← Адаб

Адаб · id 760

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وقوله: «مشتبها فوداه أي صارا من الشّيب في لون الأشهب، ومنه قول امرئ القيس: قالت الخنساء لمّا جئتها ... شاب بعدي رأس هذا واشتهب (١) وقوله: «ربض حجرة» يعني ناحية، ويقال في المثل لمن يشارك في الرّخاء ويجانب عند البلاء: يرتع وسطا ويربض حجرة. وقوله: «فاسترعى سمع السّامر» يعني السّمار؛ لأن السامر اسم للجمع كالحاضر اسم للحيّ النازلين على الماء، وكالباقر: اسم لجماعة البقر. وقال بعض أهل اللغة: هو اسم للبقر مع رعاتها، واشتقاق السّامر من السّمر، وهو ظل القمر مأخوذ من السمرة فلمّا كان غالب أحوال السّمّار أنهم يتحدثون في ظل القمر اشتقّ لهم اسم منه، وإلى هذا يرجع قولهم: «لا أكلّمه القمر والسّمر». وقوله: «ليس بعشّك فادرجي» هذا مثل يضرب لمن يتعاطى ما لا ينبغي له، والعشّ: ما يكون في شجرة، فإذا كان في حائط أو كهف جبل فهو وكر. وقوله: «الإيناس قبل الإبساس» هذا مثل أيضا، ومعناه أنه ينبغي أن يؤنس الإنسان ثم يكلّف، وأصله أنّ حالب الناقة يؤنسها حين يروم حلبها، ثم يبسّ بها للحلب، والإبساس أن تقول لها: بس بس، لتسكن وتدرّ وتسمّى الناقة التي تدرّ على الإبساس: البسوس. وقوله: «يرغب في الشّكم» الشكم ما أعطيته على سبيل المجازاة، فإن أعطيته مبتدئا فهو الشّكد. وقوله: «ساء أبا مثوانا» يعني المضيف الذي أووا إليه وثووا عنده. وقوله: «ناقة عيديّة» قيل إنها منسوبة إلى فحل منجب اسمه عيد، وقيل: هي منسوبة إلى فخذ من مهرة اسمه عيد بن مهرة وكانت مهرة وعيد تتخذان نجائب الإبل، فنسبت إليهما. وقوله: «حلّة سعيدية» هي منسوبة إلى سعيد بن العاص، وكان رسول الله ﷺ كساه وهو غلام حلّة فنسب جنسها إليه. وقوله: «لا ترزأ أضيافي زبالا» أي لا ترزؤهم شيئا وإن قل، والأصل في الزّبال ما تحمله النملة بفيها. وقوله: «شنشنة أخزمية» أشار به إلى المثل الذي ضربه جدّ حاتم بن عبد الله بن

стр. 1297

سعد بن الحشرج بن أخزم الطائي، حين نشأ حاتم وتقبّل أخلاق خدّه أخزم في الجود. فقال: «شنشنة أعرفها من أخزم» وتمثّل عقيل بن علّفة به حين قال: [الرجز] إن بني ضرّجوني بالدم ... من يلق آساد الرجال يكلم * شنشنة أعرفها من أخزم (١) * ومن ادّعى أن المثل له فقدسها فيه. وقوله: «اجلوّذ» أي أسرع في الذّهاب ومثله اخروّط. وقوله: «وثب إلى النّاقة فرحلها» يعني شدّ عليها الرّحل، وبه سمّيت الراحلة لأنها فاعلة بمعنى مفعولة كقوله تعالى: فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ [الحاقة: ٢١]، أي مرضية. وكقوله تعالى: مِنْ ماءٍ دافِقٍ [الطارق: ٦]، أي مدفوق، والرّاحلة تقع على الناقة والجمل ودخولها الهاء فيها للمبالغة، مثل داهية وراوية. وقوله: «ارتحلها» أي ركبها، وفي الحديث أن النبي ﷺ سجد، فركبه الحسن فأبطأ في سجوده، فلمّا قضى صلاته قال: «إنّ ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله (٢)». وقوله: «ورحلها» أي أزعجها وأشخصها وأجدّ بها في الرحيل، ومنه الخبر: «تخرج عند اقتراب الساعة نار من قعر عدن ترحل الناس» (٣). وقوله: «فأدلجي وأوّبي وأسئدي». الإدلاج: أن تسير الليل كلّه والاسم منه الدّلجة بفتح الدال والادلاج بالتشديد: أن تسير من آخره والاسم منه الدّلجة، بضم الدال. وقيل فتحها وضمها بمعنى واحد. والتأويب: سير النّهار وحده، والإسئاد: أن تسير ليلا ونهارا. والنّشح: أن تشرب دون الرّيّ. وقوله: «ما قدم وما حدث» يقال ذلك لمن تستولي الهموم عليه وتتلاعب به. وتضمّ الدال من «حدث» في هذا الموضوع وحده، ليوافق لفظها لفظ «قدم»؛ فإن أفردت «حدث» عن قدم وجب فتح الدال من «حدث». ومثله قولهم: هنأني ومرأني بحذف الألف من أمرأني إذ ذكر مع «هنأني» فإن أفردته قلت: أمرأني الشيء. وقوله: «ذهبنا تحت كلّ كوكب» هذا المثل يضرب لمن تختلف في السفر طرقهم وتتباين سبلهم.

стр. 1298

المقامة الخامسة والأربعون وهي الرّمليّة حكى الحارث بن همام قال: كنت أخذت عن أولي التّجاريب، أن السّفر مرآة الأعاجيب، فلم أزل أجوب كلّ تنوفة، وأقتحم كلّ مخوفة، حتى اجتلبت كلّ أطروفة: فمن أحسن ما لمحته، وأغرب ما استملحته، أن حضرت قاضي الرّملة، وكان من أرباب الدّولة والصّولة، وقد ترافع إليه بال في بال، وذات جمال في أسمال، فهمّ الشّيخ بالكلام، وتبيان المرام؛ فمنعته الفتاة من الإفصاح، وخسأته عن النّباح، ثمّ نضت عنها فضلة الوشاح، وأنشدته بلسان السّليطة الوقاح. *** أولي التجاريب، أي أصحابها وأهلها. أجوب: أقطع، تنوفة: قفرة. أقتحم: أدخل. اجتليت: رأيت. أطروفة: عجيبة. لمحته: نظرته. استملحته: وجدته مليحا. الصولة: الاستطالة. وقد صال إذا استطال وهدّد. ترافع، أي تداعى للحكومة، ورفع كلّ واحد صاحبه. بال: شيخ كبير. في بال: في ثوب خلق. وأسمال، ثياب خلقة، واحدها سمل، وسمل الثوب وأسمل، ويقال أيضا: ثوب أسمال، فيوصف بالجمع، كما يقال: رمح أقصاد، وبرمة أعشار. تبيان المرام: تبيين مراده. وإظهار حجته. الإفصاح: التبيين. خسأته: أبعدته وطردته، النّباح: الكلام هنا. وخسأ ونبح أصلهما في الكلب، ويقال: خسأت الكلب خسئا: طردته وأبعدته، وخسأ الكلب بنفسه، أي انخسأ، يتعدى ولا يتعدّى، قال تعالى: اخْسَؤُا فِيها [المؤمنون: ١٠٨] أي تباعدوا تباعد سخط. نضت: جردت. الوشاح: الحزام، وهو المنطقة، الفنجديهي: الوشاح شبه قلادة تنسج من أدم عريضة وترصّع بالجواهر وغيرها، السّليطة: المستطيلة بلسانها، الوقاح: التي ليس في وجهها حياء، فهي تقول ما شاءت. [السريع] *** يا قاضي الرّملة يا ذا الذي ... في يده التّمرة والجمره إليك أشكو جور بعلي الّذي ... لم يحجج البيت سوى مرّه وليته لمّا قضى نسكه ... وخفّ ظهرا إذ رمى الجمره كان على رأي أبي يوسف ... في صلة الحجّة بالعمره

стр. 1299

هذا على أنى مذ ضمّني ... إليه لم أعص له أمره فمره إمّا ألفة حلوة ... ترضي وإمّا فرقة مرّه من قبل أن أخلع ثوب الحيا ... في طاعة الشيخ أبي مرّه *** الرّملة: قرية بالشأم، وقسم الشأم خمسة أقسام، فخمس منه فلسطين ومدينته العظمى الرّملة، والرملة أربعة آلاف ضيعة، ومن مدن فلسطين إيلياء مدينة بيت المقدس، وبينها وبين الرملة ثمانية عشر ميلا، وقال ابن ظفر: عشرون فرسخا، التّمرة والجمرة: الخير والشر، والنفع والضّر، ويضرب بهما المثل في هذا المعنى، ومن قضى له بشيء فكأنه قد أعطاه. والبيت، وغنت به فرجها يحجج: يقصد إليه بالجماع، وقولها سوى مرّة، تريد أوّل مرّة وطئها وافترعها ولم يعد لها بعد تلك المرة، وتعني بالنسك افتراعها وما هناك من الدم. وعنت برمي الجمرة إتيانه لها، وجمع الجمر جمار، وهي الحجارة الصغار عند العرب، وجمر الرجل تجميرا: رمى جمار مكة، قال عمر بن أبي ربيعة: [الطويل] فلم أر كالتجمير منظر ناظر ... ولا كليالي الحج أفلتن ذا هوى ومنه الحديث: «وإذا استجمرت فأوتر» (١). معناه تمسّحت بالحجارة. [أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم] أبو يوسف، هو يعقوب بن إبراهيم بن حسين بن سعد بن حبيب الأنصاريّ. وأبو يوسف كوفيّ صاحب أبا حنيفة فغلب عليه؛ حتى قالوا: أبو يوسف أبو حنيفة. أي يسدّ مسدّه ويغني عنه، وروي عن أبي حنيفة والمطرّف والمغيرة وهشام بن عروة الشيباني. وكان صدوقا من أهل الدين والعلم، وكان قاضي القضاة ببغداد لثلاثة خلفاء: المهدي والهادي والرشيد، وكانت أم جعفر قد استفتته في مسألة، فأفتاها بما أوجبه العلم عنده، فوافق بذلك مرادها، فأهدت له حقّا من فضة فيه طيب وجام فضة فيه دنانير، فقال له بعض من حضره: قال رسول الله ﷺ : «من أهديت له هدية فجلساؤه شركاؤه فيها»، فقال أبو يوسف تأوّلت الخبر على ظاهره، والاستحسان قد منع من إمضائه، فإن ذلك إذ كان هدايا الناس التّمر واللبن، لا في هذا الوقت، والهدايا ذهب وورق، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

стр. 1300

قال أبو جعفر الطحاوي: ولد أبو يوسف سنة ثلاث عشرة ومائة. حمّاد: رأيت أبا حنيفة يوما وعن يمينه أبو يوسف وعن يساره زفر، وهما يتجادلان في مسألة، فلا يقول أبو يوسف قولا إلّا أفسده عليه زفر، ولا يقول زفر قولا إلّا أفسده عليه أبو يوسف إلى وقت الظهر، فلمّا أذّن المؤذن رفع أبو حنيفة يده، فضرب بها فخذ زفر، وقال: لا تطمع في رئاسة في بلد فيها أبو يوسف، فقضى لأبي يوسف. عليّ بن حرملة التيميّ: قال أبو يوسف: كنت أطلب الحديث والفقه، وأنا مقلّ رثّ الحال، فجاء أبي يوما وأنا عند أبي حنيفة، فانصرفت معه، فقال: يا بنيّ لا تمدّنّ رجليك مع أبي حنيفة، فإن خير أبي حنيفة مستو، وأنت محتاج إلى المعاش، فقصّرت عن كثير من الطّلب، وآثرت طاعة والدي فتفقّدني أبو حنيفة، وسأل عني، فجعلت أتعهّد مجلسه، فلمّا كان أوّل يوم أتيته بعد تأخّري عنه، قال لي: ما يشغلك عنا؟ قلت: الشّغل بالمعاش، وطاعة والدي، فلمّا انصرف الناس دفع إليّ صرّة، وقال: استمتع بهذه، وإذا فيها مائة درهم، وقال لي: الزم الجماعة، فإذا نفدت فأعلمني، فلزمت الحلقة، فلمّا مضت مدّة يسيرة دفع إليّ مائة أخرى، ثم كان يتعهّدني كذلك، وما أعلمته بنفادها قطّ، وكأنه كان يخبر بنفادها حتى استغنيت وتموّلت. عليّ بن الجعد: حدثني أبو يوسف، قال: توفّي أبي إبراهيم، وخلّفني صغيرا في حجر أمي فأسلمتني، إلى قصّار أخدمه، فكنت أدع القصّار وأمرّ على حلقة أبي حنيفة فأجلس وأستمع، فتجيء أمي فتأخذ بيدي وتذهب بي إلى القصار، وكان أبو حنيفة يعنى بي لما كان يرى من حرصي على التعلّم، فلما طال ذلك على أمي وكثر عليها هربي، قالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبيّ فساد غيرك، هذا صبيّ يتيم لا شيء له، وإنما أطعمه من مغزلي، وآمل أن يكتسب دانقا يعود به على نفسه، فقال لها أبو حنيفة: مرّي يا رعناء، ها هو ذا يتعلّم أكل الفالوذج بدهن الفستق، فانصرفت عنه وهي تقول: أنت شيخ قد خرفت وذهب عقلك. قال: ثم لزمته ونفعني الله تعالى بالعلم ورفعني حتى تقلّدت القضاء، فكنت أجالس الرشيد، وآكل معه على مائدته، فلما كان في بعض الأيام قدّم إليه فالوذجة. فقال لي: كل يا يعقوب، فليس في كلّ يوم يعمل لنا مثلها، فقلت: وما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه فالوذجة بدهن فستق، فضحكت فقال لي: ممّ تضحك؟ فقلت: خيرا، وأبقى الله أمير المؤمنين، فقال: لتخبرنّي وألحّ عليّ، فحدّثته بالقصّة من أولها إلى آخرها. فعجب من ذلك، وقال: لعمري إنّ العلم لينفع ويرفع دينا ودنيا، وترحّم على أبي حنيفة، وقال: إنه كان ينظر بعين عقله ما لا ينظره غيره بعين رأسه. وأبو يوسف أوّل من دعي بقاضي القضاة في الإسلام. إسحاق الموصليّ: حدّثني بشر بن الوليد، وسألته: من أين جاء؟ فقال: كنت عند أبي يوسف القاضي، وكنت في حديث ظريف. فقلت: حدثني به، فقال: قال لي أبو

