الرقيب وفيه ثلاث فرض، وله ثلاثة أنصباء، ثم الحلس بأربع، والنافس بخمس، والمسبل بست، والمعلى، وهو أعلاها بسبع فرض وعلى عدد الفرض هي الأنصباء وقال ابن لبّال فجمعها في بيت: [الكامل]
فذّ وتوأم والرقيب ونافس ... والحلس ثمّت مسبل ثم المعلّ
واسم الثلاثة الّتي يتكثّر بها: الفسيح والمنيح والوغد؛ فإذا أرادوا الضّرب بها طلبوا أوّل رجل يلقونه، فشدّوا عينيه، ويسمونه الحرضة، وأقاموا له الرقيب وضرب، فكلّما خرج له قدح دفعه إلى الرقيب، والرقيب هو الأمين على الضّرب بالقداح، قال الشاعر:
[المتقارب]
لها خلف أذنابها أزمل ... مكان الرقيب من الياسر
وكان أهل اليسار والجود من الجاهليّة عند شدّة الزمان، ينحرون الجزور ويقتسمونها ويضربون عليها بالقداح، فمن قمر جعل نصيبه لأهل الميسر، والقمار يكنى عنه بالميسر، وأصل الميسر موضع تنحر به الجزور، والياسر: الجازر، وتقسم الجزور عشرة أجزاء: العضدان في الكتفين جزءان، وهما ابنا ملاط، والعجز والزّور جزءان، والكاهل واللحاء عليهما الجنب بنصفين جزءان، والوركان عليهما الذّراعان جزءان، والفخذان وعليهما العنق مقسوما جزءان. وبقي جنب، وهم يستثنونه وقد لا يستثنونه، فيردّ منه على جزء الكاهل ضلعان وعلى سائرها ضلع ضلع، فإن فضلت قطعة أو عظم سمّي الزّيم، قال الشاعر: [الطويل]
وكنت كعظم الريم لم يدر جازر ... على أيّ أدنى مقسم اللّحم يجعل (١)
وقال الأصمعيّ في الميسر: إنّه شيء كانت الجاهلية تفعله، فليس عندنا منه حقيقة.
قوله: المستسلم للحين، أي المنقاد للهلاك. الوخد: نوع من السّير وهو أن ترجم الأرض بقوائمها لسرعة سيرها. والذّميل: سير ليّن. تجب: تسقطللمغيب ارتعت:
فزعت لإظلال: لقرب ودنوّ. اقتحام: دخول الشيء على غرر وحام، هو ابن نوح وقد تقدّم في الحادية والعشرين، وأراد بجيش حام ظلام الليل، لأنّ حاما أبو السّودان، أكفت: أقبضه وأشمّره. أرتبط: أربط بعيري أعتمد: أقصد. أختبط: أمشي على غير هداية، وأراد أنه لا يدري ما يفعل، أينزل ويبيت، أم يسير في الليل على غرر.
***
стр. 1227
وبينما أنا أقلّب العزم، وأمتخض الحزم، تراءى لي شبح جمل، مستذر بجبل، فترجّيته قعدة مريح، وقصدته قصد مشيح؛ فإذا الظّنّ كهانة، والقعدة عيرانة، والمريح قد ازدمل ببجاده، واكتحل برقاده، فجلست عند رأسه؛ حتّى هبّ من نعاسه؛ فلمّا ازدهر سراجاه، وأحسّ بمن فاجاه، نفر كما ينفر المريب. وقال:
أخوك أم الذّئب! فقلت: بل خابط ليل ضلّ المسلك، فأضئ لي أقدح لك فقال:
ليسر عنك همّك، فربّ أخ لك لم تلده أمّك. فانسرى عند ذلك إشفاقي، وسرى الوسن إلى آماقي، فقال: عند الصّباح يحمد القوم السّرى، فهل ترى كما أرى!
***
العزم والحزم: اجتماع رأي الرجل على ما يريد أن يفعله فلا يتردّد فيه. أمتخض:
أحرّك وأحلب، وأراد أنه أخذ يحدّث نفسه ويدبّر رأيه: هل يسري أو يقعد. تراءى، أي ظهر. مستذر: مستعل، والذروة أعلى الشيء، أراد أنه ظهر له شبح جمل، أي شخصه في أعلى جبل. قعدة: بعير يقعد عليه عند الركوب. مريح: مستريح، قد نزل يريح نفسه وبعيره. مشيح: مجدّ. والقعدة: المركوب. والعيرانة: الناقة الصلبة تشبّه بالعير، وهو حمار الوحش.
وازدمل: التفّ. ببجاده: بكسائه. هبّ: انتبه. ازدهر: انفتح وأضاء سراجاه:
عيناه. فأجاه: أتاه على غفلة. المريب: الذي أتى ريبة. أخوك أم الذيب، مثل، كأنه خاطب نفسه، فقال: أأخوك هو الذي رأيت أتى لمؤانستك أم ذئب لإذايتك، وتضمّن الكلام أن الاستفهام وقع بالذي رآه، فكأنه قال له: يا هذا، أأخ أنت أم صاحب فأركن إليك أم عدوّ فأحذرك؟ فأجابه بأن قال له: بل خابط ليل، أي ماش فيه على جهالة. ضلّ المسلك: أخطأ الطريق. أضيء لي: اكشف لي عن حالك. أقدح لك: أكشف لك عن حالي، وهذا أيضا مثل، وفي هذا التباس؛ لأنه إذا أضاء له، أي أعطاه ضوأه أو أظهره له، فأيّ حاجة له في القدح، وهو الضرب بالزّند ليخرج ناره، وإنما معناه أن رجلا كان طلب لآخر ضوءا مثل فتيل يوقده، فتخيّل من صاحبه أنه لا يعطيه، فقال له: أضيء لي، أي أعطني ضوءا فليس عليك فيه تكلّف فإنك إن أتيتني في مثلها فلم تجد لي ضوءا قدحت لك زندي، وتكلفت لك ذلك، ثم استعمل فيمن يطلعك على أمره فتطلعه من أمرك على ما هو أفيد ممّا أطلعك عليه، فمعناه أطلعني على ظاهر أمرك أطلعك على باطن أمري ويروى: «أكدح لك» قال أبو زيد: إذا طلب الرّجل إلى الرجل حاجة فلم يعرف وجهها، قال: أضيء لي أكدح لك، أي بيّن لي فأكدح لك، أي أسعى لك، وكدح لمعيشته: سعى واكتسب، وأضيء: أسرج.
الفنجديهيّ: أضيء لي أكدح لك، مثل يضرب في المساواة بالأفعال، والمعنى:
стр. 1228
كن لي أكن لك، واسع لي أسع لك، والمراد به كن لي أكثر مما أكون لك لأن الإضاءة أكثر نفعا من القدح، ويقال: معناه: تولّ الأمر الهيّن أتولّ الأمر الصعب. ليسر: ليزل وليذهب. سرى عرق الشجرة يسري: دبّ تحت الأرض، وسرى يسري سار.
[قصة المثل: رب أخ لم تلده أمك]
ربّ أخ لك لم تلده أمك، معناه قد وجدت مني صديقا يقوم لك مقام شقيقك، وأصل المثل أن لقمان بن عاد رأى امرأته قد خلا بها رجل وهي تلاعبه ويلاعبها، ومعها صبيّ صغير يبكي، وهما قد أقبلا على شأنهما لا يكترثان به، فسألها عن الرّجل، فقالت:
هو أخي، فقال ربّ أخ لك لم تلده أمك، يكذّبها في قصدها أي هو أخوك بالمحبّة والصداقة لا بالولادة. وقال في الدرّة: حكى ابن نصر الكاتب أن أباالعباس بن ياسر دخل عليه، رجل نصرانيّ ومعه فتى من أهل ملّته حسن الوجه، فقال له: من هذا الفتى؟
فقال له: بعض إخواني، فأنشد أبو العباس: [الطويل]
دعتني أخاها أمّ عمرو ولم أكن ... أخاها ولم أرضع لها بلبان (١)
دعتني أخاها بعد ما كان بيننا ... من الأمر مالا يصنع الأخوان
وقالوا في هذا المعنى: ربّ بعيد أقرب من قريب، وقالوا: القريب من قرب نفعه، وقال أبو تمام: [الكامل]
ولقد سبرت الناس ثم خبرتهم ... وبلوت ما وصفوا من الأسباب
فإذا القرابة لا تقرّب قاطعا ... وإذ المودّة أقرب الأنساب
وقال ابن ميادة: [الطويل]
وإنّي لزوّار لمن لا يزورني ... إذا لم يكن في ودّه بمريب
تقرّب لي دار الحبيب وإن نأت ... وما دار من أبغضته بقريب
فلا تطلبنّ القرب والبعد بعدها ... إلى غير نيّات وغير قلوب
وقال آخر: [الطويل]
أخو ثقة يسرّ ببعض شأني ... وإن لم تدنه منّي قرابه
أحبّ إليّ من ألفي قريب ... بنات قلوبهم لي مسترابه
وقال ابن هرمة: [الكامل]
هشّ إذا وقف الوفود ببابه ... سهل الحجاب مؤدّب الخدّام
стр. 1229
فإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيّهما أخو الأرحام
انسرى: زال وذهب، وسروت الثوب عني إذا جردته. إشفاقي: خوفي. سرى الوسن: أقبل النوم. آماقي: آخر عيني، والموق طرف العين من جهة الأنف.
[قصة المثل: عند الصباح يحمد القوم السري]
قوله: عند الصباح يحمد القوم السري مثل؛ ومعناه إذا سرى القوم بالليل قطعوا أرضا كثيرة والأرض تطوى بالليل لمن يمشيها فإذا أصبحوا حمدوا سيرهم.
وهذا المثل بيت من رجز وقع في شعر الشّماخ، وذلك أنه سافر في قوم من بني ثعلبة، فمشوا حتى إذا كانوا قريبا من تيماء، قال الشماخ لابن أخيه: انزل فاحد بنا، فنزل فحدا بهم ثم نزل القوم للحداء واحدا بعد واحد، فوقعت أراجيزهم في ديوان الشّماخ، فنسبت إليه، وأول الرجز: [الرجز]
طاف خيال من سليمى فاعترى ... بنجد أو تيماء أو وادي القرى
فمنع النّوم ومنّى بالمنى
وفي آخره: [الرجز]
عند الصّباح يحمد القوم السّرى ... وتنجلي عنهم غيابات الكرى (١)
قال المفضّل الضبيّ: أوّل من قال ذلك خالد بن الوليد، لما بعث إليه أبو بكر ﵁ وهو باليمامة أن ينزل إلى العراق، فأراد سلوك المفازة، فقال له رافع الطائيّ: قد سلكتها في الجاهليّة، وهي خمس للإبل الواردة، وما أظنك تقدر عليها إلّا أن تحمل من الماء، فاشترى مائة شارف فعطّشها ثم سقاها الماء حتى إذا مضى يومان خاف العطش على النّاس والخيل، وخشي أن يذهب ما في بطون الإبل، نحرها، واستخرج ما في بطونها. فسقى النّاس والخيل ومضى، فلما كان في الليلة الرابعة قال رافع: انظروا، هل ترون سدرا عظيما؟ فإن رأيتموها وإلا فهو الهلاك، فنظر الناس فرأوها فأخبروه فكبّر وكبّر الناس ثم هجموا على الماء فقال خالد: [الرجز]
لله درّ رافع أنّى اهتدى ... فوّز من قراقر أنّى سرى
خمسا إذا سار بها الخيس بكى
стр. 1230
ما سارها من قبله إنس سرى ... عند الصّباح يحمد القوم السّرى
ويقال: فوّز إذا ركب المفازة. وقراقر: اسم قرية من اليمن. والخيس: الجبان الضعيف، وقيل: الثّقيل. قال أبو عبيدة: والخمس أن تشرب الإبل يوم وردها وتصدر يومها فتظلّ بعد ذلك اليوم من الماء ثلاثة أيام سوى يوم الصدر، وترد اليوم الرابع فذلك الخمس.
***
فقلت إنّي لك لأطوع من حذائك، وأوفق من غذائك، فصدع بمحبّتي، وبخبخ بصحبتي، ثمّ احتملنا مجدّين، وارتحلنا مدلجين، ولم نزل نعاني السّرى، ونعاصي الكرى؛ إلى أن بلغ اللّيل غايته، ورفع الفجر رايته.
فلمّا أسفر الفاضح، ولم يبق إلّا واضح، توسّمت رفيق رحلتي، وسمير ليلتي، فإذا هو أبو زيد مطلب النّاشد، ومعلم الرّاشد، فتهادينا تحيّة المحبّين؛ إذ التقينا بعد البين، ثمّ تباثثنا الأسرار، وتناثثنا الأخبار، وبعيري ينحط من الكلال، وراحلته تزفّ زفيف الرّال؛ فأعجبني اشتداد أسرها، وامتداد صبرها؛ فأخذت أستشفّ جوهرها، وأسأله من أين تخيّرها.
فقال: إنّ لهذه النّاقة خبرا حلو المذاقة، مليح السّياقة. فإن أحببت استماعه فأنخ، وإن لم تشأ فلا تصخ.
***
قوله: حذائك، أي نعلك. صدع: كشف وأظهر. وبخبخ: قال: بخ بخ، وهي كلمة تقال عند الإعجاب. مجدّين: مجتهدين. مدلجين: ماشيين باللّيل. نعاني: نقاسي.
الكرى: النوم. رايته، أراد ضوأه. أسفر: أضاء الفاضح: من أسماء الصبح سمّي بذلك لأنه يفضح الأشياء، أي لا يظهرها. واضح: بيّن، يريد أنّ الصبح كشف ما ستره الليل فاستبان كل شيء. توسمت: نظرت. الفنجديهي: واضح: نجم، والنجم الّذي يرى بعد الصّبح مضيئا في كثير من الأوقات وهو الزّهرة. ابن سيده: الواضح: الكواكب الخمس، إذا اجتمعت مع الكواكب المضيئة من كواكب المنازل. والخنّس: الراجعة والمتأخرة والمنقبضة. رحلتي: ارتحالي. والسمير: محادثك باللّيل. مطلب الناشد، أي حاجة الطلاب التي تلفت له، فجعل يطلبها. معلم الرّاشد: دليل الهادي، والمعلم: الجبل يعلم به الطريق. فتهادينا تحية المحبين، أي أهديته سلام محبّ أهدى لي مثل ذلك. تباثثنا:
стр. 1231
تكاشفنا، أي كشفت له سرّي وكشف لي سرّه. تناثثنا: تفاشينا، أي أفشيت له خبري وأفشى لي خبره، والبثّ أصله التّفريق، والنّث بالنون: أصله نشر الحديث وإفشاؤه الفنجديهي: تناثثنا: تذاكرنا، والنّثّ: الذّكر ونثوت الذّكر ونثوت الحديث، أنثوه، إذا أذعته وأفشيته. ابن الأعرابيّ النثاء في الحسن والقبيح من الكلام، وقيل: النّثّ: نشر الحديث الذي كتمه أولى من نشره، وفي معنى هذا اللقاء قال المعريّ: [الوافر]
ولو لم ألق غيرك في اغترابي ... لكان لقاؤك الحظّ الجزيلا (١)
ستحمل ناجبات العيس منّي ... صديقا عن ودادك لن يحولا
يؤمّل فيك إسعاف الليالي ... وينتظر العواقب أن تديلا
ينحط: يزفر ويتنفّس من شدّة التعب، والنّحط: خروج النّفس بصوت، وهو صوت يعتري المهموم والمتعوب من صدره بتوجع، وقد نحط ينحط نحطا ونحيطا، والنّحيط يعتري الدّابة إذا كلّت أو زيد في حملها، فتسمع لها زفيرا بصوت، فذلك هو النّحيط، وقد نحط القصّار إذا ضرب بالثوب على الحجر وتنفّس ليكون أروح له. تزفّ: تسرع.
