← Адаб

Адаб · id 760

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

يا غرّة حكم الجمال لها على ... شمس الضحى وأصاب فيما يحكم يحكي الجآذر جيدها ولحاظها ... هيهات دون العالم المتعلّم وكأنّ قامتها ونغمة لفظها ... غصن عليه بلبل يترنّم يضحي الخليّ إذا رآها عاشقا ... والعقل توقظه اللحاظ النوّم وما أحسن ما قال أبو الحسن بن القبطرنة: [المتقارب] ذكرت سليمى وحرّ الوغى ... كقلبي ساعة ودّعتها وأبصرت بين القنا قدّها ... وقد ملن نحوي فعانقتها قوله: تلاه، أي تبعه. ويلاه: دعا لنفسه بالويل والخسران حين رأى نهدا لا يصبر عنه. [مما قيل في النهود] ومما جاء من التشبيهات الحسان في أوصاف النّهود قول عمرو بن كلثوم: [الوافر] وثديا مثل حقّ العاج رخصا ... مصانا من أكفّ اللامسينا (١) بشار: [البسيط] والنهد تحسبه وسنان أو كسلا ... وقد تمايل ميلا غير منكسر ابن الرومي: [الوافر] صدور فوقهنّ حقاق عاج ... ودرّ زانه حسن اتّساق يقول القائلون إذا رأوه ... أهذا الدّرّ من هذي الحقاق! وأخذه من قول عبد الله بن السبط: [المتقارب] كأنّ الثّدي إذا ما بدت ... وزان العقود بهنّ النّحورا حقاق من العاج مكنونة ... يسعن من الدرّ شيئا يسيرا ولإدريس اليماني: [الطويل] أيا ربّة النّهد الذي بسنانه ... يحطّ فتى الهيجاء عن فرس نهد أحقان من عاج بصدرك أم هما ... رقيبان قد قاما على جنّة الخلد

стр. 1332

ومن البدائع الروائع قول الآخر: [المتقارب] وذات دلال سبت مهجتي ... بمستشرفين على مئزر كأنهما خوط كافورة ... بأعلاهما نقطتا عنبر وللقاضي عبد الوهاب، ويروي لغيره: [الكامل] يا صاحبيّ قبالتي خمصانة ... مالت فمال الدّعص من أعطافها في الصّدر منها للطّعان أسنّة ... ما أشرعت إلا لجني قطافها إن تنكرا قتلي بها فتبيّنا ... تجدا دمي قد جفّ في أطرافها علي بن الجهم: [الرمل] كنت مشتاقا وما يحجزني ... عنك إلا مانع يمنعني شاخص في الصدر غضبان على ... قبب البطن وطيّ العكن يملأ الكفّ ولا يفضلها ... فإذا أثنيته لا ينثني *** قوله جيدها: أي عنقها، وكأنّ حبيبا وصف هذه الجارية وجيدها بقوله: [الكامل] كالخوط في القدّ والغزالة في ال ... بهجة وابن الغزال في غيده وما حكاه ولا نعيم له ... في حسنه بل حكاه في جيده وإن كان هذا الجيد عاطلا حلّيناه بقول ابن العباس الأعمى: [الطويل] ونبّئت ذاك الجيد أصبح عاطلا ... خذي أدمعي إن كنت غضبى على الدّرّ خذي فانظميها أو كليني لنظمها ... حليّا على تلك التّرائب والنّحر خذي اللؤلؤ الرطب الذي لهجوا به ... محارته جفني ولجته صدري ولا تخبري حور الجنان فربّما ... غصبنكه بين الخديعة والمكر طرف: عين. ظرف: حلاوة ورشاقة، وجعل الطّرف والعنق جندا لها، لأنها لما حسنت معنى هذه الصفات انقاد لها عشاقها أذلّاء، فكأنها أغارت على قلوبهم فاستلبتها، وقد قال فيما تقدّم: [المتقارب] * وأحوى حوى رقّي لفظه* فجعله قد ملكه بحلاوته. وقال حبيب: [الكامل] وحشيّة ترمي القلوب إذا اغتدت ... وسنى فما تصطاد غير الصّيد فجعلها تصطاد السادات بفتور عينيها، وهذا المعنى لا يحصى كثرة. وأراد بالنّاعس الفاتر النّظر وينعش من كان له منه نصيب وتمكن. يحدّ: يمنع من

стр. 1333

رآه من التسلي والتصبّر. زها: تكبّر. والتّيه: ضرب من الزّهو، وهو الكبر. باهت: فاخرت وعظمت. واعتدت: ظلمت. يخدّ: يقطع، أي أن خدّها يقطع في القلوب لا سيما إن كان كما قال من أحسن: [المتقارب] وبيضاء تحسبها درّة ... تضيء الدّجى إن بدت أو تكاد تنمّم بالمسك كافورتي ... محيّا حوى الحسن طرّا وزاد فقلت: أوصلك هذا البياض ... وبعض صدودك هذا السواد فقالت: أبي كاتب للملوك ... دنوت إليه بحسن الوداد فخاف اطلاعي على سرّه ... فلم يعد أن رشّني بالمداد فوصفها بأنّ في خدّيها خيلانا. قوله: أرّقتني، أي منعتني النوم. شطّت: بعدت. سطت: بطشت. نمّ: أفشى السرّ، أي أفشى ما بي من الحب. وجد: حزن من الحبّ وهمّ. جدّ: اجتهاد. فدنت: قربت. حنّت: أشفقت. مغضيا: متغافلا عمّا ينال منه. يودّ: يتمنى. يودّ: يحبّ، يقول: لما نمّ لها وجدي بما أجنّه من حبّها وأبصرت ما فعل هجرها بيدنت عند ذلك منّي شفقة، وحيّتني بسلامها وأنا في حال غضبان، لما حلّ بي من الهجر متمنّيا أن تجيئني، فلمّا سلمت عليّ أزالت غضبي، وأغضيت عما سلف من الفعل القبيح. [مما قيل في وصف الجواري شعرا] ونذكر هاهنا من الأشعار الحسان مما يوافق وصف هذه الجارية جملة مستظرفة، قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: [المتقارب] يزيدني البعد شوقا إليك ... وطول صدودك حرصا عليك ولو كنت أملك ما تملكين ... من الصّبر ما طال شوقي إليك وقال آخر: [المتقارب] وما أنس لا أنس ذاك الخضوع ... وفيض الدموع وغمز اليد وخدّي مضاف إلى خدّها ... قياما إلى الصّبح لم نرقد وقال أبو مطرف الزهريّ: [البسيط] مرّت بنا وبدت كالبدر وانفلتت ... كالغصن والتفتت كالشادن الخرق تسربلت ببرود الحسن والتحفت ... بالغنج واشتملت مرطا من الغسق وقال السّري: [الكامل] لبست مصندلة الثياب فمن رأى ... قمرا تسربل قبلها أثوابا

стр. 1334

وحكت من الظبي الغرير ثلاثة ... جيدا وطرفا فاترا وإهابا وله أيضا: [الوافر] مذهبة الخدود بجلنار ... مفضّضة الثّغور بأقحوان سقانا الله من ريّاك ريّا ... وحيّانا بأوجهك الحسان وللقاضي أبي حفص: [الوافر] هم نظروا لواحظها فهاموا ... وتشرّب عقل شاربها المدام سما طرفي إليها وهو باك ... وتحت الشّمس ينسكب الغمام يخاف النّاس مقلتها سواها ... أيذعر قلب حامله الحسام! وأذكر قدّها فأنوح شوقا ... على الأغصان تنتدب الحمام وأعقب همّها في الصّدر غمّا ... إذا غربت ذكاء أتى الظّلام وله أيضا: [الوافر] أعيذك يا سليمى من سليم ... قتلت فتاهم وهو الكريم فما لك طالب بترات نفسي ... إذا قتل الغرام فلا غريم فؤادي سار نحوك عن ضلوع ... بها يا ريم حبّك لا يريم ودادك صحّ في قلب سليم ... كطرفك صحّ ناظره السقيم إذا أعرضت تسود الأماني ... وإن أقبلت تبيضّ الهموم *** فطفق الشيخ يتأمّل ما سطره، ويقلّب فيه نظره، فلمّا استحسن خطّه، واستصحّ ضبطه، قال له: لا شلّ عشرك، ولا استخبث نشرك. ثمّ أهاب بفتى فتّان، يسفر عن أزهار بستان، فقال له: أنشد البيتين المطرّفين، المشتبهي الطّرفين، اللّذين أسكتا كلّ نافث، وأمنا أن يعزّزا بثالث، فقال له: اسمع لا وقر سمعك، ولا هزم جمعك، وأنشد من غير تلبّث، ولا تريّث: [السريع] سم سمة تحسن آثارها ... واشكر لمن أعطى ولو سمسمه والمكر مهما اسطعت لا تأته ... لتقتني السّؤدد والمكرمة *** قوله: طفق، أي أخذ. يتأمّل: ينظر. سطره: كتبه. استصحّ: وجده صحيحا، والضّبط: الشكل والنقط: لا شلّ عشرك، دعاء، أي لا يبست أصابعك، ويروى: لا ثلّ

стр. 1335

عرشك، أي لا هدم عزك، والرّواية الأولى هي الصحيحة. استخبث: فسد وصار خبيثا. نشرك: رائحتك العطرة. أهاب: دعا وصاح. يسفر: يكشف عن وجهه لثامه. عن أزهار بستان: عن بياض الوجه وحمرة الخدّين والشّفتين وسواد العينين والأشفار وخضرة الشارب والعذار ومحاسن لا تفي بها ناضرات الأنوار، وقد يكون يسفر بمعنى يتبسّم عن بياض شقيق وأقحوان واحمرار عقيق ومرجان، وكأنّ هذا الغلام هو الذي ذكر أبو الرقعمق بقوله: [البسيط] إذا جرت يده في الطرس كاتبة ... تبلّج الطّرس عن درّ ومرجان وإن تكلّم جاءته براعته ... بكلّ ما شاء من فهم وتبيان وقال بعضهم يصف غلاما كاتبا: [الكامل] انظر إلى أثر المداد بطرسه ... كبنفسج الرّوض المشوب بورده ما أخطأت نوناته من صدغه ... شيئا ولا ألفاته من قدّه وكأنما ألفاته من شعره ... وكأنما قرطاسه من خدّه ولعمر بن فتح: [الكامل] فنوناته من حاجبيه استعارها ... ولا ماته من صدغه المتعاطف ومن صدّه المؤذي اسوداد مداده ... ومن وصله المحيي ابيضاض الصحائف ولأبي إسحاق الحصري في وصف هذا الغلام: [الوافر] أيا من تمسك الأوصاف عنه ... أعنّة وصفنا نظما ونثرا ومن يدعو القلوب إلى مناها ... بعينيه فلا تأتيه قسرا ومن يجري اللآلئ في أقاح ... يمازج ظلمه بردا وخمرا ويعرض في رياض الدّلّ غصنا ... ويطلع في سماء الحسن بدرا كأن بخدّه ذهبا صقيلا ... أذاب عليه ياقوتا ودرّا ومنها في وصف الكتاب: [الوافر] قرأت كتابك الأعلى محلّا ... لديّ وموقعا شرفا وقدرا فأحياني وقد غودرت ميتا ... وأنشرني وقد ضمّنت قبرا نقشت بحالك الأنقاش نورا ... جلا لعيوننا نورا وزهرا فدبج من بسيط الفكر روضا ... أنيقا مشرق الجنبات نضرا لو استسقى العليل به لأروي ... أو استشفي العليل به لأبرى هفا عطر الجنوب له نسيم ... أقول إذا أناسم منه نشرا

стр. 1336

نثرت لنا على الكافور مسكا ... ولم تنثر على القرطاس حبرا وله في العذار: [الكامل] سلبت محاسنه سواد عيوننا ... وقلوبنا وكست أديم عذاره فبدا طرازا في أسيل مشرق ... ماء الحياة يجول في أسراره علم الذي استلبت له يد حسنه ... منا فمازج أمنه بحذاره فله توقّف مستريب تائب ... ولنا تلهّب عاجز عن ثاره وقال أبو الفضل الدارمي: [الكامل] ظبي إذا حرّك أصداغه ... لم يلتفت خلق إلى العطر غنى بشعري منشدا ليتني الل ... فظ الذي ضمنته شعري فكلما كرر إنشاده ... قبلته فيه ولا يدري ولمهيار: [الرجز] مشتبه أعرفه وإنما ... مغالطا قلت لصحبي دار من وحاملي على السّرور حامل ... في كفّه وطرفه سيف الفتن قد كتب الحسن على عارضه ... ما أقبح الهجران بالوجه الحسن ولأبي إسحاق الطليطلي: [الكامل] ومعذّر رقّت له خمر الصبا ... حيث العذار حبابها المترقّق ديباج حسن تاه عقلا ناقصا ... فأتمها علم الشّباب المونق وشكا الجمال مقيله في ورده ... فأظله آس العذار المشفق عامت بماء الصّقل شامة خدّه ... وحما العذار زويرقا لا يغرق إن كان يمحو نقشه من خده ... فطلا الغزال بمسكها يتفتّق قوله: المطرفين، أي الغريبين، وقد أطرفته، جئته بطرفة، أي بشيء معجب، نافث: متكلم. يعزّزا: يقويا ويشدّدا، وإذا صلب الشيء قيل: تعزّز وأصله من العزاز وهي الأرض الصلبة. وقال في الدّرة: ويقولون شفّعت الرّسولين بثالث فيوهمون فيه، والعرب تقول: شفعت الرّسول بآخر، أي جعلتهما اثنين ليطابق معنى الشفع في كلامهم، وهو اثنان، فأما إذا بلغت ثلاثا فوجهه أن يقال: عززت بثالث، قال تعالى: إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ [يس: ١٤]، والمعنى في عزّزته قوّيته، وأعززته: جعلته عزيزا، فإن واترت الرّسل فالأحسن أن تقول قفّيت بالرسل، قال تعالى: ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا [الحديد: ٢٧].