стр. 1301

يوسف: كنت البارحة قد أويت إلى فراشي، فإذا داق يدقّ الباب بشدّة، فأخذت عليّ إزاري، وخرجت، فإذا هو ابن أعين يقول: أجب أمير المؤمنين، فقلت: يا أبا حارثة لي بك حرمة، وهذا وقت كما ترى، ولست آمن أن يكون أمير المؤمنين دعاني لمكروه، فإن أمكنك أن تدع الأمير إلى غد فلعله أن يحدث له رأي! فقال: ما لي إلى ذلك من سبيل، قلت: كيف كان السبب؟ قال: خرج إليّ مسرور الخادم، فأمرني أن آتي بك أمير المؤمنين، فقلت: أتأذن لي أن أصبّ عليّ ماء وأتحنّط فإن كان أمر كنت قد أحكمت شأني، وإن رزق الله العافية فلن يضرّ، فدخلت ففعلت ذلك، وتطيبت ثم خرجنا إلى دار الرشيد ومسرور واقف، فقلت: يا أبا هاشم خدمتي وحرمتي، وهذا وقت ضيّق، أفتدري لم طلبني؟ قال: لا، قلت: فمن عنده؟ قال: عيسى بنجعفر وحده، ثم قال: مرّ فإذا صرت في الصّحن فحرّك رجليك، فإنه في الرواق ففعلت، فقال: من هذا؟ قلت: يعقوب، قال: ادخل، فدخلت فسلّمت فردّ عليّ السلام، وقال: أظنّنا روّعناك؟ قلت: إي والله ومن خلفي، قال اجلس، فلما سكن روعى، قال: يا يعقوب هل تدري لم دعوتك؟ قلت: لا، قال: لأشهدك على هذا؛ إنّ عنده جارية، فسألته أن يهبها أو يبيعها لي فأبى، وو الله لئن لم يفعل لأقتلنه. فالتفتّ إلى عيسى وقلت: وما بلغ قدر الجارية؟ أتمنعها أمير المؤمنين وتنزّل نفسك هذه المنزلة؟ فقال لي: عجّلت القول قبل أن تعرف ما عندي، إن عليّ يمينا بالطلاق والعتاق وصدقة ما أملك ألّا أبيعها لأحد ولا أهبها، فالتفت إليّ الرشيد، فقال لي: هل لك في ذلك مخرج؟ فقلت: نعم، قال: وما هو؟ قلت: يهب لك نصفها ويبيعك نصفها، فيكون لم يبع ولم يهب، قال عيسى: ويجوز ذلك؟ قلت: نعم، قال: فأشهدك أني قد وهبت له نصفها، وبعت منه نصفها بمائة ألف دينار، وأتي بالجارية، فقال: خذها يا أمير المؤمنين بارك الله لك فيها، قال: يا يعقوب، وبقيت واحدة، قلت: يا أمير المؤمنين، وما هي؟ قال: هي مملوكة ولا بدّ أن تستبرأ، وو الله إنّ نفسي لتخرج إن لم أبت معها. فقلت: يا أمير المؤمنين تعتقها وتتزوجها، فإن الحرّة لا تستبرأ، قال: فإني قد أعتقتها، فدعا بمسرور وحسن، وخطبت وحمدت الله ثم زوجت على عشرين ألف دينار، ودفع المال إليها، ثم قال: يا يعقوب انصرف، ثم قال: يا مسرور احمل إلى أبي يوسف مائتي ألف درهم وعشرين تختا ثيابا، فحمل معي ذلك، قال بشر: فالتفت إلي يعقوب، فقال: هل رأيت بأسا فيما فعلت؟ قلت: لا قال: فحقّك منها العشر فشكرته، وذهبت: لأقوم وإذا بعجوز دخلت، فقالت: يا أبا يوسف، بنتك تقرئك السلام، وتقول: والله ما وصلني من أمير المؤمنين في ليلتي هذه إلّا المهر الذي قد عرفت، وقد جعلت إليك النصف منه، وخلّفت الباقي لما أحتاج إليه، فقال: ردّيه، فو الله لا قبلته، أخرجتها من الرّق وزوّجتها من أمير المؤمنين وترضيني بهذا، فلم نزل نتلطف إليه أنا وعمومتي يقبلها فقبلها وأمر لي بألف دينار. وأما صلة الحج بالعمرة التي ذكر الحريري، فإن أبا يوسف في ذلك مخالف لمالك

стр. 1302

رضي الله عنهما في أن القرآن في الحج أفضل من الإفراد، وهو مذهب عليّ بن أبي طالب ﵁ وقوله: خفّ ظهرا، أي حطّ عن ظهره بعض الذنوب، والذي أرادت أنه لم يأتها ولا جامعها غير مرّة واحدة خفّف بها ظهره وبعض شهوته وليته فعل ذلك مرّتين فورّت بظاهر كلامها عن هذا المعنى. وجاءت امرأة إلى المغيرة بن شعبة بزوجها تستعديه عليه، وتذكر أنه عنّين فقال الرجل: [الكامل] الله يعلم يا مغيرة أنني ... قد دستها دوس الحصان المرسل (١) وأخذتها أخذ المعنّف شاته ... عجلان يذبحها لقوم نزّل فقال له المغيرة: إنّي لأرى ذلك في شمائلك. وخاصمت الدّهناء بنت مسحل أحد بني مالك بن سعد بن زيد مناة العجّاج، وكان من بني عمها إلى والي اليمامة، فكان أبوها يعينها على ذلك، فقال له أهل اليمامة: ألا تستحي، تطلب العسب لابنتك! فقال: إني أحبّ أن يكون لها ولد، فإن أفرطتهم أجرت، وإن بقوا دعوا الله لها، فدخلت على الوالي، فقالت: إني منه بجمع، فقال: لعلّك تغارين الشيخ؟ فقالت: إنّي لأرخي له بادّي، وأقيم صلبي، فقال العجاج: [الرجز] أظنت الدهنا وظنّ مسحل ... أن الأمير بالقضاء يعجل (٢) عن كسلاتي والحصان يكسل ... عن السّفاد وهو طرف هيكل فقالت هي: [الرجز] والله لولا خشية الأمير ... وخشية الشّرطيّ والمثير (٣) لجلت من شيخ بني الفقير ... كجولان صعبة عسير فأخذها وضمها إليه يقبّلها فقالت: [الرجز] تا لله لا تخدعني بالضّمّ ... إليك والتّقبيل بعد الشّمّ (٤)

стр. 1303

إلّا بهزهاز يسلّي همّي ... ينزع عنّي فتجي في كميّ فذهب بها إلى أهلها، فطلّقها في تلك الليلة سرا، ولو استقبلها العجاج بما وصف ابن الرومي حيث يقول: [الوافر] ألا يا هند هل لك في ممدّ ... غليظ تفرحين به متين يشدّ به حشاك غلام نيك ... من الفتيان منقطع القرين فمن يره يبول يقول: أنثى ... بدا من فرجها ثلثا جنين لرضيته، ولم تحاكمه. قوله: ألفة: صحبة. أخلع: أزيل. وأبو مرّة. كنية إبليس لعنه الله، وكني بذلك لما تقدّم أنّ أبغض الأسماء إلى الله مرّة وحرب. تقول: إما يصاحبني صحبة يرضيني فيها بكثرة الجماع، وإلا أزلت عني الحياء وخرجت أزني وأفسق في طاعة إبليس، ولو عالجها بما كان يعالج به رجل زوجته، وكان إذا وقع بينهما شرّ انحنى عليها بالجماع، فكانت تقول: لعنك الله! كلّما وقع بيننا شرّ جئتني بشفيع لا أقدر على ردّه! فلو جاءها بهذا الشفيع لما رفعته إلى الوالي. محمد بن يحيى بن حيّان: عاتبت جدّتي جدّي في قلة الباه، فقال لها: أنا وأنت على قضاء عمر بن الخطاب ﵁، قالت: وما قضاء عمر؟ قال: قال: إن الرجل إذا أتى امرأته في كلّ طهر مرّة فقد أدّى حقها، قالت: فكلّ الناس تركوا قضاء عمر، وأقمت أنا وأنت عليه! . وقال أعرابي كبر وعجز: [الرجز] عجبت من أيري كيف يصنع ... أدفعه بإصبعي فيرجع * يقوم بعد الشدّ ثم يركع* دخل عيسى بن موسى على جارية له فعجز، فقال: [البسيط] النّفس تطمع والأسباب عاجزة ... والنّفس تهلك بين العجز والطمع خلا ثمامة بن أشرس بجارية له فعجز، فقال: ويحك! ما أوسع حرك! فقالت: [البسيط] أنت الفداء لمن قد كان يملؤه ... ويشتكي الضّيق منه حين يلقاه وكان عروة بن شييم أوفر الناس أيرا وأشدّهم نكاحا، وكان إذا أنعظ يستلقي على قفاه فيأتي الفصيل الجرب فيحتك بأيره يظنّه الجذل، وهو عود في العطن ينصب لتحتك به الإبل الجربى. ويزعمون أنه أصاب أيره جنب عروس زفّت إليه، فقالت له: أتهددني بالركبة! وهو القائل: [الطويل]

стр. 1304

ألا ربّما أنعظت حتى إخاله ... سينقدّ للإنعاظ أو يتمزق فأعمله حتى إذا قلت: قدوني ... أبى وتمطّى جامحا يتمطق وأقبل رجل على عليّ ﵁ فقال: إن لي امرأة كلما غشيتها، تقول: قتلتني قتلتني! فقال: اقتلها وعليّ إثمها. وقع أعشى همدان أسيرا عند الدّيلم، ثم إن ابنة العلج الذي أسره عشقته، فمكنته ليلة من نفسها، فأصبح وقد واقعها ثمان مرات، فقالت له: يا معشر المسلمين، أهكذا تفعلون بنسائكم! قال: هكذا نفعل كلّنا، فقالت: بهذا العمل نصرتم، أفرأيت إن خلّصتك تصطفيني؟ فعاهدها، فحلت قيوده بالليل، وأخذت به في طرق تعرفها حتى تخلّص، فقال أسير شاعر فيه: [الطويل] فمن كان يفديه من الأسر ماله ... فهمدان تفديها الغداة أيورها كان عبد الله بن عمر من أنزه النّاس نفسا، وأبعدهم عن المزاح وذكر الفاحشة، فجاءه ابن أبي عتيق يوما، وكان صاحب مزاح وفكاهة، وفي يده رقعة فيها: [الطويل] ذهب الإله بما تعيش به ... وقمرت مالك أيّما قمر أنفقت مالك غير مكترث ... في كلّ زانية وفي الخمر وكانت هجته بهما امرأته عاتكة بنت عبد الرحمن المخزوميّ، فقال: يا أبا عبد الرحمن، انظر هذه الرقعة وأشر عليّ برأيك فيها، فلما قرأها عبد الله استرجع فقال: ما ترى فيمن هجاني بهذا الشعر؟ قال: أرى أن تعفو وتصفح، فقال: يا أبا عبد الرحمن، لئن لقيت صاحبه لأنيكنّه نيكا جيدا، فأخذ ابن عمر من قوله وأرعد وأزبد، قال: ما لك؟ غضب الله عليك! فقال: ما هو إلا ما قلت لك، وافترقا، فلمّا كان بعد أيام لقيه ابن عمر، فأعرض عنه، فصاح: يا أبا عبد الرحمن، إني لقيت صاحب البيتين فنكته والله نيكا شافيا، وأقسم على ذلك، فصعق ابن عمر، فلما رأى ابن أبي عتيق ما حلّ به دنا منه، وقال له في أذنه: إنها والله امرأتي، فقام ابن عمر وقد سرّي عنه، وهو يضحك، فقبله بين عينيه، وقال أحسنت، زده من هذا الأدب، ، فلن يهجوك بعدها أبدا. *** فقال له القاضي: قد سمعت ما عزتك إليه، وتوعّدتك عليه، فجانب ما عرّك، وحاذر أن تفرك، وتعرك، فجثا الشيخ على ثفناته، وفجّر ينبوع نفثاته، وقال: [الرجز] اسمع عداك الذّمّ قول امرئ ... يوضح فيما رابها عذره والله ما أعرضت عنها قلى ... ولا هوى قلبي قضى نذره وإنّما الدّهر عدا صرفه ... فابتزّنا الدّرّة والذّرّه