والزفيف: مشى في سكون متتابع والرأل: فرخ النّعامة والجمع الرّئال. أسرها: قوّتها وشدّة خلقها. امتداد: طول. أستشف: أنظر. جوهرها: خلقها وجوهر كلّ شيء: ما وضعت عليه جبلّته. أنخ: حطّ بعيرك وانزل. تصخ: تستمع.
***
فأنخت لقوله نضوي، وأهدفت السّمع لما يروي، فقال: اعلم أنّي استعرضتها بحضرموت، وكابدت في تحصيلها الموت، وما زلت أجوب عليها البلدان، وأطس بأخفافها الظّرّان؛ إلى أن وجدتها عبر أسفار، وعدّة قرار، لا يلحقها العناء، ولا تراهقها وجناء، ولا تدري ما الهناء. فأرصدتها للخير والشرّ، وأحللتها محلّ البرّ السّرّ، فاتّفق أن ندّت منذ مدّة، وما لي سواها قعدة، فاستشعرت الأسف، واستشرفت التّلف، ونسيت كلّ رزء سلف، ومكثت ثلاثا، لا أستطيع انبعاثا، ولا أطعم النّوم إلا جثاثا، ثمّ أخذت في استقراء المسالك، وتفقّد المسارح والمبارك، وأنا لا أستنشي منها ريحا، ولا أستغشي يأسا مريحا؛ وكلما ادّكرت مضاءها في السّير، وانبراءها لمباراة الطير، لا عني الاذكار، واستهوتني الأفكار.
***
стр. 1232
نضوي: بعيري المهزول. أهدفت: جعلته غرضا يقع فيه كلامه. والسّمع: الأذن.
والهدف: الغرض ترمي عليه، استعرضتها: طلبت أن تعرض عليّ للبيع. حضرموت:
كورة من كور اليمن فيها مدائن، وتعمل بها النعال الحضرميّة وهي غاية في الجودة.
كابدت: قاسيت. أجوب: أقطع أطس: أكسر. والوطس: الوطء الشديد المؤثر.
الظرّان: واحدها ظرر، بظاء منقوطة وراءين، وهي الحجارة العريضة، وقيل المحدّدة.
عبر أسفار: أي قويّة على السّفر كأنها تعبر بها المراحل، أي تقطع، وأصله عبرت في النهر إذا جزته من جهة إلى جهة أخرى. فرار، أي قد استعدّت للفرار والهرب. العناء:
التعب. تراهقها: تدانيها وتقاربها، وقد أرهقت الرّجل، إذا دانيته، وذلك أن يذهب أمامك فتتبعه، فإذا قربت منه قلت: رهقته، فإذا أدركته قلت: أرهقته: ورواية ابن جهور «تواهقها» بالواو، ومعناها تواظب على المشي معها، والمواهقة: المعارضة في السير.
وجناء: ناقة قويّة غليظة. والوجين: ما صلب من الأرض، وقيل: الوجناء: العظيمة الوجنات. والهناء: القطران، أي ليس بها داء فتحتاج إليه فهي لا تعرفه. أرصدتها:
أعددتها. البرّ: الذي يبرّك ويكرمك. والسّرّ: ما يسرّك: ندّت: فرّت وشردت.
استشعرت: لبست. الأسف: الحزن. استشرفت التلف: عاينت الهلاك ونظرته، واستشرفت فلانا إذا رفعت رأسك لتنظر إليه ويدك على حاجبك. والرّزء: فقد الشيء.
سلف: مضى. مكثت: أقمت. انبعاثا: نهوضا وخروجا إلى السفر. حثاثا: قليلا، والحثاث: أن يصيبك النّوم ثم يزول عنك في الحال، ويوصف به فيقال: يوم حثاث، أي قليل. والطعم: الذوق. استقراء: تتبّع. والمسالك: الطّرق. المسارح: المراعي وحيث تسرح الإبل. والمبارك: مراقد الإبل حول الماء. استنشاء الريح: شمّها، مهموز وغير مهموز. استغشى ثوبه: تغطّى به اليأس: قطع الرّجاء. مريحا: يدخل على صاحبه الراحة. ادّكرت: تذكّرت. مضاءها: نفادها وإسراعها. انبراءها: نهوضها، وقد انبرى لك فلان إذا عرض لك. مباراة: معارضة لاعني: أحرقني، اللوعة: حرقة القلب من شدّة الوجد. استهوتني: هوت بي في كلّ طريق. الأفكار: تذكر الهموم.
***
فبينما أنا في حواء، بعض الأحياء، إذ سمعت من شخص متبعّد، وصوت متجرّد: من ضلّت له مطيّة، حضرميّة وطيّة، جلدها قد وسم، وعرّها قد حسم، وزمامها قد ضفر، وظهرها كأن قد كسر ثمّ جبر، تزين الماشية، وتعين النّاشية، وتقطع المسافة النائية، وتظلّ أبدا لك مدانية، لا يعتورها الونى، ولا يعترضها الوجى، ولا تحوج إلى العصا، ولا تعصي فيمن عصى؟ .
قال أبو زيد: فجذبني الصّوت إلى الصّائت، وبشّرني بدرك الفائت فلمّا
стр. 1233
أفضيت إليه، وسلّمت عليه، قلت له: سلّم المطيّة، وتسلّم العطيّة، فقال: وما مطيتك، غفرت خطيّتك؟ قلت له: ناقة جثّتها كالهضبة، وذروتها كالقبّة، وحلبها ملء العلبة، وكنت أعطيت بها عشرين، إذ حللت يبرين، فاستزدت الّذي أعطى، ودريت أنه أخطأ.
***
قوله: حواء: بيوت مجتمعة مائتان أو نحوها. الأحياء: القبائل. متجرّد. ماض ظاهر، وقيل ضعيف لبعده. ضلّت: تلفت وضاعت. مطية، يعني بها نعلا في المعنى وناقة في اللفظ، وقد تقدّمت أشعار اللّغز بهما. وطيّة: لا تحرّك الراكب، وهي الذّلول، وفراش وطيء: وثير لا يؤذي جنب النائم عليه، وعلى من ضلّت له مطية [أن يقول ما] في حديث عتبة بن غزوان عن النبي ﷺ : «إذا ضل أحدكم شيئا وأراد غوثا وهو بأرض ليس بها أحد فليقل: يا عباد الله المسلمين أعينوني، يا عباد الله المسلمين أعينوني، فإنّ لله عبّادا لا نراهم»، وقد جرّب ذلك. وسم: خرز، أي جعل الخرز فيها كالعلامة.
عرّها: جربها. حسم: استؤصل بالقطع، يريد أنّ آثار الجرب الّتي كانت في الجلد الذي صنعت منه هذه النعل قد قطعت وأزيلت. وزمامها: شركها. كسر ثم جبر، يريد أنّ ظهرها يبس فتكسّر، فوصل بجلد آخر فصحّ.
والماشية: الرّجل التي تمشي فيها، وكذلك النّاشية، ويقال: نشأ الرجل، إذا نهض لحاجته وتنشّأ أيضا. وسهل الناشية لأجل الماشية وأصلها الهمز الفنجديهي: تعين الناشية، أي تعين على السّير في ناشئة الليل، قال ابن عرفة: كلّ ساعة قامها قائم من الليل ناشئة. الأزهريّ: ناشئة الليل قيام الليل مصدر جاء على «فاعلة» بمعنى النّشء كالعافية والخاتمة بمعنى العفو والختم، وقيل: الناشية والنّشيئة أن تنام أوّل الليل ثم تقوم. وقيل: النّاشئة أوّل النهار أول الليل، وأكثر المفسرين على أنّ ناشئة الليل أوّله، عاصم: يهمزه والباقون لا يهمزون. جذبني، ساقني بعنف. الصّائت: صاحب الصوت الذي سمع، وقد أصات إذا رفع صوته، درك الفائت: لحوق التّالف. أفضيت: وصلت تسلّم: خذ. جثّتها: جسدها، والجثّة: شخص القائم والقاعد والراكب والهضبة:
الصخرة العظيمة، وقيل الجبل المنبسط الأملس. ذروتها: أعلى ظهرها. والعلبة: إناء من جلود. يبرين: أرض فيها رمل.
***
قال: فأعرض عنّي، حين سمع صفتي، وقال: لست بصاحب لقطتي.
فأخذت بتلابيبه، وأصررت على تكذيبه، وهممت بتمزيق جلابيبه، وهو يقول: يا هذا ما مطيّتي بطلبك، فاكفف عنّي من غربك، وعدّ عن سبّك؛ وإلّا فقاضني إلى
стр. 1234
حكم هذا الحيّ، البريء من الغيّ، فإنّ أوجبها لك فتسلّم، وإن زواها عنك فلا تتكلّم، فلم أر دواء قصّتي، ولا مساغ غصّتي، إلّا أن آتي الحكم، ولو لكم.
فانخرطنا إلى شيخ ركين النّصبة، أنيق العصبة، يؤنس منه سكون الطّائر، وأن ليس بالجائر، فاندرأت أتظلّم وأتألّم، وصاحبي مرمّ لا يترمرم، حتّى إذا نثلت كنانتي، وقضيت من القصص لبانتي، أبرز نعلا رزينة الوزن، محذوّة لمسلك الحزن، وقال: هذه الّتي عرّفت، وإيّاها وصفت، فإن كانت هي الّتي أعطي بها عشرين، وها هو من المبصرين، فقد كذب في دعواه، وكبر ما افتراه؛ اللهمّ إلّا أن يمدّ قذاله، ويبين مصداق ما قاله.
***
أعرض: نحّى وجهه. واللّقطة: ما تجده قد سقط من غيرك فتلتقطه، وعامة أهل اللغة على فتح قافها مثل أبي عبيدة ويعقوب والمفضّل وثعلب وابن قتيبة وغيرهم.
وحكى ابن خالويه أن تسكينها لغة تميم، وفتحها لغة أهل الحجاز، فهما لغتان، قال النبيّ ﷺ : «من التقط لقطة فليشهد ذا عدل ثم لا يكتم ولا يغيب، فإن جاء صاحبها فهو أحقّ بها، وإلا فهو ما الله يؤتيه من يشاء» (١). تلابيبه: أطواق ثوبه، والتلبيب الجيب، وأخذت بتلبيب فلان، إذا جمعت ثوبه الذي حوالي صدره وقبضت على نحره، والجلباب: الملحفة والرّداء. أصررت: أقمت. تمزيق جلابيبه: تخريق ثيابه. بطلبك:
بما تطلب. والطّلب: اسم ما تطلب. ابن دريد فلانة طلب فلان، إذا كان يطلبها ويهواها. عدّ: كفّ واصرف. سبّك: شتمك. قاضني: حاكمني الحيّ: القبيلة. الغيّ:
الضّلال والفساد. زواها: نحّاها.
قوله: مساغ غصتي، أي بلع ما أختنق به، وساغ الطعام والشراب في الحلق: سهل نزوله فيه. لكمه، يلكمه: ضربه بجمع كفّه.
انخرطنا: سرنا مسرعين. ركين النّصبة: وقور الهيئة، وفلان ركين بيّن الرّكانة، أي ثقيل المجلس ثابت قويّ. الأزهريّ. يقال للرجل إذا كان وقوراساكنا: إنه لركين، وقد ركن ركانة. الجوهريّ. يقال جبل ركين، أي له أركان عالية، فيحتمل على هذا المعنى أن يكون ركين النّصبة، عالي الانتصاب حسن القامة، والنّصبة الفعلة من الانتصاب، وأراد بها هيئة انتصابه في جلوسه وحالته. أنيق: معجب. العصبة: هيئة العمامة على رأسه، تقول: عصبت رأسي بالعمامة إذا شددته بها، والعصبة هيئة التعمّم، يقول: إن
стр. 1235
هذا الشيخ الحاكم رزين في جلوسه حسن التعمّم والهيئة. يؤنس: يبصر. سكون الطائر، كناية عن الوقار والحلم، وإنما ذكّر الطائر لأنه لا ينزل إلا على ساكن، وإذا نزل عليه سكن هو، فإذا كان عند الرجل هوج وطيش، قيل: طارت عصافيره، فإذا كان القوم أهل وقار قيل: كأنّ على رءوسهم الطير. اندرأت: اندفعت. اتظلّم: أتشكّى الظلم. أتألم:
أتوجع. مرمّ: ساكت. لا يترمرم: لا يجيب ولا يتحرك، وتكلّم فما ترمرم، أي ما أجاب، وأصل ترمرم تحرّك. نثلت كنانتي: أخرجت ما فيها من السّهام، وأراد أتممت كلامي وقضيت: أتممت. والقصص: ذكر الخبر. لبانتي: حاجتي. أبرز: أظهر رزينة:
ثقيلة.
محذوّة، جعل عليها الحذاء؛ وهو الجلد الّذي تنعل به. مسالك: طرق. والحزن:
ما غلظ من الأرض. عرفت: صحت بها ليعرفها صاحبها. ما افتراه: ما جاء به من الادّعاء والكذب. قذالة: عنقه، والقذال: ما بين نقرة القفا إلى الأذن، وجمعه قذل، يقول: فإن كانت هذه النعل تساوي عشرين- وها هو يبصر أنّ هذا باطل- فقد صارت دعواه باطلة، اللهمّ إلا أن يمدّ عنقه ويأتي ببيان أنّها تساوي عشرين، إلى هذا التفسير رأيت أكثر من لقيت يذهب، وهو ضعيف ولا يكون لمدّ قذا له معنى ولا لما بعده.