стр. 1337

وما أحسن ما قال ابن شرف في العذار وذكر التعزيز بثالث: [الكامل] قد كنت في وعد العذار فأنجزا ... وقضى لحسنك بالكمال فأوجزا وافي لنصر الحسن إلا أنه ... ولّى إلى فئة الهوى متحيّزا عطف تعلّم منه قلبي عطفه ... وجد الفؤاد به السّبيل إلى العزا لم يكف وجهك حسنه وبهاؤه ... حتى اكتسى ثوب الجمال مطرّزا سبحان من أعطاك حسنا ثانيا ... وبثالث من حسن فعلك عزّرا الوقر: الثقل في الأذن. تلبّث: طويل إقامة. تريّث، إذا احتبس ومكث، ويقال: تريّث بنقطتين وتربّث تربّثا بواحدة، والمعنى فيهما واحد، سم: علّم. سمة: علامة سمسمة: حبة جلجلان. المكر: الخداع، تقتني: تكتسب. السؤدد: الشرف. والمكرمة: الكرامة. وممن اشترط أن بيتيه لا يعززان بثالث قبل الحريري أبو دلف حين قال: [البسيط] أنا أبو دلف المهدي بقافية ... جوابها يهلك الزّاهي من الغيظ من زاد فيها له رحلي وراحلتي ... وخاتمي والمدي فيها إلى القيظ وذكر الحصري الأعمى المكرمة في تجنيس قوافيه، فسمع قوما يقدحون فيه وفي أبي خلصة فقصده وقال: [مجزوء الرمل] يا أديبا ملكتني ... في يديه المكرمات ليت قوما دأبهم ف ... يّ وفيك المكر ماتوا وله: [مجزوء الخفيف] رب ظبي هويته ... ينتمي للهوازنه قلت: ما أثقل الهوى ... قال: ما للهوى زنه وله أيضا: [مجزوء الخفيف] إن كتمت الهوى فقد ... صار سرّي علانيه بسقام أذابني ... وشحوب علانيه *** فقال له: أجدت يا زغلول، يا أبا الغلول، ثم نادى: أوضح يا ياسين، ما يشكل من ذوات السّين، فنهض ولم يتأنّ، وأنشد بصوت أغنّ: [البسيط] نقس الدّواة ورسغ الكفّ مثبتة ... سيناهما إن هما خطّا وإن درسا وهكذا السّين في قسب وباسقة ... والسّفح والبخس واقسر واقتبس قبسا

стр. 1338

وفي تقسّست بالليل الكلام وفي ... مسيطر وشموس واتخذ جرسا وفي قريس وبرد قارس فخذ ال ... صّواب منّي وكن للعلم مقتبسا فقال له: أحسنت يا نغيش، يا صنّاجة الجيش، ثم قال: ثب يا عنبسة، وبين الصادات المتلبسة، فوثب وثب شبل مثار، ثمّ أنشد من غير عثار: بالصاد يكتب قد قبضت دراهما ... بأناملي وأصخ لتستمع الخبر وبصقت أبصق والصماخ وصنجة ... والقصّ وهو الصّدر واقتصّ الأثر وبخصت مقلته وهذي فرصة ... قد أرعدت منه الفريصة للخور وقصرت هندا أي حبست وقد دنا ... فصح النّصارى وهو عيد منتظر وقرصته والخمر قارصة إذا ... حذت اللّسان وكلّ هذا مستطر *** أجدت: أتيت بجيّد، الزّغلول: الخفيف، وزغلول الرجل: ولده، والغلول: لخيانة في المغنم، وأصله الستر والتغطية، تقول: غلّ الشّيء غلّا وغلولا، إذا ستره، وصفه كأنه يغلّ العقول، أي يمسكها ويخون أصحابها فيها، وقالت عليّة: * يا غلّ ألباب الرجال* أوضح: بيّن. يتأنّى يتباطأ ويفتر، والتأني: التّثبت، وفي الحديث أنه نظر ﷺ إلى رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، فقال: «آنيت وآذيت» (١)، أي أخّرت المجيء، ويكون يتأنّى من قولهم: فلان ذو أناة من ونى يني، وتكون الهمزة مبدلة عن واو، وهو الأظهر، أغنّ: فيه غنّة، وهو البحح الخفيف، والأغنّ: الذي يتكلم من قبل خياشيمه، نقس: مداد، رسغ الكف: موصلها من الذراع، والقسب: نوى التمر، باسقة: نخلة طويلة. السّفح: أسفل الجبل، البخس: النقص، اقسر: اقهر واغلب. اقتبس قبسا: اطلب شعلة من نار. وتقسست: تتبّعت والشموس: الدابة التي تمنع أن تسرج وأن تركب. جرسا: الذي يضرب به فيصوّت. قريس: حوت. قارس: شديد. مقتبسا: طالبا حريصا على كسبه. قوله: نغيش، أي كثير الحركة، وقيل: نغيش تصغير النّغاش من الرجال الحقير الخلقة، الغاية في القصر، فصفة هذا الغلام أنه حقير الخلقة كثير الحركة، وقلّما تكون تلك الخلقة إلا ومعها الحركة والحدّة. ورواه الفنجديهي «نفيش» بالفاء، أي قصير.

стр. 1339

ثعلب: النّفّاشون، هم القصار الضعاف الحركة، ومنه الخبر أنه رأى نفّاشا فسجد شكرا، قال: والنّفش: تحرّك الشيء في مكانه، يقال: دار تنتفشصبيانا، والتنفّش: دخول الشيء بعضه في بعض، وصنّاجة الجيش: التي يضرب بها المثل في الحروب، وقيل: الصّنّاجة الضرّابة بالدفوف والطنابير وعود الغناء ونحوه من آلات اللهو، قال الهذلي وهو ساعدة بن جؤيّة: [الطويل] وعاودني ديني فبت كأنما ... خلال ضلوع الصدر شرع ممدّد (١) بأوب يدي صنّاجة عند مدمن ... غويّ إذا ما ينتشي يتغرّد يصف ما في صدره من الحرق، ودينه: حالته التي تعتاده من الهمّ، والشّرع: الوتر يقول: كأنما في صدري عود، لأوتاره رنّة مما أحدّث به نفسي من الهموم. وأوب يديها: رجعهما بضرب الصّنج، أي بتحريك يديها حين تمرّ أوتارها، وينتشي: يسكر. ويتغرد: يتغنّى، وفلان صنّاجة قومه، أي المقدّم عليهم في الفضل، وقيل: صنّاجة الجيش هو البطل المعروف، ويقال: ليلة قمراء صنّاجة وصيّاجة، إذا كانت مضيئة، وصنج فلان بفلان إذا صرعه، وكان أعشى قيس يدعى صنّاجة العرب لفصاحته، وقيل: لرقة شعره، وقيل: الصّنّاجة الغناء، ويريد بالجيش الصبية الذين جيشوا حوله، فنغيش صنّاجتهم، أي أنبلهم وأحذقهم أو كالصنجة في خلقته وقصره. ثب: اقفز، عنبسة: اسم أسد، والشبل: ولده مثار: مفزع، وقد أثير: استخرج من مكانه بالبحث عليه. قبصت: أخذت بأطراف أصابعي، والقبصة أقل من القبضة. أصخ: استمع. الصّماخ: ثقب الأذن. صنجة، وهي التي يوزن بها، والمقلة، شحمة العين. بخصتها: فقأتها. واستلبتها فرصة: نهزة وغنيمة. والفريصة: بضعة عند الكتف ترعد عند الفزع. الخور: الضّعف. قرصته: عضضته بظفري. حذت اللسان: قرصته بحدّتها. مستطر: مكتوب. *** فقال له: رعيا لك يا بنيّ، فقد أقررت عينيّ، ثم استنهض ذا جثّة كالبيذق، ونغشة كالسوذق، وأمره أن يقف بالمرصاد، ويسرد ما يجري على السين والصاد، فنهض يسحب برديه، ثمّ أنشد مشيرا بيديه: [الطويل] إن شئت بالسّين فاكتب ما أبيّنه ... وإن تشأ فهو بالصادات يكتتب مغس وفقس ومسطار ومملس ... وسالغ وسراط الحق والسّقب والسامغان وسقر والسوبق ومس ... لاق وعن كلّ هذا تفصح الكتب

стр. 1340

فقال له: أحسنت يا حبقة، يا عين بقّة. ثم نادى: يا دغفل، يا أبا زنفل، فلباه فتى أحسن من بيضة، في روضة: فقال له: ما عقد هجاء الأفعال، التي آخرها حرف اعتلال، فقال اسمع، لا صمّ صداك، ولا سمعت عداك، ثم أنشد، وما استرشد: [الطويل] إذا الفعل يوما غمّ عنك هجاؤه ... فألحق به تاء الخطاب ولا تقف فإن تر قبل التاء ياء فكتبه ... بياء وإلا فهو يكتب بالألف ولا تحسب الفعل الثلاثيّ والذي ... تعدّاه والمهموز في ذاك يختلف *** رعيا: حفظا، أي رعاك الله رعيا. استنهض: أمره بالنهوض. جثّة: جسد. وبيذق الشطرنج، معروف؛ يشبّه به الخفيف الروح الحاذق. نغشة: حركة. والسّوذق، هو السّذانق من الطير التي يصطاد بها. بالمرصاد، أي قريب منه حيث ينظره. يسرد: يقرؤها بسرعة. يسحب برديه: يجرّ ثوبيه. وقال الحسن يصف مثل هذا الغلام: [المنسرح] يا أيها المبطلون معذرتي ... أراكم الله وجه تحقيق نمّ بما كنت لا أبوح به ... على لسان بالدمع منطيق شوقا إلى حسن صورة ظفرت ... من سلسبيل الجنان بالرّيق وصيف كأس محدّث ملك ... تيه مغنّ وظرف زنديق يشوب عزّا بذلة فله ... ذلّ محبّ وزهو معشوق أمشي إلى جنبه أزاحمه ... عمدا وما بالطريق من ضيق ومن مدحها: [المنسرح] وإن عبّاسا مثل والده ... ليس إلى غاية بمسبوق تأنّق الحسن حين زانكما ... ففقتما النّاس أيّ تأنيق فصوّر الفضل من حجا وندى ... وأنت من حكمة وتوفيق وله أيضا: [الوافر] ترى للحسن والحركات فيه ... سواما لا تذاد عن القلوب فيا من صيغ من حسن وطيب ... جلّ عن المشاكل والضّريب أصبني منك يا أملي بذنب ... تتيه على الذّنوب به ذنوبي قوله: سراط، أي طريق. والسّقر من الجوارح: التي يصطاد بها، السّويق: الشعير إذا قلي وطحن، حبقة: ضرطة، عين بقّة، يقال: ذلك للصغير. دغفل: اسم رجل كان نسّابة، والدّغفل، ولد الفيل، والدغفل: الزمن الخصيب، فسمّي الصبي بأحدهما. والزّنفل، من أسماء الداهية، والبيضة: بيضة النّعام، وجعلها في روضة، يريد أنها مصونة

стр. 1341

منعمة، وتشبيههم للنساء بهذه البيضة مشهور في شعر امرئ القيس وغيره، وقيل للأوسيّة- وهي امرأة حكيمة من العرب- بحضرة عمر بن الخطاب ﵁: أي منظر أحسن؟ فقالت: قصور بيض في حدائق خضر، فأنشد رضي الله تعالى عنه لعديّ بن زيد: كدمى العاج في المحارب أو ... كالبيض في الروض زهره مستنير قوله: لا صمّ صداك، أي لا هلكت، فلا يكون لك صوت. وقال امرؤ القيس في الدار الخالية: [السريع] صمّ صداها وعفا رسمها ... واستعجمت عن منطق السّائل (١) والصّدى: الصوت الذي يجيبك من الجبل، أو من الموضع الخالي، والصّدى: طائر يخرج من رأس المقتول، فلا يزال يصيح: اسقوني اسقوني، حتى يقتل قاتله على زعمهم، ولا صمّ صداك، دعاء بطول العمر، لأن الصدى تابع للصوت، فإذا مات الإنسان انقطع صوته، فلا يسمع له صدى، فكأنّ صداه بعد موته أصمّ لا يسمع ولا يجيب، ما استرشد، أي ما طلب من يرشده ويدلّه. *** فطرب الشيخ لما أدّاه، ثمّ عوذه وفدّاه، ثمّ قال: هلمّ يا قعقاع، يا باقعة البقاع. فأقبل فتى أحسن من نار القرى، في عين ابن السّرى، فقال له: اصدع بتمييز الظّاء من الضّاد، لتصدع به أكباد الأضداد؛ فاهتزّ لقوله واهتشّ ثم أنشد بصوت أجشّ: [الخفيف] أيها السّائلي عن الضّاد والظّا ... ء لكيلا تضلّه الألفاظ إن حفظ الظاءات يغنيك فاسمع ... ها استماع امرئ له استيقاظ هي ظمياء والمظالم والإظ ... لام والظّلم والظّبي واللّحاظ والعظا والظّليم والظّبي والشّيّ ... ظم والظّلّ واللّظى والشّواظ والتّظني واللفظ والنّظم والتّق ... ريظ والقيظ والظّما واللّماظ والحظا والنّظير والظّئر والجا ... حظ والناظرون والأيقاظ والتّشظّي والظّلف والعظم والظّن ... بوب والظّهر والشّظا والشّظاظ والأظافير والمظفّر والمح ... ظهور والحافظون والإحفاظ والحظيرات والمظنّة والظّنّ ... ة والكاظمون والمغتاظ والوظيفات والمواظب والكظّ ... ة والانتظار والإلظاظ

