب

стр. 1220

حافرها في رأسها ... وعينها في الذّنب ولغيره في الميزان: [الوافر] وقاض قد قضى في الأرض عدل ... له كفّ وليس له بنان رأيت الناس قد قبلوا قضاه ... ولا نطق لديه ولا بيان وقال العلويّ الأصبهاني يلغز في النّسر الواقع: [الطويل] وركب ثلاث كالأثافي تعاوروا ... دجا الليل حتى أومضت سنة الفجر إذا اجتمعوا سميتهم باسم واحد ... وإن فرّقوا لم يعرفوا آخر الدّهر وأنشد الحاتمي في الخفاش وهو طائر الليل: [الطويل] أرى علماء النّاس لا يعرفونني ... وقد ذهبوا للعلم في كلّ مذهب بجلدة إنسان وصورة طائر ... وأظفار يربوع وأنياب ثعلب وأنشد في الطائر وظله: [الوافر] عجبت لطائر في الحوم طارا ... وكانا واحدا فاثنين صارا فهذا طائر في الجوّ يهوي ... وذا مستأنس لزم القرارا وأنشدوا في مصراع الباب: [الطويل] عجبت لمحرومين من كلّ لذّة ... يبيتان طول اللّيل يعتنقان إذا أمسيا كانا على الناس مرصدا ... وعند طلوع الشمس يفترقان وأنشدوا: [الطويل] فما ميت أحيا به الله ميتا ... ليخبر قوما أنذروا ببيان وعجفاء قد قامت لتنذر قومها ... وأهل قراها رهبة الحدثان الميت الأوّل بقرة بني إسرائيل، والميت الثاني الذي ضرب ببعضها والعجفاء نملة سليمان ﵇. والألغاز أكثر من أن يأتي عليها الحصر. *** قال: فظلّت الأفكار تهيم في أودية الأوهام، وتجول جولان المستهام، إلى أن طال الأمد، وحصحص الكمد. فلمّا رآهم يزندون ولاسنا، ويقضون النّهار بالمنى، قال: يا قوم؛ إلام تنظرون، وحتّام تنظرون! ألم يأن لكم استخراج الخبيّ، أو استسلام الغبيّ! فقالوا: تالله لقد أعوصت، ونصبت الشّرك فقنصت؛ فتحكّم كيف شيت، وحز الغنم والصّيت، ففرض عن كلّ معمّى فرضا، واستخلصه

стр. 1221

منه نضّا. ثم فتح الأقفال، ووسم الأغفال، وحاول الإجفال. فاعتلق مدرة القوم، وقال له: لا لبسة بعد اليوم. فاستنسب قبل الانطلاق؛ وهبها متعة المطلاق، فأطرق إطراق مريب، ثم أنشد والدّمع مجيب. *** قوله: تهيم أي تتحيّر والهائم: الذي يركب رأسه ويمشي على غير هداية. الأوهام: جمع وهم وهو ما تتوهمه وتتصوره في نظر مسألة مشكلة، إما خطأ وإما صوابا، وأراد أن أفكارهم كانت تتحيّر في نظر ألغازه ولا تهتدي. تجول: تتصرّف. المستهام: العاشق الذي ذهب به الحبّ كلّ مذهب. حصحص: تبيّن الكمد: الحزن والهمّ: يزندون ولاسنا: يقدحون الزّند، ولا يظهر لهم ضوء، أي تضرب أذهانهم الألغاز، فترجع بلا فهم. ويقضون: يقطعون يومهم بأمانيّ لا محصول لها. [مما قيل في التمني] قال عليّ بن أبي طالب ﵁: إيّاك والمنى فإنها بضائع النّوكى، وتثبّط عن الآخرة والأولى، وأشرف الغنى ترك المنى. عليّ بن عبيدة الزنجاني: الأمانيّ مخايل الجهل. وقال غيره: الأمانيّ تخدعك وعند الحقائق تدعك. وفي ضدّه: أفلاطون: التمني حلم المستيقظ وسلوة المحروم. غيره: الأمل رفيق مؤنس إن لم يبلّغك فقد ألهاك. قيل لأعرابيّ: ما أمتع لذات الدنيا؟ قال: ممازحة الحبيب، ومحادثة الصديق، وأمانيّ تقطع بها أيامك. وأنشد الثعالبيّ: [السريع] ولا تكن عبد المنى ... رءوس أموال المفاليس وقال مسلم بن الوليد: [الطويل] وأكثر أفعال الغواني إساءة ... وأكثر ما تلقى الأماني كواذبا وأنشد أبو تمام في ضدّه: [الطويل] منى إن تكن حقّا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا أمانيّ من ليلى حسانا كأنما ... سقتني بها ليلى على ظمأ بردا ابن المعتزّ يصف ساقيا: [البسيط] فظلّ يناجينى يقلّب طرفه ... بأطيب من نجوى الأماني وألطفا غيره: علّليني بموعد ... وامطلي ما حييت به

