فأصاب منيته فجاء بها ... صدفيّة كمضيئة الجمر
يعطى بها ثمنا فيمنعها ... ويقول صاحبه: ألا تشري!
وترى الصّراري يسجدون لها ... ويضمّها بيديه للنحر
وقال عبد الرحمن بن حسان: [الخفيف]
وهي بيضاء مثل جوهرة الغ ... وّاص ميّزت من جوهر مكنون (١)
وقال النابغة: [الكامل]
أو درّة صدفيّة غواصها ... بهج متى يرها يهلّ ويسجد (٢)
قوله: «اليانع» أي الناعم. الجنيّ: الطريّ. أمتري نشبا، أي أستخرج مالا، ومريت ضرع الناقة: مسحته وحككته ليدرّ اللبن. والنّشب، قيل: هو العقار وما لا ينقل، وكأنّ مالكه قد نشب إليه حيث لا ينتقل به، كالذي ماله الماشية أو الذهب والفضة. المنتقى:
المختار، ويروى «المقتنى»، وهو المكتسب. ويقال: احتلب وحلب حلبا، والحليب:
اللبن، وهو الحلاب، والحلاب أيضا: الإناء يحلب فيه، وأصله السّيلان. وتحلّب الضّرع: سال وانحلبت عينه: سال دمعها. يمتطي: يركب. أخمصي: باطن قدمي، وهو ما ضمر منها وارتفع عن الأرض. لحرمته: أي لرفعته وشرفه. مراتبا: منازلا: والمرتبة منزلة الشرف، من الرتب وهو ما أشرف من الأرض. والرّتب: جمع رتبة، وهي بمعنى المرتبة، وأصل الرّتب الدّرج تقطع في الحجر ليصعد بها إلى أعلى الجبل، ومنه رتب كلامه، إذا أتبع بعضه بعضا على نظام واعتدال. زفّت: حملت، من زففت العروس إلى زوجها إذا أهديتها له. الصّلات: العطايا. ربعي: منزلي. لم أرض كلّ من يهب، أي لا أرضى أن أكون تحت منّة كل أحد. [المنسرح]
***
فاليوم من يعلق الرّجاء به ... أكسد شيء في سوقه الأدب
لا عرض أبنائه يصان ولا ... يرقب فيهم إلّ ولا نسب
كأنّهم في عراصهم جيف ... يبعد من نتنها ويجتنب
стр. 247
فحار لبّي لما منيت به ... من اللّيالي وصرفها عجب
وضاق ذرعي لضيق ذات يدي ... وساورتني الهموم والكرب
وقادني دهري المليم إلى ... سلوك ما يستشينه الحسب
فبعت حتى لم يبق لي سبد ... ولا بتات إليه أنقلب
وادّنت حتى أثقلت سالفتي ... بحمل دين من دونه العطب
ثمّ طويت الحثى على سغب ... خمسا فلمّا أمضّني السّغب
لم أر إلّا جهازها عرضا ... أجول في بيعه وأضطرب
***
من يعلق: معنى من استفهام. يرقب: يرعى. إلّ: قرابة، وإلّ: بقاء عهد.
وسبب: معرفة وصحبه، والسبب: العلم، ومنه: وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً [الكهف:
٨٤]؛ وأصله الحبل؛ ثم يستعمل في كل ما يربط شيئا بشيء، من كلام أو غيره.
عراصهم: مواضعهم، وأصل العرصة، فناء الدار. يقال: لبّ الرّجل يلبّ لبابة، ورجل ملبوب: موصوف باللّبابة، ولبّ كل شيء من الثمار ولبابه: داخله، ولبّ كل شيء:
خالصه. منيت: ابتليت وقدّر لي. صرفها: تقلّبها وتصرّفها بما يكره. ذرعي: كناية عن صدري وخلقي، وأصل الذّرع كيل الشيء بالذّراع؛ ثم صار مثلا، يقال: ضاق ذرعي بكذا إذا لم تحتمله وضاق تصرّفك فيه. ذات يدي، أي مالي. ساورتني: واثبتني.
الكرب: الهموم، وكرّرها لاختلاف اللفظ. المليم: الذي أتى بما يلام عليه. سلوك:
دخول. يستشينه: يستعيبه، والشّين: العيب. لبد: شيء لا قليل ولا كثير، وأصله الصّوف، وأكثر ما يستعمل مزدوجا مع سبد؛ يقال: ما عنده سبد ولا لبد، أي لا شعر ولا صوف، ويراد بها نفي الإبل والغنم، ثم صار نفيا لكلّ شيء من المال. بتات: زاد.
أنقلب: أرجع.
ادّنت: أخذت بالدّين، وفي حديث عمر: «فادّان معرضا» (١). والسالفة: صفحة العنق، يريد أن هذا الدّين لثقله ومقاساة همومه فوق العطب، والعطب: الذي هو الهلاك دونه في الشدّة. عائشة ﵂: قال النبي ﷺ : «إذا أراد الله أن يذلّ عبده ابتلاه بالدّين وجعله في عنقه»، وقال أنس ﵁: قال النبيّ ﷺ : «إياكم والدّين فإنه همّ بالليل ومذلّة بالنهار»، وروى جابر ﵁، قال النبي ﷺ : «لا همّ إلا همّ الدّين ولا وجع إلا وجع العين».
الحشى: أسقاط الجوف. سغب: جوع. أمضّني: أحرقني. جهازها: متاعها الذي
стр. 248
جاءتني به، والجهاز، متاع البيت، يريد شوارها، عرضا، أراد «عرضا» فحركه ضرورة، والعرض الأمتعة هنا، أخبرني بهذا من يوثق به في اللغة: والعرض خلاف النقد مشهور في اللغة. وفي العين: العرض، بفتح الراء: كثرة المال، فيقول: لمّا لم يبق لي مال لم أر مالا إلا جهازها، فيكون على هذا أتمّ معنى، ويخرج عن الضرورة التي ألزمته ذلك التحريك. أحول: أتصرّف. أضطرب: أكثر الترداد والتصرّف. [المنسرح]
***
فجلت فيه والنّفس كارهه ... والعين عبرى والقلب مكتئب
وما تجاوزت إذ عبثت به ... حدّ التّراضي فيحدث الغضب
فإن يكن غاظها توهّمها ... أنّ بناني بالنّظم تكتسب
أو أنّني إذ عزمت خطبتها ... زخرفت قولي لينجح الأرب
فو الّذي سارت الرّفاق إلى ... كعبته تستحثّها النجب
ما المكر بالمحصنات من شيمي ... ولا شعاري التّمويه والكذب
ولا يدي مذ نشأت نيط بها ... إلّا مواضي اليراع والكتب
بل فكرتي تنظم القلائد لا ... كفّي، وشعري المنظوم لا السّخب
فهذي الحرفة المشار إلى ... ما كنت أحوي بها وأجتلب
فأذن لشرحي كما أذنت لها ... ولا تراقب واحكم بما يجب
***
عبرى: باكية. مكتئب: حزين. عبثت: لعبت وتحكّمت فيه؛ يقول: ما تصرّفت في بيعه إلا برضا منها ومنى. قوله: «توهّمها»، أي ظنها. خطبتها: مراسلتها في النكاح.
لينجح الأرب: لتقضى الحاجة. تستحثّها: تستعجلها. النّجب: الإبل الكرام. المكر:
الخداع، المحصنات: العفائف. شيمي: طبائعي. شعاري: علامتي: التمويه، تقدّم في الثامنة. نيط: علق، وناط الشيء نوطا: علّقه. اليراع: الأقلام. والمواضي: المسرعة في الكتابة؛ يريد أنه فصيح لا يتوقّف قلمه. السّخب: جمع سخاب، وهي قلادة قرنفل ليس فيها جوهر ولا لؤلؤ. قال ابن ظفر: السّخب: العقود من اللؤلؤ وغيره، ومن الطّيب أيضا. أحوى: أحوز وأجمع.
فأذن: اسمع. لا تراقب: لا ترع منّا أحدا ولا تؤثره على صاحبه واحكم بيننا بما يجب؛ وأخذ معنى الأبيات المتقدمة من قول ابن هرمة:
إني امرؤ لا أصوغ الحلي تعمله ... كفّاي لكن لساني صائغ الكلم
وقال آخر: [الطويل]
стр. 249
وإني لنظّام القلائد للعلى ... ولست بنظّام القلائد للنّحر
***
قال: فلمّا أحكم ما شاده، وأكمل إنشاده، عطف القاضي إلى الفتاة، بعد أن شعف بالأبيات، وقال: أما أنّه قد ثبت عند جميع الحكّام، وولاة الأحكام، انقراض جيل الكرام، وميل الأيّام إلى اللّئام، وأبي لإخال بعلك صدوقا في الكلام، بريّا من الملام، وها هو قد اعترف لك بالقرض، وصرّح عن المحض.
وبيّن مصداق النّظم، وتبيّن أنّه معروق العظم؛ وإعنات المعذر ملأمة، وحبس المعسر مالمة، وكتمان الفقر زهادة، وانتظار الفرج بالصّبر عبادة، فارجعي إلى خدرك، واعذري أبا عذرك، ونهنهي من غربك، وسلّمي لقضاء ربّك. ثمّ إنّه فرض لهما في الصّدقات حصّة، وناولهما من دراهمهما قبضة، وقال لهما: تعلّلا بهذه العلالة، وتندّيا بهذه البلالة. واصبرا على كيد الزّمان وكدّه، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده. فنهضا وللشّيخ فرحة المطلق من الإسار، وهزّة الموسر بعد الإعسار.
***
قول: «أحكم»، أي أتقن. شاده: بناه وزيّنه، وشاد البناء: أطاله وعمله بالشّيد، وهو الجصّ، ويقال: فيه: أشاد، ويقال: شاد عمله بالشّيد وأشاده: أطاله، هو الأول، وأشاد الحديث: رفعه، وعطف: ثنى عنقه وردّها، وكل ما تثنيه من عنق أو جارحة أو عود فقد عطفته. شعف: أعجب. انقراض: انقطاع وهلاك. جيل: صنف، وجيلك:
أهل عصرك بعلك: زوجك؛ وبعل الرجل بعولة: تزوّج. والقرض: السّلف، أراد به ما أعطته من ثمن جهازها سلفا. صرّح: بيّن. وصرّح عن المحض، مثل يضرب لسرّ الأمر، إذا انكشف، وقالوا: أمر صراح، أي منكشف ظاهر، والصريح من اللبن: المحض الخالص الذي لا رغوة فيه، قال الشاعر: [الوافر]
* وتحت الرّغوة اللّبن الصّريح (١) *
стр. 250
ثم قالوا: لكل شيء خالص: صريح. وقوله: «بيّن مصداق النظم»، يريد أن نظمه إنما هو للشعر لا للجوهر. معروق: لا لحم على عظمه، أي هو فقير إعنات: مشقة.
