← Адаб

Адаб · id 760

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وأما حكمته فقد ذكر الله تعالى منها في كتابه ما علم، وذكر مالك في موطّئه منها كلاما كثيرا، وذكر منها فصلا في كتاب الجامع من الموطأ. ومن حكمته: يا بنيّ إنّ الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراعا يذهبون، وإنّك قد استدبرت الدنيا منذ كنت، واستقبلت الآخرة، وإن دارا تسير إليها أقرب من دار تخرج منها. يا بنيّ ليس غنى كصحّة، ولا نعيم كطيب نفس. يا بني لا تجالس الفجّار ولا تماشهم؛ اتّق أن ينزل عليهم عذاب من السّماء فيصيبك معهم، وجالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله تعالى يحيي القلوب الميّتة بالعلم، كما يحيي الأرض بوابل المطر. أبو إسحاق الثعالبي بإسناد له عن عكرمة. قال: كان لقمان من أهون مماليك سيّده عليه، فبعثه مولاه مع عبيد له إلى بستانه يأتونه بشيء من ثمر فجاءوه وما معهم شيء، وقد أكلوا الثمر، وأحالوا على لقمان، فقال لقمان لمولاه: ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها، فاسقني، وإياهم ماء حميما ثم أرسلنا لنعدو ففعل فجعلوا يتقيئون تلك الفاكهة ولقمان يتقيّأ ماء، فعرف مولاه صدقه وكذبهم. قال: وأوّل ما عرف من حكمته أنه كان مع مولاه؛ فدخل مولاه المبرّز فأطال فيه الجلوس، فناداه لقمان: إنّ طول الجلوس مع الحاجة ليوجع منه الكبد، ويورث الباسور، ويصعد الحرارة إلى الرأس، فاجلس هوينى، قال: فخرج وكتب حكمته على باب الحش. قال: وسكر مولاه يوما فخاطر قوما أن يشرب ماء بحيرة، فلمّا أفاق عرف ما وقع فيه، فدعا لقمان فقال له: لمثل هذا كنت اختبأتك، فقال لمولاه: أخرج أباريقك ثم اجمعهم؛ فلما اجتمعوا قال: على أيّ شيء خاطرتموه؟ قالوا: على أن يشرب ماء هذه البحيرة. قال: فإن لها موادّ فاحبسوا عنها موادّها، قالوا وكيف نستطيع ذلك! قال لقمان: كيف يستطيع هو أن يشربها ولها موادّ! . وأراد مولاه بيعه. فقال: يا مولاي إن لي عليك حقا فلا تبعني إلّا ممّن أحبّ، قال: لك ذلك، فكان الرّجل إذا جاء يستامه قال: لأيّ شيء تريدني؟ فقال أحدهم: تحفظ عليّ بابي. قال: اشترني، فلما جنّه الليل أغلق الباب، وقام يصلّي في الدهليز. وكان لبنات الرجل أخلّاء فجاءوا فضربوا الباب، فقلن: يا لقمان، افتح الباب، فقال: بأبي أنتنّ وأميّ! ليس لهذا اشتراني أبوكنّ، فضربنه ضربا كدن أن يأتين منه على نفسه، فلما أصبح لم يخبر أباهنّ، فلما كانت الليلة الثانية عاودنه بمثل ذلك، فلما أصبح لم يخبر أباهنّ، فلما كانت الليلة الثالثة عاودنه بمثل ذلك. فلما أصبح لم يخبر أباهنّ فأقبل بعضهنّ على بعض فقلن: ما جعل الله هذا العبد الأسود أولى بهذا الخير منا، قال: فنسكن نسكا لم يكن في بني إسرائيل أفضل منهنّ. عبد الله بن دينار، قال: قدم لقمان من سفر، فاستقبله غلام له في الطريق، فقال له

стр. 1262

لقمان: ما فعل أبي؟ قال: مات، قال: الحمد لله ملكت أمري، قال: ما فعلت أمي؟ قال: ماتت، قال الحمد لله، ذهب همّي. قال: ما فعلت امرأتي؟ قال: ماتت، قال الحمد لله جدّد فراشي، قال: ما فعلت ابنتي؟ قال ماتت، قال: الحمد لله سترت عورتي، قال: ما فعل ابني؟ قال مات، قال: إنا لله وإنّا إليه راجعون، انقطع ظهري! . وقيل له: ما أقبح وجهك! قال: أتعيب عليّ هذا النّقش أم على النقاش! . وقال النبي ﷺ : «سادة السودان أربعة: لقمان والنجاشي وبلال ومهجع». وثمّ لقمان آخر وهو لقمان بن عاد، وهو تذكره العرب في أخبارها، وكان أيضا حكيما، وكانت له أخت محمّقة فقالت لامرأته: هذه ليلة طهوري، فهبي لي ليلتك، طمعا في أن تعلق من أخيها ينجيب، ففعلت فولدت لقيم بن لقمان، وفيه يقول النّمر بن تولب: [المتقارب] لقيم بن لقمان من أخته ... فكان ابن أخت له وابنما (١) وقال المسيّب يذكره: [الكامل] أنت الرّئيس إذا هم نزلوا ... وتواجهوا كالأسد والنّمر ولأنت أبين حين تنطق من ... لقمان لمّا عيّ بالفكر وقالت بنت عثمان بن وثيمة ترثي أباها: [مجزوء الكامل] الواهب المائة التّلا ... دلنا ويكفينا العظيمه والدّافع الخصم الأل ... دّ إذا تفوضح في الخصومه بلسان لقمان بن عا ... د وفصل خطبته الحكيمه ألجمتهم بعد التجا ... ذب والتّدافع في الحكومه *** قوله الملاحم: مواضع الحروب التي تلتحم فيها الجموع، وتختلط عند القتال وتسمّى أخبار الوقائع والحروب ملاحم. جيلك: أهل عصرك. الأوان: الحين والعصر. يميح: يعطي معروفا؛ ويحتمل أن يريد يسقيك ماء، والمائح: النازل في قعر البئر، يخرج ماءها، وقد ماح الماء، إذا استقاه. صيغ: صنع. يجيز: يعطي الجائزة. يغيث: يتكرّم ويجود، وهو من الغيث. يمير: يعطي الميرة، والميرة: الطعام المجلوب. والرّبع: المنزل. الجديب: الذي لا يمطر، ديمة: مطر دائم. دانته: قاربته. يعضّده:

стр. 1263

يقوّيه. نشب: مال نصب: تعب. حزبه: أهله، والحصب: وهو الحطب الملقى في النار، وكلّ ما تطعمه النار فهو حصب، وهو من حصبته بالحصباء، أي رميته بها، انسدر: جرى وانصبّ في جريه، وانسدر البازي، إذا انحطّ. يعدو: يسرع. يحدو: يتابع الجري، وكل شيء اتبعته فقد حدوته. *** فقال لي أبو زيد: أعلمت أنّ الأدب قد بار، وولّت أنصاره الأدبار؛ فبؤت له بحسن البصيرة، وسلّمت بحكم الضّرورة، فقال دعنا الآن من المصاع، وخض في حديث القصاع، واعلم أنّ الأسجاع، لا تشبع من جاع؛ فما التدبير فيما يمسك الرّمق، ويطفئ الحرق؟ فقلت: الأمر إليك، والزّمام بيديك، فقال: أرى أن ترهن سيفك، لتشبع جوفك وضيفك، فناولنيه وأقم، لأنقلب إليك بما تلتقم. فأحسنت به الظّنّ، وقلّدته السّيف والرّهن، فما لبث أن ركب النّاقة. ورفض الصّدق والصّداقة؛ فمكثت مليّا أترقّبه، ثمّ نهضت أتعقّبه؛ فكنت كمن ضيّع اللّبن في الصّيف، ولم ألقه ولا السّيف. *** بار: هلك. ومنه بار الطعام؛ إذا كسد، وفي الحديث: «نعوذ بالله من بور الأيّم» (١)، أي من كسادها، وقال الله تعالى: يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر: ٢٩]، أي لن تكسد، وقال تعالى: وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً [الفتح: ١٢] أي هالكين. قال الفرّاء: البور يكون للمذكر والمؤنث والاثنين والجمع بلفظ واحد، أبو عبيدة ﵀: هو جمع بائر كعائذ وعوذ، ويدلّ على صحة قول الفراء قوله ابن الزّبعرى: [الخفيف] يا رسول المليك إنّ لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور (٢) بؤت: رجعت. البصيرة: اليقين والاعتماد الصحيح، المصاع: مراجعة الكلام. والمصاع فى الأصل: القتال والدفاع وكلّ ما عانيته بشدّة وجدّ فقد ماصعته، القصاع في الأصل: صحاف الطعام، الأسجاع: الكلام المفقّر. الرّمق: بقية النفس. والحرق: جمع حرقة، وأراد بطفء الحرق تسكين ألم الجوع، ما لبث: ما أقام ولا استقرّ. رفض:

стр. 1264

ترك. الصدق: قول الحقّ، والصّداقة: الصحبة، مكثت مليّا: أقمت زمانا. أترقبه: أنتظر مجيئه. أتعقّبه: أمشي في أثره وأطلبه. [قصة المثل: ضيّع اللبن في الصيف] وضيّع اللبن في الصيف، مثل يضرب لكل من ضيّع أمره، ثم تعرّض لاستدراكه بعد فوته، قاله عمرو بن عدس التّميميّ، وكان تزوّج دختنوس بنت لقيط بن زرارة- وكان شيخا مسنّا ذا مال كثير- فأبغضته بسبب كبره وسألته طلاقها، فطلّقها وتزوجها عمير بن معبد بن زرارة- وكان شابا معدما- فبينما هو معها جالس إذ مرّت بهما إبل عمرو بن عمرو بن عدس كالليل لكثرتها، فقال لها عمير: ابعثي إلى عمرو يعطيك لبنا أو حلوبة، فأرسلت إليه رسولا بذلك، فقال لرسولها قل لها: الصّيف ضيّعت اللبن، فلما بلغها ذلك ضربت على كتف ابن عمها، وقالت: هذا ومذقه خير، فيريد أنه طلقها في الصّيف فضاع لبنها في ذلك الوقت، وقال في الدرّة: خصّ الصّيف بالذّكر لأنها كانت سألته الطّلاق فيه، فكأنها يومئذ ضيّعت اللبن. والله أعلم.

стр. 1265

المقامة الرابعة والأربعون وتعرف بالشّتوية حكى الحارث بن همام قال: عشوت في ليلة داجية الظّلم، فاحمة اللّمم، إلى نار تضرم على علم، وتخبر عن كرم، وكانت ليلة جوّها مقرور وجيبها مزرور، ونجمها مغموم، وغيمها مركوم وأنا فيها أصرد من عين الحرباء، والعنز الجرباء، فلم أزل أنصّ عنسي، وأقول: طوبى لك ولنفسي، إلى أن تبصّر الموقد آلي، وتبيّن إرقالي، فانحدر يعدو الجمزى، وينشد مرتجزا! . *** داجية وفاحمة: شديدة السّواد. واللّمم: جمع لمة، وهي جمّة الشعر التي ألمّت بالمنكب، أي قاربته. وجعل للّيلة لمّة مجازا، وهو يريد شدّة سوادها، تضرم: توقد. علم: جبل. جوّها: ناحية سمائها. مقرور: بارد. وأراد أنّ ما يجيء من جوّها من الريح والهواء بارد جدا. مزرور: مشدود بالأزرار، وهي أطواق الثّياب، وهذا يكون في طوق الصّغير يشقّ في صدر الثّوب عوضا عن الجيب، ويترك من الطّوق طرفان على ذلك الشق، فإذا لبس الثوب شدّ الطرفين، فيقال عند ذلك: قد زرّرت الثوب، يريد أن السحاب قد تكاثف في تلك الليلة، فلا تبصر العين فيها لشدة ظلامها، لأن الثوب إذا شددت أزراره، لم يجد رأس الإنسان من أين يخرج، فلما جعل لليلته ثوبا من الظلام والسحاب جعله مربوطا مشدودا مغموما مستورا، غيمها: سحابها، مركوم، أي متراكب بعضه على بعض، أنصّ عنسي، أي أجهد ناقتي وأتعبها، والنّصّ رفع السير، وقالت أم سلمة لعائشة ﵄: ما كنت قائلة لو أن رسول الله ﷺ عارضك ببعض الفلوات ناصّة قلوصا من منهل إلى آخر، ومنه نصّ الحديث إلى فلان، أي رفعه إلىشخص. وإرقالي: سرعتي. يعدو: يسرع. الجمزى: عدو شديد. [الرجز] *** حيّيت من خابط ليل ساري ... هداه بل أهداه ضوء النّار إلى رحيب الباع رحب الدار ... مرحّب بالطّارق الممتار ترحاب جعد الكفّ بالدّينار ... ليس بمزورّ عن الزّوار ولا بمعتام القرى مئخار ... إذا اقشعرّت ترب الأقطار