стр. 1222

ودعيني أفوز من ... ك بنجوى تطلّبه فعسى يعثر الزّما ... ن بخطّي فينتبه قوله: تنظرون، أي تؤخّرون. يأن: يحن ويقرب. الخبيّ، أي المخبوء المستور، يريد ما خبّأ لهم في الشعر من اللّغز. استسلام: انقياد. الغبيّ، أي الجاهل بالشيء. أعوصت: أتيت بعويص وهو الصّعب. الشّرك: آلة يصاد بها. قنصت: صدت. الغنم: الغنيمة والجائزة. الصّيت: الذّكر الحسن. ينشر في الناس ويشيع. فرض: قسط. وأوجب: وألزم. والفرض: العطية واستخلصه: جعله خالصا. نضّا: حاضرا. فتح الأقفال، أي حلّ ألفاظ الألغاز وإلباسها وكأنّها لتعميتها كأنّ عليها أقفالا، فحلّها بتفسير. والأغفال: جمع غفل، وهو الشيء المهمل ليس له علامة يعرف بها. وسمها: جعل لها علامة حاول الإجفال، أراد الفرار، وأجفل القوم: انهزموا. ومدرة القوم: لسانهم وفصيحهم المتكلّم عنهم، وأصل المدرة المدفاع، وقد درهته، إذا دفعته: لبسة: شبهة، وقد التبس الأمر إذا أشكل، ومتعة الطلاق، أن يهب الرجل لامرأته شيئا من ماله إذا طلّقها يسلّيها بذلك عن فراقه لها، وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أكثر المتعة خادم، وأقلها ثلاثون درهما، وقيل: أكثرها خادم وأوسطها ثوب وأقلها ما له ثمن. وهبها: احسبها، يقول: احسب انتسابك لنا متعة وتسلية لفراقك عنا. أطرق: أمال رأسه وسكت مريب: صاحب ريبة. والدّمع مجيب، يريد أن إنشاده دعا دمعه فأجابه وقد قال أبو الطيب: [البسيط] * أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل (١) * يريد أنه لمّا وقف على الطلل وهو أثر دار أحبابه هيّجه لهم فبكى، فالطلل لمّا دعاه للتذكّر أجابه بدموعه. [المجتث] *** سروج مطلع شمسي ... وربع لهوي وأنسي لكن حرمت نعيمي ... بها ولذّة نفسي واعتضت عنها اغترابا ... أمرّ يومي وأمسي ما لي مقرّ بأرض ... ولا قرار لعنسي يوما بنجد ويوما ... بالشّام أضحي وأمسي

стр. 1223

أزجي الزمان بقوت ... منغّص مستخسّ ولا أبيت وعندي ... فلس، ومن لي بفلس! ومن يعش مثل عيشي ... باع الحياة ببخس ثمّ إنّه اختبن خلاصة النّضّ، وندر ضاربا في الأرض، فناشدناه أن يعود، وأسنينا له الوعود؛ فلا وأبيك ما رجع، ولا الترغيب له نجع. *** قوله: مطلع شمسي، يريد أن سروج هي بلده التي نشأ فيها. ربع: منزل. اعتضت: استبدلت. أمرّ: جعله مرّا. مقرّ: إقامة. قرار: سكون وإقامة عنسي: ناقتي الوثيقة، نجد: ما ارتفع من الأرض، وأنجد: أتى نجدا. والشأم: أخذ من اليد الشؤمى. أزجي: أسوق. منغّص: مكدّر، ويقال: نغّص علينا فلان، أي قطع علينا ما كنا نحبّ الاستكثار منه، وكلّ من قطع شيئا يحبّ الازدياد منه فهو منغّص. مستخسّ: مستهجن. بخس: نقصان. اختبن: جعله في خبنته، وهو طرف ثوبه، والخبنة كالحجزة للإزار، والخلاصة: ما خلص له منه وصفا. وندر: سبق، وذهب يضرب في الأرض إذا سار فيها، وأصل ندر، خرج وطار، مثل النّواة إذا طارت من تحت المرضخ وشبهها. فناشدناه: حلّفناه. يعود: يرجع. أسنينا: عظّمنا وجعلناها سنيّة أي رفيعة. والوعود: جمع وعد، وهو ما وعدوه به من المال. الترغيب: التطميع، وقد رغّبته في الشيء إذا زيّنته له وطمّعته فيه. ونجع: نفع، وقد نجع عليه الطعام، إذا أصلح عليه جسمه.