المعذر: الذي يجهد نفسه في الشّيء ثم لا يستطيعه، يقال: قد أعذر، أي قد بيّن عذره أنّه لا يقدر عليه، وعذّر فهو معذّر، إذا قصّر في طلب الشيء، قال تعالى: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ [التوبة: ٩٠]، وقال ابن دريد:
* حكم المعذّر غير حكم المعذر*
الملائمة والمأثمة: اللؤم والإثم. والمعسر: الفقير: والزهادة: قلّة الرغبة، قال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «من جاع واحتاج فكتمه الناس وأنزله بالله، كان حقّا على الله أن يفتح عليه رزق سنة من حلال».
وعن ابن عمر ﵄، أن النبيّ ﷺ قال: «انتظار الفرج بالصبر عبادة».
وقال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : «ما صبر أهل بيت على جهد ثلاثا إلا أتاهم الله برزق».
خدرك: بيتك، وأصله السّتر يكون خلفه الجارية المحجوبة. أبا عذرك: زوجك المفتضّ لك. نهنهي: كفّي غربك: حدّة لسانك. وقيل: معنى «نهنهي من غربك»، أي غيّضي من دموعك، والغرب: فيض الدمع، والأوّل أشبه. سلّمي: انقادي. فرض، أي أوجب. حصّة: نصيب. ناولهما: أعطاهما. قبضة: ما أخذت بأطراف أصابعك.
العلالة: الشيء القليل. تعلّلا: خذا منه شيئا بعد شيء، وكذلك تندّيا، وأصل العلالة بقية الماء في الإناء، وبقيّة اللبن في الضّرع بعد الحلب، قال الرجز: [الرجز]
* يرضعها الدّرة والعلالة (١) *
والبلالة: الندى القليل يبلّ وجه الأرض. كيد: مكر. كدّه: جهده وأنشد أبو محجن الثقفيّ: [الطويل]
عسى فرج يأتي به الله إنّه ... له كلّ يوم في خليقته أمر (٢)
عسى ما ترى ألّا يدوم وأن ترى ... له فرجا مما ألحّ به الدهر
стр. 251
إذا اشتدّ عسر فارج يسرا فإنه ... قضى الله أنّ العسر يتبعه اليسر
الإسار: الحبل يشدّ به الأسير. هزّة: طرب. الموسر: الغنيّ. الإعسار: الفقر، وسئل حكيم: أيّ الأشياء أحلى؟ قال: النّصرة على العدوّ بعد الهزيمة، والاستغناء بعد الحاجة، والغلبة للمتكلم.
***
قال الرّاوي: وكنت عرفت أنّه أبو زيد ساعة بزغت شمسه، ونزغت عرسه، وكدت أفصح عن افتنانه؛ وإثمار أفنانه؛ ثمّ أشفقت من عثور القاضي على بهتانه، وتزويق لسانه، فلا يرى عند عرفانه، أن يرشّحه لإحسانه، فأحجمت عن القول إحجام المرتاب، وطويت ذكره كطيّ السّجلّ للكتاب، إلّا أنّي قلت بعد ما فصل، ووصل إلى ما وصل: لو أنّ لنا من ينطلق في أثره، لأتانا بفصّ خبره، وبما ينشر من حبره! فأتبعه القاضي أحد أمنائه، وأمره بالتّجسّس عن أنبائه، فما لبث أن رجع متدهدها، وقهقر مقهقها، فقال له القاضي: مهيم، يا أبا مريم، فقال: لقد عاينت عجبا، وسمعت ما أنشأ لي طربا، فقال له: ماذا رأيت، والّذي وعيت!
***
قوله: «بزغت»، أي طلعت. ونزغت: نشزت وقابلته بالشرّ والذّكر القبيح، وأراد أنّه عرفه حين ساقته زوجته إلى القاضي. أفصح: أبين. افتنانه: تنوّعه. إثمار: إخراج الثمر، وهو حمل كلّ شجرة. أفنانه: أغصانه. أشفقت: خافت. عثور: ظهور، وعثر على الأمر: اطّلع عليه. بهتانه: باطله وكذبه. تزويق: تزيين، وهو من الزّاووق الذي يعرفه العامة بالزّواق، أي أنه تزيين في الظاهر، وليس له ثبات. عرفانه: تقدّم معرفته.
يرشّحه: يهيئه، وفلان يرشّح لكذا، أي يؤهّل له، من رشّحت الأم ولدها باللبن، إذا جعلته في فيه شيئا بعد شيء حتى يقوى، وقيل: الترشيح: التربية، وقيل: هو تحنّن الأمّ على ولدها من الشدّة. أحجمت: تأخّرت. المرتاب: صاحب الريبة. طويت: سترت.
السّجل: الورق. والكتاب: المكتوب فيها، وقوله تعالى: كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء: ١٠٤]، قيل: السّجلّ: اسم كاتب للنبيّ ﷺ ، وقيل: ملك من السماء الثالثة ترفع إليه الحفظة أعمال العباد كلّ خميس واثنين. فصل: زال وانفصل بفصّ خبره:
بحقيقة أمره. ينشر: يظهر. حبّره: حسّن كلامه، وأصله ثياب يمانية مزيّنة، ونشرها:
حلّها من طيّها. التجسّس: البحث. أنبائه: أخباره ما لبث، أي ما أقام، والمعنى ما أبطأ شيئا حتى رجع. متدهدها: متحرّكا، والتدهده: قذفك الحجر من أعلى إلى أسفل.
قهقر: رجع إلى خلف. مقهقها: مبالغا في الضحك، والقهقهة: حكاية صوت الضاحك.
стр. 252
مهيم: كلمة استفهام، معناها: ما الأمر؟ عاينت: رأيت. أنشأ: أحدث، وتقديره:
سمعت شيئا أحدث لي ذلك الشيء المسموع الطّرب، ولا يكون «أنشأ» فعلا لأبي زيد، إنما هو فعل ل «ما» من قوله: «ما أنشأ». وعيت: حفظت.
***
قال: ولم يزل الشيخ مذ خرج يصفّق بيديه، ويخالف بين رجليه، ويغرّد بملء شدقيه، ويقول: [مجزوء الرمل]
كدت أصلى ببليّه ... من وقاح شمّريّه
وأزور السّجن لولا ... حاكم الإسكندريّة
فضحك القاضي حتّى هوت دنينته، وذوت سكينته، فلمّا فاء إلى الوقار، وعقّب الاستغراب بالاستغفار، قال: اللهمّ بحرمة عبادك المقرّبين، حرّم حبسي على المتأدّبين. ثم قال لذلك الأمين: عليّ به، فانطلق مجدّا في طلبه. ثمّ عاد بعد لايه، مخبّرا بنأيه، فقال له القاضي: أما إنّه لو حضر، لكفي الحذر، ثمّ لأوليته ما هو به أولى، ولأريته أنّ الآخرة خير له من الأولى.
قال الحارث بن همام: فلمّا رأيت صغو القاضي إليه، وفوت ثمرة التنبيه عليه، غشيتني ندامة الفرزدق حين أبان النّوار، والكسعيّ لمّا استبان النّهار.
***
يصفّق بيديه: يضرب بكفيه. يخالف بين رجليه: يعبث بهما في مشيه فيضع كلّ رجل موضع الأخرى، وهي من أنواع الرقص؛ أراد أنه يضرب بكفّيه ويرقص. يغرّد:
يغنّي. بملء شدقيه، أي بصوت شديد تمتلئ به أشداقه.
وملء القدح: قدر ما يملؤه. أبو يعقوب: يقال: أعطني ملء القدح ماء، وأعطني ملئيه، وأعطني ثلاثة أملائه.
أصلي ببليّة، أي قربت أن أحترق بها وأتصلّى بها، والبليّة: المصيبة يبتلى بها، وقاح، جمع وقاحة، وهي صلابة الوجه، وأصلها من الحافر الصّلب، وقال بعضهم في صلابة الوجه: [السريع]
لا يعمل المبرد في وجه ... بل وجهه يعمل في المبرد
فجعل وجهه لصلابته يؤثّر في الحديد. شمّريّة، أي شديدة القحة، قال الأصمعي:
سألت أعرابيّا، وقد خرج من الصّلاة: ما قرأ الإمام؟ قال: ما أدري إلا أنه وقع بين موسى وفرعون شمّريّة. هوت: سقطت. دنينته: قلنسوته، وهذه اللفظة إنما وقعت في
стр. 253
المقامات بفتح الدال وكسر النون، ودنينته بنونين لتوافق «سكينته»، والصحيح حذف نونها الثانية وكسر الأولى، وهي قلنسوة محدّدة الطرف يلبسها القضاة والأكابر، وليست من كلام العرب، إنما هي من الألفاظ المستعملة في العراق، وقد استعملها شعراؤهم، قال ابن لنكك: [البسيط]
نفسي تقيك أبا الهندام يا أملي ... إنّي بكلّ الذي ترضاه لي راضي
ما كان أيرى فقيها إذ ظفرت به ... فكيف ألبسته دينيّة القاضي
وقال الصابي: [مجزوء الرجز]
وفوقه دينيّة ... تذهب طورا وتجي
ذوت: زالت وخفيت. سكينته: وقاره، وأصل ذوى، في الشيء الذي فيه بلل وندوّة، فيجفّ بلله، فاستعاره للسكينة. فاء: رجع. وعقّب: أتبع. الاستغراب: كثرة الضحك، حتى تدمع العينان؛ أراد أنه أتبع ضحكه الاستغفار ليكون كفّارة له، وهذا الذي حكي عن القاضي يحكى مثاله عن الحجاج، يقال: إنه كان إذا استغرب ضحكا يوالي من الاستغفار.
وقال عبد الله بن مسعود: في كتاب الله آيتان ما أصاب عبد ذنبا فقرأهما ثم استغفر الله إلا غفر له الأولى: قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ... [آل عمران: ١٣٥]، والثانية قوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ... [النساء: ١١٠] الآية.
قال أبو سعيد الخدريّ ﵁: من قال: «أستغفر الله الّذي لا إله إلّا هو الحيّ القيوم وأتوب إليه» خمس مرّات، غفر له ولو فرّ من الزحف.
شدّاد بن أوس ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: «سيّد الاستغفار أن تقول:
اللهمّ أنت ربي لا إله إلا أنت وأنا عبدك أصبحت على عهدك ووعدك ما استطعت. أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوء بنعمتك عليّ، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» (١).
وأصل غفر واستغفر غطّى. قال قطرب: اللهمّ اغفر لنا ذنوبنا، أي غطّها، من قول العرب: غفرت المتاع في الوعاء أغفره غفرا، أي غطّيته. ثعلب: غفر الرجل في مرضه يغفر غفرا، أي نكس، فكأنّ المرض غطّى عليه. وقال الأصمعي ﵀: اللهم اغفر لنا ذنوبنا، أي استرها علينا، ومنه: اصبغ ثوبك، فإنه أغفر للوسخ، أي أستر، وهذه معان متقاربة.