стр. 1342

ووظيف وظالع وعظيم ... وظهير والفظّ والإغلاظ ونظيف والظّرف والظلف الظّا ... هر ثم الفظيع والوعّاظ وعكاظ والظّعن والمظّ والحن ... ظل والقارظان والأوشاظ وظراب الظّرّان والشّظف البا ... هظ والجعظريّ والجوّاظ والظّرابين والحناظب والعن ... ظب ثمّ الظّيّان والأرعاظ والشّناظي والدّلظ والظّأب والظّب ... ظاب والعنظوان والجنعاظ والشّناظير والتّعاظل والعظ ... لم والبظر بعد والانعاظ هي هذي سوى النّوادر فاحفظها ... لتقفو آثارك الحفّاظ واقض فيما صرفت منها كما تق ... ضيه في أصله كقيظ وقاظوا *** أدّاه: أبلغه، تقول: أدّيت الأمانة، إذا بلّغتها صاحبها، عوّذه: قرأ عليه المعوّذتين، وفدّاه: قال: نفسي فداؤك. قعقاع: شديد الصوت، والقعقعة، صوت متتابع، والباقعة: الداهية. والبقاع: جمع بقعة، قطعة من الأرض، لقرى: طعام الضيف. ابن السّرى، هو الطارق بالليل، وقد تقدّم ذكر هذه النار عند قوله: [الرجز] فلم أزل أنصّ عنسي ... وأقول: طوبى لك ولنفسي وهم يضربون المثل بها وحدها في الحسن فيقولون: هو أحسن من النار، فكيف إذا كان إنسان مع ظلام الليل في ريح وبرد وجوع، لا يدري أين يتوجّه، فرأى نارا قد أوقدت لقري الأضياف، فلا يقدر قدر حسنها إلا من جرّبها. وقالت اعرابية: كنت في شبيبتي أحسن من النار. وأنشد التوزي ملغزا في النار: [الطويل] وشعثاء غبراء الفروع كأنّما ... بها توصف الحسناء بل هي أجمل دعوت بها صحبي بليل كأنّهم ... وقد أبصروها يعطشون فأنهلوا فهذا مثل الذي ذكره الحريري. وقال الآخر يصف نارا: [الطويل] ومشبوبة لا يقبس الجار ريّها ... ولا طارق الظلماء منها يؤنس متى ما يزرها زائر يلف دونها ... عقيلة داريّ من المسك تغرس وأنشد أبو زيد فيها ملغزا: [الطويل] وزهراء إن كفّنتها فهو عيشها ... وإن لم تكفّنها فموت معجّل

стр. 1343

وكان الحسن بن وهب أشدّ الناس عشقا لنبات جارية محمد بن حماد وكانت تغنّي في مجلسه، وبين يديها كانون فحم، فتأذّت بالنار، وأمرت بإبعادها، فقال الحسن مرتجلا: [الكامل] بأبي كرهت النّار لمّا أوقدت ... فعرفت ما معناك في إبعادها هي ضرّة لك بالتماع ضيائها ... وبحسن صورتها لدى إيقادها وأرى صنيعك في القلوب صنيعها ... بأراكمها وسيالها وقتادها شركتك في تلك الجهات بحسنها ... وضيائها وصلاحها وفسادها وكان مع أصحابه يوما. فقال: لو ساعدنا الزمان لجاءتنا نبات، فما تكلموا بشيء حتى دخلت، فقال: إني وإياك لكما قال عليّ بن أمية: [الطويل] وفاجأتني والقلب نحوك شاخص ... وذكراك ما بين اللّسان إلى القلب فيا فرحة جاءت على إثر ترحة ... ويا غفلتي عنها وقد نزلت قربي ودخلت عليه يوما وهو محموم، فسلمت وقبّلت يده، فأراد تقبيل يدها فأرعش وقال: [الطويل] أقول وقد حاولت تقبيل كفّها ... ولي رعدة أهتزّ منها وأسكن فديتك إني أشجع الناس كلّهم ... لدى الحرب إلّا أنني عنك أجبن قوله: اصدع، أي بيّن وأظهر. تصدع: تشق، الأضداد: الأعداء. أجشّ: أبح. تضلّه: تضيّعه وتتلفه، استيقاظ: انتباه، ظمياء: عطشى. الأزهري: شفة ظمياء، ليست بوارمة كثيرة الدم ويحمد ظمؤها، ولثة ظمياء، ورجل أظمى، وامرأة ظمياء، وقيل: شفة ظمياء، إذا كانت فيها سمرة وساق ظمياء: قليلة اللحم. والظلم، بالفتح: ماء الأسنان، وقيل: بريقها وصفاؤها، والجمع ظلوم، واللحاظ: طرف العين الذي يلي الصّدغ. العظاء: جمع عظاية، وهي دويبّة حمراء إلى الغبرة، ذات قوائم أربع. الظّليم: ذكر النعام. الشّيظم: الطويل، اللّظى: النار والشواظ: لهبها بغير دخان. التّظني: مصدر تظنّيت أي حسبت، والأصل تظنّنت بالنون، فأبدلت ياء. والتقريظ: مدح الرجل حيّا. والقيظ: فصل الحر. والظّمأ: العطش، واللّماظ: الشيء اليسير من الطعام وقد تلمّظت، إذا تتبعت بلسانك بقيّة الطعام بعد الأكل، واسم تلك البقية اللّماظة، وقيل: التّلمظ هو لعق الشفتين باللسان من عطش أو غيظ. الحظا: انتفاخ اللحم. النّظير: المثل، الظّئر: المرضع بالأجرة، الجاحظ: الذي برزت عيناه. الأيقاظ: ضدّ النّيام، الواحد يقظ بضم القاف وكسرها، قوله التّشظّي: أن تصيّر العود فلقا، والشّظية: الفلقة منه. والشّظى: عظم لاصق بالركبة. وقيل هو تشقّق عصب الذراع، والظّلف للغنم والبقر بمنزلة الحافر للدّواب، وكل حافر مشقوق ظلف،

стр. 1344

الظّنبوب: مقدّم عظم الساق، والشظاظ: عود الشّداد، الذي يشدّ به المتاع، وقيل: هو عود يدخل في عرا الغرارتين فيحملان به على ظهر البعير. المظفّر: المؤيد. المحظور: الممنوع. الإحفاظ: الإغضاب. الحظيرات: جمع حظيرة، وهي الزّرب يعمل منه شبه الدار، تسكنها الغنم والإبل، وقد يكون من حائط، وأصل الحظر المنع، وكلّ مانع بين شيئين حظير. والمظنّة: الموضع ترمي فيه بظنّك، وفلان مظنّة خير، أي يظنّ فيه الخير، والظنة: التهمة، الكاظمون: المتجرّعون غيظهم، وقد كظم غيظه، تجرعه ورده. الوظيفات: جمع وظيفة وهي ما يلزمك من المغرم، المواظب: الملازم، وقد واظبت على الشيء، داومت عليه. الكظّة: الامتلاء من الطعام، والإلظاظ: اللزوم. الوظيف لكل ذي أربع: ما فوق الرّسغ إلى الساق. والظالع: الأعرج. والظّهير: القويّ الظهر، وهو أيضا المعين، والفظّ: الغليظ، والفظاظة: الجفاء والغلظة، والإغلاظ: الجفاء. والنّظيف: النّقيّ الحسن. والظّلف المنع والردّ، وقد ظلفت أثري ظلفا، إذا مشيت في حزونة الأرض وصلابتها فمنعت أثرك أن يؤثر فيها والفظيع: الكريه المطعم، وقد فظع الشيء اشتدت كراهيته ومرارته. عكاظ: موسم للعرب، الظعن: السفر. الحنظل: شجر مرّ، والباهظ: الغالب. والبظر: زيادة في فرج المرأة، ورجل أبظر: في شفته العليا نتوء، وامرأة بظراء، والأول راجع إلى هذا المعنى، الانعاظ: قيام الذكر. النوادر: الغرائب والشواذ. تقفو: تتبع. قيظ: شدة الحرّ، وقاظوا: دخلوا في زمن القيظ. *** فقال له الشيخ: أحسنت لأفضّ فوك، ولأبرّ من يجفوك، فو الله إنّك مع الصّبا الغضّ، لأحفظ من الأرض، وأجمع من يوم العرض، ولقد أوردتك ورفقتك زلالي، وثقفتكم تثقيف العوالي، فاذكروني أذكركم، واشكروا لي ولا تكفرون. قال الحارث بن همام: فعجبت لما أبدى من براعة، معجونة برقاعة، وأظهر من حذاقة، ممزوجة بحماقة؛ ولم يزل بصري يصعّد فيه ويصوّب، وينقّر عنه وينقّب، وكنت كمن ينظر في ظلماء، أو يسري في بهماء؛ فلمّا استراث تنبّهي، واستبان تدلّهي، حملق إليّ وتبسّم، وقال: لم يبق من يتوسم، فبهت لفحوى كلامه، ووجدته أبا زيد عند ابتسامه، فأخذت ألومه على تديّر بقعة النوكى، وتخيّر حرفة الحمقى، فكأن وجهه أسفّ رمادا، أو أشرب سوادا، إلا أنه أنشد وما تمادى: [الوافر] تخيرت وحمص وهذي الصّناعه ... لأرزق حظوة أهل الرّقاعه فما يصطفي الدهر غير الرقيع ... ولا يوطن المال إلّا بقاعه ولا لأخي اللّبّ من دهره ... سوى ما لعير ربيط بقاعه *** فضّ: كسر، يجفوك: يغلظ لك في الكلام، الغضّ: الطريّ، يوم العرض: يوم

стр. 1345

القيامة، ولما أشار من أوّل على أكبرهم، انحطّ في أسنانهم إلى أصغرهم، فختم به كما بدأ بأكبرهم، فلذلك قال: مع الصبا الغضّ. [مما قيل في الغلمان الصغار] ومما قيل في الصغار من الشعر المستحسن، قال أبو الفضل الدارمي وقد سأله الثعالبي أن يصف له غلاما صغيرا، بديع الحسن ليثبت ذلك في كتابه المترجم بألف غلام، فأنشد: [المجتث] إنّي عشقت صغيرا ... قد دبّ فيه الجمال وكاد يفشي حديث ال ... فضول فيه الدّلال لو مرّ في طرق الوص ... ل ما اعتراه الضّلال يريك بدرا منيرا ... في الحسن وهو هلال قال الحسن: [الخفيف] حين أوفى على ثلاث وعشر ... يطل عهد أذنه بالشّنوف غنة فيه للصبا تعتليه ... بحّة الاحتلام للتشريف حين رام النّساء منه بعين ... وطوى أختها على التخويف وقال آخر: [البسيط] لئن يزيد على عشر بواحدة ... وزاد أخرى وشاب الحبّ بالجزع وجاوب اللّحظ منه لحظ عاشقه ... وجوّز الوعد بين اليأس والطمع قد كان غرّا بقتلي ليس يحسنه ... فاليوم يبدع في قتلي على البدع وقال آخر: [مخلع البسيط] قالوا أتبكي على صغير ... خصصته بالوداد طفلا فقلت إن البنان خمس ... أصغر ما بينها يحلى ولابن إدريس اليماني: [مخلع البسيط] عشقته شادنا صغيرا ... وكنت لا أعشق الصّغارا أعارني سقم ناظريه ... فاشتشرفت نفسه حذارا يسفر عن وجه مستنير ... يردّ جنح الدّجى نهارا لم أر من قبل ذاك نورا ... أضرم فيه الحياء نارا ولابن شهيد: [الرمل] راقني من شيمه برق بدا ... أم سنا المحبوب أورى أزندا هبّ من نعسته منكسرا ... مسبل الكمّين مرخ للرّدا