стр. 1224

المقامة الثالثة والأربعون وهي البكريّة حكى الحارث بن همام قال: هفا بي البين المطوّح، والسّير المبرّح، إلى أرض يضلّ بها الخرّيت، وتفرق فيها المصاليت، فوجدت ما يجد الحائر الوحيد، ورأيت ما كنت منه أحيد؛ إلا أنّي، شجّعت قلبي المزءود، ونسأت نضوي المجهود، وسرت سير الضّارب بقدحين، المستسلم للحين؛ ولم أزل بين وخد وذميل، وإجازة ميل بعد ميل؛ إلى أن كادت الشّمس تجب، والضّياء يحتجب فارتعت لإظلال الظّلام، واقتحام جيش حام، ولم أدر أأكفت الذّيل وأرتبط، أم أغتمد اللّيل وأختبط! . *** هفا، أي طار وخفّ. المطوّح: المبعد المشفي على الهلاك، وقد طوّحت الشيء، إذا رميت به وألقيته إلقاء منكرا. المبرّح: الشاقّ المتعب، وقد برّح الأمر، إذا عظم واشتدّ. يضلّ: يتحيّر ويتلف. الخرّيت: الدليل، وقيل: هو من خرت الإبرة كأنه من حسن دلالته يهتدي على مثال خرت الإبرة وهو ثقبها. تفرق: تفزع المصاليت: الشجعان الماضون في الحروب، واحدهم مصلات، قال الفرّاء: المنصلت: المسرع من كلّ شيء، وجمعه مصالت ومصاليت. أحيد: أخاف وأميل عنه. المزءود: المفزّع، وزئد الرجل: فزع نسأت: ضربت بالمنسأة، وهي العصا. نضوي: بعيري. المجهود: المتعب قدحين: سهمين. [قداح الميسر] وكان الرجل في الجاهلية يمسك ثلاثة أقداح، على أحدها مكتوب: «أمرني ربي»، وعلى الثاني «نهاني ربي»، والثالث غفل لا شيء عليه وهو المنيح، فإذا أراد سفرا أو أمرا ضرب بها، فإن خرج له «أمرني ربي» مضى آمنا، وإن خرج له «نهاني ربي» ترك ذلك الأمر وإن خرج له غفل أعاد الضّرب. وقيل: كان يمسك قدحين مكتوب على أحدهما «افعل» وعلى الثاني «لا تفعل»، فإن خرج «أفعل» مضى، وإن خرج «لا تفعل» ترك.