стр. 1305

فمنزلي قفر كما جيدها ... عطل من الجزعة والشّذره وكنت من قبل أرى في الهوى ... ودينه رأى بني عذره فمذنبا الدّهر هجرت الدّمى ... هجران عفّ آخذ حذره وملت عن حرثي لا رغبة ... عنه ولكن أتّقي بذره فلا تلم من هذه حاله ... واعطف عليه واحتمل هذره قوله: عزتك، أي نسبتك. توعّدتك: هدّدتك. عرّك: شانك، وعابك ولطّخك بشرّ وساءك، وعرّ فلان قومه بشرّ: لطّخهم به. حاذر خف. تفرك: تبغض، وفركت المرأة زوجها: أبغضته. وتعرك: تدلك دلكا شديدا مثل دلك الأديم، وعركت القوم في الحرب قاتلتهم. جثا يجثو جثوا وجثيّا: جلس على ركبتيه. الثّفنات: ما ولي الأرض من أعضاء البعير وغلظ؛ إذا برك على الرّكبتين والكركرة، ينبوع: ماؤها النابع. نفثاته: كلماته. عداك: تجاوزك. يوضح: يبيّن. رابها: شكّكها وأدخل عليها الرّيبة. أعرضت: صددت. قلّى: بغض. هوى: حبّ. النذر: أن ينذر الإنسان على نفسه شيئا يفعله، وقضى نحبه: استوفى غرضه، عدا: ظلم. صرفه: تصرّفه بالإنكاد، ابتزّنا: سلبنا، الدّرّة: اللؤلؤة، والذرّة: اللبن، ومال العرب الإبل، وعشهم من لبنها، فلهذا جنّس بالذّرّة مع الدرّة. جيدها: عنقها. عطل: خال الجزعة: خرز يماني، وهي التي فيها بياض وسواد. والشّذر: قطع من ذهب، يفصل بها بين الجواهر، وقيل: الجزع: خرز ملوّن، والشّذر: خرز أخضر، وقيل: الشّذرة: القطعة من الذهب تلتقط من المعدن من غير إذابة الحجارة. بني عذرة. قبيلة يغلب على قلوبهم حب النساء، فكلّ من أفرط في حبهن قيل له: عذريّ، فنسب إليهم. وسئل أعرابيّ، فقيل له: من أين أنت؟ فقال: من قبيلة إذا أحبّوا ماتوا، فسمعته جارية، فقالت: عذريّ وربّ الكعبة. قوله: نبا، أي ارتفع وزال خيره، الدّمى: النّساء المشبهات في بياضهن وصفائهن بصور الرّخام.، وكان العاشق من العرب إذا غلب عليه العاشق والهجر ذهب إلى الأمصار فاشترى صورة من رخام على صورة محبوبته، فإذا ركب بعيره أجلس الصّورة بين يديه يحدثها، ويستريح إليها، فسمّوا النساء دمى تشبيها بصور الرخام. عفّ: عفيف. البذر: ما يزرع في الأرض من الحبوب، وحرثه نكاحه، وأراد بالبذر ما يزرعه فيها من النّطفة هذره: هذيانه، وكلامه الفارغ. *** قال: فالتظت المرأة من مقاله، وانتضت الحجج لجداله وقالت له: ويلك يا مرقعان! يا من هو لا طعام ولا طعان؛ أتضيق بالولد ذرعا، ولكلّ أكولة مرعى؛ لقد ضلّ فهمك، وأخطأ سهمك، وسفهت نفسك، وشقيت بك عرسك.

стр. 1306

فقال لها القاضي: أمّا أنت فلو جادلت الخنساء، لانثنت عنك خرساء، وأمّا هو فإن كان صدق في زعمه، ودعوى عدمه، فله في همّ قبقبه، ما يشغله عن ذبذبه، فأطرقت تنظر ازورارا، ولا ترجع حوارا. حتى قلنا قد راجعها الخفر، أو حاق بها الظفر، فقال لها الشيخ: تعسا لك إن زخرفت، أو كتمت ما عرفت. فقالت: ويحك! وهل بعد المنافرة كتم، أو بقي لنا على سرّ ختم! وما فينا إلّا من صدق، وهتك صونه إذ نطق، فليتنا لاقينا البكم، ولم نلق الحكم، ثم التفعت بوشاحها، وتباكت لافتضاحها، وجعل القاضي يعجب من خطبهما ويعجّب، ويلوم لهما الدّهر ويؤنّب، ثم أحضر من الورق ألفين، وقال: أرضيا بهما الأجوفين، وعاصيا النازع بين الإلفين، فشكراه على حسن السّراح، وانطلقا وهما كالماء والراح. *** التظت: حقدت والتهبت غيظا، وانتضت: جرّدت: جداله: خصامه. مرقعان: كثير الرّقاعة، والرّقاعة كالحماقة، كأن عقله تخرّق فرقّع، وضقت بالشيء ذرعا، إذا لم تقدر عليه، ضلّ: تحير. عرسك: زوجك. جادلت: خاصمت. انثنت: رجعت. خرساء: بكماء. زعمه: ما ادّعاه. قوله: قبقبه، القبقب: البطن، والقبقبة: الصوت الّذي يدور فيه، فسمّي به. والذّبذب: الذّكر، وأصل الذّبذبة الاهتزاز والاضطراب، فسمي الذّبذب لحركته، ونظر عمر بن الخطاب ﵁ إلى شابّ، فقال: يا شابّ إن وقيت شرّ ثلاث، وقيت شرّ الشّباب: لقلقك، وذبذبك، وقبقبك، الأصمعيّ: اللقلق: اللسان، والقبقب البطن، والذبذب: الذكر. قوله: أطرقت، أي سكنت مميلة إلى الأرض رأسها حياء. ازورارا: ميلانا. والحوار: مراجعة الكلام. الخفر: الحياء. حاق: لحق، والظّفر هنا: غلبة حجّتها وظفرها به. تعسا: هلاكا، زخرفت هنا: زيّنت الباطل، المنافرة: المحاكمة. ختم: ربط، أي قد أظهرنا جميع أسرارنا، هتك: خرق. صونه: صيانته. لاقينا البكم، أي أصابنا البكم وخلقنا خرسا، فلم نبد ما أبديناه من القبائح، والبكم: الخرس مع عيّ. وقال ثعلب: البكم: أن يولد الإنسان لا ينطق ولا يسمع ولا يبصر، وبكم بكما وبكاما، والحكم: الحاكم. التفعت: التفّت. والوشاح: الثوب، وقد توشحت بثوبها، جعلته موضع وشاحها. لافتضاحها: لاشتهارها بالقبائح. خطبهما: أمرهما. يعجّب: يجعل غيره يعجب منه، يؤنّب: يوبّخ ويلوم. الورق: الدراهم. الأجوفين: البطن والفرج. النازع: الماشي بالشّر المفسد، ونزغ الشيطان بينهم ينزغ نزغا، أغوى وأفسد، والإلفين: الصاحبين، السّراح: الانصراف. والرّاح: الخمر، وهي سريعة الامتزاج مع الماء، فيضرب بهما المثل في امتزاج نفوس المتحابين.

стр. 1307

وقد جاء من ذلك في الشّعر ما يستحسن، قال ابن أبي فنن: أحسن ما قيل فيه قول العباس بن الأحنف: [البسيط] ما أنس ما أنس يمناها معطّفة ... على فؤادي ويسراها على راسي (١) وقولها: ليته ثوب على جسدي ... وليتني كنت سربالا لعباس أو ليته كان لي خمرا وكنت له ... من ماء مزن فكنا الدّهر في كاس قال الحاتمي: وأحسن دعبل كل الإحسان في قوله: [البسيط] الله يعلم والأيام دائرة ... والمرء ما بين إيحاش وإيناس (٢) أني أحبّك حبّا لو تضمّنه ... سلمى سميّك دكّ الشاهق الرّاسي حبّا تلبّس بالأحشاء وامتزجا ... تمازج الماء بالصّهباء في الكاس وقال البحتري فأحسن: [البسيط] تهتزّ مثل اهتزاز الغصن حرّكه ... مرور غيث من الوسميّ سحّاح (٣) إني وجدتك من قلبي بمنزلة ... هي المصافاة بين الماء والرّاح. *** وطفق القاضي بعد مسرحهما، وتنائى شبحهما، يثني على أدبهما. ويقول: هل من عارف بهما؟ فقال له عين أعوانه، وخالصة خلصانه: أما الشيخ فالسّروجيّ المشهود بفضلة، وأمّا المرأة فقعيدة رحله، وأمّا تحاكمهما فمكيدة من فعله، وأحبولة من حبائل ختله، فأحفظ القاضي ما سمع، وتلهب كيف خدع، ثم قال للواشي بها: قم فردّهما، ثم اقصدهما وصدهما، فنهض ينفض مذرويه، ثم عاد يضرب أصدريه، فقال له القاضي: أظهرنا على ما نبثت، ولا تخف عنّا ما استخبثت، فقال: وما زلت أستقري الطرق، وأستفتح الغلق، إلى أن أدركتهما مصحرين، وقد زمّا مطيّ البين، فرغّبتهما في العلل، وكلفت لهما بنيل الأمل، فأشرب قلب الشيخ أن ييأس، وقال: الفرار بقراب أكيس، وقالت هي: بل العود أحمد، والفروقة يكمد. *** قوله: طفق، أي جعل. مسرحهما: انصرافهما. تنائى شبحهما: بعد شخصهما، وعين الأعوان: مقدّمهم. والخلصان: الأحباب وخالصة: خيار، فكأنه خيار خيارهم. قعيدة رحله: زوجته وصاحبة بيته. مكيدة: مكر أحبولة: شبكة. ختله: خداعه. أحفظ:

стр. 1308

أغضب. تلهف: تندّم فصاح: يا لهفي! ردّهما: اطلبهما. مذرويه: أطراف أليتيه. والأصدران: عرقان في الصّدغين، وقيل: هما المنكبان، وقيل: العطفان، ويقال: أتى فلان ينفض مدرويه، إذا جاء غاضبا يتهدد، ويضرب أصدريه، إذا جاء فارغا بلا حاجة، فإذا قضى حاجته قيل: جاء ثانيا من عنانه، وقال الحسن البصريّ، ورأى الناس يوم عيد يضحكون، فقال: تلقى أحدهم أبيض بضّا يملخ في الباطل ملخا، ينفض مذرويه، ويضرب أصدريه، يقول: ها أنا ذا فاعرفوني، قد عرفناك، مقتك الله، ومقتك الصالحون. يملخ: يلجّ، وقيل ينثني ويتكسر. استخبثت: أصبته خبيثا، أستقري: أتتبع، الغلق: جمع غلقة. وهي المغالق التي تسدّ بها الطرق وغيرها، وباب غلق، أي مغلق. مصحرين: ذاهبين في الصحراء. زمّا: شدّا، والبين: الفراق. والعلل هنا: العطاء. كفلت: ضمنت، نيل الأمل: درك الحاجة. أشرب: دوخل وألقي في نفسه، والفرار بقراب أكيس، مثل، وقراب الشيء ما يقاربه وأراد الهروب باليسير والقريب أكيس من الرّجوع إلى الطمع، ويروى: الفرار بقراب، بكسر القاف، وهو مصدر بمعنى المقاربة، والمثل لجابر بن عمر المازني، وكان سائرا في الطريق ومعه أوفى بن مطر وشهاب بن قيس، فتراءى آثار رجلين معهما فرسان وبعيران وكان قائفا فقال: أرى آثار رجلين شديد كلبهما، عزيز سلبهما، والفرار بقراب أكيس، ثم مضى هاربا، والمعنى: فرارنا ونحن بقرب السّلامة خير لنا من أن نتورط في المكروه. والعود أحمد، أي أوفق وأحق أن يوجد محمودا، والعود أحمد مثل، أي الرجوع أحسن، وقال المرقش: [الطويل] وأحسن فيما كان بيني وبينه ... فإن عاد بالإحسان فالعود أحمد (١) وأنشد أبو الحسن لعمارة: [الطويل] بني دارم إن يفن عمري فقد مضى ... حياتي لكم مني ثناء مخلّد بدأتم فأحسنتم وأثنيت جاهدا ... وإن عدتم أحسنت والعود أحمد قوله: الفروقة، أي الفزّاع الكثير الفرق وهو الخوف، يكمد: يحزن حزنا لا يستطيع إمضاءه. تبيّن: علم. غرر: خطر. *** فلمّا تبيّن الشيخ سفه رأيها، وغرر اجترائها، أمسك ذلاذلها ثم أنشأ يقول لها: [الرجز] دونك نصحي فاقتفي سبله ... واغنى عن التفصيل بالجمله

стр. 1309

طيري متى نقرت عن نخلة ... وطلّقيها بتّة بتله وحاذري العود إليها ولو ... سبّلها ناطورها الأبله فخير ما للّص ألّا يرى ... ببقعة فيها له عمله *** سفه: خفة. والسفيه: الخفيف العقل. اجترائها: جسارتها وجرأتها. ذلاذلها: أطراف ثوبها، وذلاذل القميص: ما يلي الأرض من أسافله، الواحد ذلذل مثل قمقم وقماقم. دونك: معناه قاربك ما تطلب فتناوله. اقتفي: اتبعي. سبله: طرقه، نقّرت: أكلت ثمرتها بمنقارك، وهو مثل، ونقّرت أيضا: بحثت، والتّنقير: البحث عن الشيء، يقول: متى ما أخذت من ثمر نخلة بنصيب ففارقها ولا ترجع إليها، وفي حديث أبي سعيد قال النبي ﷺ : «خلقت النّخلة والرّمانة والعنب من فضل طينة آدم ﵇»، والبتّة البتلة: التي لا رجعة فيها، والبتّ: القطع، سبّلها: طرقها وأصله لا بن السبيل، الناطور: حارس النّخل خاصة، بطاء غير معجمة، وقيل: هو حافظ الكرم، والجمع النواطير. الأبله: الكثير الغفلة. اللّص: السارق. وعملة: سرقة وفعلة قبيحة. *** ثم قال لي: لقد عنّيت، فيما ولّيت، فارجع من حيث جئت، وقل لمرسلك إن شئت: [الطويل] رويدك لا تعقب جميلك بالأذى ... فتضحي وشمل المال والحمد منصدع ولا تتغضّب من تزيّد سائل ... فما هو في صوغ اللسان بمبتدع وإن تك قد ساءتك منّي خديعة ... فقبلك شيخ الأشعريّين قد خدع فقال له القاضي: قاتله الله! فما أحسن شجونه، وأملح فنونه! ثم إنه أصحب رائده بردين، وصرّة من العين، وقال له: سر سير من لا يرى الالتفات، إلى أن ترى الشيخ والفتاة، قبّل يديهما بهذا الحباء، وبيّن لهما انخداعي للأدباء. قال الرّاوي: فلم أر في الاغتراب، كهذا العجاب، ولا سمعت بمثله ممّن جال وجاب. *** عنّيت: تعبت. ولّيت: كلفت. رويدك: رفقك. أي أولنا منك الرّفق والمهل. لا تعقب: لا تتبع. الأذى: الضّرر، وشمل: جمع. منصدع: متفرّق. صوغ اللسان: كذبه وحيله، وفي الحديث «هذه كذبة صاغها الصوّاغ» (١)، أي اختلقها الكذّاب. مبتدع: أوّل