стр. 1266

وضنّت الأنواء بالأمطار ... فهو على بؤس الزّمان الضاري جمّ الرّماد مرهف الشّفار ... لم يخل في ليل ولا نهار * من نحر وار واقتداح واري* *** قوله: ساري، أي آت بالليل. والخابط: الماشي على غير علم بالطريق. هداه، من الهداية. وأهداه، من الهدية. رحيب الباع: كثير البرّ. واسع العطاء: واسع البرّ. والرّحب: المتسع. مرحب؛ يقول: مرحبا بك. والطّارق: الآتي بالليل. الممتار: طالب الميرة، وهي الطعام يجلب من بلد إلى بلد. جعد الكفّ، هو البخيل أي يرحّب بالضيف كما يرحّب البخيل بالدّينار إذا وقع في كفّه. نظر أعرابيّ إلى درهم في يد رجل، وأدام النّظر إليه، فقال له الرجل: لو كان لك ما كنت صانعا؟ قال: كنت أنظر إليه نظرة ثم تكون آخر عهده باليد. وكان بعض البخلاء إذا وقع الدرهم في يده يخاطبه ويقول له: أنت عقلي وديني وصلاتي وصيامي وجامع شملي وقرة عيني وأنسي، وقوتي وعدّتي وعمادي ثم يقول له: [السريع] أهلا وسهلا بك من زائر ... كنت إلى وجهك مشتاقا ثم يقول: يا نور عيني وحبيب قلبي، قد صرت إلى من يصونك، ويعرف قدرك، ويعظّم حقّك، ويراعي قيمتك، ويشفق عليك، وكيف لا تكون كذلك وأنت تعظّم الأقدار وتعمر الدّيار، وتفتضّ بك الأبكار، وتسمو على الأشراف، وترفع الذكر، وتعلي القدر وتؤنس من الوحشة، ثم يطرحه في الكيس، ويقول: [الطويل] بنفسي محجوب عن العين شخصه ... ومن ليس يخلو من لساني ولا قلبي ومن ذكره حظيّ من الناس كلهم ... وأوّل حظّي منه في البعد والقرب مزور: منقبض. معتام: مؤخر مبطئ. والقرى: طعام الضيف، معناه أنه لا يؤخر طعامه، ويقال: أعتم بإبله إذا أخّر حلبها، ومنه العتمة لتأخر وقتها. مئخار: كثير التأخّر. اقشعرّت: انقبضت من شدة البرد. ترب: جمع تربة وهي وجه الأرض. والأقطار: البلاد والنواحي. ضنّت الأنواء: بخلت النجوم. وكانوا يستمطرون بها. بؤس: شدة. الضّاري: المعتاد، أي الذي عادته ألّا يكون فيه غير بؤس. جمّ: كثير، وإذا كثر الرماد كان عن كثرة النار، وكثرة ما يطبخ عليها، مرهف: قاطع. اقتداح: ضرب بالزّند. وار: بعير سمين، ووري المخّ: اكتنز فهو وار، ووري الزّند فهو وار، أي مبد للنار. ***

стр. 1267

ثمّ تلقاني بمحيّا حييّ، وصافحني براحة أريحيّ، واقتادني إلى بيت عشاره تخور، وأعشاره تفور، وولائده تمور، وموائده تدور، وبأكساره أضياف قد جلبهم جالبي، وقلّبوا في قالبي، وهم يجتنون فاكهة الشّتاء، ويمرحون مرح ذي الفتاء، فأخذت مأخذهم في الاصطلاء، ووجدت بهم وجد الثّمل بالطّلاء. *** محيّا: وجه. صافحني: واجهني وقابلني. براحة: بكفّ. أريحيّ: كريم يهتزّ للكرم. اقتادني: ساقني. ولائده: خدمه. تمور: تسير وتختلف. بالطعام موائده: جمع مائدة. أبو عبيد: سمّيت مائدة لأنها ميد بها صاحبها، أي أعطيها وتفضّل عليه بها والعرب تقول: مادني فلان يميدني، إذا أحسن إليّ، فكأن المائدة تميد من حواليها مما أحضر عليها، قال رؤبة: [الرجز] * إلى أمير المؤمنين الممتاد (١) * أي المستعطي غيره، سميت مائدة لأنها تميد بها عليها، أي تتحرّك، وماد الغصن يميد: مال، قال الله تعالى: وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ [الأنبياء: ٣١]، الجرمي يقال: مائدة وميدة وأنشد: [الرجز] وميدة كثيرة الألوان ... تصنع للإخوان والجيران (٢) وذكر القولين أبو محمد في درة الغوّاص وزاد أنه لا يقال لها مائدة إلا أن يحضر عليها طعام، وإلّا فهي خوان، واستدلّ بأن الحواريين لما اقترحوا على عيسى ﵇ أن ينزل عليهم مائدة، قالوا نريد أن نأكل منها. قال: وحكى الأصمعيّ قال: غدوت ذات يوم إلى زيارة صديق لي، فلقيني أبو عمرو بن العلاء فقال لي: إلى أين يا أصمعي؟ فقلت: إلى صديق لي، فقال: إن كان لفائدة أو لعائدة أو لمائدة، وإلّا فلا، وهذا باب يتسع كثيرا، وسأسوق جملة تأتي على أكثره. [الكرم وقرى الضيف] وهذه الحالة التي وصف من إيقاد النار هي التي كان يفعل حاتم، وكان إذا اشتدّ

стр. 1268

البرد وكلب الشتاء أمر غلامه، فأوقد نارا في يفاع من الأرض، لينظر إليها من أضلّ الطريق ليلا فيهتدي إليها، وقال في ذلك: [الرجز] أوقد فإنّ الليل ليل قرّ ... والريح يا موقد ريح صرّ (١) علّ يرى نارك من يمرّ ... إن جلبت ضيفا فأنت حر ولابن هرمة في هذا أشعار مستحسنة منها: [الكامل] أغشى الطريق بقبّتي ورواقها ... وأحلّ في قلل الرّبا وأقيم (٢) إنّ امرأ جعل الطّريق لبيته ... طنبا وأنكر حقّه للئيم وقال مهيار: [الكامل] ضربوا بمدرجة الطّريق قبابهم ... يتقارعون على قرى الضّيفان ويكاد موقدها يجود بنفسه ... حبّ القرى- حطبا على النّيران ولابن هرمة أيضا: [الطويل] ومستنبح تستكشط الرّيح ثوبه ... ليسقط عنه وهو بالرّمل معصم (٣) عوى في سواد اللّيل بعد اعتساقه ... لينبح كلب أو ليفزع نوّم فجاوبه مستسمع الصّوت للقرى ... له عند إتيان الملبين مطعم يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلّمه من حبّه وهو أعجم وقال بعض المحدثين: [الكامل] ويدل ضيفي في الظّلام على القرى ... إشراق ناري أو نباح كلابي حتى إذا واجهنه ولقينه ... حيّينه ببصابص الأذناب وتكاد من عرفان ما عوّدنه ... من ذاك أن يفصحن بالتّرحاب ولابن هرمة في ذلك أيضا: [البسيط] كيف احتيالي لبسط الضّيف من حصر ... عند الطعام فقد ضاقت به حيلي (٤) أخاف ترداد قولي: «كل» فأقطعه ... والسّكت ينزله منّي على البخل وقال حاتم: [الطويل] سلي الطّارق الممتار يا أمّ مالك ... إذا ما اعتراني بين قدري ومجزري (٥)

стр. 1269

أيسفر وجهي إنه أوّل القرى ... وأبذل معروفي له دون منكري وقال أيضا: [الطويل] أما والّذي لا يعرف السرّ غيره ... ويحيي العظام البيض وهي رميم (١) لقد كنت أختار القرى طاوي الحشى ... محافظة من أن يقال لئيم وإنّي لأستحيي يميني وبينها ... وبين فمي داجي الظلام بهيم وقال أيضا: [الطويل] أكفّ يدي من أن تنال التماسها ... أكفّ صحابي حين حاجاتنا معا (٢) أبيت هضيم الكشح مضطرم الحشى ... من الجوع أخشى الذمّ أن أتضلّعا وإني لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزّاد أقرعا وإنّك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا وقال أبو زياد الأعرابي: [الوافر] له نار تشبّ على يفاع ... إذا النيران ألبست القناعا فلم يك أكثر الفتيان مالا ... ولكن كان أرحبهم ذراعا وقال آخر: [البسيط] لعلّ عارا إذا ضيف تأوّبني ... ما كان عندي إذا أعطيت مجهودي جهد المقلّ إذا أعطاك نائله ... ومكثر في الغنى سيّان في الجود وقال آخر: [البسيط] تركت ضأني تودّ الذئب راعيها ... وأنها لا تراني آخر الأبد الذئب يطرقها في الدهر واحدة ... وكلّ يوم تراني مدية بيدي وقال آخر: [البسيط] وسّع بمدّك ماء اللحم تقسمه ... وأكثر الشّوب إن لم يكثر اللّبن وسّع به وتلفّت نحو حاضره ... إنّ الكريم الّذي لم يخله الفطن

стр. 1270

وقال الغنوي: [الطويل] لحافي لحاف الضّيف والبيت بيته ... ولم يلهني عنه غزال مقنّع أحدّثه إن الحديث من القرى ... وتكلأ عيني عينه حين يهجع وقال آخر: [الطويل] وإنّا لمشّاءون بين رحالنا ... إلى الضيف منّا لاحف ومنيم فذو الحلم منّا جاهل دون ضيفه ... وذو الجهل منّا عن أذاه حليم وقال آخر: [الطويل] سأقدح من قدري نصيبا لجارتي ... وإن كان ما فيها كفافا على أهلي إذا أنت لم تشرك رفيقك في الذي ... يكون قليلا لم يشاركه في الفضل ولبعض أصحابنا: [الطويل] وسار تحلّى أنجم اللّيل زينة ... ويلبس من ظلمائها ثوب ثاكل رفعت له ناري فآنس ضوأها ... كما آنس الظمآن برد المناهل أتانا فحيّانا فكان جوابه ... صليل شفار السّيف في ساق بازل وما أنا من سؤاله ممّن الفتى ... وتلك سحابا كلّ أطلس بالي فداك الذي أودى بما اكتسبت يدي ... وإن عاد وفري عدت غير مواكل [مما قيل في البخل] وقال آخر في ضد ما قلناه: [الوافر] أراني من بني حكم غريبا ... على قتر أزور ولا أزار أناس يأكلون اللّحم دوني ... ويأتيني المعاذر والقتار القتر والقطر: الجانب. وقال آخر: [مجزوء الرمل] مات في عرس سليما ... ن من الجوع جماعه مات أقوام وقوم ... حملوا فيه القناعه لم يكن يوجد فيه الخبز ... إلّا بشفاعه آخر: [الطويل] وما تنسني الأيام لا أنس جوعنا ... بدار بني بدر وطول التّلدّد ظللنا كأنا بينهم أهل مأتم ... على ميّت مستودع بطن ملحد

стр. 1271

يحدّث بعض بعضنا عن مصابه ... ويأمر بعض بعضنا بالتجلّد وفي هذا طرف من قول الآخر: [الطويل] إذا ما عراكم حادث فتحدثوا ... فإنّ حديث القوم ينسي المصائبا وأهل الحزن يستعملون الحديث اشتغالا عن المصيبة. وقال بشار: [البسيط] أبناء عمرو لفي خفض وفي دعة ... وفي عطاء لعمري غير ممنوع وضيف عمرو وعمرو ساهران معا ... عمرو لبطنته والضيف للجوع وآخر: [البسيط] ما كنت أحسب أن الخبز فاكهة ... حتى نزلت على قوم بميسان قوم إذا حلّ ضيف بين أظهرهم ... لم ينزلوه ودلّوه على الخان آخر: والناس في فطر سوى شهرهم ... ودهر أضيافك شهر الصيام آخر: كتبت له صيفا فظنّ بأنني ... كتبت له ضيفا فقام إلى السيف فقلت خيرا فظنّ بأنّني ... ذكرت له خبزا فمات من الخوف وإن ابن هرمة ألأم الناس مع ادّعائه في شعره الكرم، قال رجل: أتيناه في جماعة من قريش أحببنا أن يتنزه عندنا، ومشينا بزاد كثير فخرج علينا، وقال: ما جاء بكم؟ قلنا: شعرك حيث قلت: إن امرأ جعل الطريق لبيته ... ، وقولك أيضا [الكامل] وإذا تنوّر راكبا مستنبح ... نبحت فدلّته عليّ كلابي وعوين يستعجلنه فلقينه ... يضربنه بشراسف الأذناب وسمعناك تقول: [المنسرح] كم ناقة قد وجأت منحرها ... بمستهلّ الشؤبوب أو جمل لا أمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلّا قريبة الأجل فنظر إلينا وقال: ما على وجه الأرض عصبة أسخف عقولا منكم، أما سمعتم قول الله : وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ [الشعراء: ٢٢٦] في الشعراء، والله أني لأقول ما لا أفعل، وأنتم تريدون أن أفعل ما أقول، والله لا أغضب ربّي في رضاكم، فضحكنا منه وأخرجناه معنا يتنزه حتى فني الزّاد. أتى الحطيئة رجل وهو في غنمه، وقال: يا صاحب الغنم، سلام عليك فرفع