стр. 1225

وقيل: كان لا يمضي حتى يخرج له «افعل» ثلاث مرات، ولا يترك المضيّ حتى يخرج له «لا تفعل» ثلاث مرات، فإن خرج له مرة «افعل» ومرة «لا تفعل» ولم يخلص له أحدهما، فإن مضى في ذلك الأمر مضى وهو يرجو ويخاف، وهذا هو الذي أراد الحريري لأنه كان بين الرجاء والخوف. ولما قتل حجر أبو امرئ القيس، أخذ امرؤ القيس أزلامه وهي القداح، وأتى ذا الخلصة- وهو صنم لدوس وخثعم وبجيلة- فاستقسم عندها بالأزلام فخرج له القدح الذي يكره، فأخذ الأزلام وكسرها وضرب بها وجه صنمها، وقال: [الرجز] لو كنت يا ذا الخلص الموتورا (١) ... مثلي وكان شيخك المقبورا لم تنه عن قتل العداة زورا وحكى الفنجديهيّ، قال: الضارب بقدحين، يعني به قول الناس: إمّا الغنم، وإمّا الغرم، وإمّا الملك وإمّا الهلك قال الشاعر: [المتقارب] ضربت بها البيت ضرب القدا ... ح إما لهذا وإمّا لذا والقدح: السهم قبل أن يراش ويركّب نصله. وحكى ابن ظفر أن الأزلام سبعة قداح، مكتوب على أحدها «نعم» وعلى الآخر «لا» وعلى قدح «منكم» وعلى قدح «من غيركم» وعلى قدح «ملصق» وعلى قدح «العقل»، وعلى قدح «فضل العقل». وكانت بيد سادن الأصنام، فيأتيه ذو الحاجة بدراهم، فيسأل الصنم أن يوضّح له ما سأل عنه، ثم يضرب بالقداح، فإن أتى سائل عن تزويج أو سفر أو شبه ذلك مما يستشار في مثله ضرب له بالقدحين اللذين عليهما نعم ولا، فإن خرج «نعم» مضى على فعله وإن خرج «لا» ترك ذلك. فإن انتسب رجل إلى قبيلة ضرب له بالأقداح الثلاثة التي فيها «منكم» «من غيركم» «ملصق» فإن خرج «منكم» أضافوا نسبه إلى أنفسهم، وإن خرج «من غيركم» كان حليفا وإن خرج «ملصق» لم يكن له حلف ولا نسب. فإن أتى سائل عن قتيل أو جناية ضرب بالقدحين اللذين عليهما العقل، فإن خرج على قوم «العقل» برئ منه الآخرون، وإن عقلوا ففضل شيء، فإن اختلفوا فيه ضرب بالقدح الذي عليه فضل العقل، فإن خرج عليه أدّاه. ومعنى الاستقسام بها الرّضا بالقسمة بينهم من الأمر والنهي والبراءة والوجوب. وسهام الميسر عشرة: ثلاثة يتكثّر بها لا أنصباء لها، وسبعة لها أنصباء، فأوّلها الفذّ، وفيه فرضة واحدة وله نصيب واحد، والثاني التوأم وفيه فرضتان وله نصيبان، ثم

стр. 1226

الرقيب وفيه ثلاث فرض، وله ثلاثة أنصباء، ثم الحلس بأربع، والنافس بخمس، والمسبل بست، والمعلى، وهو أعلاها بسبع فرض وعلى عدد الفرض هي الأنصباء وقال ابن لبّال فجمعها في بيت: [الكامل] فذّ وتوأم والرقيب ونافس ... والحلس ثمّت مسبل ثم المعلّ واسم الثلاثة الّتي يتكثّر بها: الفسيح والمنيح والوغد؛ فإذا أرادوا الضّرب بها طلبوا أوّل رجل يلقونه، فشدّوا عينيه، ويسمونه الحرضة، وأقاموا له الرقيب وضرب، فكلّما خرج له قدح دفعه إلى الرقيب، والرقيب هو الأمين على الضّرب بالقداح، قال الشاعر: [المتقارب] لها خلف أذنابها أزمل ... مكان الرقيب من الياسر وكان أهل اليسار والجود من الجاهليّة عند شدّة الزمان، ينحرون الجزور ويقتسمونها ويضربون عليها بالقداح، فمن قمر جعل نصيبه لأهل الميسر، والقمار يكنى عنه بالميسر، وأصل الميسر موضع تنحر به الجزور، والياسر: الجازر، وتقسم الجزور عشرة أجزاء: العضدان في الكتفين جزءان، وهما ابنا ملاط، والعجز والزّور جزءان، والكاهل واللحاء عليهما الجنب بنصفين جزءان، والوركان عليهما الذّراعان جزءان، والفخذان وعليهما العنق مقسوما جزءان. وبقي جنب، وهم يستثنونه وقد لا يستثنونه، فيردّ منه على جزء الكاهل ضلعان وعلى سائرها ضلع ضلع، فإن فضلت قطعة أو عظم سمّي الزّيم، قال الشاعر: [الطويل] وكنت كعظم الريم لم يدر جازر ... على أيّ أدنى مقسم اللّحم يجعل (١) وقال الأصمعيّ في الميسر: إنّه شيء كانت الجاهلية تفعله، فليس عندنا منه حقيقة. قوله: المستسلم للحين، أي المنقاد للهلاك. الوخد: نوع من السّير وهو أن ترجم الأرض بقوائمها لسرعة سيرها. والذّميل: سير ليّن. تجب: تسقطللمغيب ارتعت: فزعت لإظلال: لقرب ودنوّ. اقتحام: دخول الشيء على غرر وحام، هو ابن نوح وقد تقدّم في الحادية والعشرين، وأراد بجيش حام ظلام الليل، لأنّ حاما أبو السّودان، أكفت: أقبضه وأشمّره. أرتبط: أربط بعيري أعتمد: أقصد. أختبط: أمشي على غير هداية، وأراد أنه لا يدري ما يفعل، أينزل ويبيت، أم يسير في الليل على غرر. ***