стр. 1310

فاعل. ساءتك: أحزنتك. شيخ الأشعريين، هو أبو موسى الأشعري صاحب رسول الله ﷺ ، واسمه عبد الله بن قيس، من ولد الأشعر بن أدد بن زيد بن يشجب بن يعرب بن كهلان بن سبأ، قدم مكة وأسلم بها، ثم هاجر إلى أرض الحبشة، ثم قدم مع جعفر بن أبي طالب إلى المدينة، والذي خدعه هو عمرو بن العاص في قصّة التحكيم بين عليّ ومعاوية ﵄، وهي قصّة مشهورة في كتاب العقد وفي كتاب المسعودي وغيرهما من كتب الأدب، وفيهما أشياء مناكير في حق الصحابة ﵃، فلذلك أضربنا عن ذكرها. رائده: طالبه أصحبه: جعله في صحبته. بردين: ثوبين: صرّة: خرقة تشدّ فيها الدراهم. العين: الذهب والفضة سير من لا يرى الالتفات، أي سيرا سريعا لا يلتفت معه إلى مهمّ. قوله: بلّ أيديهما، يقال: بللت به أبلّ إذا ظفرت به، وبلّك الله بابن، أي رزقكه، وفي الحديث: «بلّوا أرحامكم ولو بالسلام» (١)، أي صلوها، وبللت رحمي أبلها بللا وبلالا، إذا نديتها ووصلتها. الحباء: العطاء جال: تصرّف وقطع البلاد بالمشي.

стр. 1311

المقامة السّادسة والأربعون وهي الحلبيّة روى الحارث بن همام قال: نزع بي إلى حلب، شوق غلب، وطلب يا له من طلب! وكنت يومئذ خفيف الحاذ، حديث النفاذ، فأخذت أهبة السّير، وخفقت نحوها خفوق الطّير؛ ولم أزل مذ حللت ربوعها، وارتبعت ربيعها، أفاني الأيام، فيما يشفي الغرام، ويروى الأوام؛ إلى أن أقصر القلب عن ولوعه، واستطار غراب البين بعد وقوعه. *** نزع بي، أي شوّقني وحملني. [مدينة حلب] حلب: مدينة عظيمة بالشام وقنّسرين، خمس من أخماس الشام، ومدينته العظمى حلب وساحلها أنطاكية. وذكرها شيخنا ابن جبير فقال: حلب بلدة قدرها خطير، وذكرها في كلّ زمان يطير، خطابها من الملوك كثير؛ كانت في القديم ربوة فيما يقال، كان يأوي إليها إبراهيم الخليل ﵇ بغنمه، فيحلبها هناك ويتصدّق بلبنها، فسميت حلب، وبها مشهد كريم منسوب إليه، يتبرّك الناس بالصلاة فيه، ولها قلعة شهيرة الامتناع، بائنة الارتفاع، معدومة الشبه والنظير في القلاع، تنزهت حصانة أن ترام أو تستطاع، قاعدة كبيرة، ومائدة من الأرض مستديرة، منحوتة الأرجاء، موضوعة على نسبة اعتدال واستواء، فسبحان من أحكم تدبيرها وتقديرها، وأبدع كيف شاء تصويرها وتدويرها، ومن كمال جمالها الزائد على المشترط لحصانة القلع أنّ الماء بها نابع وقد صنع عليها جفان، والطعام يصير فيها الدهر كله، وليس من شروط الحصانة أهمّ من هاتين الخلّتين، ويطيف بجبلها سوران حصينان، يعترض دونهما خندق بالماء، فلا يكاد البصر يبلغ مدى عمقه، وسورها الأعلى مجلّل، كله أبراج منتظمة فيها العلالى المنيعة، وقد تفتحت كلّها طبقات، وكل برج منها مسكون، والبلد ضخم جدا، جميل الترتيب، أسواقه متصلة الانتظام، تخرج من سماط صفّة إلى سماط أخرى، وقيساريتها وجامعها ومدارسها ما سمع بمثل وصفها في بلد من بلاد الله تعالى؛ كل سوق من أسواقها مسقّف بالخشب، يقيد البصر حسنا ويستوقف المستوفز تعجبا. وقيساريتها حديقة بستان نظافة وجمالا،

стр. 1312

مطيفة بجامعها، وأكثر حوانيتها خزائن من الخشب البديع الصنعة، قد اتّصل السماط كله خزانة واحدة، وتخللتها شرف حسنة، بديعة النقش وتفتّحت كلها حوانيت، فجاءت في أجمل منظر، وكلّ سماط منها يتصل بباب من أبواب الجامع. ثم أخذ ابن جبير في وصف الجامع والمدارس والبيمارستان بأنواع من الأوصاف الحسان. *** قوله: يا له! معناه التّعجب كأنه قال: ما أعجبه من طلب: خفيف الحاذ، أي قليل العيال. وتقدّم الحاذ في السادسة. حثيث النفاذ: سريع المضيّ في أموره، ورجل نافذ ونفوذ ونفّاذ: ماض في جميع أموره. أهبة: عدّة. خففت: ارتحلت بسرعة. حللت ربوعها: نزلت في بيوتها. ارتبعت ربيعها: التمست خيرها. أفاني: أقاطع، وفني الشيء تم وانقطع. والغرام: عذاب الحب. والأوام: العطش. وأقصر: كف، وأقصرت عن الشيء: تركته، وأنت عليه قادر. ولوعه: مصدر ولع به إذا أحبه ولزمه. استطار، بمعنى انتشر. وقوعه: نزوله، وهم يتشاءمون بالغراب لأنه يؤذن عندهم بالفراق، وذلك أنهم لا يرون الغراب عند منازلهم إلّا إذا حطّوا بيوتهم للرحيل، ينزل يلتمس ما يتركون مما يلقط، ولذلك سمّوه غراب البين، واشتقوا من اسمه الغريب والغربة. *** فأغراني البال الخلو، والمرح الحلو؛ بأن أقصد حمص لأصطاف ببقعتها، وأسبر رقاعة أهل رقعتها؛ فأسرعت إليها إسراع النّجم؛ إذا انقضّ للرّجم، فحين خيّمت برسومها، ووجدت روح نسيمها، لمح طرفي شيخا قد أقبل هريره، وأدبر غريره، وعند عشرة صبيان، صنوان وغير صنوان، فطاوعت في قصده الحرص؛ لأخبر به أدباء حمص فبشّ بي حين وافيته، وحيّا بأحسن ممّا حيّيته، فجلست إليه لأبلو جنى نطقه، وأكتنه كنه حمقه، فما لبث أن أشار بعصيّته، إلى كبر أصيبيته، وقال له: أنشد الأبيات العواطل، واحذر أن تماطل، فجثا جثوة ليث، وأنشد من غير ريث. *** أغراني: حرضني وسلّطني. الخلو: الفارغ. المرح: النشاط وخفّة النفس من الطرب. [مدينة حمص] حمص مدينة عظيمة، بينها وبين دمشق مائة ميل، وأرض حمص خمس من أخماس الشام، وهي مدينة يقال إن لها سورا وفي وسطها حصنها، ولا تدخلها حيّة ولا عقرب، وأول من ابتدع الحساب أهلها، لأنهم كانوا تجّارا بإشبيلية وأحوازها، نزل أهل

стр. 1313

حمص عند افتتاح الأندلس، فلذلك سميت حمص، وأخذت من قولهم: حمص الجرح يحمص حموصا، وانحمص ينحمص انحماصا. إذا ذهب ورمه. قال اليعقوبي: مدينة حمص من أوسع مباني الشام، ولها نهر عظيم، منه يشرب أهلها، وافتتحها أبو عبيدة بن الجراح ﵁. وفي حديث عمر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليبعثنّ الله تعالى من مدينة بالشام يقال لها حمص سبعين ألفا يوم القيامة لا حساب عليهم». ودخلها شيخنا ابن جبير سنة ثمانين وخمسمائة وقال: هي فسيحة الساحة، مستطيلة المساحة، نزهة لعين مبصرها من النّظافة والملاحة، موضوعة في بسيط من الأرض، عريض مداه، لا يتخرّقه النسيم بمسراه، ويكاد البصر يقف دون منتهاه، وماؤها يجلب لها من نهرها العاصي، وهو منها بنحو ميل، ومنبعه في مغارة بسفح جبل بمرحلة منها، بموصل يقابل بعلبكّ، وأهل حمص موصوفون بالنجدة لمجاورتهم العدوّ، وأسوارها في غاية العتاقة والوثاقة، مرصوص بناؤها بالحجارة السود، وأما داخلها فما شئت من بادية شعثاء، خلقة الأرجاء لا إشراق لآفاقها، ولا رونق لأسواقها، وما ظنّك ببلد حصن الأكراد منه على أميال يسيرة. وتجد فيها عند اطّلاعك عليها بعض شبه من مدينة إشبيلية يقع للحين في نفسك حبّها، ولذلك سميت باسمها في القديم، ولهذا نزل إشبيلية بعض أعراب حمص. وقال الفنجديهي: بأهل حمص يضرب المثل في الحماقة، وكثرة الرقاعة، وتنسب إليهم حكايات مضحكة، حكي عن بعضهم أنه قال: دخلتها وفي فمي درهم لأشتري به بعض ما اشتهيه، فإذا برجل بباب الجامع جالس على كرسيّ، وعلى رأسه عمامة محنّك بها على قلنسوة، وقد لبس فروة مقلوبة بلا سراويل، وقد تقلّد بسيف، وفي حجره مصحف يقرأ فيه، وعنده كلب رابض يمسكه بمقوده، فسلّمت عليه، فردّ السلام، وقلت له: أترى القوم صلّوا؟ فقال لي: أو أنت أعمى! أما تراني قاعدا! قلت: من أنت؟ قال: أنا أبو خالد إمام الجامع، فقلت: ما هذه الحلية؟ قال: ورد رجل زنديق يقرأ السبع الطوال، ويشتم أبا بكر الصّناديقي وعمر القواريريّ وعثمان بن أبي سفيان ومعاوية بن أبي غسّان الذي هو من حملة العرش، وزوّجه النبي ابنته عائشة في زمن الحجّاج بن يوسف، فاستولدها الحسن والحسين، فقلت: ما أعرفك بالمقالة والأنساب! قال: وما خفي عنك أكثر، قلت: أتحفظ القرآن؟ قال: نعم، قلت: فاقرأ شيئا منه، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [يوسف: ٥]، فصفعته صفعة سقطت عمامته، وبقي التحنّك في عنقه، فصاح بالناس: قلنسوتي! وقال: احملوه إلى المحتسب، فأوصلوني إلى رجل حاسر حاف، قد لبس درّاعة بلا سراويل، فقال: ما

стр. 1314

صنع هذا؟ قالوا: صفع إمام الجامع، قال: يا مسكين، أهلكت نفسك، قلت: هذا حكم الله فصبرا عليه؟ قال: أيّما أحبّ إليك سمل عينيك، أو قطع يديك، أو تدفع نصف درهم؟ قال: فرفعت يدي وصفعت المحتسب صفعة، ثم أخرجت الدرهم من فمي وقلت: يا سيدي خذ نصف درهم لك، ونصف درهم لإمامك. وقال فيهم بعض الشعراء: [البسيط] لأنهم أهل حمص لا عقول لهم ... بهائم غير معدودين في النّاس ونزلها في القديم أهل اليمن، ولم يكن فيها من مصر إلا ثلاثة أبيات، وكان لهم إمام من مصر، فغضبوا عليه وعزلوه، فقال فيهم ديك الجن يهجوهم: [الكامل] سمعوا الصلاة على النبيّ توالى ... فتفرّقوا شيعا وقالوا: لا، لا (١) ثم استمرّ على الصّلاة إمامهم ... فتحزّبوا ورمى الرّجال رجالا يا أهل حمص توقّعوا من عارها ... خزيا يحلّ عليكم ووبالا شاهت وجوهكم وجوها طالما ... رغمت معاطسها وساءت حالا *** قوله: أصطاف، أي أسكن في الصّيف. وأسبر: وأختبر، والرّقاعة تجاوز الحدّ في الوقاحة وصلابة الوجه. والبقعة: القطعة من الأرض، وكذلك الرقعة. وانقضّ النجم للرجم، إذا استطار لرجم الشياطين، وأراد أنه أسرع إليها بسرعة الخيل كسرعة النجم المنقضّ، قال خلف الأحمر: [الكامل] كالكوكب الدّريّ مبتهلا ... سيرا يفوت الطرف أسرعه وكأنما جهدت أليّته ... ألّا تمس الأرض أربعة وقال ابن الرومي: [البسيط] خذها تبوعا لمن أولى مسوّمة ... كأنها كوكب في إثر عفريت (٢) وما أحسن قول ابن المعتز في هذا المعنى: كأنما النجم والعفريت مسترقا ... للسمع ينقضّ يلقي خلفه لهبه كفارس حلّ من عجب عمامته ... فردّها كلّها من خلفه عذبه قوله: خيّمت أي أقمت، وأصله ضربت خيمة. رسومها: آثارها. روح نسيمها: لذة ريحها: لمح طرفي: أبصرت عيني. هريره: صياحه، وقد هرّ الكلب هريرا، إذا نبح