والتفسير الحسن الّذي فيه جلاء للمعنى ما كان يفسّره به شيخي أبو بكر بن أزهر عن ابن جهور، وذلك أنه كان يفسّر أعطى بمعنى صفع وضرب، وكذلك كتب عليه في طرة كتابه، أنّ أعطى بمعنى ضرب، لغة أهل الشرق، وقد حدّثت أنا عنهم أنّ الرجل إذا كلم الآخر بما لا يرضيه ثم انصرف عنه صاح الآخر في أثره: أعطه، بمعنى اصفعه، فهي لفظة متعارفة بينهم لهذا المعنى وبيان موقعها هنا أنه لما ادّعى السّروجي أنه أعطي بناقته عشرين، فوصفها بما يصحّ معناه في حقها من أنها تساوي عشرين. ثم قال: إن المعرّف أبرز نعلا رزينة الوزن، أي ثقيلة في الميزان. محذوة لمسلك الحزن، أي قد جعل عليها حذاء، أي رقع من الجلد طرقت بها ليسلك بها الحزن، أي ليمشي بها في أرض ذات حجارة فلا تؤثّر فيها لتلك الأطراف، وبتلك الأطراف صارت ثقيلة في الوزن، فلمّا أبرز هذه النّعل التي وصفتها رفعها بيده إلى الحاكم قائلا له: هذه النّعل التي عرّفت، وإيّاها وصفت، فإن كانت هذه التي أعطي بها عشرين، أي صفع بها عشرين. فقلت: الإعطاء للنعل بمعنى يوافقها إذ عدّ عشرين دينار في ثمنها بعيد، ثم بينه بقوله: وها هو من المبصرين. والضّرب الجافي في العنق تدمع له العينان، وإذا أفرط فيه عمي له المصفوع، فيقول المعرّف: هذه النعل لو صفع بها إنسان صفعة واحدة لعمي وهذا يقول إنه صفع بها عشرين وهو سالم البصر، فقد كذب في ادّعائه أنه صفع بها عشرين، وكبرت فريته، اللهمّ إلا أن يمدّ قفاه فيرينا فيها أثر الصفع، وأثره احمراره وتعجيره، فيتبيّن بذلك الأثر صدق قوله. فهكذا تفسير هذا الموضع ومعناه، وابن جهور الذي شافه الحريري بمشكلات كتابه كان أضبط لها ممّن يتحكم فيها بنظره، فيكون تخليص المعنى إنّ
стр. 1236
المعرّف يقول: هذه النعل يدّعي هذا أنه أعطي بها عشرين، وأنتم ترونه سالم البصر، ومحال أن يصفع بها إنسان لخشنها وثقلها عشرين صفعة إلا ويعمى، فقد صارت دعواه كاذبة إلا أن يمدّ لنا عنقه فنرى فيها أثر الصفع والرّزء فنصدّقه في دعواه. وفي رواية غير ابن جهور «بعد المبصرين» فقال: كذّب دعواه وهو داخل في قول المعرّف الأوّل فلا يحتاج إلى ادعائه، ولو جاء هنا بثمّ مكان الفاء لكان أبين فكان بمعنى قوله، قال: ثم يمشي في كلامه ثم ينسّق عليه قال: لكلام ثان، وإنما وضع الفاء موضع ثمّ لأن جواب الشرط الذي هو «فإن كان» مضمّن في قوله «وها هو من المبصرين» فإنه يتضمّن قوله:
«وها هو من المبصرين» معنى فقد كذب، وليس فيه لفظ الجواب، فجاءت الفاء كأنها جواب لفظي، ووقعت قال: موطّئة لقال الأولى، ألا ترى أن في رواية ابن جهور مكان فقال فقد، والكلام بها متّصل حسن، قال أبو الرقعمق يصف العمى من الصفع: [مجزوء الرمل]
ولقد بتنا على زمن ... ورءوس القوم تسلب
وكئوس الصفع دائرة ... وبها اللّذات والطّرب
وكأن الصفع بينهم ... شعل النّيران تلهب
والعمى منهم وإن شغلوا ... عنه باللّذات مقترب
وله: [مجزوء الكامل]
إنّ الذين تصافعوا ... بالقرع في زمن القشور
أسفوا عليّ لأنهم ... حضروا ولم أك في الحضور
لو كنت ثم لقيل هل ... من آخذ بيد الضرير
يا للرّجال تصافعوا ... والصّفع مفتاح السرور
لا تغفلوه فإنّه ... يستلّ أحقاد الصّدور
وقال يصف أثر الصّفع في قفاه: [البسيط]
ففيّ ما شئت من حمق ومن هوس ... قليله لكثير الحمق إكسير
كم رام إدراكه قوم فأعجزهم ... وقد حضرت يرى في الرأس تعجير
والأخدعان فما زالا يرى لهما ... لكثرة المزح توريم وتحمير
ففي هذه الأشعار تتبين لك تلك الأغراض التي قدمنا ذكرها.
[ابن المغازلي]
وتنتظم في سلكها حكاية ابن المغازليّ، وكان رجلا يتكلّم ببغداد على الطّرق
стр. 1237
بأخبار ونوادر منوّعة، وكان نهاية في الحذق لا يستطيع من سمعه ألّا يضحك قال: وقفت يوما على باب الخاصّة أضحك النّاس وأتنادر، فحضر خلفي بعض خدّام المعتضد، فأخذت في نوادر الخدم، فأعجب بذلك وانصرف، ثم عاد فأخذ بيدي وقال: دخلت فوقفت بين يدي سيّدي فتذكرت حكايتك فضحكت، فأنكر عليّ، وقال: ما لك ويلك! فقلت: على الباب رجل يعرف بابن المغازلي يتكلّم بحكايات ونوادر تضحك الثّكول، فأمر بإحضارك ولي نصف جائزتك، فطمعت في الجائزة، وقلت: يا سيّدي أنا ضعيف وعليّ عيلة، فلو أخذت سدسها أو ربعها! فأبى وأدخلني فسلّمت فردّ السّلام، وهو ينظر في كتاب، فنظر في أكثره، وأنا واقف، ثم أطبقه ورفع رأسه إليّ، وقال: أنت ابن المغازلي؟ قلت: نعم يا مولاي، قال: بلغني أنّك تحكي وتضحك بنوادر عجيبة، فقلت:
يا أمير المؤمنين الحاجة تفتق الحيلة، أجمع النّاس حكايات أتقرّب بها إلى قلوبهم فألتمس برّهم، فقال: هات ما عندك، فإن أضحكتني أجزتك بخمسمائة درهم، وإن أنا لم أضحك فما لي عليك؟ فقلت للحين: ما معي إلّا قفاي، فاسأل ما أحببت، قال:
أنصفت إن لم تضحكني أصفعك بذلك الجراب عشر صفعات، فقلت في نفسي: ملك لا يصفع إلا بشيء ليّن خفيف، والتفتّ فإذا بجراب من أدم معلّق في زاوية البيت، فقلت:
ما أخطأ ظنّي، عسى فيه ربح إن أضحكته ربحت، وأخذت الجائزة، وإلّا فعشر صفعات بجراب منفوخ شيء هيّن، ثم أخذت في النّوادر والحكايات والنّعاشة والعبارة، فلم أدع حكاية أعرابيّ، ولا نحويّ، ولا مخنّث، ولا قاض، ولا نبطيّ، ولا سنديّ، ولا زنجيّ ولا خادم، ولا تركيّ، ولا شاطر، ولا عيّار، ولا نادرة، ولا حكاية إلا وأحضرتها حتى نفد كلّ ما عندي، وتصدّع رأسي، وفترت وبردت، ولم يبق ورائي خادم، ولا غلام إلا وقد ماتوا من الضحك، وهو مقطّب لا يتبسم، فقلت: قد نفد ما عندي، وو الله ما رأيت مثلك قطّ، فقال لي: هيه، ما عندك؟ فقلت: ما بقي لي سوى نادرة واحدة، قال:
هاتها، قلت: وعدتني أن تجعل جائزتي عشر صفعات وأسألك أن تضعفها لي وتضيف إليها عشر صفعات أخرى. فأراد أن يضحك ثم تماسك، قال: نفعل يا غلام خذ بيده ثم مددت قفاي فصفعت بالجراب صفعة، فكأنّما سقطت على قفاي قطعة من جبل، وإذا هو مملوء حصا مدوّرا فصفعتعشرا، فكادت أن تنفصل رقبتي، وطنّت أذناي وانقدح الشّعاع من عيني، فصحت يا سيّدي، نصيحة، فرفع الصّفع بعد أن عزم على العشرين، فقال: قل نصيحتك، فقلت: يا سيّدي إنّه ليس في الديانة أحسن من الأمانة، وأقبح من الخيانة، وقد ضمنت للخادم الذي أدخلني نصف الجائزة على قلّها وكثرها، وأمير المؤمنين بفضله وكرمه قد أضعفها وقد استوفيت نصفي، وبقي نصفه. فضحك حتى استلقى، واستفزّه ما كان سمع، فتحامل له، فما زال يضرب بيديه الأرض ويفحص برجليه ويمسك بمراقّ بطنه، حتى إذا سكن قال: عليّ به، فأتي به، وأمر بصفعه، وكان طويلا، فقال: وأيش جنايتي؟ فقلت له: هذه جائزتي وأنت شريكي فيها، وقد استوفيت
стр. 1238
نصيبي منها، وبقي نصيبك، فلما أخذه الصّفع وطرق قفاه الوقع، أقبلت ألومه وأقول له:
قلت لك إني ضعيف معيل، وشكوت إليك الحاجة والمسكنة، وأقول لك خذ ربعها أو سدسها، وأنت تقول: لا آخذ إلا نصفها، ولو علمت أن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه جائزته الصفع وهبتها لك كلّها. فعاد إلى الضحك من عتابي للخادم، فلما استوفى نصيبه أخرج صرّة فيها خمسمائة درهم، وقال: هذه كنت أعددتها لك فلم يدعك فضولك حتى أحضرت شريكا لك، فقلت: وأين الأمانة؟ فقسمها بيننا وانصرفت.
***
فقال الحكم: اللهمّ غفرا، وجعل يقلّب النّعل بطنا وظهرا؛ ثم قال: أمّا هذه النّعل فنعلي؛ وامّا مطيّتك ففي رحلي، فانهض لتسلّم ناقتك، وافعل الخير بحسب طاقتك، فقمت وقلت: [الرجز]
أقسم بالبيت العتيق ذي الحرم ... والطائفين العاكفين في الحرم
إنّك نعم من إليه يحتكم ... وخير قاض في الأعاريب حكم
فاسلم ودم دوم النّعام والنّعم
فأجاب من غير رويّة، ولا عقد نيّة، وقال: [الرجز]
جزيت عن شكرك خيرا يا بن عمّ ... إذ لست أستوجب شكرا يلتزم
شرّ الأنام من إذا استقضي ظلم ... ثمّ من استرعي فلم يرع الحرم
فذان والكلب سواء في القيم
ثم إنّه نفّذ بين يديّ، من سلّم النّاقة إليّ، ولم يمتنّ عليّ، فرحت نجيح الأرب، أجرّ ذيل الطّرب، وأقول يا للعجب!
***
قوله: اللهم غفرا، أي اغفر غفرا، والغفر: السّتر والتغطية. انهض: تقدّم لتسلّم:
لقبض العتيق: القديم. الحرم: جمع حرمة. والعاكفين: المقيمين فيه للعبادة، والعكوف: الإقامة، والحرم حرم مكة. اسلم: دعاء، معناه سلّمك الله والنّعام: طير معروف. الأعاريب: الأعراب وهم سكان البادية. والنّعم: جمع نعمة، والدّوم والدوام
стр. 1239
واحد. رويّة، أي فكرة. عقد نيّة: أي تدبير. استرعي: جعل راعيا، أي حكما على الناس. يرعى: يحفظ فذان، أي فهذان القيم: جمع قيمة. يمتنّ: يعتدّها منّة، وامتنّ فلان عليك، إذا فعل معك معروفا فمتى أنكر عليك شيئا ذكر لك معروفه وجبّهك به، وقالت الحكماء: أحي المعروف بإماتة ذكره، وعظّمه بالتصغير له.
***
قال الحارث بن همام: فقلت له تالله لقد أطرفت، وهرفت بما عرفت، فناشدتك الله: هل ألقيت أسحر منك بلاغة، وأحسن للّفظ صياغة؟ فقال: اللهمّ نعم، فاستمع وانعم ... كنت عزمت حين اتهمت، على أن أتّخذ ظعينة، لتكون لي معينة؛ فحين تعيّن الخطب الملبّ، وكاد الأمر يستتبّ، أفكرت فكر المتحرز من الوهم، المتأمّل كيف مسقط السّهم، وبتّ ليلتي أناجي القلب المعذّب، وأقلّب العزم المذبذب، إلى أن أجمعت على أن أسحر، وأشاور أوّل من أبصر. فلمّا قوّضت الظّلمة أبوابها، وولّت الشّهب أذنابها، غدوت غدوّ المتعرّف، وابتكرت ابتكار المتعيف فانبرى لي يافع في وجهه شافع، فتيمّنت بمنظره البهيج، واستقدحت رأيه في التزويج فقال: أو تبغيها عوانا، أم بكرا تعاني؟ فقلت: اختر لي ما ترى، فقد ألقيت إليك العرى.
***
أطرفت: أتيت بطرفة، يريد بأمرّ عجيب غريب. هرفت بما عرفت، أي تكلّمت بشيء غريب، والهرف: الإطناب في المدح، ومن كلام العرب لا تهرف بما لا تعرف.
ناشدتك: حلّفتك: صياغة: صنعة وسبك. اتهمت: أتيت تهامة، وهي ما انخفض من أرض العرب ظعينة: زوجة. الخطب: النكاح. وتعيّن: تحقّق. يستتبّ: يتم. الوهم:
الغلط المتأمل: الناظر المذبذب: المضطرب، الذي لا يعتمد على رأي، أزمعت:
عزمت. أسحر: أخرج في السّحر. قوّضت: هدمت. والأطناب: حبال الخباء وتقويضها: إزالتها. الشّهب: النجوم، وجعل لها أذنابا مجازا، وأراد أنّ الفجر إذا طلع وانتشر غابت النّجوم، فكأنها قد ولّت أذنابها وقال التّهامي في ذلك: [البسيط]
فظلت أعثر في ثوب الدّجى ولها ... والجوّ روض وزهر الشّهب كالزّهر
وللمجرّة فوق الأرض معترك ... كأنها حبب يعلو على نهر
وللثريّا ركود فوق أرحلنا ... كأنها قطعة من فروة النمر
كأنّ أنجمها والصّبح يغمضها ... قسرا عيون غفت من شدّة السّهر
стр. 1240
المتعرّف: المكتسب لأنه يعرف ما جهل. المتعيّف: الزّاجر، من عاف الشيء إذا كرهه. يافع: فتى شاب وقد أيفع إذا شبّ. في وجهه شافع، أي هو حسن الوجه يشفع حسن وجهه إذا أذنب أو أخطأ.