стр. 1227

وبينما أنا أقلّب العزم، وأمتخض الحزم، تراءى لي شبح جمل، مستذر بجبل، فترجّيته قعدة مريح، وقصدته قصد مشيح؛ فإذا الظّنّ كهانة، والقعدة عيرانة، والمريح قد ازدمل ببجاده، واكتحل برقاده، فجلست عند رأسه؛ حتّى هبّ من نعاسه؛ فلمّا ازدهر سراجاه، وأحسّ بمن فاجاه، نفر كما ينفر المريب. وقال: أخوك أم الذّئب! فقلت: بل خابط ليل ضلّ المسلك، فأضئ لي أقدح لك فقال: ليسر عنك همّك، فربّ أخ لك لم تلده أمّك. فانسرى عند ذلك إشفاقي، وسرى الوسن إلى آماقي، فقال: عند الصّباح يحمد القوم السّرى، فهل ترى كما أرى! *** العزم والحزم: اجتماع رأي الرجل على ما يريد أن يفعله فلا يتردّد فيه. أمتخض: أحرّك وأحلب، وأراد أنه أخذ يحدّث نفسه ويدبّر رأيه: هل يسري أو يقعد. تراءى، أي ظهر. مستذر: مستعل، والذروة أعلى الشيء، أراد أنه ظهر له شبح جمل، أي شخصه في أعلى جبل. قعدة: بعير يقعد عليه عند الركوب. مريح: مستريح، قد نزل يريح نفسه وبعيره. مشيح: مجدّ. والقعدة: المركوب. والعيرانة: الناقة الصلبة تشبّه بالعير، وهو حمار الوحش. وازدمل: التفّ. ببجاده: بكسائه. هبّ: انتبه. ازدهر: انفتح وأضاء سراجاه: عيناه. فأجاه: أتاه على غفلة. المريب: الذي أتى ريبة. أخوك أم الذيب، مثل، كأنه خاطب نفسه، فقال: أأخوك هو الذي رأيت أتى لمؤانستك أم ذئب لإذايتك، وتضمّن الكلام أن الاستفهام وقع بالذي رآه، فكأنه قال له: يا هذا، أأخ أنت أم صاحب فأركن إليك أم عدوّ فأحذرك؟ فأجابه بأن قال له: بل خابط ليل، أي ماش فيه على جهالة. ضلّ المسلك: أخطأ الطريق. أضيء لي: اكشف لي عن حالك. أقدح لك: أكشف لك عن حالي، وهذا أيضا مثل، وفي هذا التباس؛ لأنه إذا أضاء له، أي أعطاه ضوأه أو أظهره له، فأيّ حاجة له في القدح، وهو الضرب بالزّند ليخرج ناره، وإنما معناه أن رجلا كان طلب لآخر ضوءا مثل فتيل يوقده، فتخيّل من صاحبه أنه لا يعطيه، فقال له: أضيء لي، أي أعطني ضوءا فليس عليك فيه تكلّف فإنك إن أتيتني في مثلها فلم تجد لي ضوءا قدحت لك زندي، وتكلفت لك ذلك، ثم استعمل فيمن يطلعك على أمره فتطلعه من أمرك على ما هو أفيد ممّا أطلعك عليه، فمعناه أطلعني على ظاهر أمرك أطلعك على باطن أمري ويروى: «أكدح لك» قال أبو زيد: إذا طلب الرّجل إلى الرجل حاجة فلم يعرف وجهها، قال: أضيء لي أكدح لك، أي بيّن لي فأكدح لك، أي أسعى لك، وكدح لمعيشته: سعى واكتسب، وأضيء: أسرج. الفنجديهيّ: أضيء لي أكدح لك، مثل يضرب في المساواة بالأفعال، والمعنى:

стр. 1228

كن لي أكن لك، واسع لي أسع لك، والمراد به كن لي أكثر مما أكون لك لأن الإضاءة أكثر نفعا من القدح، ويقال: معناه: تولّ الأمر الهيّن أتولّ الأمر الصعب. ليسر: ليزل وليذهب. سرى عرق الشجرة يسري: دبّ تحت الأرض، وسرى يسري سار. [قصة المثل: رب أخ لم تلده أمك] ربّ أخ لك لم تلده أمك، معناه قد وجدت مني صديقا يقوم لك مقام شقيقك، وأصل المثل أن لقمان بن عاد رأى امرأته قد خلا بها رجل وهي تلاعبه ويلاعبها، ومعها صبيّ صغير يبكي، وهما قد أقبلا على شأنهما لا يكترثان به، فسألها عن الرّجل، فقالت: هو أخي، فقال ربّ أخ لك لم تلده أمك، يكذّبها في قصدها أي هو أخوك بالمحبّة والصداقة لا بالولادة. وقال في الدرّة: حكى ابن نصر الكاتب أن أباالعباس بن ياسر دخل عليه، رجل نصرانيّ ومعه فتى من أهل ملّته حسن الوجه، فقال له: من هذا الفتى؟ فقال له: بعض إخواني، فأنشد أبو العباس: [الطويل] دعتني أخاها أمّ عمرو ولم أكن ... أخاها ولم أرضع لها بلبان (١) دعتني أخاها بعد ما كان بيننا ... من الأمر مالا يصنع الأخوان وقالوا في هذا المعنى: ربّ بعيد أقرب من قريب، وقالوا: القريب من قرب نفعه، وقال أبو تمام: [الكامل] ولقد سبرت الناس ثم خبرتهم ... وبلوت ما وصفوا من الأسباب فإذا القرابة لا تقرّب قاطعا ... وإذ المودّة أقرب الأنساب وقال ابن ميادة: [الطويل] وإنّي لزوّار لمن لا يزورني ... إذا لم يكن في ودّه بمريب تقرّب لي دار الحبيب وإن نأت ... وما دار من أبغضته بقريب فلا تطلبنّ القرب والبعد بعدها ... إلى غير نيّات وغير قلوب وقال آخر: [الطويل] أخو ثقة يسرّ ببعض شأني ... وإن لم تدنه منّي قرابه أحبّ إليّ من ألفي قريب ... بنات قلوبهم لي مسترابه وقال ابن هرمة: [الكامل] هشّ إذا وقف الوفود ببابه ... سهل الحجاب مؤدّب الخدّام

