زرتها والغمام يجلد منها ... زهرات تروق لون الرّاح
قلت: ما ذنبها؟ فقال مجيبا: ... سرقت حمرة الخدود الملاح
وقال البحتري: [البسيط]
في طلعة الشمس شيء من ملاحتها ... وللقضيب نصيب من تثنّيها (١)
وقال ابن المعتزّ: [الطويل]
سقتني في ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خدّيها بغير رقيب
فأمسيت في ليلين: في الشعر والدجى ... وشمسين: من خمر وخدّ حبيب
وأستطرد إلى قلب التشبيه من مبالغة النّحول الذي ذكرنا، فأقول: إذا صار جسم العاشق من النحول يوصف بمثل قول الشاعر: [السريع]
أنحلني الحبّ فلو زجّ بي ... في مقلة النّائم لم ينتبه
قد كان لي فيما مضى خاتم ... والآن لو شئت تمنطقت به
وبمثل قول أبي بكر بن دريد: [السريع]
إنّ الذي أبقيت من جسمه ... يا متلف الصبّ ولم يشعر
صبابة لو أنها قطرة ... تجول في جفنك لم تقطر
صار جسم الخلالة على نحافته أكبر من جسم الصبّ بأضعاف، فينقلب التشبيه، وكذلك إذا بولغ في وصف الأكفال بالعظم صغرت عندها الكثبان، فينقلب التشبيه.
وقد ترجم ابن جنّي في خصائصه ترجمة، فقال: هذا باب من غلبة الأصول على الفروع، ثم أنشد بعض ما أنشدنا، وقرنها بمسائل من العربية حسان تشبه الباب.
وللمتقدّمين والمتأخّرين في النحول شعر كثير، ويستحسن في ذلك قول المجنون:
[الطويل]
فأصبحت من ليلى الغداة كناظر ... مع الصّبح في أعقاب نجم مغرّب (٢)
ألا إنما غادرت يا أمّ مالك ... صدى أينما تذهب به الريح يذهب
أخذه المؤمّل فقال: [السريع]
قد صرت من ضعفي إلى حالة ... تجري لها آماق حسّادي
يكاد جسمي من نحول الضّنى ... تحمله أنفاس عوّادي
стр. 212
وزاد خالد الكاتب، فجعله لا يدرك إلا بالوهم، فقال: [البسيط]
يا من تجاهل عمّا كان يعمله ... عمدا وباح بسرّ كان يكتمه
غدا خليلك نضوا لا حراك به ... لم يبق من جسمه إلا توهّمه
فزاد ابن المعتزّ، وجعله يخفى على الموت، فقال: [البسيط]
مسهّد خانه التفريق في أمله ... أضناه سيّده ظلما بمرتحله
فدقّ حتى لو أن الدهر قاد له ... حتفا لما أبصرته مقلتا أجله
فأعدمه المتنبّي واستريح منه. فقال: [الطويل]
أراك حسبت السّلك جسمي فعقته ... عليك بدرّ عن لقاء التّرائب (١)
ولو قلم ألقيت في شقّ رأسه ... من السّقم ما غيّرت من خطّ كاتب
***
قال: فنهضت فيما أمر، لأدرأ عنه الغمر، ولم أهم إلى أنّه قصد أن يخدع، بإدخالي المخدع، ولا تظنّيت أنّه سخر من الرّسول، في استدعاء الخلالة والغسول.
فلمّا عدت بالملتمس، في أقرب من رجع النّفس، وجدت الجوّ قد خلا، والشّيخ والشّيخة قد أجفلا، فاستشطت من مكره غضبا، وأوغلت في إثره طلبا.
فكان كمن قمس في الماء، أو عرج به إلى عنان السّماء.
***
قوله: «أدرأ»، أي أزيل. الغمر: الودك. أهم: أظنّ، ويذهب وهمي. تظنّيت:
حسبت، وأبدل إحدى نوني «ظنّ» ياء تخفيفا للتضعيف. سخر: هزأ. الملتمس:
المطلوب. الجوّ هنا: داخل البيت. أجفلا: هربا وأسرعا. قوله: «استشطت»: اشتدّ غضبي. مكره: خداعه. أوغلت: بالغت وباعدت. قمس: غمس. عرج به: طلع به.
عنان بفتح العين: سحاب، والعنانة: السحابة، وأعنّت السماء: صار لها عنان، والله الموفّق للصواب.
стр. 213
المقامة الثامنة وهي المعريّة [معرّة النعمان]
هي بلدة بالشام، والنّعمان: اسم جبل مطلّ عليها، والمعرّة اسم البلدة، فأضيفت إليه، ولها سبعة أبواب، وعلى جبل منها دير سمعان، فيه قبر عمر بن عبد العزيز، وقبر شيث بن آدم عند باب شيث منها، وداخلها قبر يوشع بن نون، وله يوم حفيل في كلّ عام، وإلى المعرّة ينسب الشاعر المعرّي. قال شيخنا ابن جبير: إنه خرج من قنّسرين يريد حمص، قال: فرأينا عن يمين طريقنا بمقدار فرسخين بلاد المعرّة، وهي سواد كلها محاطة بشجر الزيتون والتين والفستق وأنواع الفواكه، ويتصل التفاف بساتينها وانتظام قراها مسيرة يومين، وهي من أخصب البلاد، وأكثرها أرزاقا، ووراءها جبل لبنان، وهو سامي الارتفاع، ممتدّ الطول، متّصل من البحر إلى البحر، وفي سفح الجبل حصون للملحدة الإسماعيليّة، فرقة مرقت من الإسلام، وادّعت الإلهية، قيّض لهم شيطان يعرف بسنان، خدعهم بأباطيل وخيالات، وموّه عليهم باستعمالها، وسحرهم بمحالها، فاتخذوه إلها يعبدونه، ويبذلون الأنفس دونه، وحصلوا من طاعته بحيث يأمر أحدهم بالتردّي من شاهق جبل، فيتردّى المأمور، والله يضل من يشاء.
***
أخبر الحارث بن همّام قال: رأيت من أعاجيب الزّمان، أن تقدّم خصمان، إلى قاضي معرّة النّعمان، أحدهما قد ذهب منه الأطيبان، والآخر كأنّه قضيب البان.
***
قوله: «الأطيبان»، أي الأكل والنكاح، أي هو شيخ مسنّ، وقيل: الأطيبان: النوم والنكاح، وقيل: طيب النّكاح، وطيب النّكهة.
أبو هريرة، قال النبيّ ﷺ : «الأطيبان التمر واللبن» (١).
وسئل شيخ مسنّ من العرب عن حله، فقال: ذهب مني الأطيبان: السّير والأير، وبقي الأرطبان: الضّراط والسّعال.
стр. 214
والبان: شجر تشبّه بقضبانه القدود الناعمة.
***
فقال الشّيخ: أيّد الله القاضي، كما أيّد به المتقاضي، إنّه كانت لي مملوكة رشيقة القدّ، أسيلة الخدّ، صبور على الكدّ، تخبّ أحيانا كالنّهد، وترقد أطوارا في المهد، وتجد في تمّوز مسّ البرد، ذات عقل وعنان، وخدّ وسنان، وكفّ ببنان، وفم بلا أسنان؛ تلدغ بلسان نضناض، وترفل في ذيل فضفاض، وتجلى في سواد وبياض، وتسقى ولكن من غير حياض، ناصحة خدعة، خبأة طلعة، مطبوعة على المنفعة، ومطواعة في الضّيق والسّعة، إذا قطعت وصلت، ومتى فصلّتها عنك انفصلت، وطالما خدمتك فجمّلت، وربما جنت عليك فآلمت وململت، وإنّ هذا الفتى استخدمنيها لغرض، فأخدمته إيّاها بلا عوض، على أن يجتني نفعها، ولا يكلّفها إلّا وسعها، فأولج فيها متاعه، وأطال بها استمتاعه، ثمّ أعادها إليّ وقد أفضاها، وبذل عنها قيمة لا أرضاها.
***
المتقاضي، أي المتحاكم إليه الذي يطلب من الحاكم قضاؤه، وعونه على خصمه؛ وهذا الغرض الذي ذكره ضرب من الألغاز، لأنه مشى كلامه في وصف جارية وغلام، وقد ضمّن الكلام وصف إبرة ومرود. مملوكة، يعني الإبرة جعلها مملوكة لأنها مما يتموّل. رشيقة القدّ: معتدلة القامة. أسيلة: ملساء. خدّ الإبرة: شقّ فيه ثقبها، وأصل الخدّ شقّ مستطيل في الأرض، والأسالة: ملاسة مع طول.
صبور على الكدّ، أي صابرة على المشقّة والتعب، وفعول- بمعنى فاعل- يمتنع من إلحاق الهاء به إذا وقع صفة لمؤنث، قال عنترة: [البسيط]
إنّي امرؤ سهل الخليقة ماجد ... لا أتبع النّفس اللّجوج هواها
ومنه: امرأة شكور وصبور ولجوج ولحّن أبو محمد خواصّ العراق بقولهم:
شكورة ولجوجة وصبورة، قال: إنّ هذه التاء إنما تدخل في «فعول» إذا كانت بمعنى «مفعول»، نحو ناقة ركوبة وشاة حلوبة. قال: وذكر النحويّون في امتناع الهاء من «فعول» بمعنى «فاعل» للمؤنث عللا، أجودها أن الصفات الموضوعة للمبالغة نقلت عن بابها لتدلّ على المعنى الذي تخصصت به، فأسقطت الهاء من صبور وفتاة معطار ونظائره؛ كما ألحقت بصفة المذكّر في رجل علّامة ونسّابة، ليدلّ على تحقيق المبالغة، وتؤذن بحدوث معنى زائد في الصفة. وامتناع الهاء المذكورة في أصل مطّرد [لم يشذّ منه إلا قولهم]: عدوّة، فإنهم ألحقوه بصديقة، والشيء في أصول العربية [قد] يحمل على ضدّه ونقيضه، كما يحمل على نظيره ورسيله.
стр. 215
تخبّ: تثب في الثوب بسرعة. النّهد: الفرس الضّخم. أطوارا: أحيانا، ومهدها:
مئبر الخائط الذي تمسك به إبرته. تمّوز: أحد الشهور، وهو يوليه. والبرد: أن يبردها الحدّاد بالمبرد ليقوّمها ويعدّلها، فالبرد هنا فعل صانعها. قال ابن ظفر: ذهب بالبرد إلى ما طبع عليه الحديد من البرد في القيظ. قوله: «ذات عقل وعنان»، أراد بالعنان الخيط لأنها ترسله في الخياطة، والعقل شدّها بالخيط حين تمسك في الثوب. سنان: طرفها المسنون، أي المحدّد. كفّ ببنان: الكفّ والتضريب شيئان معروفان في الخياطة، فيريد أن الخائط يقلّب التضريب بأصابعه وهي البنان ويكفّه بالإبرة. فم، يريد ثقب الإبرة.
تلدغ: تضرب الإصبع. واللسان النضناض للحيّة، والنّضنضة، قيل: هي صوت الحيّة، وقيل: حركة لسانها، وإنما اختلف فيها لأن الحيّة إذا ضيّق عليها فتحت فاها وصفرت وحركت لسانها، فيقال: نضنضت، وشبّه طرف الإبرة بلسان الحيّة لكثرة حركته في الثوب؛ وما أحسن قول الشاعر في تشبيه لسان الأفعى بنور السّراج: [الوافر]
وقنديل كأنّ النّور منه ... محيّا من أحبّ إذا تجلّى (١)
أشار على الدّجى بلسان أفعى ... فشمّر ذيله فرقا وولّى
وقال ابن الصبّاغ الصقليّ في شمعة: [المنسرح]
يطعن صدر الدجى بعالية ... صنوبري لسان كوكبها
كحيّة باللسان لاحسة ... ما أدركت من سواد غيهبها
وللبيتين الأوّلين حكاية مستظرفة، حدّثني بها غير واحد من الطّلبة أردت ترك ذكرها لأمرين: لشهرتها، ولأني وجدت البيتين مثبتين في بعض النّسخ من القلائد لأحد رجالها، ثم عزم عليّ بعض الأدباء أن أذكرها، فذكرتها على اختصار لفائدتها؛ وذلك أن الشاعر المعروف بالبكيّ الهجّاء، دخل عليه في ليلة ماطرة ذات رعد وبرق في بيت فندق دوابّ- شخص في الظّلام لا يعرفه، وعلى البكيّ بقية من سلهامة خلقة، لا يواريه غيرها، وعلى الثاني بقيّة من قميص قد أسودّ من طول البلى وكثرة الأوساخ، حتى لا يعرف رائيه من أيّ ثوب هو؛ وقد بلل كلّ واحد منهما المطر. وهما في بلاء من الفقر والجوع والبرد، فرقّ لهما خادم الفندق، فدخل عليهما بقنديل، فعند ما نظر كلّ واحد منهما صاحبه تأسّى به، ورأى أنه قد وجد لنفسه نظيرا في الشقاء. فقال البكيّ لجليسه: أيّ شيء أنت؟ فقال: شاعر، وشؤم الأدب بلغ بي ما ترى، قال:
فأجز، فقال: [الوافر]
* وقنديل كأنّ النّور منه*
стр. 216
فقال الآخر: [الوافر]
* محيّا من أحبّ إذا تجلّى*
فقال البكيّ: [الوافر]
* أشار على الدّجى بلسان أفعى*
فقال الآخر: [الوافر]
* فشمّر ذيله فرقا وولّى*
فقال له البكيّ- وقد أعجب به: بمن تعرف؟ فقال: بعنق البرة، قال له: وأنا البكيّ، فجعلا يتناظران بقيّة ليلتهما في أيّهما أكثر حرمانا، حتى أصبحا وكانا يتلمسان.