стр. 1315

وحمل على من أنكره، وغريره: شبابه، والغرّة: صغر السن، ومعناه أقبل شرّه وسوء خلقه، وأدبر صباه وحسن خلقه، ولما كانت خليقته في هذه المقامة منبسطة مع صبيانه صار هذا التفسير فيه بعد. وقال بعضهم: أقبل هريره، أقبل هرمه ويبسه، من هرّ الشوك إذا اشتدّ يبسه حتى صار كأنياب الهرّ، وهذا يوافق الغرض، فمعناه أقبل هرمه وكبره وأدبر صباه وصغره، ومثله كالبت الإبل شجر الشّوك، إذا رعته كأنها رعت فيه أنياب الكلاب لصعوبته، والغرير أيضا: الضامن، ويكنى به هنا عن الشباب كأنه ضمن لصاحبه طول الحياة المفقود معناها في الهرم. والصّنو: الأخ الشقيق، وأصل الصّنو في النخيل والشجر، وهي التي تجتمع أصولها وتفترق أجسادها، الحرص: الرغبة والطمع. أخبر: أجرّب. بشّ: استبشر. والبشاشة إظهار السرور وبسط الوجه. وافيته، اتيته. جنى نطقه: ما يجني من كلامه ويحصل منه. أكتنه: أتعرّف وأتحقّق. كنه قدر وحقيقة، ابن الأنباريّ: الحمق عند العرب الخمر، ثم أخذ منه الأحمق وهو المتغيّر العقل. [المعلمون ونوادرهم] فممّا يحكى من حماقتهم: كان حمزة المعلم متقلنسا فأشد فيه أبو جعفر الحاكم: [البسيط] أرى على حمزة المقري قلنسوة ... عساكر القمل تجري في حواشيها إن المعلّم لا تخفى حماقته ... ولو تقلنس بالدّنيا وما فيها تقلنس: لبس القلنسوة. الجاحظ: عقل مائة معلّم عقل امرأة، وعقل مائة امرأة عقل حائك، وعقل مائة حائك عقل خصيّ وعقل مائة خصي عقل صبيّ، قال الشاعر: [الطويل] معلّم صبيان وصاحب درّه ... وليس له عقل بمقدار ذرّه الفنجديهي: قال أبو طاهر: عقل امرأتين كاملتين عقل رجل، وعقل أربعة خصيان عقل امرأة، وعقل أربعين حائكا عقل خصيّ، وعقل أربعين معلما عقل حائك. الزبير بن عبد الملك الهاشميّ قال: مررت ببعض المعلّمين ويعرف بكسرى، فرأيته يصلّي بالصبيان صلاة العصر، فلم أزل واقفا أفكّر فيه، فلما أن ركع أدخل رأسه بين رجليه، لينظر ما يصنع الصبيان خلفه، فرأى صبيّا يلعب فقال له وهو راكع: يا بن البقال؛ هو ذا؟ أتدري ما تصنع! . الجاحظ: مررت بمعلم وقد كتب على لوح صبي: «وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه، يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [يوسف ٥]، فقلت: ويحك! أتدخل سورة في سورة؟ فقال:

стр. 1316

نعم عافاك الله، إن أبا العاضّ بظر أمه يدخل أجرة شهر في شهر، وأنا أيضا أدخل آية في آية، فلا أنا آخذ شيئا ولا الصبيّ يتعلم شيئا. أبو بكر القبطيّ: عبرت على معلم وهو يملي على غلام بين يديه: «فريق في الجنة وفريق في السعيد»، فقلت: يا هذا ما قال الله من هذا شيئا إنما هو في السعير، فقال: أنت تقرأ على حرف أبي عاصم بن العلاء الكسائي، وأنا أقرأ على حرف أبي حمزة بن عاصم المدني فقلت: معرفتك بالقراء أعجب إليّ؛ وانصرفت وروى بعض الفضلاء قال: مررت في بعض قرى السّواد، وإذا معلم صبيان يقول: ويحكم يا صبيان، تفسون! فصاح به واحد منهم، وقال: إنّما فسا أخي، فقال المعلم: أني لأعلم فسوته الخبيثة، ولكن أعلّل نفسي بالأباطيل، ثم قال: أني لأعرف فساءكم كما أعرف أصواتكم، وحلف على ذلك ثم أنشد: [الطويل] معلم صبيان يروح ويغتدي ... على أنفه ألوان ريح فسائهم وقد أفسدوا منه الدّماغ بفسوهم ... ورفعهم أصواتهم في سحائهم الجاحظ: كان في المدينة رجل معلّم صبيان، يفرط في ضربهم، فلاموه على ذلك، فساءني حاله معهم، فاستفتح صبيّ، وقال: يا معلم، وإنّ عليك اللعنة إلى يوم الدين ما بعده؟ فقال: بل عليك وعلى والديك لعائن الله تترى. وجاء آخر فقال: يا معلم، اخرج منها فإنك رجيم، ما بعده؟ قال: ذاك أبوك الكشخان، وجاء آخر، فقال: يا معلّم ما لنا في بناتك من حقّ، ما بعده؟ فقال: لا ولا رأيتهنّ، فقال: على هذا أضربهم، أتعذرونني؟ قلت: نعم. العتبي: كان ببغداد معلّم يشتم الصبيان فأخذت بيد المشايخ فدخلنا عليه، فقلنا: يا شيخ ما يحلّ لك أن تشتم هؤلاء الصبيان؟ فقال: أنا مبتلى بهم، ما أشتم إلا من يستحقّ الشتم، فاحضروا حتى تسمعوا بعض ما أنا فيه، فحضرنا معه، فقرأ عليه صبيّ: «عليها ملائكة غلاظ شداد يعصون الله ما أمرهم ولا يفعلون ما يؤمرون»، فقال: يا ماصّ بظر أمه، فليس هؤلاء ملائكة ولا أعراب ولا أكراد شهرزور، قال: فضحكنا والله حتى بال أحدنا في سراويله، فقرأ عليه آخر: «لا تنفقوا إلّا من عند رسول الله»، وتردّد فقال: من عند أبيك القرنان أولى، فإنه أكثر مالا يا بن الفاعلة. أتلزم النبي ﷺ نفقة لا تجب عليه؟ أأعجبك كثير ماله؟ فقال: فكنت بعد ذلك أترك أشغالي، وأجلس عنده أتعجّب. الجاحظ: سرق صبي عثمانيّ مصحفا، فقال له المعلم: ماذا لقيت المصاحف منكم يا آل عثمان! أبوك أحرقها وأنت تسرقها! . قال أفلح التركي: خرجنا مرّة إلى حرب لنا، ومعنا معلم كان يقول: أنا أتمنى أن أرى الحرب كيف هي؟ فأخرجناه معنا، فأوّل سهم جاء وقع في رأسه، فلما انصرفنا دعونا له معالجا فنظر إليه، وقال: إن خرج الزّج وفيه شيء من دماغه مات، وإن لم

стр. 1317

يخرج عليه شيء من دماغه لم يكن عليه بأس، فسبق إليه المعلم فقبّل رأسه، وقال: بشرك الله بخير، أنزعه فما في رأسي دماغ، فقال الطبيب: كيف ذلك؟ قال لأني معلّم كتاب الله تعالى، وما في رءوس المعلمين ذرّة من دماغ، ولو كان فيه ذرّة من دماغ ما كنت هاهنا. وقال موسى بن حسّان الكاتب: رأيت بالبصرة معلّما قد أجلس أولاد الأغنياء للظلّ وأولاد المساكين للشمس، وهو يقول لأولاد الأغنياء: يا أهل الجنة، ابزقوا على أهل النار- يعني أولاد المساكين- فقلت: يا هذا، ما بال هؤلاء يبخسون؟ فقال: هؤلاء يبخسون الأخطار. أحمد بن دليل: مررت بمعلّم يضرب صبيا، ويقول: والله لأضربنّك حتى تقول لي: من حفر البحر؟ فقلت: أعزّك الله، والله لا أدري أنا من حفر البحر، فقل لي حتى أتعلّم أنا، فقال: حفر البحر كردم أبو آدم ﵇. أبو العنبس: كان في دربنا معلّم طويل اللحية، فكنت أجلس إليه كثيرا وأتلهّى به، فجئته يوما وبين يديه صبيّ يقول له: ويلك! الدجلة من حفرها! قال: عيسى ابن مريم، قال: فالجبل من خلقه؟ قال: موسى بن عمران قال: فالبعر، من دوّره في است الجمل، قال: شيطان يقال له الحيّ، قال: أحسنت، فآدم من أبوه قال: بخ بخ، نجوت والله! فقلت: يا سبحان الله أليس آدم أبا البشر. قال: نعم. قلت: فكيف يكون نوح أباه! قال: ويلك أتعرّفني بآدم وأنا أبو عبد الله المعلم، يا صبيان كرفسوه فكرفسوني، حتى صيّروني مقيدا، فحلفت ألّا أقف على معلم أبدا. الجاحظ: أتت امرأة إلى معلّم بابن لها، وكان المعلّم طويل للحية، فقالت: إن هذا الصبي عاقّ لا يطيعني فأحب أن تفزّعه، فأخذ المعلم لحيته وألقاها في فمه وحرّك رأسه، وصاح صيحة، فضرطت المرأة من الفزع، وقالت: إنما قلت لك: فزّع الصبي، ليس إياي، فقال: لها: مرّي يا حمقاء إن العذاب إذا نزل هلك الصّالح والطالح. الأصمعي: مررت بمعلّم بالبصرة يضرب صبيا، ثم أقام الصبيان صفا وجعل يدور عليهم، ويقول: اقرءوا، فلما بلغ الصبيّ المضروب قال لآخر إلى جنبه: قل له: يقرأ فإني لا أكلمه! . [الأدباء والمؤدبون] ونذكر هنا في التأديب والأدباء ما يكون من شكل هذا الموضع، ثم نتبع عند ذكر الغلمان الحسان من الأشعار ما يجري كالبيان والتفسير لأحوالهم بعون الله تعالى. قالت الحكماء: من أدّب ولده صغيرا سرّ به كبيرا، ومن أدّب ولده أرغم حاسده. وقال ابن عباس من لم يجلس في الصغر حيث يكره لم يجلس في الكبر حيث يحبّ. وقالوا: أطبع الطّين ما كان رطبا، وأغرز العود ما دام لدنا وقال رسول الله ﷺ :

стр. 1318

«مثل الذي يتعلم في صغره كالنقش على الصخر، والذي يتعلم في كبره كالذي يكتب على الماء». وسمع الأحنف: التعلم في الصغر كالنقش على الحجر، فقال: الكبير أكبر عقلا، ولكنه أشغل قلبا. وقال عليّ رضي الله تعالى عنه: قلب الحدث كالأرض الخالية إذا ألقي فيها شيء قبلته. وقالوا: نشاط الألباب في عصر الشباب، والسؤدد مع السواد، وشواظ النار قبل الرّماد. وقال الشاعر: [البسيط] إنّ الغصون إذا قوّمتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قوّمتها الخشب وقال آخر: [الكامل] إنّ الكبير إذا تناهى سنّه ... أعيت رياضته على الرّوّاض فإذا دفعت إلى الصغير فإنما ... تكفيك منه إشارة الإيماض وقال آخر: [الكامل] * ومن العناء رياضة الهرم* وأنشدوا: [البسيط] * أبعد شيبك هذا تبتغي الأدبا* وقال الشاعر في تدريج الصبي برفق: [السريع] سدّد مرامي الطفل في شأنه ... بلفظة تشدد بها أزره واغتنم اللمحة من فهمه ... إن المبادي أبدا نزره كما تربّى النار من شعلة ... والدّوحة الغناء من بذره وهذا ضدّ ما قال المعري: [البسيط] لا يستوي ابناك في خلق ولا خلق ... إن الحديدة أمّ السّيف والجلم فاضرب وليدك وأدلله على رشد ... ولا تقل هو طفل غير محتلم فربّ شق برأس جرّ منفعة ... وقسى على نفع شق الرأس بالقلم أشار إلى قوله تعالى: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ [مريم: ١٢]. وقال صالح بن عبد القدوس: [السريع] وإنّ من أدّبته في الصّبا ... كالعود يسقى الماء من غرسه