стр. 254
قوله: «عليّ به»، أي جئني به. مجدّا: مجتهدا في طلبه. لأيه: إبطائه. نأيه:
بعده. الحذر: الخوف. أوليته، بمعنى وليته وأعطيته. أولى: أحقّ، يريد أنه لو رجع إليه كان يصله في المرّة الثانية بما هو خير مما وصله به أوّل مرة. قوله: «صغو»، أي ميل.
فوت: ذهاب. التنبيه: الإعلام. غشيتني: غطتني. ولحقتني. أبان: طلّق. النّوار: بنت عم الفرزدق وزوجه. استبان: تبيّن.
وقال الشاعر: [الطويل]
لو أنّ صدور الأمر تبرز للفتى ... كأعقابه لم تلفه يتندّم (١)
[الفرزدق وبعض أخباره]
والفرزدق اسمه همام بن غالب بن صعصعة، دارميّ من أشراف تميم، والفرزدق لقّب به لجهومة وجهه وغلظه، والفرزدق: قطعة العجين، وقيل: الرغيف الضخم.
وخبره مع النوّار بنت أعين المجاشعيّ، أنه خطبها رجل من قريش أو من دارم، فبعثت إلى الفرزدق أن يكون وليّها إذا كان ابن عمها، فقال: إنّ بالشّام من هو أقرب إليك مني ولاء، وأنا حذر من أن يقدم منهم قادم، فينكر ذلك عليّ، فاشهدي أنك جعلت أمرك إليّ. فجعلت له أمرها أن يزوّجها ممن يرى، وأشهدت له بذلك، فقال لها:
أرسلي إلى القوم أزوّجك ممّن خطبك. فلما غصّ مسجد بني مجاشع ببني تميم جاء الفرزدق، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: قد علمتم أن النّوار ولّتني أمرها، وأشهدكم أنّي قد زوّجتها من نفسي، فنشزت عليه ونافرته من البصرة إلى عبد الله بن الزبير بمكّة حين أعياها أمراء البصرة، أن يطلقوها منه. وأعياها الشهود أن يشهدوا لها اتقاء من شرّه، فلم يقدر أحد على حملها، حتى تحمّلها قوم من بني عديّ، يقال لهم بنو نسير إلى مكة، فصحبتهم النّوار، فقال الفرزدق: [الطويل]
وقد سخطت منّي النّوار الذي ارتضى ... به قبلها الأزواج، خاب رحيلها (٢)
أطاعت بني أمّ النّسير فأصبحت ... على شارف ورقاء صعب ذلولها
وإن امرأ يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشّرى يستبيلها
ومن دون أبوال الأسود بسالة ... وبسطة أيد يمنع الضيم طولها
وإنّ أمير المؤمنين لعالم ... بتأويل ما وصّى العباد رسولها
ثم ارتحل في أثرها حتى وصلا مكة، فنزلت النّوار على بنت منظور بن زبّان زوجة
стр. 255
عبد الله بن الزبير ﵁، ونزل الفرزدق على ابنه حمزة، وقال: [الكامل]
أصبحت قد نزلت بحمزة حاجتي ... إن المنوّه باسمه الموثوق (١)
بأبي عمارة خير من وطئ الحصى ... وجرت له في الصالحين عروق
بين الحواريّ الأغرّ وهاشم ... ثم الخليفة بعد والصّدّيق
فكان كلّ ما أصلح حمزة بن عبد الله من شأن الفرزدق نهارا أفسدته بنت منظور ليلا، حتى غلبت النّوار، وقضى ابن الزبير عليه، فقال: [البسيط]
أمّا البنون فلم تقبل شفاعتهم ... وشفّعت بنت منظور بن زبّانا (٢)
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
فلما سمع ابن الزبير شعره، توقّف في أمره، فلقيه يوما بباب المسجد، فضمّه إلى الحائط، حتى كادت تزهق نفس الفرزدق. وكان الزبير في غاية من القوّة، ثم هزّه وتركه خائفا، ثم دخل على النّوار، فقال لها: إمّا أن تتمّي زواج ابن عمّك وإلا قتلته، وأرحت المسلمين من شرّ لسانه، فقالت له: ولا بدّ أن تقتله؟ قال: ولا بدّ، فعطفها عليه رحم القرابة، وقالت: لا والله لا أدعه للقتل، قد رضيته. فتزوّجها، فحكم عليه ابن الزبير بمهر مثلها عشرة آلاف درهم، فسأل: هل بمكة أحد يعينه؟ فدلّ على سلم بن زياد، وكان ابن الزبير قد حبسه، فقال: [الطويل]
دعي مغلقي الأبواب دون فعالهم ... ومرّي بمسرى لي هبلت إلى سلم (٣)
إلى من يرى المعروف سهلا سبيله ... ويفعل أفعال الكرام التي تنمي
ثم دخل على سلم؛ وأنشده القصيدة، فقال: هي لك ومثلها لنفقتك، فقبض عشرين ألفا، فدفع مهرها، فدخل بها، وأحبلها قبل أن تخرج من مكة، ثم خرج بها، وهما عديلان في محمل، وكانت أبدا تخالفه وتسبّه، لأنها كانت صالحة الدّين، وكان هو رديء الدين، زانيا قاذفا للمحصنات، فكانت تكرهه.
ومن ملح أخبارها أنه راود امرأة شريفة على نفسها، فامتنعت عليه، فتهدّدها بالهجاء، فاستعانت بالنّوار، فقالت: واعديه ليلة؛ ثم أعلميني. ففعلت، وجاءت النّوار، ودخلت الحجلة مع المرأة، فلما دخل الفرزدق البيت، أمرت الجارية فأطفأت السراج، وبادر الحجلة والنّوار فيها، وهو لا يشكّ أنها صاحبة الدار، فواقعها. فلما فرغ قالت: يا عدوّ الله، يا فاسق! فعرفها، وعلم أنه قد خدع، فقال لها: وأنت هي! يا سبحان الله! ما أطيبك حراما، وأبردك حلالا! فلم تزل تؤذيه بلسانها حتى أبغضها.
стр. 256
فحدّث أبو معقل راويته، قال: قال لي الفرزدق يوما: امض بنا إلى حلقة الحسن، فإني أريد أن أطلّق النّوار، فقلت: إني أخاف أن تتبعها نفسك، ويشهد عليك الحسن وأصحابه، قال: امض بنا، فجئنا حتى وقفنا على الحسن فقال: كيف أصبحت يا أبا سعيد؟ قال: بخير، كيف أصبحت يا أبا فراس؟ قال: لتعلمنّ أن النّوار طالق مني ثلاثا، فقال الحسن وأصحابه: قد سمعنا، قال: فانطلقنا، فقال الفرزدق: يا هذا، إنّ في قلبي من النوّار شيئا، فقلت: قد حذّرتك، فقال: [الوافر]
ندمت ندامة الكسعيّ لمّا ... غدت منّي مطلقة نوار (١)
وكانت جنّتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضّرار
ولو أني ملكت يدي ونفسي ... لأصبح لي على القدر اختيار
وكنت كفاقئ عينيه عمدا ... فأصبح ما يضيء له نهار
وتوفيّ سنة عشر ومائة. وفيها مات جرير وابن سيرين والحسن، فقالت امرأة بصريّة: كيف يفلح بلد مات فقيهاه وشاعراه، وأضافت جريرا إلى البصرة لكثرة قدومة إليها، ومسكنه باليمامة. وأخباره تطول، وإنما ذكرنا منها ما تعلّق بالنّوار معه.
[الكسعيّ وقوسه]
وأما الكسعيّ فرجل منسوب إلى كسع، قبيلة باليمن، واسمه محارب بن قيس، وبندامته يضرب المثل؛ يقال: أندم من الكسعيّ، وقيل: إنه من بني سعد بن ذبيان، وقيل: اسمه عامر بن الحارث.
ومن حديثه أنه كان يرعى إبلا بواد كثير العشب والخمط؛ فبينما هو يرعاها بصر بنبعة على صخرة، فقال: ينبغي أن تكون هذه قوسا، فجعل يتعهّدها ويقوّمها حتى أدركت، فقطعها، فلما جفّت اتّخذ منها قوسا، وأنشأ يقول: [الرجز]
يا ربّ وفّقني لنحت قوسي ... فإنّها من لذّتي لنفسي
وانفع بقوسي ولدي وعرسي ... أنحتها صفراء مثل الورس
* صلداء ليست كقسيّ النّكس (٢) *
ثم دهنها وخطمها بوتر، واتّخذ من برايتها خمسة أسهم، وجعل يقلّبها في كفّه، وينشد: [الرجز]
стр. 257
هنّ وربي أسهم حسان ... يلذّ للرّامي بها البنان
كأنما قوّمها ميزان ... فأبشروا بالخصب يا صبيان
* إن لم يعقني الشّؤم والحرمان (١) *
ثم أتى قترة على موارد حمر، فكمن فيها، فمرّ به قطيع، فرمى عيرا منها بسهم، فأمخطه- أي أنفذه- وجازه، وأصاب الجبل، فأورى نارا، فظنّ أنه أخطأه، فأنشأ يقول:
[الرجز]
أعوذ بالله العزيز الرّحمن ... من نكد الجدّ معا والحرمان
ما لي رأيت السهم بين الصّوّان ... يوري شرارا مثل لون العقيان
* فأخلف اليوم رجاء الصّبيان (٢) *
ثم مرّ به قطيع آخر، فرمى عيرا فأمخطه السهم، فصنع صنيعه الأوّل، فأنشأ يقول:
[الرجز]
لا بارك الرّحمن في رمي القتر ... أعوذ بالخالق من شرّ القدر
أأمخط السهم لإرهاق الضّرر ... أم ذاك من سوء احتيال ونظر
* أم ليس يغني حذر عنه قدر (٣) *
ثم مرّ به قطيع آخر فرمى عيرا، فأمخطه السهم، فصنع صنيعه الأوّل، فأنشأ يقول:
[الرجز]
ما بال سهمي يوقد الحباحبا ... قد كنت أرجو أن يكون صائبا (٤)
فأخطأ العير وولّى جانبا ... فصار رأيي فيه رأيا خائبا
ثم مرّ به قطيع آخر، فرمى عيرا بسهم فأمخطه السهم، وصنع ما صنع أولا، فأنشأ يقول: [الرجز]
يا أسفا والجدّ النّكد ... في قوس صدق لم تزيّن بأود
أخلف ما أرجو لأهل وولد ... فيها ولم يغن الحذار والجلد
* فخاب ظنّ الأهل جمعا والولد (٥) *
ثم مرّ به قطيع آخر، فرمى عيرا بسهم، فأمخطه السهم، وصنع كما صنع أولا،
стр. 258
فأنشأ يقول: [الرجز]
أبعد خمس قد حفظت عدّها ... أحمل قوسي وأريد ردّها
أخزى الإله لينها وشدّها ... والله لا تسلم مني بعدها
* ولا أرجّي ما حييت رفدها (١) *
ثم أخذ القوس، فكسرها على حجر وبات، فلمّا أصبح أبصر الأعيار الخمسة مطروحة حوله، فأسف وندم على كسر القوس، وعضّ على إبهامه فقطعها تلهفا، وأنشأ يقول: [الوافر]
ندمت ندامة لو أنّ نفسي ... تطاوعني إذا لقطعت خمسي (٢)
تبيّن لي سفاه الرأي منّي ... لعمر أبيك حين كسرت قوسي
стр. 259
المقامة العاشرة وتعرف بالرحبيّة
حكى الحارث بن همّام قال: هتف بي داعي الشّوق، إلى رحبة مالك بن طوق ؛ فلبّيته ممتطيا شملّة، ومنتضيا عزمة مشمعلّة. فلمّا ألقيت بها المراسي، وشددت أمراسي، وبرزت من الحمّام بعد سبت راسي، رأيت غلاما أفرغ في قالب الجمال، وألبس من الحسن حلّة الكمال.