فقال عنق البرة للبكيّ: هلمّ لنقترع؛ أيّنا يقيم هنا، وأيّنا يرتحل؟ فإنا إن بقينا في موضع واحد، أدرك الناس من شؤمنا ما يؤدّي بهم إلى الهلاك، فاقترعا فخرجت قرعة البكيّ بالرحيل، فارتحل ونزل بفاس، فحلّ بأهلها من بلائه ما قد شهر.
قوله: «ترفل في ذيل فضفاض»، أي تمشي في خيط طويل. تجلّى في سواد وبياض، أي تبرز في خيط أسود لخياطة السواد، وأبيض لخياطة البياض. تسقى: أراد سقي الحدّاد لها إذا أخرجها من النار وألقاها في الماء لتصلب. ناصحة: خائطة، والنّصاح:
الخيّاط، ونصحت الثوب: خطته. خدعة: تخدع الخائط كثيرا، فتخيط وجه الثوب الأعلى، وتترك الأسفل، والهاء في هذه الصفات للمبالغة. خبأة طلعة؛ يصف حالها من الخياطة حين تختبئ في الثوب، ثم تطلع في يد الخائط. مطبوعة أي مصنوعة لينتفع بها.
مطواعة في الضيق والسّعة؛ يريد إذا دفعتها في الثوب دخلت فيه، سواء اتّسع موضع دخولها أو ضاق. إذا قطعت وصلت، يريد إذا قطعت الثوب وفصّلته ألّفته. فصلتها عنك:
نحّيتها، وجعلتها في مئبرها. خدمتك، أي صرفتها فيما تحتاج من خياطة ثيابك. جمّلت:
ألّفت قطع الثوب. جنت عليك فآلمت، أي ضربتك فأوجعتك وصيّرتك ذا ألم. ململت، أي جعلتك متقلّبا لشدة الوجع. قوله: «استخدمنيها»، أي طلب مني خدمتها. الغرض:
الحاجة، وأصل الغرض ما قصدته سهام الرامي، ثم سميت الحاجة غرضا، لأنها قصدت بالرغبة فيها. وسعها: طاقتها وقدر ما تحتمل مما تكلف. أولج فيها متاعه، أي أدخل فيها خيطه. أفضاها: خرق عينها، وفي المرأة خلط مسلكيها، من أفضيت إلى الشيء، وصلت إلى متّسعه، ومنه: القوم فوضى، أي متسعون مختلطون. بذل: أعطى.
***
فقال الحدث: أمّا الشّيخ فأصدق من القطا، وأمّا الإفضاء ففرط عن خطا، وقد رهنته، عن أرش ما أوهنته، مملوكا لي متناسب الطّرفين، منتسبا إلى القين،
стр. 217
نقيّا من الدّرن والشّين، يقارن محلّه سواد العين، يفشي الإحسان، وينشي الاستحسان، ويغذي الإنسان، ويتحامى اللّسان، إن سوّد جاد، أو وسم أجاد، وإذا زوّد وهب الزّاد، ومتى استزيد زاد، لا يستقرّ بمغنى، وقلّما ينكح إلّا مثنى، يسخو بموجوده، ويسمو عند جوده، وينقاد مع قرينته، وإن لم تكن من طينته، ويستمتع بزينته، وإن لم يطمع في لينته.
***
[القطا]
القطا: طائر يصيح «قطا قطا» فسمّي بصياحه، وبما يفهم من صوته، ولذلك تسمّيه العرب الصّدوق، ويقال: أنسب من قطاة، لأنها إذا صاحت عرفت، وقال الشاعر:
[البسيط]
تدعو القطا وبه تدعى إذا انتسبت ... يا صدقها حين تدعوها فتنتسب (١)
حمراء مقبلة سكّاء مدبرة ... للماء في البحر منها نوطة عجب
وقال الكميت: [البسيط]
لا تكذب القول إن قالت قطا صدقت ... إذ كلّ ذي نسبة لا بدّ ينتحل (٢)
وقال أبو وجزة: [البسيط]
ما زلن ينسبن وهنا كلّ صادقة ... باتت تباشر عرما غير أزواج (٣)
يريد، أن الحمير وردت الماء ليلا، فأثارت القطا عن أفاحيصه، فصاحت: «قطا
стр. 218
قطا»؛ فذلك انتسابه وجعلها صادقة لصياحها قطا، والعرم بيضها، لأن فيه سوادا وبياضا، وبيض القطا أفراد ثلاثة أو خمسة، قال مزاحم العقيلي في القطا وفراخها: [الطويل]
فلمّا دعته بالقطاة أجابها ... بمثل الّذي قالت له لم يبدّل (١)
وقال المعرّيّ: [الكامل]
عرفت جدودك إذ نقطت وطالما ... لفظ القطا فأبان عن أنسابها
وقال الأصمعيّ: القطا لا تصيح إلا إذا أرادت الماء، فإذا عدم الماء، وسمعت العرب صياح القطا، فرحوا به وعرفوا قرب الماء من بعده.
وقيل: سمّي القطا لثقل مشيه، يقال: قطا الرجل يقطو، إذا ثقل مشيه.
***
قوله: «فرط» أي سبق. عن خطا، أي عن غير تعمّد. رهنته: أعطيته رهنا، وأرهنتك: أعطيتك ما ترهنه. والأرش: قيمة العيب، أي دية الجرح، مأخوذ من أرش بين القوم لأنّ الأرش يختصم في قدره. أوهنته: أفسدته، ووهن الشيء يوهن ويهن:
ضعف، وأوهنته أنا، إذا أضعفته. مملوكا، يعني المرود. متناسب الطرفين، أي هذا الطرف مثل هذا الطرف، تكتحل بأيّهما شئت. القين: الحدّاد الذي صنعه. الدّرن: وسخ الحديد، والشّين: العيب، أي هو مصقول معتدل ليس فيه اعوجاج ولا عيب. يقارن محلّه سواد العين أي عند التكحّل به. يفشي: يحدث ويظهر. وإحسان الكحل في العين لا يخفى. ينشئ استحسان، أي ينشئ لناظر العين استحسان الكحل في العين والإنسان: إنسان العين يغذيه بالكحل، والإنسان: السّواد الذي في وسط العين، إذا رأيته رأيت فيه شخصا، والشخص هو الإنسان، فسمّي السواد به. يتحامى: يبعد عنه، يريد أنه يكحل العين ولا يقرب من الفم. قوله: «سوّد»، أي جعل فيه الكحل. جاد: أعطاه العين. وسم العين بالكحل: أجاد عمله فيها. قلّما ينكح إلا مثنى، أي ينكح عينا واحدة في الغالب. وقد نظم هذا النثر في الثانية والأربعين.
جوده، أي يجود بكحله للعين. ويسمو: يطلع للعين، وجعل له الكحل غذاء يأخذ ويرتفع به للغير. قرينته: مكحلته. من طينته: من جنسه. زينته: تزيينه للعين يطمع في لينته: أي لا يطمع أن يكون الحديد ليّنا. وكلّ لفظة فسرّ بها المرود والإبرة، لها لفظ في ظاهرها غير ما فسّرت به.
***
فقال لهما القاضي: إمّا أن تبينا، وإلا فبينا، فابتدر الغلام، وقال: [المنسرح]
стр. 219
أعارني إبرة لأرفو أط ... مارا غفاها البلى وسوّدها
فانخرمت في يدي على خطإ ... منّي لمّا جذبت مقودها
فلم ير الشّيخ أن يسامحني ... بأرشها إذ رأى تأوّدها
بل قال هات ابرة تماثلها ... أو قيمة بعد أن تجوّدها
واعتاق ميلي رهنا لديه ونا ... هيك بها سبّة تزوّدها
فالعين مرهى لرهنه ويدي ... تقصر عن أن تفكّ مرودها
فاسبر بذا الشّرح غور مسكنتي ... وارث لمن لم يكن تعوّدها
***
تبينا: توضّحا وتفسّرا حديثكما المهمّ الملغز. فبينا: أبعدا، أو ارتفعا. قوله:
«أرفو» أي أخيط، ويروى «لأرفأ» يقال: رفأت الثوب أرفؤه ورفوته وأرفوه، والرفو من أدقّ أنواع الخياطة، وهو نسج الخرق في الثوب حتى يعود كأنه لم يكن فيه خرق.
وقال ابن القابلة السبتيّ في غلام رفّاء: [مخلع البسيط]
يا رافيا قطع كلّ ثوب ... ويا رشا حبّة اعتمادي
عسى بخيط الوصال ترفو ... ما قطّع الهجر من فؤادي
وقال الحلوانيّ في خياط: [المديد]
ربّ خيّاط فتنت به ... فتنة أوهت قوى جلدي
لاعب بالخيط يفتله ... أتراه ظنّه جسدي!
ليت أني كنته فأرى ... بين ذاك الدّرّ والبرد
فعلت بالثّوب إبرته ... فعل سهم الشّوق في خلدي
وجرى المقراض في يده ... جرى عينيه على كبدي
ومن مجون أبي نواس، أنه كان يؤاكل إسماعيل بن أبي سهل، فعرضت له على مائدة رقاقة في جانبها خرق قد ضمّ، فرفعها بإحدى يديه ونقرها بالأخرى، فانفرجت، وقال وهو يضحك: أخبزكم مرفوء؟ فلما خرج قال: [الرمل]
خبز إسماعيل كالوش ... ى إذا ما انشق يرفا
عجبا من أثر الصن ... عة فيه كيف يخفى
إنّ رفّاءك هذا ... ألطف الأمّة كفّا
فإذا قابل بالنّص ... ف من الخبزة نصفا
ألطف الصّنعة حتى ... لا ترى المغرز أشفى
стр. 220
مثل ما جاء من التّن ... ور ما غادر حرفا
والأطمار: الثياب الخلقة، واحدها طمر. عفاها البلى: غيّرها القدم ودرسها، وسوّدها بالأوساخ حتى صارت في طبع الثوب، فمتى غسلت لم تزل.