стр. 1346

يمسح النّعسة من عيني رشا ... صائد في كلّ يوم أسدا قلت هب لي يا حبيبي قبلة ... تشف من حبّك تبريح الصدى فانثنى يهتز من منكبه ... قائلا: لا، ثم أعطاني اليدا قال لي يلعب: صد لي طائرا ... فتراني الدّهر أجري بالكدى وإذا استنجزت يوما وعده ... قال لي يمطل: ذكّرني غدا شربت أعطافه خمر الصبا ... وسقاه الحسن حتى عربدا ورأى الحسن غلاما في المكتب فأشار إلى تقبيل يده فقبّله فقال: [مجزوء الوافر] ظفرت بقبلة منه ... على عيني معلّمه أشرت بها إلى يده ... فأوصلها إلى فمه وقال الحلواني: [الوافر] تعرّضت من شفّني هجره ... ببدء سلام عليه شفاها وقلت عساه يردّ السّلام ... فتبلغ نفسي منه مناها فجاد عليّ بتقبيلة ... وقد كان أعرض عنّي وتاها وكنت كموسى أتى للضياء ... لقبس نار فناجى إلها وكتب الحسن لغلام كاتب يستعطفه، فوقع الغلام في كتابه: «تزاد هجرا إلى يوم الحساب» فقال الحسن: [الوافر] كتبت إلى الحبيب يبيت شعر ... أعاتبه فأغضبه كتابي أجبني يا ملول على كتابي ... فإنّ النّفس تسكن بالجواب فوقع في الكتاب: يزاد هجرا ... وإبعادا إلى يوم الحساب وقال ابن رشيق في محبوبه الصائغ: [الوافر] وظبي من بني الكتاب يسبي ... قلوب العاشقين بمقلتيه رفعت إليه أستقضي رضاه ... وأسأله خلاصا من يديه فوقّع: قد رددت فؤاد هذا ... مسامحة فلا يعدى عليه وناوله يوما تفاحة فقال: [الطويل] وتفاحة من كفّ ظبي أخذتها ... جناها من الغصن الّذي مثل قدّه لها لمس ردفيه وطيب نسيمه ... وطعم ثناياه وحمرة خدّه ولابن فرج: [الوافر] ومن ينظر إلى خديك يحكم ... على ورد الحدائق للخدود

стр. 1347

وما اهتزّت غصون الرّوض إلا ... تمنّت حسن قدّك في القدود وقال مسلم بن الوليد: [مجزوء الرجز] تفاحة شامية ... من كفّ ظبي غزل ما خلقت مذ خلقت ... تلك لغير القبل كأنّما حمرتها ... حمرة خدّ خجل وقال آخر في ضدّ ما تقدّم: [الوافر] فديتك لا تخف منّي سلوّا ... إذا ما غيّر الشعر الصّغارا أدين بدنّ خلّ كان خمرا ... وأهوى لحية كانت عذارا وقال ابن المعتز في مثله: [مجزوء الخفيف] من معيني على السّهر ... وعلى الحبّ والفكر ويل ما بي من شادن ... كبر الحبّ إذ كبر قوله: زلالي، أي خالص عليّ، والزلال: الماء العذب الصافي. ثقّفتكم: قوّمتكم العوالي: صدور الرّماح. براعة: فصاحة. الحذاقة: المهارة في كلّ عمل، وهي الحذق، وأصله القطع، كأنّ الحاذق يقطع الأمور المشكلة بعقله، وحذق الصبيّ القرآن: قطعه حفظا. الرقاعة: الحماقة، رقع رقاعة فهو رقيع. يصعّد: يرفع نظره. يصوب: ينظر في اعتدال واستواء. ينقّر: وينقّب: يفتش، بهماء: أرض مجهولة. استراث: استبطأ. تدلّهي: تحيري، ودلهه الحب: حيّره وأدهشه، حملق: نظر بحملاقه، وهو باطن جفنه، وهو نظر المغضب. يتوسّم: يحسن النّظر والميز. بهت: فطنت، وفي الحديث «ربّ ذي طمرين لا يؤبه له»، أي لا يفطن له لذلّته، وتأبّه فلان: تكبّر، وإنه لذو أبّهة، أي ذو كبر ونحوه. الفنجديهي: رأيت بخط الحريري: يقال: أبّهت له وأبهت ووبهت له بمعنى قال يعقوب، تقول: ما بهت له، وما بهت به وما أو بهت له، وما بهأت له: ما فطنت له، فحوى: معنى. عند ابتسامته، قد تقدّم وصفه بالقلح، يريد لمّا ابتسم ورأى قلحه عرفه. تديّر بقعة النوكى، أي اتخاذه حمص دارا، وجعلهم نوكى لرقاعتهم، والنّوك: الحمق. حرفة: صنعة أسفّ رمادا، أي تغيّر فكأنه ذرّ عليه الرماد. وأسف الجرح الدواء أي حشاه به. ما تمادى، أي ما دام ولا بقي على غضبه، وتمادى في الشيء: لجّ فيه. حظوة، أي منزلة. يصطفي: يختار. يوطن: يسكن. بقاعه: منازله. وهي جمع بقعة. أخي اللّب: صاحب العقل. عير: حمار. قاعة: انخفاض، أي ليس للإنسان من دهره إلّا ما أكله. *** ثمّ قال: أما إنّ التعليم أشرف صناعة، وأربح بضاعة، وأنجح شفاعة وأفضل براعة، وربّه ذو إمرة مطاعة، وهيبة مشاعة، ورعية مطواعة، يتسيطر تسيطر أمير، ويرتّب

стр. 1348

ترتيب وزير، ويتحكم تحكم قدير، ويتشبّه بذي ملك كبير، إلّا أنه يخرف في أمد يسير، ويتسم بحمق شهير، ويتقلّب بعقل صغير؛ ولا ينبّئك مثل خبير فقلت له: تالله إنّك لابن الأيام، وعلم الأعلام، والساحر اللاعب بالأفهام، المذلّل له سبل الكلام. ثمّ لم أزل معتكفا بناديه، ومغترفا من سيل واديه، إلى أن غابت الأيام الغرّ، ونابت الأحداث الغبر، ففارقته ولعيني العبر. *** قوله: أنجح، أي أنفع وأسرع لقضاء الحاجة. أمرة مطاعة، العرب تقول: لك عليّ أمرة مطاعة، بفتح الألف، أي أمرة أطيعك فيها، وحكى الفرّاء كسرها على ضعف، والفتح أفصح، والأمرة بالفتح: المرة الواحدة من الأمر، وبالكسر الإمارة والولاية، مشاعة: فاشية. يتسيطر: يتسلط يخرف: يهرم. يتّسم: يجعل لنفسه سمة، أي علامة الحمق. ومما قيل في المعلم وتفضيله على الوالد، أنشد الماوردي: [المنسرح] يا فاخرا للسّفاه بالسّلف ... وتاركا للعلاء والشرف آباء أجسادنا هم سبب ... لأن جعلنا عوارض التلف من علّم الناس كان خير أب ... ذاك أبو الروح لا أبو النّطف أخذه من قول الإسكندر، وقيل له: ما بال تعظيمك لمعلمك أشدّ من تعظيمك لوالدك؟ فقال: إن أبي سبب حياتي الفانية، ومعلمي سبب حياتي الباقية. ولبعضهم: [الكامل] إنّ المعلم والطبيب كلاهما ... لا ينصحان إذا هما لم يكرما فاصبر لدائك إن جفوت طبيبه ... واصبر لجهلك إن جفوت معلما جاء في الحديث «يجاء بالمعلم يوم القيامة ووجهه عظم لا لحم عليه». قال عطاء: الذين يأخذون على القرآن أجرا. ابن الأيام: الخبير بها والبصير بحوادثها، علم الأعلام: أشهر المشاهير، الأفهام، جمع فهم، أراد اللّاعب بالأذهان والعقول. سبل: طرق. معتكفا بناديه: ملازما لمجلسه. مغترفا من سيل واديه: آخذا من بحر علمه. الغرّ: البيض الحسان نابت الأحداث الغبر: رجعت النوازل الشداد التي تغبّر الأرض من شدّة قحطها، لعيني العبر، أي سخنة الدمع لحزنه. واستعبر: بكى. والله تعالى أعلم.

стр. 1349

المقامة السّابعة والأربعون وهي الحجريّة حكى الحارث بن همّام؛ قال: احتجت إلى الحجامة، وأنا بحجر اليمامة، فأرشدت إلى شيخ يحجم بلطافة، ويسفر عن نظافة؛ فبعثت غلامي لإحضاره، وأرصدت نفسي لانتظاره، فأبطأ بعد ما انطلق. حتى خلته قد أبق، أو ركب طبقا عن طبق. ثم عاد عود المخفق، مسعاه، الكلّ على مولاه، فقلت له: ويلك! أبطء فند. وصلود زند! فزعم أن الشّيخ أشغل من ذات النّحيين، وفي حرب كحرب حنين، فعفت الممشى إلى حجّام، وحرت بين إقدام واحجام: ثمّ رأيت ألّا تعنيف. على من يأتي الكنيف. *** قوله: احتجت للحجامة، وأنا بحجر اليمامة. أنس عن النبي ﷺ ، قال: «خير ما تداويتم به الحجامة والشّونيز والقسط» (١). القسط: عود يجاء به من الهند، يجعل في الدّواء والبخور. وروى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «خير يوم يحتجم فيه سبعة عشر وتسعة عشر وأحد وعشرون، وما مررت بملإ من الملائكة ليلة أسري بي إلّا قالوا: عليك بالحجامة يا محمد» (٢). وقال عبد الله بن عمر ﵄: لقد تبيّغ بي الدّم يا نافع، ادع لي حجّاما، ولا يجعله شيخا كبيرا، ولا صبيا، ثم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحجامة على الرّيق أمثل، فيها شفاء وبركة، تزيد في العقل والحفظ، وتزيد الحافظ حفظا، فمن احتجم فيوم الخميس والأحد والاثنين والثلاثاء، فإنه يوم رفع الله فيه البلاء» (٣). عن أيوب ﵇، وأصابه [مرض] يوم الأربعاء: لا يبدأ جذام أو برص إلا في يوم الأربعاء أو ليلته.

стр. 1350

حجر: قصبة. اليمامة. يأتي ذكرها في الخمسين إن شاء الله تعالى، وهي بلدة كبيرة كثيرة النخل، وسكنتها حنيفة، وهي بلدة مسيلمة الكذاب الحنفيّ، وبها تنبّأ وآمن به أهلها، وهي «فعالة» من اليمم، وهو طائر، أو من يمّمت الشيء إذا تعمّدته، من الأمام، بمعنى قدّام وأبدلت الهمزة ياء لمّا دخلتها الهاء، وأقرب المدن منها البصرة. يسفر: يكشف. نظافة: صقالة وحسن. أرصدت: أعددت أبق: هرب. طبقا عن طبق: حالا عن حال، وأمرا عن أمر. المخفق: الخائب مسعاه: سعيه. الكلّ على مولاه: الذي لا ينفعه بشيء، ولا يكفيه أمر نفسه، والكلّ: الثقيل الروح. قوله: صلود زند، هو ألّا يسمح الزّند بالنار. حنين: موضع وقعة مشهورة، كانت بين النبي ﷺ وبين هوازن، هزمت فيها هوازن، وسبيت أموالهم وعيالهم، وقتل فيها دريد بن الصّمة كافرا. عفت: كرهت. الإقدام: الجرأة والترامي. والإحجام: الرجوع إلى خلف أراد أنه ردّد رأيه: هل يأتيه أم لا؟ والتّعنيف: العتب. والكنيف: المرحاض. [من أسماء المرحاض] ونذكر هنا حكاية ظريفة تجمع أسماءه. رحل رجل من الكوفة إلى ابن عمّ له من بني هاشم بالمدينة، فأقام حولا عنده، لا يدخل مستراحا، فلما أراد الرجوع إلى الكوفة، قال: ابن عمّه لقينتين له: أما رأيتما ظرف ابن عمّي، أقام حولا عندنا لم يدخل الخلاء، قالتا: فعلينا أن نصنع له شيئا لا يجد معه بدّا من الخلاء، قال: شأنكما، فعمدتا إلى خشب العشر، وطرحتاه في شرابه وهو مستهلّ؛ فلما حضر وقت شرابهما قرّبتاه له وسقتا مولاهما: من غيره، فلما أخذ الشراب منهما تناوم مولاهما، ومغص الفتى من بعده، فقال لإحداهما: يا سيدتي، أين الخلاء؟ فقالت لها صاحبتها: ما يقول لك؟ قالت: يسألك أن تغنّيه: [الوافر] عفا من آل فاطمة الجواء ... فمنزل أهلها منها خلاء فغنّته، فقال: أظنّهما كوفيتين، فقال للأخرى: يا سيدتي أين الحشّ؟ فقالت لها صاحبتها: ما يقول لك؟ قالت: يسألك أن تغنيه: * لقد أوحش الرّيان فالدّير منهما* فغنّته، فقال الفتى: أظنّهما عراقيّتين، وما فهمتا عني، فقال للأخرى: يا سيدتي، أين المتوضّأ؟ فقالت لها صاحبتها: ما يقول لك؟ قالت: يسأل أن تغنّيه: [الوافر] توضّأ للصّلاة وصلّ خمسا ... وأذّن بالصّلاة على النبيّ فقال: أظنّهما حجازيّتين، وما فهمتا عني، فقال لإحداهما: يا سيدتي، أين الكنيف؟ فقالت لها صاحبتها: ما يقول لك؟ قالت: إنه يسألك أن تغنيه: تكنّفني الواشون من كلّ جانب ... ولو كان واش واحد لكفاني

