← Адаб

Адаб · id 760

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

خلافا لسيّئ الخلق الذي يقطّب وجهه عند اللقاء، واللئيم الذي إذا سئل انزوى وتقبّض. يغضي: يسمح. آلاؤك: نعمك. أعداؤك تثني: يقول لكثرة المادحين لك والناشرين لفضلك، لم يمكن أعداؤك وحسّادك ذمّك لتكذيب الناس إياهم، فصاروا يثنون عليك مع من يثني؛ ويحكى أنّ أعرابيّا استضاف حاتما، فلم ينزله، فبات جائعا مقرورا، فلما كان في السّحر ركب راحلته، وانصرف، فتقدّمه حاتم، فلما خرج من بين البيوت لقيه متنكّرا، فقال له: من كان أبا مثواك البارحة؟ قال: حاتم، قال: فكيف كان مبيتك عنده؟ قال: خير مبيت، نحر لي ناقة فأطعمني لحما عبيطا، وأسقاني الخمر، وعلف راحلتي، وسرت من عنده بخير حال. فقال له: أنا حاتم، والله لا تبرح حتى ترى ما وصفت، فردّه وقال له: ما حملك على الكذب؟ فقال له الأعرابيّ: إنّ الناس كلّهم يثنون عليك بالجود، ولو ذكرت شرّا كنت أكذب، فرجعت مضطرّا إلى قولهم، إبقاء على نفسي لا عليك. وقد تقدّم قول البحتريّ في هذا المعنى: [الطويل] أأشكو نداه بعد ما وسع الورى ... ومن ذا يذمّ الغيث إلا مذمّم (١)! وقال حبيب: [الطويل] فإن أنا لم يحمدك عنّي صاغرا ... عدوّك فاعلم أنني غير حامد (٢) بسبّاقة تنساق من غير سائق ... وتنقاد في الآفاق من غير قائد أفادت صديقا من عدوّ وصيرت ... أقارب دنيا من رجال أباعد ومحلفة لمّا ترد أذن سامع ... فتصدر إلّا عن يمين وشاهد وهذه القصيدة من كلامه يمدح بها محمد بن الهيثم، يقول: يسمع عدوّك إطنابي في مدحك فيمدحك صاغرا، فكيف وليّك! فأمدك بقصيدة تقطع الأرض، ليست بإبل تساق، ولا بخيل تقاد، فتردّ العدوّ صديقا، والبعيد قريبا، ولا يسمعها أحد إلا ويحلف أنه لم يسمع مثلها، فيشهد له بالصدق. قوله: «وسوددك يبني»، أي يرفع لك مجدا وشرفا. حسامك يفنى، أي سيفك يقطع ويفني أعداءك. مواصلك يجتنى، أي من زارك وواصلك اجتنى نعمتك ومواهبك. يقتنى، أي يكتسب. سماؤك تغيث، أي تأتي بالغيث وهو المطر فيستغيث الناس به من الجدب. سماحك يغيث، أي جودك وحسن خلقك يفرّج كرب المهموم، وتقول: غوّث الرجل، أي قال: وا غوثاه، وأغثته أغيثه، إذا فرّجت عنه ما يشتكي منه. درّك يفيض: عطاؤك يشمل، أي لبنك يملأ الإناء ويفيض عليه، يريد أن عطاءه يكثر لسائله. وردّك

стр. 177

يغيض، أي منعك يذهب الرزق، وغاض الماء: غار في الأرض، مؤمّلك: راجيك. والفيء: الظلّ بعد الزوال، يريد أن عمره قد أدبر، فشبّه نفسه بالفيء الذاهب. أمّك بظنّ، أي قصدك برجاء. وحرصه يثب، أي طمعه يتزايد فيجعله في غاية من القلق. نخب: مختارة. مهورها: حقوقها، يقول: مدحك بنخب في ملئه، فوجبت حقوقها لحسنها وجودتها. ومما ينظر إلى هذه المعارضة قول الشاعر: [الوافر] وخذ حمدي بجودك، ذا بهذا ... كلانا اليوم أربح صيرفيّ لأصبح من نوالك في رياش ... وتصبح من مقالي في حليّ وقال آخر: [مجزوء الرجز] وحلّة كساها ... كالحليّ في التهابه فاستبطنت مديحا ... كالأري في نصابه فراح في ثيابي ... ورحت في ثيابه وقال ابن شهيد في ضيف له: [الطويل] وما انفكّ معشوق الثّواء نمدّه ... ببشر وترحيب وبسط لسان إلى أن تشهّى البين من ذات نفسه ... وحنّ إلى الأهلين حنّة حان فأتبعته ما سدّ خلّة حاله ... وأتبعني ذكرا بكلّ مكان وقوله: «مرامه يخفّ»، أي مطلبه يسهل عليك. أواصره: جمع آصرة وهي صلة الرحم، والأصر: الموضع الحابس، من قولهم: أصرت فلانا على الشيء آصره أصرا، إذا حبسته عليه وعطفته، ويقال: ما تأصرني على فلان آصرة، أي ما تحبسني عليه حابسة، ولا تعطفني عليه عاطفة. ذكره ابن الأنباريّ. وذكر الحريري في الدرّة، أن اشتقاق أواصر القرابة والعهد من المأصر، بكسر الصاد، ومعناه الوضع الحابس للمارّ عليه، فسمّيت أواصر، لأنها تعطف على ما يجب رعايته من المودة والرحم. قال: وحكى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، قال: اجتمع عندنا أبو نصر أحمد بن حاتم وابن الأعرابيّ فتحادثا، فحكى أبو نصر أنّ أبا الأسود دخل على عبيد الله بن زياد، وعليه ثياب رثّة، فكساه ثيابا جديدة من غير أن يسأله، أو استكساه، فخرج وهو يقول: [الطويل] كساك ولم تستكسه فحمدته ... فتى ماجد يعطى الجزيل وياصر وإنّ أحقّ الناس إن كنت مادحا ... بمدحك من أعطاك والعرض وافر فقال ابن الأعرابيّ: «وناصر» بالنون، فقال له أبو نصر: دعني يا هذا ويا صري وعليك بناصرك؛ يريد ب «ياصر» يعطف.

стр. 178

قوله: «تشفّ»، أي تزيد وتفضل غيرها، يقول: إن الأسباب التي توجب عطفك وحنانك عليّ كثيرة منها الشّيخ والضعف وكثرة العيال وجودة المدح، والعهود السابقة التي بيني وبينك. إطراؤه يجتذب، أي مدحه يتجاذبه الناس ويحرصون على تحصيله لجودته، وأصل الإطراء المدح في الوجه، فهو بمشاهدته كأنه مدح طريّ، أو ظهرت عليه طراوة. ملامه يجتنب: ذمّه يخاف ويبعد منه، فيرشي عليه، يقول: إنّ الذي رجاك شيخ مسنّ فقير قصدك بيقين لأنك من أهل الكرم، فطمعه لذلك يزيد لما ارتجى من معروفك، وأهدى إليك من مدائحه عرائس وجبت عليك حقوقها، ومرامه سهل عليك، ولديك علق تقوم مقام القرابة، وتزيد على ذلك، وله مدح يرغّب فيه وذم يرهب منه. ووراءه ضفف، أي خلفه كثرة عيال، من ضفّ الطعام ضفّا إذا كثر القوم عليه، وضفّ العيش اشتدّ. والشّظف: سوء الحال، حصّهم: عرّاهم ونتف ريشهم. جنف: ميل الدهر عليهم. قشف: بؤس عيش. يجيب: يساعد. وله: همّ وحيرة. يذيب: يذهب اللحم. تضيّف: نزل به ومال إليه. كمد: حزن قارب الموت. نيّف: زاد على المعهود. لمأمول، أي لمقصود مرجوّ. إهمال: تضييع وتسييب. نيّب: عضّ بأسنانه. وهدوّ تغيّب، أي سكون وأمن زال عنه. يزغ: يمل. نفث صدره، أي تكلم بشرّ، ونفث: بزق من داء في صدره ومنه المثل: لا بدّ للمصدور أن ينفث. ينفض، أي يضرب ويبعد. نشز: ارتفع وزال. يقتضي: يتضمّن ويلزم. نبذ: طرح. حرمه: جمع حرمة. بيّض أمله، أي أسعد رجاءه، وردّه أبيض بعطائك الذي يخفف ألمه، ويزيل وجعه. ينثّ: ينشر. عالمه: ناسه وأهل زمانه. بقيت: عشت وطال بقاؤك. إماطة شجب: إزالة هلاك وتنحيته. نشب: مال. شجن: حزن، والشّجن أيضا الحاجة. مراعاة: حفظ. يفن: شيخ كبير. موصولا، أي متصلا. بخفض: عيش هنيء. غضّ: ناعم جديد. غشي: قصد ودخل. معهد: موضع يعهد به جلوسه. وهم غبيّ: غلط جاهل. *** فلمّا فرغ من إملاء رسالته، وجلّى في هيجاء البلاغة عن بسالته، أرضته الجماعة فعلا وقولا، وأوسعته حفاوة وطولا. ثمّ سئل من أيّ الشّعوب نجاره، وفي أيّ الشّعاب وجاره، فقال: [مجزوء الكامل] غسّان أسرتي الصّميمه ... وسروج تربتي القديمة فالبيت مثل الشّمس إش ... راقا ومنزلة جسيمة والرّبع كالفردوس مط ... يبة ومنزهة وقيمة واها لعيش كان لي ... فيها ولذّات عميمة أيّام أسحب مطرفي ... في روضها ماضي العزيمة

стр. 179

أختال في برد الشّبا ... ب وأجتلي النّعم الوسيمة لا أتّقي نوب الزّما ... ن ولا حوادثه المليمة فلو أنّ كربا متلف ... لتلفت من كربي المقيمة أو يفتدى عيش مضى ... لفدته مهجتي الكريمة فالموت خير للفتى ... من عيشه عيش البهيمة تقتاده ترة الصّغا ... ر إلى العظيمة والهضيمة ويرى السّباع تنوشها ... أيدي الضّباع المستضيمة والذّنب للأيام لو ... لا شؤمها لم تنب شيمة ولو استقامت كانت ال ... أحوال فيها مستقيمة *** قوله: «إملاء رسالته»، أي إلقائها عليه ليكتبها جلّى: كشف. الهيجاء: الحرب، وهي من الهيج وهو الحركة والاضطراب. بسالته: شجاعته. أوسعته: كثّرت له. حفاوة: إكرام. والطّول: الإنعام. الشّعوب: القبائل، وأحدها شعب، بفتح الشين وهو الأب الكبير. ثعلب، الشّعب: الأب الأكبر الذي ينتهون إليه والقبيلة دونه. نجاره: أصله. الشّعاب: الطرق في الجبال. وجاره: جحره، أراد بيته، لأنهم سألوه من أيّ قبيلة هو، وعن مسكنه في أيّ موضع هو. وقوله: «غسان أسرتي»: أي هذه القبيلة أصلي وقرابتي. الصميمة: الصريحة الخالصة. تربتي. بلدتي. إشراقا: ضياء ونقاء من العيب. جسيمة: عظيمة. الفردوس: الجنّة، سمّيت بذلك لعرائشها، والفردوس: المعرّش من الكرم. مطيبة، أي سروج مثل الجنة في طيب الهواء، وفي نزهتها وحسنها، وفي قدرها، وأراد بالبيت غسّان، وبالربع سروج، أو يريد بيته في غسان في الشرف كالشمس، ومنزله في سروج كالجنة في طيبها ونزهتها، وقد قال في أخرى: [الرمل] من رآها قال مرسى ... جنّة الدنيا سروج ومثل قوله في البيت مثل الشمس، قول أبي الطّمحان القينيّ: [الطويل] وإنّي من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم سيّد قام صاحبه (١)

стр. 180

نجوم سماء كلّما غار كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتّى نظّم الجزع ثاقبه وقال حسان بن ثابت: [الكامل] بيض الوجوه مضيئة أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل (١) وزاد عليه في الإضاءة والإشراق حجيّة بن المضرّب فقال: [الطويل] أضاءت لهم أحسابهم فتضاءلت ... لنورهم الشمس المنيرة والبدر وزاد عليه أبو الطيب وعلى الناس في علوّ الهمة وتبعيد منازلها من منازل الكواكب، حيث يقول: [البسيط] وعزمة بعثتها همّة زحل ... من تحتها بمكان التّرب من زحل وزحل أرفع من الشمس ومن سائر الكواكب منزلة، وهذا من غلوّ المتنبّي الذي يخرج به عن الناس حتى يعاب، لأنه لو جعلها مع زحل في منزلة واحدة، كما جعل الحريري منزلته مع الشمس لكان قد بلغ النّهاية، وزاد على غيره، فلم يكتف بذلك حتى جعلها تعلو على زحل، كما يعلو زحل على الأرض. ومن هذا الإفراط في شعره كثير، وأكثر النقاد يعيبون عليه؛ وبعد هذا فمعجزاته في الشعر زاد بها على المتقدّمين والمتأخّرين عند الأكثر فلا يجاري في كثير منها. واها: تعجّبا، كأنه قال: ما أعجب ما كان عيشي بها! عميمة: كثيرة. أسحب مطرفي: أجرّ ثوبي المعلم في طرفه إعجابا بنفسي. أختال: أمشي الخيلاء متكبّرا. برد الشباب: ثوب الفتوّة. أجتلي: أنظر. الوسيمة: الحسان. والنّوب والحوادث: النوازل والمصائب، كلّها بمعنى واحد، وهي ما ينوب الإنسان: أو يحدث عليه أو ينزل به، أو يصيبه من البلاء بعد العافية. المليمة: التي تأتي بما يلام عليه. كربي المقيمة: همومي الثابتة. مهجتي: نفسي، وأصلها دم القلب. تقتاده: تسوقه. برة: حلقة من صفر تجعل في وترة أنف البعير، يذلّل بها. الصّغار: الذّلّة. العظيمة: داهية يستعظم أمرها. والهضيمة: المحقّرة لشأنه عند الناس، فيريد بالبهيمة البعير الذي يقاد ويذلّل بالبرة، وبالعظيمة سؤاله الناس، وبالهضيمة احتقارهم له إذا سألهم فيردونه خائبا. والسباع هنا: الأسود. تنوشها: تتناولها وتخدشها.