ومما قالت الشعراء في الأطمار ممّا يستحسن قول الحمدونيّ في طيلسان وهبه له أحمد بن حرب المهلبيّ: [الخفيف]
يا بن حرب أطلت همّي برفوي ... طيلسانا قد كنت عنه غنيّا
فهو في الرّفو آل فرعون في العر ... ض على النار بكرة وعشيّا
وقال أيضا فيه: [الرمل]
طيلسان لابن حرب ... يتداعى لا مساسا
قد طوى قرنا فقرنا ... وأناسا فأناسا
لبس الأيام حتّى ... لم تدع فيه لباسا
غاب تحت الحسّ حتى ... لا يرى إلا قياسا
وقال فيه أيضا: [المنسرح]
قل لابن حرب مقالة العاتب ... ولست فيما أقول بالكاذب
أما رأيت الرفاء يحزنني ... برفوه طيلسانك الذّاهب
أفناه جور البلى عليه كما ... أفنى الهوى عمر خالد الكاتب
وقال فيه أيضا: [السريع]
إن ابن حرب جادلي كاسيا ... بطيلسان هرم قشعم
انظر إلى كثرة تمزيقه ... كأنمّا مزّق في مأتم
رفوى له وهو رميم كمن ... يبنى بناء فوق مستهدم
يصدعه اللّحظ بإيماضه ... صدع فؤاد العاشق المغرم
يذكرني كثرة تمزيقه ... تفرّق الناس عن الموسم
وقال فيه أيضا: [الخفيف]
يا بن حرب كسوتني طيلسانا ... ملّ من صحبة الزمان وصدّا
طال ترداده إلى الرفو حتّى ... لو بعثناه وحده لتهدّى
فحسبنا نسج العناكب قد جئن ... إلى ضعف طيلسانك شدّا
وقال أيضا فيه: [السريع]
стр. 221
يا قاتل الله ابن حرب لقد ... أطال إتعابي على عمد
بطيلسان خلت أنّ البلى ... يطلبه بالوتر والحقد
أجدّ في رفوي له والبلى ... يلهو به في الهزل والجد
إن اتهم الرافي في رفوه ... مضى به التمزيق في نجد
غنّيته لما مضى راحلا: ... تركتني يا واحدي وحدي
والحمدونيّ هو إسماعيل بن إبراهيم حمدويه، نسب إلى جده، وهو من أهل ميسان، وكان حلو التصرّف مليح الافتتان، وهو القائل: [السريع]
من كان في الدنيا له شارة ... فنحن من نظّارة أدنى
نلحظها من كثب حسرة ... كأننا لفظ بلا معنى
وقال ابن الروميّ في طيلسانه: [الطويل]
ولي طيلسان ناحل غير أنّه ... ثبوت لهمات الريّاح الزّعازع
وما ذاك إلا أنه متهتّك ... يخلى سبيل الريح غير منازع
أراه لضوء الشمس بالعين رؤية ... ويمنعني من لمسه بالأصابع
شكا ثقل اسم الطيلسان لضعفه ... فسميته ساجا فهل ذاك نافعي!
وقال ابن سارة في فروة: [الكامل]
أودت بذات يدي فريوة أرنب ... كفؤاد عروة في الضّنا والرّقّة
يتجشم الرّفّاء في ترقيعها ... بعد المشقة في قريب الشّقة
لو أنّ ما أنفقت في ترقيعها ... يحصى لزاد على رمال الرّقّة
إن قلت: «باسم الله» عند لباسها ... قرأت عليّ «إذا السماء انشقّت»
وله فيها أيضا: [الكامل]
لي فروة وصفي لجائحتي بها ... يأتيك بين مقرّط ومشنّف
عطّلت كتب أبي عبيد بالذي ... ألّفت فيها من غريب مصنّف
يسطو عليّ الغرم في ترقيعها ... سطو الغرام على فؤاد المدنف
فأنا وفروى خوف تمزيقي لها ... أحكي معاوية بجنب الأحنف
وله في طيلسانه: [السريع]
وطيلسان هرم يحتمى ... عليه أكل الخلّ والبقل
كأن كفّيّ إذا انضمّتا ... عليه خوف الرّيح في غلّ
стр. 222
ولبعض أصحابه فيه: [المتقارب]
على منكب ابن عليّ سمل ... تقطّعه لحظات المقلّ
إذا غيّم الجوّ أبصرته ... رهين الذّبول بكف البلل
نسوا طيلسان ابن حرب به ... وصاروا به يضربون المثل
وله في غفارته: [المجتث]
لأحمد بن عليّ ... غفارة كالسّراب
إن هبّ أدنى نسيم ... تمرّ مرّ السّحاب
والشعر في هذا الباب كثير.
وقوله: «انخرمت»، أي انكسرت. مقودها: خيطها. تأوّدها: انكسارها، وأصله الاعوجاج. أعتاق ميلي: أحبس مرودي. ناهيك: كافيك، ومعناه المبالغة، كأنه بلغ النهاية في العيب الذي فعل. سبّة: عيب يسبّ به. مرهى: خالية من الكحل، وقد مره الرجل مرها إذا لم يتعهد الكهل، والمرهى من النساء: البيضاء البينة الزّرق الذي يختصّ الكحل في زرقها. اسبر: قس. غور: غاية وقدر. ارث: ارحم وتوجع.
***
فأقبل القاضي على الشّيخ، وقال: إيه، بغير تمويه، فقال: [المنسرح]
أقسمت بالمشعر الحرام ومن ... ضمّ من النّاسكين خيف مني
لو ساعفتني لم يرني ... مرتهنا ميله الّذي رهنا
ولا تصدّيت أبتغي بدلا ... من إبرة غالها ولا ثمنا
لكنّ قوس الخطوب ترشقني ... بمصميات من هاهنا وهنا
وخبر حالي كخبر حالته ... ضرّا وبؤسا وغربة وضنى
قد عدل الدّهر بيننا فأنا ... نظيره في الشّقاء وهو أنا
لا هو يستطيع فكّ مروده ... لمّا غدا في يديّ مرتهنا
ولا مجالي لضيق ذات يدي ... فيه اتّساع للعفو حين جنى
فهذه قصّتي وقصّته ... فانظر إلينا وبيننا ولنا
***
إيه: كلمة يستزاد بها الحديث. والتمويه: الكذب، وهو في الحديث كالتعمية، وقد موّه عليه، إذا خيّل له أنّه على شيء وهو على ضدّه، وأصل التمويه الصّقل، كأنّ على ألفاظه المموّهة صقالة، وهو من لفظ الماء. المشعر: المزدلفة، وهو جمع، سمّي مشعرا
стр. 223
لأنه من علامات الحج، وكلّ علامات الحج مشاعر، والمشعر والمنسك: موضع ذبح الهدى بمكة المفضّل، سمّي مشعرا، لأنه شعر أنه حرام كالبيت. الناسكين: الحجّاج الذين يشعرون الهدى وما ينحر، أنسك ونسك منسكا ونسكا ونسكا، إذا ذبح النّسك، وأصلها ذبائح الجاهلية ثم سمّيت الأضاحي، والنّاسك أيضا: الزاهد. خيف: موضع بمنى. قوله: «ساعفتني»: ساعدتني. تصدّيت: تعرّضت. غالها: أهلكها. الخطوب:
الأمور الشداد. ترشقني: تصيبني. بمصميات: بسهام قاتلة. بؤس: شدّة حال. ضنى:
ضعف ومرض. وهو أنا، أي هو مثلي في ضيق الحال. مجالي: موضع تصرّفي. ذات يدي: مالي، وذات اليد ما يملك. العفو: الغفران. جنى: أذنب. قصّتي: حديثي، يقول: فانظر إلينا بعين الشفقة والرحمة، وأصلح بيننا بما ننصرف به شاكرين لك، وهب لنا ما نثني به عليك، وجعل النّظر عاملا في الجميع، لأن من وجوه النّظر الإصلاح بينهم والتكرّم عليهم.
***
فلمّا وعى القاضي قصصهما، وتبيّن خصاصتهما وتخصّصهما؛ أبرز لهما دينارا من تحت مصلّاه، وقال لهما: اقطعا به الخصام وافصلاه. فتلقّفه الشّيخ دون الحدث، واستخلصه على وجه الجدّ لا العبث، وقال للحدث: نصفه لي بسهم مبرّتي، وسهمك لي عن أرش إبرتي، ولست عن الحقّ أميل، فقم وخذ الميل.
فعرا الحدث لما حدث اكتئاب، واكفهرّ على سمائه سحاب، وجم له القاضي، وهيّج أسفه على الدّينار الماضي؛ إلّا أنّه جبر بال الفتى وبلباله، بدريهمات رضخ بها له، وقال لهما: اجتنبا المعاملات، وادرآ المخاصمات، ولا تحضراني في المحاكمات، فما عندي كيس الغرامات.
فنهضا من عنده، فرحين برفده، مفصحين بحمده، والقاضي ما يخبو ضجره، مذ بضّ حجره، ولا ينصل كمده، مذ رشح جلمده.
***
قصصهما، أي حديثهما، وهو جمع قصّة. خصاصتهما: فقرهما. تخصّصهما:
رفعتهما وانقباضهما، وقد تخصّص الرجل، إذا انقبض عن العامّة وتشبّه بالخاصّة، أبرز:
أخرج. مصلّاه: بساطه الذي يصلّي عليه. أفصلاه: اقطعاه وأزيلاه. استخلصه: حازه لنفسه خالصا. الجدّ: التحقيق. العبث: الهزل. سهم: نصيب. مبرّتي: إكرامي الذي وصلني به القاضي. أميل: أخرج وأعدل عنه. عرا: قصد ونزل به. حدث: ظهر.
اكتئاب: حزن وهمّ. وجم: غضب، والوجوم: السكوت على غضب. هيّج: حرّك.
стр. 224
أسفه: حزنه. باله: فكره. بلباله: حزنه ووسواسه، رضخ: كثّر العطاء. اجتنبا: باعدا.
المعاملات: المعاوضات والعواري. ادركا: ادفعا. كيس: وعاء الدراهم. رفده: عطاؤه.
يخبو ضجره: يسكن غضبه: بضّ حجره: رشحت كفه. قال الأخطل: [الكامل]
كزم اليدين من العطيّة ممسك ... ما إن تبض صفاته ببلال (١)
يفصل كمده: يزول حزنه. الجلمد: الصّخر الصّلب، كنى به عن كفه؛ وأنه بخيل، ويد البخيل تشبّه بالحجر، وقال جرير: [البسيط]
كأنمّا خلقت كفّاه من حجر ... فليس بين يديه والنّدى عمل (٢)
يرى التيمّم في برّ وفي بحر ... مخافة أن يرى في كفّه بلل
وقال ابن عبد ربه: [البسيط]
يراعة غرّني منها وميض سنا ... حتى مددت إليه الكفّ مقتبسا (٣)
فصادفت حجرا لو كنت تضربه ... من لؤمه بعصا موسى لما انبجسا
كأنما صيغ من لؤم ومن كذب ... فكان هذا له روحا وذا نفسا
أين هذه الأكفّ من التي ذكر حجيّة بن المضرّب، حين قال: [الطويل]
أناس إذا ما الدهر أظلم وجهه ... فأيديهم بيض وأوجههم غرّ
يصونون أحسابا ومجدا مؤثّلا ... ببذل أكفّ دونها المزن والبحر
فلو لامس الصخر الأصمّ أكفّهم ... أفاض ينابيع النّدى ذلك الصّخر
وقال أبو الشيص: [الكامل]
إنّ الأمان من الزمان وريبه ... يا عقب شطّا بحرك الفيّاض
بحر يلوذ المعتفون بسيله ... فعم الجداول مترع الأحواض
لأبي محمد المؤمّل راحتا ... ملك إلى أعلى العلا نهاض
فيد تدفّق بالغنى لصديقه ... ويد على الأعداء سمّ قاض
وقال أبو تمام: [الطويل]
تعوّد بسط الكفّ حتى لو أنّه ... دعاها لقبض لم تجبه أنامله (٤)
стр. 225
وقال البحتريّ: [الكامل]
قد قلت للغيث الرّكام ولجّ في ... إبراقه، وألحّ في إرعاده (١)
لا تعرضنّ لجعفر متشبّها ... بندى يديه فلست من أنداده
الله شرّفه، وأعلى ذكره ... ورآه غيث بلاده وعباده
وقال ابن الروميّ: [الطويل]
مقبّل ظهر الكف وهّاب بطنها ... له راحة فيها الحطيم وزمزم
فظاهرها للنّاس ركن مقبّل ... وباطنها عين من الجود عيلم
***
حتّى إذا أفاق من غشيته، أقبل على غاشيته وقال: قد أشرب حسّي، ونبّأني حدسي؛ أنّهما صاحبا دهاء، لا خصما ادّعاء، فكيف السّبيل إلى سبرهما، واستنباط سرّهما! فقال له نحرير زمرته، وشرارة جمرته: إنّه لم يتمّ استخراج خبئهما إلّا بهما، فقفّاهما عونا يرجعهما إليه، فلمّا مثلا بين يديه، قال لهما:
اصدقاني سنّ بكركما، ولكما الأمان من تبعة مكركما. فأحجم الحدث واستقال، وأقدم الشّيخ وقال:
***
قوله: «غشيته»، أي ذهاب عقله بأن يغمى عليه. وغاشيته: زوّاره ومن يغشى موضعه. أشرب: دوخل: حسّي: إدراكي وفهمي. نبّأني: حدّثني. وأخبرني. حدسي:
ظنّي، قال الفرّاء ﵀: حدست أحدس، إذا قلت في الشيء برأيك. غيره:
حدست: ظننت ظنّا بلغت منه غاية الشيء في عدده أو وزنه، وأصله من قول العرب:
بلغت الحدس، أي الشيء الذي تطلب لحاقه. والدّهاء في الرجل: الحذق والتبصّر في الأشياء. لا خصما ادّعاء، أي ليس بينهما ادّعاء على الحقيقة فيختصمان فيها. سبرهما:
اختبارهما. استنباط: استخراج. نحرير: حاذق. زمرته: جماعته، وجعله شرارة؛ لنفوذ ذهنه واتّقاده، ولذلك يسمى نحريرا، أي ماهرا بالأشياء كلها، كأنه لإدراكه وفهمه بالأشياء ينحرها بظنّه الصادق. خبئهما: خفيّ ما عندهما. قفّاهما: أتبعهما. والعون:
الشرطيّ، لأنه يعين من يتصرّف له. مثلا: وقفا، يقال: مثل الشيء، فهو ماثل، إذا قام وانتصب، وإذا لطئ بالأرض أو ذهب، وهو من الأضداد. سنّ بكر كما: حقيقة خبركما. والبكر: الفتّى من الإبل، وسنه: مبلغ عمره، لأنّ بالسنّ يعرف كم بلغ من
стр. 226
العمر، ولفظ المثل «صدقني سنّ بكره»، وروى البكري عن ابن الأعرابيّ أن رجلا سام رجلا بكرا على أن يشتريه مسنّا، فقال البائع: هذا جمل؛ لبكرله، وقال المشتري: هذا بكر، فقال البائع: بل هو مسنّ، فبينما هما يتنازعان إذ نفر البكر، فقال صاحبه: ليسكّن نفاره: «هدع هدع»، وهي كلمة من العرب يسكّن بها صغار الإبل عند نفارها، ولا تقال للكبار، فقال المشتري عند ذلك: صدقني سنّ بكرة. تبعة؛ شرحت في الصّدر. أحجم:
تأخّر فزعا. أقدم: تقدم متشجّعا. استقال: طلب الإقالة. [الرجز]
***
أنا السّروجيّ وهذا ولدي ... والشّبل في المخبر مثل الأسد
وما تعدّت يده ولا يدي ... في إبرة يوما ولا في مرود
وإنّما الدّهر المسيء المعتدي ... مال بنا حتّى غدونا نجتدي
كلّ ندى الرّاحة عذب المورد ... وكلّ جعد الكفّ مغلول اليد
بكلّ فنّ وبكلّ مقصد ... بالجدّ إن أجدى وإلّا بالدّد
لنجلب الرّشح إلى الحظّ الصّدى ... وننفد العمر بعيش أنكد
والموت من بعد لنا بالمرصد ... إن لم يفاج اليوم فاجي في غد
***
الشّبل: ولد الأسد. المخبر: التجربة والخبرة. تعدّت: ظلمت، والمتعدّي:
الظالم المجاوز الحدّ في الظلم. مال بنا، أي حطّنا. نجتدي: نسأل الناس الجدا، وهو العطاء. نديّ الراحة: كريم الكفّ. وجعد الكفّ، ضدّه، وأراد أن يسأل كل كريم سهل العطاء، وكل لئيم صعبه، وأصل الجعودة انقباض الشعر، ثم استعيرت لقبض الكفّ من اللؤم، ومثله مغلول اليد، أي كأنّ يده محبوسة بغلّ للؤمها، والسائل كأنه يحاول بسطها بالجود فيجدها محبوسة بغلّ اللؤم، وفي الكتاب العزيز: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء: ٢٩] فهذا نهي عن التبذير.