стр. 1351

فغنّته، فقال: أظنّهما تهاميّين، فقال للأخرى: يا سيدتي أين المستراح؟ فقالت لصاحبتها: ما يقول لك؟ قالت: يسألك أن تغنّيه: [الكامل] ترك الفكاهة والمزاحا ... وقلّى الصّبابة فاستراحا فغنّته، والمولى يسمع، فلما كربه الأمر أنشأ يقول: [الوافر] تكنّفني الملاح وأضجروني ... على ما بي بتكرير الأغاني فلمّا ضاق عن ذاك اصطباري ... ذرفت به على وجه الزواني ثم حلّ سراويله، وسلح عليهما، فتركهما آية للناظرين. وانتبه مولاهما، فلمّا رأى ما نزل بهما، قال له: يا أخي ما حملك على هذا؟ قال له: يا بن الزانية، لك جوار يرين المخرج صراطا مستقيما فلا يدللنني عليه، فلم يكن لهنّ جزاء عندي غير هذا، ثم رحل عنه. فيقول أبو محمد: لا بأس للإنسان أن يأتي المواضع الخسيسة عند الضرورة، وأصل الكنيف الساتر. *** فلمّا شهدت موسمه، وشاهدت ميسمه، رأيت شيخا هيئته نظيفة، وحركته خفيفة. وعليه من النّظارة أطواق، ومن الزّحام طباق، وبين يديه فتى ك الصّمصامة ، مستهدف للحجامة، والشيخ يقول له: أراك قد أبرزت رأسك، قبل أن تبرز قرطاسك، وولّيتني قذالك، ولم تقل: لي ذلك، ولست ممّن يبيع نقدا بدين، ولا يطلب أثرا بعد عين، فإن أنت رضخت بالعين، حجمت في الأخدعين. وإن كنت ترى الشّحّ أولى، وخزن الفلس في النّفس أحلى، فاقرأ عَبَسَ وَتَوَلَّى [عبس: ١]، واغرب عنّي وإلّا؛ فقال الفتى: والّذي حرّم صوغ المين؛ كما حرّم صيد الحرمين؛ إني لأفلس من ابن يومين، فثق بسيل تلعتي، وأنظرني إلى سعتي. *** موسمه: مجتمعه وسوقه. ميسمه: علامته. النظارة: الناس الناظرون أطواق: أي حلقة خلف حلقة، قد استداروا حوله. والطّباق: الذي طوبق، فجعل بعضه على بعض، شبّه به ركوب بعض النّاس بعضا. [الصمصامة] والصّمصامة: سيف عمرو بن معد يكرب، وكانت تقطع الحديد كما يقطع الحديد الخشب. وبعث ملك الهند إلى الرّشيد بسيوف قلعيّة، وكلاب سلوقيّة، وثياب هندية،

стр. 1352

فأمر الأتراك فصفّوا بين يديه صفّين، قد لبسوا الحديد، ودخل الرشيد فقال لهم: ما جئتم به؟ قالوا: هذه أشرف كسوة بلادنا، فأمر فقطّعت جلالا وبراقع لخيله، فكبّوا على وجوههم، وتذمّموا، ثم قال: ما عندكم؟ قالوا: هذه سيوف قلعية، لا نظير لها؛ فدعا بالصّمصامة، فقطعت بها السيوف سيفا سيفا، كما يقطع الفجل من غير أن تنثني لها شفرة. ثم عرض عليهم حدّ السّيف فإذا هو لا فلّ فيه، ثم قال: ما عندكم؟ قالوا: كلاب سلوقيّة، لا يبقى لها كلب ولا سبع إلّا عقرته، فأمر بالأسد فأخرج إليهم، فلما نظروا إليه هالهم، وقالوا: ليس عندنا مثل سبعكم، ثم أرسلوا عليه الأكلب- وكانت ثلاثة- فمزّقته، فقال: تمنّوا في هذه الأكلب ما شئتم، قالوا: السّيف الذي قطع سيوفنا، قال: لا يجوز في ديننا أن نهاديكم بالسلاح فانقلبوا خائبين. وكانت الصمصامة عند الهادي، فدعا بها يوما وبمكتل مملوء دنانير، وأمر الشعراء أن يقولوا فيه، فبدأهم ابن يامين فقال: [الخفيف] حاز صمصامة الزّبيديّ عمرو من بي ... ن جميع الأنام موسى الأمين سيف عمرو، وكان فيما سمعنا ... خير ما أغمدت عليه الجفون أو قدت فوقه الصّواعق نارا ... ثم شابت به الزّعاف القيون وإذا ما شهرته بهر الشّم ... س ضياء فلم تكد تستبين يستطير الأبصار كالقبس المش ... عل ما تستقرّ فيه العيون وكأن الفرند والجوهر الجا ... ري على صفحتيه ماء معين ما يبالي إذا الضريبة حانت ... أشمال سطت به أم يمين وكأنّ المنون نيطت إليه ... فهو من كلّ جانبيه منون فقال له: لك السيف والمكتل، ففرّق، المكتل على الشعراء، وقال: حرمتهم بسببي، وأخذ من المهديّ في السيف خمسين ألف دينار. وممن أفرط في وصف قطع السّيف النمر بن تولب حين قال: [البسيط] أبقى الحوادث والأيام من نمر ... أسباد سيف كريم أثره بادي تظلّ تحفر عنه الأرض مندفنا ... بعد الذّراعين والساقين والهادي ويروى: [البسيط] * تظلّ تحفر عنه إن ضربت به* والأسباد: البقايا، واحدها سبد، وقال أبو الهول: [الطويل] حسام غداة الرّوع ماض كأنّه ... من الله في قبض النّفوس دليل كأنّ جنود الذرّ كسّرن فوقه ... قرون جراد بينهنّ دخول

стр. 1353

كأن على إفرنده موج لجّة ... تقاصر في ضحضاحه وتطول وقال ابن الرومي: [الوافر] يقول القائلون إذا رأوه ... لأمر ما تغوليت الدّروع والشعر في وصف السيف كثير مشهور فلذلك اقتصرنا على هذه النبذة. قوله: مستهدف، أي منتصف، والهدف: الغرض، وأراد بالقرطاس قطعة من كاغد توضع فيها الدرهم. الفنجديهي: القرطاس: درهم من نحاس، وفيه شيء من الفضة، يتعاملون به في الشأم. قذالك: مؤخّر عنقك وهو ما بين نقرة القفا إلى الأذن وجمعه قذل. ذا، إشارة إلى الدرهم نقدا: حاضرا. أثرا بعد عين، قد تقدّم، والعين: نفس الشيء، وقيل: العين المعاينة، فمعناه لا أترك شيئا وأنا أعاينه، وأطلب أثره إذا غاب. وقال الفنجديهيّ: سمعت بعض الفضلاء بفنجدية، يقول: حكي أنّ رجلا سرق منه شيء، فخرج يطلب السّارق، فلما ظفر به أخذ يضربه ويشدّ وثاقه، فقال له أحد أهل البلد: خلّ سبيله، حتى يخرج فإن هنا أثر قدميه، فضحك الرجل منه وقال: لا أطلب أثرا بعد عين، فصار مثلا لمن ترك شيئا حاصلا ثم تبع أثره بعد فوت عينه. رضخت: أعطيت. والعين: الدراهم والدنانير. الأخدعان: عرقان يقع عليهما المحجمتان، وقيل: هما في صفحتي العنق قد خفيا وبطنا فلخفائهما يخدعان الحاجم. خزن: إمساك وحبس. اغرب: غب. وإلّا، معناه وإلّا صفعت عنقك. المين: الكذب. الحرمين: مكّة والمدينة، حرم الله تعالى بمكة وحرم رسول الله ﷺ بالمدينة. التّلعة: مجرى الماء من أعلى الوادي أنظرني: أخّرني، سعتي: غناي. *** فقال له الشيخ: ويحك! إن مثل الوعود، كغرس العود، هو بين أن يدركه العطب، أو يدرك منه الرّطب، فما يدريني: أيحصل من عودك جنى، أم أحصل منه على ضنى، ثم ما الثّقة بأنّك حين تبتعد، ستفي بما تعد! وقد صار الغدر كالتحجيل، في حلية هذا الجيل، فأرحني بالله من التّعذيب، وارحل إلى حيث يعوي الذّئب. فاستوى الغلام إليه، وقد استولى الخجل عليه، وقال: والله ما يخيس بالعهد، غير الخسيس الوغد، ولا يرد غدير الغدر، إلّا الوضيع القدر؛ ولو عرفت من أنا، لما أسمعتني الخنا؛ لكنّك جهلت فقلت، وحيث وجب أن تسجد بلت، وما أقبح الغربة والإقلال، وأحسن قول من قال: ***

стр. 1354

جنى: ما يجنى منه. ضنّى: مرض. التّحجيل: بياض في قوائم الفرس حلية: صفة وزينة. الجيل: أهل العصر. استوى: اعتدل قائما استولى: غلب عليه الخجل. يخيس: يغدر، وخاس الشيء تغيّر. الوغد: الرّذل الساقط الخسيس الدنيء. الخنا: الفحش. [البسيط] إن الغريب الطّويل الذّيل ممتهن ... فكيف حال غريب ما له قوت! لكنّه ما تشين الحرّ موجعة ... فالمسك يسحق والكافور مفتوت وطالما أصلي الياقوت جمر غضى ... ثمّ انطفى الجمر والياقوت ياقوت فقال له الشيخ: يا ويلة أبيك، وعولة أهليك! أأنت في موقف فخر يظهر، وحسب يشهر، أم موقف جلد يكشط، وقفا يشرط؛ وهب أنّ لك البيت، كما ادّعيت، أيحصل بذلك، حجم قذالك؛ لا والله ولو أنّ أباك أناف، على عبد مناف، أو لخالك دان، عبد المدان. *** الطويل الذيل: الكثير المال. تشين: تعيب. أصلي: أدخل النار الياقوت: حجارة يتزين بها والنار لا تغيره. ومما جاء في معنى هذا الشعر: [البسيط] إن الغريب ذليل حيثما سلكا ... لو أنه ملّك كلّ الورى ملكا إذا تغنّى حمام الأيك في غصن ... حنّ الغريب إلى أوطانه فبكى آخر: [الكامل] وإذا حللت بدار قوم دارهم ... فلهم عليك تعزّز الأوطان فالشّمس تشرق في محلّة كبشها ... وتكون منحطّا مع الميزان وقال الفقيه الحافظ أبو محمد بن حزم: [البسيط] لا يشمتن حاسد إن نكبة عرضت ... فالدّهر ليس على حال بمترك فالحرّ كالتّبر يلفى تحت منقعة ... طورا وطورا يرى تاجا على ملك وقال البحتريّ في سعيد وقد حبس: [الكامل] وما هذه الأيّام إلّا مراحل ... فمن منزل رحب ومن منزل ضنك وقد هذّبتك النائبات وإنّما ... صفا الذهب الإبريز قبلك بالسّبك وقال أبو بكر بن دريد: [المنسرح] لا تحقرن عالما وإن خلقت ... أثوابه في عيون رامقه

стр. 1355

وانظر إليه بعين ذي خطر ... مهذّب الرأي في طرائقه فالمسك إذ ما تراه ممتهنا ... بفهر عطّاره وساحقه سوف تراه بعارضي ملك ... وموضع التّاج من مفارقه وقال ابن شماخ: [الطويل] نوائب غالتني فأبدت فضائلي ... فكانت وكنت النّار والعنبر الورد وعلى لسان عود الطيب: [المجتث] إن مسّت النّار جسمي ... أبديت طيب نسيمي كالدّهر إن عضّ يوما ... أبان فضل كريم وسخط المتوكل على عليّ بن الجهم، فنفاه إلى خراسان، وكتب أن يصلب إذا وردها يوما إلى الليل، فلمّا وصل إلى الشاذياخ حبسه طاهر بن عبد الله، ثم أخرجه فصلبه إلى الليل مجرّدا فقال: [الكامل] لم يصلبوا بالشاذياخ عشية الاثني ... ن مسبوقا ولا مجهولا نصبوا بحمد الله ملء عيونهم ... شرفا وملء صدورهم تبجيلا ما ازداد إلا رفعة وسعادة ... وازدادت الأعداء عنه نكولا هل كان إلا الليث فارق غيله ... فرأيته في محمل محمولا ما عابه أن بزّ عنه لباسه ... كالسّيف أفضل ما يرى مسلولا وقال في الحبس: [الكامل] قالت حبست فقلت ليس بضائر ... حبسي وأيّ مهنّد لا يغمد أو ما رأيت اللّيث يألف غيله ... كبرا وأوباش السّباع تصيّد فالشمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد والنّار في أحجارها مخبوءة ... لا تصطلى إن لم تثرها الأزند والحبس إن لم تغشه لدنية ... شنعاء نعم المنزل المتورّد بيت يجدّد للكريم كرامة ... ويزار فيه ولا يزور ويحمد لو لم يكن في الحبس إلا أنه ... لا تستذلك بالحجاب الأعبد أخذ الأحوص أحد الأمراء بأمر الوليد بن عبد الملك لأنّه كان يراود غلمانه، فضربه مائة سوط وصبّ عليه الزيت، وأوقفه في الشمس، وهو مع ذلك يقول: [الكامل] ما تعتريني من خطوب ملمة ... إلا تشرّفني وترفع شاني (١)