стр. 1229

فإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيّهما أخو الأرحام انسرى: زال وذهب، وسروت الثوب عني إذا جردته. إشفاقي: خوفي. سرى الوسن: أقبل النوم. آماقي: آخر عيني، والموق طرف العين من جهة الأنف. [قصة المثل: عند الصباح يحمد القوم السري] قوله: عند الصباح يحمد القوم السري مثل؛ ومعناه إذا سرى القوم بالليل قطعوا أرضا كثيرة والأرض تطوى بالليل لمن يمشيها فإذا أصبحوا حمدوا سيرهم. وهذا المثل بيت من رجز وقع في شعر الشّماخ، وذلك أنه سافر في قوم من بني ثعلبة، فمشوا حتى إذا كانوا قريبا من تيماء، قال الشماخ لابن أخيه: انزل فاحد بنا، فنزل فحدا بهم ثم نزل القوم للحداء واحدا بعد واحد، فوقعت أراجيزهم في ديوان الشّماخ، فنسبت إليه، وأول الرجز: [الرجز] طاف خيال من سليمى فاعترى ... بنجد أو تيماء أو وادي القرى فمنع النّوم ومنّى بالمنى وفي آخره: [الرجز] عند الصّباح يحمد القوم السّرى ... وتنجلي عنهم غيابات الكرى (١) قال المفضّل الضبيّ: أوّل من قال ذلك خالد بن الوليد، لما بعث إليه أبو بكر ﵁ وهو باليمامة أن ينزل إلى العراق، فأراد سلوك المفازة، فقال له رافع الطائيّ: قد سلكتها في الجاهليّة، وهي خمس للإبل الواردة، وما أظنك تقدر عليها إلّا أن تحمل من الماء، فاشترى مائة شارف فعطّشها ثم سقاها الماء حتى إذا مضى يومان خاف العطش على النّاس والخيل، وخشي أن يذهب ما في بطون الإبل، نحرها، واستخرج ما في بطونها. فسقى النّاس والخيل ومضى، فلما كان في الليلة الرابعة قال رافع: انظروا، هل ترون سدرا عظيما؟ فإن رأيتموها وإلا فهو الهلاك، فنظر الناس فرأوها فأخبروه فكبّر وكبّر الناس ثم هجموا على الماء فقال خالد: [الرجز] لله درّ رافع أنّى اهتدى ... فوّز من قراقر أنّى سرى خمسا إذا سار بها الخيس بكى

стр. 1230

ما سارها من قبله إنس سرى ... عند الصّباح يحمد القوم السّرى ويقال: فوّز إذا ركب المفازة. وقراقر: اسم قرية من اليمن. والخيس: الجبان الضعيف، وقيل: الثّقيل. قال أبو عبيدة: والخمس أن تشرب الإبل يوم وردها وتصدر يومها فتظلّ بعد ذلك اليوم من الماء ثلاثة أيام سوى يوم الصدر، وترد اليوم الرابع فذلك الخمس. *** فقلت إنّي لك لأطوع من حذائك، وأوفق من غذائك، فصدع بمحبّتي، وبخبخ بصحبتي، ثمّ احتملنا مجدّين، وارتحلنا مدلجين، ولم نزل نعاني السّرى، ونعاصي الكرى؛ إلى أن بلغ اللّيل غايته، ورفع الفجر رايته. فلمّا أسفر الفاضح، ولم يبق إلّا واضح، توسّمت رفيق رحلتي، وسمير ليلتي، فإذا هو أبو زيد مطلب النّاشد، ومعلم الرّاشد، فتهادينا تحيّة المحبّين؛ إذ التقينا بعد البين، ثمّ تباثثنا الأسرار، وتناثثنا الأخبار، وبعيري ينحط من الكلال، وراحلته تزفّ زفيف الرّال؛ فأعجبني اشتداد أسرها، وامتداد صبرها؛ فأخذت أستشفّ جوهرها، وأسأله من أين تخيّرها. فقال: إنّ لهذه النّاقة خبرا حلو المذاقة، مليح السّياقة. فإن أحببت استماعه فأنخ، وإن لم تشأ فلا تصخ. *** قوله: حذائك، أي نعلك. صدع: كشف وأظهر. وبخبخ: قال: بخ بخ، وهي كلمة تقال عند الإعجاب. مجدّين: مجتهدين. مدلجين: ماشيين باللّيل. نعاني: نقاسي. الكرى: النوم. رايته، أراد ضوأه. أسفر: أضاء الفاضح: من أسماء الصبح سمّي بذلك لأنه يفضح الأشياء، أي لا يظهرها. واضح: بيّن، يريد أنّ الصبح كشف ما ستره الليل فاستبان كل شيء. توسمت: نظرت. الفنجديهي: واضح: نجم، والنجم الّذي يرى بعد الصّبح مضيئا في كثير من الأوقات وهو الزّهرة. ابن سيده: الواضح: الكواكب الخمس، إذا اجتمعت مع الكواكب المضيئة من كواكب المنازل. والخنّس: الراجعة والمتأخرة والمنقبضة. رحلتي: ارتحالي. والسمير: محادثك باللّيل. مطلب الناشد، أي حاجة الطلاب التي تلفت له، فجعل يطلبها. معلم الرّاشد: دليل الهادي، والمعلم: الجبل يعلم به الطريق. فتهادينا تحية المحبين، أي أهديته سلام محبّ أهدى لي مثل ذلك. تباثثنا:
следующие страницы →