وقال حبيب في قصيدة يمدح بها حفص بن عمر الأزديّ ويذكر الجعودة، وهي:
[الطويل]
يرى الوعد أخزى العار إن هو لم تكن ... مواهبه تأتي مقدّمة الوعد (١)
فلو كان ما يعطيه غيثا لأمطرت ... سحائبه من غير برق ولا رعد
من القوم جعد أبيض الوجه والنّدى ... وليس بنان يجتدى منه بالجعد
وقال البحتريّ: [الخفيف]
стр. 227
صنتني عن معاشر لا أسمّي ... أوّليهم إلّا غداة سبابي (١)
من جعاد الأكفّ غير جعاد ... وغضاب الوجوه غير غضاب
خطروا خطرة الجهام وساروا ... في نواحي الظنون سير السّحاب
وقال أيضا في نحوه: [الوافر]
وخلّفني الزمان على أناس ... وجوههم وأيديهم حديد (٢)
لهم حلل حسن بيض ... وأخلاق قبحن فهنّ سود
أناس لو تأمّلهم لبيد ... بكى الخلف الّذي يشكو لبيد
قوله «الدد»: ضد الجدّ، وهو اللهو واللعب، وقال النبي ﷺ : «لست من دد ولا الدّد مني» (٣)، أي لست من باطل ولا الباطل مني أجدى: نفع. الحظ: البخت والنصيب. والصدى: العطشان، وأراد أن حظّه في الدّنيا قليل، فهو سعى له ليجلب رزقا يكثر به حظه. ننفذ: نتمّم. أنكد: مشئوم وكل ما جلب شرّا فهو أنكد ونكد.
والمرصد: الموضع الذي ترتقب فيه من تريد أخذه، وقد رصدته رصدا ترقبته. يفاج:
يأت على غفلة، وأصله فاجأ بالهمز، فسهّله.
***
فقال له القاضي: لله درّك، فما أعذب نفثات فيك، وواها لك لولا خداع فيك، وإنّي لك لمن المنذرين، وعليك من الحذرين، فلا تماكر بعدها الحاكمين، واتّق سطوة المتحكّمين، فما كلّ مسيطر يقيل، ولا كلّ أوان يسمع القيل.
فعاهده الشّيخ على مشورته، والارتداع عن تلبيس صورته، وفصل عن جهته، والختر يلمع من جبهته.
قال الحارث بن همّام: فلم أر أعجب منها في تصاريف الأسفار، ولا قرأت مثلها في تصانيف الأسفار.
***
قوله: «لله درك»، أي ما أحسن كلامك، والدّرّ أصله اللبن، وكأنه سمّي بحكاية صوته عند الحلب. ولله، أصله القسم، ولا تدخل اللام في القسم إلّا على اسم الله تعالى، والتعجّب معها لازم، فإذا قال الذي يسمع صوت الحلب لصاحب الناقة: لله
стр. 228
درّك! فكأنه قال: والله إن درّك هذا لكثير، ثم استعير للفصيح في كلامه، ولكل من أحسن في شيء، فكأنّه قيل: ما أحسن ما جئت به! وقيل: معناه لله اللبن الذي شربته من أمّك، قال الفرّاء ﵀: ربما قالوا: درّك، ولم يقولوا: لله درّك، وأنشد: [الخفيف]
درّ درّ الشّباب والشّعر الأس ... ود والضّامرات تحت الرّجال
قوله: «نفثات»، أي كلمات. واها: عجبا. والمنذر: المعلم بما يخاف. تماكر:
تخادع. سطوة: بطشة. المتحكم: الذي يتحكم بما شاء فيمتثل حكمه. مسيطر: أمير مسلّط. يقيل: يغفر الزلة. أوان: وقت. عاهده: حالفه. مشورته: أخذ رأيه. الارتداع:
الكفّ. تلبيس: تخليط. صورته: قصته. فصل: زال الختر: الخداع. يلمع: يضيء، يريد أنه انفصل عنه وعلى وجهه علامة الغدر، وأنّ يمينه التي حلف له كاذبة، وأوّل من نظم في هذا المعنى الشمّاخ حين قال: [الطويل]
أتتني تميم قضّها بقضيضها ... تمسّح حولي بالبقيع سبالها (١)
يقولون لي: احلف ولست بحالف ... أخادعهم عنها لكيما أنالها
ففرّجت همّ النفس عني بحلفة ... كما شقّت الشقراء عني جلالها
ومن الملح في اليمين الفاجرة، قول ابن الروميّ: [المتقارب]
وإني لذو حلف كاذب ... إذا ما استمحت وفي المال ضيق
وهلى من جناح على معسر ... يدافع بالله ما لا يطيق
وقال فيه أيضا: [الوافر]
إذا حلّت على ضيق ديوني ... وباكرني التّجار وخوّفوني
دفعتهم بمن لو شاء أدّى ... حقوقهم إليهم منذ حين
ولدعبل: [الخفيف]
سألوني اليمين فارتعت عنها ... كي يغروا بذلك الارتياع (٢)
ثم أرسلتها كمنحدر السّي ... ل تدلى من المكان اليفاع
وأنشد أبو عليّ: [الكامل]
لا شيء يدفع حقّ خصم شاغب ... إلا كحلف عبيدة بن سميذع
стр. 229
يمضي اليمين على اليمين لجاجة ... عضّ الجموح على اللجام المقدع
فإذا يذكر حلفه أصغى لها ... وإذا يذكر بالتقى لم يسمع
قوله: «تصاريف»، أراد التصرّف بالجولان في البلدان. والأسفار: الأوّل: جمع السفر في البلاد، والثاني: جمع سفر، وهو الكتاب، قال الفرّاء ﵀: الأسفار:
الكتب العظام. والتصانيف: التآليف المنوّعة، والمصنّف الذي فيه أنواع شتى.
стр. 230
المقامة التاسعة وهي الإسكندرانية
قال الحارث بن همّام: طحا بي مرح الشّباب؛ وهوى الاكتساب، إلى أن جبت ما بين فرغانة وغانة، أخوض الغمار، لأجني الثّمار، وأقتحم الأخطار، لكي أدرك الأوطار، وكنت لقفت من أفواه العلماء، وثقفت من وصايا الحكماء، أنّه يلزم الأديب الأريب، إذا دخل البلد الغريب، أن يستميل قاضية، ويستخلص مراضيه، ليشتدّ ظهره عند الخصام، ويأمن في الغربة جور الحكّام؛ فاتّخذت هذا الأدب أماما، وجعلته لمصالحي زماما، فما دخلت مدينة، ولا ولجت عرينة، إلّا وامتزجت بحاكمها امتزاج الماء بالرّاح، وتقوّيت بعنايته تقوّي الأجساد بالأرواح.
***
طحا بك قلبك ووهمك طحوا وطحيا: ذهب بك، وطحا الله الأرض. ودحاها:
بسطها. ابن الأنباريّ: طحا قلبه في الهوى واللهو، إذا تطاول وتمادى، قال علقمة:
[الطويل]
* طحا بك قلب في الحسان طروب (١) *
مرح الشباب: نشاط الفتوة. جبت: قطعت ومشيت.
[فرغانة]
فرغانة: مدينة في أقصى خراسان، وكان فيها بيت يسمّى هيكل الشمس، بناه فارس الملك، وخرّبه المعتصم، وبها قتل قتيبة بن مسلم الباهليّ أمير خراسان سنة ثلاث وخمسين، وبينها وبين سمرقند ثلاثة وخمسون فرسخا. قال اليعقوبيّ: من سمرقند إلى أسروشنة خمس مراحل شراقا، ومن أسروشنة إلى فرغانة مرحلتان، ومدينة فرغانة التي
стр. 231
ينزلها الملك يقال لها كاسان، وهي مدينة جليلة القدر، عظيمة الأمر، وكلّ هذه المدن مضافة إلى عمل سمرقند. وكان أنوشروان بنى فر غانة ، ونقل إليها من كل بيت قوما، وسمّاها أزهر خانه، أي من كل بيت.
[غانة]
وغانة: بلد من بلاد السودان، وإليها ينتهي التجار، والمدخل إليها من سجلماسة، ومن سجلماسة إليها مسافة ثلاثة أشهر، ومن غانة إلى سجلماسةشهر ونصف، ودون ذلك، وسبب ذلك أن الرّفاق تتجهّز إليها من سجلماسة بالأمتاع والأثقال، فتباع في غانة بالتّبر، فمن سافر إليها بثلاثين حملا يرجع منها بثلاثة أحمال، أو بحملين: واحد لركوبه، وثان للماء بسبب المفازة التي في طريقها، حدّثني غير واحد من تجارها أنهم يقطعون المفازة في ستة عشر يوما، لا يرون فيها ماء إلّا على ظهور الإبل، فأثمان أحمال الثلاثين جملا يجتمع فيها من التّبر ما يجعل في مزود واحد، فيطوون المراحل للخفّة.
وغانة بلد مملكة السودان، وانتشر الإسلام في أهلها، وبها مدارس للعلم، وبها من تجار المغرب كثير يدخلون التّجارة فيصيبون الخصب والأمن وكثرة المتاجر، فيشترون بها خدما للتّسرّي، ويقيمون بها عند أميرها في غاية الكرامة، والخدم فيها قد جعل الله فيهنّ من الخصال الكريمة في خلقهنّ فوق المراد، من ملاسة الأبدان، وتفتّق السواد، وحسن العينين، واعتدال الأنوف، وبياض الأسنان، وطيب الروائح.