стр. 1356

إنّي على ما قد علمت مجسّد ... أنمى على البغضاء والشنآن فإذا تزول تزول عن متخمّط ... تخشى بوادره على الأقران إني إذا خفي اللئيم وجدتني ... كالشّمس لا تخفى بكلّ مكان *** قوله: يا ويلة أبيك. الويلة: الفضيحة. والويل: الحزن. والعولة: البكاء الشديد، وأعول يعول إعوالا، إذا رفع صوته وصاح. أهليك: جمع أهل يكشط: يحلق شعره. هب، أي احسب. وذكر في الدرة أن خواصّ العراق يقولون: هب أني فعلت، وهبه فعل، كقول أبي دهبل: [الطويل] هبوني امرأ منكم أضل بعيره ... له ذمّة إنّ الذمام كبير (١) قال: وهبني، أي عدّني واحسبني، فكأنّ فيه معنى الأمر من وهب انتهى ما قاله في الدرة. وقال هنا: وهب أن لك ... البيت، وبيت القبيلة: أشرف فخذ فيها أناف: أشرف. [عبد مناف بن قصي] عبد مناف بن قصيّ، هو بيت قريش وشريفها، وهو جدّ رسول الله ﷺ ، واسمه المغيرة، وكان يقال لعبد مناف: القمر لجماله وبهائه ورفعه منزلته، وسمّي عبد مناف لأنه شرف وعلا، وأناف على أشراف العرب، وكانت الرّكاب تضرب إليه من أطراف الأرض يتحفونه تحف الملوك، فيكرمهم، وكان عنده لواء نزار، وقوس إسماعيل، وسقاية الحاج والمفاتيح ولما قسم والده المجد بين أولاده جعل السّقاية والرّئاسة لعبد مناف، والدّار لعبد الدار، والرفادة لعبد العزّى، وجانبي الوادي لعبد بن قصيّ قال الشاعر: [الكامل] كانت قريش بيضة فتفلّقت ... فالمحّ خالصه لعبد مناف (٢) ولما مات قصيّ رأس ابنه عبد مناف، وجلّ قدره، فأتته خزاعة وبنو الحارث بن كنانة يسألونه الحلف ليعزّوا به، فعقد معهم.

стр. 1357

وأمّا شرف عقبه فلأن منه بني هاشم، الذين فيهم النبوّة والخلافة، ومنه بنو أميّة القادة في الجاهلية، وأهل الخلافة في صدر الإسلام، وقد قدّمنا في أخبار الشافعيّ أن عبد مناف، يجتمع بنو هاشم وبنو أمية فيه، فلهؤلاء انتهى شرف مضر. [بنو عبد المدان] وأما بنو عبد المدان فأشراف اليمن، وبهم يضرب المثل في الشرف والعزة، وهو عبد المدان بن الديان بن قطن بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن مالك بن كعب ابن الحارث بن كعب بن خالد بن بجيلة بن مذحج وقال لقيط بن زرارة: [الوافر] شربت الخمر حتى خلت أني ... أبو قابوس أو عبد المدان أمشي في بني عدس بن زيد ... رخيّ البال منطلق اللّسان وقال حسان ﵁: [الوافر] وقد كنا نقول إذا رأينا ... لذي جسم يعدّ وذي بيان كأنك أيّها المعطي بيانا ... وجسما من بني عبد المدان وقالوا لحسّان: كنّا يا أبا الوليد، ونحن نطول بأجسامنا على العرب نرى لأنفسنا بذلك فضلا، حتى قلت: [البسيط] دعوا التخاجؤ وامشوا مشية سحجا ... إنّ الرجال أولو قد وتذكير لا بأس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير فتركتنا لا نرى لأجسامنا فضلا. وحكى الأصمعيّ: أنه اجتمع يزيد بن عبد المدان وعامر بن الطّفيل بسوق عكاظ، وقدم أميّة بن الأسكر الكناني ومعه ابنة له، من أجمل أهل زمانها، فخطبها يزيد وعامر، فقالت أمّ كلاب (امرأة أمية): من هذان الرجلان؟ فعرّفها أمية، فقالت: أعرف بني الديان ولا أعرف عامرا، قال: هل سمعت بملاعب الأسنّة؟ قالت: نعم، فقال: هذا ابن أخته، فقال يزيد: يا أمية أنا ابن الديان، صاحب الكثيب ورئيس مذحج ومكلّم العقاب، ومن كان يصوّب أصابعه فتنظف دما، وراحته فتخرج ذهبا، فقال أميّة: بخ بخ، فقال عامر: جدّي الأجذم، وعمّيالأصم، وخالي ملاعب الأسنة، وأبي فارس قرزل، فقال أمية: بخ بخ، مرعى ولا كالسّعدان، فأرسلها مثلا، فقال يزيد: يا عامر، هل تعلم شاعرا من قومي رحل بمدحة إلى رجل من قومك؟ قال: لا، قال: فهل تعلم أن شعراء قومك يرحلون بمدائحهم إلى قومي؟ قال: اللهم نعم، فنهض يزيد وهو يقول: [الكامل] أميّ يا ابن الأسكر بن مدلج ... لا تجعلن هوازنا كمذحج

стр. 1358

لا النبع في مغرسه كالعوسج ... ولا الصريح المحض كالممزج *** فلا تضرب في حديد بارد، ولا تطلب ما لست له بواجد، وباه إذا باهيت بموجودك؛ لا بجدودك، وبمحصولك، لا بأصولك، وبصفاتك، لا برفاتك، وبأعلاقك، لا بأعراقك؛ ولا تطع الطّمع فيذلّك، ولا تتّبع الهوى فيضلّك، ولله القائل لابنه: [الطويل] بنيّ استقم فالعود تنمي عروقه ... قويما ويغشاه إذ ما التوى التّوى ولا تطع الحرص المذلّ وكن فتى ... إذا التهبت أحشاؤه بالطّوى طوى وعاص الهوى المردي فكم من محلّق ... إلى النّجم لما أن أطاع الهوى هوى وأسعف ذوي القربى فيقبح أن يرى ... على من إلى الحرّ اللّباب انضوى ضوى وحافظ على من لا يخون إذا نبا ... زمان ومن يرعى إذا ما النّوى نوى وإن تقتدر فاصفح فلا خير في امرئ ... إذا اعتلقت أظفاره بالشّوى شوى وإياك والشّكوى فلم تر ذا نهى ... شكا بل أخو الجهل الّذي ما ارعوى عوى قوله: لا تضرب في حديد بارد، هو مثل لمن يحاول الانتفاع بمن ليس عنده نفع، وقال أبو الشمقمق يهجو سعيد بن سلم: [الطويل] هيهات تضرب في حديد بارد ... إن كنت تطمع في نوال سعيد تالله لو ملك البحار بأسرها ... وأتاه سلم في زمان مدود يبغيه منها شربة لطهوره ... لأبى وقال: تيمما بصعيد وكذب عليه، كان سعيد بن سلم من أجود الناس. قوله: باه، أي فاخر موجودك ومحصولك: ما تجده من المال ويحصل لك. رفاتك: عظام أجدادك البالية. الأعلاق: جمع علق، وهو النّفيس الرفيع من الذّخائر. أعراقك: أصولك. قوله: ولا تطع الطّمع فيذلّك، ومن دعاء النبي ﷺ : «اللهمّ إني أعوذ بك من طمع حيث لا طمع، وأعوذ بك من طمع يهدي إلى الطّبع» (١)، وقال النبي ﷺ : «خيار المؤمنين القانع، وشرارهم الطامع». وقال الحسن البصريّ لبعض ولد عليّ ﵄: ما ملاك الدّين؟ قال: الورع، قال: ما آفته؟ قال: الطمع. قوله: ولا تتّبع الهوى فيضلّك، ابن عباس رضي الله

стр. 1359

عنهما، قال ﷺ : «ثلاث مهلكات، شحّ مطاع، وهوى متّبع، وعجب كلّ ذي رأي برأيه» (١). وقال ﷺ : «إنّ أخوف ما أخاف على أمتي الهوى وطول الأمل، أمّا الهوى فيصدّ عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة» (٢). وقال بعضهم: أفضل النّاس من عصى هواه، وأفضل منه من رفض دنياه. تنمي: تزيد. التوى: اعوجّ. التّوى: الهلاك. القويم: المعتدل. التهبت: اشتعلت الطّوى: الجوع. طوى، أي طوى عليه ضلوعه وستره. وقال أبو فراس: [الكامل] لا أرتضي ودّا إذا هو لم يدم ... عند الجفاء وقلة الإنصاف (٣) تعس الحريص وقلّ ما يأتي به ... عوضا من الإلحاح والإلحاف إنّ الغنيّ هو الغنيّ بنفسه ... ولو أنه عاري المناكب حافي ما كلّ ما فوق البسيطة كافيا ... فإذا قنعت فكلّ شيء كافي ويعاف لي طمع الحريص فتوّتي ... ومروءتي وقناعتي وعفافي شيم عرفت بهنّ مذ أنا يافع ... ولقد عرفت بمثلها أسلافي قوله: المردي، أي المهلك المحلّق: الطائر يستدير في طيرانه. هوى: سقط. أسعف: اقض حوائجهم. اللّباب: الخالص. انطوى، انقطع إلى جودك وتعلّق به. نبا: ارتفع ولم يوافق. يرعى: يحفظ. النّوى: البعد نوى: أراده وقصده، وقد قالوا: خير الإخوان، من أقبل عليك إذا أدبر الزمان. الشّوى: القوائم، ويقال لجلدة الرأس: شوى. وقوله: شوى، أي صنع شواء وأولاها النار. يقول: من اعتذر إليك من الإخوان فاعذره، ولا تكن ممّن إذا وقع على ذنب لصاحبه أخذه به، ونزع جلدة رأسه فشواها. [مما جاء في قبول العذر] وقال ﷺ : «من لم يقبل من متنصّل عذرا، صادقا كان أو كاذبا، لم يرد عليّ الحوض». وقالوا: المعترف بالذنب كمن لا ذنب له. واعتذر رجل إلى إبراهيم بن المهديّ، فقال: قد أغناك الله بالعذر عن الاعتذار، وأغنانا بحسن النية عن سوء الظن. وقال الحسن بن وهب: [السريع] ما أحسن العفو من القادر ... لا سيما عن غير ذي ناصر

стр. 1360

إن كان لي ذنب ولا ذنب لي ... فما له غيرك من غافر أعوذ بالودّ الذي بيننا ... أن تفسد الأوّل بالآخر وقالوا: ليس من العدل، سرعة العذل. وقال آخر: [البسيط] أقبل معاذير من وافاك معتذرا ... أبرّ فيما أتى من ذاك أو فجرا فقد أطاعك من يرضيك ظاهره ... وقد أجلّك من يعصيك مستترا آخر: [الطويل] وهبني مسيئا كالذي قلت ظالما ... فعفوا جميلا كي يكون لك الفضل فإن لم أكن للعفو عندك للّذي ... أتيت به أهلا فأنت له أهل الأحنف: ربّ ملوم لا ذنب له. آخر: [الطويل] * لعل له عذرا وأنت تلوم* آخر: [الطويل] إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه ... وكلّ امرئ لا يقبل العذر مذنب وقال محمد بن سليم لا بن السمّاك: بلغني عنك شيء كرهته، فقال: إذا لا أبالي، قال: لم؟ قال: لأنه إن كان حقّا غفرته، وإن كان باطلا لم تقبله. وقالوا في ترك الاعتذار: [الطويل] إذا كان وجه العذر ليس ببيّن ... فإنّ اطّراح العذر خيرا من العذر قوله: الشّكوى، أي المشتكي إلى الناس بالضر. نهى: عقل. ارعوى: رجع. وارعوى عن القبيح: كفّ عنه وحسن رجوعه ونزوعه عنه من الرّعوى، وهي حسن المراجعة والنزوع عن الجهل. الفراء وابن سيده: عوى الفصيل والكلب، إذا صاح فمدّ صوته، قال الشاعر: [الطويل] بها الذّئب محزونا كأنّ عواءه ... عواء فصيل آخر الليل محثل المحثل: السيئ الغذاء، وإذا دعا الرّجل النّاس إلى الفتنة فقد عوى واستعوى، وسمعت عوّة القوم، أي أصواتهم وجلبتهم، قاله الأصمعيّ وأبو زيد: بل أخو الجهل الّذي عوى بالشكاية وقت ارعوائه أي رجوعه عنك، والمعنى كلما غاب عنك: تشكّى، وما مع الفعل مصدرية وظرف الزمان محذوف، أي وقت ارعوائه كقوله تعالى: ما