стр. 181

[مما قيل في الضباع] والضباع: جمع ضبع؛ وهو نوع من سباع الأرض، وهي مضادّة في الخلقة لسبع الأندلس، لأنها عظيمة الكفل والفخذين رقيقة الصدر، وهذا السبع أزلّ عظيم الصدر، والضبع عظيم البطن، ولذلك سمى حضاجر بالجمع، والحضجر: عظيم البطن. والحضجر: الوطب الكبير من اللبن، ويشبّه به العظيم البطن، وهي عرجاء مثل هذا السبع، ويضرب بحمقها المثل فيقال: أحمق من ضبع، وأحمق من أمّ عامر وهي كنيتها. ومن حمقها أنّ الصائد يدخل وجارها فيقول لها: خامري أمّ عامر، ومعناه الجئي إلى أقصى مغارك واستتري، فتتقبّص، فيقول: أم عامر ليست في وجارها، ثم يقول: أبشري أمّ عامر بكمر الرجال، أبشري أم عامر بشاة هزلي، وجرادة عظلى، فتمدّ يديها ورجليها، فيوثقها ويشدّ عراقيبها بحبال فلا تتحرّك، ولو شاءت أن تقتله لأمكنها، ولا يدخل عليها إلا عريانا، وإن دخل بثوب قتلته، ثم يخرج لأصحابه بالحبال، وهم على فم الوجار بأسلحتهم، فيخرجونها بالجرّ من قعر الوجار ويقتلونها. ومن حمقها أنّها تترك جراءها إذا خرجت تلتمس ما تأكل، فتجد جراء أخرى قد خرجت أيضا لذلك، وتركت جراءها فترضع أولاد غيرها، وتترك أولادها، فربما ضاعت جراؤها فأكلها الذئب. وقال الشاعر: [الطويل] كمرضعة أولاد أخرى وضيّعت ... بني بطنها، هذا الضلال عن القصد قال أبو زيد: والضباع لا تفترس شيئا إنما تأكل الجيف، وتنبش القبور عن الموتى، وربما اجتمعت الجماعة منها على حمار فأكلته، وليس لها بالنهار كبير عمل، قال الهذليّ: [الوافر] تبيت اللّيل لا يخفى عليها ... حمار حيث جرّ ولا قتيل (١) قوله: «المستضيمة» أي المذلّلة. والضيم: الذلّ؛ يضرب المثل لتلاعب الزمان بالناس بالأسود والضباع، فقال: إنّ الضباع المحتقرة عند الأسود تتناول الأسود بالضرر، وكذلك الزّمان يرفع الحقير والهجين ويكثر رزقه، ويضع الرفيع ويقتّر عليه، ويملّك الهجناء والأراذل الخطط الجسام، ويجرّع النبلاء والأعيان غصص المخازي وكئوس الحمام. *** [الدهر وأحواله] وهذه أحوال مشاهدة تنسب إلى الدهر لوقوعها فيه، وقدّرها الباري اختبارا لعباده، وليبصّر العقلاء جريان أحكامه في خلقه، وأنّ الكل تحت قهره، وأن كلّ إنسان من

стр. 182

أهل الحزم والرأي عاجز عن إدراك ما لم يقدّر له؛ وقال محمد بن الفضل: [الرمل] هانت الدّنيا على اللّ ... هـ فأعطاها اللّئاما فهم فيها يعيشو ... ن ويلحون الكراما وقال المعريّ في معنى بيت الحريريّ: [الوافر] ومن صحب الليالي علّمته ... خداع الإلف والقيل المحالا (١) وغيّرت الخطوب عليه حتى ... تريه الذرّ يحملن الجبالا وقال يزيد المهلبيّ يرثي المتوكل: [البسيط] علتك أسياف من لا دونه أحد ... وليس فوقك إلا الواحد الصّمد وأصبح الناس فوضى يعجبون به ... ليثا صريعا تندى حوله النّقد وأخذ لفظ بيته من قول حبيب: [البسيط] من لم يعاين أبا نصر وقاتله ... فما رأى ضبعا في شدقه سبع (٢) فيم الشماتة إعلانا بأسد وغى ... أفناهم الصّبر إذ أبقاكم الجزع! هكذا ينظم حرّ الكلام، ويعتذر لموت الكرام، وتنفى عنهم شماتة اللئام. وقد أحسن الاعتذار أيضا لأبي نصر بأغرب من هذا، وجعله قاتل نفسه، إذ لا نظير له في شجاعته فيقتله، وإنما قتله أمر الله الذي لا يغالب، كما قال أبو الطيب: [الطويل] ألا إنّما كانت وفاة محمد ... دليلا على أن ليس لله غالب (٣) وكذلك قوله: [الطويل] فإن ترم عن عمر توانى به المدى ... فخانك حتى لم يجد فيك منزعا فما كنت إلّا السّيف لاقى ضريبة ... فقطّعها حتى انثنى فتقطّعا أي لم يقتل حتى قلت أعداءه، وأبو نصر هو محمد بن حميد قتله بابك الخرّميّ ومما قال فيه حبيب- وهو أشجع بيت قيل- قوله: [الطويل] ونفس تعاف العار حتى كأنمّا ... هو الكفر يوم الرّوع أو دونه الكفر (٤) فأثبت في مستنقع الموت رحله ... وقال لها: من تحت أخمصك الحشر قوله: «الذنب للأيام»، نسب الذنب إليها لوقوع المكروه فيها كما تقدم. تنب:

стр. 183

ترتفع، شيمة: طبيعة، أي لولا شؤم الأيام لم تتغير الطباع، أي لو استقامت هي لاستقامت أحوال الناس فيها، فكان كل إنسان يدرك منها على قدر منزلته. *** [مما قيل في ذم الزمان] ومما قيل في ذمّ الزمان مما يوافق هذا المعنى، أنّ عبد الملك بن مروان سأل مسلمة بن يزيد- وكان من المعمّرين- فقال: أيّ الملوك رأيت أكمل؟ وأيّ الزمان رأيت أفضل؟ فقال: أمّا الملوك فلم أر إلا حامدا أو ذامّا، وأمّا الزمان فيرفع أقواما ويضع أقواما، وكلّهم يذمّ زمانه. لأنه يبلي جديدهم، ويفرّق عديدهم، ويهرم صغيرهم، ويهلك كبيرهم. أبو جعفر الشيبانيّ قال: أتانا أبو ميّاس الشاعر، ونحن في جماعة، فقال: ما أنتم فيه؟ قلنا: نذكر الزمان وفساده، قال: كلّا إنّ الزمان وعاء، وما ألقي فيه من خير أو شر كان على حاله، ثم أنشأ يقول: [الوافر] أرى حللا تصان على رجال ... وأخلاقا تذال ولا تصان يقولون الزّمان به فساد ... وهم فسدوا وما فسد الزمان وقال آخر: [المتقارب] أيا دهر إن كنت عاديتنا ... فها قد صنعت بنا ما كفاكا جعلت الشّرار علينا خيارا ... وأوليتنا بعد وجه قفاكا وقال أبو العتاهية: [الطويل] كفاك عن الدّنيا الذميمة مخبرا ... غنى باخليها وافتقار كرامها وأن رجال النّفع تحت مداسها ... وأنّ رجال الضرّ فوق سنامها وقال ابن لنكك: [مجزوء الرمل] يا زمانا ألبس الأح ... رار ذلّا ومهانه لست عندي بزمان ... إنّما أنت زمانه وقال ابن الرومي: [الكامل] دهر علا قدر الوضيع به ... وغدا الشّريف يحطّه شرفه كالبحر يرسب فيه لؤلؤه ... سفلا ويطفو فوقه جيفه وكرّره فقال: [البسيط] قالت علا الناس إلا أنت قلت لها: ... كذاك يسفل في الميزان ما رجحا

стр. 184

وقال آخر: [الخفيف] ربّ يوم بكيت فيه فلمّا ... صرت في غيره بكيت عليه وقال آخر: [البسيط] لم أبك من زمن نكد أساء به ... إلّا بكيت لعيه حين أفقده ولا جزعت على ميت فجعت به ... إلا ظللت بسكنى القبر أحسده ولا ذممت زمانا في تقلّبه ... إلّا وفي زمني قد صرت أحمده وقال ابن أبي عيزارة: [الطويل] عتبت على سلم فلمّا فقدته ... وجرّبت أقواما بكيت على سلم رجعت إليه بعد تفويت غيره ... فكان كبرء بعد طول من السّقم وأنشد المبرّد: [الطويل] حياة أبي العباس زيدت بقربه ... أخا ثقة قاس الأمور وجرّبا ونعتب أحيانا عليه ولو قضى ... لكنّا على الباقي من الناس أعتبا قال عروة بن الزبير: الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم. أخذه أبو الطيّب فقال: [الوافر] وشبه الشيء منجذب إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطّغام ولو لم يعل إلا ذو محلّ ... تعالى الجيش وانحطّ القتام ودهر ناسه ناس صغار ... وإن كانت لهم جثث عظام وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذّهب الرّغام الطّغام: السفلة. *** ثمّ إن خبره نما إلى الوالي، فملأ فاه باللالئ، وسامه أن ينضوي إلى أحشائه، ويلي ديوان إنشائه، فأحسبه الحباء، وظلفه عن الولاية الإباء. قال الرّاوي: وكنت عرفت عود شجرته، قبل إيناع ثمرته، وكدت أنبّه على علوّ قدره، قبل استنارة بدره، فأوحى إليّ بإيماض جفنه، ألّا أجرّد عضبه من جفنه، فلمّا خرج بطين الخرج، وفصل فائزا بالفلج، شيّعته قاضيا حقّ الرّعاية، ولا حيا له على رفض الولاية، فأعرض متبسّما، وأنشد مترنّما: [المتقارب] لجوب البلاد مع المتربة ... أحبّ إليّ من المرتبة

стр. 185

لأنّ الولاة لهم نبوة ... ومعتبة يا لها معتبه! وما فيهم من يربّ الصّنيع ... ولا من يشيّد ما رتّبه فلا يخدعنك لموع السّراب ... ولا تأت أمرا إذا ما اشتبه فكم حالم سرّه حلمه ... وأدركه الرّوع لمّا انتبه *** قوله: «نما»، أي ارتفع ووصل. اللآلئ: الدرر. سامه: كلّفه، ينضوي: ينضمّ. وأحشائه: خاصّته. يلي ديوان إنشائه: يتولّى دار كتابته، أي يكون هو الذي ينشئ الكتب، وينسخها الكتّاب وتنفذ إلى البلاد. أحسبه: كفاه. الحباء: العطاء. ظلفه: منعه. الإباء: الامتناع، وقد أبيت من كذا، أي امتنعت منه؛ ويكنى به عن نزاهة النفس. عود شجرته، يريد أنه كان عرفه قبل أن يتكلّم، وأن يعرّف نفسه. وإيناع الثمرة: إدراكها ونضج ثمرتها. إيماض جفنه: إشارة عينه. عضبه: سيفه. جفنه: غمده، أي أشار عليّ أن أستره. بطين: مملوء. الخرج: وعاء معلوم، وهذا كقول الشاعر: [الطويل] يبيتون بالدّهنا خفافا عيابهم ... ويخرجن من دارين بجر الحقائب (١) وقد أخذ هذا اللفظ في مقامة أخرى فقال: حتى آل ذا عيبة خضراء وحقيبة بجراء، أي مملوءة. وإلى هذا المعنى أشار، نصيب في قوله: [الطويل] أقول لركب قافلين رأيتهم ... قفا ذات أو شال ومولاك قارب (٢) قفوا خبّروني عن سليمان إنّني ... لمعروفه من أهل ودّان طالب فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب ثناؤها عليه، أن بدت للناس مملوءة من معروفه، فأتى أبو العتاهية فزاد المعنى بيانا بقوله: [الكامل]