***
هتف بي، أي دعاني، يقال: هتف بي هتفا وهتافا: دعاه، وهتف الحمامة: مدّت صوتها. والشّوق: تحرّك الحبّ، يريد أنّ شوقه إلى الرّحبة يهيج عليه حتى سار إليها، وجعل له داعيا مجازا. والرّحبة: مدينة شهيرة من عمالة الفرات، بناها مالك بن طوق، ووليها فنسبت إليه، وإليها تنسب الثياب الرحبيّة، وتعرف برحبة الشأم، وهي على يسار الطريق هي والرّقة في استقبالك الفرات جائيا من حرّان، وهي في آخر ديار ربيعة، وأول بلاد الشأم والفرات، بين ديار ربيعة والشأم، فإذا عبرته صرت في حدّ الشام.
[مالك بن طوق]
ومالك- كنيته أبو كلثوم- بن مالك بن عتّاب بن سعيد بن زهير بن جشم بن بكر ابن حبيب بن عمرو بن غنم بن ثعلب. وقال حبيب يمدحه ويذكر الرّحبة: [الكامل]
يا مال قد علمت ربيعة أنّه ... ما كان مثلك في الأراقم أرقم (١)
طالت يدي لمّا رأيتك سالما ... وأنيخ عن خدّى ذاك العظلم
وشممت ترب الرّحبة العبق الثّرى ... وشفى صداي البحر منها الخضرم
كم حلّ في أكنافها من معدم ... أمسى بها يأوي إليه المعدم
وقال فيه: [البسيط]
رأته في النوم عتّاب فقال لها ... ذو والفراسة: هذا صفوة الكرم (٢)
стр. 260
فجاء والنّسب الوضّاح جاء به ... كأنه بهمة فيهم من البهم
طعّان عمرو بن كلثوم ونائله ... إنّ السيور التي قدّت من الأدم
لو كان يأمل عمرو مثله خلفا ... من صلبه لم يجد للموت من ألم
يقول هذا في اتصاله بنسب عمرو بن كلثوم، وأين هذا من قول دعبل يهجوه:
[البسيط]
الناس كلّهم يعدو لحاجته ... ما بين ذي فرح منهم ومهموم (١)
ومالك ظلّ مشغولا بنسبته ... يروم منها بناء غير مهدوم
يبني بيوتا خرابا لا أنيس بها ... ما بين طوق إلى عمرو بن كلثوم
وكان ملكا شجاعا، جوادا ممدوحا أميرا على الجزيرة مسكن قومه بني ثعلب.
***
قوله «لبّيته»، أي أجبته. ممتطيا: راكبا، شملة: ناقة سريعة. منتضيا: مجرّدا.
عزمة مشمعلّة، أي عزمة سريعة لا تواني فيها. المراسي: هي محابس السفينة. أمراسي:
حبالى، يريد أنه استعدّ للإقامة وترك السفر، وضرب لذلك المثل بإلقاء المراسي وشدّ الأمراس. برزت: خرجت وظهرت. سبت: حلق، ومتى دخل أهل المشرق الحمام حلقوا رءوسهم. أفرغ: وضع ليصنع. والقالب: الذي تطبع فيه الدراهم، ودرهم مفرغ، إذا أذيبت فضته وصبّت في قالبه فيريد أنّ هذا الغلام لإفراط حسنه أفرغ في قالب الجمال.
[مما قيل في الحسن والجمال]
ونذكر في هذه المقامة من أوصاف الحسن والجمال ما أمكن، ونضيف إلى ذلك ما قيل في العلمان من الأشعار الحسان ممّا يليق بهذا المكان وندعها من كلّ مقامة يقع فيها ذكر العلمان. قال ابن عبد ربه: الحسن أحمر، وقد تضرب فيه الصّفرة مع طول المكث في الكنّ والتضمّخ بالطيب كما تضرب في بيضة الأدحيّ. وقال أعرابيّ: [البسيط]
وما تطيّبت من صفراء خالية ... كالعاج صفّرها الأكنان والطّيب
وقال آخر: [الرجز]
كأنّ لون البيض في الأدحيّ ... لونك لولا صفرة الجاديّ (٢)
يريد أنها تضمّخ بالجاديّ، وهو الزعفران، وصفرة النعمة لا تبلغ صفرته.
وقالوا: إن الجارية الحسناء تتلون بلون الشمس، فهي بالضّحى بيضاء، وبالعشى
стр. 261
صفراء، قال الأعشى: [مجزوء الكامل]
بيضاء ضحوتها وصف ... راء العشية كالعراره (١)
العرار: البهار.
وقال الحريريّ في الدرّة: فأما قولهم في الحسن: أحمر، فمعناه أنه لا يكتسب ما فيه من الجمال إلا بتحمّل مشقة يحمرّ منها الوجه، كما قالوا: السّنة الحمراء للمجدبة، وكنوا عن الأمر المستصعب بالموت الأحمر، وأما قوله: [الطويل]
هجان عليها حمرة في بياضها ... تروق لها العينان والحسن أحمر
فإنه عنى به الحسن في حمرة اللّون مع البياض، دون غيره من الألوان.
وقالوا: في الجارية: جميلة من بعيد، مليحة من قريب، فالجميلة الّتي تأخذ بصرك جملة، فإذا دنت منك لم تكن كذلك، والمليحة التي كلما كرّرت بصرك فيها زادتك حسنا.
وقيل: الجميلة السمينة؛ من الجميل، وهو الشحم، والمليحة البيضاء من الملحة، وهي البياض، والصّبيحة كذلك من الصبح لبياضه.
وقالوا: إن الوجه الرّقيق البشرة الصافي الأديم إذا خجل يحمرّ، وإذا فرق يصفرّ، ومنه قولهم: ديباج الوجه، يريدون تلوّنه من رقّته.
وقال عديّ بن زيد في تلوّن الوجه: [الخفيف]
حمرة خلط صفرة في بياض ... مثل ما حاك حائك ديباجا
وقال ابن عبد ربه في ذلك: [الكامل]
يا لؤلؤا يسبي العقول أنيقا ... ورشا بتقطيع القلوب رفيقا
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... درّا يعود من الحياء عقيقا
وإذا نظرت إلى محاسن وجهه ... ألفيت وجهك في سناه غريقا
يا من تقطّع خصره من رقّة ... ما بال قلبك لا يكون رقيقا!
وأعاد معنى: «درّا يعود من الحياء عقيقا»، في بيت آخر فقال وأحسن: [الكامل]
كم سوسن لطف الحياء بلونه ... فأصاره وردا على وجناته
قالت امرأة خالد بن صفوان لخالد: لقد أصبحت جميلا، قال: وكيف ذاك وما فيّ
стр. 262
رداء الحسن ولا عموده ولا برنسه! قالت: وما ذاك؟ قال: عموده الشّطاط (١)، ورداؤه البياض، وبرنسه سواد الشعر.
وقالوا: الحلاوة في العينين، والجمال في الأنف، والحسن في الوجه، والملاحة في الفم.
وقال بعضهم: الظرف في القدّ، والبراعة في الجيد، والرّقة في الأطراف والخصر، والشأن كلّه في الكلام، والمدار على العقل.
وقال عليّ بن عبيد الريحانيّ: الحسن تناسب الصورة، وزينته اعتدال الحركة؛ ثم ما لا يحسن اللسان الترجمة عنه من خفّة الروح والقبول.
وسئل عن اختياره من الحسن، فقال: أمّا ما يمكن نعته فخلّتان وثلاثة بينهما، ليست من صفة اللسان تعجبني صورة أكثر نعتها الملاحة، وبراعة بفصاحة، والخلّة الثالثة نسميها مراح الروح وشكل النّفس وملهبة الشوق، وبمقدار تمكّن الثالثة من القلب يستحكم سلطان الهوى على العقل، فهذه زبدة هذا الباب.
وأحسن الحسن، ما لم يجلب بتزيين وتضييق، وتحلية وتزويق، وأطيب الطيب أنفاس عبقة من كبد سليمة، ومزاج معتدل، وثغر نقيّ، قال امرؤ القيس: [الطويل]
أم تراني كلّما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب (٢)
ويحكى أن سيبويه كان يقرأ على الخليل بن أحمد منتقبا، لئلا يشغله بحسنه عن تعليمه. ومعنى «سيبويه» بالفارسية رائحة التفاح، وكان يقال: إنه أطيب الناس رائحة ومع تحفّظ الخليل وورعه، فكان إذا استأذن عليه سيبويه يقول: مرحبا بزائر لا يملّ.
وكان أبو حاتم السجستاني يختم القرآن في كل أسبوع، ويتصدّق كلّ يوم بدينار، ومع هذا الفضل كان يميل بحبّه إلى أبي العباس المبرّد، وكان أبو العباس يلزم حلقته وهو غلام وسيم، فقال فيه: [مجزوء الكامل]
ماذا لقيت اليوم من ... متمجّن خنث الكلام
وقف الجمال بوجهه ... فسمت له حدق الأنام
حركاته وسكونه ... يجنى بها ثمر الأثام
فإذا خلوت بمثله ... وعزمت فيه على اغترام
لم أعد أفعال العفا ... ف، وذاك آكد للغرام
نفسي فداؤك يا أبا ال ... عباس يا جلّ اعتصامي
стр. 263
فارحم أخاك فإنه ... نزر الكرى بادي السّقام
وأنله ما دون الحرا ... م فليس يرغب في الحرام
والولوع في الجمال سجيّة ركبها الله في الأولياء وأكابر العلماء، فمن دونهم من السّوقة والغوغاء. وعلى قدر ذكاء الأرض يطيب زرعها، وعلى قدر طيب التربة يطيب تبعها، فمنها العذب والأجاج وما بينهما، وعلى قدر شرف النفس يكون حبّها، فمنه المستحسن ومنه المستقبح. [الطويل]
* وكلّ إناء بالذي فيه ينضح*
في كتاب الوشاح: العشق إذا تزيّن بالعفاف فهو معنى شريف، ويتلو قوله تعالى:
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧]؛ فمن اتقى الله فهو خليل.