стр. 1361

دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [هود: ١٠٧] أي مدة دوامهما، يريد أن العاقل يحتمل ضرّ الزمان ولا يشتكي والجاهل الّذي متى رجع عن التشكّي لم يرجع رجوعا حسنا، بل يعوي بالتّشكي عواء الذئب. *** فقال الغلام للنّظارة: يا للعجيبة، والطرفة الغريبة! أنف في السّماء، واست في الماء، ولفظ كالصّهباء، وفعل كالحصباء. ثمّ أقبل على الشّيخ بلسان سليط، وغيظ مستشيط، وقال: أفّ لك من صوّاغ باللّسان، روّاغ عن الإحسان: تأمر بالبرّ، وتعقّ عقوق الهرّ، فإن يكن سبب تعنّتك، نفاق صنعتك، فرماها الله بالكساد، وإفساد الحسّاد؛ حتّى ترى أفرغ من حجّام ساباط، وأضيق رزقا من سم الخياط فقال له الشيخ: بل سلّط الله عليك بثر الفم، وتبيّغ الدّم؛ حتّى تلجأ إلى حجّام عظيم الاشتطاط، ثقيل الاشتراط، كليل المشراط، كثير المخاط والضّراط. *** قوله: الطّرفة الغريبة، أي التي لم ير مثلها. الصّهباء: الخمر. الحصباء: الحجارة. سليط، أي متسلط. مستشيط: منتشر في الشرّ ملتهب في الغضب صوّاغ: كذّاب، وصاغ الكذب: صنعه. راغ: مال إليه من حيث لا يعلم، وراغ إلى أهله: رجع في إخفاء. روّاغ: ميّال وفرّار في خفية. تعقّ: تقطع وعقوق الهرة، أنّها تأكل أولادها. وحكى الأصمعي في كتاب «أفعل من كذا»، يقال: أعقّ من ضبّ، قال: أرادوا ضبّة، فكثر الكلام بها فقالوا: ضبّ، وعقوقها أنها تأكل أولادها، وذلك أن الضّبّة، إذا باضت حرست بيضتها من كلّ ما قدرت عليه من ورل وحيّة وغير ذلك، فإذا خرجت أولادها من بيضتها ظنتها شيئا يريد بيضها، فوثبت عليه تقتله، فلا ينجو منها إلا الشديد. قال: وهذا موضوع قد وضعته العرب في موضعه، وأتت بعلّته، ثم جاءت إلى ما هو في العقوق مثل الضّبّة، فضربت به المثل على الضدّ، فقالوا: أبرّ من هرّة، وهي أيضا تأكل أولادها، فحين سئلوا عن الفرق وجّهوا أكل الهرة أولادها إلى شدة الحبّ، فلم يأتوا بحجّة مقنعة. وقال الشاعر: أما ترى الدّهر وهذا الورى ... كهرّة تأكل أولادها واختصم إلى شريح، في ولد هرّة، فقال شريح: ألقه مع هذه، فإن هي قرّت ودرّت واسبطرّت، فهو لها، وإن هي هرّت وفرّت واقشعرّت، فليس لها. اسبطرّت: اضطجعت وهرّت كهرت، من هرير الكلب، واقشعرّ الجلد: قامت شعوره. قوله: تعنتك: طلب مشقتك، والتّعنّت: طلب الزّلّة، وتعنّته أدخل عليه الأذى إذا

стр. 1362

سأله عن شيء، أراد به اللّبس والمشقّة عليه. سمّ الخياط: ثقب الإبرة. بثر: خرّاج صغار، ويقال بثر الجرح، إذا خرجت به أورام صغار فيزيد به سيلان الدم عن الأكل وغيره. تبيّغ: هيجان وتبيّغ دمه: هاج عليه تلجأ: تحوج. الاشتطاط: مجاوزة القدر. كليل: حاف. *** قال: فلمّا تبيّن الفتى أنه يشكو إلى غير مصمّت، ويراود استفتاح باب مصمت، أضرب عن رجع الكلام، واحتفز للقيام، وعلم الشيخ أنه قد ألام، بما أسمع الغلام، فجنح إلى سلمه، وبذل أن يذعن لحكمه، ولا يبغي أجرا على حجمه، وأبى الغلام إلّا المشي بدائه، والهرب من لقائه، وما زالا في حجاج وسباب، ولزاز وجذاب، إلى أن ضجّ الفتى من الشّقاق، وتلا ردنه سورة الانشقاق، فأعول حينئذ لوفارة خسره، وانعطاط عرضه وطمره. وأخذ الشّيخ يعتذر من فرطاته، ويغيّض من عبراته، وهو لا يصغي إلى اعتذاره، ولا يقصر عن استعباره، إلى أن قال له: فذاك عمّك، وعداك ما يغمّك، أما تسأم الإعوال، أما تعرف الاحتمال، أما سمعت بمن أقال، وأخذ بقول من قال: [السريع] أخمد بحلمك ما يذكيه ذو سفه ... من نار غيظك واصفح إن جنى جاني فالحلم أفضل ما ازدان اللّبيب به ... والأخذ بالعفو أحلى ما جنى جاني *** يراود: يعالج. مصمّت: مغلق. احتفز: تهيّأ وتشمّر. ألام: أتى بما يلام عليه. قال الشاعر: * ومن يخذل أخاه فقد ألاما* جنح: مال سلمه: صلحه. بذل أن يذعن، أي أعطى الانقياد من نفسه يبغي أجرا: يطلب أجرة، في حجاج وسباب، أي في لحة وشتم. لزاز: ملازمة للخصومة. وخصم لزّاز ملزّ، أي لا يفارق الخصومة. جذاب: مضاربة وجذب كلّ واحد منهما بثوب صاحبه. ضجّ: صاح. وتلا ردنه، أي قرأ كمه، وجعل صوب التّخريق كأنه قراءة. أعول: بكى. وفارة خسره، أي كمال خسرانه. انعطاط عرضه وطمره، أي تمزيق عرضه بالشّتم، وثوبه بالتخريق، والطّمر: الثوب الخلق. فرطاته: بوادره، وما سبق من إذايته. يغيّض: يذهب وينقص. عبراته: دموعه. يصغي: يستمع، يقصّر: يكفّ. استعباره: بكائه عداك: تجاوزك. يغمّك: يغطّي قلبك بالهمّ. تسأم: تملّ. الإعوال: البكاء الاحتمال: التسامح والصّبر على الأذيّة: أقال: غفر الذنب. أخمد:

стр. 1363

أطفئ وسكّن. يذكيه: يوقده. سفه: جهل، اصفح: أظهر كرمك. جنى: أوقع بك جناية. والجاني: فاعلها. الحلم: العقل والصّبر على المضرّات. ازدان: افتعل من الزّين، أي تزيّن به. اللبيب: العاقل. العفو: غفر الذنب. جنى: قطف الثمر. وهذان البيتان من بدائع مزدوجاته التي نبّهنا على أنها من فائق شعره، وسبقه سابق البربريّ إلى معناهما بقوله: [البسيط] لا تظهرنّ لذي جهل معاتبة ... فربّما هيّجت بالشيء أشياء فالماء يخمد حرّ النار يطفئها ... وليس للجهل غير الحلم إطفاء ترى السّفيه له عن كلّ محلمة ... زيغ، وفيه إلى التسفه إصغاء وقال أبو فراس: [البسيط] ما كنت مذ كنت إلّا طوع إخواني ... ليست مؤاخذة الأخوان من شاني يجني الصّديق فأستحلي جنايته ... حتى أدلّ على عفوي وإحساني ويتبع الذنب ذنبا حين يعرفني ... عمدا فأتبع غفرانا بغفران يجني عليّ فأعفو صافحا أبدا ... لا شيء أحسن من حان على جاني وذكر الحريري هذين البيتين والمقطوعة قبلهما، وجنّس فيهما بين لفظ القافية واللفظ قبله. ومما جاء من ذلك وهو أضبط مما ذكر قول الشاعر: [المجتث] قدّم لنفسك زادا ... وأنت مالك مالك من قبل أن تتفانى ... ولون حالك حالك ولست تعلم يوما ... أيّ المسالك سالك إمّا لجنّة عدن ... أو في المهالك هالك وقال آخر: [الرجز] ما لك من مالك إلّا الذي ... قدّمت فابذل طائعا مالكا تقول أعمالي ولو فتّشوا ... وجدت أعمالك أعمى لكا وقالت للمعتمد جارية له: لقد هنّا هنا، فقال: [الرجز] قالت لقد هنّا هنا ... مولاي أين جاهنا قلت لها إلى هنا ... صيّرنا إلا هنا *** فقال له الغلام: أما إنّك لو ظهرت على عيشي المنكدر، لعذرت في

стр. 1364

دمعي المنهمر، ولكن هان على الأملس ما لاقى الدّبر. ثمّ كأنه نزع إلى الاستحياء، فأقلع عن البكاء، وفاء إلى الارعواء، وقال للشيخ: قد صرت إلى ما اشتهيت، فارقع ما أوهيت، فقال: هيهات شغلت شعابي جدواي، فشم بارق سواي. ثمّ إنّه نهض يستقري الصّفوف، ويستجدي الوقوف، وينشد في ضمن ما هو يطوف: [الرجز] أقسم بالبيت الحرام الّذي ... تهوي إليه الزّمر المحرمة لو أنّ عندي قوت يوم لما ... مسّت يدي المشراط والمحجمة ولا ارتضت نفسي الّتي لم تزل ... تسمو إلى المجد بهذي السّمه ولا اشتكي هذا الفتى غلظة ... منّي ولا شاكته منّي حمة لكن صروف الدّهر غادرنني ... كخابط في اللّيلة المظلمة واضطرني الفقر إلى موقف ... من دونه خوض اللّظى المضرمة فهل فتى تدركه رقّة ... عليّ أو تعطفه مرحمه! *** قوله: المنكدر، أي المتغيّر والكدرة ضدّ الصفاء. المنهمر: السائل أقلع: ارتفع وزال. فاء: رجع. الارعواء: الاستحياء والرّجوع الحسن أوهيت: أفسدت. شم: انظر يستقري: يتتبع يستجدي: يطلب الجدا، وهو العطيّة. في ضمن: في أثناء وفي خلال تهوي: تسرع المشي وتتساقط إليه. الزّمر: الجماعات. المحرمة: الداخلة في الحرم. تسمو: ترتفع المجد: الشرف. السّمة: العلامة. غلظة: جفاء شاكته: ضربته حمة: شوكة العقرب التي تلسع بها، والحمة: السّمّ فسمي ما يخرج عنه السّمّ باسمه صروف: نوائب. غادرنني: تركنني. خابط: ماش على جهالة. اضطرني: ألجأني. خوض اللّظى: دخول النار. المضرمة: الموقدة. رقّة: شفقة. تعطفه: تلينه. مرحمة: رحمة. *** قال الحارث بن همام: فكنت أوّل من أوى لبلواه، ورقّ لشكواه، فنفحته بدرهمين، وقلت: لا كانا ولو كان ذا مين، فابتهج بباكورة جناه وتفاءل بهما لغناه، ولم تزل الدّراهم تنهال عليه، وتنثال لديه؛ حتى آل ذا عيشة خضراء، وحقيبة بجراء، فازدهاه الفرح عند ذلك، وهنّأ نفسه بما هنالك، وقال للغلام: هذا ريع

стр. 1365

أنت بذره، وحلب لك شطره؛ فهلمّ لنقتسم، ولا نحتشم، . فتقاسماه بينهما شقّ الأبلمة، ونهضا متّفقي الكلمة ولمّا انتظم بينهما عقد الاصطلاح، وهمّ الشيخ بالرّواح، قلت له: قد تبوّغ دمي، ونقلت إليك قدمي، فهل لك أن تحجمني، وتكفكف ما دهمني، فصوّب طرفه فيّ وصعّد، ثم ازدلف إليّ وأنشد. *** أوى: أشفق. نفحته: رميته ونبذته. ذا مين: صاحب كذب ابتهج: فرح. باكورة: أول ما يطيب من الشجر، فجعل الدرهمين باكورة لأنهما أول ما أخذ تفاءل: جعلهما فألا، أي لمّا كان أوّل ما حصل بأيديهما درهمين، استكثرهما فرجا أن تتمشى عطايا الحاضرين على هذا المثال، وقد كررت ذكر الفأل. [مما قيل في الطيرة والفأل الحسن] ونذكر هنا منه فصلا على ما أجرينا العادة في غيره. كان ﷺ يكره الطّيرة ويعجبه الفأل الحسن (١). ولما قدم المدينة نزل على رجل من الأنصار، فصاح الرجل بغلمانه: يا سالم يا يسار، فقال ﷺ : «سلمت لنا الدار في يسر». وقيل لرجل من العرب: ما لكم تسمّون أبناءكم بأسماء السباع والكلاب، وتسمون مواليكم بأسماء حسان، مثل عطاء ونجاح؟ فقال: لأنّا أعددنا أبناءنا لأعدائنا، وموالينا لأنفسنا. وسأل عمر ﵁ رجلا عن اسمه واسم أبيه، فقال: ظالم بن سرّاق، قال: تظلم أنت ويسرق أبوك! . وجاءه رجل فقال له: ما اسمك؟ قال: جمرة، قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب، قال: ممّن؟ قال: من الحرقة، قال: وأيّا تسكن؟ قال: بحرّة النار. قال: بأيّها؟ قال: بذات لظى، قال: أدرك أهلك، فقد احترقوا، فرجع فوجدهم قد احترقوا، فكان كما قال. الفنجديهي بسنده، حدثني أحمد بن عليّ، حدثني أبو مسعود، قال: قال لي أبو داود السّنجي: ما اسمك؟ قلت: سعد، قال: ابن من؟ قلت: ابن مسعدة، قال: أبو من؟ قلت: أبو مسعود، قال لي: مسألتك مثل أعرابي لقي آخر، فقال: ما اسمك؟ قال: قيض فقال: ابن من؟ قال: ابن الفرات، قال: أبو من؟ قال: أبو بحر، قال: ليس لنا أن نكلّمك إلا في زورق.