***
[مما قيل في الوجه الحسن]
وفي وجهه شافع صدر بيت للحكم بن قنبر.
وقال يحيى بن عليّ المنجم: كنت يوما بين يدي المعتضد، وهو مقطّب، فأقبل بدر مولاه، فلمّا رآه من بعيد ضحك وقال: يا يحيى من الذي يقول: «في وجهه شافع»؟
فقلت: يقوله ابن قنبر المازني البصريّ، فقال لله: درّه، فأنشد هذا الشعر، فأنشدته:
[البسيط]
ويلي على من أطار النوم فامتنعا ... وزاد قلبي على أوجاعه وجعا
كأنما الشمس في أعطافه لمعت ... حسنا أو البدر من أزراره طلعا
مستقبل بالّذي يهوى وإن كثرت ... منه الذنوب ومعذور بما صنعا
في وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب وجيه حيثما شفعا
أنس، قال النبي ﷺ : «حسن الوجه مال».
وقال ﷺ : «اطلبوا الخير عند حسان الوجوه».
وقال الشاعر: [الخفيف]
أنت شرط النبيّ إذ قال يوما ... اطلبوا الخير من حسان الوجوه
وقال النبي ﷺ : «من آتاه الله وجها حسنا واسما حسنا، وجعله في موضع غير شائن، فهو من صفوة الله من خلقه».
ابن عمر ﵄ قال ﷺ : «ثلاثة تجلو البصر: النظر إلى الخضرة، والنّظر إلى الماء الجاري، والنّظر إلى الوجه الحسن»، نظمها الشاعر فقال: [السريع]
ثلاثة يذهبن للمرء الحزن ... الماء والخضرة والوجه الحسن
قوله تيمنت: تبرّكت. البهيج. الحسن. استقدحت: طلبت، وأصلها، في قدح النار. تبغيها: تطلبها. عوانا: ثيّبا. تعاني: تعالج وتراضي. العرا: جمع عروة.
***
فقال: إليّ التّبيين، وعليك التّعيين، فاسمع أنا أفديك، بعد دفن أعاديك؛ أمّا البكر فالدّرّة المخزونة، والبيضة المكنونة، والباكورة الجنيّة، والسّلافة الهنيّة،
стр. 1241
والرّوضة الأنف، والطّوق الّذي ثمن وشرف؛ لم يدنّسها لامس، ولا استغشاها لابس، ولا مارسها عابث، ولا وكسها طامث، ولها الوجه الحيّ، والطّرف الخفيّ، واللّسان العيّ، والقلب النّقيّ. ثم هي الدّمية الملاعبة، واللّعبة المداعبة، والغزالة المغازلة، والملحة الكاملة، والوشاح الطّاهرالقشيب، والضّجيع الّذي يشبّ ولا يشيب ... أمّا الثيّب فالمطيّة المذلّلة، واللهنة المعجّلة. والبغية المسهّلة، والطّبّة المعلّلة، والفرينة المتحبّبة، والخليلة المتقرّبة، والصّناع المدبّرة، والفطنة المختبرة. ثمّ إنّها عجالة الرّاكب، وأنشوطة الخاطب، وقعده العاجز، ونهزة المبارز، عريكتها ليّنة، وعقلتها هيّنة، ودخلتها متبيّنة، وخدمتها مزيّنة، وأقسم لقد صدقت في النّعتين، وجلوت المهاتين، فبأيّتهما هام قلبك، وعلى أيّتهما قام ربّك؟ .
***
الدّرّة: الجوهرة. المخزونة: التي جعلت في الخزانة لرفعتها، يريد أنّ البكر تحجب وتصان: البيضة المكنونة، أراد بيضة النعام، ويشبّه بها النساء لبياضها والصّفرة التي تضرب فيها، وقد تقدمت هذه الصفة في العاشرة، وقال امرؤ القيس: [الطويل]
كبكر مقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلّل (١)
وقال ذو الرّمة: [البسيط]
* كأنّها فضة قد مسها ذهب (٢) *
والمكنونة: المصونة، والنعامة تكنّ بيضتها بريشها، ولا تبديها للشمس والريح لئلا تتغيّر، وقال الله تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات: ٤٩]، الباكورة: أوّل ما يباكر من الثمر. والسلافة: الخمر، والمدخورة: المحجوبة في آنيتها الأنف: التي لم تدخل ولا رعيت. والطّوق: ثوب رفيع. ثمن: كثر ثمنه اللامس: الذي يلمس الشيء بيده ويدنّسه، وأراد به الذي يلاعبها ويعضّها ابن عباس: اللمس والملامسة واللّماس، كناية
стр. 1242
عن الجماع، وفلانة لا تردّ يد اللامس، أي لا تمنع مجامعتها من أرادها. استغشاها:
جامعها، وغشيان النّساء: مجامعتهنّ. واللابس: الذي لابسها واختلط بها، يريد نكحها.
مارسها: عالجها وعاناها. عابث: مفسد، وأراد من يعبث بها عند الجماع. وكسها:
نقصها، ووضع منها، والوكس: الخسارة في البيع، طامث: ناكح. والطامث: المفتضّ للبكر. العيّ: الّذي لا يعرف تصرّفات الكلام: والدّمية صورة الرخام. واللّعبة: ما يلعب به، وتقول: لمن اللعبة؟ أي لمن الغلب في لعب الشطرنج وشبّهه. عليّ ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «المرأة لعبة زوجها، فإن استطاع أن يحسن لعبته فليفعل» والمداعبة:
الممازحة والمغازلة: تقول غازلتني المرأة إذا تماجنت عليك في كلامها، وأشارت لك بعينها وغمزتك بحاجبها حتى إذا طمعت فيها صدّت عنك. والملحة: الصورة المستملحة كالدّمى وكالصورة التي تلعب بها البنات والشطّار، وهي اللعبة وجاء بملحة أي بكلمة طيبة مليحة. والوشاح: الحزام. والقشيب: الجديد جعلها كالوشاح عند عناقها وجماعها. والضجيع: المراقد. يشبّ: يردّك شابّا. يشيب: يكسبك الشّيب. اللهنة: ما يعجّل للضّيف قبل القرى والطّبّة: الحاذقة بمصالحها. المعلّلة: التي تعطيك ما تريد منها مرّة بعد مرّة، وهي بكسر اللام، والمعلّلة: التي تعلّل مرتشفها بالريق، قال امرؤ القيس [الطويل]:
* ولا تمنعينا من جناك المعلّل (١) *
ابن الأعرابيّ: المعلّل: المعين بالبرّ بعد البرّ، ومن نصب اللّام فمعناه المطيّب مرّة بعد مرة، والتعليل سقي بعد سقي. والقرينة: الصّاحبة. والحليلة: الزّوجة. والصّناع:
الحاذقة بالصّنعة. وعجالة الراكب: ما يعجّل له من الطعام والشراب، مثل التمر والسويق، وما لا يتعب بمعالجته، وكانت العرب لكرمها يمر عليها الرجل، وهو راكب فتعرض عليه النزول للقرى، فيمتنع لأعذار له فيمسك؛ حتّى يخرج له من البيوت أيسر ما يوجد، يأكله وهو راكب، فجعل الثّيّب لسهولتها كالعجالة التي لا يتكلّف لها، وقال عمر ابن الخطاب ﵁: البكر كالبرّة تطحنها وتعجنها وتخبزها وتأكلها، والثّيّب عجالةالراكب تمر وسويق. والأنشوطة: عقدة تحلّ بسهولة. نهزة: فرصة وغنيمة سهلة.
عريكتها: طبيعتها، ورجل ليّن العريكة إذا كان سهلا سلس القياد، وأصل العريكة سنام البعير، وكانوا يعمدون للبعير إذا كان فيه شماس وامتناع، فيقطعون في حدبته وهي مرتفعة يصعب الرّكوب عليها، فإذا قطع فيها سكن البعير ولان، وتوطّأ موضع الرّكوب منه فيقال: قد لانت عريكته وقال الشاعر: [الطويل]
стр. 1243
من اللّواتي إذا أودت عريكتها ... يبقى لها بعدها ألّ ومجلود
قوله: أودت، أي زالت وذهبت، فهذا يدلّ على ما ذكرنا. عقلتها: حبستها، يريد أن ما يعقلها به صاحبها شيء هيّن، والعقلة مثل العقدة، ولفلان عقلة يعقل بها الناس فيغلبهم ويصرعهم. دخلتها: باطن أمرها، وفلان عفيف الدّخلة وخبيثها، أي الباطنة والسّريرة. متبينة: مكتشفة ظاهرة، أي سرّها ظاهر. المهاتين: البكر والثيّب، والبقرة الوحشية هي المهاة. هام: تحيّر من شدة الحبّ.
***
قال أبو زيد: فرأيته جندلة يتّقيها المراجم، وتدمى منها المحاجم؛ إلّا أنّي قلت له: كنت سمعت أنّ البكر أشدّ حبّا، وأقلّ خبّا، فقال: لعمري قد قيل هذا، ولكن كم قول أذى، ويحك! أما هي المهرة الأبيّة العنان، والمطيّة البطيّة الإذعان، والزّندة المتعسّرة الاقتداح، والقلعة المستصعبة الافتتاح. ثم إنّ مئونتها كثيرة، ومعونتها يسيرة، وعشرتها صلفة، ودالّتها مكلّفة، ويدها خرقاء، وفتنتها صمّاء، وعريكتها خشناء، وليلتها ليلاء، وفي رياضتها عناء، وعلى خمرتها غشاء، وطالما أخزت المنازل، وفركت المغازل، وأحنقت الهازل، وأضرعت الفنيق البازل. ثمّ إنّها التي تقول: أنا ألبس وأجلس، فأطلب من يطلق ويحبس.
فقلت له: فما ترى في الثّيّب، يا أبا الطّيب؟ فقال: ويحك! أترغب في فضالة المآكل، وثمالة المناهل، واللّباس المستبذل، والوعاء المستعمل، والذّوّاقة المتطرّفة والخرّاجة المتصرّفة، والوقاح المتسلّطة، والمحتكرة المتسخّطة. ثم كلمتها: كنت وصرت، وطالما بغي عليّ فنصرت وشتّان بين اليوم والأمس، وأين القمر من الشمس! وإن كانت الحنّانة البروك، والطّمّاحة الهلوك، فهي الغلّ القمل، والجرح الّذي لا يندمل.
***
قوله: المراجم، أي الذي ترجمه ويرجمك. خبّا: مكرا وخديعة، ورجل خبّ:
غاشّ فاجر. الأبيّة العنان: الممتنعة القياد. الإذعان: الخضوع والذلة الزّندة: ما تزند منه النار. المتعسرة الاقتداح: التي يعسر إخراج النار منها القلعة: الحصن والمكان المرتفع.
عشرتها: صحبتها. صلفة: مجاوزة حدّ الطّوق، وأصل الصّلف الإعراض عن الشيء كأنه إذا استقبلك أبديت له صليفك، وهو صفحة عنقك، ودالّتها: انبساطها، يريد انبساطها إذا أرادت أن تدلّ عليك تتكلّف ذلك. خرقاء: لا تحسن العمل. صمّاء: شديدة، كأنها لا
стр. 1244
تسمع النّهي والعذل. وفتنتها: شرها. خشناء: خشنة صعبة. ليلاء: شديدة السّواد طويلة. خمرتها: لبستها الخمار. غشاء: غطاء وستر. فضالة: بقية، وكذلك ثمالة المنهل: موضع الماء. والنّهل: الشرب الأوّل. والذّوّاقة المتطرفة، أي التي تذوق طرف الشيء وتتركه أو تذوق بطرف لسانها ثم تبصقه، وتطرّفت الناقة: رعت بأطراف المرعى، فيريد أنها لا تبقى على زوج واحد، إنما هي تذوق كلّ زوج وتجرّب لذة مباشرتهم، وقال رجل للنبي ﷺ : إني قد طلّقت زوجتي فقال النبي ﷺ : «إن الله لا يحبّ الذوّاقين ولا الذوّاقات» (١). الخرّاجة: الكثيرة الخروج. المتصرّفة: الجوّالة الوقاح: الصّلبة الوجه التي ليس عندها حياء. المتسلطة: المستطيلة اللسان والمحتكرة: التي تسرق رزق زوجها، ثم تحتكره، أي تدّخره وترفعه، فإذا احتاج زوجها لشرائه أخذت منه ثمن ما عندها محتكرا. كنت وصرت: تخاطب به زوجها أي كنت في نعمة مع الزوج الأوّل وأنا معك على شقاء بغي عليّ، أي اجتمع عليّ بالظلم، والبغي: الظلم. وشتّان: بعد.
واليوم وأمس: الزوج الحاضر معها والزوج المفقود، وهو الذي أراد بالقمر والشمس، ويقال: شتان زيد وعمر وترفعهما بشتّان، وتفتح نونهاللالتقاء الساكنين تشبيها بالأدوات ويقال: شتان ما زيد وعمرو، فتجعل ما صلة أو تنصبها على التمييز على حد نعم رجلا زيد والتقدير: شتان شبها زيد وعمرو، وبرفعهما بشتّان بمعنى بعد شبها زيد وعمرو، ويجوز كسر نون شتان على أنها تثنية شتّ، وهو التفرّق، وجمعه أشتان، ويقال: شتان ما بين زيد وعمرو، فترفع «ما» بشتّان على أنها بمعنى الّذي، وبين صلتها، ولا يجوز كسر نون شتان لأنها اسم واحد، ومعنى هيهات بعد الحنّانة: صاحبة الولد الذي من غير الزّوج الذي هي معه، فمتى رأت ولدها حنّت لوالده، والبروك: التي تتزوّج ولها ولد كبير، ويسمى ولدها الحوبند. والطماحة الهلوك: هي التي فارقها زوجها فتطمح له أبدا وتتهالك في محبّته. وقيل: الطماحة التي تطمح إلى كلّ شهوة، والهلوك الفاجرة.
والغلّ: الشّرك التي يغلّ بها الأسير أي يربطها في عنقه ويديه. والقمل: الذي كثرت فيه القمل ويضرب بالغلّ القمل المثل للمرأة السيئة الخلق. لا يندمل: لا يبرأ.