وذهبت طائفة من المتكلّمين البغداديين إلى أن الله تعالى إنما امتحن الناس بالهوى، ليأخذوا أنفسهم بطاعة من يهوونه، وليشقّ عليهم سخطه، ويسرّهم رضاه؛ فيستدلّوا بذلك على قدر طاعة الله تعالى لأنه لا مثل له ولا نظير، وهو خالقهم غير محتاج إليهم، ورازقهم مبتدئ المنن عليهم، فإذا أوجبوا على أنفسهم طاعة لسواه كان هو تعالى أولى أن يتّبع رضاه.
قالوا: ولا ينبغي للعاقل ولا للجاهل أن ينكر علاقة شخص بشخص، وحنين شكل إلى شكل، ومؤالفة إلف إلى إلف، فالقلوب صافية قابلة، والعيون إليها ناقلة.
وقالوا: لا عاشق على الأغلب إلا موفور النّعماء، مكفى كدّ المعيشة؛ لأنه من فراغ نفسه ورقّة حاشيته.
وقد قيل: إن جميلا وبثينة لو قعدا ليلتين دون غداء وعشاء لبزق كلّ واحد منهما في وجه صاحبه.
ومن شرط المعشوق أن يكون ممّن يؤيس ويطمع، ويستتر ويلمع، ويبدو ويحجب، ويلين ويصعب، ويرضى ويسخط، ويقرب ويشحط، كما قال أبو الطيب: [الكامل]
وأحلى الهوى ما شكّ في الوصل ربّه ... في الهجر فهو الدّهر يرجو ويتّقي (١)
وبين الرّضا والسخط والقرب والنّوى ... مجال لدمع المقلة المترقرق
والحسن أول سعادة المرء، ورائد اليمن، وسائق النّجح؛ لأن الله تعالى بلطف الحكمة، وبشرف الإبداع والصنعة، لم يخلق الصورة مختارة الصفات، سليمة من الآفات، إلّا عن فضل الاحتفاء، ولم يطابقها من الأخلاق إلّا بما يناسب جمالها من
стр. 264
العقل والصفاء. وقلّما تجد الخلق إلّا تبعا للخلقة، تناسبا يطّرد، وأصلا لا ينعكس، وإجماعا لا ينفرد، وما خلق الله نبيّا قطّ إلا وقد بهر أهل زمانه بحسنه وإحسانه؛ فإذا نظرته لأوّل وهلة رأيته أحسنهم صورة، وأتقنهم بنية، فهو أولى مرتبة، وأعلى منقبة.
وقال النبي ﷺ : «إنّ الله لا يعذّب حسان الوجوه، سود الحدق».
وورد عليه وفد عبد القيس، وفيه غلام وضيء الوجه، فأقعده وراء ظهره، وقال:
إنما أتي أخي داود من النّظر.
وقد أكثر الشعراء في وصف الحسن؛ فمن أحسن ذلك ما قال عليّ بن بسّام؛ وكأنه يصف الفتى الذي ذكره الحريريّ: [الكامل]
يا من تسربل بالملاحة وارتدى ... فعليه تعتكف العيون إذا بدا
فيرى هلالا زاهرا ويرى قضي ... با ناضرا ويرى كثيبا أملدا
فإذا نهضت ترجرجا وإذا سفر ... ت تبلجا وإذا مشيت تأوّدا
فترى الجبين كتاج ملك زانه ... درّ تراه مفرّقا ومنضّدا
ويجول ذاك الرّشح في أقطاره ... كالياسمين جرى به قطر النّدى
الوجه فضيّ أحاط بوجنتي ... ذهب، فأنبت عارضين زبرجدا
وفم عقيقيّ تضمّن لؤلؤا ... رطبا ونظم فوق ذاك زمرّدا
ولأبي إسحاق الخفاجيّ: [الطويل]
وأغيد أهدى نرجسا من محاجر ... وثنى فأبدى سوسنا من سوالف
وقد ماج من عطفيه ماء شبيبة ... تعبّ ولا أمواج غير الرّوادف
تطلّع مثل الرمح بسطة قامة ... وفتكة ألحاظ ولين معاطف
ولابن وكيع: [الكامل]
يا من إذا لاحت محاسن وجهه ... غفرت بدائعها جميع ذنوبه
إن كان في تعذيب قلبي راحة ... لك فاجتهد بالله في تعذيبه
ولأبي إسحاق الخفاجيّ: [الكامل]
يا ربّ وضّاح الجبين كأنما ... رسم العذار بصفحتيه كتاب
تغرى بطلعته العيون ملاحة ... وتبيت تعشق عقله الألباب
خلعت عليه من الصبّاح غلالة ... تندى ومن شفق السّحاب نقاب
ولأبي نواس: [الطويل]
أساء فزادته الإساءة حظوة ... حبيب على ما كان فهو حبيب
стр. 265
يعدّ عليّ الواشيان ذنوبه ... ومن أين للوجه الجميل ذنوب!
ولأبي إسحاق الخفاجيّ: [الطويل]
تعلقته نشوان من خمر ريقة ... له رشفها دوني، ولي دونها السّكر
ترقرق ماء مقلتاي ووجهه ... ويذكى على قلبي ووجنته الجمر
أرقّ نسيبي فيه رقّة حسنه ... فلم أدر أيّ قبلها منهما السّحر
وطبنا معا ثغرا وشعرا، كأنما ... له منطقي ثغر، ولي ثغره شعر
***
وقد اعتلق شيخ بردنه، يدّعي أنّه فتك بابنه، والغلام ينكر عرفته، ويكبر قرفته، والخصام بينهم متطاير الشّرار، والزّحام عليهما يجمع بين الأخيار والأشرار، إلى أن تراضيا بعد اشتطاط اللّدد، بالتّنافر إلى والي البلد، وكان ممّن يزنّ بالهنات، ويغلّب حبّ البنين على البنات، فأسرعا إلى ندوته، كالسّليك في عدوته.
***
قوله: «وقد اعتلق شيخ بردنه»، أي تعلّق بكمه وأطراف ثوبه. فتك: قتل، والفتك: أن تأتي رجلا آمنا منك وتقتله، أو تكمن له في موضع لا يعرف بك، فإذا أتاك قتلته، ثم سمّي من هجم على الأمور العظام فاتكا، فإذا أدخلت رجلا منزلك أو موضعا لا مغيث له فيه، فقتلته فذلك الغيلة، فإن كان رجلا يخافك فأمنته وآنسته حتى آمنك، ثم قتلته فذلك الغدر. عرفته: معرفته. يكبر: يراه أمرا كبيرا قرفته: تهمته، وقد قرفته بذنب، إذا حملته عليه واتّهمته به، وشبّه ما يلحق كلّ واحد منهما من أذى صاحبه بشرر النار اشتطاط اللّدد: اشتداد الخصام. التنافر: التحاكم. يزنّ: بالهنات: يتّهم بالقبائح، والهنات: الدواهي والهن والهنة من الكنايات العامّة التي يكنى بها عن كلّ شيء ولا يقتصر بها على شيء دون شيء.
[بعض أخبار الولاة]
قوله «ويغلّب حبّ البنين على البنات» نذكر هنا من الولاة المتهمين بهذه الهنات ما يليق بالموضع. قال أهل الأخبار: إن القاضي يحيى بن أكثم، كان مشتهرا بحبّ الغلمان، وإن أهل البصرة رفعوا أمره إلى المأمون قبل اتّصاله به، وقالوا فيه: إنه قد أفسد أولادهم، وظهرت منه الفواحش، وأنه القائل في صفة الغلمان: [السريع]
أربعة تعشق ألحاظهم ... فعين من يعشقهم ساهره
стр. 266
فواحد دنياه في وجهه ... منافق ليست له آخره
وآخر دنياه منقوصة ... من خلفه آخرة وافره
وثالث فاز بكلتيهما ... قد جمع الدّنيا مع الآخرة
ورابع قد ضاع ما بينهم ... ليست له دنيا ولا آخره
فاستعظمها المأمون وعزله عنهم.
ثم اتصل بعد ذلك يحيى بالمأمون، ونادمه، فخرج معه في يوم عيد، وقد ركب الجند أمامه، ويحيى يحادثه ويضاحكه، فنظرت إلى غلام أمرد من أولاد الجند في غاية الفراهة، عليه ثوب حرير أخضر، ودرع موشّاة مزرّرة بالذهب. فالتفت إلى يحيى، وقال له: ما تقول في هذه البضاعة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ هذا لقبيح من إمام مثلك مع فقيه مثلي، قال: فمن الذي يقول: [المنسرح]
قاض يرى الحدّ في الزّناة ولا ... يرى على من يلوط من باس
قال: من عليه لعنة الله وغضبه، ابن أبي نعيم، الذي يقول:
أميرنا يرتشي وحاكمنا ... يلوط والشرّ بيننا راسي
قاض يرى الحدّ .. البيت، وبعده: [المنسرح]
لا أحسب الموت ينقضي وعلى ال ... أمّة وال لآل عبّاس
قال: أو صحيح هذا؟ قال: نعم، قال: ينفى إلى السّند، وإنما مازحناك، ثم قال المأمون في الغلام: [مجزوء الرمل]
أيّها الراكب ثوبا ... هـ حرير وحديد
جئت للعيد وفي وج ... هك للأعين عيد
أنت جنديّ ولكن ... فيك للحسن جنود
وفي يحيى يقول ابن أبي نعيم: [الراجز]
يا ليت يحيى لم يلده أكثمه ... ولم تطأ أرض العراق قدمه
ألوط قاض في البلاد نعلمه ... أيّ دواة لم يلقها قلمه
* وأيّ جحر لم يلجه أرقمة*
وهذا كقول الآخر: [الرمل]
* يدخل الأفعى إلى خيس الأسد*
ويحيى خراسانيّ من مرو. وبلغ من تحكّمه على المأمون أن فرض لأربعمائة غلام
стр. 267
مرد، واختارهم حسان الوجوه يركبون لركوبه، فقال راشد بن إسحاق: [الوافر]
خليلي انظرا متعجّبين ... لأظرف منظر تقلاه عيني
لفرض ليس يقبل فيه إلا ... أسيل الخدّ حلو المقلتين
يقودهم إلى الهيجاء قاض ... شديد الطّعن بالرّمح الرّديني
إذا شهد الوغى منهم غلام ... تجدّل للجبين ولليدين
وبات الشيخ منحنيا عليه ... وصدغاه تحاذي الركبتين
وقال فيه: [الطويل]
وكنا نرجّي أن نرى العدل بيننا ... فأعقبناه بعد الرّجاء قنوط
متى تصلح الدّنيا ويصلح أهلها ... إذا كان قاضي المسلمين يلوط
***
وكان القاضي أبو القاسم عليّ بن محمد التنوخيّ مولعا بالغلمان، وكان له غلام اسمه نسيم، في نهاية من الحسن، وكان يؤثره على سائر غلمانه، ويخصّه بتقريبه واستخدانه، فكتب إليه بعض من يأنس به: [الرمل]
هل على من لامه مدغمة ... لاضطرار الشعر في ميم نسيم
فوقع تحت البيت: نعم، ولم لا!