стр. 1319

حتى تراه مورقا ناضرا ... بعد الذي أبصرت من يبسه والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه إذا ارعوى عاوده جهله ... كذي الضنى عاد إلى نكسه ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه وقال عتبة بن أبي سفيان لمعلم ولده: ليكن أوّل إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإن عيوبهم معقودة بعيبك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت، علّمهم كتاب الله ولا تمهلهم فيه فيتركوه، ولا تتركهم فيه فيهجروه، وروّهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفّه، ولا تنقلهم من علم إلى آخر حتى يحكموه، فإنّ ازدحام الكلام في السّمع مشغلة في الفهم، وعلّمهم سير الحكماء، وأخلاق الأدباء، وهددهم في أدبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدّواء قبل معرفة الداء، وجنبهم محادثة النساء، واستزدني بزيادتك إيّاهم ازدك في برّي، وإيّاك أن تتّكل على عذر منّي، فقد اتّكلت على كفاية منك لي. وأوصى الرّشيد مؤدب ولده الأمين، فقال: إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه، وثمرة قلبه، فصيّر يدك عليه مبسوطة، وطاعتك عليه واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين، أقرئه القرآن، وعرفه الآثار، وروّه الأشعار، وعلمه السنن، وبصّره مواقع الكلام، وامنعه الضحك إلا في أوقاته، ولا تمرر بك ساعة إلّا وأنت مغتنم فيها فائدة تفيدها له من غير أن تخرق به فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته، فيستحلي الفراغ ويألفه، وقوّمه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة، وبالله توفيقكما. وقال للأصمعيّ: يا عبد الملك، أنت أعلم منّا، ونحن أعقل منك، لا تعلّمنا في ملا، ولا تسرع بتذكيرنا في خلا، واتركنا حتى نبتدئك بالسؤال؛ فإذابلغت الجواب حسب الاستحقاق، فلا تزد إلّا أن نستدعي ذلك منك. الماوردي: إذا كان لبعض الملوك رغبة في العلم، فلا تجعل ذلك ذريعة للانبساط عليه والإدلال، وكتب شريح إلى معلم ولده: [الكامل] ترك العلاة لأكلب يسعى بها ... يبغي الهراش مع الغواة الرّجس فإذا هممت بضربه فبدرّة ... وإذا بلغت به ثلاثا فاحبس وإذا أتاك فعضّه بملامة ... وعظنه موعظة الأديب الأكيس واعلم بأنّك ما أتيت فنفسه ... مع ما يجرّعني أعزّ الأنفس اتصل حمّاد عجرد بالربيع يعلم ولده، فكتب إليه بشار: [مجزوء الخفيف] يا أبا الفضل لا تنم ... وقع الذئب في الغنم

стр. 1320

إنّ حماد عجرد ... إن رأى غفلة هجم بين فخذيه حربة ... في غلاف من الأدم إن خلا البيت ساعة ... تجمّع الميم بالقلم فطرده الربيع. واتخذ المهديّ قطربا لتأديب بعض ولده، وكان حماد يطمع في ذلك، فلم يتم له لتهتّكه وشهرته في الناس بما قال بشار، فلما تمكن قطرب من موضعه، صار حماد كالملغى، فجعل يقوم ويقعد قلقا، ثم دسّ إلى المهدي رقعة فيها: [البسيط] قل للإمام جزاك الله صالحة ... لا تجمع الدهر بين السّخل والذّئب السخل غرّ وهمّ الذئب فرصته ... والذئب يعلم ما في السّخل من طيب فقال المهديّ: انظروا لا يكون هذا المؤدب لوطيا، ثم أخرجوه من الدار، فبعث الضجر حمادا حيث حرمه بشّار هذه المراتب إلى أن قال فيه: [الطويل] لقد صار بشار بصيرا بدبره ... وناظره بين الأنام ضرير له مقلة عمياء واست بصيرة ... إلى الأير من تحت الثياب تشير على ودّه أن الحمير تنيكه ... وأنّ جميع العالمين حمير وقال فيه: [الهزج] ألا من مبلغ عنى ال ... ذي والده برد إذا ما ذكر الناس ... فلا قبل ولا بعد وأعمى يشبه القرد ... إذا ما عمي القرد قال فيه: [الطويل] دعيت إلى برد وأنت لغيره ... وهبك ابن برد نكت أمّك من برد وكان عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدّب الوليد لوطيّا زنديقا، وكان سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت جميل الوجه شاعرا، فدخل على عبد الصمد فراوده في نفسه فسبّه، وخرج مغضبا، فدخل على هشام بن عبد الملك، وهو يقول: [الرمل] إنّه والله لولا أنت لم ... ينج مني سالما عبد الصّمد فقال هشام: ولم؟ قال: [الرمل] إنه قد رام مني خطّة ... لم يرمها قبله مني أحد قال: وما هي؟ قال: [الرمل] رام جهلا بي وجهلا بأبي ... يدخل الأفعى إلى غيل الأسد

стр. 1321

فضحك هشام، وقال: لو فعلت به شيئا لم أنكر عليك. وكان سعيد يومئذ صغيرا في المكتب ومؤدّبه عبد الصمد هذا، فلما راوده عن نفسه شكاه إلى هشام وأبدع في الكناية، ورقّق هذا المنكر الأكبر بلفظ يقابل به خليفة، وغاية ذوي الحنكة من الخطباء محاكاة براعته واستعارته، وليس ببدع، فهو من بيت ثلاثة شعراء في نسق، وكان هذا الشعر سبب إبعاد عبد الصمد من تأديب أولاد الخلفاء. قوله: ما لبث، أي ما أقام ولا تأخّر. كبر أصيبيته، أي أكبرهم، وكبر ولد الرجل أكبرهم من الذّكور، وكبر قومه: أقعدهم في النّسب، أي أقربهم إلى الجدّ الأكبر، ومنه قيل: الولاء للكبر. أصيبية تصغير أصبية. قال الجوهري: الصبيّ: الغلام، وجمعه صبية وصبيان وهو من الواو، ولمّا لم يقولوا: أصبية ولا أغلمة استغنوا عنهما بصبية وغلمة، وجاء في الشعر أصيبية. وقال سيبويه: تصغير صبية أصيبية، وتصغير أصبية صبية وكلاهما على غير قياس. ابن سيده: عندي أن صبية تصغير صبيّة وأصيبية تصغير أصبية، ليكون كل شيء منهما على بناء مكبره. العواطل: التي لا نقط فيها. تماطل: تؤخر إنشادها. جثا: برك. ليث: أسد. ريث: بطء وتأخير. *** [السريع] أعدد لحسّادك حدّ السّلاح ... وأورد الآمل ورد السّماح وصارم اللهو ووصل المها ... وأعمل الكوم وسمر الرّماح واسع لإدراك محلّ سما ... عماده لا لادّراع المراح والله ما السؤدد حسو الطّلا ... ولا مراد الحمد رؤد رداح واها لحرّ واسع صدره ... وهمّه ما سرّ أهل الصّلاح مورده حلو لسؤّاله ... وما له ما سألوه مطاح ما أسمع الآمل ردا ولا ... ما طله والمطل لؤم صراح ولا أطاع اللهو لمّا دعا ... ولا كسا راحا له كأس راح سوّده إصلاحه سرّه ... وردعه أهواءه والطّماح وحصّل المدح له علمه ... ما مهر العور مهور الصّحاح *** أورد الآمل، أي أعط الراجي. ورد السماح: ماء الكرم. صارم: قاطع. المها:

стр. 1322

جمع مهاة وهي البقرة الوحشية، وأراد النساء. الكوم: جمع كوماء، وهي الناقة العظيمة السنام. اسع: اجر مسرعا. محلّ سما: منزل ارتفع. والعماد: قائمة الخباء وإذا علت علا البيت. ادّراع: لبس الدّروع. والمراح: الطرب والنشاط، كأنه يقول: لا تشتغل باللهو واشتغل بكسب الشرف. حسو الطّلا: شرب الخمر. السّودد: الفعل الذي يرجع به فاعله سيّدا. مراد، بفتح الميم: مذهب وطريق، وأصله موضع اختلاف الإبل مقبلة ومدبرة وهو المرعى. رود: جارية ناعمة شابة. والرّداح: العظيمة العجز، وهو كما قال أبو نواس: [الوافر] لئن خلق الأنام لحب كأس ... ومزمار وطنبور وعود فلم يخلق بنو حمدان إلّا ... لبأس أو لمجد أو لجود واها: عجبا. ما: بمعنى الذي. مطاح: هالك بالعطاء. صراح: ظاهر. راحا: كفّا. راح الثاني: خمر. سؤدده: شرفه، وجعله سيّدا. سرّه: باطنه. ردعه: كفه. أهواءه: شهواته. والطماح: ارتفاع النظر. العور: جمع عوراء وهي الفاقدة إحدى عينيها. مهور: جمع مهر، وهو الصداق، وأعمل علمه فيما بعده من الكلام، وضرب العور والصحاح مثلا للأفعال الجميلة والذميمة، فأراد أن تمييزه بين الأشياء المتضادة وعلمه أن مهر القبيحة العوراء لا يبلغ مهرالمليحة الحسناء، جعل ممدوحا سيدا. ومثل هذا الشعر الذي لم ينقط ما أنشد أبو القاسم الزجاجي لأحمد بن الورد: علم العدوّ ملامة اللوّام ... ودوام صدّك وهو صدّ حمام لولاك ما حدر السهاد دموعه ... ولما أطار كراه حرّ أوام هل ما أسرّ وما أؤمّل رادع ... هول الهموم وروعة الأحلام ردّ السلام وما أراك مسلّما ... ورآك أهل هواك سرّ كلام كم حاسد لك أو مسرّ وداده ... ومعلّل أهواه طول ملامي وهي قصيدة نحو الثمانين بيتا وما زال المحدثون يظهرون اقتدارهم في هذا الفن، إلّا أنه قلّما يقع في ذلك بيت مستحسن، فلذلك تركنا أن نمشي مع أشعار هذه المقامة فيما يماثلها، وقد أكثر الناس القول في ذلك، وفائدته أن يقال: قدر على لزوم ما لا يلزم لا أن يقال: قد أحسن فيما قال، وقد أنشد أبو القاسم أيضا، أبياتا لا تنطبق عليها الشفاه، منها: [الطويل] أتيناك يا جزل العطية إننا ... رأيناك أهلا للعطايا الجزائل عقيل النّدى يا حار عدنا عقيلة ... نعدك انتجاعا للحسان العقائل *** فقال له: أحسنت يا بدير، يا رأس الدّير، ثمّ قال لتلوه، المشتبه بصنوه: ادن

стр. 1323

يا نويرة، يا قمر الدّويرة، فدنا ولم يتباطا، حتّى حلّ منه مقعد المعاطى، فقال له: اجل الأبيات العرائس، وإن لم يكن نفائس، فبرى القلم وقط، ثمّ احتجر اللوح وخطّ: [الخفيف] فتنتني فجنّنتني تجنّي ... بتجنّ يفتن غبّ تجنّي شغفتني بجفن ظبي غضيض ... غنج يقتضي تغيّض جفني غشيتني بزينتين فشفّت ... ني بزيّ يشفّ بين تثنّي فتظنّيت تجتبي فتجز ... ني بنفث يشفي فخيّب ظنّي ثبّتت فيّ غشّ جيب بتزيي ... ن خبيث يبغي تشفّي ضغن فزت في تجنّبي فثنتني ... بنشيج يشجي بفنّ فننّ *** قوله: أحسنت يا بدير: تصغير بدر، صغّره لصغر سنه، على أنه قد زعم أنه كبير صبيانه. وفي مثل هذا البدر الذي قد نثر هذه الدرر قال الشاعر: درّان من فمه شفّا محدّثه ... للنّثر والنّظم مسموع وملتثم قد قلت لو قبل الوعظ المبين له ... خف المهيمين فينا إننا نسم فقال من ضرّجت خدي نظرته ... فإن سيف جفوني منه ينتقم يا رأس الدير: يا عظيم القوم، والدير، موضع القسّيسين، أراد به حلقة أصحابه. تلوه: التابع له، أو الجالس إلى جانبه. صنوه: أخوه الّذي على قدر سنّه. ادن: اقرب. نويرة: تصغير نار، شبّه في حدته وذكائه بها، أو في حسنه وبهائه. والدويرة: تصغير دارة، وهي حلقتهم التي اجتمعوا فيها، فكأنه قال: يا قمرا في أصحابه. [الغلمان والكتاب] ومما قيل في غلام كاتب: سأل الثعالبيّ أبا الفضل الدارميّ أن يصف له غلاما كاتبا حسن الخطّين: خطّي اليد والوجه، فقال: [السريع] وكاتب أهديت نفسي له ... فهي من السّوء فدى نفسه سلّط خدّيه على مهجتي ... فاستأصلاها وهي من غرسه فلست أدري بعد ما حلّ بي ... بمسكه أتلف أم نفسه وقال في ذلك: [السريع] وشادن أسرف في صدّه ... وزاد في التيه على عبده

стр. 1324

الحسن قد بثّ على خدّه ... بنفسجا يربو على ورده رأيته يكتب في طرسه ... خطّا يباري الدّرّ في عقده فخلت ما قد خطّه كفّه ... للحسن قد خطّ على خدّه ولابن رشيق: [المتقارب] كتبت ولو أنني أستطيع ... لإجلال قدرك دون البشر قددت البراعة من أنملي ... وكان المداد سواد البصر وله أيضا: [الطويل] عزيز يباري الصّبح إشراق خدّه ... وفي مفرق الظّلماء منه نسيب يزفّ إليه ضاحكا أقحوانه ... ويهتزّ في برديه منه قضيب ولابن المعتز في العذار المشبه بالحروف: [الوافر] بليت بشادن كالبدر حسنا ... يعذّبني بأنواع الدّلال غلالة خدّه ورد جنيّ ... ونون الصّدغ معجمة بخال وله أيضا: [البسيط] كأن خطّ عذار فوق وجنته ... ميدان آس على ورد ونسرين وخطّ فوق حباب الدّر شاربه ... بنصف صاد ودار الصّدغ بالنون وله أيضا: [الطويل] له من عيون الوحش عين مريضة ... ومن خضرة البستان خضرة شارب كأن غلاما حاذقا خطّه له ... فجاء كنصف الصّاد من خط كاتب وقال آخر: [البسيط] تعلّم العطف من صدغيه فانعطفا ... وكان عادته ألّا يفي فوفى دبّ العذار على ميدان صفحته ... حتى إذا همّ أن يسعى به وقفا كأنه كاتب عزّ المداد به ... أراد يكتب لا ما فابتدى ألفا وقال أبو القاسم بن المغربي: [الطويل] ولمّا احتوى بدر الدّجى صحن خدّه ... تحيّر حتى ما درى أين يذهب كأن انعطاف الصّدغ لام أمالها ... أديب يجيد الخطّ أيّان يكتب فهذه الأشعار المستعذبة الّتي بها تعلّق بالغلمان الذين يذكر أنهم كتّاب من جهة حسنهم واعتدال قدودهم وتوريد خدودهم، وتطريزها بالعذار أحسن من ذكر شعر لزوميّ ليس فيه شيء من الأنس للنفس.