أبو موسى ﵁: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث يدعون الله فلا يستجيب لهم:
رجل كانت عنده امرأة سيّئة الخلق فلم يطلّقها، ورجل أعطى ماله سفيها، وقد قال الله تعالى وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ [النساء: ٥]، ورجل كان له على رجل دين فلم يشهد عليه».
المقدمي: قال بعض الحكماء: أربعة أشياء يمنعن النّوم والقرار: المرأة السوء، والولد الجاهل، والعشير المخالف، والعبد اللئيم. قال الأصمعيّ: قال لي زائدة البندار:
قيل لي بالشأم: هل لك أن ترى العجب؟ فذهبت فإذا سبعة في شق، جدّ وستة من ولده
стр. 1245
وولد ولده، وإذا الجدّ السابع أشب من الابن السابع، فسألت عنه فقيل: كان للجدّ امرأة موافقة وللابن السابع امرأة سليطة.
وقال ﷺ : «أربعة لا يشبعن من أربعة: عين من نظر، وأرض من مطر، وأنثى من ذكر، وعالم من علم».
قال الأصمعي: تزوّج رجل من عذرة امرأة من بليّ حمقاء، فغاب عنها غيبة ثم قدم عليها، فلما جمعهما المضجع أنشأت تقول: [الرجز]
ما مسّني بعدك من إنسيّ ... غير غلام واحد جعديّ
ورجل أحمق من بليّ ... ورجلين من بني عديّ
وتسعة كانوا مع المطيّ ... وسبعة كانوا على الطّويّ
وخمسة وافوا مع العشيّ ... من بين جدّيّ إلى مكيّ
* ومن تهاميّ إلى نجديّ*
فقام إليها بالسوط فضربها، فاجتمع لذلك من حوله يلومونه، فقال: والله لولا ما قمت لضربها لعدّت عليّ أهل عرفات ومنى.
وقيل ليحيى المديني: ما الجرح الذي لا يندمل؟ قال: حاجة الكريم إلى اللئيم.
***
فقلت له: فهل ترى أن أترهّب، وأسلك هذا المذهب؟ فانتهرني انتهار المؤدّب، عند زلّة المتأدّب، ثمّ قال: ويلك! أتقتدي بالرّهبان، والحقّ قد استبان! أفّ لك ولوهن رأيك، وتبّا لك ولأولئك أتراك ما سمعت بأن لا رهبانيّة في الإسلام، أو ما حدّثت بمناكح نبيّك عليه أزكى السلام. ثمّ أما تعلم أن القرينة الصالحة تربّ بيتك، وتلبّي صوتك وتغضّ طرفك، وتطيّب عرفك، وبها ترى قرّة عينك، وريحانة أنفك، وفرحة قلبك، وخلد ذكرك، وتعلّة يومك وغدك! فكيف رغبت عن سنّة المرسلين، ومتعة المتأهّلين، وشرعة المحصنين ومجلبة المال والبنين: والله لقد ساءني فيك، ما سمعت من فيك. ثمّ أعرض إعراض المغضب، ونزا نزوان العنظب، فقلت له: قاتلك الله! أتنطلق متبخترا، وتدعني متحيّرا! فقال أظنّك تدّعي الحيرة، لتجلد عميرة، وتستغني عن المهيرة. فقلت له: قبّح الله ظنّك، ولا أشبّ قرنك. ثم رحت عنه مراح الخزيان، وتبت من مشاورة الصبيان.
***
قوله: أترهّب، أي أترك التزويج، والتّرهب ترك النساء، انتهرني: زجرني وأخذني
стр. 1246
بلسانه. زلّة: سقطة. استبان: ظهر. الأفّ وسخ الأذنين، والوهن: الضعف والخسران، ولأولئك، إشارة للرهبان. السّكن: الزوجة يسكن إليها تربّ: تصلح. تلبّي: تجيب.
تغضّ طرفك، أي تحصّنك وتمنعك من نظر النساء. عرفك: ريحك الطيب، وقرّة العين: ما يتمنى وتقرّ به العين.
ريحانة: شجرة طيّبة الريح، وريحانة من صفة المرأة. قال عليّ ﵁ في وصيته لابنه محمد ابن الحنفية: «لا تملّكن المرأة من الأمر ما يتجاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، وإن ذلك أدوم لحالها وأرضى لبالها» وما أحسن ما قال ابن اللّبانة يرثي أخت المرتضى صاحب ميورقة، وماتت بعد أخيها: [الطويل]
أبنت العلا جدّدت منعي على منعي ... مضى المرتضى أصلا وأتبعته فرعا
جرى الموت جري الريح في منبتيكما ... فأذواك ريحانا وكسّره نبعا
تعلة: أي تتعلّل وتنتفع بما عندها من القيام بمؤنتك. ومتعة: ما يتمتّع به ويتلذذ.
المتأهلين: المتزوّجين الذين لهم أهل. شرعة: طريقة، المحصنين: المتزوجين. نزا:
وثب وارتفع. العنظب: ذكر الجراد.
[الزواج والترغيب فيه]
ونذكر هنا فصلا يليق بهذا الموضع.
قال رسول الله ﷺ لعطاف بن وداعة الملالي: «يا عطّاف ألك امرأة؟ قال: لا قال:
فأنت إذا من إخوان الشياطين، إن كنت من رهبان النصارى فالحق بهم، وإن كنت منّا فسنّتنا النكاح» (١).
أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ركعتان من المتأهّل خير من اثنتين وثمانين ركعة من العزب».
وقال ﷺ : «تزوّجوا الولود الودود من النّساء فإني مكاثر بكم الأمم» (٢).
وقال ﷺ : «النّساء ثلاث: صنف كالرحّى تحمل وتضع، وصنف كالعرّ وهو الجرب، وصنف ودود ولود تعين زوجها على إيمانه فهي خير له من الكنز» (٣).
ابن عمرو ﵄ قال النبيّ ﷺ : «إذا أتى على أمتي مائة وثلاثون سنة فقد حلّت لهم العزبة والترهّب في رءوس الجبال».
стр. 1247
وقال ﷺ : «الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة» (١).
وقال خالد بن صفوان لرجل: أتزوجت؟ قال: لا، قال: فتزوج، ثم قال بعد ساعة: لا تتزوج، فقال: لم؟ قال: إنك إن تزوّجت واحدة فتطهر إن طهرت وتحيض إن حاضت وتغضب إن غضبت، فإن تزوّجت باثنتين تقع بين ضرّتين، فإن تزوجت ثلاثا تقع بين أثاف، وإن تزوجت بأربع يغلّسنك ويهرمنك. قال: أفتحرّم ما أحلّ الله لك؟ قال:
لا، ولكن كوزان وخماران وعباءة وقرصان.
وقال رجل: أردت النّكاح فقلت: لأستشيرن أوّل من يطلع عليّ، فأعمل برأيه، فأول من طلع عليّ هبنّقة القيسيّ الأحمق وتحته قصبة، فقلت له: إني لأستشيرك في النّكاح، فقال: البكر لك والثّيّب عليك، وذات الولد لا تقربها، واحذر جوادي لا ينفحك.
وقال رجل لولده: يا بنيّ لا تتخذها حنّانة ولا أنّانة ولا منّانة ولا عشبة الدار ولا كية القفا، فالحنّانة التي لها ولد من غيره فهي تحنّ إليه، والأنانة: التي مات زوجها فهي إذا رأت الثاني أنّت للأوّل وقالت: يرحم الله فلانا، والمنّانة التي لها مال، فهي تمنّ به على زوجها متى احتاج إليه، وعشبةالدار: خضراء الدّمن، وقد تقدّمت، وكية القفا:
التي انصرف ابنها أو زوجها من بين القوم قال رجل قد كان بيني وبين أمّ هذا أو زوجته شيء.
وسئل أعرابيّ عن النساء، وكان ذا تجربة لهنّ فقال: أفضلهنّ أطولهنّ إذا قامت، وأكظمهن إذا قعدت وأصدقهن إذا قالت، التي إذا غضبت حلمت وإذا ضحكت تبسّمت، وإذا صنعت شيئا جوّدت، التي تلزم بيتها ولا تعصي زوجها العزيزة في قومها، الذليلة في نفسها، الودود الولود، وكلّ أمرها محمود.
نظر خالد بن صفوان إلى جماعة في مسجد البصرة فقال: ما هذه الجماعة قالوا:
امرأة تدلّ على النساء، فأتاها فقال لها: أبغي امرأة، قالت: فصفها، قال: أريدها بكرا كثيّب، أو ثيّبا كبكر، حلوة من قريب، ضخمة من بعيد، كانت في نعمة، وأصابتها حاجة، ففيها أدب النّعمة وذلّة الحاجة، إذا اجتمعنا كنّا أهل دنيا، وإذا افترقنا كنا أهل آخرة، قالت: قد أصبتها لك، قال: فأين هي؟ قالت: في الرفيق الأعلى من الجنّة فاعمل لها.
[خالد بن صفوان والسفاح]
وقال خالد لأبي العباس السّفّاح- وكانت عنده أمّ سلمة بنت يعقوب بن سلمة المخزوميّ، وكان تزوّجها قبل الخلافة، وحلف ألّا يتزوج عليها، ولا يتسرّى-: يا أمير
стр. 1248
المؤمنين، إنّي تفكّرت في أمرك، مع سعة ملكك، وقد ملكتك امرأة واحدة، إن مرضت مرضت لمرضها، وإن غابت غبت، وحرمت نفسك التلذّذ بالجواري ومعرفة جلالتهنّ، فإنّ منهنّ الطويلة الغيداء، والفضة البيضاء، والعقيقة الأدماء، والرقيقة السّمراء، والبربرية العجزاء، يفتن بمحادثتهنّ. ونأتك عن بنات الأحرار والنّظر إليهنّ، ولو رأت الطويلة البيضاء، والسمراء العيناء، والبيضاء العجزاء، والمولدات من البصريات والكوفيات ذوات الألسن العذبة والقدود المهفهفة، والأوساط المخصّرة والأصداغ المزرنقة، والعيون المكحلة، والثديّ المحقّقة، وحسن زينتهنّ وشكلهنّ، لرأيت شكلا حسنا، فقال له:
ويحك يا خالد! ما سلك مسامعي والله كلام أحسن مما سمعت منك. فانصرف وبقي أبو العباس متفكّرا. فدخلت عليه أم سلمة فرأته، مغموما فقالت له: إني لأنكرك يا أمير المؤمنين، هل أتاك خبر فارتعت له؟ قال: لا، قال: فما قصّتك، فزوى وجهه عنها، فلم تزل به حتى أخبرها، قالت: فما قلت لابن الفاعلة؟ قال: سبحان الله! ينصحني وتشتمينه! فخرجت مغضبة، وأرسلت إليه جماعة من العبيد، وبأيديهم مقامع من حديد، وأمرتهم ألّا يتركوا من خالد عضوا صحيحا. قال خالد: فانصرفت مسرورا لما رأيت من إعجابه بما ألقيت عليه، ولم أشكّ أنّ صلتي ستأتيني.
فإنّي لقاعد على باب داري، وإذا بالعبيد قد أقبلوا نحوي فلم أشكّ في الجائزة، فسألوا عنّي فقلت: أنا خالد، فأهوى أحدهم إليّ بهراوة فوثبت إلى منزلي، وعلمت أني أتيت من أم سلمة. وطلبني أبو العباس طلبا شديدا، وأنا مستخف، فهجم عليّ في الثالث، فقالوا: أجب أمير المؤمنين. فأيقنت بالموت، فدخلت عليه وليس في وجهي دم، فسلّمت وجلست، وإذا خلف ظهري ستر خلفه حركة فقال لي: يا خالد أين كنت منذ ثلاثة أيام؟ قلت: عليلا، قال: إنّك وصفت لي من أخبار النساء والجواري ما لم يخرق مسامعي قطّ شيء أحسن منه، فأعده عليّ، قلت: نعم أعلمتك يا أمير المؤمنين أنّ العرب اشتقت اسم الضرّة من الضّر، وإن أحدهم لم يكن عنده أكثر من واحدة إلا كان في جهد قال: ويحك لم يكن هذا في الحديث! قلت:
بلى والله، وأعلمتك أنّ الثلاث من النساء كأثافيّ القدر يغلى عليهنّ. قال أبو العباس:
برئت من قرابتي من رسول الله ﷺ إن كنت سمعت هذا منك في حديثك، قلت:
وأخبرتك أنّ الأربع شؤم مجتمع لصاحبهنّ، يسقمنه ويهرمنه ويشيّبنه قال: والله ما سمعت هذا منك قطّ! قلت: بلى والله يا أمير المؤمنين، قال: ويحك! وتكذّبني! قلت: وتريد أن تقتلني! قال: مرّ في حديثك، قلت: وأخبرتك أنّ أبكار النساء رجال ولكن لا خصى لهنّ، قال: وسمعت الضّحكمن وراء الستر، قلت: وأخبرتك أن بني مخزوم ريحانة قريش وعندك ريحانة من الريّاحين، وأنت تطمح إلى غيرها من الإماء! فقيل لي من وراء الستر: صدقت والله يا عمّاه وبررت، وبهذا حدّثته، ولكنه غيّر وبدّل. فقال لي أبو العباس: ما لك قاتلك الله وأخزاك! وفعل وفعل! فتركته
стр. 1249
وخرجت، فما شعرت إلا برسل أم سلمة، ومعهم عشرة آلاف درهم، وتخت وبرذون وغلام، فقبضتها.
وفي هذا الحديث المليح تعلّق بما ذكر الحريريّ من مدح النّساء وذمهنّ، وخالد بن صفوان لفصاحته أقدر الناس على مدح الشّيء وذمه، وقد تقدّم في الثالثة هذا الفنّ.
وقال أبو العباس السفاح لخالد وعنده أخواله الحارثيّون: كيف علمك بأخوالي يا خالد؟ قال: يا أمير المؤمنين، هم هامة الشّرف وعرنين الكرم، وغرس الجود، وفيهم خصال ليست لغيرهم، إنّهم لأصونهم أمّا، وأحسنهم أمما، وأكرمهم شيما، وأطيبهم طعما، وأوفاهم ذمما، وأبعدهم همما، الجمرة في الحرب، والوقد عند الجدب، وهم الرأس في كل خطب، وغيرهم بمنزلة العجب. فقال: لقد وصفت يا بن صفوان فأحسنت، فزاد أخواله في الفخر، فغضب أبو العباس لأعمامه فقال: افخر يا خالد، فقال: أعلى أخوال أمير المؤمنين؟ قال: فأين أنت من أعمامه! قال: كيف أفاخر قوما هم بين ناسج برد وسائس قرد، ودابغ جلد، دلّ عليهم هدهد، وغرّقتهم فأرة، وملكتهم امرأة! .