وسنذكر من شعره في هذه المقامة ما يستملح.
وممن كان يميل إلى الغلمان من الأمراء أبو العشائر الحمدانيّ الذي يقول فيه المتنبي: [الوافر]
فيا بحر البحور ولا أورّي ... ويا ملك الملوك ولا أحاشي (١)
كأنّك ناظر في كلّ قلب ... فما يخفى عليك محلّ غاش
وقال بعض الرواة: دخلت على أبي العشائر أعوده من علّة، فقلت: ما يجد الأمير؟
فأشار إلى غلام قائم بين يديه، كأنّ رضوان قد غفل عنه بأبق من الجنة، ثم أنشأ يقول:
[مخلع البسيط]
أسقم هذا الغلام جسمي ... بما بعينيه من سقام
فتور عينيه من دلال ... أهدى فتورا إلى عظامي
وامتزجت روحه بروحي ... تمازج الماء بالمدام
стр. 268
ولأبي العشائر: [البسيط]
سطا علينا ومن حاز الجمال سطا ... ظبي من الجنة الفردوس قد هبطا
له عذاران قد خطّا بوجنته ... فاستوقفا فوق خدّيه وما انبسطا
وظلّ يخطو فكلّ قال من شغف: ... يا ليته في سواد الناظرين خطا!
ومع هذا الميل، كان نزيه النفس، رفيع الهمة، سليم الناحية، وكان في الجود غاية، وفي الشجاعة نهاية، وفي الشعر آية. وإذا كان المتنبي الذي هو أشعر الناس عند الأكثرية، يقول حين عوتب في آخر أيامه على فتور شعره: قد تجوّزت في شعري، وأعفيت طبعي، واغتنمت الراحة، مذ فارقت آل حمدان، ومنهم الذي يقول- يعني أبا العشائر:
أأخا الفوارس لو رأيت مواقفي ... والخيل من تحت الأسنة تنحط
لقرأت منها ما تخطّ يد الوغى ... والبيض تشكل والأسنة تنقط
فهكذا تستعار المعاني البديعة في الألفاظ الرفيعة؛ فما ظنك بمن يثني عليه المتنبي هذا الثناء!
***
وممّن وصف غلاما فأحسن، الأمير تميم بن المعزّ صاحب مصر، حيث يقول:
[الطويل]
وبات ضجيعي منه أهيف ناعم ... وأدعج وسنان وألعس أشنب
كأنّ الدجى من لون صدغيه طالع ... وشمس الضّحى في صحن خدّيه نغرب
وقال أيضا: [البسيط]
يا ليلة بات فيها البدر معتنقي ... وكانت الشمس فيها بعض جلّاسي
وبتّ مستغنيا بالثّغر عن قدحي ... وبالخدود عن التّفاح والآس
وقال أيضا: [مجزوء الكامل]
ورد الخدود أرقّ من ... ورد الرياض وأنعم
هذا تنشّقه الأنو ... ف وذا يقبّله الفم
فإذا عدلت فأفضل ال ... وردين ورد يلثم
قوله: «ندوته»، أي مجلسه.
[السّليك بن السّلكة]
والسليك، هو ابن السّلكة، معروف بأمّة، وكانت أمة سوداء شديدة السواد، وكان
стр. 269
هو أسود، وأبوه عمرو بن سنان بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم السعديّ التميميّ.
وكان يسبق الخيل على رجليه، وكان من العدّائين ومن رجلي العرب- وهم الذين يسعون على أقدامهم، ويسبقون الخيل، فيستغنون بأرجلهم عنها- وكان من أشجع الناس، وكان لا يغير إلّا وحده، وكان يقال له: الرئبال:
وسأل عمر بن الخطاب ﵁ عمرو بن معد يكرب، فقال: أيّ العرب كان أبغض لك أن تلقاه؟ فقال: أمّا من معدّ فعديّ بن فزارة ومرّة بن ذبيان وكلاب بن عامر وشيبان بن بكر وشقّ بن عبد القيس والأراقم من تغلب، ثم لم جلت بفرسي على مياه سعد ما خفت هيج أحد؛ ما لم يلقني حرّاها أو عبداها، قال: أما حرّاها فعامر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث بن شهاب، وأما عبداها فعنترة الفوارس وسليك المقانب.
وأما عدوته المذكورة، فيقال: إنه أحاط به عدوّه فنزا نزوة عدّ فيها أربعا وعشرون خطوة، وعدّ أيضا في نزوة للشّنفري إحدى وعشرون خطوة.
ويقال في المثل: أعدى من الشّنفرى، وأعدى من السليك.
فأما الشّنفرى فإنه أغار على بجيلة مع تأبّط شرّا وعمرو بن براق، فرصدتهم بجيلة على الماء، فقال تأبّط شرّا: إنّ بالماء رصدا، فقالا: ليس عليه أحد، ولا بدّ من وروده، فورد الشّنفرى ثم عمرو، فقال تأبّط شرّا: القوم إنما يريدونني، فلذلك لم يعرضوا لكما، وإذا وردت أنا الماء فسيشدّون عليّ، ويأسرونني، فاذهب يا شنفرى، كأنك تهرب، وكن في أصل ذلك القرن، فإذا سمعتني أقول: خذوا خذوا، فتعال فأطلقني، وقال لعمرو:
إنّي سآمرك أن تستأسر لهم، فلا تبعد ولا تمكّنهم من نفسك. ثم ورد الماء، فشدّوا عليه، وكتفوه، وفعلا ما أمرهما، فقال: تأبّط شرّا: يا معشر بجيلة، هل لكم في أن تيسّروا فداءنا ونستأسر لكم ابن براق؟ قالوا: نعم. فقال يا عمرو: هل لك في أن تستأثر ويباشرونا في الفداء؟ قال: حتى أروّض نفسي شوطا أو شوطين، فجرى الأوّل كالريح، والثاني كالخيل، ثم أراد أن يجري ثالثا، فجعل يقع ويقوم فشلا؛ يطمعهم بذلك، فقال لهم تأبّط شرّا: خذوا خذوا، فأسرعوا إليه بأجمعهم، وهوى الشّنفرى كالريح فقطع وثاقه، ثم أحضروا ثلاثتهم، فنجوا، فقال تأبّط شرّا من قصيدة: [البسيط]
ليلة صاحوا وأغروا بي سراعهم ... بالعيكتين لدى عمرو بن برّاق (١)
لا شيء أسرع منّي غير ذي عذر ... أو ذي جناح بجنب الرّيد خفّاق
стр. 270
فالثلاثة عدّاءون، والمثل مقصور على الشّنفرى.
وأما السّليك، فرأته طلائع جيش لبكر بن وائل، جاءوا مجرّدين ليغيروا على تميم، فقالوا: إن علم السليك بنا أنذر قومه، فبعثوا إليه فارسين على جوادين، فلمّا صافحاه خرج يمحص (١) كأنه ظبي، فطارداه يوما أجمع، ثم قالا: إذا كان الليل أعيا فنأخذه، ووجدا أثر بوله قد خدّ (٢) في الأرض، فقالا: قاتله الله! ما أشدّ متنه! فتبعاه ليلتهما: فلما أصبحا وجداه قد عثر بأصل شجرة، فندر منها كمكان قدمه، وسقطت قوسه في جريه فانخطمت، فوجدا قطعة منها قد ارتزّت (٣) بالأرض، فقالا: ما بعد هذا شيء، والله لاتبعناه بعد هذا. ومرّ السليك إلى أهله، فأنذرهم، فكذّبوه لبعد الغاية، فقال: [الطويل]
يكذّبني العمران: عمرو بن جندب ... وعمرو بن سعد والمكذّب أكذب (٤)
ثكلتكما إن لم أكن قد رأيتها ... كراديس يهديها إلى الحيّ موكب
كراديس فيها الحوفزان وحوله ... فوارس همّام متى يدع يركبوا
فصدّقه قوم، فنجوا، وكذّبه آخرون، فورد عليهم الجيش فاكتسحهم.
ومن شعر السليك يرثي فرسه- وكان يقال لها النحّام- وأنشدها المبرّد في باب التشبيه من الكامل: [الوافر]
كأن قوائم النّحّام لمّا ... تحمّل صحبتي أصلا محار (٥)
على قرماء عالية شواه ... كأنّ بياض غرّته خمار
وما يدريك ما فقري إليه ... إذا ما القوم ولّوا أو أغاروا
стр. 271
ويحضر فوق جهد الحضر نصّا ... يصيدك نافلا والمخّ رار
أي: يصيد لك. ونافلا: ثانيا، ورار: ذائب من الهزال؛ وحكاية السّليك، عن أبي عبيدة، وحكاية الشّنفري عنه وعن الشيبانيّ؛ وكلتاهما على اختصار.
ونزل على جماعة من كنانة ضيفا، فأكرموه، وجمعوا له إبلا كثيرة، وأعطوه إياها، وكان قد كبر وشاخ، وذهبت قوّته، وانتقص عدوه، فقالوا له: إن رأيت أن ترينا ما بقي من عدوك! قال: نعم، ابغوا لي أربعين شابا، وأتوني بدرع ثقيلة عظيمة، فأتوا بها واختاروا من شبانهم أربعين أقوياء عدّاءين، فلبس سليك الدرع، ثم قال للشبّان:
الحقوني، ثم عدا عدوا وسطا، وعدا الشبان وراءه جهدهم، فلم يلحقوه حتى غاب عنهم، ثم كرّ راجعا حتى عاد إلى قوم وحده يخطر، والدرع عليه، وسبق الشبّان.
وخرج في ليلة مقمرة يطلب الإغارة، فغلب عليه النوم آخر الليل، فبينما هو ملتفّ بكساء، جثم عليه رجل مثله، شديد البأس، عظيم القوّة، وأمسك على يديه، ومنعه التحرّك، وجعل يلمزه ويؤذيه، ويقول له: استأسر يا خبيث، فاجتهد سليك حتى خلّص إحدى يديه، فضمّ الرجل إليه ضمّة، وعصره عصرة، فضرط، فقال له: أضرطا وأنت الأعلى! فأرسلها مثلا، فلما تخلّص منه، قال له: من أنت؟ قال: أنا رجل افتقرت فقلت: لأخرجنّ ولا أرجع إلى أهلي حتى آتيهم وأنا غنيّ. فقال له السّليك: انطلق معي، فانطلقا فوجدا ثالثا، قصّته قصّتهما، فاصطحبوا حتى أتوا واديا لمراد، فلما أشرفوا عليه إذا فيه نعم، قد ملأ نواحيه من كثرته، فقال لهما السليك: كونا قريبا منّي حتّى آتي الرّعاء، فأعلم علم الحيّ: أهو قريب أم بعيد؟ فإن كان قريبا رجعت، وإن كان بعيدا أوحيت إليكما بقولي فأغيرا. فأتي الرّعاء فاستخبرهم عن الحيّ، فأخبروه ببعد الحيّ، وأنهم إن طلبوا لم يدركوا، فقال للرّعاء: ألا أغنّيكم؟ قالوا: بلى، فرفع صوته فغنّى:
[البسيط]
يا صاحبيّ ألا لا حيّ في الوادي ... سوى عبيد وآم بين أذواد (١)
أتنظران قريبا ريث غفلتهم ... أم تغدوان فإن الريح للعادي
فلما سمعا ذلك أتياه، وطردوا الإبل فذهبوا بها، ولم يبلغ الصريخ الحيّ، حتى فاتوا بالإبل.