стр. 1272

الحطيئة العصا، وقال: إنها عجراء من سلم، فقال الرجل: إنّي ضيف، فقال: للضيفان أعددتها، فأعاد السّلام، فقال: إن شئت قمت بها إليك. ومرّ به ابن حمامة وهو جالس بفناء بيته، فقال: السلام عليكم، فقال: قد قلت ما لا ينكر. وقال: خرجت من أهلي بغير زاد، قال: ما ضمنت لأهلك قراك، قال: أفتأذن لي أن آتي ظلّ بيتك؟ قال: دونك الجبل يفيء عليك، قال: أنا ابن حمامة، قال: انصرف وكن ابن أيّ طائر شئت. يروى هذا عن أبي الأسود الدؤلي. ونزل الغضبان بن القبعثري خارج كرمان وهي قرية كثيرة الرّمضاء، فضرب قبّته، فورد عليه أعرابيّ، من بكر، فقال: السلام عليك، قال: السلام عليك كثير، وهي كلمة مقولة، قال الأعرابيّ: ما اسمك؟ قال: آخذ، قال أو تعطي؟ قال: ما أحبّ أن يكون لي اسمان، قال: ومن أين جئت؟ قال: من الذّلول، قال: وأين تريد؟ قال: أرضنا أمشي في مناكبها، قال: ومن عرض اليوم؟ قال آل فرعون على النّار، قال: فمن بشّر؟ قال: الصّابرون، قال: فمن غلب؟ قال: حزب الله قال: أفتقرض؟ قال: إنما تقرض الفأرة، قال: أفتسمع قال: إنّما تسمع القينة، قال: أتنشد؟ قال: إنما تنشد الضالة، قال: أفتقول؟ قال: إنما يقول الأمير، قال: أفتسجع؟ قال: إنما تسجع الحمامة، قال: أفتنطق: قال: كتاب الله ينطق، قال: إنك لمنكر، قال: إني لمعروف، قال: ذلك أريد. قال: وما إرادتك؟ قال: الدّخول عليك، قال: وراءك أوسع، قال: قد أضرّتني الشّمس، قال: الساعة يأتيك الفيء، قال: الرّمضاء أحرقت قدميّ، قال: بل عليهما تبردا، قال قد أوجعني الحرّ، قال: ليس لي عليه سلطان، قال: إني لا أريد طعامك ولا شرابك، قال: أتعرّض بهما؟ والله لا تذوقهما عندي، قال: سبحان الله! قال: قبل كونك، قال: ما أرى عندك: قال: هراوة أرزن، أدقّ بها رأسك. فتركه وانصرف. الأصمعيّ: عذلت اعرابية أباها في إتلاف ماله، فقالت: يا أبت، حبس المال أنفع للعيال من بذل الوجه للسؤال، وقد أتلفت التلاد، وبقيت ترقب ما بأيدي العباد، ومن لم يحفظ ما ينفعه يوشك أن يقع فيما يضرّه، أخذه ابن المعتز فقال: [السريع] يا ربّ جود جرّ فقر امرئ ... فقام للناس مقام الذّليل فاشدد عرا مالك واستبقه ... فالبخل خير من سؤال البخيل وقال بعض البخلاء: [الكامل] أعددت للأضياف كلبا ضاريا ... عندي وفضل هراوة من أرزن ومعاذرا كذبا ووجها باسرا ... وتشكّيا عضّ الزمان الألزن الألزن: المضيق.

стр. 1273

محمد بن الجهم: وددت أنّ عشرة من الفقهاء، وعشرة من الشعراء، وعشرة من الخطباء، وعشرة من الأدباء، تواطئوا على ذمي حتى ينتشر ذلك عنهم في الآفاق، فلا يمتدّ إلى أمل آمل، ولا ينبسط نحوي رجاء لراج. وكان يقول: من وهب في عمله فهو مخدوع، ومن وهب بعد العزل فهو أحمق، ومن وهب في جوائز سلطانه، أو عمل لم يتعب فيه فهو مخذول، ومن وهب من كسبه وما استفاد بحيلته فهو المطبوع على قلبه، المختوم على سمعه وبصره. وقال: منع الجميع، أرضى للجميع، وهذا كقول الأصمعي! لو قسمت في الناس ألف ألف لكان أكثر للائمى من لو أخذتها منهم، قالوا: ولم يرد البخل؛ ولكن إذا تعذر عليه أن يعمّ فلا يخصّ. وقال آخر: قول «لا» يدفع البلاء وقوله «نعم» يزيل النّعم. دعبل كنّا يوما عند سهل بن هارون وأطلنا الحديث حتى أضرّ به الجوع، فدعا بغدائه، فإذا بصحفة فيها مرق ولحم ديك، قد هرم، لا تحزّ فيه سكين ولا يؤثر فيه ضرس، فأخذ قطعة من خبز فقلع بها جميع المرق، وفقد الرأس فبقي مطرقا ساعة ثم رفع رأسه إلى الغلام وقال: أين الرأس؟ قال: رميت به. قال: ولم؟ قال: لم أظنك تأكله، قال: ولم ظننت ذلك؟ فو الله إنّي لأمقت من يرمي برجله فضلا عن رأسه، والرأس رئيس الأعضاء وفيه الحواس الخمس، ومنه يصيح الديك، وفيه عيناه اللتان يضرب بهما المثل في الصفاء، فيقال: شراب مثل عين الديك، ودماغه عجيب لوجع الكلية، فإن كان بلغ من جهلك أنني لا آكله، فإنّ عندنا من يأكله، انظر أين هو؟ قال: والله لا أدري أين رميت به، قال: لكني والله أدري، رميت به في بطنك. ولسهل هذا رسالة مدح فيها البخل وفضّله على السخاء، ليرى في ذلك بلاغته، وأهداها إلى الحسن بن سهل في وزارته للمأمون فوقع عليها: لقدمدحت ما ذمّه الله، وحسنت ما قبّح، وما يقوم صلاح لفظك بفساد معناك، وقد جعلنا ثوابك عليها قبول ما فضلت فيها، ونتأدّب فيها بأدبك. ولم يعطه شيئا. وقيل: إنّ الذي أهدي إليه كتاب ألّفه، مدح فيه البخل، وذمّ الجود فوقّع عليه بما تقدم، قال دعبل: [البسيط] صدّق أليته إن قال مجتهدا ... لا والرغيف فذاك البرّ من قسمه فإن هممت به فافتك بخبزته ... فإن موقعها من لحمه ودمه قد كان يعجبني لو أن غيرته ... على جرادقة كانت على حرمه أبو نواس في البؤبؤ الزنديق: [السريع] لقيت في آل زياد فتى ... يلقّب البؤبؤ حلو ظريف

стр. 1274

ينزل للضيف بنيّاته ... صيانة منه لعرض الرغيف وإن في النّيك لمستمتعا ... عند اعتياض الخبز للمستضيف آخر: [مجزوء الكامل] أمات الرغيف لدى الخوا ... ن فمن حمامات الحرم ما إن يحسّ ولا يمسّ ... ولا يذاق ولا يشمّ فتراه أخضر يابسا ... بالي النّقوش من الهرم آخر: [الوافر] أبو نوح دخلت عليه يوما ... فغدّاني برائحة الطّعام وقدم بيننا لحما سمينا ... أكلناه على طبق الكلام فلما أن رفعت يدي سقاني ... كئوسا خمرها ريح المدام فكان كمن سقى الظمآن آلا ... وكنت كمن تغذّى في المنام وقال في أبي نوح أيضا: [مجزوء الرمل] لأبي نوح رغيف ... أبدا في حجر دايه فهي تحميه مدى الده ... ر بكمّ ووقايه وله كاتب صدق ... خطّ فيه بعناية فسيكفيكهم الله ... إلى آخر الآية آخر: [مجزوء الكامل] استبق ودّ أبي المقا ... تل حين تأكل من طعامه سيّان كسر رغيفه ... أو كسر عظم من عظامه فارفق بكسر رغيفه ... إن كنت ترغب في كلامه وتراه من خوف النّزو ... ل به يروّع في منامه آخر: [الطويل] خان عهدي عمرو وما خنت عهده ... وجفاني وما تغيّرت بعده ليس لي مذ حييت ذنب إليه ... غير أنّي يوما تغدّيت عنده آخر: [المتقارب] أبو جعفر رجل عالم ... بما يصلح المعدة الفاسده تخوّف تخمة أضيافه ... فعوّدهم أكلة واحده

стр. 1275

أبو نواس: [الوافر] فتى لرغيفه قرط وشنف ... ولؤلؤتان من خرز وشذر ودون رغيفه قلع الثّنايا ... وحرب مثل وقعة يوم بدر وإن كسر الرّغيف بكى عليه ... بكا الخنساء إذ فجعت بصخر آخر: [الوافر] رغيف أبى عليّ حلّ خوفا ... من الأضياف منزلة السّماك إذا كسروا رغيف أبي عليّ ... بكى يبكي بكاء فهو باك آخر: [الخفيف] إنّ هذا الفتى يصون رغيفا ... ما إليه لناظر من سبيل هو في قفتين من أدم الطا ... ئف في سلّتين في منديل في جراب في جوف تابوت موسى ... والمفاتيح عند ميكائيل ابن بسام: [المتقارب] أتانا بخبز له يابس ... كمثل الدّراهم في خلقته إذا ما تنفّست عند الخوان ... تطاير في البيت من خفّته وقال عباس الخياط: [السريع] رغيفه النّجم لمن رامه ... يرى ولا يطمع في لمسه كأنه في جوف مرآته ... يبد ولا يطمع في جسّه وفلسه الأمس الذي قد مضى ... بل أمسه أوجد من فلسه آخر: [الوافر] رغيف في الحجال عليه قفل ... وخزّان وأبواب منيعه رأى في بيته يوما رغيفا ... فقال لضيفه هذا وديعه اعتلّ أبو هفّان في منزل ابن أبي طاهر فأبطئوا عليه بالغداء فقال: [مجزوء الرمل] أنا في منزل خلّ ... مشفق بي ورفيقي رجل أعمر من منز ... له ظهر الطريق ليس لي أكل سوى لحم ... مي وشرب غير ريقي ولجحظة يهجو رجلا: [الكامل] لا تعذلوني إن هجرت طعامه ... خوفا على نفسي من المأكول

стр. 1276

فمتى أكلت قتلته من بخله ... ومتى قتلت قتلت بالمقتول وله أيضا يذم بخيلا: [المتقارب] تبرّم إذ جئته للسّلام ... وأبدى لي الكره لمّا دخلت فقلت له: لا يرعك الدّخول ... فو الله ما جئت إلا أكلت أين هذا من قول إبراهيم بن العباس الصوليّ: [الطويل] لنا إبل كوم يضيق بها الفضا ... وتفترّ عنها أرضها وسماؤها فمن دونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن تستذمّ دماؤها حمى وقرى فالموت دون مرامها ... وأهون خطب في الحقوق بناؤها وقوله: [الخفيف] لا تلومي فإنّ همّك أن تث ... ري وهمّي مكارم الأخلاق كيف يستطيع حفظ ما جمعت كفّا ... هـ من ذاق لذة الإنفاق وقوله: [الكامل] تلج الضّيوف بيوتهم وترى لها ... عن جار بيتهم ازورار مناكب وتراهم بسيوفهم وشفارهم ... مستشرفين لراغب أو راهب حامين أو قارين حيث لقيتهم ... نهب العفاة ونهزة للرّاغب وجلس هارون بن محمد بن الزيات في مجلس عبد الله بن سليمان، فجعل هارون ينشد من شعر أبيه محاسنه، فقال له ابن برد الخباز: إن كان لأبيك مثل قول إبراهيم: [الرمل] أسد ضار إذا ما هجته ... وأب برّ إذا ما قدرا يعرف الأبعد إن أثرى ولا ... يعرف الأدنى إذا ما افتقرا أو مثل قوله: «تلج الضيوف» البيتين فاذكره وفاخر به، وإلا فأقلل من الفخار والتطاول بما لا طائل فيه، فخجل هارون. وإبراهيم هذا أشعر الكتّاب بلا خلاف. [مما قيل في القدور] وذكر الحريريّ القدور، وممن وصفها فأحسن الفرزدق حين قال: [الطويل] وقد علم الجيران أنّ قدورنا ... ضوامن للأرزاق والريح زفزف (١) تفرّغ في شيزي كأنّ جفانهم ... حياض الملا منها ملاء ونصّف