стр. 1325

قوله تباطا: أي تأخر وأصله الهمز. المعاطى: الّذي تعطيه كأس الخمر ويعطيها لك، وقد عاطيته وعاطاني وقد تعاطى فلان كذا، أي تناوله وأخذه، من قولهم: عطوت أعطو عطوا، أي تناولت. العرائس: جمع عروس، وسمّاها عرائس لما فيها من التزيين بالنقط، وكانت زينة العروس عند العرب أن تنقط في خديها نقط صغار بالزعفران، فلذلك سمّى هذه عرائس لنقطها، وسمّى التي قبلها عواطل لعدم نقطها. نفائس: جمع نفيس، وهو الرفيع القدر، يريد أنه لما لزمها ما لم يلزم ضعفت، وقد ذكرنا أن الغرض بمثل هذه الأشعار إظهار الاقتدار، وعلى ما ذكر أنها غير نفائس فهي أحسن مما عمل في بابها، وما أحسن ما قال ديك الجن في جاريته: [الكامل] انظر إلى شمس القصور وبدرها ... وإلى خزاماها ونفحة زهرها (١) لم تبل عينك أبيضا في أسود ... جمع الجمال كوجهها في شعرها وردية الوجنات يختبر اسمها ... من ريقها من لا يحيط بخبرها وتمايلت فضحكت من أردافها ... عجبا ولكني بكيت لخصرها تسقيك كأس مدامة من كفّها ... وردية ومدامة من ثغرها ولابن الزّقاق: [الطويل] تضوّعن إشراقا وأشرقن أوجها ... فهن منيرات الصّباح بواسم (٢) لئن كنّ زهرا فالجوانح أبرج ... وإن كن زهرا فالقلوب كمائم قوله: قط: قطع، وقيل: القطّ القطع عرضا، والقدّ: القطع طولا. احتجر: جعله في حجره. خط: كتب. فتنتني، أي عذبت قلبي. جنّنتني: أي صيرتني مجنونا. تجني: اسم امرأة، والتجنّي الدلال والتيه. وللبحتريّ: [الوافر] إذا خطرت تأرّج جانباها ... كما خطرت على الأرض القبول (٣) ويحسن دلّها والموت فيه ... وقد يستحسن السّيف الصّقيل شغفتني: بلغ حبّها شغاف قلبي، والشّغاف حجاب القلب. ظبي: غزال. غضيض: منكسر الطرف فاتر العينين. والغنج: تكسير الكلام وتخنيثه وهو المجانة. يقتضي: يتضمن. تغيّض جفني: سيلان عيني. ومما قيل في مرض العينين وحسن فيه التشبيه قول البحتريّ: [الطويل]

стр. 1326

غداة تثنّت للوداع وسلّمت ... بعينين موصول بجفنيهما السّحر (١) توهّمتها ألوي بأجفانها الكرى ... كرى النّوم، أو مالت بأعطافها الخمر وقال ذو الرّمة: [الطويل] لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر (٢) وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر وقد تقدّم جملة من هذا. غشيتني: أتتني على غفلة. شفّتني: أنحلت جسمي. والزّي: الهيئة الحسنة من اللباس. يشفّ: يفضل. تثنّ: اهتزاز وانعطاف. تظنّيت: حسبت. تجتبيني: تختارني. بنفث: بلفظ وكلام. والجيب: القلب. يبغي: يطلب. تشفّي ضغني: إزالة عداوتي. نزت: وثبت. تجنّبي: بعدي. ثنتني: ردّتني. نشيج: صوت البكاء. يشجي: يحزن. بفنّ ففنّ: بنوع فنوع. *** فلمّا نظر الشيخ إلى ما حبّره، وتصفّح ما زبره، قال له: بورك فيك من طلا، كما بورك في لا ولا. ثم هتف: اقرب، يا قطرب، فاقترب منه فتى يحكي نجم دجية، أو تمثال دمية، فقال له: ارقم الأبيات الأخياف، وتجنّب الخلاف، فأخذ القلم، ورقم: [مخلع البسيط] اسمح فبثّ السّماح زين ... ولا تخب آملا تضيّف ولا تجز ردّ ذي سؤال ... فنّن أم في السؤال خفّف ولا تظنّ الدّهور تبقي ... مال ضنين ولو تقشّف واحلم فجفن الكرام يغضي ... وصدرهم في العطاء نفنف ولا تخن عهد ذي وداد ... ثبت ولا تبغ ما تزيّف حبّره: زينه. زبره: كتبه. طلا: غزال. لا ولا، يعني الزيتون، ومن كلام العامة، بورك فيك كما بورك في الزّيت، وأراد بلا ولا قوله تعالى: يُوقَدُ مِنْ شجرة مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ [النور: ٣٥]، فأخذ من الآية لا ولا واكتفى بهما. الفنجديهي: يحكى أن بعض الناس ظهرت به علة مزمنة شديدة أعيا الأطباء

стр. 1327

علاجها، فلما أيس رأى النبي ﷺ في النّوم فشكا إليه علّته المزمنة، فقال له: عليك بلا ولا، فقصّ رؤياه على ابن سيرين، فقال له: إن صدقت رؤياك فإنه ﷺ أمرك بتناول الزيتون، فتناولها الرجل فبرئ من علّته، فقال لابن سيرين: من أين قلتها؟ قال: من قوله تعالى: زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ [النور: ٣٥]، المعنى من زيت شجرة مباركة زيتونة لا شرقية، أي ليست تطلع عليها الشمس أوّل النهار فقط، ولا غربيّة أي عند الغروب فقط، أي لا يسترها من الشمس في وقب من النهار شيء، فهو أنضر لها وأجود لزيتها، وقال ﷺ : «كلوا الزيت وادّهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة» (١). قوله: هتف: صاح. قطرب: خفيف النوم، والقطرب: دويبة تمشي بالليل. وجنّية: تبرك على الإنسان فيجد لها ثقلا، والعامة تبدل طاءها تاء، والعرب تسميها النّئدلان، والكابوس والجاثوم، ويسميها أهل بغداد البحت. دجية: ظلمة. دمية: صورة رخام، وجمعها دجى ودمى وكأنّ صورة هذا الغلام الذي ذكر الشاعر: [الطويل] بدا فبدا من وجهه البدر طالعا ... لدى الروض يستعلي قضيبا منعّما وقد أرسلت أيدي العذارى بخدّه ... عذارا من الكافور والمسك أسحما وأحسب هاروتا أطاف بطرفه ... يعلّمه من سحره فتعلّما ألم بنا في دامس الليل فانجلى ... فلما انثنى عنّا وودّع أظلما والأبيات للأمير أبي الحسن أحمد بن عضد الدولة. وقال أبو إسحاق الحصري مؤلف كتاب الزهر: [مجزوء الكامل] عليل طرف سقيت خمرا ... من مقلتيه فمتّ سكرا ترقرقت وجنتاه ماء ... مازج فيه العتيق درّا يحرّك الدلّ منه غصنا ... ويطلع الحسن منه بدرا قد نمّ مسك بعارضيه ... خلّف للعاشقين عذرا قوله: الأخياف، أي المختلفة. وقوله: فأخذ القلم ورقم، كأنّ أبا إسحاق الحصري إيّاه عنى بهذه الأبيات: [البسيط] إذا بدا القلم الأعلى براحته ... مطرّزا لرداء الفجر بالظّلم رأيت أسود في الأبصار أبيض في ... بصائر لحظها للفهم غير عمي كروضة خطرت في وشي زهرتها ... وافتر نوّارها عن ثغر مبتسم

стр. 1328

وكأن الحسن استعار منه الدواة والقلم حيث قال: [المنسرح] يا ريم هات الدواة والقلما ... أكتب شوقي إلى الّذي ظلما غضبان قد غرّني رضاه ولو ... يسأل فيما غضبت ما علما لو نظرت عينه إلى حجر ... ولّد فيه فتورها سقما فليس ينفكّ منه عاشقه ... في جمع عذر لغير ما اجترما علقت من لو أوى إلى أنفس ال ... ماضين والغابرين ما ندما قوله: اسمح: جد. بث: نشر. آملا: راجيا. تضيّف: طلب منك أن تضيفه. فنّن: أتى بفنون من السؤال. ضنين: بخيل. تقشّف: ترك النظافة. يغضي: يتغافل. نفنف. واسع، والنفنف متسع الأرض. ثبت: صادق الودّ، ويروى: نثّ أي نشر. تبغ: تطلب. تزيّف: تنقص، وصار زائفا، وهو الدرهم الرديء. *** فقال له: لا شلّت يداك، ولا كلّت مداك، ثم نادى: يا غشمشم، يا عطر منشم، فلبّاه غلام كدرّه غوّاص، أو جؤذر قنّاص، فقال له: اكتب الأبيات المتائيم، ولا تكن من المشائيم، فتناول القلم المثقف، وكتب ولم يتوقّف: [الخفيف] زيّنت زينب بقدّ يقدّ ... وتلاه ويلاه نهد يهدّ جندها جيدها وظرف وطرف ... ناعس تاعس بحدّ يحدّ قدرها قد زها وتاهت وباهت ... واعتدت واغتدت بخدّ يخدّ فارقتني فأرّقتني وشطّت ... وسطت ثمّ نمّ وجد وجدّ فدنت فدّيت وحنّت وحيّت ... مغضبا مغضيا يودّ يودّ *** قوله كلّت، أي حفيت. مداك: سكاكينك، جمع مدية. الغشمشم: الذي لا يردّه شيء عن مراده. [قصة المثل: دقّوا بينهم عطر منشم] عطر منشم، قيل: كانت منشم جارية عطّرت رجالها حين خرجوا للقتال، فقتلوا عن آخرهم، فضرب بها المثل في الشؤم. وقيل: بل الإشارة إلى عطارة، أغار عليها قوم فأخذوا عطرها فتطيّبوا فاستغاثت بقومها، فخرجوا في طلبهم، فمن شمّوا عليه رائحة الطيب قتلوه، ومن أوّله على هذا قال: عطر من شمّ، فجعلوه من كلمتين. وقيل: الكناية عن قرون السنبل الّذي يقال إنه سمّ ساعة.

стр. 1329

وذكر ابن الكلبيّ أنها امرأة من خزاعة كانت تبيع العطر فتطيّب بعطرها قوم وتحالفوا على الموت، فماتوا. وقال غيره: بل هي صاحبة يسار الكواعب، وكان عبدا أسود مشوّه الخلقة راعي إبل، فمتى رأته النساء ضحكن منه، فتوهّم أنهنّ يضحكن من إعجابهنّ بحسنه، فقال يوما لرفيق له: أنا يسار الكواعب، ما رأتني جارية كاعب إلا وعشقتني، فقال له رفيقه: يا يسار، اشرب لبن العشار، وكل لحم الحوار، وإياك وبنات الأحرار، فأبى وراود مولاته عن نفسها، فقالت له: مكانك حتى آتيك بطيب أشمك إياه، فأتته بموسى، فلما أدنى أنفه ليشمّ الطيب جدعته. ويقال إنه لما راودها قالت له: أهكذا تأتيني بذفرك ووسخك! ادن حتى أعطّرك، فأدخلت يدها تحته وفيها موسى لطيفة قد أعدّتها له، فقبضت على ذكره وخصيته، فاقتطعت الجميع، فخرج فمن رآه على تلك الحالة قال له: ما هذا؟ فيقول: عطر من شمّ. وقيل: كانت تبيع الحنوط وهو عطر الموتى. وقيل: المنشم: الشر نفسه، وقيل: المنشم ثمرة سوداء منتنة. وقيل فيها غير ما ذكر. وذكر الحريري في الدرة أكثر هذه الوجوه، وذكر أن كسر شين منشم أكثر وأشهر ويروى بفتحها. قوله المتائيم: جمع متئم، وهي التي من عادتها أن تلد توأمين، ولما كانت أبياته لا يوجد فيها إلا الألفاظ المزدوجة، سمّيت متائيم، وقيل: المتائيم: جمع توأم على غير قياس. المشائيم: جمع مشئام، وهو الكثير الشؤم، وشبّه بدرّة غواص في بياضه ورقة ديباجه. وجؤذر قناص، هو الظبي الفاتر العينين، والقنّاص: الصياد، فكأنه يصطاد بعينيه من نظر، وإن أضفت جؤذر إلى القناص فمعناه مستقيم، فيصفه بالخوف وكثرة التلفّت خشية أن يصاد. وما أحسن ما قال صاحبنا الوزير الحسيب أبو المطرّف الزّهري في هذا المعنى وكان جالسا في باب داره مع زائر له، فخرجت عليهما من زقاق جارية سافرة الوجه كالشمس الطالعة، فحين نظرتهما على غفلة نفرت خجلة فزعة، فرأى الزائر ما أبهته، فكلّفه وصفها، فقال مرتجلا: [البسيط] يا ظبية نفرت والقلب مسكنها ... خوفا لختلي أو عمدا لتعذيبي لتأمني فابن عبد الحيّ ألحقنا ... عدلا يؤلف بين الظبي والذيب وكأن ابن رشيق وصف هذا الغلام الكاتب حيث قال: [السريع] وفاتر الأجفان ذي وجنة ... كأنها في الحسن ورد الرّياض قلت له: يا ظبي خذ مهجتي ... داوي بها تلك الجفون المراض فجاوبت من خدّه خجلة ... كيف ترى الحمرة فوق البياض