стр. 186

إنّ المطايا تشتكيك لأنّها ... قطعت إليك سباسبا ورمالا (١) فإذا أتين بنا أتين مخفّة ... وإذا رجعن بنا رجعن ثقالا قوله: «فصل»، أي زال وتنحّي. الفلج: الظفر بما أراد. الرعاية: حفظ الصحبة. لاحيا: لائما. رفض: ترك. مترنّما: مطربا، أي لما خرج ممتلئ الوعاء، ظافرا بما أراد، لمته على ترك خدمة الأمير التي كلفه، فأنشد معتذرا. المتربة، أي الفقر. المرتبة: المنزلة الرفيعة. وهذا البيت ينظر إلى حكاية الأصمعيّ وقد رئي راكبا حمارا فقيل له: أبعد براذين الخلفاء تركب هذا؟ فقال متمثلا: [الطويل] ولما أبت إلا طرافا بودّها ... وتكديرها الشّرب الذي كان صافيا شربنا برنق من هواها مكدّر ... وليس يعاف الرّنق من كان صاديا يقول: هذا وأملك ديني ونفسي، أحبّ إليّ من ذلك مع ذهابهما. أطرف الشيء وتطرّفه: استفاده، وقيل: استجاده. نبوة: ارتفاع وقلّة ثبات. معتبة: سخط. يا لها: تعجب، كأنه قال: يا عجبا لها، ما أشدّها. يربّ: يصلح ويقوّي. الصنيع: الفعل الجميل. يشيّد: يرفع ويتم. رتّبه: بناه وهيّأه. السّراب: ما يظهر نصف النهار كأنه ماء، اشتبه: أشكل. الحالم: من يرى في منامه رؤيا، وقد حلم يحلم: والرّوع: الفزع، يقول: مثل المترفّه بالخطّة السلطانية كحالم رأى نفسه في النوم أميرا، فانتبه في أيدي أعاديه أسيرا، أو رأى نفسه بين غزلان ورياحين فانتبه لزئير أسود ولصفير ثعابين، وكذلك الأمراء إن رفعوا الخديم ببعض إنعامهم كدّروه بتعجيل انتقامهم. ومما يجري في هذا النّمط قول الشاعر: [الطويل] إلى الله أشكو كلّ يوم وليلة ... إذا نمت لم أعدم خواطر أوهام فإن كان شرّا كان لا شكّ واقعا ... وإن كان خيرا كان أضغاث أحلام أخذ المعنى هذا الشاعر من قول أشعب الطماع. قال: رأيت رؤيا نصفها حقّ، ونصفها باطل، قيل: وكيف ذلك؟ قال: كنت أراني أحمل بدرة؛ فمن ثقلها كنت أسلح في ثيابي، فانتبهت فإذا السّلح ولا بدرة. قال الفنجديهيّ: ومن أحسن ما سمعت في هذا المعنى أبيات لطيفة المعاني ظريفة المباني، شرّفني بإنشادها وإملائها عليّ السيّد الأجلّ أبو المظفّر يوسف بن أيوب صلاح الدين بقاهرة مصر لبعضهم: [البسيط] وزارني طيف من أهوى على وجل ... من الوشاة وداعي الصبح قد هتفا فكدت أوقظ من حولي به فرحا ... وكاد يهتك ستر الحب بي شغفا

стр. 187

ثم انتبهت وآمالي تخيبني ... نيل المني فاستحالت غبطتي أسفا ومن ملح هذا الباب، أن ابن عبدل دخل على بشر بن مروان لمّا ولي الكوفة، فقال: أيّها الأمير إني رأيت رؤيا، فأذن لي بقصّها، فقال: قل، فقال: [الكامل] أغفيت قبل الصبح نوم مسهّد ... في ساعة ما كنت قبل أنامها فرأيت أنك رعتني بوليدة ... مغنوجة حسن عليّ قيامها وببدرة حملت إليّ وبغلة ... شهباء ناجية يصلّ لجامها فقال له بشر: كلّ شيء رأيته فهو عندك إلا البغلة، فإنها دهماء، قال: امرأتي طالق ثلاثا إن كنت رأيتها إلا دهماء ولكني غلطت. قال البطين الشاعر: قدمت على عليّ بن يحيى الأرمينيّ، فكتبت إليه: [البسيط] رأيت في النوم أنّي راكب فرسا ... ولي غلام وفي كفّي دنانير فجئت مستبشرا مستشعرا فرحا ... وعند مثلك لي بالفعل تبشير فوقّع في أسفل كتابي: أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ [سورة يوسف: ٤٤]، ثم أمر لي بكل ما رأيته في منامي.

стр. 188

المقامة السّابعة وهي البرقعيديّة حكى الحارث بن همام، قال: أزمعت الشّخوص من برقعيد، وقد شمت برق عيد، فكرهت الرّحلة عن تلك المدينة، أو أشهد بها يوم الزّينة. فلمّا أظلّ بفرضه ونفله، وأجلب بخيله ورجله، اتّبعت السّنّة في لبس الجديد، وبرزت مع من برز للتعبيد وحين التأم جمع المصلّى وانتظم، وأخذ الزّحام بالكظم، طلع شيخ في شملتين، محجوب المقلتين، وقد انتضد شبه المخلاة، واستقاد العجوز كالسّعلاة، فوقف وقفة مهافت، وحيّا تحيّة خافت. ولمّا فرغ من دعائه، أجال خمسة في وعائه؛ فأبرز منه رقاعا قد كتبن بألوان الأصباغ، في أوان الفراغ، فناولهنّ عجوزه الحيزبون، وأمرها بأن تتوسّم الزّبون، فمن آنست ندى يديه، ألقت منهنّ ورقة لديه، فأتاح له القدر المعتوب، رقعة فيها مكتوب ... *** ازمعت الشخوص، أي عزمت على الخروج. برقعيد: بلد بينه وبين الموصل عشرون فرسخا، . شمت: نظرت. ويريد بيرق عيد، مقدّمات العيد التي ينظر الناس بها في أسبابه، سأل رجل الجنيد، لماذا سمّي يوم العيد؟ فقال: لأنّ آدم لمّا خرج من الجنة، وأهبط إلى الأرض، ثم تاب الله عليه، فردّه إلى الجنة، كان في ذلك اليوم؛ فقيل له يوم عيد، لأنه أعيد إلى الجنة فيه، قال ابن الأنباريّ ﵀: معنى يوم العيد، الّذي يعود فيه الفرح والسرور. والعيد عند العرب: الوقت الذي يعود فيه الفرح أو الحزن، وأصله «العود» لأنه من عاد يعود، فلما سكّنت الواو وكسر ما قبلها قلبت ياء، فصارت من باب ميزان وميقات، وهما من الوزن والوقت، وكذلك الياء إذا سكنت، وانضمّ ما قبلها قلبت واوا مثل موسر وموقن، وهما من أيسر وأيقن، ويقولون في الجمع مياسر. المدينة: البلد، من أخذها من مدن بالمكان يمدن، إذا أقام فيه، فهي «فعيلة» والجمع مدائن بالهمز، والميم أصلية والياء زائدة، ومن أخذها من دان يدين، فالميم

стр. 189

زائدة والياء أصلية، وهي «مفعولة». يقال: دنت الرّجل ملكته، ودنت له أطعت، ويقال للأمة مدينة لأنها مملوكة، قال الشاعر: [الطويل] ربت وربا في حجرها ابن مدينة ... يظلّ على مسحاته يتركّل (١) يعني عبدا: يوم الزينة: يوم العيد لتزيّن الناس فيه. قوله: «أظل»، أي قرب ودنا حتى دخلنا في ظلّه. بفرضه: يعني زكاة الفطر. ونفله: يعني صلاة العيد. الفنجديهيّ: فرض العيد: صدقة الفطر، ونفل العيد مثل الصلاة والغسل ولبس الجديد من الثياب. ابن عمر ﵄: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر أو شعير، على كل كرّ أو عبد، ذكر أو أثنى من المسلمين. ابن عباس ﵄: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان لجبر الصيام من اللغو والرّفث طعمة للمساكين، فمن أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعدها فهي صدقة من الصدقات. أجلب بخيله ورجله، أي جمع أصحاب الخيل والرجّالة وجاء بهم، ضرب به المثل لإقباله وتصميمه على المجيء. لبس: لباس، وجاء في لبس الجديد حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «ما على أحدكم أن يكون له ثوبان سوى ثوبي مهنته لجمعته ولعيده». جابر: كان للنبيّ ﷺ حلّة يلبسها في العيدين ويوم الجمعة. برزت: خرجت. التأم: التحم والتصق. المصلّى: موضع صلاة العيد. الزّحام: الضيق لكثرة الناس. الكظم: تضييق النفس من شدة الزحام. شملتين: عباءتين، والشّملة: نوع من الأكسية، وقيل لها شملة لأنّ صاحبها يشتمل بها، أي يديرها حواليه، محجوب: مستور. المقلتين: العينين، أراد أنه أعمى. اعتضد: علّقها في عضده. استقاد: جعلها تقوده. السّعلاة: أنثى الغول، وذكرها يسمّى الكعنكع، وأنشدوا: [الرجز] * غولا تراعي شرسا كعنكعا (٢) * والغول: جنّ مسكنها الصحارى تتراءى للإنسان كأنها إنسان فلا يزال يتبعها حتى

стр. 190

يضلّ الطريق فيهلك. قوله: «متهافت»، أي متساقط لضعفه، وتهافت الشيء في يدي: تناثر. خافت: خفيّ الصوت، وقد خفت الرجل، إذا ظهر عليه الضعف من مرض أو جوع أو غير ذلك، وأصل خفت مات هزالا. فرغ: أتمّ أجال: مشى وصرّف. خمسه: أصابعه. في وعائه، يعني المخلاة التي اعتضدها، وهي تعليقة يعلّقها السائل في عنقه أو ذراعه، ويجعل فيها ما يعطى من الصّدقة. أبرز: أخرج. أوان: وقت. الفراغ: قلّة الشغل. ناولهنّ: أعطاهنّ. الحيزبون: المسنّة القويّة الخلق. تتوسّم: تنظر. الزّبون: المنخدع عن ماله «فعول» بمعنى «مفعول»، وهو من ألفاظ أهل المشرق، وأراد به الكثير الصدقة، آنست: أبصرت ندى: كرم. أتاح: ساق. القدر المعتوب: الملوم. [الهزج] لقد أصبحت موقوذا ... بأوجاع وأوجال وممنوّا بمحتال ... ومختال ومغتال وخوّان من الإخوا ... ن قال لي لإملالي وإعمال من العمّا ... ل في تضليع أعمالي فكم أصلى بأذحال ... وأمحال وترحال وكم أخطر في بال ... ولا أخطر في بال فليت الدّهر لمّا جا ... ر أطفا لي أطفالي فلولا أنّ أشبالي ... أغلالي وأعلالي لما جهّزت آمالي ... إلى آل ولا والي ولا جرّرت أذيالي ... على مسحب إذلالي فمحرابي أحرى بي ... وأسمالي أسمى لي فهل حرّ يرى تخ ... فيف أثقالي بمثقال ويطفي حرّ بلبالي ... بسربال وسروال! *** قوله: «موقوذا»، أي مشرفا على الموت من شدّة الأوجاع والأوجال، والموقوذة في القرآن (١): المقتولة بالخشب، والوقذ: شدة الضرب. أو جال: مخاوف. ممنوّا: مبتلى. محتال: ماكر كثير الحيلة. مختال: متكبّر. مغتال: مهلك. خوّان: كثير الخيانة. ابن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ : «قلّما يوجد في آخر الزمان درهم من حلال، أو أخ يوثق به». قال: مبغض. إقلالي: فقري. إعمال: جدّ وبحث، تقول: أعملت الشيء في الشيء، إذ جعلته يعمل فيه. والعمال: عاملو كلّ شيء. تضليع:

стр. 191

إفساد. أعمال: جمع عمل، يريد أنه مطلوب يبحث على أعماله إذا أتى بها مجموعة فتنقض أعماله وتصير له أضلاعا بعد اجتماعها، وذلك فساد لها. ويحتمل أن يكون التّضليع من «ضلعك مع فلان». أي ميلك معه، فأعماله تميل عن طرقها فتفسد. وقيل: تضليع الأعمال: تثقيلها، قال الأزهريّ ﵀: ضلع الدين. ثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء لثقله، وفي الحديث: «أعوذ بالله من ضلع الدّين». أصلى: أحترق. أذحال: أحقاد وعداوات. إمحال: فقر. ترحال: سفر ونقلة من بلد إلى بلد. أخطر: أمشي متبخترا، وقد خطر الرجل، إذا أقبل بيديه وأدبر بهما، وهي مشية الشبّان. بال: خلق. ولا أخطر في بال: لا أمرّ على بال أحد ولا خاطره. جار: مال عن الحق ولم يعدل. أطفأ: أمات. أطفالي: أولادي، ومثله: أشبالي. الفنجديهيّ: يقول: ليت الدّهر لمّا ظلم أولادي، وجار عليهم أماتني لأتخلّص، فإنّ مقاساة الولائد سبب الوقوع في المصائد. قال ابن عيينة: قلت لصيّاد: أيّ طائر أسرع إلى مصايدكم؟ قال: الذي يزقّ، يعني الذي يطعم ولده. أغلالي: قيودي. والأعلال: جمع علّ، وهو القراد الضخم، وهو الذي يلصق بأفخاذ الدوابّ، وهو كثير التشبّث والالتصاق، لا يقلع إلا بجهد، فيريد بالأغلال أولاده لأنهم قيوده فلا يسرح بسببهم، وبالأعلال أنهم قد تعلّقوا به يطلبون ما عنده، وقال الشاعر يصف ناقته: [الطويل] * ولو ظلّ في أوصالها العلّ يرتقي (١) * ويقال للقراد: الطّلح والفينق والحجير والعلّ والبرام والقرشوم واللّبود في بعض اللغات. جهّزت: أرسلت. آل: قريب، وآل: أهل، أو يكون آل أميرا وسائسا؛ قال عمر ﵁: ألنا وأيل علينا، أي سسنا الناس وساسنا غيرنا، فيكون على هذا مقلوبا من «آيل»، كما قيل: سار في سائر مسحب: طريق. يقول: لولا ظلّ الأولاد ما قصدت واليا، ولا جررت ذيلي في طريق ذلّ، ويقال: سحب ذيله سحبا إذا جرّه، والمسحب: موضع جرّه ثوبه محرابي: مسجدي. أحرى: أحق بي. أسمالي. أثوابي الخلقة. أسمى لي: أعزّ لي وأرفع لقدري. أثقالي: همومي أو ديوني، أو كثرة عيالي وأحدها ثقل، وثقل الشيء ثقلا ضدّ خفّ، وأثقل الرجل: كثر عياله. بلبالي: حزني، والبلبال: وسواس الهموم. سربال: قميص. والسروال: معروف، وفي الحديث أن امرأة سقطت من على حمار فأعرض النبيّ ﷺ بوجهه عنها، فقالوا: إنها متسرولة، فقال النبيّ ﷺ : «اللهمّ اغفر للمتسرولات من أمّتي- ثلاثا- يا أيّها الناس اتخذوا السراويلات فإنها من أستر ثيابكم، وحضّوا بها نساءكم إذا خرجن».