ودخل خالد على أبي الجهم العدويّ وهو يريد ركوب حمار، فقال خالد: أما علمت أنّ العير عار، وأنّ الحمار شنار، منكر الصوت، قبيح الفوت، مترنّح في المحل، مرتطم في الوحل، ليس بركوبة فحل، ولا مطية رحل، راكبه مقرف، ومسايره مشرف.
فاستوحش العدويّ من ركوبه، فركب فرسا وركب خالد الحمار، فقال: ويحك يا خالد! أتنهى عن شيء وتأتي مثله! قال: أصلحك الله عير من بنات الكداد، أسحم السربال، مدمج الأوصال، محملج القوائم، يحمل الرّحلة، ويبلغ العقبة، ويمنعني من أن أكون جبّارا عنيدا، أو ملكا شديدا، فقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين! ذلك لك، وهذا لي.
فتبسم العدويّ.
[مما قيل في وصف النساء]
ثم نرجع إلى جملة مقاطيع من أوصاف النساء تتبين بها أوصافهنّ، قال العديل بن الفرخ: [الكامل]
لعب النّسيم بهنّ في أظلاله ... حتّى لبسن زمان عيش غافل
يأخذن زينتهنّ أحسن ما يرى ... وإذا عطّلن فهنّ غير عواطل
وإذا أرين خدودهن أرينها ... حدق المهى وأخذن سهم القاتل
ورمينني لا يستترن بجنّة ... إلّا الصّبا وعرفن أين مقاتلي
وقال العباس بن طرخان: [الطويل]
تقسّمن قلبا كان مجتمع الشّمل ... وفرقنه بين المسالك والسّبل
стр. 1250
زرعن الهوى في القلب ثم سقينه ... صبابات ماء الشوق بالأعين النّجل
رمين فلما أن أصبن مقاتلي ... تولّين وانضمّت جراحي على النّبل
وقال البحتري: [الكامل]
لمّا مشين بذي الأراك تشابهت ... أعطاف قضبان به وقدود (١)
في يمنتي حبر وروض فالتقى ... وشيان: وشي ربا ووشي برود
وسفرن فامتلأت عيون راقها ... وردان: ورد جنى وورد خدود
ومتى يساعدنا الوصال ودهرنا ... يومان: يوم منى ويوم صدود!
وقال التهامي: [الكامل]
ماتت لفقد الظّاعنين ديارهم ... فكأنهم كانوا لها أرواحا
لا عيب فيهم غير شحّ نسائهم ... ومن السماحة أن يكن شحاحا
طرقته في أترابها فجلت له ... وهنا من الغرر الصّباح صباحا
وأنشد الأصمعي: [الطويل]
خزاعيّة الأطراف مرّية الحشى ... نزارية العينين طائيّة الفم
لها حكم لقمان وصورة يوسف ... ونغمة داود وعفّة مريم
وقال الأسعد بن نبيط: [الطويل]
غلاميّة جاءت وقد جعل الدّجى ... لخاتم فيها فصّ غانية خطّا
فقلت: أحاجيها بما في جفونها ... وما بالشفاه اللّعس من حسنها المعطى
محبّرة العينين من غير سكرة ... متى شربت ألحاظ عينيك إسفنطا
أرى صفرة المسواك من حمرة اللّمى ... وشاربك المخضرّ بالمسك قد خطا
عسى قدح قبّلته فإخاله ... على الشفة اللّمياء قد جاء منحطّا
فتصور في البيتين قبل هذا أحسن مقابلة، وتصوّر في البيتين من آخر هذه القطعة ثلاث تشبيهات شبّهت بشيء واحد يتضمنها جمعيا! .
وقال ابن شرف: [البسيط]
قامت تجر ذيول العصب والحبر ... ضعيفة الخطو والميثاق والنّظر
تخطو فتولي الحصا من حليها نبذا ... وتخلط العنبر الورديّ بالعفر
تلفتت عن طلا وسنان وابتسمت ... عن واضح مثل نور الرّوضة العطر
стр. 1251
ما لذّ للعين نوم بعد ما ذكرت ... ليلا سمرناه بين الضّال والسّمر
تساقط الطلّ من فوق النّحور به ... تساقط الدّر في اللّبّات والثّغر
وقال الرمادي: [البسيط]
شطّت نواهم بشمس في هوادجهم ... لولا تلألؤها في ليلهنّ عشوا
شكت محاسنها عيني وقد عذرت ... لأنها بضمير القلب تنخمش
شعر ووجه تبارى في افتخارهما ... لحسن هذا وذاك الرّوم والحبش
شككت في سقمي منها، أفي فرشي ... إذا تأمّلت إلّا الطيف والفرش؟
ولبعض أصحابنا: [الكامل]
سائل سقاة الحيّ عن نجدية ... ورد الحجيج بها سقاية زمزم
صفراء كالدّينار علّ تريبها ... بالزّعفران وخدّها بالعندم
لبست برود السابريّ فأفضلت ... من ذيلها ولبست جلد الأرقم
يا ليت شعري وهي أنسك ناسك ... لم تستحلّ دم المحبّ المسلم!
نبّئت أنّ الظاعنين بها سعوا ... للأجر فانقلبوا بكبر المأثم
سفكوا دماء الرائحين إلى منى ... بجفونها ونجوا بسافكة الدم
وهذا القدر في هذا الموضع كاف، وقد تضمن هذا الديوان مقطعات بديعة في أوصاف النساء.
[ما جاء في الاستمناء]
قوله: لتجلد عميرة، يقال لهذا الفعل الخضخضة والتدليك والاستمناء والاعتمار، واعتمر الرجل: جمع يديه وضمّهما لذلك، والإلطاف للنساء مثل الخضخضة للرّجال، يقال منه: ألطفت المرأة، وقال القتيبي بيتا ما سمعناه على وجه الدهر [الطويل]:
إذا مررت بواد لا أنيس به ... فاضرب عميرة لا عار ولا حرج
آخر: [الكامل]
بيدي ورجلي لا عدمت كليهما ... أصبحت أغني من يروح ويغتدي
أمشي على هذي وأنكح هذه ... فمطيتي رجلي وجاريتي يدي
آخر: [الرجز]
تسألني عن عتدي وعندي ... فإنني يا ابنة آل مرثد
* راحلتي رجلاي وامرأتي يدي*
وقال أعرابيّ: [الرجز]
إن تبخلي بالمركب المحلوق ... فإن عندي راحتي وريقي
стр. 1252
ودلكات لسن للتّمزيق ... أشهى من التصبيح والتغبيق
وقال الخزاميّ: [المتقارب]
خطبت إلى ساعدي راحتي ... وما كنت من شرّ خطّابها
وما إن تكلّفت من مهرها ... سوى ريقة أتجرّى بها
فإن شئت أوتى بها ثيّبا ... وبكرا إذا شئت أوتى بها
ونزّهت نفسي عن الغانيات ... وعن ذكر سلمى وأترابها
وقال الحسن: [الطويل]
إذا أنت أنكحت الكريمة كفؤها ... فأنكح حسيبا راحة لابن ساعدي
وقل بالرّفا ما نلت من وصل حرّة ... لها ساحة حفت بخمس ولائد
وقال ابن الرقعمق: [مخلع البسيط]
ومن بلائي أبو عمير ... معرّض بي إلى المنون
منتصبا ما ينام وقتا ... وليس يهدا من الزّنين
من يك ذا زوجة فإني ... لشقوتي زوجتي يميني
عميرة قد جلدت حتى ... خشيت والله تجلدوني
فراقبوا الله في يميني ... وخلّصوها وزوّجوني
وقال آخر يشتكي غلظ يده: [البسيط]
لو أنها لدنة قضيت من وطري ... لكنه خشن أربى على السّفن
أشكو إلى الله نعظا قد منيت به ... وما ألاقي من الإملاق والحزن
آخر: [مجزوء الوافر]
ومغتاب إذا نبحا ... يظنّ سواه قد جرحا
ومن لم يدر لم يألم ... فعاد عليه ما اجترحا
كناكح كفّه ينوي ... فتاة كان قد لمحا
وما نكح الفتى أحدا ... ولكن نفسه نكحا
فنكاح الكفّ هو جلد العميرة.
قال ابن أبي الأزهر: مررت على برذعة الموسوس، وقد أدخل يده في جيبه، وهو يخضخض، فضربته برجلي، فانكشف، فإذا هو منعظ، فقلت: ما هذا؟ فقال:
أما ترى تلك! وأشار بيده إلى جارية جميلة في علّيّة متطلعة، فقال: إني دعوتها إلى نفسي فلمّا لم تجبني أجبتها، فقلت: قبّحك الله! وولّيت عنه. فلميلبث أن لحق بي،
стр. 1253
وقال: قضيت الحاجة على رغم أنفك، ثم أنشدني: [الطويل]
أأنكرت ما عاينت من كفّ دالك ... وهل ينكر التدليك في قول مالك
لقد أمن الدّلّاك من أن تنالهم ... حدود الزّنا في واضحات المسالك
وإنّي قد سكّنت عزمة عملتي ... بحسن عيون والثديّ العواتك
كذب على مالك والشافعي، وعامة العلماء يحرّمون الاستمناء، وحجتهم قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون: ٥ - ٦].
الفنجديهي: وقد جاء في تحريم الخضخضة حديث مشهور، وسنده إلى أنس بن مالك ﵁ قال: «سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكّيهم ولا يجمعهم مع العالمين، ويدخلهم النار مع الداخلين؛ إلا أن يتوبوا، فمن تاب تاب الله عليه: الناكح يده، والفاعل والمفعول به، ومدمن الخمر، والضّارب أبويه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره». وإنّما رويت الرخصة في ذلك عن عمرو بن دينار.
وروي عن ابن عباس أنه سئل عن الخضخضة فقال: نكاح الأمة خير منها وهي خير من الزنا.
الأزهري: أبو عمير ذكر الرجل.
الفنجديهي: سمعت الحافظ أبا العلاء يقول: الخضخضة على مذهب الإمام أحمد ابن حنبل جائزة لمن استولت عليه الشّهوة حتى خاف على نفسه إتيان الفواحش.
أبو الفرج محمد بن أبي جعفر الطائيّ بهمذان، قال: أنشدنا الإمام أبو المظفّر المعاوي لنفسه، وكان من أروع الفضلاء وأزهدهم: [الطويل]
خليليّ لا بغداد تدنو فتنقضي ... همومي ولا الريّ البغيضة تبعد
فليس من الأنصاف والعدل أنكم ... تنيكون ربّات الحجال ونجلد
وترضون بالحرمان للفيشة الّتي ... على غضب باتت تقوم وتقعد
فلا تحسبوا جلدي عميرة وصمة ... عليّ فقد أفتى بها الشّيخ أحمد
ولو وسعتها راحتي لاحتملتها ... فما حيلتي إذ ضاق ذرعا بها اليد
وذكر بيتين آخرين.
قال: وأنشدني إمام أهل اللغة أبو المعالي إسماعيل بن الحسن البديع لبعضهم:
[مجزوء الرمل]
إنّما همّي كسيره ... نشفت ماء قديره
стр. 1254
وخميرة في ذكيره ... بلغتي منها سكيره
وغلام أو فتاة ... قد كفي جلد عميره
من رأى عيشي هذا ... عاش لا يؤثر غيره
قال: وأنشدني البديع أيضا لبعضهم: [مخلع البسيط]
يا سيدي نحن في زمان ... أبدلنا الله منه غيره
فكل ذي خسّة وذلّ ... متّع بالطّيبات أيره
وكل ذي فطنة وكيس ... يجلد في بيته عميره
***
قوله: أشبّ قرنك: يدعى بذلك للصبيّ أن يكبر وتطول قامته، كما تقول للصبيّ في ضدّ ذلك: لا كبرك الله. ويقال: شبّ الصبيّ يشبّ بكسرالشين شبابا بفتح الشين وكسرها، إذا طال ونما جسمه والصبيّ شاب، وأشبّ الله قرنه، أي جعله شابا أسود الذؤابة، والقرن الضفيرة، وهي الذؤابة وقيل: القرن جانب الرأس. المراح كالرّواح.
الخزيان: المهان والمستحيي، وخزي يخزى خزيا: أهين، وخزاية استحيا، فهو خزيان أي مستحي، وقوم خزايا.
وتبت من مشاورة الصبيان، قال عمر ﵁: خصلتان من علامة الجهل:
مشاورة النّساء والصبيان، واستكتام السرّ النساء والصبيان.
***
قال الحارث بن همام: فقلت له: أقسم بمن أنبت الأيك، أنّ الجدل منك وإليك؛ فأغرب في الضّحك، وطرب طربة المنهمك، ثم قال: العق العسل، ولا تسل، فأخذت أسهب في مدح الأدب، وأفضّل ربّه على ذي النّشب، وهو ينظر إليّ نظر المستجهل، ويغضي عنّي إغضاء المتمهّل. فلما أفرطت في العصبيّة، للعصبة الأدبيّة، قال لي: صه، واستمع منّي وافقه: [المتقارب]
يقولون إنّ جمال الفتى ... وزينته أدب راسخ
وما إن يزين سوى المكثرين ... ومن طود سودده شامخ
وأمّا الفقير فخير له ... من الأدب القرص والكامخ
وأيّ جمال أن يقال ... أديب يعلّم أو ناسخ!
ثم قال: سيضح لك صدق لهجتي، واستنارة حجّتي.
***
стр. 1255
الأيك: شجر. الجدل منك وإليك، أي إنّما كان هذا الخصام بينك وبين نفسك، ولم يكن ثمّ صبي تحاوره، أي أن حديثك مصنوع لا أصل له.