[السواد والبياض ومما قيل فيه شعرا]
وكان ابن الروميّ وصف واحدة منهنّ بقوله: [مخلع البسيط]
تذكرك المسك والغوالي والن ... دّ ذوات النّسيم والعبق
ليست من العبّس الأكف ولا ال ... فلج الشّفاه الخبائث العرق
أكسبها الحبّ أنها صبغت ... صبغة حبّ القلوب والحدق
يفتّر ذاك السّواد عن يقق ... من ثغرها كالّئالئ النّسق
كأنّها والمزاح يضحكها ... ليل تعرّى دجاه عن فلق
لها حر يستعير وقدته ... من قلب صبّ وصدر ذي حنق
يزداد ضيقا على المراس كما ... تزداد ضيقا أنشوطة الوهق
غصن من الآبنوس ركّب في ... مؤزّر معجب ومنتطق
وقال الشّريف الرضيّ: [الطويل]
أحبّك يا لون السّواد فإنّني ... رأيتك في العينين والقلب توأما (١)
стр. 232
وما كان سهم العين لولا سوادها ... ليبلغ حبّات القلوب إذا رمى
إذا كنت تهوى الظبى ألمى فلا تلم ... جنوني على الظّبي الذي كلّه لمى
وقال ابن مسلمة: [الوافر]
يكون الخال في خدّ قبيح ... فيكسوه الملاحة والجمالا
فكيف يلام مشغوف على من ... يراها كلّها في العين خالا!
وله أيضا: [البسيط]
لام العواذل في سوداء فاحمة ... كأنّها في سواد القلب تمثال
وهام بالخال أقوام وما علموا ... أنّي أهيم بشخص كلّه خال
ولابن رباح: [الوافر]
وسوداء الأديم إذا تبدّت ... يرى ماء النعيم جرى عليه
رآها ناظري فصبا إليها ... وشبه الشّيء منجذب إليه
ولابن رشيق: [مخلع البسيط]
دعا بك الحسن فاستجيبي ... يا مسك في صبغة وطيب
تيهي على البيض واستطيلي ... تيه شباب على مشيب
ولا يرعك اسوداد لون ... كمقلة الشّادن الرّبيب
فإنّما النّور عن سواد ... في أعين الناس والقلوب
قال ابن رشيق: أخذته من قول الآخر، أنشده الجاحظ: [الخفيف]
مشبهات الشّباب والمسك تفديه ... نّ نفسي من الرّدى والخطوب
كيف يهوى الفتى اللبيب وصال ال ... بيض، والبيض مشبهات المشيب
وأخذ بيته الآخر من قول الآخر، أنشده الجاحظ: [الطويل]
وإنّ سواد العين في العين نورها ... وما لبياض العين نور فيعلم
فأخذه أيضا أبو الطيب، فقال في كافور وأحسن: [الطويل]
فجاءت بنا إنسان عين زمانه ... وخلّت بياضا خلفها ومآقيا
ولابن الجهم: [المتقارب]
وعائب للسّمر من جهله ... مفصّل للبيض ذي محك
قولوا له عنّي: أما تستحي! ... من يجعل الكافور كالمسك!
стр. 233
والسابق لهذا المعنى أبو حفص الشّطرنجيّ، والناس تبع له حيث قال: [السريع]
أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونه قاعدة
لا شكّ- إذ لونكما واحد ... أنّكما من طينة واحده
على أنّ العباس بن الأحنف معاصره، قال: [الطويل]
أحبّ النساء السّود من أجل تكتم ... ومن أجلها أحببت ما كان أسودا
فجئني بمثل المسك أطيب نكهة ... وجئني بمثل اللّيل أطيب مرقدا
أخذ بيته الأول من قول ابن الأعرابيّ: [الوافر]
أحبّ لحبّها السّودان حتّى ... أحبّ لحبّها سود الكلاب
وقال ابن الروميّ في تفضيل السّواد على البياض: [المنسرح]
وبعض ما فضّل السّواد به ... والحقّ ذو سلّم وذو نفق
ألا يعيب السواد حلكته ... وقد يعاب البياض بالبهق
وهذه الأقوال كلها على استحسانها اعتذارات واقتدارات من الشعراء على تحسين القبيح، والأمر المجمع عليه تفضيل البياض.
قال الجاحظ: العرب تمدح بالبياض، وتهجو بالسّواد، وربما مدحوا بالسّواد، ولكن أصل ما يبنون عليه أمرهم ذمّه، وأنشد: [الوافر]
لهم ديباجة عرفت قديما ... بياض في الوجوه وفي الجلود
وأحسن كشاجم فيما قصد إليه بقوله: [المديد]
يا مشبها في فعله لونه ... لم تعد ما أوجبت القسمه (١)
خلقك من خلقك مستخرج ... والظلم مشتقّ من الظلمة
قوله: «جبت ما بين فرغانة وغانة»، وما هنا بمعنى الذي، كأنه قال: جبت الذي بين فرغانة التي هي أقصى المشرق، وغانة التي هي أقصى المغرب من البلاد والقفار والبحار لكسب المال، فما هي التي أوجبت لما بين البلدتين ما ذكر أن يعمّ بالمشي، ولو سقطت لم يلزم العموم، وكأنه يشير بهذا التعبير إلى قول حبيب: [الطويل]
سلي هل عمرت القفر وهو سباسب ... وغادرت ربعي من ركابي سباسبا (٢)
وغرّبت حتى لم أجد ذكر مشرق ... وشرقت حتى قد نسبت المغاربا
стр. 234
قوله: «أخوض الغمار»، أي أدخل المياه الغزيرة فأجوزها. أقتحم الأخطار، أي أترامى في المخاوف. والخطر: الغرر. والأوطار: الحاجات. وقال أبو عمر القسطلّي فيما يتعلق بهذا: [الطويل]
تخوّفني طول السّفار وإنّني ... لتقبيل كفّ العامريّ سفير
دعيني أرد ماء المفاوز آجنا ... إلى حيث ماء المكرمات نمير
ألم تعلمي أنّ الثواء هو النّوى ... وأن بيوت العاجزين قبور
وأن خطيرات المهالك ضمّن ... لراكبها أنّ الجزاء خطير
وقال النابغة الجعديّ: [الطويل]
إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه ... شكا الفقر أو لام الصّديق فأكثرا (١)
فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
وقال ابن سارة: [البسيط]
سافر فإنّ الفتى من باب مفتتحا ... قفل النجاح بمفتاح من السّفر
إن شئت خضرتها يا ابن الرّخاء فكن ... في طيّ عمر الفيافي نائي الحضر
ولا يصدّنك عن أمر تصعّبه ... قد ينبع الكوثر السلسال من حجر
لا بدّ أن يقع المطلوب في شرك ... ولو بنى وكره في دارة القمر
[مما قيل في السفر والحضّ عليه]
ومما ينتظم في باب الحضّ على السفر وترك العجز قولهم: لا ينبغي للعاقل أن يكون إلا في إحدى المنزلتين، إما في الغاية من طلب الدنيا، وإما في الغاية من تركها، ولا ينبغي للعاقل أن يرى إلّا في أحد مكانين، إما مع الملوك مكرّما، وإما مع العباد متبتّلا، ولا يعدّ الغرم غرما إلا إذا ساق غنما، ولا الغنم غنما إلّا إذا ساق غرما؛ ونظم هذا المعريّ فقال: [الوافر]
ذر الدّنيا إذا لم تخط فيها ... وكن فيها كثيرا أو قليلا (٢)
وأصبح واحد الرّجلين إمّا ... مليكا في العشائر أو أبيلا
стр. 235
الأبيل: الراهب.
وفي كتاب الهند: من لم يركب الأهوال لم ينل الرغائب.
وفي التوراة: ابن آدم، خلقت من الحركة إلى الحركة، فتحرّك وأنا معك.
وفي بعض الكتب: امدد يدك إلى باب من العمل؛ أفتح لك بابا من الرزق.
وقالوا: من ضعف عن عمله اتّكل على رزق غيره.
وقال عليّ ﵁: الحرص مقدّمة الكون.
وقال النبيّ ﷺ لوفد عبد القيس: «ما المروءة فيكم»؟ قالوا: العفّة والحرفة.
ورئي عكرمة وراء نهر بلخ، فقيل له: ما جاء بك هاهنا؟ فقال: بناتي.
وقال رجل لمعروف الكرخيّ: يا أبا محفوظ أتحرّك لطلب الرزق أم أجلس؟ قال:
لا بل تحرّك، فإنه أصلح لك، فقال: أتقول هذا؟ قال: وما أنا قلته ولكن الله أمر به، قال لمريم ﵍: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا [مريم: ٢٥] ولو شاء لأنزله عليها.
وأنشد الثعالبيّ: [الطويل]
ألم تر أن الله أوحى لمريم ... وهزّي إليك الجذع يسّاقط الرّطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزّها ... جنته، ولكن كلّ شيء له سبب
وقال موسى بن عمران ﵇: لا تلوموا السّفر؛ فإني أدركت فيه ما لم يدركه أحد؛ يريد أن الله كلّمه فيه.
ونظم هذا المعنى حبيب فقال: [المنسرح]
فإن موسى صلّى على روحه ... الله صلاة كثيرة القدس (١)
صار نبيّا وعظم بغيته ... في جذوة للصّلاء والقبس
قال المأمون: لا شيء ألذّ من السفر في كفاية؛ لأنك تحلّ كل يوم في محلّة لم تحلّها، وتعاشر قوما لم تعاشرهم.
الثعالبي: من فضائل السفر أن صاحبه يرى من عجائب الأمصار، وبدائع الأقطار، ومحاسن الآثار، ما يزيده علما بقدرة الله، ويدعوه إلى شكر نعمته.
وفي الأثر الصحيح: سافروا تصحّوا وتغنموا.
آخر: السفر يشدّ الأبدان، وينشّط الكسلان، ويشهّي إلى الطعام.
стр. 236
آخر: ليس بينك وبين بلد نسب، فخير البلاد ما حملك.
قال ابن رشيق: كتبت إلى بعض إخواني: مثل الرجل القاعد- أعزّك الله- كمثل الماء الراكد، إن ترك تغيّر، وإن تحرّك تكدّر، ومثل المسافر كالسحاب الماطر، هؤلاء يدعونه رحمة، وهؤلاء يدعونه نقمة، فإذا اتصلت أيامه، ثقل مقامه، وكثر لوّامه، فاجمع لنفسك فرجة الغيبة، وفرحة الأوبة، والسلام.
وقال ابن رشيق: [البسيط]
غب عن بلادك وارج حسن مغبّة ... إن كنت حقا تشتكي الإقلالا
فالبدر لم يجحف به إدباره ... ألّا يسافر يطلب الإقبالا
وقال أبو الطّيب: [الطويل]
وما بلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق (١)
وقال البحتريّ: [الخفيف]
وإذا ما تنكرت لي بلاد ... أو صديق فإنني بالخيار (٢)
وقال أبو الطّيب: [الطويل]
إذا لم أجد في بلدة ما أريده ... فعندي لأخرى عزمة وركاب
وقال إبراهيم بن العبّاس الصوليّ: [البسيط]
لا يمنعنّك خفض العيش في دعة ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان (٣)
تلقى بكلّ بلاد إن حللت بها ... أهلا بأهل وجيرانا بجيران
أي لا يمنعنّك الشوق إلى الوطن في الغربة من الاستمتاع بلذة العيش، فالأرض واحدة، والناس جنس واحد. وفي غير الحماسة: [البسيط]
لا يمنعنّك خفض العيش في دعة ... من أن تبدّل أوطانا بأوطان
برفع «خفض»، أي لا يمنعنك عيشك الهنيء في بلدك أن تجول في البلدان، وترى الناس، فتستفيد النزهة والتجربة.
وقالوا: المسافر يسمع العجائب، ويكشف التجارب، ويجلب المكاسب. أوحش أهلك إذا كان أنسك في إيحاشهم، واهجر وطنك إذا نبت نفسك عنه.
قيل لأعشى بكر: إلى كم ذا الاغتراب؟ أما ترضى بالدّعة! قال: لو دامت الشمس عليكم يومين لمللتموها.