стр. 192

ومن ملح الصاحب بن عبّاد أن بعض الشعراء كتب له: [المتقارب] (١) أيا من عطاياه تعطى الغني ... إلى راحتي من نأي أو دنا كسوت المقيمين والزائرين ... كسا لم يخل مثلها ممكنا وخاشية الدار يمشون في ... ثياب من الخزّ إلّا أنا فقال الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة أن رجلا قال له: احملني أيّها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغلة وحمار وجارية، ثم قال له: لو علمت أنّ الله خلق مركوبا غير هذا لحملتك عليه. وقد أمرنا لك من الخزّ بجبّة وقميص ودرّاعة وسراويل وعمامة ومنديل ومطرف ورداء وكساء وجورب وكيس، ولو علمنا لباسا غير هذا من الخزّ لأعطيناكه. ثم أمر بإدخاله إلى الخزانة؛ وصبّ تلك الخلع عليه. وأخبار الصاحب مستظرفة كثيرة الملح. قال الحارث بن همام: فلمّا استعرضت حلّة الأبيات، تقت إلى معرفة ملحمها، وراقم علمها. فناجاني الفكر بأنّ الوصلة إليه العجوز، وأفتاني بأنّ حلوان المعرّف يجوز؛ فرصدتها وهي تستقري الصّفوف صفّا صفّا؛ وتستوكف الأكفّ كفّا كفّا، وما إن ينجح لها عناء، ولا يرشح على يدها إناء، فلمّا أكدى استعطافها، وكدّها مطافها، عاذت بالاسترجاع، ومالت إلى إرجاع الرّقاع، وأنساها الشّيطان ذكر رقعتي، فلم تعج إلى بقعتي، وآبت إلى الشّيخ باكية للحرمان، شاكية تحامل الزّمان؛ فقال: إنّا لله، وأفوّض أمري إلى الله، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله! ثمّ أنشد: [مخلع البسيط] لم يبق صاف ولا مصاف ... ولا معين ولا معين وفي المساوي بدا التّساوي ... فلا أمين ولا ثمين *** قوله: «ملحمها»، ناسجها، ولما جعل الشّعر حلّة جعل له ناسجا وراقما. ناجاني: حدّثني. الوصلة: الموصّلة. استعرضت، أي نظرت وعرضتها على نفسي. تقت:

стр. 193

اشتقت. أفتاني، أعلمني. الحلوان: أجر الكهّان، وأراد أجرة العرّاف، وهو الذي يعرّف بالتلائف الملتقطة أربابها، فيفتكّونها منه بما اتّفقوا عليه، فذهب مالك أنّ من عرّف اللّقطة، وكان من شأنه أخذ الجعل على مثل ذلك، فله أجرة مثله، والشافعيّ لا يوجب له حقّا؛ سواء كان من شأنه أن يعرّف باللّقطة أو لم يكن، تعب في ذلك أو لم يتعب، إلّا أن يشترط قبل الطلب. رصدتها: ارتقبتها. تستقري: تتبع؛ واقتريت الأرض واستقريتها، تتبّعتها متأمّلا. تستوكف: تستمطر. ينجح: ينفع ويؤثّر؛ يقال: نجحت الحاجة إذا انقضت، ونجح طالبها إذا لم يخب، وأنجح: أشهر؛ يقول: إن مشيها عليهم لم يقض حاجتها ولا نفعها. وقصد برشح الإناء كرم الكفّ؛ يقول: لم يرشح لها كفّ بعطيّة. أكدي: خاب وصعب، ويقال: أكدي الحافر، وهو أن يحفر البئر يطلب الماء، فإذا بلغ إلى الصّلابة ويئس من الماء ولم يقدر على الحفر قيل له: أكدي فهو مكد، والكدية هي الصلابة التي يتعذّر حفرها. استعطافها: تليينها القلوب. كدّها: أتعبها. مطافها: مشيها وطوفها على الناس، ويحسن أن ينشد هنا في حالها لأبي نواس: [الطويل] إذا لم يعنك الله فيما تريده ... فليس لمخلوق إليه سبيل وإن هو لم يرشدك في كلّ مسلك ... ضللت، ولو أنّ السّماك دليل غيره: [الطويل] إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر ما يجنى عليه اجتهاده عاذت: تعوّذت ولاذت. الاسترجاع؛ قولهم: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وفي حديث أم سلمة ﵂ عن النبيّ ﷺ : «ما قال أحد عند المصيبة إنّا لله وإنّا إليه راجعون، اللهمّ أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها؛ إلا استجيب له» (١). ارجاع: ردّ. تعج: تميل وترجع. بقعتي: موضعي. آبت: رجعت. الحرمان: الخيبة والمنع. تحامل: مشقّات، وتحاملت في الأمر: تكلفته على مشقة. أفوّض: أردّ. لا حول، أي لا حيلة، يقال: ما له حيلة ولا حول، وما له احتيال ولا محتال، ولا محالة ولا محيلة؛ كلّه بمعنى. ويقال: ما له محال بالفتح، أي حول، ومحال بالكسر، أي مكر. ثعلب: هو من قولهم: محل به؛ إذا سعى به إلى السلطان وعرّضه للهلاك. ومحل به القرآن: شهد عليه بالتّقصير؛ وقال الفرّاء: المحالة على ثلاثة أقسام؛ هي

стр. 194

الحيلة، والّتي تجعل على رأس البئر كالبكرة، وواحدة محال الظهر وهي فقاره. ويقال: أخذت في الحولقة، والحوقلة، إذا قلت: لا حول ولا قوّة إلا بالله، وينتصب «لا حول ولا قوّة» بالتبرئة، وإن شئت رفعتهما بالابتداء، «وبالله» خبر «قوّة»، وحذفت خبر «لا حول» لدلالة الثاني عليه، وإن شئت رفعت «حول» بالابتداء، ونصبت «قوة» بالتبرئة، وإن شئت نصبت «حولا» بالتبرئة ورفعت «قوّة» بالعطف على موضع «لا حول»، وإن شئت نصبت «قوّة» بالتنوين عطفا على اللفظ. وقوله: «صاف»، أي خالص الودّ. مصاف: صادق في ودّه. معين: ماء كثير، يريد صاحب كرم كثير. معين: يعين بماله. المساوي: ضد المحاسن، واحدها «سوء» على غير قياس، وقيل لا واحد لها. بدا: ظهر. الثمين: النفيس الغالي الثمن؛ يقول: إنّ الناس قد استووا في الأفعال السيّئة، وأراد قوله ﷺ : «لا يزال الناس بخير ما تباينوا، فإذا استووا هلكوا»، ومعناه أنّ الناس في الغالب إنّما يتساوون في الشرّ، ولا تجدهم كلّهم فضلاء لأنّ الخير قليل. قال أبو العباس التّطيليّ فيما يتعلّق بهذا المعنى: [البسيط] والنّاس كالناس إلّا أن تجرّبهم ... وللبصيرة حكم ليس للبصر كالأيك مشتبهات في منابتها ... وإنما يقع التفضيل بالثمر وقال التّهاميّ: ومن الرّجال معالم ومجاهل ... ومن النّجوم غوامض ودراري ولربّما اعتضد الحليم بجاهل ... لا خير في يمنى بغير يسار والنّاس مشتبهون في إيرادهم ... وتفاضل الأقوام بالإصدار *** ثمّ قال لها: منّي النّفس وعديها، واجمعي الرّقاع وعدّيها، فقالت: لقد عددتها لمّا استعدتها، فوجدت يد الضّياع، قد غالت إحدى الرّقاع، فقال: تعسا لك يا لكاع، أنحرم ويحك القنص والحبالة، والقبس والذّبالة! إنّها لضغث على إبّالة. فانصاعت تقتصّ مدرجها، وتنشد مدرجها؛ فلمّا دانتني قرنت بالرّقعة، درهما وقطعة، وقلت لها: إن رغبت في المشوف المعلم- وأشرت إلى الدّرهم- فبوحي بالسرّ المبهم. وإن أبيت أن تشرحي، فخذي القطعة واسرحي. فمالت إلى استخلاص البدر التّمّ، والأبلج الهمّ، وقالت: دع جدالك، وسل عمّا بدا لك، فاستطلعتها طلع الشّيخ وبلدته، والشّعر وناسج بردته. ***

стр. 195

قوله: «عديها»، أي طمّعيها. استعدتها: رددتها. غالت: أهلكت، واستعار للتضييع «يدا» مجازا. تعسا: هلكا، والتّعس: الدّعاء ألّا تقال عثرته يا لكاع: يا لئيمة يا منتنة، واللّكاع: وسخ الفرج. واللّكع: ولد الحمار. القنص: الصيد. الحبالة: الشبكة، وصفة الحبالة أن يعمد لحبل من شعر مخلوط بيسير من صوف، فذلك أقوى له، فيعقد في أحد طرفيه عين يجري فيها الحبل، ويربط في الطرف الثاني خشبة، وربّما حدّدوا طرفها، ثم يأتون إلى الطريق الذي يدخل منه الصيد إلى الماء فيحفرون فيه حفرة فيغطّونها بورق الشجر وشبهها، ويفتحون عليها عين الحبل، ثم يغطّونها بالتراب والزّبل، حتى تصير في طبع الأرض، فإذا أقبل الصيد للماء، فوضع يده أو رجله في الحفرة، سقطت به، وانضمّ على يده أو رجله الحبل، فيثب فازعا ويفرّ، فتتبعه تلك الخشبة، فكلّما انتفض أقبلت عليه، فتضربه بين يديه ورجليه وبطنه وظهره، فتوهي أعضاءه، وربّما كسرت يديه أو رجليه، فلا يسير بها قدر ميل، حتى يقف موقوذا منها، فيأتيه الصائد فيأخذه، وأنواع الحبالة كثيرة. قوله: «القبس»، يريد به نور المصباح، والذّبالة: الفتيلة. ضغث: حزمة من حشيش صغيرة، وأصلها جماعة القضبان، وشبهها من النبات، يجمعها أصل واحد، وكلّ ما جمعت عليه كفّك من حشيش أو عيدان فانتزعته من أصله ضغث. إبّالة: حزمة كبيرة، والضّغث على الإبّالة مثل حزمة الحطّابإذا حملها للبيع، وجعل فوقها حزيمة صغيرة لنفسه؛ فالكبيرة إبّالة والصغيرة ضغث، فكأنه قال: إنها خسارة على خسارة، ويقال لها: إبالة وأبيل وأبيلة، وضغث على إبّالة، مثل أخذه من قول الشاعر: [مجزوء الكامل] في كلّ يوم من ذؤاله ... ضغث يزيد على إبّاله (١) وقال آخر وذكر ناقته: [البسيط] ردّت عواري غيطان الفلا ونجت ... بمثل إبّالة من خالص الشّعر وهذا مثل قول حبيب: [الطويل] فكم جزع واد جبّ ذروة غارب ... وبالأمس كانت أتمكته جوانبه (٢) قوله: «انصاعت»، أي ذهبت نافرة وانثنت مسرعة، وكلّ ما ثنيته ولويته بسرعة؛ فقد صعته صوعا، وكذلك إذا جمعته وفرّقته، فذهب عنك بسرعة، وصاع الشجاع القوم