стр. 272
قال ابن الأعرابي: آم مقلوب آئم، وهم العزّاب، جمع أمة.
وكان السّليك من أدلّ الناس بالأرض وأعلمهم بمسالكها، وكان يستودع الماء بيض النعام في الشتاء، ويدفنه في المفاوز العظيمة، فإذا كان الصيف وانقطعت إغارة الخيل أغار على ربيعة، وشرب من ذلك الماء. وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الخيبة، وأما الهيبة فلا هيبة.
***
قوله: «عدوته»، العدوة بالكسر: الحالة، وبالفتح المرة الواحدة، فيريد الحريريّ، أن إسراعهما إلى الوالي كان كعدوة السليك.
***
فلمّا حضراه، جدّد الشّيخ دعواه واستدعى عدواه فاستنطق الغلام وقد فتنه بمحاسن غرّته، وطرّ عقله بتصفيف طرّته، فقال: إنّها أفيكة أفّاك، على غير سفّاك؛ وعضيهة محتال، على من ليس بمغتال. فقال الوالي للشّيخ: إن شهد لك عدلان من المسلمين، وإلّا فاستوف منه اليمين. فقال الشيخ: إنّه جدّله خاسيا، وأفاح دمه خاليا، فأنّى لي شاهد، ولم يكن ثمّ مشاهد! ولكن ولّني تلقينه اليمين، ليبين لك:
أيصدق أم يمين! فقال له: أنت المالك لذلك؛ مع وجدك المتهالك، على ابنك الهالك!
***
واستدعى عدواه، أي طلب إغاثته وأعداه الحاكم: أغاثه. استنطق: أمره أن ينطق وقد بيّن هذا الاستنطاق في الرابعة والثلاثين عند شراء الغلام قال: «ثم استنطقته عن اسمه، لا لرغبة في علمه، بل لأنظر أين فصاحته من صباحته، وكيف لهجته من بهجته».
وكذلك لم يرد الوالي أن يستنطقه ليقول حجته؛ بل ليعلم حلاوته من صورته التي فتنته.
وقد ذكرنا أنّ فائدة الحسن إنما تدور على اللسان.
[إبراهيم النظام]
وهذا الاستنطاق هو الذي ذهب بإبراهيم بن سيار النظّام، الّذي هو إمام في علم الكلام إلى علاقة غلام؛ وذلك أنه لقي غلاما جميل الوجه، مقبول الصورة، فاستحسنه، وتصوّر فيه الصورة الباطنة المناسبة لخلقته الظاهرة، فقال له: يا غلام، إنه لولا ما سبق من قول الحكماء، لما جعلوا السبيل لمثلي إلى مثلك بقولهم: لا ينبغي لأحد أن يصغر عن أن يقول، ولا أن يكبر عن أن يقال له، لما أنست إلى مخاطبتك، ولا انشرح صدري إلى محادثتك، لكنّه سبب الإخاء وعقد المودّة، ومحلّك من قلبي محلّ الروح من جسد
стр. 273
الجبان، فقال له الغلام- وهو لا يعرفه: لئن قلت ذلك أيّها الرجل، لقد قال أستاذنا إبراهيم بن سيار النظام: الطباع تجاذب ما شاكلها بالمجانسة، وتميل إلى ما قارنها بالموافقة، وكياني مائل إلى كيانك بكلّيتي؛ ولو كان الذي انطوى عليه لك عرضا لم أعتدّ به ودّا، ولكنه جوهر جسمي، فبقاؤه ببقاء النفس، وعدمه بعدمها، وأقول كما قال الهذليّ:
فتبيّني أني بكم كلف ... ثم اصنعي ما شئت عن علم (١)
فقال له النظام: إنما كلّمتك بما سمعت، وأنت عندي حسن الصورة غلام، ولولا أنّ محلّك محلّ مقيم ما تعرّضت لك، ثم اعتلقه النظام بعد، وقال فيه جريا على علمه:
[الطويل]
توهّمه طرفي فآلم خدّه ... فصار مكان الوهم من نظري أثر (٢)
وصافحه كفّي فآلم كفّه ... فمن لمس كفّي في أنامله عقر
ومرّ بفكري خاطرا فجرحته ... ولم أر خلقا قطّ يجرحه الفكر
وقال فيه أيضا: [الكامل]
وإذ تأمّل في الزّجاجة ظلّه ... جرحته لحظة مقلة الظّلّ
وقال فيه أيضا: [الرجز]
أفرغ من نور سماويّ ... مصوّر في جسم إنسيّ
وافتقر الحسن إلى حسنه ... فجلّ عن تحديد كيفيّ
وقال فيه: [مجزوء الكامل]
يا مشرقا ملأ العيو ... ن فلحظها ما يستقلّ
أوفى على شمس الضّحى ... حتى كأنّ الشمس ظلّ
أتريد قتلي عامدا ... ولقتل مثلي ما يحلّ
فصرّف في شعره من صناعته، وأبدع في تخيله ببراعته.
***
стр. 274
قوله: «غرّته»، أي وجهه. طرّ، أي قطع وأذهب. تصفيف طرّته: شعره المعتدل على جبهته. أفيكة أفّاك: كذبة كذّاب. سفاك: قتّال. عضيهة: بهتان. وباطل. مغتال:
قاتل الغيلة. استوف: استكمل. جدّله: صرعه وألقاه على الجدالة، وهي الأرض:
خاسيا: متباعدا ممنوع الكلام، كأنه قهره ومنعه أن يصيح عند قتله، ولذلك لم يجد عليه شاهدا، وأصله الهمزة فسهّله ليوافق «خاليا» إن أخذته من خسأت الكلب، وإن أخذته من خسي البصر إذا كلّ، فلا تسهيل فيه، ومعناه قريب من الأوّل، أي أنه أضعفه بالضرب حتى لم يستطع الكلام ثم قتله. أفاح دمه، بحاء مهملة: أراقه. قال أبو زيد في نوادره:
أفحت دمه ففاح فيحا وفيحانا، وأنشد: [الرجز]
نحن قتلنا الملك الجحجاحا ... ولم ندع لسارح مراحا
* إلّا ديارا أو دما مفاحا (١) *
وقال أبو حاتم: أراد: ودما مفاحا أي مهراقا. خاليا: بمعنى «منفردا». أنّى، بمعنى كيف. مشاهد: من شاهد حاله وحضر عليها. ولّني: مكّنّي. تلقينه: تفهيمه وإلقاءه عليه. يمين: يكذب. وجدك: حزنك. المتهالك: الكثير التفاوت، وتهالكت المرأة عليه: تراخت عليه، وتكاسلت، قال الأعشى: [الطويل]
تهالك حتى ينكر المرء عقله ... وتسبي الحكيم ذا الحجى بالتّقتّل (٢)
***
فقال الشّيخ للغلام: قل: والّذي زيّن الجباه بالطّرر، والعيون بالحور، والحواجب بالبلج، والمباسم بالفلج، والجفون بالسّقم، والأنوف بالشّمم، والخدود باللهب، والثّغور بالشّنب، والبنان بالتّرف، والخصور بالهيف، إنّني ما قتلت ابنك سهوا ولا عمدا، ولا جعلت هامته لسيفي غمدا، وإلّا فرمى الله جفني بالعمش، وخدّي بالنّمش، وطرّتي بالجلح، وطلعي بالبلح، ووردتي بالبهار، ومسكتي بالبخار، وبدري بالمحاق، وفضّتي بالاحتراق، وشعاعي بالإظلام، ودواتي بالأقلام.
***
стр. 275
قوله: «الذي زيّن الجباه بالطرر .. »، إلى آخر يمينه، إنما ذكر صفات الحسن شيئا بعد شيء، ليري هذا الوالي كمال الغلام، فيشتدّ حبّه فيه، فإذا ذكر صفة من صفاته نبّه الوالي بذكرها على النّظر إليها، فوجدها كما يصف، فهو الآن في هذه اليمين يجلو محاسن الغلام عليه.
الطّرر: جمع طرّة، وهي اعتدال الشعر على الجبهة، والطّرّة عندهم أن يقطع للجارية من مقدّم ناصيتها حتى لا يبلغ الشعر حاجبيها، فيبقى ما بين شعر ناصيتها وحاجبيها من جبهتها نقيّا، والشعر عليها معتدل، كطرة الثوب ثم تسمّى الشعور الحسان طررا.
أنس ﵁ عن النبي ﷺ : «ثلاث فاتنات: الشّعر الحسن، والوجه الحسن، والصوت الحسن».
عائشة ﵂، قال رسول الله ﷺ : «ملائكة السماء يسبّحون بذوائب النساء وبلحى الرجال، فيقولون: سبحان الّذي زيّن الرجال باللحى، والنساء بالذوائب».
قال ﷺ : «إذا أراد أحدكم أن يتزوّج المرأة فليسأل عن شعرها كما يسأل عن وجهها».
قالوا: الشعر الحسن يزيد الوجه حسنا وجمالا، وقال ابن صارة- وكأنه وصف طرة هذا الغلام- يصف بها أبا الفضل بن الأعلم، وكان من أجمل الناس وأذكرهم في علم النحو والأدب، وقرأ النحو قبل أن يلتحى، فقال فيه: [الكامل]
أكرم بجعفر اللبيب فإنه ... ما زال يوضح مشكل «الإيضاح»
ماء الجمال بخدّه مترقرق ... فالعين منه تجول في ضحضاح
ما خدّه جرحته عيني، إنّما ... صبغت غلالته دماء جراحي
لله زاي زبرجد في عسجد ... في جوهر في كوثر في راح
ذي طرّة سبجيّة ذي غرّة ... عاجيّة كالليل والإصباح
رشأ له خدّ البريء ولحظه ... أبدا شريك الموت في الأرواح
***
[مما قيل في الحسن والجمال]
ونذكر بعد هذا الحور في العينين، وهو شدة بياض البياض وسواد الكحل، وكلّ ذلك عندهم ممدوح. وقد أكثر الشعراء من وصف ذلك حتى لو تركنا ذكره لشهرته لكان لنا فيه عذر، على أنّا نلمّ ببعض ما قيل في ذلك، وأمّا ما يزهّد فيه من ذلك، ويقلّ ذكره في أشعارهم فالزّرق؛ على أنه قد جاء في حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «الزرق في العينين يمن».