стр. 1330

وقال أيضا: [مجزوء الرمل] بين أجفانك سحر ... ولأغصانك بدر جرّدت عيناك سيفي ... ن لذا أمرك أمر فعلى خدّيك من نز ... ف دما العشّاق أثر ومن الكثبان شطر ... لك والأغصان شطر وسواء قلت درّ ... ما أرى أو قلت ثغر وبماذا أصف الخص ... ر وما إن لك خصر بك شغلي واشتغالي ... ومضى زيد وعمرو وقال خالد الكاتب: [الكامل] قد قلت لمّا أن بدا متبخترا ... والرّدف يجذب خصره من خلفه يا من يسلّم خصره من ردفه ... سلّم فؤاد محبّه من طرفه وله مما يتعلق بالكتابة: [المتقارب] كتبت إليك بماء الجفون ... وقلبي بماء الهوى مشرب فكيف تخطّ وقلبي يملّ ... وعيني تمحو الّذي أكتب فليس يتم كتابي إليك ... بشوقي فمن هاهنا أعجب قوله: زينت زينب بقدّ يقدّ، إنما أراد بقدّ يقدّ، أي ينقطع لرقة خصره، فعوّض منه يقدّ لقرب ما بين اللفظين ولضرورة الازدواج. وقال البحتريّ في القدود: [الوافر] من السّمر اللدان إذا اسبكرّت ... وصرف الموت في السّمر اللدان شبيهات الرّماح قنى جفون ... وكلم في القلوب بلا سنان فهل من ضربة أو من سنان ... كعين أو كثغر أو بنان وقال السريّ: [الكامل] قامت وخوط البانة ال ... ميّاس في أثوابها تسقي بصهباءين من ... ألحاظها وشرابها ويهزّها سكران سكر ... شرابها وشبابها وكأنّ كأس مدامها ... لما ارتدت بحبابها توريد وجنتها إذا ... ما لاح تحت نقابها وقال القاضي أبو حفص بن عمر: [الكامل] هذا فؤادي أقصدته الأسهم ... من ذا يرى تلك الجفون ويسلم

стр. 1331

يا غرّة حكم الجمال لها على ... شمس الضحى وأصاب فيما يحكم يحكي الجآذر جيدها ولحاظها ... هيهات دون العالم المتعلّم وكأنّ قامتها ونغمة لفظها ... غصن عليه بلبل يترنّم يضحي الخليّ إذا رآها عاشقا ... والعقل توقظه اللحاظ النوّم وما أحسن ما قال أبو الحسن بن القبطرنة: [المتقارب] ذكرت سليمى وحرّ الوغى ... كقلبي ساعة ودّعتها وأبصرت بين القنا قدّها ... وقد ملن نحوي فعانقتها قوله: تلاه، أي تبعه. ويلاه: دعا لنفسه بالويل والخسران حين رأى نهدا لا يصبر عنه. [مما قيل في النهود] ومما جاء من التشبيهات الحسان في أوصاف النّهود قول عمرو بن كلثوم: [الوافر] وثديا مثل حقّ العاج رخصا ... مصانا من أكفّ اللامسينا (١) بشار: [البسيط] والنهد تحسبه وسنان أو كسلا ... وقد تمايل ميلا غير منكسر ابن الرومي: [الوافر] صدور فوقهنّ حقاق عاج ... ودرّ زانه حسن اتّساق يقول القائلون إذا رأوه ... أهذا الدّرّ من هذي الحقاق! وأخذه من قول عبد الله بن السبط: [المتقارب] كأنّ الثّدي إذا ما بدت ... وزان العقود بهنّ النّحورا حقاق من العاج مكنونة ... يسعن من الدرّ شيئا يسيرا ولإدريس اليماني: [الطويل] أيا ربّة النّهد الذي بسنانه ... يحطّ فتى الهيجاء عن فرس نهد أحقان من عاج بصدرك أم هما ... رقيبان قد قاما على جنّة الخلد

стр. 1332

ومن البدائع الروائع قول الآخر: [المتقارب] وذات دلال سبت مهجتي ... بمستشرفين على مئزر كأنهما خوط كافورة ... بأعلاهما نقطتا عنبر وللقاضي عبد الوهاب، ويروي لغيره: [الكامل] يا صاحبيّ قبالتي خمصانة ... مالت فمال الدّعص من أعطافها في الصّدر منها للطّعان أسنّة ... ما أشرعت إلا لجني قطافها إن تنكرا قتلي بها فتبيّنا ... تجدا دمي قد جفّ في أطرافها علي بن الجهم: [الرمل] كنت مشتاقا وما يحجزني ... عنك إلا مانع يمنعني شاخص في الصدر غضبان على ... قبب البطن وطيّ العكن يملأ الكفّ ولا يفضلها ... فإذا أثنيته لا ينثني *** قوله جيدها: أي عنقها، وكأنّ حبيبا وصف هذه الجارية وجيدها بقوله: [الكامل] كالخوط في القدّ والغزالة في ال ... بهجة وابن الغزال في غيده وما حكاه ولا نعيم له ... في حسنه بل حكاه في جيده وإن كان هذا الجيد عاطلا حلّيناه بقول ابن العباس الأعمى: [الطويل] ونبّئت ذاك الجيد أصبح عاطلا ... خذي أدمعي إن كنت غضبى على الدّرّ خذي فانظميها أو كليني لنظمها ... حليّا على تلك التّرائب والنّحر خذي اللؤلؤ الرطب الذي لهجوا به ... محارته جفني ولجته صدري ولا تخبري حور الجنان فربّما ... غصبنكه بين الخديعة والمكر طرف: عين. ظرف: حلاوة ورشاقة، وجعل الطّرف والعنق جندا لها، لأنها لما حسنت معنى هذه الصفات انقاد لها عشاقها أذلّاء، فكأنها أغارت على قلوبهم فاستلبتها، وقد قال فيما تقدّم: [المتقارب] * وأحوى حوى رقّي لفظه* فجعله قد ملكه بحلاوته. وقال حبيب: [الكامل] وحشيّة ترمي القلوب إذا اغتدت ... وسنى فما تصطاد غير الصّيد فجعلها تصطاد السادات بفتور عينيها، وهذا المعنى لا يحصى كثرة. وأراد بالنّاعس الفاتر النّظر وينعش من كان له منه نصيب وتمكن. يحدّ: يمنع من

стр. 1333

رآه من التسلي والتصبّر. زها: تكبّر. والتّيه: ضرب من الزّهو، وهو الكبر. باهت: فاخرت وعظمت. واعتدت: ظلمت. يخدّ: يقطع، أي أن خدّها يقطع في القلوب لا سيما إن كان كما قال من أحسن: [المتقارب] وبيضاء تحسبها درّة ... تضيء الدّجى إن بدت أو تكاد تنمّم بالمسك كافورتي ... محيّا حوى الحسن طرّا وزاد فقلت: أوصلك هذا البياض ... وبعض صدودك هذا السواد فقالت: أبي كاتب للملوك ... دنوت إليه بحسن الوداد فخاف اطلاعي على سرّه ... فلم يعد أن رشّني بالمداد فوصفها بأنّ في خدّيها خيلانا. قوله: أرّقتني، أي منعتني النوم. شطّت: بعدت. سطت: بطشت. نمّ: أفشى السرّ، أي أفشى ما بي من الحب. وجد: حزن من الحبّ وهمّ. جدّ: اجتهاد. فدنت: قربت. حنّت: أشفقت. مغضيا: متغافلا عمّا ينال منه. يودّ: يتمنى. يودّ: يحبّ، يقول: لما نمّ لها وجدي بما أجنّه من حبّها وأبصرت ما فعل هجرها بيدنت عند ذلك منّي شفقة، وحيّتني بسلامها وأنا في حال غضبان، لما حلّ بي من الهجر متمنّيا أن تجيئني، فلمّا سلمت عليّ أزالت غضبي، وأغضيت عما سلف من الفعل القبيح. [مما قيل في وصف الجواري شعرا] ونذكر هاهنا من الأشعار الحسان مما يوافق وصف هذه الجارية جملة مستظرفة، قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: [المتقارب] يزيدني البعد شوقا إليك ... وطول صدودك حرصا عليك ولو كنت أملك ما تملكين ... من الصّبر ما طال شوقي إليك وقال آخر: [المتقارب] وما أنس لا أنس ذاك الخضوع ... وفيض الدموع وغمز اليد وخدّي مضاف إلى خدّها ... قياما إلى الصّبح لم نرقد وقال أبو مطرف الزهريّ: [البسيط] مرّت بنا وبدت كالبدر وانفلتت ... كالغصن والتفتت كالشادن الخرق تسربلت ببرود الحسن والتحفت ... بالغنج واشتملت مرطا من الغسق وقال السّري: [الكامل] لبست مصندلة الثياب فمن رأى ... قمرا تسربل قبلها أثوابا

стр. 1334

وحكت من الظبي الغرير ثلاثة ... جيدا وطرفا فاترا وإهابا وله أيضا: [الوافر] مذهبة الخدود بجلنار ... مفضّضة الثّغور بأقحوان سقانا الله من ريّاك ريّا ... وحيّانا بأوجهك الحسان وللقاضي أبي حفص: [الوافر] هم نظروا لواحظها فهاموا ... وتشرّب عقل شاربها المدام سما طرفي إليها وهو باك ... وتحت الشّمس ينسكب الغمام يخاف النّاس مقلتها سواها ... أيذعر قلب حامله الحسام! وأذكر قدّها فأنوح شوقا ... على الأغصان تنتدب الحمام وأعقب همّها في الصّدر غمّا ... إذا غربت ذكاء أتى الظّلام وله أيضا: [الوافر] أعيذك يا سليمى من سليم ... قتلت فتاهم وهو الكريم فما لك طالب بترات نفسي ... إذا قتل الغرام فلا غريم فؤادي سار نحوك عن ضلوع ... بها يا ريم حبّك لا يريم ودادك صحّ في قلب سليم ... كطرفك صحّ ناظره السقيم إذا أعرضت تسود الأماني ... وإن أقبلت تبيضّ الهموم *** فطفق الشيخ يتأمّل ما سطره، ويقلّب فيه نظره، فلمّا استحسن خطّه، واستصحّ ضبطه، قال له: لا شلّ عشرك، ولا استخبث نشرك. ثمّ أهاب بفتى فتّان، يسفر عن أزهار بستان، فقال له: أنشد البيتين المطرّفين، المشتبهي الطّرفين، اللّذين أسكتا كلّ نافث، وأمنا أن يعزّزا بثالث، فقال له: اسمع لا وقر سمعك، ولا هزم جمعك، وأنشد من غير تلبّث، ولا تريّث: [السريع] سم سمة تحسن آثارها ... واشكر لمن أعطى ولو سمسمه والمكر مهما اسطعت لا تأته ... لتقتني السّؤدد والمكرمة *** قوله: طفق، أي أخذ. يتأمّل: ينظر. سطره: كتبه. استصحّ: وجده صحيحا، والضّبط: الشكل والنقط: لا شلّ عشرك، دعاء، أي لا يبست أصابعك، ويروى: لا ثلّ

стр. 1335

عرشك، أي لا هدم عزك، والرّواية الأولى هي الصحيحة. استخبث: فسد وصار خبيثا. نشرك: رائحتك العطرة. أهاب: دعا وصاح. يسفر: يكشف عن وجهه لثامه. عن أزهار بستان: عن بياض الوجه وحمرة الخدّين والشّفتين وسواد العينين والأشفار وخضرة الشارب والعذار ومحاسن لا تفي بها ناضرات الأنوار، وقد يكون يسفر بمعنى يتبسّم عن بياض شقيق وأقحوان واحمرار عقيق ومرجان، وكأنّ هذا الغلام هو الذي ذكر أبو الرقعمق بقوله: [البسيط] إذا جرت يده في الطرس كاتبة ... تبلّج الطّرس عن درّ ومرجان وإن تكلّم جاءته براعته ... بكلّ ما شاء من فهم وتبيان وقال بعضهم يصف غلاما كاتبا: [الكامل] انظر إلى أثر المداد بطرسه ... كبنفسج الرّوض المشوب بورده ما أخطأت نوناته من صدغه ... شيئا ولا ألفاته من قدّه وكأنما ألفاته من شعره ... وكأنما قرطاسه من خدّه ولعمر بن فتح: [الكامل] فنوناته من حاجبيه استعارها ... ولا ماته من صدغه المتعاطف ومن صدّه المؤذي اسوداد مداده ... ومن وصله المحيي ابيضاض الصحائف ولأبي إسحاق الحصري في وصف هذا الغلام: [الوافر] أيا من تمسك الأوصاف عنه ... أعنّة وصفنا نظما ونثرا ومن يدعو القلوب إلى مناها ... بعينيه فلا تأتيه قسرا ومن يجري اللآلئ في أقاح ... يمازج ظلمه بردا وخمرا ويعرض في رياض الدّلّ غصنا ... ويطلع في سماء الحسن بدرا كأن بخدّه ذهبا صقيلا ... أذاب عليه ياقوتا ودرّا ومنها في وصف الكتاب: [الوافر] قرأت كتابك الأعلى محلّا ... لديّ وموقعا شرفا وقدرا فأحياني وقد غودرت ميتا ... وأنشرني وقد ضمّنت قبرا نقشت بحالك الأنقاش نورا ... جلا لعيوننا نورا وزهرا فدبج من بسيط الفكر روضا ... أنيقا مشرق الجنبات نضرا لو استسقى العليل به لأروي ... أو استشفي العليل به لأبرى هفا عطر الجنوب له نسيم ... أقول إذا أناسم منه نشرا
следующие страницы →