стр. 196

في الحرب؛ إذا جمعهم بهيبته ثم صدمهم، ففروا سراعا متفرّقين، وكلّ نافر مسرع منصاع، وقال ذو الرمّة في الخمر: [البسيط] رمى فأخطأ والأقدار غالبة ... فانصعن والويل هجّيراه والحرب (١) تقتصّ، أي تتبع. مدرجها: طريقها الّتي مشت فيها لتفريق الرقّاع، ويقال: درج الشيخ والصبيّ درجا ودرجانا، إذا تقاربت خطاهما، والمدرج: الموضع الذي درجا فيه، والمدرجة: قارعة الطريق. تنشد: تطلب من نشدت الضّالّة، ومدرجها: رقعتها، ويقال: أدرجت الكتاب والثوب طويتهما. القطعة: عند أهل المشرق: الواحدة من صرف يعرّفونه الحندوس، يعمدون إلى دراهمه فيقطعونها قطعا، فهي صرفهم، وبها يتصدقون، فأراد أنه قرن برقعة الشعر درهما، وقطعة من الحندوس، وقال لها: إن خبرتني بقائل الشعر، فخذي الدرهم أجرة، وإن أبيت أن تعرّفيني به فخذي القطعة صدقة وانصرفي. المشوف: المصقول المجلوّ، والشوف: الجلاء، والمعلم: المنقوش، ونقشه علامته، وقيل: هو الذي عليه علامة الملك، وأخذه من قول عنترة: [الكامل] ولقد شربت من المدامة بعد ما ... ركد الهواجر بالمشوف المعلم (٢) بوحي. تكلمي. المبهم: المغلق الملبس. أبيت: امتنعت. اسرحي: اذهبي. استخلاص: تخليص، واستخلص الشيء، جعله خالصا. التمّ: الكامل. والأبلج: النقيّ الأبيض، وفعله إبلاجّ كاحمارّ. الهمّ: الكبير الذي يهمّ به من رآه، وشيخ همّ: مسنّ، والهمّ: الرقيق النحيف، وهو من همته النار إذا أذابته، وهممت الشحم: أذبته. استطلعتها طلعه: استخبرتها خبره، وسألتها أن تطلعني عليه، وتقول: استطلعت طلع الشيء، إذا حاولت الاطلاع عليه، وأردت معرفة خبره الّذي تطلع منه عليه، وطلع بالكسر. بردته: ثوبه. *** فقالت: إنّ الشّيخ من أهل سروج، وهو الّذي وشّى الشعر المنسوج، ثمّ خطفت الدّرهم خطفة الباشق، ومرقت مروق السّهم الرّاشق، فخالج قلبي أنّ أبا زيد هو المشار إليه، وتأجّج كربي لمصابه بناظريه، وآثرت أن أفاجيه وأناجيه، لأعجم عود فراستي فيه، وما كنت لأصل إليه إلّا بتخطّي رقاب الجمع، المنهيّ عنه في الشّرع، وعفت أن يتأذّى بي قوم، أو يسري إليّ لوم، فسكدت بمكاني،

стр. 197

وجعلت شخصه قيد عياني، إلى أن انقضت الخطبة، وحقّت الوثبة، فخفقت إليه، وتوسّمته عليّ التحام جفنيه، فإذ ألمعيّتي ألمعيّة ابن عبّاس، وفراستي فراسة إياس. *** وشّى: زيّن ورقّم. خطفت: أخذت بسرعة. الباشق: من جوارح الطير. مرقت: خرجت بسرعة. الرّاشق: الّذي يرشق الصيد، أي ينشبه، ويكون الراشق بمعنى المرشوق، كقوله تعالى: مِنْ ماءٍ دافِقٍ [الطارق: ٦]، أي مدفوق. قوله: «خالج»، أي داخل وجاذب. تأجّج: اشتعل. كربي: همّي، والتأجّج «التفعّل» من الأجيج، وهو تصويت النار ولهبها إذا اشتعلت وعظمت. آثرت: اخترت وفضّلت، وآثرته بكذا: فضّلته به والإيثار المصدر. أفاجيه: آتيه فجأة وهو لا يشعر. أناجيه: أحدّثه. أعجم: أجرّب. فراستي: نظري، وجعل لها عودا مجازا. تخطّى رقاب الجمع: الجواز على أعناق الناس؛ خرّج الترمذيّ في النهي عن ذلك، قال: قال رسول الله ﷺ : «من تخطّى رقاب الناس يوم الجمعة اتّخذ جسرا إلى جهنم» (١). عفت: كرهت. يتأذّى: يصيبهم أذى. يسري: يصل. اللوم: ضدّ الحمد، وهو أن تأخذ الإنسان بلسانك ذمّا لما فعل. سكدت: التصقت ولزمت. قيد عياني: غرض نظري، أي قيّدت نظري فيه. انقضت: تمّت. حقّت الوثبة، أي وجبت القفزة إليه. خففت: أسرعت. توسّمته: نظرته. التحام: التصاق وانغلاق. ألمعيّتي: ذكائي وصدق ظنّي، والألمعيّ، هو الذي يظن بك الظّنّ، ولا يخطئ، وهو اليلمعيّ من اللّمعان، كأنه يلمع لذكائه وجودة فطنته، وقال أوس: [المنسرح] الألمعيّ الذي يظنّ بك الظّنّ ... كأن قد رأى وقد سمعا (٢) ولا يبيّن أحد الألمعيّ بأحسن مما بيّنه أوس، فإذا سئلت: ما الألمعيّ؟ فأنشدت بيته تأت بالجواب الشافي. والفراسة، أن تنظر الشيء فتستدلّ بظاهره على باطنه، وبما حضر على ما غاب، وقيل: الألمعيّة أن ترى الشيء على بعد فتعرفه وتحقّقه، والفراسة أن ترى الرجل بين يديك فتحكم عليه بما أضمر، أو بما يريد أن يفعله، فالألمعيّة في البعد، والفراسة في

стр. 198

القرب، وكيف اختلفت الألمعيّة والفراسة، فالظنّ الصادق يجمع بينهما. [ابن عباس وبعض أخباره] وابن عباس ﵁، هو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشيّ الهاشميّ، يكنى أبا العباس. ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان ابن ثلاث عشرة سنة يوم توفّي رسول الله ﷺ . واختلف في السنة التي مات فيها، ما بين ثمان وستين في الأقل، وأربع وسبعين في الأكثر. وصلّى عليه محمد ابن الحنفيّة، وقال: اليوم مات ربانيّ هذه الأمة، وضرب على قبره فسطاط. روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «اللهم علمه الحكمة وتأويل القرآن» (١)، وفي حديث آخر: «اللهم بارك فيه، وانشر منه، واجعله من عبادك الصالحين». وفي حديث آخر: «اللهم زده علما وفقّهه» (٢)؛ وفي حديث آخر: «اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل» (٣). وكلها أحاديث صحاح. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يحبّه ويدنيه ويقرّبه ويشاوره، مع وفور جلّة الصحابة ﵃. وكان ابن عمر ﵁ يقول: ابن عباس فتى الكهول، له لسان سئول، وقلب عقول. عبد الله بن عبد الله: ما رأيت أحدا كان أعلم بالسّنة، ولا أجلد رأيا، ولا أثبت نظرا من ابن عباس. ولقد كان عمر يعدّه للمعضلات، مع اجتهاد عمر ونظره للمسلمين. عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسا كان أجمع لكلّ خير من مجلس ابن عباس، الحلال والحرام والعربيّة والأنساب والشعر. عطاء: كان الناس يأتون ابن عباس في الشّعر والأنساب، وناس يأتونه لأيام العرب ووقائعها، وناس يأتونه للعلم والفقه، فما منهم صنف إلا يقبل عليهم بما يشاءون. مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس، قلت: أجمل الناس؛ فإذا تكلّم قلت: أفصح الناس، فإذا تحدث قلت: أعلم الناس.

стр. 199

أبو وائل: خطبنا ابن عباس ﵄، وهو على الموسم، فافتتح سورة، فجعل يقرأ ويفسّر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، لو سمعته فارس والترك والروم لأسلمت. طاوس: أدركت نحو خمسمائة من أصحاب رسول الله ﷺ ، إذا ذكروا ابن عباس خالفوه، فلم يزل يقودهم حتى ينتهوا إلى قوله: ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس، ولو أدرك أسناننا ما عاشره منّا رجل. يزيد الأصمّ: خرج معاوية حاجّا، ومعه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب ممّن يطلب العلم. القاسم بن محمد: ما رأيت في مجلس ابن عباس باطلا قطّ، وما سمعت فتوى أشبه بالسّنة من فتواه. وكان أصحابه يسمونه الحبر والبحر. وذكر أبو العباس في الكامل أن عمر بن أبي ربيعة أنشده قصيدته: [الطويل] أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجّر (١) فحفظها من سمعها، وهي ثمانون بيتا. مجاهد عن ابن عباس ﵄: رأيت جبريل ﵇ عند النّبيّ ﷺ مرتين، ودعا لي بالحكمة رسول الله ﷺ مرتين. وروى عنه أنه رأى رجلا مع النبيّ ﷺ فلم يعرفه، فسأل عنه النبيّ ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : أرأيته؟ قال: نعم، قال: ذاك جبريل، أمّا إنّك ستفقد بصرك؛ فعمي بعد ذلك في آخر عمره، وهو القائل في ذلك- ويروى لحسان ﵄: [البسيط] إن يأخذ الله من عينيّ نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور (٢) قلب ذكيّ وعقل غير ذي دخل ... وفي فمي صارم كالسيف مأثور نظر إليه الحطيئة في مجلس عمر ﵄، فقال: من هذا الذي برع الناس بعلمه، ونزل عنهم بسنّه؟ فقيل له: عبد الله بن عباس. وقال فيه حسان بن ثابت ﵄: [الطويل] إذا ما ابن عبّاس بدا لك وجهه ... رأيت له في كلّ أحواله فصلا (٣)

стр. 200

إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بمنتطحات لا ترى بينها فصلا كفى وشفى ما في النفوس ولم يدع ... لذي إربة في القول جدّا ولا هزلا سموت إلى العليا بغير مشقّة ... فنلت ذراها لا ذليلا ولا وغلا ونظر إليه معاوية يوما يتكلّم معه، فأتبعه بصره، فقال متمثّلا: [الطويل] إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... مصيب ولم يثن اللّسان على هجر يصرّف بالقول اللّسان إذا انتحى ... وينظر في أعطافه نظر الصّقر وروي أن طائرا أبيض خرج من قبره، فتأوّلوه علمه خرج إلى الناس. وقيل: دخل قبره طائر أبيض، فقيل: هو بصره. وقال أبو الزبير: مات ابن عباس ﵄ بالطائف، فجاء طائر أبيض فدخل في نعشه حين حمل، فما رئي خارجا منه. وفضائله كثيرة مشهورة، فلنقف منها على هذا القدر. [إياس القاضي] وأما إياس، فهو أبو واثلة بن معاوية بن قرة بن إياس بن هلال بن رباب المزنيّ، قاضي البصرة. وسبب قضائه أنّ عمر بن عبد العزيز ﵁ كتب إلى عديّ بن أرطأة عامله على البصرة؛ أن اجمع إياس بن معاوية المزنيّ والقاسم بن ربيعة الحارثيّ، فولّ القضاء أنفذهما وأفقههما. فجمع بينهما، فقال كلّ واحد: إنّ صاحبه أنفذ وأفقه، فقال له إياس: سل عنّي وعن القاسم فقيهي المصر: الحسن وابن سيرين- وكان القاسم يأتيهما وإياس لا يأتيهما- فعلم القاسم أنه إن سألهما أشارا به، فقال القاسم: لا تسأل عني ولا عنه؛ فو الله الذي لا إله إلا هو؛ إن إياسا لأفقه منّي، فإن كنت كاذبا فما عليك إلا ألّا تولّيني وأنا كاذب، وإن كنت صادقا فينبغي لك أن تقبل قولي. فقال له إياس: إنك جئت برجل، فوقفته على شفير جهنم، فنحي نفسه منها بيمين كاذبة يستغفر الله منها، وينجو مما يخاف، فقال له عديّ: أما إنك إذ فهمتها فأنت لها؛ فاستقضاه. وقال إياس ﵀: أرسل إليّ ابن هبيرة فأتيته، فسألني فسكتّ، فلمّا أطلت قال: هيه! قلت: سل عمّا بدا لك، قال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: أتفرض الفرائض؟ قلت: نعم، قال: أتعرف من أيام العرب شيئا؟ قلت: نعم، قال: أتعرف من أيام العجم شيئا؟ قلت: أنا بها أعرف، قال: إني أريد أن أستعين بك على عملي، قلت: إن فيّ خصالا ثلاثا لا أصلح معها للعمل، قال: ما هي؟ قلت: أنا دميم كما ترى، وأنا عييّ، وأنا حديد، قال: أمّا دمامتك فإني لا أريد أن أحاسن بك الناس، وأما العيّ فإني أراك تعرب عن نفسك، وأما الحدّة فإن السوط يقوّمك، قم. فولّاني القضاء، وأعطاني عشرة آلاف درهم، فهي أول مال تموّلته.