стр. 1277

ترى حولهنّ المعتفين كأنّهم ... على صنم في الجاهليّة عكّف وقال أمية بن أبي الصّلت: [مجزوء الكامل] وكأنها بفنائه ... للضيف مترعة زواخر (١) وكأنّهنّ بما شحنّ ... وما حمين به ضرائر زبد وقرقرة كقر ... قرة الفحول إذا تخاطر وقال النابغة في مثله: [الطويل] له بفناء البيت سوداء فحمة ... تلقّم أعضاء الجزور العراعر (٢) بقية قدر من قدور تورّثت ... لآل جلاح كابرا بعد كابر يظلّ الإماء يبتدرن قديحها ... كما ابتدرت سعد مياه قراقر - قديحها: مرقها لأنه يقدح، أي يؤخذ بالمقدحة، وهي المغرفة- وقال آخر: [الطويل] وسوداء لا تكسي الرقاع نبيلة ... لها عند قرّات العشيات أزمل إذا ما قريناه قراها تضمّنت ... قرى من عرانا أو تزيد فتفضل وقال مسكين الدارمي: [الوافر] كأنّ قدور قومي كلّ يوم ... قباب التّرك ملبسة الجلال بأيديهم مغارف من حديد ... أشبّهها مقيّرة الدّوالي الدالية: الخطّارة. وفي ضدّ ذلك لأبي نواس: [الطويل] رأيت قدور النّاس تبلى على الصّلى ... وقدر الرّقاشيّين بيضاء كالبدر يضيق بحيزوم البعوضة صدرها ... ويخرج ما فيها على طرف الظّفر

стр. 1278

إذا ما تنادوا للرّحيل سعى بها ... أمامهم الحوليّ من ولد الذّرّ وقال الفرزدق: [البسيط] لو أن قدرا بكت من طول ما جهشت ... على الجفوف بكت قدر ابن عمّار ما مسّها دسم مذ فضّ معدنها ... ولا رأت بعد نار القين من نار وتسمّى النار فاكهة الشتاء لما يجتنى من تسخينها: وقد أحسن ابن قتادة في وصفها حيث قال: [الكامل] هات الّتي للأيك أصل ولادها ... ولها جبين الشّمس في الأشماس يتقشّع الياقوت من لبّاتها ... بوساوس تشفي من الوسواس أنس الوحيد وصبح عين المجتلي ... ولباس من أمسى بغير لباس حمراء ترفل في السواد كأنها ... ضربت بعرق من بني العبّاس وقال آخر: [الخفيف] لابنة الزّند في الكوانين جمر ... كالدّاراري في اللّيلة الظّلماء خبّروني عنها ولا تكذبوني ... ألديها صناعة الكيمياء سبكت فحمها سبائك تبر ... رصّعتها بالفضة البيضاء كلّما ولول النّسيم عليها ... رقصت في غلالة حمراء سفرت عن جبينها فأرتنا ... حاجب الشمس طالعا في العشاء لو ترانا من حولها قلت شرب ... يتعاطون أكؤس الصّهباء وقال الفقيه الأديب ابن لبّال ﵀: [السريع] فحم ذكت في حشاه نار ... فقلت مسك وجلنار أو خدّ من قد هويت لمّا ... أظلّ من فوقه العذار وقال البحتريّ يصف كانونا: [المتقارب] وذي أربع لا يطيق النهو ... ض ولا يألف السّير فيمن سرى (١) تحمله سبجا أسودا ... فيقلبه ذهبا أحمرا *** قوله: قلّبوا في قالبي، أي هم أمثالي لأن قالب الشيء كلّ ما يجعل فيه ليجيء مثله وقلّبوا: جعلوا في القالب. يمرحون: ينشطون ويطربون. ذوي الفتاء: أهل الفتوّة. والفتاء: الحداثة والشباب، يقال منه: فتؤ يفتأ فتاء، ويقال أيضا: بكر فتيّ بيّن الفتاء،

стр. 1279

وفتيّ من الناس: بين الفتوة، والفتى والفتية: الشاب والشابة. الاصطلاء: التسخن بالنار، الثّمل: السكران، والطّلاء: الخمر، وأصل الطّلاء الرّبّ الثّخين الأسود، فسميت الخمر الصافية طلاء بضد صفتها، كما سمّي اللديغ سليما، والأسود أبا البيضاء، والذئب أبا جعدة، وجعدة اسم الشاة. *** ولما أن سرى الحصر، وانسرى الخصر، أتينا بموائد كالهالات دورا، والروضات نورا، وقد شحنّ بأطعمة الولائم، وحمين من العائب واللائم، فرفضنا ما قيل في البطنة ، ورأينا الإمعان فيها من الفطنة، حتّى إذا اكتلنا بصاع الحطم، وأشفينا على خطر التّخم، تعاورنا مشوش الغمر، ثم تبوأنا مقاعد السّمر، وأخذ كلّ واحد منّا يشول بلسانه، وينشر ما في صوانه، ما عدا شيخا مشتبها فوداه مخلولقا برداه؛ فإنّه ربض حجرة، وأوسعنا هجرة، فغاظنا تجنّبه، الملتبس موجبه، المعذور فيه مؤنّبه، إلا أنا ألنا له القول، وخشينا في المسألة العول، وكلما رمنا أن يفيض كما فضنا، أو يفيض فيما أفضنا أعرض إعراض العلية الأرذلين، وتلا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [الأنفال: ٣١]. ثم كأن الحمية هاجته، والنّفس الأبية ناجته، فدلف، وازدلف، وخلع الصّلف، وبدل أن يتلافى ما سلف، ثمّ استرعى سمع السّامر. واندفع كالسيل الهامر وقال: *** سرى الحصر، أي زال السكوت، والحصر: انقطاع الكلام، وهو العيّ، وحصر يحصر: عيّ، والحصر أيضا: ضيق الصدر. انسرى الخصر: ذهب البرد، والخصر: البارد، وخصر الرجل: إذا آذاه البرد وآلمه في أطرافه. والروضات نورا، أي هي فاعمة بكثرة الطعام وأنواع الألوان. شحنّ: ملئن. الولائم: الأعراس. حمين: منعن. العائب: الذي يعيب الطعام. واللائم: الذي يقف على رءوس أضيافه، فيقول: ما أكلتم، استعملوا، زد يا فلان، فيخجل أضيافه لذلك، فلا يتمكّنون من الطعام. رفضنا: تركنا. [البطنة] البطنة: الامتلاء من الطعام، والذي قيل في البطنة: البطنة تذهب الفطنة، فقال تركنا هذا المعنى وخالفناه، ورأينا أنّ البطنة وهي امتلاء البطن من الطعام والإمعان فيه، أي المبالغة في الأكل يقوي الفطنة، ويولدها لا أنّه يذهبها، والفطنة: الذكاء وحدّة الذهن. معاذ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما أحل الله حلالا أبغض إليه من بطن مليء طعاما، فقصّروا من الطعام تملئوا من الحكمة». المقدام بن معد يكرب عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما ملأ آدمي وعاء شرا من

стр. 1280

بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه». عمر بن الخطاب ﵁: يا أيها الناس، إياكم والبطنة فإنها مكسلة عن الصلاة، مفسدة للجسد، مورثة للسقم. وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إياكم والبطنة فإنها مفسدة للقلب. الأصمعيّ قال أعرابيّ: إذا كنت بطينا فعد نفسك زمنا. وقال الحارث بن كلدة: أربعة أشياء يهرمن البدن: الغشيان على البطنة، ودخول الحمّام على الامتلاء، وأكل القديد، ومجامعة العجوز. وقال الأصمعي: كنت عند هارون الرشيد فقدّمت إليه فالوذجة فقال: يا أصمعي، حدثني بحديث مزرد أخي الشماخ، قلت: إنّ مزرّدا كان رجلا جسيما، وكانت أمه تؤثر عيالها بالزاد، وكان يحفظه ذلك منها، فذهبت يوما في بعض حقوق أهلها، وخلّفته في بيتها فدخل خيمتها فأخذ صاعين من دقيق، وصاعا من عجوة، وصاعا من سمن، فضرب بعضه ببعض وأكله ثم أنشأ يقول: [الطويل] ولمّا مضت أمي تزور عيالها ... أغرت على العكّ الذي كان يمنع خلطت بصاعي حنطة صاع عجوة ... إلى صاع سمن فوقها يتربّع ودلّيت أمثال الأثافي كأنّها ... رءوس لعاد قطّعت لا تجمّع وقلت لبطني أبشر اليوم إنّه ... حمى آمن مما يغير ويفزع فإن مصفورا فهذا داؤه ... وإن كنت غرثانا فذا اليوم تشبع فاستضحك منه حتى أمسك بطنه، واستلقى على ظهره، ثم قدّم يده بمال، وقال: خذ، فهذا يوم تشبع يا أصمعي: قوله الحطم، أي الذي يحطم ويكسر، ورجل محطّم وحطمة، إذا كان قليل الرحمة للماشية، وفي المثل: شرّ الرّعاء الحطمة، وقال الزاجر: [الرجز] قد لفّها الليل بسواق حطم (١) فمعنى اكتلنا بصاع الحطم، أي أكلنا أكل أكول لا يشفق على نفسه من السقم،

стр. 1281

وأشفينا: أشرفنا. خطر: غرر التّخم: جمع تخمة بفتح الخاء، وهو أن يثقل الطعام على المعدة ويتغيّر. والعامة تسكّن الخاء، وقد يجيء ذلك في الشعر قال أعرابيّ: [مجزوء الوافر] وإذا المعدة جاشت ... فارمها بالمنجنيق بثلاث من نبيذ ... ليس بالحلو الرقيق تهضم التّخمة هضما ... حين تجري في العروق وتعاورنا الشيء: تداولناه، وأخذه بعضنا من بعض، وأزلناه من موضع إلى موضع، وعور العين: زوالها. والغمر: ريح اللحم وزهمه. تبوّأنا: أخذنا ونزلنا. السّمر: الحديث يسمر عليه. يشول بلسانه، أي يضرب به في كلّ كلام، وشال: رفع. والصّوان: وعاء يصان فيه الشيء. فواده: ناحيتا رأسه، والفود: ما بين طرف الجبهة والأذن. مخلولقا: كثير البلى. برداه: ثوباه. ربض: جلس، وفي المثل: فلان يربض حجرة، ويرتقي وسطا، يضرب مثلا لمن يساعدك ما دمت في خير، فربض حجرة، أي جلس ناحية وبرك. أوسعنا: كثّر لنا. الهجرة: المباعدة والمقاطعة، يريد أنه اعتزلهم وجلس ناحية ولم يكلّمهم بكلمة. تجنّبه: تباعده، يقال: تجنّبتك وتجانبتك، أي تباعدت عنك، والجار الجنب: البعيد. وما زاره إلا عن جنابة، أي عن بعد. المتلبّس موجبه، أي الذي التبس علينا ما أوجبه. مؤنّبه: لائمه. العول: الزيادة. رمنا: طلبنا، يفيض كما فضنا: يتكلّم كما تكلّمنا والفيض زيادة الماء، ويفيض فيما أفضنا، أي يأخذ معنا في النوع الذي أخذنا فيه. أعرض: لوى وجهه. العلية: الأشراف. الأرذلين: الأدنياء. أساطير: تآليف وكتب. الحميّة: عزة النفس. هاجته: حركته. الأبية: العزيزة. ناجته: حدّثته. دلف: مشى إلينا، وازدلف: تقرّب. خلع: أزال. الصلف: مجاوزة قدر الظّرف حتى يفضي به ذلك إلى أن تأخذ به بابا ما فيخالفك ولا يعبأ بك. يتلاقى: يتدارك. سلف: مضى. استرعى: دعاهم للاستماع يقال: أرعني سمعك أي اسمع مني، الهامر: الكثير الانصباب. [البسيط] *** عندي أعاجيب أرويها بلا كذب ... عن العيان فكنّوني أبا العجب رأيت يا قوم أقواما غذاؤهم ... بول العجوز وما أعني ابنة العنب - بول العجوز: لبن البقرة، والعجوز أيضا من أسماء الخمر- ومسنتين من الأعراب قوتهم ... أن يشتووا خرقة تغني من السّغب - الخرقة: القطعة من الجراد- وقادرين متى ما ساء صنعهم ... أو قصّروا فيه قالوا الذّنب للحطب