стр. 1366

وقال عليّ بن الجهم: دخلت يوما على المتوكل، وهو جالس في صحن داره، وبيده غصن آس، وهو يتمثل بهذا الشعر [البسيط] بالشّطّ لي سكن أفديه من سكن ... أهدي من الآس لي غصنين في غصن فقلت إذ نظما إلفين وانتسقا ... سقيا ورعيا لفأل منكما حسن فالآس لا شكّ آس من تشوّقنا ... شاف وآس تبقى لي على الزّمن بشّرتماني بأسباب ستجمعنا ... إن شاء ربّي ومهما يقضه يكن ثم قال لي- وكدت أنشقّ حسدا: لمن هذا الشعر يا عليّ؟ فقلت: للحسين بن الضحّاك يا سيّدي، فقال: هو والله عندي أشعرهم وأحسنهم مذهبا وأظرفهم نمطا، فقلت: وقد زاد غيظي: في هذا النمط يا سيدي؟ قال: وفي غيره، وإن رغم أنفك ومتّ حسدا، وأردت إنشاده قصيدة، فقلت: إني لا أنتفع بها مع ما جرى، فأخّرتها إلى وقت آخر. قوله: تنهال، أي تنصبّ متفرقة. آل: رجع. خضراء: ناعمة لكثرة الرزق. حقيبة بجراء، أي وعاء ممتلئ، والأبجر: الذي خرجت سرّته ازدهاه: هزّه وأعجبه الرّيع: الزيادة والفضل والبذر: ما يزرع من الحبوب حلب: لبن شطره: نصفه. نحتشم: نستحي أو نغضب. الأبلمة: الدّومة تشق ورقتها فتخرج أبدا معتدلة. تكفكف: تدفع وتكفّ. دهمني: أصابني ازدلف: قرب. *** [الرجز] كيف رأيت خدعتي وختلي ... وما جرى بيني وبين سخلي حتّى انثنيت فائزا بالخصل ... أرعى رياض الخصب بعد المحل بالله يا مهجة قلبي قل لي ... هل أبصرت عيناك قطّ مثلي يفتح بالرّقية كلّ قفل ... ويستبي بالسّحر كلّ عقلي ويعجن الجدّ بماء الهزل ... إن يكن الإسكندريّ قبلي فالطّلّ قد يبدو أمام الوبل ... والفضل للوابل لا للطّلّ قال: فنبّهتني أرجوزته عليه، وأرتني أنّه شيخنا المشار إليه، فقرّعته على الابتذال، والالتحاق بالأرذال، فأعرض عمّا سمع، ولم يبلّ بما قرع، وقال: كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع. ثم قاصاني مقاصة المهان، وانطلق هو وابنه كفرسي رهان. ***

стр. 1367

ختلي: مكري. سخلي: ولدي. الخصل: الغلب في القمار، وفي مسابقة الخيل، وفي مراماة السهام. يستبي: يأخذ ويسبي، وقد تقدّم في شرح الصدر التنبيه على هذا الموضع. الطّلّ: أضعف المطر. والوبل: أشدّه قرّعته: أقلقته بكثرة اللّوم، وبأخذي له بلساني. الابتذال: امتهان نفسه في الصّنعة الهجينة. الأرذال: الأدنياء، فأراد عنّفته ولمته أشدّ اللوم على حرفة الحجامة، فإنّها صنعة أرذال الناس وسفلتهم. ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «العرب بعضها لبعض أكفاء، قبيلة لقبيلة، وحيّ لحيّ، ورجل لرجل. والموالي أكفاء إلا حائكا أو حجّاما». وقال عليّ بن الحسين: أربعة أعمال كانت في سفل بني إسرائيل، وصارت في سفل العبيد وستكون في سفل الأحرار: الحياكة، والحجامة، والدّباغة والكناسة. رفاعة بن موسى: سمعت الصادق يقول: ستّ لا ينجبون: الملّاح، والمكاري، والحمامي، والحجام، والبيطار، والحائك. وممّن شهر من الأدباء بصنعة هجينة نصر بن محمد الخابزرزيّ، كانت صنعته خبز خبز الأرزّ في دكانه بمربد البصرة، فكان ينشد أشعاره على الغزل، والنّاس يزدحمون عليه، وأحداث البصرة يتنافسون في ميله إليهم. وكان ابن لنكك على ارتفاع قدره ينتاب دكانه، فحضره يوما وعليه ثياب بيض فاخرة، فتأذّى بالدكان من الدخان وسوء أثره على ثيابه، فانصرف وكتب إليه: [الوافر] لنصر في فؤادي فرط حبّ ... ينيف به على كلّ الصّحاب أتيناه فبخّرنا بخورا ... من السّعف المدخّن بالتهاب فقمت مبادرا وحسبت نصرا ... يريد بذاك طردي أو ذهابي وقال: متى أراك أبا حسين؟ ... فقلت له إذا اتسخت ثيابي فلما قرئت عليه أملى على من قرأها، وكتب على ظاهرها: [الوافر] منحت أبا الحسين صميم ودّي ... فخاطبني بألفاظ عذاب أتى وثيابه كالشيب لونا ... فعدن له كريعان الشّباب وبغضي للمشيب أعدّ عندي ... سوادا لونه لون الخضاب فإن يكن المعطّر فيه فخرا ... فلم يكن الوصيّ أبا تراب ومن شعره: [الطويل] خليليّ هل أبصرتما أو سمعتما ... بأحسن من مولى تمشّى إلى العبد أتى زائرا من غير وعد وقال لي: ... أصونك عن تعذيب قلبك بالوعد

стр. 1368

فما زال نجم الكأس بيني وبينه ... يدور بأفلاك السعادة والسّعد وله: [البسيط] ورد الخدود ورمّان النهود وأغ ... صان القدود تصيد السّادة الصّيدا من لي إذا ما رأيت الخصر مختصرا ... والرّدف مرتدفا والقدّ مقدودا وكان يحيى السّرقسطيّ أديبا فرجع إلى الجزّارين، فأمر الحاجب بن هود أبا الفضل ابن حميد أن يوبّخه على ذلك فكتب إليه: [الوافر] تركت الشّعر من عدم الإصابه ... وملت إلى الجزارة والقصابه فأجابه يحيى: [الوافر] تعيب عليّ مألوف القصابه ... ومن لم يدر قدر الشيء عابه ولو أحكمت منها بعض فنّ ... لما استبدلت عنها بالحجابه وإنّك لو طلعت عليّ يوما ... وحولي من بني كلب عصابه لهالك ما رأيت وقلت هذا ... هزبر صيّر الأوضام غابه فتكنا في بني العنزيّ فتكا ... أقرّ الذّعر فيهم والمهابة ولم نقلع عن الثّوريّ حتّى ... مزجنا بالدّم القاني لعابه ومن يعتزّ منهم بامتناع ... فإنّ إلى صوارمنا إيابه ويبرز واحد منّا لألف ... فيغلبهم وتلك من الغرابه وحقّك ما تركت الشّعر حتّى ... رأيت البخل قد أمضى شهابه وحتّى زرت مشتاقا حميمي ... فأبدى لي التجهّم والكآبة وظنّ زيارتي لطلاب شيء ... فأقصاني وأغلظ لي حجابه قوله: ولم يبل: أصله يبالي، حذفت ياؤه للجزم، فصار يبال، فلما كثر استعماله صار بمنزلة ما لم يحذف منه شيء فقدّروا تكرير الجازم عليه مرة أخرى فحذفت حركة اللام للجزم، فسكنت اللّام، وقبلها ألف ساكنة فحذفت الألف لالتقاء الساكنين. ولأبي عليّ في هذه المسألة عبارة استوحش منها أكثر العلماء، فمن مخطّئ ومن مصوّب، وتحقيقها غائب إلا عن أهل التحقيق، وقد أوضحناها في شرحنا لكتاب الإيضاح، والإكثار من مسائل الإعراب في كتب الآداب مما يستبرد ويعاب. أعرض، أي نحى وجهه لجهة قاصاني: فارقني، وقال الفرّاء: كل شيء أبنته من شيء فقد قصّيته منه، وتقصّى الرجل من الرجل: بان عنه، وكلّ رجل باين شيئا فقد تقصّى عنه. الليث ﵀: كلّ شيء لازم خلّصته فقد تقصّى، وتقصّيت من الديون: خرجت منها. فرسي رهان: هما اللذان يجريان ويجعل معهما جعل، فمن سبق أخذه.

стр. 1369

ومما أستحسن من أبيات اللغز في هذا الباب قولهم في المشارط: [المتقارب] وخضراء لا من بنات الهديل ... يلفّف بالسّير منقارها كأنّ مشق عيون القطا ... إذا هنّ هوّمن آثارها آخر: [البسيط] وكان جدّي هراش في كتابته ... من أكتب الناس يا هارون بالألف يعني آثار التشريط تبقى كصور الألفات. وقال آخر: [مجزوء الرمل] يا بن من يكتب في الأر ... قاب من غير دواة لم يكن يكتب فيها ... غير خطّ الألفات وقال ابن كناسة يخاطب إبراهيم بن سيابة: [المنسرح] يا بن الذي عاش غير مضطهد ... يرحمه الله أيّما رجل له رقاب الملوك خاضعة ... من بين حاف منهم ومنتعل أبوك أو هى النّجاد كاهله ... كم من كميّ أدمى ومن بطل يأخذ من ماله ومن دمه ... لم يمس من ثأره على وجل في كفّه صارم يقلّبه ... يقدّ أعناق سادة نبل وأخذ صاحب الشرطة رجلا في ريبة، فقال: أصلحك الله: احفظ فيّ الأبوّة، وقال: [الكامل] أنا الذي لا تنزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوما فسوف تعود ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره ... فمنهم قيام حولها وقعود فأمر بتركه، ثم أخبر أنّ أباه باقلانيّ، فقال: لو لم نتركه إلّا لأدبه وحسن تخلّصه من الكذب لكان فعلنا سدادا. وكان بالمدينة فتى أبوه مغنّ وأمّه نائحة، فأغضبه إنسان، فقال: أتغضبني وأنا ابن الطّرب والحرب! . وقال ابن عباس المصري يذكر غلاما جميلا، والحجام يأخذ من شعره في الحمام: [مخلع البسيط] مزين انبرى لظبي ... كأنه البدر في سجوفه كأنّ موساه وهو لمّا ... نضى بها الشّعر في وقوفه كيوان في كفّه حسام ... يخلّص البدر من كسوفه

стр. 1370

ولبعضهم يمدح حجاما: [البسيط] إن المزين إنسان صناعته ... تعلو الصّنائع إذ ما مثلها صنعت ألا ترى أنه لا يستراب به ... وآله الموت في صندوقه جمعت يخلو مع الملك المرهوب جانبه ... فيما إليه ضرورات الأمور دعت تعلو أنامله في حين خلوته ... مواضعا لو علتها غيرها قطعت وقال السّري في مزين محسن: [المتقارب] هل الحذق إلا لعبد الكريم ... حوى فضله حادثا عن قديم إذا لمع البرق في كفّه ... أفاض على الرأس ماء النّعيم جهول الحسام ولكنّه ... يروح ويغدو بكفي عليم له راحة سيرها راحة ... تمرّ على الرأس مرّ النسيم نعمنا بخدمته مذ نشا ... فنحن به في نعيم مقيم وله في طبيب: [السريع] أوضح نهج الطبّ في معشر ... ما زال فيهم دارس الرّسم كأنّه من لطف أفكاره ... يجول بين الدّم واللّحم إن غضبت روح على جسمها ... ألّف بين الرّوح والجسم وفي ضده لأبي نصر كشاجم: [المجتث] عيسى الطبيب ترفّق ... فأنت طوفان نوح يأبى علاجك إلا ... فراق جسمي وروحي شتان ما بين عيسى ... وبين عيسى المسيح فذاك محيي ممات ... وذا مميت الصحيح وللخوارزمي: [السريع] أبو سعيد راحل للكرام ... ومنسف ينسف عمر الأنام لم أره إلا خشيت الردى ... وقلت: يا روحي عليك السلام يبقى ويفنى الناس من شؤمه ... قوموا انظروا كيف نحاة اللئام ثم تراه آمنا سالما ... يا ملك الموت إلى كم تنام وللسّريّ: [الكامل] هل للعليل سوى ابن قرّة شاف ... بعد الإله وهل له من كاف فكأنه عيسى ابن مريم ناطقا ... يهب الحياة بأيسر الأوصاف
следующие страницы →