стр. 201

ودخل عليه عديّ بن أرطأة في مجلس القضاء- وعديّ أمير البصرة، وكان أعرابيّ الطبع- فقال: يا هناه، أين أنت؟ قال: بينك وبين الحائط، قال: فاسمع مني، قال: للاستماع جلست، قال: إني تزوّجت امرأة، قال: بالرّفاء والبنين، قال: وشرطت لأهلها ألّا أخرجها من بينهم، قال: أوف لهم بالشرط، قال: فأنا أريد الخروج، قال: في حفظ الله، قال: فاقض بيننا، قال: قد فعلت، قال: فبم تحكم؟ قال: بألّا تخرجها، قال: بشهادة من؟ قال: بشهادة ابن أخت خالتك. وأول ما ظهر من ذكائه، أنه دخل دمشق، وهو غلام، فتحاكم مع شيخ عند قاضيها، فصال إياس بحدّته على الشيخ، فقال له القاضي: إنه شيخ كبير، فخفّض كلامك، فقال له إياس: الحقّ أكبر منه، فقال له القاضي: أسكت، فقال: ومن ينطق بحجّتي؟ فقال له القاضي: ما أراك تقول حقّا، فقال إياس: لا إله إلا الله، أحقّ هذا أم باطل؟ فدخل القاضي من فوره إلى عبد الملك بن مروان، فأعلمه بما رأى من ذكائه، فقال له عبد الملك: أخرج فاحكم بينهما، وأخرجه الآن من دمشق إلى بلاده لئلّا يفسد على أهل الشام. ولما دخل عبد الملك البصرة رأى إياسا وهو صبيّ، وخلفه أربعة من القرّاء أصحاب الطيالسة، وإياس يقدمهم، فقال عبد الملك: أفّ لهذه العثانين؛ أما فيهم شيخ يقدّمهم غير هذا الحدث! ثمّ التفت إليه، وقال: كم سنّك؟ فقال: سنّي- أطال الله بقاء الأمير- سنّ أسامة بن زيد بن حارثة حين ولّاه رسول الله ﷺ جيشا فيهم أبو بكر وعمر؛ فقال: تقدّم بارك الله فيك، وكان سنّه سبع عشرة سنة. وأمّا ذكاؤه وفراسته، فقد ألّف في ذلك المدائنيّ كتابا سمّاه كتاب «زكن إياس»، والزّكن: التشبيه، يقال: زكّن عليهم وزكّم: شبّه وخيّل، وقيل: الزّكن: الظنّ والتفرّش. ومن زكنه أنه اختصم إليه رجلان في قطيفتين: حمراء وخضراء، فقال أحدهما: دخلت الحوض لأغتسل ووضعت قطيفتي، ثم دخل واغتسل، فخرج قبلي، وأخذ قطيفتي، فتبعته، فزعم أنها قطيفته، فقال: ألك بيّنة؟ قال: لا، قال: ائتوني بمشط، فأتي به، فسرّح رأس هذا، ثم هذا، فخرج من رأس أحدهما صوف أحمر، ومن رأس الآخر أخضر، فقضى بالأخضر لصاحب الأخضر، وبالأحمر لصاحب الأحمر. وأتى المدينة فصلّى في مسجد رسول الله ﷺ ، فزكنه أهله حتى صاروا فرقتين: فرقة تزعم أنه معلم، وأخرى تزعم أنه قاض، ثم وجّهوا إليه رجلا، فأخبره خبرهم، فقال: أصاب الذين ذكروا أني قاض، ورويدا أخبرك عن القوم؛ أمّا الذي من صفته كذا فهو كذا، وأما الذي يليه فهو كذا، وأما ذاك الشيخ فإنه نجار، فقال الرجل: في كلّهم والله أصبت إلّا في الشيخ، فإنه من قريش، فقال إياس: وإن كان من قريش! فقام الرّجل إلى أصحابه، فقال: قد جئتكم من عند أعجب النّاس، والله إن منكم من أحد إلّا أخبرني

стр. 202

بصناعته إلّا هذا فزعم أنه نجّار، فقال: صدق والله؛ إني لأنجر عيدان جواريّ- يعني عود المزمار. ونظر إلى ثلاث نسوة فزعن من شيء، فقال: هذه حامل، وهذه مرضع، وهذه بكر، فسألن فوجدن كذلك، فسئل من أين لك علم ذلك؟ فقال: لمّا فزعن وضعت كلّ واحدة منهنّ يدها على أهمّ المواضع لها، فوضعت المرضع على ثديها، والحامل على بطنها، والبكر على فرجها. وسمع نباح كلب لم يره، فقال: هذا نباح كلب مربوط على شفير بئر، فنظر فكان كما قال، فقيل له في ذلك، فقال: سمعت عند نباحه دويّا، ثم سمعت بعده صدى يجيبه، فعلمت أنه عند بئر. ومن فراسته أنه رأى أثر اعتلاف بعير، فقال: هذا بعير أعور، فنظروا فكان كما قال، فقيل له في ذلك، فقال: لأني وجدت اعتلافه من جهة واحدة. ولما صار ذكاؤه يضرب به المثل، كما يضرب بجود حاتم وحلم الأحنف وشجاعة عمرو بن معد يكرب، نظمهم حبيب في بيت جمع فضلهم المتفرّق للعباس بن المأمون، فقال: [الكامل] إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس (١) وتوفّي سنة اثنتين وعشرين ومائة وأخباره كثيرة، وفيما أوردناه كفاية. *** فعرّفته حينئذ شخصي؛ وآثرته بأحد قمصي، وأهبت به إلى قرصي، فهشّ لعارفتي وعرفاني، ولبّى دعوة رغفاني، وانطلق ويدي زمامه، وظلّي إمامه، والعجوز ثالثة الأثافي، والرّقيب الّذي لا يخفى عليه خافي. فلمّا استحلس وكنتي، وأحضرته عجالة مكنتي، قال لي: يا حارث، أمعنا ثالث؟ فقلت: ليس إلّا العجوز، قال: ما دونها سرّ محجوز. ثمّ فتح إحدى كريمتيه، ورأوا بتوأمتيه، فإذا سراجا وجهه يقدان، كأنّهما الفرقدان. فابتهجت بسلامة بصره، وعجبت من غرائب سيره، ولم يلقني قرار، ولا طاوعني اصطبار، حتى سألته: ما دعاك إلى التّعالي؛ مع سيرك في المعامي، وجوبك الموامي، وإيغالك في المرامي! *** قوله: «أهبت به»، أي دعوته، وأصل «أهاب» دعا لنفسه من بعد. وقيل: الإهابة

стр. 203

دعاء الإبل للشرب. والقرص: رغيف صغير سمّي قرصا، كأنه قرص من العجين، أي قطع، والتقريص: التقطيع. هشّ: خف فرحا. والعارفة، يريد النعمة وهي المعروف. لبّى: أجاب وقال: لبّيك، ومصدره تلبية وهي «تفعلة»، من الإلباب وهو اللّزوم، ولبّ بالمكان وألبّ به: أقام، وأصله لبّب بثلاث باءات، فأبدلوا الآخرة ياء استثقالا لاجتماع الأمثال، كما قالوا: تظنّيت وتمطّيت، فالياء فيهما بدل من مثل الحرف الذي قبلها، ثم أتبعوه الإبدال في المصدر وهو تلبية، فياؤه باء، وقولهم: لبّيك، معناه إجابة بعد إجابة، ولزوما لطاعتك بعد لزوم. رغفان: جمع رغيف، يريد أنه لمّا سمع بذكر الخبر، فكأنّ الخبر دعاه فأجابه. زمامه: مقوده. إمامه: هاديه. الأثافيّ: حجارة القدر، وهي ثلاث، والعرب تقول: رماه الله بثالثة الأثافيّ- يعنون بها الجبل، لأنهم يجعلون حجرين ويلصقونهما بالجبل، فيقوم الجبل مقام الحجر الثالث، واحدتها أثفيّة بالتشديد، وقد تخفّف، وقد أثفيت القدر وأثفتها وثفّيتها، وتسمّي العرب أثافيّ الحديد المنصب. الرقيب: الحافظ، يريد الله تعالى. استحلس وكنتي، أي دخل، بيتي، وجلس على جلسه، وهو ما يبسط تحت بسطه؛ يقيها الأرض، وفلان حلس بيته، أي لازم القعود فيه، وفي الحديث: «كن في الفتنة حلس بيتك» (١)، أي لا تدخل فيها، والحلس: كساء يلي ظهر البعير تحت البرذعة ويلزمه، فشبّه الذين يعرفون الشيء ويلزمونه بالحلس، ومنه قولهم: لست من أحلاسها، أي من أصحابها العارفين بها. ومنه بنو فلان أحلاس الخيل، أي الذين يضمّرونها ويلزمون ظهورها، وأحلاس القوافي: المجيدون في نظم الشعر، والوكنة: الثقبة في الحائط يسكنها الطائر، وقيل: هي الموضع من الشجرة وغيرها، يقع عليه للمبيت، وهي الوكن، ووكن الطائر وكنا، فهو واكن إذا حضن على فرخه، فلزم وكنته. عجالة مكنتي: ما تعجّل وأمكن من الطعام. محجوز: ممنوع، وحجزت الشيء: حزته ومنعته، وحجزت بين الشيئين حجزا، فأنا حاجز، إذا جعلت بينهما حائلا، والمفعول محجوز، ومنه الحجاز؛ لأنها أرض حجزت بين نجد والسّراة. كريمتيه: عينيه، وفي الحديث قال النبي ﷺ : «ما من عبد أذهب الله كريمتيه إلا كان ثوابه عند الله الجنة» قالوا: وما كريمتاه؟ قال: عيناه (٢). رأرأ: قلبهما وأدارهما إدارة كثيرة. وتوأمتاه: كريمتاه، وقوله: «مسح كريمتيه»، يريد أنه حكّهما بكفّه، فانتفض عنهما ما كان ألصقهما به، حتى التحما. وقيل: رأرأ: أدار العين وحدّد نظرها. وتوأمتاه: عيناه، وفي الغريب المصنّف: رأرأت المرأة بعينها ولألأت، إذا برقت عينها، وأنشد ابن الأعرابيّ: [الطويل]

стр. 204

عجبت من الحور الكريم نجارها ... ترأرئ بالعينين للرجل الحبل (١) الحبل: الداهية. الفرقدان: نجمان منيران في بنات نعش. ابتهجت: فرحت. سيره: عاداته. يلقني قرار: يحبسني سكون وطمأنينة. التّعامي: استعمال العمى. المعامي: الطرق المجهولة، وقيل: القفار البعيدة التي تعمى فيها الآثار فلا يهتدى فيها. الموامي: القفار، واحدها موماة. إيغالك: إبعادك ومبالغة دخولك. المرامي: المقاصد والبلاد التي ترميه إلى بلاد أخرى؛ يقول: سألته ما الذي دعاك إلى استعمالك العمى مع دخولك لطلبك الرزق في المشقات وجوب البلاد البعيدة، فلم تجد لنفسك حيلة حتى تشبّهت بالعميان! *** فتظاهر باللّكنة، وتشاغل باللهنة، حتى إذا قضى وطره، أتأر إليّ نظره؛ وأنشد: [الطويل] ولمّا تعامى الدّهر وهو أبو الورى ... عن الرّشد في أنحائه ومقاصده تعاميت حتى قيل إني أخو عمى ... ولا غرر أن يحذو الفتى حذو والده ثمّ قال لي: انهض إلى المخدع فائتني بغسول يروق الطّرف، وينقّي الكفّ، وينعّم البشرة، ويعطّر النّكهة، ويشدّ اللّثة، ويقوّي المعدة، وليكن نظيف الظّرف، أريج العرف، نقيّ الدّقّ، ناعم السّحق، يحسبه اللّامس ذرورا، ويخاله النّاشق كافورا، واقرن به خلالة نقيّة الأصل، محبوبة الوصل، أنيقة الشّكل، مدعاة إلى الأكل؛ لها نحافة الصّبّ، وصقالة العضب، وآلة الحرب، ولدونة الغصن الرّطب. *** تظاهر: استعان. واللّكنة: احتباس اللسان؛ يريد: لمّا امتلأ فمه بالطعام- لم يتسرّح لسانه بالكلام، فوجد بذلك علّة لقطع الجواب، فكأنّ اللّكنة أعانته على ذلك. اللهنة: الطعام المعجّل للضيف قبل الغداء، وكلّ ما تعجّلته قبل إدراك الطعام لهنة، ولهنت الضيف: علّلته بذلك. قضى وطره؛ أتمّ حاجته من الأكل، والوطر: المراد، ولا فعل له. أتأر: تابع نظره وحدّده. الورى: الخلق. أنحائه: أغراضه ومقاصده، والنّحو كالقصد. لا غرو: لا عجب. يحذو حذوه: أي يفعل فعله.