стр. 1282

- القادر: الطّابخ في القدر، والقدير: المطبوخ فيها. وكاتبين وما خطّت أناملهم ... حرفا ولا قرءوا ما خطّ في الكتب - الكاتبون الخرّازون؛ يقال: كتب السقاء والمزادة؛ إذا خرزهما وكتب البغلة أو الناقة، إذا جمع بين شفريها وخاطهما، قال الشاعر: [البسيط] لا تأمننّ فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار وتابعين عقابا في مسيرهم ... على تكمّيهم في البيض واليلب - العقاب: الراية. كانت راية النبي ﷺ تسمّى العقاب (١). *** العيان، أي المشاهدة بالعين. مسنتين: أصابتهم السنّة، أي اشتدّ عليهم. يشتووا: يتخذوا شواء. السّغب: الجوع. تكمّيهم: تستّرهم. البيض: ما يجعل في الرءوس في الحرب. ومنتدين ذوي نبل بدت لهم ... نبيلة فانثنوا منها إلى الهرب - النّبيلة: الجيفة، ومنه تنبّل الأمير؛ إذا مات وأروح، يعني نتن. وعصبة لم تر البيت العتيق وقد ... حجّت جثيا بلا شكّ على الرّكب - معنى حجّت جثيّا، أي غلبت بالحجة مجادلين جاثين على الرّكب، وجثيّ: جمع جاث. ونسوة بعد ما أدلجن من حلب ... صبّحن كاظمة من غير ما تعب - كاظمة في هذا الموضع من كظم الغيظ- ومدلجين سروا من أرض كاظمة ... فأصبحوا حين لاح الصّبح في حلب - في حلب، أي أصبحوا يحلبون اللبن- ويافعا لم يلامس قطّ غانية ... شاهدته وله نسل من العقب - النّسل هاهنا: العدوّ قال تعالى: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [الأنبياء: ٩٦]. والعقب: مؤخّر القدم. *** منتدين: مجتمعين. انثنوا: رجعوا. والنّبيلة: الحاذقة في فعلها. عصبة: جماعة. أدلجن: سرن بالليل، ومثله سروا. لاح: ظهر، يافعا: شابا. يلامس:

стр. 1283

يلاعب، ويمسّها بيده. غانية: امرأة جميلة غنيت بحسنها عن الزينة. صبحن كاظمة، أي سقين الصّبوح كاظمة غيظها. وصبحه. سقاه صبوحا، وكظم غيظه: تجرعه، وهو قادر على الإيقاع بعدوّه ولم يمضه، وكظم خصمه: أجابه بالمسكت فأفحمه، وأصل الكظم للبعير، وهو أن يردّد جرته في حلقه ولا يجترها: وكاظمة: موضع على سيف البحر، أي على ساحله على مرحلتين من البصرة، وفيه ركايا كثيرة، وماؤها شروب. *** وشائبا غير مخف للمشيب بدا ... في البدو وهو فتيّ السّنّ لم يشب - الشائب هاهنا: مازج اللبن، والمشيب: اللبن الممزوج، ويقال فيه مشيب ومشوب. [البسيط] ومرضعا بلبان لم يفه فمه ... رأيته في شجار بيّن السّبب - الشّجار: المحفّة ما لم تكن مظلّلة فإن ظلّلت فهو الهودج. والسّبب هاهنا: الحبل، ومنه قوله تعالى: فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ [الحج: ١٥]-[البسيط] وزارعا ذرة حتّى إذا حصدت ... صارت غبيراء يهواها أخو الطّرب - الغبيراء: المسكر المتّخذ من الذّرة ويسمى أيضا السّكركة، وفي الحديث: «إياكم والغبيراء فإنّها خمر العالم» (١). وراكبا وهو مغلول على فرس ... قد غلّ أيضا وما ينفك عن خبب - المغلول هاهنا العطشان، وغلّ، أي عطش. [البسيط] وذا يد طلق يقتاد راحلة ... مستعجلا وهو مأسور أخو كرب - المأسور: الّذي يجد الأسر، وهو احتباس البول. *** اللّبان: لبن الآدميات. يفه: ينطق، يهواها: يحبّها. أخو الطّرب: صاحبه المولع به. ينفك: يزول. خبب: نوع من السير. طلق. سارح. كرب: همّ. *** وجالسا ماشيا تهوي مطيّته ... به وما في الّذي أوردت من ريب الجالس: الآتي نجدا، والماشي: الذي كثرت ماشيته، وعليه فسّر بعضهم قوله تعالى: أَنِ امْشُوا [ص: ٦]؛ كأنه دعاء عليهم بكثرة الماشية والنماء والبركة.

стр. 1284

وحائكا أجدم الكفّين ذا خرس ... فإن عجبتم فكم في الخلق من عجب - الحائك هاهنا: الذي إذا مشى حرّك منكبيه وفجج بين ركبتيه. وذا شطاط كصدر الرّمح قامته ... صادفته بمنى يشكو من الحدب - الحدب: ما ارتفع من الأرض- ساعيا في مسرّات الأنام يرى ... إفراحهم كالظّلم والكذب - إفراحهم: إثقالهم بالدّين، ومنه قوله ﵇: «لا يترك في الإسلام مفرج» (١) أي مثقل من الدّين أو يقضى عنه دينه- ومغرما بمناجاة الرّجال له ... وما له في حديث الخلق من أرب - الخلق هاهنا: الكذب، ومنه قوله تعالى: إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٣٧]- وذا زمام وفت بالعهد ذمّته ... ولا ذمام له في مذهب العرب - الذمام الثاني: جمع ذمّة، وهي البئر القليلة الماء. وعنى بالمذهب المسلك، أي ما له آبار قليلة الماء في البدو. *** تهوي: تسقط وتسرع. ريب: شكوك. أجذم: مقطوع. خرس: بكم. شطط: طول. مغرما: شديد الحب. مناجاة: محادثة. أرب: حاجة. وذا قوى ما استبانت قطّ لينته ... ولبنه مستبين غير محتجب - اللّين: نخيل الدّفل، ومنه قوله تعالى: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ [الحشر: ٥]. وساجدا فوق فحل غير مكترث ... بما أتى بل يراه أفضل القرب - الفحل: الحصير المتّخذ من فحال النخل. وعاذرا من ظلّ يعذره ... مع التلطّف والمعذور في صخب - العاذر: الخائن. والمعذور: المختون. وبلدة ما بها ماء لمغترف ... والماء يجري عليها جري منسرب - البلدة: الفرجة بين الحاجبين، وتسمّى أيضا البلجة- وقرية دون أفحوص القطا شحنت ... بديلم عيشهم من خلسة السّلب

стр. 1285

- القرية: بيت النمل. والديلم النمل الكثير. وخلسة السّلب: لحاء الشّجر. وكوكبا يتوارى عند رؤيته ال ... إنسان حتى يرى في أمنع الحجب - الكوكب: النّكتة البيضاء التي تحدث في العين. والإنسان هاهنا: إنسان العين. *** مكترث: منكسر من الهمّ. القرب: جمع قربة، وهي ما يتقرّب به إلى الله تعالى من الأعمال البرّ. عاذر: قابل العذر. مؤلما: موجعا، التلطف: الرفق واللين. الصّخب: الصياح، وتفسير ظاهر البيت أن تقول: رأيت عاذرا يوجع الذي يعتذر له مع تلطّف العاذر للمعتذر وتليينه القول له، والمعتذر في صياح من شدة ضررا لعاذرا له، فتتقابل هذه الأضداد، فإذا فسّرت بتفسير الحريريّ صحّ المعنى. ومنسرب: داخل في السّرب وهو الحفير في الأرض قرية: مدينة، وأفحوص القطا: مرقدها وهي تفحصه: برجليها توسّعه. شحنت: ملئت. والدّيلم: أمة من العجم. خلسة: سرقة. والسّلب: المال المسلوب. يتوارى: يتغطّى، وقال الحسن بن هانئ في صفة الكواكب الذي هو النكتة على إنسان العين: [الرمل] أعور المقلة من غير عوج ... لو عداه عور العين انسمج تحسب النكتة في ناظره ... درة بيضاء في فصّ سبج *** وروثة قوّمت مالا له خطر ... ونفس صاحبها بالمال لم تطب - الرّوثة: مقدّم الأنف- وصحفة من نضار خالص شريت ... بعد المكاس بقيراط من الذّهب - النّضار هاهنا: شجر النّبع، ومنه قول بعض التابعين: لا بأس أن يشرب في قدح النضار؛ عنى به هذا. ومستجيشا بخشخاش ليدفع ما ... أظلّه من أعاديه فلم يخب - الخشخاش: الجماعة عليهم دروع وأسلحة- وطالما مرّ بي كلب وفي فمه ... ثور، ولكنّه ثور بلا ذنب الثّور: القطعة من الأقط، وهو نوع من الجبن. وكم رأى ناظري فيلا على جمل ... وقد تورّك فوق الرّحل والقتب - الفيل: الرجل الفائل الرأي. وكم لقيت بعرض البيد مشتكيا ... وما اشتكى قطّ في جدّ ولا تعب

стр. 1286

- المشتكي: المتخذ شكوة وهي القربة الصغيرة. *** قوله: خطر، أي حظ كثير، والخطير: الرفيع القدر، نضار: ذهب أحمر. المكاس: المماكسة بين المتبايعين، وهو أن يطلب صاحب السّلعة من المشتري سوما، فلا يزال المشتري يراجعه وينقص له ممّا طلب شيئا حتى يتفقا على ما يتراضيان عليه. والمستجيش: الجامع للجيش. والخشخاش: بنت معروف، وقال ابن وكيع يصفه: [الوافر] وخشخاش كأنّا منه نفري ... قميص زبرجد عن جسم درّ كأقداح من البلور صيغت ... وأغشية من الدّيباج خضر أظلّه: قرب منه، وكأنه أغشاه ظلّه. القتب: خشب الرّحل، والرّحل برذعة البعير. بعرض البيد: بجانب القفار. [البسيط] وكنت أبصرت كرّازا لراعية ... بالدّوّ ينظر من عينين كالشّهب - الكرّاز: كبش يحمل عليه الرّاعي أداته. وكم رأت مقلتي عينين ماؤهما ... يجري من الغرب والعينان في حلب - الغرب: مجرى الدمع، والعينان: المقلتان. وصادعا بالقنا من غير أن علقت ... كفّاه يوما برمح لا ولم يثب - القنا: ارتفاع الأنف وتحدّب وسطه، وصدع به، أي كشفه. وكم نزلت بأرض لا نخيل بها ... وبعد يوم رأيت البسر في القلب - البسر: جمع بسرة، وهو الماء الحديث العهد بالمطر، والقلب: جمع قليب- وكم رأيت بأقطار الفلا طبقا ... يطير في الجوّ منصبّا إلى صبب - الطّبق: القطعة من الجراد. وكم من مشايخ في الدّنيا رأيتهم ... مخلّدين، ومن ينجو من العطب - المخلد: الذي أبطأ شيبه. وكم بدا لي وحش يشتكي سغبا ... بمنطق ذلق أمضى من القضب - الوحش: الرّجل الجائع. وكم دعاني مستنج فحادثني ... وما أخلّ ولا أخللت بالأدب - المستنجي: الجالس على نجوة، وهر المكان المرتفع. كرّاز: إناء. والدّوّ: الصحراء، والغرب: الدّلو العظيمة، في حلب: في سيلان