[الأخبار المصنوعة]
ومن مستعمل الأخبار المصنوعة ما يحكى أن حبيب بن أوس، قال: لقينا أعرابيّ، وقد خرجت في أيام الواثق إلى سرّ من رأى، فقلت له: ممن؟ قال: من بني عامر، قلت: كيف علمك بعسكر أمير المؤمنين؟ قال: قتل أرضا عالمها، قلت: ما تقول في أمير المؤمنين؟ قال: وثق بالله فكفاه، أشجى العاصية، وقمع العادية، وعدل في الرعيّة. قلت: فما تقول في أحمد بن أبي دؤاد؟ قال: هضبة لا ثرام، وجبل لا يضام، تشحذ له المدى، وتنصب له الحبائل، حتى إذا قيّد وثب وثبة الذئب، وختل ختل الضّب. قلت: فحمد بن عبد الملك؟ قال: وسع الداني شرّه، ووصل البعيد ضرّه، له في كل يوم صريع، لا يرى فيه أثر ناب، ولا ندب مخلب، قلت: فما تقول في الفضل بن مروان؟ قال: ذلك الرجل نشر بعد ما قبر، فعليه حياة الأحياء، وخفته الموتى. قلت: فابن الخصيب؟ قال: أكل أكلة نهم، وذرق ذرقة بشم، قلت: فأخوه إبراهيم؟ قال: أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون، قلت فأحمد بن إبراهيم؟
قال: لله درّه! أيّ رجل هو! اتّخذ الصّبر دثارا، والحق شعارا، وإن هوّن عليه يهمّ، قلت: فسليمان بن وهب؟ قال: ذلك رجل السلطان، وبهاء الدّيوان، قلت: فأخوه الحسن؟ قال: عود نضير، غرس في منابت الكرم حتى إذا اهتز لهم حصدوه، قلت:
فإبراهيم بن نجاح؟ قال: ذلك رجل أوثقه كرمه، وأسلمه حسبه، وله دعاء لا يسلمه، وربّ لا يخذله، وخليفة لا يظلمه، قلت: فنجاح بن سلمة؟ قال: لله درّه أيّ طالب وتر ومدرك ثأر! يلتهب كأنه شعلة نار، له من الخليفة في الأنام جلسة تزيل نعما، وتحلّ نقما، قلت: يا أعرابيّ أين منزلك؟ قال: اللهمّ غفرا إذا اشتمل الظّلام، ألتحف الليل، فحيثما أدركني الرّقاد رقدت، ولا أخلق وجهي بمسألتهم؟ أما سمعت هذا الطائيّ يقول: [البسيط]
وما أبالي وخير القوم أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي
فقلت له: أنا قائل هذا الشعر، قال: أإنّك لأنت الطائي! قلت: نعم، قال: لله أبوك، أنت الذي تقول: [البسيط]
ما جود كفّك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي إذا أخلقته عوض
قلت: نعم، قال: أنت أشعر أهل زمانك.
ونمي خبره إلى ابن أبي داود فأوصله إلى الواثق، فأعطاه ألف دينار، وأخذ له من أهل الدولة ما غني به عقبه بعده.
стр. 1256
وهذا الخبر خرج عن أبي تمام، فإن كان صادقا وما أراده، فقد أحسن الأعرابيّ الوصف، وإن كان صنعه فقد قصّر إذ منزلته أكبر من هذا.
***
قوله: أغرب، أي أكثر الضحك حتى دمعت عيناه. المنهمك: المبالغ الطرب.
العق العسل ولا تسل، معناه إن طاب لك الكلام فاحفظه ولا تسل عن صدقه ولا باطله، كما إذا وجدت العسل حلوا فلا يلزمك السؤال عن نحله وقد قال فيما مضى: [المتقارب]
* ولا تسأل الشّهد عن نحله*
فهذا هو ذلك أسهب: أبالغ وأكثر. ذي النّشب: صاحب المال يغضي: يتغافل.
المستجهل: الذي يحسبني جاهلا. الممهل: المؤخّر، وقد أمهله أي أخّره. صه: معناه اسكت. القرص: الخبز، وتسمّى الخبزة قرصة؛ لأن الخابز يقرصها من العجين، أي يقطعها.
[الكامخ]
والكامخ: شيء يصنع من اللّبن الحامض، وهو أنواع.
وقد قدّم لأعرابيّ كامخ، فقال: ما هذا؟ قالوا: كامخ، فقال: قد علمت فأيّكم كمخ به؟ يقال: كمخ البعير إذا أخرج ثلطه رقيقا.
وقدّم لأعرابيّين كامخ، فذاقه أحدهما، فلم يستطبه، فقال: هذا خرء، وذاقه الآخر فاستطابه، فقال: يوشك أن يكون خرء الأمير! .
وقدّم لأعرابيّ كامخ فلم يستطبه قال: ما هذا؟ قالوا كامخ، قال: ومن أيّ شيء صنع هذا؟ قالوا: من الحنطة واللّبن قال: أبوان كريمان: وما أنجبا.
وقدّم لأعرابيّ كامخ، فلم يستطبه، وأكل منه شيئا وخرج، ودخل المسجد والإمام في الصلاة يقرأ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [المائدة: ٣]، فقال الأعرابيّ: والكامخ لا تنسه أصلحك الله! .
وقيل: هو طعام يؤتدم به.
وقيل: هو البقل في الطعام مثل الكبر والزّيتون والمريء والعنّاب إذا غلب طخاء الشحم على المعدة، أخذ الرّجل منه شيئا، فانجلى عن معدته، وتنشّط للأكل.
وقال أعرابي يصف إبطيه بالنّتن: [الرجز]
كأن إبطيّ وقد طال المدى ... نفحة خرء من كواميخ القرى
الأصمعيّ: قدم علينا أبو طيبة الأعرابيّ بعد ما خرج إلى البادية، وتفقّه، فقلنا له:
ما قولك في البيض؟ قال: حرام، فقلنا: ولم؟ قال: لقوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا
стр. 1257
حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام: ١٤٦] والدجاج عندي من ذوي الأظفار. قلنا: فما قولك في الكامخ؟ قال: حرام، قلنا: ولم؟ قال: لقوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ [الرحمن: ١٤]، والكامخ يتخذ من الفخار، فأظنّ بينه وبين الجلد نسبا.
قوله: وافقه، معناه افهم. راسخ: ثابت. المكثرين: الأغنياء طود سودده: ارتفاع سيادته. والطّود: الجبل. شامخ، أي ثابت مرتفع وقال النبي ﷺ «يأتي على النّاس زمان من لم يكن معه فيه أصفر وأبيض لم يتمن العيش» - يعني الذهب والفضة.
وقال مهيار الديلميّ: [المتقارب]
تشرف بحظّ فإن الحظوظ ... حلى كلّ ذي نسب يفضل
وما الحظّ في أدب مفصح ... ومن دونه نسب مجهل
تراضي الفتى رتبة وهو حي ... ث يجعله ماله يجعل
وقال ابن قاضي ميلة: [الكامل]
أسعد بجدّك لا تكون أديبا ... أو أن يرى فيك الورى تهذيبا
إن كنت مستويا ففعلك كلّه ... عوج، وإن أخطأت كنت مصيبا
كالنّقش ليس يصحّ معنى ختمه ... حتّى يكون بناؤه مقلوبا
قوله: لهجتي، أي منطقي، وقيل: هي جرس الكلام، وقيل: هي طرف اللسان، وفلان فصيح اللهجة، وهي لغته التي جبل عليها فاعتادها ونشأ عليها. استنارة: ظهر نورها.
***
وسرنا لا نألو جهدا، ولا نستفيق جهدا؛ حتّى أدّانا السّير، إلى قرية عزب عنها الخير، فدخلناها للارتياد، وكلانا منفض من الزّاد؛ فما إن بلغنا المحطّ، والمناخ المختطّ، أو لقينا غلام لم يبلغ الحنث وعلى عاتقه ضغث. فحيّاه أبو زيد تحيّة المسلم، وسأله وقفة المفهم، فقال: وعمّ تسأل وفّقك الله؟ قال: أيباع هاهنا الرّطب بالخطب؟ قال: لا والله. قال: ولا البلح بالملح؟ قال: كلّا والله، قال.
ولا الثّمر بالسّمر؟ قال: هيهات والله. قال: ولا العصائد بالقصائد؟ قال: اسكت عافاك الله. قال: ولا الثّرائد بالفرائد؟ قال: أين يذهب بك أرشدك الله! قال: ولا الدّقيق بالمعنى الدّقيق؟ قال: عدّ عن هذا أصلحك الله! .
***
نألو: نقصّر. جهدا: طاقة واجتهادا. نستفيق جهدا: نستريح من المشقة أدّانا:
стр. 1258
أوصلنا. والقرية: في كلامهم: الموضع الّذي يجتمع الناس فيه، وقريت الماء في الحوض جمعته فيه. وعزب: بعد للارتياد: لطلب ما يؤكل منفض: فارغ، وأنفض: فني زاده فنفض مزوده من الفتات. المحطّ: المنزل الّذي تحطّ فيه الأحمال. والمناخ: مثله في المعنى. والمختطّ: المعلم عليه بخطّ، وكلّ موضع أردت حمايته ومنعه خططت عليه بخطّ، فمن رآه علم أنه محميّ فاجتنبه. الحنث: الإثم، أي لم يبلغ حدّ التكليف، وهو الحلم فيكتب عليه إثم. على عاتقه ضغث، أي على عنقه حزمة حشيش، والعاتق: ما بين المنكب والعنق، والضّغث قبضة من أخلاط النبات أو من قضبان مختلفة المفهم:
المخبر المبين. أيباع هاهنا الرّطب بالخطب؟ الرّطب والبلح نوعان من التّمر. والسّمر:
السهر باللّيل على الحديث. هيهات، أي بعد.
ابن عباس ﵄: ما باع الدقيق برّ ولا فاجر إلّا اصفرّ لونه وقسا قلبه، ونزعت الرّحمة من قلبه.
الفرائد: جواهر الكلام. أين يذهب بك: أين تتلف وتضلّ! ولذلك دعا له، فقال:
أرشدك الله، أي هداك الطريق. عدّ: كفّ واصرف.
***
واستحلى أبو زيد تراجع السّؤال والجواب، والتّكايل من هذا الجراب.
ولمح الغلام أن الشّوط بطين، والشّيخ شويطين، فقال له: حسبك يا شيخ قد عرفت فنّك، واستبنت أنّك، فخذ الجواب صبرة، واكتف به خبرة؛ أمّا بهذا المكان فلا يشترى الشّعر بشعيرة، ولا النّثر بنثارة، ولا القصص بقصاصة، ولا الرّسالة بغسالة، ولا حكم لقمان بلقمة، ولا أخبار الملاحم بلحمة. وأما جيل هذا الزمان، فما منهم من يميح، إذا صيغ له المديح، ولا من يجيز، إذا أنشد له الأراجيز، ولا من يغيث، إذا أطربه الحديث، ولا من يمير، ولو أنّه أمير وعندهم أن مثل الأديب، كالرّبع الجديب، إن لم تجد الرّبع ديمة، لم تكن له قيمة، ولا دانته بهيمة. وكذلك الأدب، إنّ لم يعضده نشب، فدرسه نصب، وخزنه حصب.
ثم انسدر يعدو، وولّى يحدو.
***
لمح: نظر. الشّوط: الطلق والجري إلى الغاية: الأخفش الشّوط أن تأتي إلى موضع تريده، ثم ترجع وإن رجعت إليه مرّة أخرى، فذلك شوط آخر، ومن الحجر إلى الحجر شوط: وجرى الفرس شوطا إذا بلغ مجراه ثم عاد. بطين: متّسع، ومعناه: علم أن كلام الشيخ كثير، ورجل بطين: عظيم البطن، وكيس بطين، أي ملآن، وأخذه من قول كعب بن زهير: [المتقارب]
стр. 1259
وزحزحن بين أداني الغضى ... وبين عنيزة شوطا بطينا (١)
شويطين، أي دويهية لا تقاوم، وتصغيره بمعنى التعظيم. حسبك: يكفيك. فنّك:
نوعك وطريقك. استبنت أنّك، أي تحققت أنك داهية: صبرة: أي جملة بغير كيل، وكدس القمح، وما يكال يسمّى صبرة. اكتنف: اقتنع خبرة: اختبار النثر: ضد النظم مثل التراسل والخطب. والنّثار: ما تناثر من الشيء، أي تفتّت، تقول: نثرت الشيء أي رميت به مفترقا، واسم ما يتساقط منه النّثارة. والقصص: أخبار المتقدمين. والقصاصة: ما تساقط من الشّعر إذا قصّ. والغسالة: الماء الذي قد غسل به بقيّة الطعام أو غير ذلك ويروى: «بفضالة»، مكان غسالة، والفضالة من الزرع إذا غربل تبقّى في الغربال فتدرس بعد ذلك، ويخرج ما فيها من الزّرع.
وأنشد الفنجديهيّ في هذه المعاني: [الطويل]
عرضت على الخبّاز نحو المبرّد ... وكتبا حسانا للخليل بن أحمد
ورؤيا ابن سيرين وخطّ مهلهل ... وتجويد عمر وبعد فقه محمّد
وأنشدته شعر الكميت وجرول ... وغنّيته لحن الغريض ومعبد
فما نفعتني دون أن قلت هاكها ... مدوّرة صفرا تطنّ على اليد
وقال أخبرني أبو المحاسن بن أبي العلاء بن محمد الأديب، قال: أنشدنيه لنفسه أبو يوسف بن محمد يعقوب الأديب.
[لقمان ﵇]
قوله: ولا حكم لقمان بلقمة، في لقمان سبعة أقوال:
قال قتادة: خيّره الله بين النبوّة والحكمة، فاختار الحكمة، فقذفها عليه جبريل، وهو نائم، فأصبح ينطق بالحكمة، فسئل عن ذلك، فقال: لو أرسل الله إليّ النّبوّة عزمة، لرجوت الفوز بها، ولكنّه خيّرني فخفت أن أضعف عن النبوّة.
وقيل: كان من النّوبة قصيرا أفطس الأنف.
وقيل: كان حبشيّا.
سعيد بن المسيّب: كان أسود من سودان مصر، ذا مشفر، حكمته حكمة الأنبياء.
стр. 1260
وقيل: كان خياطا.
وقيل: كان راعيا؛ فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك، فقال: ألست عبد بني فلان كنت ترعى بالأمس؟ قال: بلى؟ قال: فما بلغ بك ما أرى، قال: وما يعجبك من أمري؟
قال: وطء النّاس بساطك، وغشيهم بابك؟ ورضاهم بقولك؛ قال؛ يا بن أخي، إن صنعت ما أقول لك كنت كذلك، قال: وما تصنع؟ قال غضّ بصري، وكفّ لساني، وعفّة طمعي، وحفظ فرجي، وقيامي بعهدي، ووفائي بوعدي، وتكرمة ضيفي، وحفظ جاري؛ وترك ما لا يعنيني؛ فذلك الّذي صيّرني كما ترى.
ويروى أنه قال: قدر الله وأداء الأمانة وصدق الحديث وترك ما لا يعنيني.
أنس ﵁: قال رسول الله ﷺ : «الحكمة تزيد الشريف شرفا، وترفع المملوك حتى يجلس مجالس الملوك، قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ» [لقمان: ١٢].
وقال الإمام أبو إسحاق أحمد بن محمد إبراهيم الثعالبيّ المفسّر: اتفق العلماء على أنّ لقمان كان حكيما، ولم يكن نبيا، إلا عكرمة فإنّه تفرّد بأنهنبيّ.