стр. 205

[مما قيل في العمى شعرا] وهذا الاعتذار عن التعامي حسن، وقد تقدم اعتذار ابن عباس ﵄ عنه. ومما يعزى للحصريّ في ذلك: [الوافر] وقالوا قد عميت فقلت كلّا ... فإني اليوم أبصر من بصير سواد العين زار سواد قلبي ... ليجتمعا على فهم الأمور أخذه من قول بشار: [الطويل] إذا ولد المولود أعمى وجدته ... وجدّك أهدى من بصير وأحولا عميت جنينا والذّكاء من العمى ... فجئت عجيب الظنّ للعلم معقلا وغاض ضياء العين للقلب فاغتدى ... بقلب إذا ما ضيع النّاس حصّلا وشعر كنور الرّوض لاءمت بينه ... بقول إذا ما أحزن الشّعر أسهلا وقال بشار: [مخلع البسيط] قالوا العمى منظر قبيح ... قلت بفقدي لكم يهون تالله ما في البلاد شيء ... تأسى على فقده العيون وعكس هذا المعنى أبو العيناء حين سأله المتوكل: ما أشدّ ما عليك في ذهاب بصرك؟ قال: ما حرمته يا أمير المؤمنين من رؤيتك مع إجماع الناس على جمالك. ومما يستملح من هذا الباب: نشأ أعمى بين أعورين، فإذا مشيا أو قعدا، فحاذى عور هذا عور هذا نشأ بينهما أعمى. وقال المتنبي يمدح العور ويذمّه في بيت واحد: [الوافر] أيا ابن كروّس يا نصف أعمى ... وإن تفخر فيا نصف البصير (١) فإذا انضمّ ابن كروس إلى مثله نشأ بينهما أعمى، قال الشاعر: [البسيط] وبيننا أبدا أعمى نؤلّفه ... قد يخلق الله عميانا من العور وقال آخر: [الوافر] ألم ترني وعمرا حين نغدو ... إلى الحاجات ليس لنا نظير أسايره على يمنى يديه ... وفيما بيننا رجل ضرير وقال آخر في أعور وعوراء تعاشقا: [الخفيف]

стр. 206

هي عوراء باليمين وهذا ... أعور بالشّمال وافق شنّا بين شخصيهما ضرير إذا ما ... قعدت عن شماله تتغنّى فأما قول جميل اليشكريّ في صفة الذئب: [الطويل] وأعور من يمناه إن شاء مرّة ... وإن شاء من يسراه ما كان راقدا لقد فزت دون العور- أوس- برتبة ... وأعطيت نابا يفلق الصخر باردا فإنما وصفه بشدة الحذر، وذكر العور على معنى الاستعارة كما قال حميد بن ثور: [الطويل] ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان نائم وقال ابن المعذّل: [المديد] أشتهي في المقلة القبلا ... لا كثيرا يشبه الحولا واحمرار الخدّ من خجل ... إنني أستحسن الخجلا وقال آخر: [مجزوء الرجز] وأحول ذي حركه ... يملأ بيتي بركة يريد أنه يرى من الشيء اثنين، كما قال الآخر: [البسيط] فقد جعلت أرى الشخصين أربعة ... والواحد اثنين ممّا بورك البصر لأن هذا يصف الكبر. واعتذر القاضي أبو محمد عبد الوهاب عن الحول فأحسن، حيث يقول: [الطويل] حمدت إلهي إذ بليت بحبّها ... وبي حول يغني عن النّظر الشّزر نظرت إليها والرّقيب يظنّني ... نظرت إليه، فاسترحت من العذر فحوله رفع عنه ثقل مئونة التكلّف الذي ذكر الآخر حين قال: [الطويل] ولمّا التقينا والعيون نواظر ... وليس لنا رسل سوى الطّرف للطّرف تنزهت في خدّيك من نظر خفي ... وما زلت أخفي الودّ ضعفا على ضعفي فإن غفل الواشون فزت بنظرة ... وإن نظروا نحوي نظرت إلى كفّي فلذلك حمد الله على الحول. وقال الناشي في هذا المعنى فأحسن: [الكامل] يتناقلان اللفظ من جفنيهما ... فكأنما يتناسخان كتابا وإذا سهت عين الرقيب تخالست ... كفّاهما خلس السّلام سلابا

стр. 207

وللقاضي أبي محمد عبد الوهاب، أنشدنا بعض أشياخنا البيت الثاني والأخير من القطعة التالية، وكان كثيرا ما يحرضنا بها على الطلب، ويسلّينا عن الغربة: [الطويل] ومحجوبة في الخدر عن كلّ ناظر ... ولو برزت باللّيل ما ضلّ من يسري أقول لها والدّمع يغلب صبرها ... أعدّي لفقدي ما استطعت من الصّبر سأنفق ريعان الشبيبة آنفا ... على طلب العلياء أو طلب الأجر أليس من الحرمان أنّ لياليا ... تمرّ بلا نفع وتحسب من عمري! ولم ينشدنا البيت الأول ولا الأوسط، وهما من القطعة. وأما كلام الحريريّ الّذي فرغنا من شرحه؛ فهو منقول من مقامة البديع، يقول على لسان عيسى بن هشام: «ثمّ فارقهم وتبعته، وعرفت أنه متعام لسرعة ما عرف الدينار. فلما نظمتنا حلوة، مددت يمناي إلى يسرى عضديه، فقلت: والله لتريني سرّك، أو لأهتكنّ سترك، ففتح عن توأمتيه، وحدر لثامه عن وجهه، فإذا والله أبو الفتح الإسكندريّ، فقلت له: أنت أبو الفتح؟ فقال: [مجزوء الرمل] أنا أبو قلمون ... في كلّ لون أكون اختر من الكسب دونا ... فإنّ دهرك دون زجّ الزمان بحمق ... إنّ الزمان زبون لا تكذبنّ بعقل ... ما العقل إلا الجنون وعتب الحريريّ على العمى فائق في النثر، وشعره في الاعتذار عنه رائق في النظم، وهو على انطباعه في القصد إذا أتى بالبيتين أتى بالعجب، وهو في ذلك كما قيل في أبي منصور الفقيه: إذا رمى بزجّية قتل. *** قوله: «المخدع»، هو بيت داخل بيت، قال ابن الأنباريّ: هو الخزانة في جانب البيت، وهو من خدع، إذا توارى واستتر، وأخدعه إخداعا: أخفاه، فمن ضمّ ميم «مخدع» فهو من «أخدع»، ومن فتح فهو من «خدع»، وخدع الصبّ في جحره خدعا: دخله خوفا من صائده. الغول: الأشنان، وهو النّقاوة، ويقال أيضا: الغاسول، وكل ما غسلت به ثوبك أو رأسك فهو غسل وغسول. يروق: يعجب. والطرف: العين. ينقّ: ينظّف. والبشرة: ظاهر الجلد. والنكهة: رائحة الفم، ونكهت الرجل أنكهه وأنكهه- والفتح أقلّ- واستنكهته، كلّه شممت فاه، قال الشاعر: [الوافر] نكهت مجالدا فشممت منه ... كريح الكلب مات حديث عهد (١)

стр. 208

واللّثة: اللحم على الأسنان. نظيف الظّرف: نقيّ الوعاء. أريج العرف: عطر الرّائحة، والأرج: فوح الطّيب وأرج المسك: فاح. فتيّ الدقّ: طريّ الكسر. ناعم: حسن، قد بولغ في سحقه، يريد أنه في الحال الذي يسحق يستعمل. الناشق: الشامّ. والذّرور والكافور: من أنواع الطيب، والذّرور هو المعروف بالذّريرة، والذّرور أيضا: غبار يذرّ في العين، وكلّه مأخوذ من الذّرّ، وهو التفرّق، لأن أجزاءه تفرّقت عند سحقه، وفعله ذرّ، وأصله ذرر والكافور مأخوذ من الكفر، وهو التغطية، فلشدّة فوحه وحده يستر رائحة غيره من الطّيب. واللّامس: الذي يمسّه بيده. الخلالة: عويد رقيق يخرج به الطعام من خلل الأسنان. أنيقة الشكل، معجبة الهيئة، وشكل الشيء: هيئته التي هو عليها. ومدعاة: داعية، والهاء للمبالغة. نحافة الصّبّ: رقّة العاشق. والعضب: السيف القاطع. آلة: عدّة وأداة، يريد أنها محدّدة مصقولة مثل آلة الحرب. ويروى «ألّة» بالتشديد، وهي الحربة. لدونة: لين. نحافة الصبّ: ليس هو تشبيها حقيقيّا، وإنما أراد أنها أخذت من العاشق نحافته، ومن العضب صقالته، ومن الغصن لدونته، ولو شبّه الخلالة في الرقّة بالعاشق ونحوله لكان جائزا، وكان من التشبيه المقلوب، وكلاهما بديع في بابه. والخلالة الّتي ذكر، أصلها نبات لشجير ينبت في الصيف، وتطلع له رءوس، يكون في الواحد منها عدّة من قضبان رقاق، فيمسك الرجل منها في جيبه رأسا، فمتى أكل طعاما نزع منها قضيبا فتخلّل به، ويعرف هذا النبات عندنا بالبستينج، فيحتمل أن يكون هذا بعينه هو الذي عندهم فيالمشرق، وإلا فصفته التي وصفت موجودة في البستينج من الرقة والصّفاء واللّين والحدة. وجاء في الحديث النّهي عن التخلّل بعود الآس والرّمان والقصب، وقال رسول الله ﷺ : «نقّوا أفواهكم بالخلال فإنها مسكن الملكين الكاتبين الحافظين، وإن قلمهما اللسان، ومدادهما الرّيق، وليس عليهما شيء أشدّ من فضول الطعام». أبو أيوب: قال ﷺ : «حبّذا المتخلّلون في الوضوء والطعام» (١). أبو هريرة قال: قال ﷺ : «من أكل فليتخلّل، فما تخلّل فليلفظ، وما لاك بلسانه فليبتلع» (٢).

стр. 209

[أشعار في التشبيه] والخلالة إذا بلغت من رقتها، أن تقع بين الأسنان، فالعاشق إذا بلغ الغاية النّحول، هو الذي يشبّه بها، كما قال في التاسعة في وصف الصبيّ الهزيل من الجوع: «ولي منه سلالة، كأنها خلالة»، وأخذه من قول ديك الجن: [الخفيف] ارحم اليوم ذلّتي وخضوعي ... فلقد صرت ناحلا كالخلال وقال أبو الطيّب: [البسيط] روح تردّد في مثل الخلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبن (١) فذكر أنّ ثوبه على بدن لم يتبين للناظر. والتشبيه المقلوب عندهم شيء مستظرف، ومذهب مستحسن كما قال ذو الرّمة: [الطويل] ورمل كأوراك العذارى قطعته ... وقد جلّلته المظلمات الحنادس (٢) فقلب التشبيه، لأن العادة أن تشبّه الأعجاز بكثبان الرمل، كما قال الآخر: [الرجز] * مثل قضيب تحته كثيب* وكما قال الآخر: [الطويل] وبيض نضيرات الوجوه كأنّما ... تأزّرن دون الأزر رملات عالج وأخذه حبيب، وجوّد الصنعة حيث قال: كم أحرزت قضب الهنديّ مصلتة ... تهتزّ من قضب تهتزّ من كثب علق قوله: «من قضب تهتز» ب «أحرزت» يلجّ لك بديع صنعته بسرعة، فإنه أراد: كم أحرزت قضب الهند وهي السيوف إذا أصلتت من أغمادها، وهزّت. من قضب، أي قدود نساء. تهتزّ من كثب، أي أكفال شبه أكداس رمال. وما أعذب وأظرف قول البحتري: [الكامل] أين الغزال المستعير من النّقا ... كفلا ومن نور الأقاحي مبسما (٣) فهذا هو الذي جرت به العادة؛ في التشبيه، فقلب ذو الرمّة العرف والعادة فشبّه كثبان النّقا بأكفال النساء، وتبعه خالد الكاتب وغيره.

стр. 210

حدث جحظة قال: حدثني خالد الكاتب، قال: جاءني يوما رسول إبراهيم بن المهديّ، فسرت إليه، فرأيت رجلا أسود على فرش قد غاص فيها، فاستجلسني وقال: أنشدني من شعرك، فأنشدته: [الطويل] رأت منه عيني منظرين كما رأت ... من الشّمس والبدر المنير على الأرض عشيّة حيّاني بورد كأنّه ... خدود أضيفت بعضهنّ إلى بعض ونازعني كأسا كأنّ حبابها ... دموعي لمّا صدّ عن مقلتي غمضي وراح وفعل الرّاح في حركاته ... كفعل نسيم الريح في الغصن الغضّ فزحف حتى صار في ثلثي الفراش، وقال: يا فتى، شبّهوا الخدود بالورد، وأنت شبهت الورد بالخدود! فزدني، فأنشدته: [مجزوء الكامل] عاتبت نفسي في هوا ... ك فلم أجدها تقبل وأطعت داعيها إلي ... ك ولم أطع من يعذل لا والذي جعل الوجو ... هـ لحسن وجهك تمثل لا قلت إن الصبر عن ... ك من التّصابي أجمل فزحف حتى انحدر من الفراش، ثم قال: زدني، فأنشدته: [الوافر] عش فحبّيك سريعا قاتلي ... والصّنى إن لم تصلني واصلي فأنا بين اكتئاب وضنى ... تركاني كالقضيب الذّابل فبكى العاذل لي من رحمة ... فبكائي لبكاء العاذل فاستخفّ طربا، ثم قال: يا بليق، كم معك لنفقتنا؟ قال: ثمانمائة وخمسون دينارا، قال: اقسمها بيني وبين خالد، فدفع إليّ نصفها: وقد سبق إلى قوله: «كأنه خدود»، قال المفضّل: دخلت على الرشيد وبين يديه طبق ورد، وعنده جارية مليحة شاعرة أديبة، قد أهديت إليه، فقال: يا مفضّل، قل في هذا الورد شيئا تشبّهه به، فأنشأت أقول: [البسيط] كأنه خدّ معشوق يقبّله ... فم الحبيب وقد أبقى به خجلا وقالت الجارية: [البسيط] كأنّه لون خدّي حين تدفعني ... كفّ الرّشيد لأمر يوجب الغسلا فقال: يا مفضّل قم فاخرج، فإن هذه الماجنة قد هيّجتنا، فقمت وأرخيت الستور. ولقد أحسن ابن الزقّاق في قوله: [الخفيف] ورياض من الشقائق أضحت ... تتهادى بها نسيم الرياح