стр. 1287

وجري. البسر: التمر الذي لم يطب. القليب البئر، والجمع القلب. أقطار الفلا: نواحي القفار. والصّبب: الانحدار. العطب: الهلاك. السّغب: الجوع. ذلق: حادّ. أمضى: أقطع. القضب: السيوف. أخلّ: نقص. المستنجي: الجالس لقضاء حاجة الإنسان. *** وكم أنخت قلوصي تحت جنبذة ... تظلّ ما شئت من عجم ومن عرب - الجنبذة: القبة، والعرب: جمع عروب؛ وهي المتحبّبة إلى زوجها، من قوله تعالى: عُرُباً أَتْراباً [الواقعة: ٣٧]. وكم نظرت إلى من سرّ ساعته ... ودمعه مستهلّ القطر كالسّحب - سرّ، أي قطع سرره، ويسمى ما يبقى بعد القطع السّرة- وكم رأيت قميصا ضرّ صاحبه ... حتّى انثنى واهي الأعضاء والعصب - القميص: الدّابة الكثيرة القماص، وهو الوثوب والقفز. وكم إزار لو أنّ الدّهر أتلفه ... لجفّ لبد حثيث السّير مضطرب - الإزار: المرأة، ومنه قول الشاعر: [الوافر] * فدى لك من أخي ثقة إزاري (١) * [البسيط] هذا وكم من أفانين معجبة ... عندي ومن ملح تلهي ومن نخب فإن فطنتم للحن القول بان لكم ... صدقي ودلّكم طلعي على رطبي وإن شدهتم فإن العار فيه على ... من لا يميّز بين العود والخشب *** أنخت: أبركت. قلوصي: ناقتي الفتية. تظلّ: تستر، سرّ: أدخل عليه السرور، وقد بيّن هو أنه المقطوع السرة، وقال في الدّرة فيما يكنى في المعاريض. المقلول: الذي ضربت قلّته، أي أعلاه، والمركوب: الذي ضربت ركبته، والمذكور: الذي قطع ذكره، والمسرور: الذي قطعت سرّته، قال: ومن الأحاجي بأبيات المعاني:

стр. 1288

نسرّهم وإن هم أقبلوا ... وإن أدبروا فهم من سبب أي نطعنهم إذا أقبلوا في السّرة، وإذا أدبروا في السّبة وهو الاست، وأنشد أيضا: [الطويل] ذكرت أبا عمرو فمات مكانه ... فوا عجبا هل يهلك المرء من ذكر وزرت عليّا بعده فرأيته ... ففارق دنياه ومات على صبر ذكرته: قطعت ذكره، ورأيته: قطعت رئته. مستهل: سائل. القطر: مصدر قطر. إذا سقط، ولا يقال استهلّ حتى يكون مع انصبابه صوت. واهي: ضعيف. العصب: حبال الجسد. الإزار، وهو المئزر الذي يجعل عوضا من السراويل، حثيث: مسرع أراد به ذكر الإنسان في حال نكاحه المرأة إنه مضطرب سريع السير والدفع فيقول: إن المرأة التي كانت تبلّ الذّكر عند الجماع لو هلكت لبقي جافا وأراد باللّبد موضع اللبد وهو الظهر، الفنجديهي يقول: كم منامرأة لو ماتت لترك زوجها كثرة الحركة في طلب المعاش مرضاة لها، وجفوف العرق قد يكون من السكون، والتفسير الأوّل أبين، وهذا الثاني يحتمل إما وصفه بالسرعة والاضطراب، وهو صفة فرس جعل له لبدا فألغز بذلك، وقال أعرابي ماتت امرأته: [الوافر] وكنت فريستي وغلاف بضعي ... فأمسى البضع ليس له غلاف ومن اللغز فيه قول الآخر: [البسيط] وصاحب معجب في طول صحبته ... ولا ينفع الدّهر إلّا وهو محموم تأتيك في نافض الحميّ منافعه ... وإن أفاق يرى في وجهه اللّوم وقال الأقيشر: وكان عنّينا، فغالط في شعره بالضدّ: [الكامل] ولقد عدوت بمشرف يافوخه ... عسر المكرّة ماؤه يتدفّق أرنّ يسيل من النشاط لعابه ... ويكاد جلد إهابه يتمزّق حتى علوت به مشق ثنية ... طورا يفور بها وطورا يغرق قوله: أفانين، أي ضروب وأنواع، والأفانين: الأساليب وهي أجناس الكلام وطرقه، والأزهريّ: أفانين: جمع أفنان: جمع فنن، وهو الغصن والخصلة من الشّعر، وقيل: الأفنون الفنّ، وهو ضرب من الشجر، والحبال، والجمع أفانين. ملح: ما يتكلم به من حلو الكلام وألغازه. تلهي: تشغل نخب: مختارة. لحن القول: معناه ومذهبه، واللحن التّورية، وهي أن تظهر خلاف ما تضمر. الطّلع: أوّل ما يخرج من الثمر، والرّطب: الطّيب منه. شدهتم: تحيرتم. ***

стр. 1289

قال الحارث بن همام: فطفقنا نخبط في تقليب قريضه، وتأويل معاريضه وهو يلهو بنا لهو الخليّ بالشّجي، ويقول: ليس بعشّك فادرجي، إلى أن تعسّر النّتاج، واستحكم الارتتاج؛ فألقينا إليه المقادة، وخطبنا منه الإفادة؛ فوقفنا بين المطمع واليأس، وقال: الإيناس قبل الإبساس؛ فعلمنا أنّه ممن يرغب في الشّكم، ويرتشي في الحكم، وساء أبا مثوانا أن نعرّض للغرم، أو نخيّب بالرّغم؛ فأحضر صاحب المنزل ناقة عيديّة، وحلّة سعيديّة، وقال له: خذهما حلالا ولا ترزأ أضيافي زبالا، فقال: أشهد أنّها شنشنة أخزميّة. وأريحية حاتميّة. *** طفقنا: أخذنا نخبط: نتكلم بالزائد والناقص. تأويل: تفسير. معاريضه: ما عرض به ولم يتمّه. الخليّ: الذي لا هم له، والشجي: الحزين وياء الخليّ مشددة وياء الشجيّ مخففة. وقد شدّدت ياء الشّجي في الشعر إتباعا لياء الخلي، وقالوا: إني لآتيه بالغدايا والعشايا، فحملوا الغدايا على العشايا، وحكى ثعلب في غير الفصيح عن الأصمعي تثقيل الياء فيهما، ومن جعل شجي فعل كحذر خفف، ومن جعله فعيل مثل غنّى شدّد، وفعل بغير ياء أقيس، والتشديد في المثل أحسن للازدواج. تعسّر: صعب. النّتاج: ما ينتج لهم من المعاني. استحكم: توثّق الارتتاج: الانغلاق، وأرتج على القارئ وارتجج، إذا لم يقدر على القراءة كأنه أطبق عليه. ويرتشي: يأخذ الرّشوة، وعن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أنه قال: «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش»، فقيل: وما الرائش؟ قال: الذي يمشي بينهما. ألقينا إليه المقادة: أي انقدنا له، ورزأت الرّجل أرزؤه؛ إذا أصبت منه خيرا، وزرأته ماله: نقصته والزّبال بالكسر: ما تحمله النّملة بفيها، والأريحية: الاهتزاز للجود. ساء حزن. والرّغم: الذلة والهوان. شنشنة: طبيعة حاتمية منسوبة إلى حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج أحد بني ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيئ. [حاتم الطائي] يكنى أبا سفّانة وأبا عديّ. فارس شاعر جاهليّ، أحد الأجواد الذين يضرب بهم المثل، بل هو أشهر منهم، وهم: كعب بن مامة، وهرم بن سنان، وحاتم، وكان إذا قاتل غلب، وإذا غنم نهب، وإذا سئل وهب، وإذا قامر سبق، وإذا أسر أطلق، وإذا أثرى أنفق. ويقال: أنه لا يعرف ميّت قرى أضيافه إلّا هو، وذلك أن ركبا من العرب نزلوا بموضع قبره، وقد نفد زادهم، وفيهم رجل يكنى أبا خيبريّ، فجعل يقول: أبا سفّانة، أما تقري أضيافك أباسفّانة، إن أضيافك جياع، يعيدها، فلما نام ثار من نومه، . وهو يقول: وا راحلتاه! عقرت والله ناقتي، فقال له أصحابه: وكيف؟ قال: رأيت أبا سفّانة قد انشق عنه قبره فاستوى قائما ينشدني: [المتقارب]

стр. 1290

أبا خيبريّ لأنت امرؤ ... ظلوم العشيرة لوّامها وماذا تريد إلى رمّة ... بدوية صخب هامها تبغي أذاها وإسعارها ... ودونك طيّ وأنعامها ثم عمد إلى سيفي، فانتضاه من غمده، وعقر ناقتي، وقال: دونكم فما أيقظني إلا رغاؤها؛ وإذا بالناقة ترغو ما تنبعث، فقالوا: قد والله قراك حاتم فنحروها، وأكلوا وتزودوا واقتسموا متاع أبي خيبريّ، واستمرّوا لوجهتهم، فلمّا صاروا في الظهيرة وضح لهم: راكب يجنب بعيرا يؤمّ سمتهم، حتى التقوا فقال لهم: أفيكم أبو خيبريّ؟ قالوا نعم، فقال: فإن عديّ بن حاتم رأى أباه البارحة، وهو يقول: إنّ أبا خيبريّ وأصحابه استقروني، فقريتهم ناقته، فعوّضه منها، وزده بكرا يحمل عليه متاعه؛ وهذه الناقة وهذا البكر، فارتحل أبو خيبريّ الناقة، وتخفّف هو وأصحابه من أزوادهم، على البكر، ومضوا بأتمّ قرى. وأدرك عدي ابنه النبي ﷺ وروى عنه، وكان يحدّث أصحابه بهذا الحديث بعد إسلامه وقال الشاعر في عديّ: [الطويل] أبوك أبو سفّانة الخير لم يزل ... لدن شبّ حتى مات في الخير راغبا قرى قبره الأضياف إذ نزلوا به ... ولم يقر قبر قبله الدّهر راكبا وكانت سفّانة بنته من أجود نساء العرب، وكان أبوها يعطيها الصّرمة من إبله فتهبها وتعطيها الناس، فقال لها أبوها: يا بنيّة إن الغويّين إذا اجتمعا في المال أتلفاه، فإما أن أعطي وتمسكي، وإما أن أمسك وتعطي أنت؛ فإنه لا يبقى على هذا شيء، فقالت: والله لا أمسك أبدا، قال: وأنا لا أمسك أبدا قالت: فلا نتجاور، فقاسمها ماله وتباينا. وحكي أن أمّه كانت من أسخى النّاس، وأقراهم للضيف؛ وكانت لا تحبس شيئا تملكه، وهي عتبة بنت عفيف بن عمرو بن عبد القيس، فلما رأى إخوتها إتلافها، حجروا عليها ومنعوها مالها؛ حتى إذا ظنوا أنها قد وجدت ألم ذلك أعطوها صرمة من إبلها، فجاءتها امرأة من هوازن تسألها، فقالت: دونك الصّرمة، فخذيها، فو الله لقد عضّني من الجوع ما لا أمنع بعده سائلا أبدا، ثم أنشأت تقول: [الطويل] لعمري لقدما عضّني الجوع عضّة ... فآليت ألّا أمنع الدّهر جائعا فقولا لهذا اللائم: اليوم أعفني ... فإن أنت لم تفعل فعضّ الأصابعا فإذا عسيتم أن تقولوا لأختكم ... سوى عذلكم أو عدل من كان مانعا وهل ما ترون اليوم إلا طبيعة ... وكيف بتركي يا بن أمّ الطّبائعا فقد اكتنفه الجود من أمه وأبيه. وقالت امرأته النّوار: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض واغبّر أفق السماء، وضنّت

стр. 1291

المراضع عن أولادها فما تبضّ بقطرة، فأيقنا بالهلاك، فو الله إني لفي ليله صبيرة (١) بعيدة الطرفين، إذ تضاغى صبيتنا جوعا: عبد الله وعديّ وسفانة، فقام إلى الصبيّين وقمت إلى الصبية، فو الله ما سكتوا إلّا بعد هدأة من الليل، وأقبل يعلّلني بالحديث، فعرفت ما يريد، فتناومت، فلما تغوّرت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت، فقال: من هذا؟ فقالت: جاريتك فلانة أتيتك من عند صبية يتعاوون من الجوع عواء الذئاب، فما وجدت معوّلا إلّا عليك أبا عديّ فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم، فأقبلت تحمل اثنين، ويمشي إلى جانبها أربعة، كأنها نعامة حولها رئالها، فقام إلى فرسه فوجأ لبّتها بمدية، فخرّت، ثم كشط الجلد، ودفع المدية إلى المرأة وقال شأنك، فاجتمعنا على اللّحم نشوي ونأكل، ثم جعل يأتيهم بيتا بيتا، ويقول: هبوا أيّها القوم، عليكم بالنار، فاجتمعوا والتفّ في ثوبه ناحية ينظر إلينا، والله إن ذاق منها مزعة، وإنه لأحوج إليها منا، فأصبحنا وما على الأرض منها إلا عظم وحافر، فأنشأ يقول: [البسيط] مهلا نوار أقلّي اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا (٢) ولا تقولي لشيء كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت معطي العنس والجملا يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا ولم يكن يمسك شيئا ما عدا فرسه وسلاحه، فإنه كان لا يجود به. وذكر الحريري أن عقيلا تمثّل بقول حاتم: [الرجز] * شنشنة أعرفها من أخزم (٣) * وكان عقيل بن علّفة المريّ غيورا فخورا وكانت الخلفاء تصاهره، فخطب إليه عبد الملك ابنته لبعض ولده، فقال: أمّا إن كان ولا بدّ، فجنّبني هجناء ولدك، وخرج يمتار ومعه ابنه وابنته الجرباء فنزلوا بالشأم بدير سعد فلما ارتحلوا قال عقيل: [الطويل] قضت وطرا من دير سعد وربّما ... على عرض ناطحنه بالجماجم ثم قال لابنه أجزيا عملّس، فقال: [الطويل] فأصبحن بالموماة يحملن فتية ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم

стр. 1292

ثم قال لابنته الجرباء: أجيزي، فقالت: [الطويل] كأنّ الكرى أسقاهم صرخديّة ... عقارا تمشّت في المطا والقوائم فقال لها: وما يدريك ما نعت الخمر؟ ثم سل السيف، فاستغاثت بأخيها فاختبل فخذيه بسهم، فبرك ومضوا وتركوه حتى بلغوا المياه الدانية إليهم، فقالوا لأهل المياه: إنّا أسقطنا جزورا، فأدركوها فوجدوا عقيلا باركا، وهو يقول الأبيات: [الرجز] * إنّ بنيّ ضرجوني بالدم (١) * *** ثمّ قابلنا بوجه بشره يشفّ، ونضرته ترفّ وقال: يا قوم؛ إنّ اللّيل قد اجلوّذ، والنّعاس قد استحوذ، فافزعوا إلى المراقد، واغتنموا راحة الرّاقد، لتشربوا نشاطا، وتبعثوا نشاطا، فتعوا ما أفسّر، وبتسهّل لكم المتعسر، فاستصوب كلّ ما رآه، وتوسّد وسادة كراه. فلما وسنت الأجفان وأغفت الضّيفان، وثب إلى النّاقة فرحلها ثمّ ارتحلها، وقال مخاطبا لها: [الرجز] سروج يا ناق سيري وخدي ... وأدلجي وأوّبي وأسئدي حتّى تطأ خفّاك مرعاها النّدي ... فتنعمي حينئذ وتسعدي وتأمني أن تتهمي وتنجدي ... إيه فدتك النّوق جدّي واجهدي وافري أديم فدفد ففدفد ... واقتنعي بالنّشج عند المورد ولا تحطّي دون ذاك المقصد ... فقد حلفت حلفة المجتهد بحرمة البيت الرّفيع العمد ... إنّك إن أحللتني في بلدي * حللت منّي بمحلّ الولد* *** قوله: بشره، أي طلاقته. يشفّ: يتلألأ ويرقّ حتى يكاد يصف ما وراءه من السّرور. نضرته: نعمته ورونقه. ترفّ: تندى. استحوذ: غلب واستولى، افزعوا: الجئوا، لتشربوا نشاطا، أي يتمشى النشاط في أجسادكم حتى ترووا به، تبعثوا: تنتبهوا. نشاطا: جمع نشيط ككريم وكرام، ونشط ينشط فهو نشيط، إذا كان طيّب النفس للعمل. تعوا: تحفظوا. المتعسّر: الصعب. كراه: نومه. سنت: خالطها الوسن، وهو النوم. أغفت: نامت. قوله: خدي، أي أسرعي. تتهمي وتنجدي: تقصدي تهامة ونجدا. إيه، معناه

стр. 1293

زيدي في سيرك، اجهدي: اتعبي. افري: أقطعي، أديم: جلد فدفد: أرض صلبة. وقيل مستوية، وقيل فلاة، وأراد بالأديم وجه الأرض. ونشح ينشح نشحا: شرب قليلا قليلا. تحطّي: تنزلي، العمد، والعمود: ما يقوم عليه الخباء. وقوله يخاطب ناقته: [الرجز] إنك إن أحللتني في بلدي ... حللت منّي بمحلّ الولد قد جاء في كلامهم نظيره وضدّه، وكلاهما في بابه حسن، قال الشماخ في ضدّه من مجازاة الناقة على إحسانها بالسوء: [الوافر] إذ بلّغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين (١) وناقضه الآخر فقال: [الوافر] أقول لناقتي إذ بلغتني ... لقد أصبحت مني باليمين فلم أجعلك للقربان طعما ... ولا قلت اشرقي بدم الوتين وتبعه ذو الرّمة فقال: [الطويل] أقول لها إذ شمّر الليل واستوت ... بها البيد واستنّت عليها الحزاور (٢) إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته ... فقام بفأس بين رجليك جازر وتوجيه الحسن في هذا المذهب على شنعة ظاهرة أنّه لا يبالي بفقدها، لأن الممدوح يحمله، ويعطيه فهو في غنى عنها، ومن يعيب هذا يقول مجازاة الحسن بالسوء قبيح، وقد قال رسول الله ﷺ للمرأة التي قالت وقد نجت على ناقته: نذرت إن نجّاني الله عليها أن أنحرها: «بئس ما جازيتها، ولا نذر لك في مال غيرك» (٣) والمذهب الأحمد في ذلك قول عبد الله بن رواحة ﵁ حين خرج في جيش مؤتة يخاطب ناقته: [الوافر] إذا بلّغتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء (٤)

стр. 1294

فشأنك فانعمي وخلاك ذمّ ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي ولهذا تبعه الحريري في شعره. وقال الحسن: [الكامل] وإذا المطيّ بنا بلغن محمدا ... فظهورهنّ على الرّجال حرام (١) قرّبننا من خير من وطئ الثرى ... فلها علينا حرمة وذمام وقال داود بن أسلم يمدح قثم بن العباس ﵄: [السريع] نجوت من حلّ ومن رحلة ... يا ناق إن بلّغتني من قثم (٢) إنّك إن بلّغتنيه غدا ... عاش لنا الخير ومات العدم *** قال: فعلمت أنّه السّروجي الّذي إذا باع انباع، وإذا ملأ الصاع انصاع. ولمّا انبلج صباح اليوم، وهبّ النوّام من النوم، أعلمتهم أن الشيخ حين أغشاهم السّبات، طلّقهم البتات، وركب الناقة وفات؛ فأخذهم ما قدم وما حدث، ونسوا ما طاب منه بما خبث؛ ثمّ انشعبنا في كلّ مشعب، وذهبنا تحت كلّ كوكب. *** قوله: انباع، أي جرى ومدّ باعه، ومعناه هرب منه في سيره. يقال: صعت الشيء فانصاع، أي فرقته فتفرّق، ومعناه إذا ملأ كيسه من عطاء قوم راح عنهم. انبلج: أضاء، هبّ: انتبه، أغشاهم: غطّاهم. السّبات: النوم الخفيّ كالغاشية: ثعلب: السّبات ابتداء النوم في الرأس حتى يبلغ القلب، وسبت الرجل فهو مسبوت: نعس. والبتات: القطع البائن. فات. أي فرّ فلا يلحق. وذكر الحريري في درّة الغواص: أن قولهم: حدث أمر بضم الدال قياسا على أخذهم ما قدم وما حدث خطأ، وإنما ضمّت الدال من حدث حين قرن بقدم للمحافظة على الموازنة، فإذا أفردت لفظة حدث زال موجب الضم، ووجب الردّ إلى الأصل. قال: وأنشدني بعض أدباء خراسان لأبي الفتح البستي: [الرجز] جزعت من أمر فظيع قد حدث ... أبو تميم وهو شيخ لا حدث * قد حبس الأصلع في بيت الحدث* ***

стр. 1295

لم نتعرض في شرح هذه المقامة، لما ثبت في كتاب المقامات من شرح منشيها، بل نعقب ما أهمله، وكان الأولى إثبات ما شرح بنصه؛ إذ هو وفق لغرضه. قال الشيخ الرئيس أبو محمد القاسم بن عليّ رحمه الله تعالى: قد فسّرت سرّ كل لغز تحته، ولم أبعد على من يقرؤه كشفه، وقد بقيت ألفاظ اشتملت عليها هذه المقامة ربما التبس تفسيرها على بعض من تقع إليه فأحببت إيضاحها له ليكفى حيرة الشبهة وكلفة الفكرة، ووصمة البحث والمسألة، وبالله تعالى الاستعانة والقوة. قوله: «عشوت إلى نار» يعني تنوّرتها فقصدتها فإن لم تقصدها قلت: عشوت عنها، كقوله تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ [الزخرف: ٣٦]، أي يعرض. وقوله: «وأنا أصرد من عين الحرباء والعنز الحرباء»، هذان مثلان يضربان لمن يبلغ منه البرد، وذلك لأنّ الحرباء تدور أبدا مع الشمس وتستقبلها بعينها، ولذلك شبّه ابن الرومي الرّقيب بالحرباء في قوله: [الكامل] ما بالها قد حسّنت ورقيبها ... أبدا قبيح، قبّح الرّقباء ما ذاك إلّا أنّها شمس الضّحا ... أبدا يكون رقيبها الحرباء والعنز الجرباء لا تدفأ في الشتاء لقلة شعرها، وذكر بعضهم أن العنز الجرباء تصحيف المثل الأول. وقوله: «من نحر وار» يعني الجمل المكتنز شحما، الكثير مخّا. وقوله: «عشاره تخور وأعشاره تفور» العشار: النوق الحوامل والأعشار: البرمة العظيمة. كأنها شعبت لعظمها، يقال: برمة أعشار وجفنة أكسار وثوب أسمال وبرد أخلاق وحبل أرمام، ووصف الجماعة منها كوصف الواحد. وقوله: «فاكهة الشتاء» كنى بها عن النار، ومنه قول بعض المحدثين: [الكامل] النّار فاكهة الشتاء فمن يرد ... أكل الفواكه شاتيا فليصطل إنّ الفواكه في الشتاء شهية ... والنّار للمقرور أفضل مأكل وقوله: «موائد كالهالات» يعني دارات القمر، ودارة الشمس تسمّى الطّفاوة. وقوله: «مشوش الغمر» يعني المنديل، يقال: مشّ يده بالمنديل، أي مسحها، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] نمشّ بأعراف الجياد أكفّنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهّب (١)

стр. 1296

وقوله: «مشتبها فوداه أي صارا من الشّيب في لون الأشهب، ومنه قول امرئ القيس: قالت الخنساء لمّا جئتها ... شاب بعدي رأس هذا واشتهب (١) وقوله: «ربض حجرة» يعني ناحية، ويقال في المثل لمن يشارك في الرّخاء ويجانب عند البلاء: يرتع وسطا ويربض حجرة. وقوله: «فاسترعى سمع السّامر» يعني السّمار؛ لأن السامر اسم للجمع كالحاضر اسم للحيّ النازلين على الماء، وكالباقر: اسم لجماعة البقر. وقال بعض أهل اللغة: هو اسم للبقر مع رعاتها، واشتقاق السّامر من السّمر، وهو ظل القمر مأخوذ من السمرة فلمّا كان غالب أحوال السّمّار أنهم يتحدثون في ظل القمر اشتقّ لهم اسم منه، وإلى هذا يرجع قولهم: «لا أكلّمه القمر والسّمر». وقوله: «ليس بعشّك فادرجي» هذا مثل يضرب لمن يتعاطى ما لا ينبغي له، والعشّ: ما يكون في شجرة، فإذا كان في حائط أو كهف جبل فهو وكر. وقوله: «الإيناس قبل الإبساس» هذا مثل أيضا، ومعناه أنه ينبغي أن يؤنس الإنسان ثم يكلّف، وأصله أنّ حالب الناقة يؤنسها حين يروم حلبها، ثم يبسّ بها للحلب، والإبساس أن تقول لها: بس بس، لتسكن وتدرّ وتسمّى الناقة التي تدرّ على الإبساس: البسوس. وقوله: «يرغب في الشّكم» الشكم ما أعطيته على سبيل المجازاة، فإن أعطيته مبتدئا فهو الشّكد. وقوله: «ساء أبا مثوانا» يعني المضيف الذي أووا إليه وثووا عنده. وقوله: «ناقة عيديّة» قيل إنها منسوبة إلى فحل منجب اسمه عيد، وقيل: هي منسوبة إلى فخذ من مهرة اسمه عيد بن مهرة وكانت مهرة وعيد تتخذان نجائب الإبل، فنسبت إليهما. وقوله: «حلّة سعيدية» هي منسوبة إلى سعيد بن العاص، وكان رسول الله ﷺ كساه وهو غلام حلّة فنسب جنسها إليه. وقوله: «لا ترزأ أضيافي زبالا» أي لا ترزؤهم شيئا وإن قل، والأصل في الزّبال ما تحمله النملة بفيها. وقوله: «شنشنة أخزمية» أشار به إلى المثل الذي ضربه جدّ حاتم بن عبد الله بن