ابن عمر ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حقا أقول، لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبدا صمصامة، كثير التفكّر، حسن اليقين، أحبّ الله فأحبّه، ومنّ الله عليه الحكمة».
وهب بن منبّه: كان لقمان ابن أخت داود ﵇، وقيل: ابن خالته، وكان في زمنه، وكان داود يقول له: طوبى لك! أوتيت الحكمة، وصرفت عنك البلوى، وأوتي داود الخلافة وبلي بالبليّة، وكان داود يغشاه ويقول: انظروا إلى رجل أوتي الحكمة، ووقي الفتنة.
عبد الوارث: أوتي لقمان الحكمة في قالة قالها، فقيل: وهل لك أن تكون خليفة فتعمل بالحقّ؟ فقال: إن تختر لي فسمعا وطاعة، وإن تخيّرني أختار العافية فقيل: وما عليك أن تكون خليفة فتعمل بالحق؟ قال: فإن أعمل بالحقّ فبالحري أن أنجو، وإن أخطئ الحق أخطئ طريق الجنّة، وإنه من يبع الآخرة بالدنيا يخسرهما جميعا، وأن أعيش حقيرا ذليلا أحبّ إلي من أن أعيش قويّا عزيزا. فشكر الله تعالى مقالته، فغطّه في الحكمة غطّة فأصبح وهو أحكم الناس.
وقيل: كان عبدا نجّارا فقال له سيّده: اذبح شاة وائتني بأطيب مضغتين، فأتاه بالقلب واللسان، ثم أمره بمثل ذلك، وأن يخرج أخبث مضغتين، فأخرج القلب واللسان، فقال له: ما هذا؟ فقال: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.
стр. 1261
وأما حكمته فقد ذكر الله تعالى منها في كتابه ما علم، وذكر مالك في موطّئه منها كلاما كثيرا، وذكر منها فصلا في كتاب الجامع من الموطأ.
ومن حكمته: يا بنيّ إنّ الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراعا يذهبون، وإنّك قد استدبرت الدنيا منذ كنت، واستقبلت الآخرة، وإن دارا تسير إليها أقرب من دار تخرج منها. يا بنيّ ليس غنى كصحّة، ولا نعيم كطيب نفس. يا بني لا تجالس الفجّار ولا تماشهم؛ اتّق أن ينزل عليهم عذاب من السّماء فيصيبك معهم، وجالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله تعالى يحيي القلوب الميّتة بالعلم، كما يحيي الأرض بوابل المطر.
أبو إسحاق الثعالبي بإسناد له عن عكرمة. قال: كان لقمان من أهون مماليك سيّده عليه، فبعثه مولاه مع عبيد له إلى بستانه يأتونه بشيء من ثمر فجاءوه وما معهم شيء، وقد أكلوا الثمر، وأحالوا على لقمان، فقال لقمان لمولاه: ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها، فاسقني، وإياهم ماء حميما ثم أرسلنا لنعدو ففعل فجعلوا يتقيئون تلك الفاكهة ولقمان يتقيّأ ماء، فعرف مولاه صدقه وكذبهم.
قال: وأوّل ما عرف من حكمته أنه كان مع مولاه؛ فدخل مولاه المبرّز فأطال فيه الجلوس، فناداه لقمان: إنّ طول الجلوس مع الحاجة ليوجع منه الكبد، ويورث الباسور، ويصعد الحرارة إلى الرأس، فاجلس هوينى، قال: فخرج وكتب حكمته على باب الحش.
قال: وسكر مولاه يوما فخاطر قوما أن يشرب ماء بحيرة، فلمّا أفاق عرف ما وقع فيه، فدعا لقمان فقال له: لمثل هذا كنت اختبأتك، فقال لمولاه: أخرج أباريقك ثم اجمعهم؛ فلما اجتمعوا قال: على أيّ شيء خاطرتموه؟ قالوا: على أن يشرب ماء هذه البحيرة. قال: فإن لها موادّ فاحبسوا عنها موادّها، قالوا وكيف نستطيع ذلك! قال لقمان:
كيف يستطيع هو أن يشربها ولها موادّ! .
وأراد مولاه بيعه. فقال: يا مولاي إن لي عليك حقا فلا تبعني إلّا ممّن أحبّ، قال: لك ذلك، فكان الرّجل إذا جاء يستامه قال: لأيّ شيء تريدني؟ فقال أحدهم:
تحفظ عليّ بابي. قال: اشترني، فلما جنّه الليل أغلق الباب، وقام يصلّي في الدهليز.
وكان لبنات الرجل أخلّاء فجاءوا فضربوا الباب، فقلن: يا لقمان، افتح الباب، فقال:
بأبي أنتنّ وأميّ! ليس لهذا اشتراني أبوكنّ، فضربنه ضربا كدن أن يأتين منه على نفسه، فلما أصبح لم يخبر أباهنّ، فلما كانت الليلة الثانية عاودنه بمثل ذلك، فلما أصبح لم يخبر أباهنّ، فلما كانت الليلة الثالثة عاودنه بمثل ذلك. فلما أصبح لم يخبر أباهنّ فأقبل بعضهنّ على بعض فقلن: ما جعل الله هذا العبد الأسود أولى بهذا الخير منا، قال:
فنسكن نسكا لم يكن في بني إسرائيل أفضل منهنّ.
عبد الله بن دينار، قال: قدم لقمان من سفر، فاستقبله غلام له في الطريق، فقال له
стр. 1262
لقمان: ما فعل أبي؟ قال: مات، قال: الحمد لله ملكت أمري، قال: ما فعلت أمي؟
قال: ماتت، قال الحمد لله، ذهب همّي. قال: ما فعلت امرأتي؟ قال: ماتت، قال الحمد لله جدّد فراشي، قال: ما فعلت ابنتي؟ قال ماتت، قال: الحمد لله سترت عورتي، قال:
ما فعل ابني؟ قال مات، قال: إنا لله وإنّا إليه راجعون، انقطع ظهري! .
وقيل له: ما أقبح وجهك! قال: أتعيب عليّ هذا النّقش أم على النقاش! .
وقال النبي ﷺ : «سادة السودان أربعة: لقمان والنجاشي وبلال ومهجع».
وثمّ لقمان آخر وهو لقمان بن عاد، وهو تذكره العرب في أخبارها، وكان أيضا حكيما، وكانت له أخت محمّقة فقالت لامرأته: هذه ليلة طهوري، فهبي لي ليلتك، طمعا في أن تعلق من أخيها ينجيب، ففعلت فولدت لقيم بن لقمان، وفيه يقول النّمر بن تولب: [المتقارب]
لقيم بن لقمان من أخته ... فكان ابن أخت له وابنما (١)
وقال المسيّب يذكره: [الكامل]
أنت الرّئيس إذا هم نزلوا ... وتواجهوا كالأسد والنّمر
ولأنت أبين حين تنطق من ... لقمان لمّا عيّ بالفكر
وقالت بنت عثمان بن وثيمة ترثي أباها: [مجزوء الكامل]
الواهب المائة التّلا ... دلنا ويكفينا العظيمه
والدّافع الخصم الأل ... دّ إذا تفوضح في الخصومه
بلسان لقمان بن عا ... د وفصل خطبته الحكيمه
ألجمتهم بعد التجا ... ذب والتّدافع في الحكومه
***
قوله الملاحم: مواضع الحروب التي تلتحم فيها الجموع، وتختلط عند القتال وتسمّى أخبار الوقائع والحروب ملاحم. جيلك: أهل عصرك. الأوان: الحين والعصر.
يميح: يعطي معروفا؛ ويحتمل أن يريد يسقيك ماء، والمائح: النازل في قعر البئر، يخرج ماءها، وقد ماح الماء، إذا استقاه. صيغ: صنع. يجيز: يعطي الجائزة. يغيث:
يتكرّم ويجود، وهو من الغيث. يمير: يعطي الميرة، والميرة: الطعام المجلوب.
والرّبع: المنزل. الجديب: الذي لا يمطر، ديمة: مطر دائم. دانته: قاربته. يعضّده:
стр. 1263
يقوّيه. نشب: مال نصب: تعب. حزبه: أهله، والحصب: وهو الحطب الملقى في النار، وكلّ ما تطعمه النار فهو حصب، وهو من حصبته بالحصباء، أي رميته بها، انسدر: جرى وانصبّ في جريه، وانسدر البازي، إذا انحطّ. يعدو: يسرع. يحدو: يتابع الجري، وكل شيء اتبعته فقد حدوته.
***
فقال لي أبو زيد: أعلمت أنّ الأدب قد بار، وولّت أنصاره الأدبار؛ فبؤت له بحسن البصيرة، وسلّمت بحكم الضّرورة، فقال دعنا الآن من المصاع، وخض في حديث القصاع، واعلم أنّ الأسجاع، لا تشبع من جاع؛ فما التدبير فيما يمسك الرّمق، ويطفئ الحرق؟ فقلت: الأمر إليك، والزّمام بيديك، فقال: أرى أن ترهن سيفك، لتشبع جوفك وضيفك، فناولنيه وأقم، لأنقلب إليك بما تلتقم.
فأحسنت به الظّنّ، وقلّدته السّيف والرّهن، فما لبث أن ركب النّاقة. ورفض الصّدق والصّداقة؛ فمكثت مليّا أترقّبه، ثمّ نهضت أتعقّبه؛ فكنت كمن ضيّع اللّبن في الصّيف، ولم ألقه ولا السّيف.
***
بار: هلك. ومنه بار الطعام؛ إذا كسد، وفي الحديث: «نعوذ بالله من بور الأيّم» (١)، أي من كسادها، وقال الله تعالى: يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر: ٢٩]، أي لن تكسد، وقال تعالى: وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً [الفتح: ١٢] أي هالكين. قال الفرّاء: البور يكون للمذكر والمؤنث والاثنين والجمع بلفظ واحد، أبو عبيدة ﵀: هو جمع بائر كعائذ وعوذ، ويدلّ على صحة قول الفراء قوله ابن الزّبعرى: [الخفيف]
يا رسول المليك إنّ لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور (٢)
بؤت: رجعت. البصيرة: اليقين والاعتماد الصحيح، المصاع: مراجعة الكلام.
والمصاع فى الأصل: القتال والدفاع وكلّ ما عانيته بشدّة وجدّ فقد ماصعته، القصاع في الأصل: صحاف الطعام، الأسجاع: الكلام المفقّر. الرّمق: بقية النفس. والحرق: جمع حرقة، وأراد بطفء الحرق تسكين ألم الجوع، ما لبث: ما أقام ولا استقرّ. رفض:
стр. 1264
ترك. الصدق: قول الحقّ، والصّداقة: الصحبة، مكثت مليّا: أقمت زمانا. أترقبه: أنتظر مجيئه. أتعقّبه: أمشي في أثره وأطلبه.
[قصة المثل: ضيّع اللبن في الصيف]
وضيّع اللبن في الصيف، مثل يضرب لكل من ضيّع أمره، ثم تعرّض لاستدراكه بعد فوته، قاله عمرو بن عدس التّميميّ، وكان تزوّج دختنوس بنت لقيط بن زرارة- وكان شيخا مسنّا ذا مال كثير- فأبغضته بسبب كبره وسألته طلاقها، فطلّقها وتزوجها عمير بن معبد بن زرارة- وكان شابا معدما- فبينما هو معها جالس إذ مرّت بهما إبل عمرو بن عمرو بن عدس كالليل لكثرتها، فقال لها عمير: ابعثي إلى عمرو يعطيك لبنا أو حلوبة، فأرسلت إليه رسولا بذلك، فقال لرسولها قل لها: الصّيف ضيّعت اللبن، فلما بلغها ذلك ضربت على كتف ابن عمها، وقالت: هذا ومذقه خير، فيريد أنه طلقها في الصّيف فضاع لبنها في ذلك الوقت، وقال في الدرّة: خصّ الصّيف بالذّكر لأنها كانت سألته الطّلاق فيه، فكأنها يومئذ ضيّعت اللبن. والله أعلم.
стр. 1265
المقامة الرابعة والأربعون وتعرف بالشّتوية
حكى الحارث بن همام قال: عشوت في ليلة داجية الظّلم، فاحمة اللّمم، إلى نار تضرم على علم، وتخبر عن كرم، وكانت ليلة جوّها مقرور وجيبها مزرور، ونجمها مغموم، وغيمها مركوم وأنا فيها أصرد من عين الحرباء، والعنز الجرباء، فلم أزل أنصّ عنسي، وأقول: طوبى لك ولنفسي، إلى أن تبصّر الموقد آلي، وتبيّن إرقالي، فانحدر يعدو الجمزى، وينشد مرتجزا! .
***
داجية وفاحمة: شديدة السّواد. واللّمم: جمع لمة، وهي جمّة الشعر التي ألمّت بالمنكب، أي قاربته. وجعل للّيلة لمّة مجازا، وهو يريد شدّة سوادها، تضرم: توقد.
علم: جبل. جوّها: ناحية سمائها. مقرور: بارد. وأراد أنّ ما يجيء من جوّها من الريح والهواء بارد جدا. مزرور: مشدود بالأزرار، وهي أطواق الثّياب، وهذا يكون في طوق الصّغير يشقّ في صدر الثّوب عوضا عن الجيب، ويترك من الطّوق طرفان على ذلك الشق، فإذا لبس الثوب شدّ الطرفين، فيقال عند ذلك: قد زرّرت الثوب، يريد أن السحاب قد تكاثف في تلك الليلة، فلا تبصر العين فيها لشدة ظلامها، لأن الثوب إذا شددت أزراره، لم يجد رأس الإنسان من أين يخرج، فلما جعل لليلته ثوبا من الظلام والسحاب جعله مربوطا مشدودا مغموما مستورا، غيمها: سحابها، مركوم، أي متراكب بعضه على بعض، أنصّ عنسي، أي أجهد ناقتي وأتعبها، والنّصّ رفع السير، وقالت أم سلمة لعائشة ﵄: ما كنت قائلة لو أن رسول الله ﷺ عارضك ببعض الفلوات ناصّة قلوصا من منهل إلى آخر، ومنه نصّ الحديث إلى فلان، أي رفعه إلىشخص.
وإرقالي: سرعتي. يعدو: يسرع. الجمزى: عدو شديد. [الرجز]
***
حيّيت من خابط ليل ساري ... هداه بل أهداه ضوء النّار
إلى رحيب الباع رحب الدار ... مرحّب بالطّارق الممتار
ترحاب جعد الكفّ بالدّينار ... ليس بمزورّ عن الزّوار
ولا بمعتام القرى مئخار ... إذا اقشعرّت ترب الأقطار