стр. 211

زرتها والغمام يجلد منها ... زهرات تروق لون الرّاح قلت: ما ذنبها؟ فقال مجيبا: ... سرقت حمرة الخدود الملاح وقال البحتري: [البسيط] في طلعة الشمس شيء من ملاحتها ... وللقضيب نصيب من تثنّيها (١) وقال ابن المعتزّ: [الطويل] سقتني في ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خدّيها بغير رقيب فأمسيت في ليلين: في الشعر والدجى ... وشمسين: من خمر وخدّ حبيب وأستطرد إلى قلب التشبيه من مبالغة النّحول الذي ذكرنا، فأقول: إذا صار جسم العاشق من النحول يوصف بمثل قول الشاعر: [السريع] أنحلني الحبّ فلو زجّ بي ... في مقلة النّائم لم ينتبه قد كان لي فيما مضى خاتم ... والآن لو شئت تمنطقت به وبمثل قول أبي بكر بن دريد: [السريع] إنّ الذي أبقيت من جسمه ... يا متلف الصبّ ولم يشعر صبابة لو أنها قطرة ... تجول في جفنك لم تقطر صار جسم الخلالة على نحافته أكبر من جسم الصبّ بأضعاف، فينقلب التشبيه، وكذلك إذا بولغ في وصف الأكفال بالعظم صغرت عندها الكثبان، فينقلب التشبيه. وقد ترجم ابن جنّي في خصائصه ترجمة، فقال: هذا باب من غلبة الأصول على الفروع، ثم أنشد بعض ما أنشدنا، وقرنها بمسائل من العربية حسان تشبه الباب. وللمتقدّمين والمتأخّرين في النحول شعر كثير، ويستحسن في ذلك قول المجنون: [الطويل] فأصبحت من ليلى الغداة كناظر ... مع الصّبح في أعقاب نجم مغرّب (٢) ألا إنما غادرت يا أمّ مالك ... صدى أينما تذهب به الريح يذهب أخذه المؤمّل فقال: [السريع] قد صرت من ضعفي إلى حالة ... تجري لها آماق حسّادي يكاد جسمي من نحول الضّنى ... تحمله أنفاس عوّادي

стр. 212

وزاد خالد الكاتب، فجعله لا يدرك إلا بالوهم، فقال: [البسيط] يا من تجاهل عمّا كان يعمله ... عمدا وباح بسرّ كان يكتمه غدا خليلك نضوا لا حراك به ... لم يبق من جسمه إلا توهّمه فزاد ابن المعتزّ، وجعله يخفى على الموت، فقال: [البسيط] مسهّد خانه التفريق في أمله ... أضناه سيّده ظلما بمرتحله فدقّ حتى لو أن الدهر قاد له ... حتفا لما أبصرته مقلتا أجله فأعدمه المتنبّي واستريح منه. فقال: [الطويل] أراك حسبت السّلك جسمي فعقته ... عليك بدرّ عن لقاء التّرائب (١) ولو قلم ألقيت في شقّ رأسه ... من السّقم ما غيّرت من خطّ كاتب *** قال: فنهضت فيما أمر، لأدرأ عنه الغمر، ولم أهم إلى أنّه قصد أن يخدع، بإدخالي المخدع، ولا تظنّيت أنّه سخر من الرّسول، في استدعاء الخلالة والغسول. فلمّا عدت بالملتمس، في أقرب من رجع النّفس، وجدت الجوّ قد خلا، والشّيخ والشّيخة قد أجفلا، فاستشطت من مكره غضبا، وأوغلت في إثره طلبا. فكان كمن قمس في الماء، أو عرج به إلى عنان السّماء. *** قوله: «أدرأ»، أي أزيل. الغمر: الودك. أهم: أظنّ، ويذهب وهمي. تظنّيت: حسبت، وأبدل إحدى نوني «ظنّ» ياء تخفيفا للتضعيف. سخر: هزأ. الملتمس: المطلوب. الجوّ هنا: داخل البيت. أجفلا: هربا وأسرعا. قوله: «استشطت»: اشتدّ غضبي. مكره: خداعه. أوغلت: بالغت وباعدت. قمس: غمس. عرج به: طلع به. عنان بفتح العين: سحاب، والعنانة: السحابة، وأعنّت السماء: صار لها عنان، والله الموفّق للصواب.

стр. 213

المقامة الثامنة وهي المعريّة [معرّة النعمان] هي بلدة بالشام، والنّعمان: اسم جبل مطلّ عليها، والمعرّة اسم البلدة، فأضيفت إليه، ولها سبعة أبواب، وعلى جبل منها دير سمعان، فيه قبر عمر بن عبد العزيز، وقبر شيث بن آدم عند باب شيث منها، وداخلها قبر يوشع بن نون، وله يوم حفيل في كلّ عام، وإلى المعرّة ينسب الشاعر المعرّي. قال شيخنا ابن جبير: إنه خرج من قنّسرين يريد حمص، قال: فرأينا عن يمين طريقنا بمقدار فرسخين بلاد المعرّة، وهي سواد كلها محاطة بشجر الزيتون والتين والفستق وأنواع الفواكه، ويتصل التفاف بساتينها وانتظام قراها مسيرة يومين، وهي من أخصب البلاد، وأكثرها أرزاقا، ووراءها جبل لبنان، وهو سامي الارتفاع، ممتدّ الطول، متّصل من البحر إلى البحر، وفي سفح الجبل حصون للملحدة الإسماعيليّة، فرقة مرقت من الإسلام، وادّعت الإلهية، قيّض لهم شيطان يعرف بسنان، خدعهم بأباطيل وخيالات، وموّه عليهم باستعمالها، وسحرهم بمحالها، فاتخذوه إلها يعبدونه، ويبذلون الأنفس دونه، وحصلوا من طاعته بحيث يأمر أحدهم بالتردّي من شاهق جبل، فيتردّى المأمور، والله يضل من يشاء. *** أخبر الحارث بن همّام قال: رأيت من أعاجيب الزّمان، أن تقدّم خصمان، إلى قاضي معرّة النّعمان، أحدهما قد ذهب منه الأطيبان، والآخر كأنّه قضيب البان. *** قوله: «الأطيبان»، أي الأكل والنكاح، أي هو شيخ مسنّ، وقيل: الأطيبان: النوم والنكاح، وقيل: طيب النّكاح، وطيب النّكهة. أبو هريرة، قال النبيّ ﷺ : «الأطيبان التمر واللبن» (١). وسئل شيخ مسنّ من العرب عن حله، فقال: ذهب مني الأطيبان: السّير والأير، وبقي الأرطبان: الضّراط والسّعال.

стр. 214

والبان: شجر تشبّه بقضبانه القدود الناعمة. *** فقال الشّيخ: أيّد الله القاضي، كما أيّد به المتقاضي، إنّه كانت لي مملوكة رشيقة القدّ، أسيلة الخدّ، صبور على الكدّ، تخبّ أحيانا كالنّهد، وترقد أطوارا في المهد، وتجد في تمّوز مسّ البرد، ذات عقل وعنان، وخدّ وسنان، وكفّ ببنان، وفم بلا أسنان؛ تلدغ بلسان نضناض، وترفل في ذيل فضفاض، وتجلى في سواد وبياض، وتسقى ولكن من غير حياض، ناصحة خدعة، خبأة طلعة، مطبوعة على المنفعة، ومطواعة في الضّيق والسّعة، إذا قطعت وصلت، ومتى فصلّتها عنك انفصلت، وطالما خدمتك فجمّلت، وربما جنت عليك فآلمت وململت، وإنّ هذا الفتى استخدمنيها لغرض، فأخدمته إيّاها بلا عوض، على أن يجتني نفعها، ولا يكلّفها إلّا وسعها، فأولج فيها متاعه، وأطال بها استمتاعه، ثمّ أعادها إليّ وقد أفضاها، وبذل عنها قيمة لا أرضاها. *** المتقاضي، أي المتحاكم إليه الذي يطلب من الحاكم قضاؤه، وعونه على خصمه؛ وهذا الغرض الذي ذكره ضرب من الألغاز، لأنه مشى كلامه في وصف جارية وغلام، وقد ضمّن الكلام وصف إبرة ومرود. مملوكة، يعني الإبرة جعلها مملوكة لأنها مما يتموّل. رشيقة القدّ: معتدلة القامة. أسيلة: ملساء. خدّ الإبرة: شقّ فيه ثقبها، وأصل الخدّ شقّ مستطيل في الأرض، والأسالة: ملاسة مع طول. صبور على الكدّ، أي صابرة على المشقّة والتعب، وفعول- بمعنى فاعل- يمتنع من إلحاق الهاء به إذا وقع صفة لمؤنث، قال عنترة: [البسيط] إنّي امرؤ سهل الخليقة ماجد ... لا أتبع النّفس اللّجوج هواها ومنه: امرأة شكور وصبور ولجوج ولحّن أبو محمد خواصّ العراق بقولهم: شكورة ولجوجة وصبورة، قال: إنّ هذه التاء إنما تدخل في «فعول» إذا كانت بمعنى «مفعول»، نحو ناقة ركوبة وشاة حلوبة. قال: وذكر النحويّون في امتناع الهاء من «فعول» بمعنى «فاعل» للمؤنث عللا، أجودها أن الصفات الموضوعة للمبالغة نقلت عن بابها لتدلّ على المعنى الذي تخصصت به، فأسقطت الهاء من صبور وفتاة معطار ونظائره؛ كما ألحقت بصفة المذكّر في رجل علّامة ونسّابة، ليدلّ على تحقيق المبالغة، وتؤذن بحدوث معنى زائد في الصفة. وامتناع الهاء المذكورة في أصل مطّرد [لم يشذّ منه إلا قولهم]: عدوّة، فإنهم ألحقوه بصديقة، والشيء في أصول العربية [قد] يحمل على ضدّه ونقيضه، كما يحمل على نظيره ورسيله.

стр. 215

تخبّ: تثب في الثوب بسرعة. النّهد: الفرس الضّخم. أطوارا: أحيانا، ومهدها: مئبر الخائط الذي تمسك به إبرته. تمّوز: أحد الشهور، وهو يوليه. والبرد: أن يبردها الحدّاد بالمبرد ليقوّمها ويعدّلها، فالبرد هنا فعل صانعها. قال ابن ظفر: ذهب بالبرد إلى ما طبع عليه الحديد من البرد في القيظ. قوله: «ذات عقل وعنان»، أراد بالعنان الخيط لأنها ترسله في الخياطة، والعقل شدّها بالخيط حين تمسك في الثوب. سنان: طرفها المسنون، أي المحدّد. كفّ ببنان: الكفّ والتضريب شيئان معروفان في الخياطة، فيريد أن الخائط يقلّب التضريب بأصابعه وهي البنان ويكفّه بالإبرة. فم، يريد ثقب الإبرة. تلدغ: تضرب الإصبع. واللسان النضناض للحيّة، والنّضنضة، قيل: هي صوت الحيّة، وقيل: حركة لسانها، وإنما اختلف فيها لأن الحيّة إذا ضيّق عليها فتحت فاها وصفرت وحركت لسانها، فيقال: نضنضت، وشبّه طرف الإبرة بلسان الحيّة لكثرة حركته في الثوب؛ وما أحسن قول الشاعر في تشبيه لسان الأفعى بنور السّراج: [الوافر] وقنديل كأنّ النّور منه ... محيّا من أحبّ إذا تجلّى (١) أشار على الدّجى بلسان أفعى ... فشمّر ذيله فرقا وولّى وقال ابن الصبّاغ الصقليّ في شمعة: [المنسرح] يطعن صدر الدجى بعالية ... صنوبري لسان كوكبها كحيّة باللسان لاحسة ... ما أدركت من سواد غيهبها وللبيتين الأوّلين حكاية مستظرفة، حدّثني بها غير واحد من الطّلبة أردت ترك ذكرها لأمرين: لشهرتها، ولأني وجدت البيتين مثبتين في بعض النّسخ من القلائد لأحد رجالها، ثم عزم عليّ بعض الأدباء أن أذكرها، فذكرتها على اختصار لفائدتها؛ وذلك أن الشاعر المعروف بالبكيّ الهجّاء، دخل عليه في ليلة ماطرة ذات رعد وبرق في بيت فندق دوابّ- شخص في الظّلام لا يعرفه، وعلى البكيّ بقية من سلهامة خلقة، لا يواريه غيرها، وعلى الثاني بقيّة من قميص قد أسودّ من طول البلى وكثرة الأوساخ، حتى لا يعرف رائيه من أيّ ثوب هو؛ وقد بلل كلّ واحد منهما المطر. وهما في بلاء من الفقر والجوع والبرد، فرقّ لهما خادم الفندق، فدخل عليهما بقنديل، فعند ما نظر كلّ واحد منهما صاحبه تأسّى به، ورأى أنه قد وجد لنفسه نظيرا في الشقاء. فقال البكيّ لجليسه: أيّ شيء أنت؟ فقال: شاعر، وشؤم الأدب بلغ بي ما ترى، قال: فأجز، فقال: [الوافر] * وقنديل كأنّ النّور منه*
следующие страницы →