стр. 1297

سعد بن الحشرج بن أخزم الطائي، حين نشأ حاتم وتقبّل أخلاق خدّه أخزم في الجود. فقال: «شنشنة أعرفها من أخزم» وتمثّل عقيل بن علّفة به حين قال: [الرجز] إن بني ضرّجوني بالدم ... من يلق آساد الرجال يكلم * شنشنة أعرفها من أخزم (١) * ومن ادّعى أن المثل له فقدسها فيه. وقوله: «اجلوّذ» أي أسرع في الذّهاب ومثله اخروّط. وقوله: «وثب إلى النّاقة فرحلها» يعني شدّ عليها الرّحل، وبه سمّيت الراحلة لأنها فاعلة بمعنى مفعولة كقوله تعالى: فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ [الحاقة: ٢١]، أي مرضية. وكقوله تعالى: مِنْ ماءٍ دافِقٍ [الطارق: ٦]، أي مدفوق، والرّاحلة تقع على الناقة والجمل ودخولها الهاء فيها للمبالغة، مثل داهية وراوية. وقوله: «ارتحلها» أي ركبها، وفي الحديث أن النبي ﷺ سجد، فركبه الحسن فأبطأ في سجوده، فلمّا قضى صلاته قال: «إنّ ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله (٢)». وقوله: «ورحلها» أي أزعجها وأشخصها وأجدّ بها في الرحيل، ومنه الخبر: «تخرج عند اقتراب الساعة نار من قعر عدن ترحل الناس» (٣). وقوله: «فأدلجي وأوّبي وأسئدي». الإدلاج: أن تسير الليل كلّه والاسم منه الدّلجة بفتح الدال والادلاج بالتشديد: أن تسير من آخره والاسم منه الدّلجة، بضم الدال. وقيل فتحها وضمها بمعنى واحد. والتأويب: سير النّهار وحده، والإسئاد: أن تسير ليلا ونهارا. والنّشح: أن تشرب دون الرّيّ. وقوله: «ما قدم وما حدث» يقال ذلك لمن تستولي الهموم عليه وتتلاعب به. وتضمّ الدال من «حدث» في هذا الموضوع وحده، ليوافق لفظها لفظ «قدم»؛ فإن أفردت «حدث» عن قدم وجب فتح الدال من «حدث». ومثله قولهم: هنأني ومرأني بحذف الألف من أمرأني إذ ذكر مع «هنأني» فإن أفردته قلت: أمرأني الشيء. وقوله: «ذهبنا تحت كلّ كوكب» هذا المثل يضرب لمن تختلف في السفر طرقهم وتتباين سبلهم.

стр. 1298

المقامة الخامسة والأربعون وهي الرّمليّة حكى الحارث بن همام قال: كنت أخذت عن أولي التّجاريب، أن السّفر مرآة الأعاجيب، فلم أزل أجوب كلّ تنوفة، وأقتحم كلّ مخوفة، حتى اجتلبت كلّ أطروفة: فمن أحسن ما لمحته، وأغرب ما استملحته، أن حضرت قاضي الرّملة، وكان من أرباب الدّولة والصّولة، وقد ترافع إليه بال في بال، وذات جمال في أسمال، فهمّ الشّيخ بالكلام، وتبيان المرام؛ فمنعته الفتاة من الإفصاح، وخسأته عن النّباح، ثمّ نضت عنها فضلة الوشاح، وأنشدته بلسان السّليطة الوقاح. *** أولي التجاريب، أي أصحابها وأهلها. أجوب: أقطع، تنوفة: قفرة. أقتحم: أدخل. اجتليت: رأيت. أطروفة: عجيبة. لمحته: نظرته. استملحته: وجدته مليحا. الصولة: الاستطالة. وقد صال إذا استطال وهدّد. ترافع، أي تداعى للحكومة، ورفع كلّ واحد صاحبه. بال: شيخ كبير. في بال: في ثوب خلق. وأسمال، ثياب خلقة، واحدها سمل، وسمل الثوب وأسمل، ويقال أيضا: ثوب أسمال، فيوصف بالجمع، كما يقال: رمح أقصاد، وبرمة أعشار. تبيان المرام: تبيين مراده. وإظهار حجته. الإفصاح: التبيين. خسأته: أبعدته وطردته، النّباح: الكلام هنا. وخسأ ونبح أصلهما في الكلب، ويقال: خسأت الكلب خسئا: طردته وأبعدته، وخسأ الكلب بنفسه، أي انخسأ، يتعدى ولا يتعدّى، قال تعالى: اخْسَؤُا فِيها [المؤمنون: ١٠٨] أي تباعدوا تباعد سخط. نضت: جردت. الوشاح: الحزام، وهو المنطقة، الفنجديهي: الوشاح شبه قلادة تنسج من أدم عريضة وترصّع بالجواهر وغيرها، السّليطة: المستطيلة بلسانها، الوقاح: التي ليس في وجهها حياء، فهي تقول ما شاءت. [السريع] *** يا قاضي الرّملة يا ذا الذي ... في يده التّمرة والجمره إليك أشكو جور بعلي الّذي ... لم يحجج البيت سوى مرّه وليته لمّا قضى نسكه ... وخفّ ظهرا إذ رمى الجمره كان على رأي أبي يوسف ... في صلة الحجّة بالعمره

стр. 1299

هذا على أنى مذ ضمّني ... إليه لم أعص له أمره فمره إمّا ألفة حلوة ... ترضي وإمّا فرقة مرّه من قبل أن أخلع ثوب الحيا ... في طاعة الشيخ أبي مرّه *** الرّملة: قرية بالشأم، وقسم الشأم خمسة أقسام، فخمس منه فلسطين ومدينته العظمى الرّملة، والرملة أربعة آلاف ضيعة، ومن مدن فلسطين إيلياء مدينة بيت المقدس، وبينها وبين الرملة ثمانية عشر ميلا، وقال ابن ظفر: عشرون فرسخا، التّمرة والجمرة: الخير والشر، والنفع والضّر، ويضرب بهما المثل في هذا المعنى، ومن قضى له بشيء فكأنه قد أعطاه. والبيت، وغنت به فرجها يحجج: يقصد إليه بالجماع، وقولها سوى مرّة، تريد أوّل مرّة وطئها وافترعها ولم يعد لها بعد تلك المرة، وتعني بالنسك افتراعها وما هناك من الدم. وعنت برمي الجمرة إتيانه لها، وجمع الجمر جمار، وهي الحجارة الصغار عند العرب، وجمر الرجل تجميرا: رمى جمار مكة، قال عمر بن أبي ربيعة: [الطويل] فلم أر كالتجمير منظر ناظر ... ولا كليالي الحج أفلتن ذا هوى ومنه الحديث: «وإذا استجمرت فأوتر» (١). معناه تمسّحت بالحجارة. [أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم] أبو يوسف، هو يعقوب بن إبراهيم بن حسين بن سعد بن حبيب الأنصاريّ. وأبو يوسف كوفيّ صاحب أبا حنيفة فغلب عليه؛ حتى قالوا: أبو يوسف أبو حنيفة. أي يسدّ مسدّه ويغني عنه، وروي عن أبي حنيفة والمطرّف والمغيرة وهشام بن عروة الشيباني. وكان صدوقا من أهل الدين والعلم، وكان قاضي القضاة ببغداد لثلاثة خلفاء: المهدي والهادي والرشيد، وكانت أم جعفر قد استفتته في مسألة، فأفتاها بما أوجبه العلم عنده، فوافق بذلك مرادها، فأهدت له حقّا من فضة فيه طيب وجام فضة فيه دنانير، فقال له بعض من حضره: قال رسول الله ﷺ : «من أهديت له هدية فجلساؤه شركاؤه فيها»، فقال أبو يوسف تأوّلت الخبر على ظاهره، والاستحسان قد منع من إمضائه، فإن ذلك إذ كان هدايا الناس التّمر واللبن، لا في هذا الوقت، والهدايا ذهب وورق، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

стр. 1300

قال أبو جعفر الطحاوي: ولد أبو يوسف سنة ثلاث عشرة ومائة. حمّاد: رأيت أبا حنيفة يوما وعن يمينه أبو يوسف وعن يساره زفر، وهما يتجادلان في مسألة، فلا يقول أبو يوسف قولا إلّا أفسده عليه زفر، ولا يقول زفر قولا إلّا أفسده عليه أبو يوسف إلى وقت الظهر، فلمّا أذّن المؤذن رفع أبو حنيفة يده، فضرب بها فخذ زفر، وقال: لا تطمع في رئاسة في بلد فيها أبو يوسف، فقضى لأبي يوسف. عليّ بن حرملة التيميّ: قال أبو يوسف: كنت أطلب الحديث والفقه، وأنا مقلّ رثّ الحال، فجاء أبي يوما وأنا عند أبي حنيفة، فانصرفت معه، فقال: يا بنيّ لا تمدّنّ رجليك مع أبي حنيفة، فإن خير أبي حنيفة مستو، وأنت محتاج إلى المعاش، فقصّرت عن كثير من الطّلب، وآثرت طاعة والدي فتفقّدني أبو حنيفة، وسأل عني، فجعلت أتعهّد مجلسه، فلمّا كان أوّل يوم أتيته بعد تأخّري عنه، قال لي: ما يشغلك عنا؟ قلت: الشّغل بالمعاش، وطاعة والدي، فلمّا انصرف الناس دفع إليّ صرّة، وقال: استمتع بهذه، وإذا فيها مائة درهم، وقال لي: الزم الجماعة، فإذا نفدت فأعلمني، فلزمت الحلقة، فلمّا مضت مدّة يسيرة دفع إليّ مائة أخرى، ثم كان يتعهّدني كذلك، وما أعلمته بنفادها قطّ، وكأنه كان يخبر بنفادها حتى استغنيت وتموّلت. عليّ بن الجعد: حدثني أبو يوسف، قال: توفّي أبي إبراهيم، وخلّفني صغيرا في حجر أمي فأسلمتني، إلى قصّار أخدمه، فكنت أدع القصّار وأمرّ على حلقة أبي حنيفة فأجلس وأستمع، فتجيء أمي فتأخذ بيدي وتذهب بي إلى القصار، وكان أبو حنيفة يعنى بي لما كان يرى من حرصي على التعلّم، فلما طال ذلك على أمي وكثر عليها هربي، قالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبيّ فساد غيرك، هذا صبيّ يتيم لا شيء له، وإنما أطعمه من مغزلي، وآمل أن يكتسب دانقا يعود به على نفسه، فقال لها أبو حنيفة: مرّي يا رعناء، ها هو ذا يتعلّم أكل الفالوذج بدهن الفستق، فانصرفت عنه وهي تقول: أنت شيخ قد خرفت وذهب عقلك. قال: ثم لزمته ونفعني الله تعالى بالعلم ورفعني حتى تقلّدت القضاء، فكنت أجالس الرشيد، وآكل معه على مائدته، فلما كان في بعض الأيام قدّم إليه فالوذجة. فقال لي: كل يا يعقوب، فليس في كلّ يوم يعمل لنا مثلها، فقلت: وما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه فالوذجة بدهن فستق، فضحكت فقال لي: ممّ تضحك؟ فقلت: خيرا، وأبقى الله أمير المؤمنين، فقال: لتخبرنّي وألحّ عليّ، فحدّثته بالقصّة من أولها إلى آخرها. فعجب من ذلك، وقال: لعمري إنّ العلم لينفع ويرفع دينا ودنيا، وترحّم على أبي حنيفة، وقال: إنه كان ينظر بعين عقله ما لا ينظره غيره بعين رأسه. وأبو يوسف أوّل من دعي بقاضي القضاة في الإسلام. إسحاق الموصليّ: حدّثني بشر بن الوليد، وسألته: من أين جاء؟ فقال: كنت عند أبي يوسف القاضي، وكنت في حديث ظريف. فقلت: حدثني به، فقال: قال لي أبو
следующие страницы →