стр. 237
أخذه حبيب فقال: [الطويل]
وطول مقام المرء في الحيّ مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدّد (١)
فإنّي رأيت الشّمس زيدت محبّة ... إلى النّاس أن ليست عليهم بسرمد
وقال الحكماء: لا تنال الراحة إلا بالتعب، ولا تدرك الدّعة إلا بالنّصب. وقال حبيب: [الطويل]
على أنني لم أحو وفرا مجمّعا ... ففزت به إلّا بشمل مبدّد (٢)
ولم تعطني الأيّام يوما مسكّنا ... ألذّ به إلا بنوم مشرّد
وقال ابن عبد ربه: هل يجوز في عقل، أو يمثل في وهم، أو يصحّ في قياس، أن يحصد زرع بغير بذر، أو يثمّر مال بغير طلب، أو تجني ثمرة بغير غرس، أو يورى زند بغير قدح! وقد يكون الإكداء مع الكدّ، والخيبة مع الغيبة.
وقال الشاعر: [المتقارب]
وما زلت أقطع عرض البلاد ... من المشرقين إلى المغربين
وأدّرع الخوف تحت الدّجى ... وأستصحب الجدي والفرقدين
وأطوي وأنشر ثوب الهموم ... إلى أن رجعت بخفّي حنين
وقال ابن رشيق: [الكامل]
يعطى الفتى فينال في دعة ... ما لم ينل بالكدّ والتّعب
فاطلب لنفسك فضل راحتها ... إذ ليست الأشياء بالطّلب
إن كان لا رزق بلا سبب ... فرجاء ربّك أعظم السّبب
وقال محمد بن يسير: [المنسرح]
قد يرزق الخافض المقيم وما ... شدّ لعنس رحلا ولا قتبا (٣)
ويحرم المال ذو المطية والرّ ... حل ومن لا يزال مغتربا
وقال آخر: [البسيط]
قد يرزق المرء لم تتعب رواحله ... ويحرم الرّزق بالأسفار والتّعب
إنّي وعمرك ما أحصى ذوي حمق ... الرزق أعدى بهم من لاصق الجرب
стр. 238
ولآخر: [الطويل]
ألا ربّ باغي حاجة لا ينالها ... وآخر قد تقضى له وهو جالس
آخر: [البسيط]
قد يرزق المرء، لا من حسن حيلته ... ويصرف الرزق عن ذي الحيلة الدّاهي
ما مسّني من غنى يوم ولا عدم ... إلا وقولي فيه: الحمد لله
آخر: [البسيط]
لو كان باللبّ يزداد اللبيب غنى ... لكان كلّ لبيب مثل كافور
لكنّه الرّزق بالقسطاس من حكم ... يقصى اللبيب، ويعطى كلّ ماخور
ومثل هذا قليل في كثير وإنما يحكم بالأغلب، والنّجح مع الطلب أكثر، والحرمان للعاجز أصحب، وشرح حبيب هذا المعنى فقال: [الكامل]
همّ الفتى في الأرض أغصان المنى ... غرست وليست كلّ حين تورق
أوصى بعض الحكماء ابنه وأراد سفرا، فقال: إنّك تدخل بلدا لا تعرفه، ولا يعرفك أهله، فتمسّك بوصيّتي تنفق بها؛ عليك بحسن الشمائل؛ فإنها تدلّ على الحريّة، ونقاء الأطراف فإنها تشهد بالملوكية، ونظافة البزّة فإنها تشهد بالنشء في النعمة، وطيب الرائحة فإنها تظهر المروءة، والأدب الجميل فإنه يكسب المحبّة، وليكن عقلك دون دينك، وقولك دون فعلك، ولباسك دون قدرك، والزم الحياء والأنفة فإنّك إن استحييت من الفظاظة اجتنبت الخساسة، وإن أنفت من الغلبة لم يتقدّمك نظير في مرتبة.
قوله: «لقفت»، أخذت، واللّقف: أخذ ما يرمى إليك بيدك. ثقفت: قيدت، ويمدح الرجل الحازم به فيقال: فلان ثقف لقف. والأريب: العاقل، وقد أرب أرابة وأربا، صار أريبا، والأريبة من أربت العقدة أربا، شددتها. يستميل: يستنزل ويدعوه أن يميل إليه. يستخلص مراضيه، أي يحوزها لنفسه. ومراضيه: ما يرضي القاضي ويوافقه، وهو جمع مرضاة، ويقال: صلة الرحم مرضاة للربّ، أي يرضيه برّها، يقول: العاقل إذا دخل بلدة استعطف قاضيها لنفسه، بحسن خلقه حتى يخفّ عليه أمره. ليشتدّ: ليتقوّى.
جور: ظلم، إماما: قدوة، زماما: حبلا أقودها به. ولجت: دخلت. عرينة: بلدة، وأصلها بيت الأسد. الراح: اسم الخمر، وأبهم، على ابن الرومي ممّ اشتقّ اسمها حين قال: [الكامل]
والله ما أدري لأيّة علّة ... يدعونها في الرّاح باسم الرّاح
ألريحها أم روحها تحت الحشا ... أم لارتياح نديمها المرتاح!
стр. 239
وانظر الامتزاج الذي ذكر في الخامسة والأربعين.
عنايته: اعتناؤه به واهتمامه.
***
فبينما أنا عند حاكم الإسكندريّة ، في عشيّة عريّة، وقد أحضر مال الصّدقات، ليفضّه على ذوي الفاقات، إذ حلّ شخص عفرية، تعتله امرأة مصبية، فقالت: أيّد الله القاضي، وأدام به التّراضي، إنّي امرأة من أكرم جرثومة، وأطهر أرومة، وأشرف خئولة وعمومة، ميسمي الصّون، وشيمتي الهون، وخلقي نعم العون، وبيني وبين جاراتي بون، وكان أبي إذا خطبني بناة المجد، وأرباب الجدّ، سكّتهم وبكّتهم، وعاف وصلتهم وصلتهم، واحتجّ بأنّه عاهد الله بحلفة، ألّا يصاهر غير ذي حرفة
***
[الإسكندرية]
مدينة عظيمة من بلاد مصر، بناها الإسكندر ذو القرنين، وهو الذي مشى مشارق الأرض ومغاربها. قال السدّيّ: لما سأل أهل الكتاب النبيّ ﷺ عن ذي القرنين، قال:
سأخبركم كما تجدونه مكتوبا عندكم: إنّ أول أمره أنه غلام من الروم، أعطي ملكا، فسار حتى أتى ساحل البحر من أرض مصر، فابتنى عندها مدينة يقال لها الإسكندرية.
وقال الهمذانيّ: ذو القرنين ينسب إليه التاريخ قبل الإسلام، ومؤدّبه أرسطاطاليس الحكيم، وكان ملكه الذي بلغ فيه أقصى المشرق والمغرب خمسة عشر عاما، والإسكندرية لما بناها رخّمها بالرخام الأبيض جدرها وأرضها، فكان لباسهم فيها السواد من نصوع بياض الرخام، وإذا كانت ليلة مقمرة يدخل الخياط الخيط في خرق الإبرة من بياض رخامها.
وقيل: إنها مكثت سبعين عاما لا يدخلها أحد إلا وعلى بصره خرقة سوداء من بياض جصّها ورخامها، ولم يحتج لها في تلك المدة إلى سراج بالليل من ضيائها.
وقيل: كانت ثلاث مدن يحيط بجميعها سور.
قال ابن جبير: ما شهدنا بلدا أوسع مسالك، ولا أعلى بناء، ولا أعتق ولا أحفل من الإسكندرية، وأسواقها في نهاية الاحتفال ومن أعجب ما في وصفها أن بناءها تحت الأرض كبنائها فوقها وأعتق، لأنّ الماء إذا جاء من النيل يخترق جميع آبارها وأزقّتها تحت الأرض، فتتصل الآبار بعضها ببعض، ويمدّ بعضها بعضا، وعاينّا فيها من سواري الرّخام وألواحه كبرا وعلوّا واتساقا حسنا ما لا يتخيّل إلا بالوهم؛ حتى إنك تلقى بعض
стр. 240
سواريها يغصّ بها الجوّ صعودا لا يدري معناها، ولا لأيّ شيء وضعت إلا ما يتحدّث به أنه كان عليها من قديم الزمان مبان للفلاسفة وأهل الرّئاسة ومن أعظم عجائبها المنار، آية للمتوسّمين وهداية للمسافرين، لولاه ما اهتدوا في البحر إلى برّ الإسكندرية، ويظهر على أزيد من سبعين ميلا، ومبناه في نهاية العتاقة والوثاقة طولا وعرضا، يزاحم الجوّ سموّا وارتفاعا ينحصر عنه الوصف، وينحسر دونه الطّرف، الخبر عنه يضيق، والمشاهدة له تتسع، ذرعنا أحد جوانبه الأربع، فألفينا فيه نيّفا وخمسين باعا، ويذكر أن في طوله أزيد من مائة وخمسين قامة.
وأما داخله فمرأى هائل، اتساع معارج، ومداخل وكثرة مساكن حتى إن الوالج في مسالكه ربّما ضلّ، وفي أعلاه مسجد موصوف بالبركة، يتبرّك الناس بالصلاة فيه، طلعنا إليها، وشهدنا من شأن مبناه عجبا لا يستوفيه وصف واصف، والله تعالى لا يخليه من عزة الإسلام.
***
قوله «عشية عريّة»، أي باردة. يفضّه: يفرّقه. ذوي الفاقات: أهل الفقر والحاجات. عفرية: يقال رجل عفرية وعفرّ وعفرّيّ، إذا كان صحيحا شديدا موثّق الخلق، أخذ من عفر الأرض، وهو التراب، أي من علق به عفره بالأرض ومنه ليث عفرّين، أي ليث ليوث، معفّر لفريسته. قال الخليل: رجل عفر بيّن العفارة، إذا وصف بالشيطنة، والعفّير أيضا: الظّريف الكيّس، ويقال للشيطان: عفريت وعفرية، وهم عفارية. وقرئ: «قال عفرية من الجنّ»، وفي الحديث: «إن الله ليبغض العفريت النّفريت» (١)، قيل هو الجموع المنوع.
وقال أبو عثمان النّهديّ: دخل رجل عظيم الجسم على النبيّ ﷺ فقال له: متى عهدك بالحمّى. قال: ما أعرفها، قال فبالصّداع، قال: ما أدري ما هو! قال: أفأصبت بمالك؟ قال: لا، قال: أفرزئت بولدك؟ قال: لا، فقال ﷺ : «إن الله يبغض العفريت النّفريت» (٢)، وهو الذي لا يرزأ في بدنه ولا يصاب في ماله.
وقوله: «تعتله»، أي تسوقه بعنف، وكذلك تدعّه. مصبية: لها صبيّ. جرثومة:
أصل، وكذلك أرومة. ميسمي: علامتي. الصّون: الصيانة والانقباض. شيمتي:
طبيعتي. الهون: الرفق. بون: بعد. بناة: جمع بان، والمجد: الشرف الضخم، وأصله من الإبل المواجد، وهي التي امتلأت بطونها من الرّعي وعظمت. وأمجدها راعيها، إذا رعاها بحيث تمجد، ومجدت وهي تمجد: رعت فامتلأت. وحكى الأصمعيّ قال: أتيت
стр. 241
شعبة يوما؛ وعنده حماد بن سلمة، وهما يتكلّمان في حديث فقال شعبة: يا أبا سلمة، هذا الفتى الذي ذكرت لك فقال حماد؛ يا بنيّ كيف تنشد بيت الحطيئة: «أولئك قوم .. »؟ فابتدأت القصيدة من أوّلها: [الطويل]
ألا طرقتنا بعد ما هجعت هند ... وقد سرن خمسا وائلات بها الجدّ
إلى أن بلغت قوله: [الطويل]
أولئك قوم إن بنوا البنى ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا (١)
فقال لي حماد: يا بنيّ إن العرب تقول: بنى يبني بناء في العمران، ويقولون في الشرف: نبا ينبو نبوا، فأنشد هذا البيت «أحسنوا البنى» فعرفت قدر حمّاد من ذلك فما كنت أنشد إلا كما لقّنني.
قوله: «أرباب الجدّ». أي أصحاب السعد والمال. والعرب تقول: لفلان جدّ من الدّنيا، أي حظ وبخت، قال امرؤ القيس: [الوافر]
* وقاهم جدّهم ببني أبيهم (٢) *
وقال آخر: [الخفيف]
عش بجدّ ولا يضرّك نوك ... إنما عيش من ترى بالجدود (٣)
وجدّ الرّجل: صار له جدّ، وأجدّه الله: جعل له جدّا، وما كنت ذا جدّ، ولقد جددت تجدّ، ورجل جديد: حظيظ من الجدّ والحظّ.
أبو عبيد قوله: «ولا ينفع ذا الجدّ منك الجد»، أي ولا ينفع ذا الغنى منك غناه إنما تنفعه طاعته. يعقوب: أي من كان له حظ في الدنيا لم ينفعه ذلك في الآخرة.
بكتهم: قطع كلامهم وأهانهم. عاف: كره. وصلتهم: اتّصالهم به، والوصلة:
سبب التواصل، وهي في الآدميين ما يصل واحدا بآخر من حبّ وغيره، والوصلة بالفتح:
ما جعلته بين عود وعود، أو حبل وحبل، فوصلتهما به. صلتهم: عطيتهم. حلفة:
يمين. يصاهر: يخاتن. حرفة: صنعة ومكسب، وهي فعلة من الحرف وهو الحرمان،
стр. 242
والمحارف: المحروم، كأنّ صاحبها منع الرزق، فصار يعالج كسبه.
أبو هريرة ﵁، قال ﷺ : «خير الكسب كسب يد العامل إذا نصح» (١).
سهل بن سعد ﵁: قال رسول الله ﷺ : «عمل الأبرار من الرجال الخياطة، ومن النساء الغزل».
***
فقيّض القدر لنصبي ووصبي، أن حضر هذا الخدعة نادى أبي، فأقسم بين رهطه، أنّه وفق شرطه، وادّعى أنّه طالما نظم درّة إلى درّة، فباعهما ببدرة؛ فاغترّ أبي بزخرف محاله؛ وزوّجنيه قبل اختبار حاله، فلمّا استخرجني من كناسي، ورحّلني عن أناسي، ونقلني إلى كسره، وحصّلني تحت أسره، وجدته قعدة جثمة، وألفيته ضجعة نومة. وكنت صحبته برياش وزيّ، وأثاث وريّ، فما برح يبيعه في سوق الهضم، ويتلف ثمنه في الخضم والقضم، إلى أن مزّق حالي بأسره، وأنفق مالي في عسره.
***
قوله: «قيّض»، أي قدّر وساق. نصبي: تعبي. ووصبي: مرضي، ونصب الرجل نصبا. أعيا من التعب، ووصب وصبا: أتعبه المرض، فهو نصب ووصب. الخدعة:
الكثير الخداع لغيره، وبسكون الدال الذي يخدعه غيره كثيرا؛ التحريك للفاعل والسكون للمفعول فيما يأتي على «فعلة» من الصفات. نادى: مجلس. رهطه: قومه، وهو اسم لجماعة من ثلاثة إلى عشرة، ويجمع أرهط وأراهط. وفق شرطه: أي موافق ما اشترط.
نظم درّة، يريد أنه جوهريّ ينظم سلوك اللؤلؤ. بدرة: عشرة آلاف درهم، وأراد بالدّرّة هنا الكلمة، ويعبّر بها عن الحكمة، قال النبيّ ﷺ «لا تدعوا الدّرّة في أفواه الكلاب»، يعني العلم. اغتر: انخدع، وهو افتعل من الغرور. زخرف محاله: تزيين باطله، وأصل زخرف؛ زيّن الشيء بالزخرف وهو الذهب. كناسي: بيتي وأصله للظّبي، وهو من قوله تعالى: الْجَوارِ الْكُنَّسِ [التكوير: ١٦] تشبيها لها بالظباء على ما ذكره ابن قتيبة؛ ويقال له: كناس ومكنس من الكنس، كأنّ الظبية قد كنست مرقدها ووطّأته. رحّلني: نقلني وحملني على الرّحل. كسره: بيته، وأصله جانب بيت الشّعر أو الخباء، لأنّ جانب الخباء قد انكسر عن يمينه. أسره: حبسه. قعدة: كثير القعود. جثمة: كثير الجثوم، وهو ملازمة الموضع. ضجعة: كثير الاضطجاع، وهو الامتداد على الأرض للنوم. نومة: كثير النوم، قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لهم المقت من الله»، وذكر الذي يكثر النّوم بالنهار،
стр. 243
ولم يأخذ من الليل شيئا، وفي حديث آخر: «خير أهل شر الزمان مؤمن نومة» (١). أبو عبيدة: هو الخامل الذّكر الذي لا يعرف الشرّ وأهله، فتريد أنه عاجز قد لازم بيتها، فإن تصرّفت فيه اعترضها ممتدّا، فلا تجد معه راحة. رياش: ثياب، «فعال» من الرّيش، لأنها تكسو البدن كما يكسو الرّيش الطائر. زيّ: هيئة حسنة من اللباس. أثاث: متاع. ريّ:
حالة حسنة، وأصله الهمز، فسهّل وأدغم ليوافق «زيّا» قال ابن الأنباريّ: الأثاث:
المتاع. والرّؤي والرّؤاء: المنظر، وما له رؤاء أي ما له منظر ولا لسان. والحرفان، من رأيت أرى. ما برح: ما زال. الهضم: النّقصان. الخضم: الأكل بالفم كله. والقضم:
الأكل بأطراف الأسنان. مزّق: قطع وأفسد. حالي: غناي، ويروى «ما لي» مكان «حالي»، وما فيه بمعنى الّذي كأنه قال: فرّق الذي لي، ورواية ابن ظفر «بالي» بالباء، وقال: البال: الخاطر، وما لهذا الشيء بال، إذا حقّرته، والبال كالخلد، تقول خطر ببالي، كما تقول: خطر بخلدي ونفسي، وكأنّ هذا هو الأصل. والبال: الحال أيضا، ومنه قوله: [الوافر]
* وخالف بال أهل الدّار بالي*
عسره، أي فقره.
***
فلمّا أنساني طعم الرّاحة، وغادر بيتي أنقى من الرّاحة، قلت له: يا هذا، إنّه لا مخبأ بعد بوس، ولا عطر بعد عروس، فانهض للاكتساب بصناعتك، وأجنني ثمرة براعتك؛ فزعم أنّ صناعته قد رميت بالكساد، لما ظهر في الأرض من الفساد، ولي منه سلالة، كأنّه خلالة، وكلانا ما ينال معه شبعة، ولا ترقأ له من الطّوى دمعه، وقد قدته إليك، وأحضرته لديك، لتعجم عود دعواه، وتحكم بيننا بما أراك الله.
فأقبل القاضي عليه، وقال له: قد وعيت قصص عرسك، فبرهن الآن عن نفسك، وإلّا كشفت عن لبسك، وأمرت بحبسك؛ فأطرق أطراق الأفعوان، ثمّ شمّر للحرب العوان، وقال:
***
الراحة: القرار والعيش الهنيء، وأراد بأنقى من الراحة خلوّ الكف من الشعر.
مخبأ: ستر. بؤس: شدّة وفقر. عطر: طيب.
стр. 244
ولا عطر بعد عروس، مثل يضرب لتأخير الشيء عن وقت الحاجة إليه، وأصله أن رجلا تزوّج امرأة فوجدها تفلة، فقال لها: أين عطرك؟ قالت: خبأته لغير هذا الوقت، فقال لها: لا مخبأ لعطر بعد عروس؛ وبهذا اللفظ روى أبو زيد الأنصاريّ المثل.
البكريّ: عروس رجل كانت عنده ابنة عمّ له، فمات عنها، فتزوّجها بعده ابن عمّ لها آخر، وهي كارهة، وانطلق بها إلى أهله وقد زوّدها طيبا في سفط، فمرّ بها بقبر عروس، فأقبلت تبكيه وترفع صوتها، وتقول: يا عروس الأعراس، ويا شديد الباس؛ مع أشياء لا يعلمها النّاس. فانتهرها زوجها، وقال: ما تلك الأشياء؟ فقالت: كان عن المكارم غير نعّاس، يعمل السيف صبيحة الباس. ثم قالت: يا عروس الأعراس الأزهر، الكريم المحضر، مع أشياء كانت تذكر؛ فازداد زوجها غضبا، وقال: ما تلك الأشياء؟
فقالت: كان عيوفا للخنا والمنكر، طيب النكهة غير أبخر، ثم أخذت السّفط وكسرته على قبر عروس، ثم قالت: لا عطر بعد عروس، فذهب مثلا. فقال زوجها: ارجعي إلى أهلك، أنت طالق، فقالت: إذا أنصرف مغتبطة.
وعن ابن عباس ﵄، أن عروسا هذا رجل من هذيل، وامرأته هذليّة اسمها أسماء.
قوله: «براعتك»، أي جودة تدبيرك. سلالة: ولد صغير كما سلّ من بطن أمه؛ ولهذا سمّي ولد الناقة عند النّتاج قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى: سليل، ثم اتسعوا في السّلالة فقالوا: فلان كريم السّلالة. والخلالة: عود تنقّى به الأضراس من الطعام، شبّهت ولدها به في رقّته. ترقأ: تنقطع. الطّوى: الجوع، وقال النبي ﷺ : «كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يقوت» (١). تعجم: تختبر. دعواه: ما ادّعاه من الصّنعة، وعجمت العود:
عضضته بأسنانك لتعلم قوّته من ضعفه. وعيت: حفظت. قصص عرسك: حديث زوجك. برهن: أظهر حجّتك، والبرهان: الحجّة. لبسك. تخليطك والتباس أمرك.
أطرق: أمال رأسه إلى الأرض ساكتا. الأفعوان: ذكر الأفاعي، وهذا منقول من قول المتلمّس:
فأطرق إطراق الشّجاع ولو رأى ... مساغا لنابيه الشّجاع لصمّما
ووقع لنا في رواية «لناباه»، وهي لغة. شمّر: احتزم. العوان: التي قوتل فيها مرة بعد أخرى، وهي أشدّ، والمرأة العوان: التي علت في السن ولم تهرم. والعوان:
الثيّب، كانت ذات زوج أو لم تكن، وعوّنت المرأة تعوينا، والجمع عون. [المنسرح]
***
اسمع حديثي فإنّه عجب ... يضحك من شرحه وينتحب
стр. 245
أنا امرؤ ليس في خصائصه ... عيب ولا في فخاره ريب
سروج داري الّتي ولدت بها ... والأصل غسّان حين أنتسب
وشغلي الدّرس، والتّبحّر في ال ... علم طلابي، وحبّذا الطّلب
ورأس ما لي سحر الكلام الّذي ... منه يصاغ القريض والخطب
أغوص في لجّة البيان فأخ ... تار اللآلي منها وأنتخب
وأجتني اليانع الجنيّ من ال ... قول، وغيري للعود يحتطب
وآخذ اللّفظ فضّة فإذا ... ما صغته قيل إنه ذهب
وكنت من قبل أمتري نشبا ... بالأدب المنتقى وأحتلب
ويمتطي أخمصي لحرمته ... مراتبا ليس فوقها رتب
وطالما زفّت الصّلات إلى ... ربعي فلم أرض كلّ من يهب
***
قوله: «ينتحب»، أي يبكى، ونحب نحيبا: أعلن بالبكاء. خصائصه: فضائله وما يختصّ به من الأفعال المحمودة. ريب: شكوك. التبحّر: التوسّع. طلابي: أي طلبي، وإنما هو للعلم، وذكر التبحّر واللآلئ والغوص وغير ذلك مجازا؛ وقال النبي ﷺ : «ما انتعل رجل قطّ ولاتخفّف ولا لبس ثوبا ليغدو في طلب علم يتعلمه إلّا غفر الله له حيث يخطو عتبة بيته». روي عن عائشة ﵂ أنّها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من انتعل ليتعلم خيرا غفر الله له قبل أن يخطو».
ابن عباس ﵄، قال النبيّ ﷺ : «الغدوّ والرّواح في تعليم العلم خير عند الله من الجهاد في سبيله».
ابن مسعود ﵁، قال النبيّ ﷺ : «من خرج يطلب بابا من العلم ليردّ به ضلالا إلى هدى، أو باطلا إلى حق، كان كعبادة متعبد أربعين سنة».
قوله: «يصاغ»، أي يصنع. القريض: الشعر، أغوص: أغيب في الماء إلى قعره.
واللّجة: معظم الماء، جعله للبيان مجازا. اللآلئ: جمع لؤلؤة أنتخب: أختار. وقال المسيب بن علس في وصف الغائص وانتخابه الدرة وتشبيه المرأة بها: [الكامل]
كجمانة البحريّ جاء بها ... غوّاصها من لجّة البحر (١)
نصف النهار الماء غامره ... وشريكه بالغيب ما يدري
стр. 246
فأصاب منيته فجاء بها ... صدفيّة كمضيئة الجمر
يعطى بها ثمنا فيمنعها ... ويقول صاحبه: ألا تشري!
وترى الصّراري يسجدون لها ... ويضمّها بيديه للنحر
وقال عبد الرحمن بن حسان: [الخفيف]
وهي بيضاء مثل جوهرة الغ ... وّاص ميّزت من جوهر مكنون (١)
وقال النابغة: [الكامل]
أو درّة صدفيّة غواصها ... بهج متى يرها يهلّ ويسجد (٢)
قوله: «اليانع» أي الناعم. الجنيّ: الطريّ. أمتري نشبا، أي أستخرج مالا، ومريت ضرع الناقة: مسحته وحككته ليدرّ اللبن. والنّشب، قيل: هو العقار وما لا ينقل، وكأنّ مالكه قد نشب إليه حيث لا ينتقل به، كالذي ماله الماشية أو الذهب والفضة. المنتقى:
المختار، ويروى «المقتنى»، وهو المكتسب. ويقال: احتلب وحلب حلبا، والحليب:
اللبن، وهو الحلاب، والحلاب أيضا: الإناء يحلب فيه، وأصله السّيلان. وتحلّب الضّرع: سال وانحلبت عينه: سال دمعها. يمتطي: يركب. أخمصي: باطن قدمي، وهو ما ضمر منها وارتفع عن الأرض. لحرمته: أي لرفعته وشرفه. مراتبا: منازلا: والمرتبة منزلة الشرف، من الرتب وهو ما أشرف من الأرض. والرّتب: جمع رتبة، وهي بمعنى المرتبة، وأصل الرّتب الدّرج تقطع في الحجر ليصعد بها إلى أعلى الجبل، ومنه رتب كلامه، إذا أتبع بعضه بعضا على نظام واعتدال. زفّت: حملت، من زففت العروس إلى زوجها إذا أهديتها له. الصّلات: العطايا. ربعي: منزلي. لم أرض كلّ من يهب، أي لا أرضى أن أكون تحت منّة كل أحد. [المنسرح]
***
فاليوم من يعلق الرّجاء به ... أكسد شيء في سوقه الأدب
لا عرض أبنائه يصان ولا ... يرقب فيهم إلّ ولا نسب
كأنّهم في عراصهم جيف ... يبعد من نتنها ويجتنب
стр. 247
فحار لبّي لما منيت به ... من اللّيالي وصرفها عجب
وضاق ذرعي لضيق ذات يدي ... وساورتني الهموم والكرب
وقادني دهري المليم إلى ... سلوك ما يستشينه الحسب
فبعت حتى لم يبق لي سبد ... ولا بتات إليه أنقلب
وادّنت حتى أثقلت سالفتي ... بحمل دين من دونه العطب
ثمّ طويت الحثى على سغب ... خمسا فلمّا أمضّني السّغب
لم أر إلّا جهازها عرضا ... أجول في بيعه وأضطرب
***
من يعلق: معنى من استفهام. يرقب: يرعى. إلّ: قرابة، وإلّ: بقاء عهد.
وسبب: معرفة وصحبه، والسبب: العلم، ومنه: وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً [الكهف:
٨٤]؛ وأصله الحبل؛ ثم يستعمل في كل ما يربط شيئا بشيء، من كلام أو غيره.
عراصهم: مواضعهم، وأصل العرصة، فناء الدار. يقال: لبّ الرّجل يلبّ لبابة، ورجل ملبوب: موصوف باللّبابة، ولبّ كل شيء من الثمار ولبابه: داخله، ولبّ كل شيء:
خالصه. منيت: ابتليت وقدّر لي. صرفها: تقلّبها وتصرّفها بما يكره. ذرعي: كناية عن صدري وخلقي، وأصل الذّرع كيل الشيء بالذّراع؛ ثم صار مثلا، يقال: ضاق ذرعي بكذا إذا لم تحتمله وضاق تصرّفك فيه. ذات يدي، أي مالي. ساورتني: واثبتني.
الكرب: الهموم، وكرّرها لاختلاف اللفظ. المليم: الذي أتى بما يلام عليه. سلوك:
دخول. يستشينه: يستعيبه، والشّين: العيب. لبد: شيء لا قليل ولا كثير، وأصله الصّوف، وأكثر ما يستعمل مزدوجا مع سبد؛ يقال: ما عنده سبد ولا لبد، أي لا شعر ولا صوف، ويراد بها نفي الإبل والغنم، ثم صار نفيا لكلّ شيء من المال. بتات: زاد.
أنقلب: أرجع.
ادّنت: أخذت بالدّين، وفي حديث عمر: «فادّان معرضا» (١). والسالفة: صفحة العنق، يريد أن هذا الدّين لثقله ومقاساة همومه فوق العطب، والعطب: الذي هو الهلاك دونه في الشدّة. عائشة ﵂: قال النبي ﷺ : «إذا أراد الله أن يذلّ عبده ابتلاه بالدّين وجعله في عنقه»، وقال أنس ﵁: قال النبيّ ﷺ : «إياكم والدّين فإنه همّ بالليل ومذلّة بالنهار»، وروى جابر ﵁، قال النبي ﷺ : «لا همّ إلا همّ الدّين ولا وجع إلا وجع العين».
الحشى: أسقاط الجوف. سغب: جوع. أمضّني: أحرقني. جهازها: متاعها الذي
стр. 248
جاءتني به، والجهاز، متاع البيت، يريد شوارها، عرضا، أراد «عرضا» فحركه ضرورة، والعرض الأمتعة هنا، أخبرني بهذا من يوثق به في اللغة: والعرض خلاف النقد مشهور في اللغة. وفي العين: العرض، بفتح الراء: كثرة المال، فيقول: لمّا لم يبق لي مال لم أر مالا إلا جهازها، فيكون على هذا أتمّ معنى، ويخرج عن الضرورة التي ألزمته ذلك التحريك. أحول: أتصرّف. أضطرب: أكثر الترداد والتصرّف. [المنسرح]
***
فجلت فيه والنّفس كارهه ... والعين عبرى والقلب مكتئب
وما تجاوزت إذ عبثت به ... حدّ التّراضي فيحدث الغضب
فإن يكن غاظها توهّمها ... أنّ بناني بالنّظم تكتسب
أو أنّني إذ عزمت خطبتها ... زخرفت قولي لينجح الأرب
فو الّذي سارت الرّفاق إلى ... كعبته تستحثّها النجب
ما المكر بالمحصنات من شيمي ... ولا شعاري التّمويه والكذب
ولا يدي مذ نشأت نيط بها ... إلّا مواضي اليراع والكتب
بل فكرتي تنظم القلائد لا ... كفّي، وشعري المنظوم لا السّخب
فهذي الحرفة المشار إلى ... ما كنت أحوي بها وأجتلب
فأذن لشرحي كما أذنت لها ... ولا تراقب واحكم بما يجب
***
عبرى: باكية. مكتئب: حزين. عبثت: لعبت وتحكّمت فيه؛ يقول: ما تصرّفت في بيعه إلا برضا منها ومنى. قوله: «توهّمها»، أي ظنها. خطبتها: مراسلتها في النكاح.
لينجح الأرب: لتقضى الحاجة. تستحثّها: تستعجلها. النّجب: الإبل الكرام. المكر:
الخداع، المحصنات: العفائف. شيمي: طبائعي. شعاري: علامتي: التمويه، تقدّم في الثامنة. نيط: علق، وناط الشيء نوطا: علّقه. اليراع: الأقلام. والمواضي: المسرعة في الكتابة؛ يريد أنه فصيح لا يتوقّف قلمه. السّخب: جمع سخاب، وهي قلادة قرنفل ليس فيها جوهر ولا لؤلؤ. قال ابن ظفر: السّخب: العقود من اللؤلؤ وغيره، ومن الطّيب أيضا. أحوى: أحوز وأجمع.
فأذن: اسمع. لا تراقب: لا ترع منّا أحدا ولا تؤثره على صاحبه واحكم بيننا بما يجب؛ وأخذ معنى الأبيات المتقدمة من قول ابن هرمة:
إني امرؤ لا أصوغ الحلي تعمله ... كفّاي لكن لساني صائغ الكلم
وقال آخر: [الطويل]
стр. 249
وإني لنظّام القلائد للعلى ... ولست بنظّام القلائد للنّحر
***
قال: فلمّا أحكم ما شاده، وأكمل إنشاده، عطف القاضي إلى الفتاة، بعد أن شعف بالأبيات، وقال: أما أنّه قد ثبت عند جميع الحكّام، وولاة الأحكام، انقراض جيل الكرام، وميل الأيّام إلى اللّئام، وأبي لإخال بعلك صدوقا في الكلام، بريّا من الملام، وها هو قد اعترف لك بالقرض، وصرّح عن المحض.
وبيّن مصداق النّظم، وتبيّن أنّه معروق العظم؛ وإعنات المعذر ملأمة، وحبس المعسر مالمة، وكتمان الفقر زهادة، وانتظار الفرج بالصّبر عبادة، فارجعي إلى خدرك، واعذري أبا عذرك، ونهنهي من غربك، وسلّمي لقضاء ربّك. ثمّ إنّه فرض لهما في الصّدقات حصّة، وناولهما من دراهمهما قبضة، وقال لهما: تعلّلا بهذه العلالة، وتندّيا بهذه البلالة. واصبرا على كيد الزّمان وكدّه، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده. فنهضا وللشّيخ فرحة المطلق من الإسار، وهزّة الموسر بعد الإعسار.
***
قول: «أحكم»، أي أتقن. شاده: بناه وزيّنه، وشاد البناء: أطاله وعمله بالشّيد، وهو الجصّ، ويقال: فيه: أشاد، ويقال: شاد عمله بالشّيد وأشاده: أطاله، هو الأول، وأشاد الحديث: رفعه، وعطف: ثنى عنقه وردّها، وكل ما تثنيه من عنق أو جارحة أو عود فقد عطفته. شعف: أعجب. انقراض: انقطاع وهلاك. جيل: صنف، وجيلك:
أهل عصرك بعلك: زوجك؛ وبعل الرجل بعولة: تزوّج. والقرض: السّلف، أراد به ما أعطته من ثمن جهازها سلفا. صرّح: بيّن. وصرّح عن المحض، مثل يضرب لسرّ الأمر، إذا انكشف، وقالوا: أمر صراح، أي منكشف ظاهر، والصريح من اللبن: المحض الخالص الذي لا رغوة فيه، قال الشاعر: [الوافر]
* وتحت الرّغوة اللّبن الصّريح (١) *
стр. 250
ثم قالوا: لكل شيء خالص: صريح. وقوله: «بيّن مصداق النظم»، يريد أن نظمه إنما هو للشعر لا للجوهر. معروق: لا لحم على عظمه، أي هو فقير إعنات: مشقة.
المعذر: الذي يجهد نفسه في الشّيء ثم لا يستطيعه، يقال: قد أعذر، أي قد بيّن عذره أنّه لا يقدر عليه، وعذّر فهو معذّر، إذا قصّر في طلب الشيء، قال تعالى: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ [التوبة: ٩٠]، وقال ابن دريد:
* حكم المعذّر غير حكم المعذر*
الملائمة والمأثمة: اللؤم والإثم. والمعسر: الفقير: والزهادة: قلّة الرغبة، قال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «من جاع واحتاج فكتمه الناس وأنزله بالله، كان حقّا على الله أن يفتح عليه رزق سنة من حلال».
وعن ابن عمر ﵄، أن النبيّ ﷺ قال: «انتظار الفرج بالصبر عبادة».
وقال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : «ما صبر أهل بيت على جهد ثلاثا إلا أتاهم الله برزق».
خدرك: بيتك، وأصله السّتر يكون خلفه الجارية المحجوبة. أبا عذرك: زوجك المفتضّ لك. نهنهي: كفّي غربك: حدّة لسانك. وقيل: معنى «نهنهي من غربك»، أي غيّضي من دموعك، والغرب: فيض الدمع، والأوّل أشبه. سلّمي: انقادي. فرض، أي أوجب. حصّة: نصيب. ناولهما: أعطاهما. قبضة: ما أخذت بأطراف أصابعك.
العلالة: الشيء القليل. تعلّلا: خذا منه شيئا بعد شيء، وكذلك تندّيا، وأصل العلالة بقية الماء في الإناء، وبقيّة اللبن في الضّرع بعد الحلب، قال الرجز: [الرجز]
* يرضعها الدّرة والعلالة (١) *
والبلالة: الندى القليل يبلّ وجه الأرض. كيد: مكر. كدّه: جهده وأنشد أبو محجن الثقفيّ: [الطويل]
عسى فرج يأتي به الله إنّه ... له كلّ يوم في خليقته أمر (٢)
عسى ما ترى ألّا يدوم وأن ترى ... له فرجا مما ألحّ به الدهر