стр. 276
وقال معاوية لصحار العبديّ: إنك أحمر، قال: والذهب أحمر، قال: إنك لأزرق، قال: والبازي أزرق.
ولبعض أصحابنا: [الطويل]
أحبّك أن قالوا بعينيك زرقة ... كذاك عتاق الطير زرق عيونها
وقال الصّنوبريّ: [المنسرح]
قالوا به زرقة، فقلت لهم ... بذاك تمت خصاله البهجه
ما كحل العين مثل زرقتها ... كم بين ياقوتة إلى سبجه
وقال آخر: [مخلع البسيط]
ما مثل ذا الظّبي في الظّباء ... الأزرق الأزرق القباء
يجول في مقلتيه طرفي ... في زرقة الماء والسماء
بأبي الشّقر ما عليهم ... من ذلك النّور والبهاء
شقرة شعر على بياض ... شعاع شمس على هواء
وكلّ هذا اعتذار جاء على وفق مدح سواد الألوان، ولسواد الألوان في التاسعة فصل مستطرف فقف عليه.
واختلفوا في الحور، فقال أبو عبيدة: الحوراء: الشديدة بياض بياض العين في شدّة سواد سوادها.
وقال أبو عمرو: الظبية الحوراء: السوداء العين الّتي ليس في عينها بياض، ولا يكون هذا في الإنس إنما يكون في الوحوش.
وقال يعقوب: الحور سعة العين وكبر المقلة وكثرة البياض.
وقال قطرب: الحوراء: الحسنة المحاجر، صغرت العين أم كبرت.
واشتقاق «ح ور» يدل على صحة قول يعقوب وأبي عبيدة؛ لأنهم إنما يوقعونه في الغالب على البياض مثل الدقيق الحواريّ للدرمك الشديد البياض ونحوه، وقلّما يتفق شدة بياض العين إلّا مع شدة سوادها، ألا ترى أن بياضها مع الزّرق ليس هناك في النقاء، وقال القاضي التنوخيّ في أحور: [الكامل]
حور بعينيه أطال تحيّري ... ترك الدموع بخدّي المتعصفر
غصن تأوّد فوق غصن من نقا ... ليل تبلّح عن نهار مسفر
كالشّمس إلا أنه متنفّس ... عن مسكة متبسّم عن جوهر
والبلج: أن يكون ما بين الحاجبين نقيّا من الشعر، وهو من علامات السيادة عند
стр. 277
العرب، ويتمدّح به ويتيمن بصاحبه، ويتطيّر بمقرون الحاجبين؛ ويقال: أبلج وأبلد، وهي البلجة والبلدة، قال كثير: [الطويل]
جميل المحيّا أبلج الوجه واضح ... حليم إذا ما زلزلته الزّلازل
الفلج: أن يكون بين منابت الأسنان تباعد، وقد فلج ثغره فلجا، وهو مستحبّ في الثغر. قال وجيه الدولة: وهو مما يليق بهذا الموضع لذكره أوصافا ذكرها الحريري ﵀ هنا: [الطويل]
إذا عدم الرّوض المنوّر ناظري ... أرانيه ظبي فاتر الطّرف أدعج
فصدغاه ريحاني وعيناه نرجسي ... ومن ثغره لي أقحوان مفلّج
ووا حربا من حسن ورد بخدّه ... يطيف به من عارضيه بنفسج
الجفون: أغطية العيون، ثم تسمّى العين جفنا مجازا.
والسقم: فتور العين، ومن حسن التشبيه في ذلك قول أبي نواس: [الطويل]
فطب بحديث من نديم مساعد ... وساقية بين المراهق والحلم (١)
ضعيفة كرّ الطرف تحسب أنّها ... قريبة عهد بالإفاقة من سقم
وقال أيضا: [البسيط]
وشادن قال لي لما رأى سقمي ... وضعف جسمي والدّمع الذي انسجما
أخذت دمعك من لفظي، وجسمك من ... خصرى، وسقمك من طرفي الّذي سقما
وقال ابن الروميّ: [الكامل]
قلبي من الطرف السقيم سقيم ... لو أنّ من أشكو إليه رحيم
وقال ابن الزّقاق: [الوافر]
ومقلة شادن أودت بجسمي ... كأنّ السّقم لي ولها لباس
يسلّ اللّحظ منها مشرفيّا ... لقتلي ثم يغمد النّعاس
ولأبي العلاء بن زهر في مثل ذلك: [البسيط]
يا راشقي بسهام ما لها غرض ... إلّا فؤادي وما منها له عوض
وممرضي بجفون كلّها سقم ... صحّت وفي طبعها التمريض والمرض
امنن ولو بخيال منك يؤنسني ... فقد يسدّ مسدّ الجوهر العرض
стр. 278
الشمم: ارتفاع في لين الأنف، وهو من علامات الجمال والسؤدد، قال الفرزدق:
[البسيط]
بكفّه خيزران ريحه عبق ... من كفّ أروع في عرنينه شمم (١)
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فلا يكلم إلا حين يبسم
وقال آخر: [السريع]
في باعه طول وفي وجهه ... نور وفي العرنين منه شمم
وقال النابغة: [البسيط]
* شمّ العرانين ضرّابون للهام (٢) *
اللهب: اشتعال النار بغير دخان، فشبّه الحمرة في الخدّ وضياءه بحمرة النار، وكني به أبو لهب لجماله.
وقال ابن وكيع؛ فجمع السّقم واللهب: [مخلع البسيط]
واحزني من جفون ظبي ... أقام عذري بها عذاره
أسقم جسمي بسقم طرف ... حيّرني في الهوى احوراره
عجبت من جمر وجنتيه ... يحرقني دونه استعاره
هو اختياري فأبصروه ... شاهد عقل الفتى اختياره
وله قريب منه: [مخلع البسيط]
стр. 279
كأنّ صدغا له تراه ... وهو على خدّه مدار
بيت من الحسن لي إليه ... حجّ مدى الدّهر واعتمار
ولابن الزّقّاق: [الرمل]
بأبي من لم يدع لي لحظه ... في الهوى من رمق منذ رمق
جعلت نكهته في ثغره ... عبقا في نسق يسبي الحدق
وبدت خجلته في خدّه ... شفقا في فلق تحت غسق
وقال الخفاجيّ: [السريع]
يا بانة تهتزّ فينانة ... وروضة تنفح معطارا
كم دمع عين فيك قد أجريته ... وقلب صبّ فيك قد طارا
كنّي فسمّى قوسه حاجبا ... رمزا وسمّي النّبل أشفارا
فإن رمى يجرحني طرفه ... لحظته أجرحه ثارا
فيصبغ الدّرّ عقيقا به ... وأصبغ الألوان أزهارا
يدير للأعين من وجهه ... كعبة حسن حيثما دارا
قد طبع الحسن به درهما ... تسبك منه العين دينارا
فلي به عين مجوسيّة ... تعبد من وجنته نارا
غيره: [الطويل]
وأغيد تدمى وجنتاه من اللّمح ... تخلّق إلّا من صدودي بالشّحّ
غدا قاتلي أن ظلت أجرح خدّه ... متى صار بالقتل القصاص من الجرح!
الثغور: جمع ثغر وهو السنّ. وتقدّم الشنب في الثانية.
وقال العباس بن الأحنف في طيب الفم: [الطويل]
ذكرتك بالتفّاح لمّا شممته ... وبالرّاح لما قابلت أوجه الشّرب
وتذكّرت بالتّفاح منك سوالفا ... وبالرّاح طعما من مقبّلك العذب
وقال ديك الجنّ، واسمه عبد السلام: [الكامل]
بأبي فم شهد الضّمير له ... قبل المذاق بأنه عذب
كشهادة لله خالصة ... قبل العيان بأنّه الرّبّ
وقال أحمد بن محمد الغسانيّ: [المتقارب]
له مبسم برقه خاطف ... عقول الرجال إذا ما ابتسم
стр. 280
أقول له إذ بدا درّه ... شهدنا لصانعه بالحكم
أرى الدّر تثقبه الناظمون ... وما ثقبوا إذا فكيف انتظم!
وقال أبو بكر البلويّ: [المنسرح]
تقطف من ثغره ووجنته ... أنامل الطّرف زهرة عجبا
شقيقها مذهبا يرى خجلا ... وأقحوانا مفضّضا شنبا
وقال ابن بشر الكاتب: [المنسرح]
ولم نزل، والظلام حارسنا ... جسمين مستودعين في جسم
ألثمه في الدّجى وبرق ثنا ... ياه يريني مواقع اللّثم
ثم افترقنا عند الصّباح وقد ... أثّر فيه كهيئة الختم
وقال الشريف الرضيّ: [البسيط]
بتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقى ... يلفّنا الشّوق من فرق إلى قدم (١)
وبات بارق ذاك الثّغر يوضح لي ... مواقع اللّثم في داج من الظّلم
وقال المتنبي: [الطويل]
حسان التثني ينقش الوشي مثله ... إذا مسن في أثوابهنّ النّواعم (٢)
ويبسمن عن درّ تقلّدن مثله ... كأنّ التراقي وشّحت بالمباسم
فهذه معان مختلفة في أوصاف الثغر كلها حسان.
***
قوله: «والبنان بالترف»، أي الأصابع باللين والنعمة، وأحسن ما قيل في ذلك قول النابغة: [الكامل]
بمخضّب رخص كأنّ بنانه ... عنم يكاد من اللّطافة يعقد (٣)
فهذا تشبيه بديع.
وقال امرؤ القيس: [الطويل]
وتعطو برخص غير شثن كأنّه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل (٤)
стр. 281
وقال غيره: [السريع]
يا قمرا أبصرت في مأتم ... يندب شجوا بين أتراب (١)
أبرزه المأتم لي كارها ... من بين رايات وحجّاب
يبكي فيذري الدّرّ من نرجس ... ويلطم الورد بعنّاب
وقال عكّاشة: [الكامل]
سقيا لمنزلنا الّذي كان به ... يوم الخميس عشيّة أصحابا
إذ نحن نسقاها شمولا قرقفا ... تدع الصّحيح بعقله مرتابا
من كفّ جارية كأنّ بنانها ... من فضّة قد قمّعت عنّابا
وكأنّ يمناها إذا ضربت بها ... تلقي على يدها الشّمال حسابا
وقال آخر: [الوافر]
وحوراء اللواحظ بين قلبي ... وبين جفونها حرب البسوس
ترى ماء النّعيم يجول فيها ... كمثل الخمر في صافي الكئوس
كأنّ بنانها أقلام عاج ... مرصّعة الرأس بآبنوس
ووصف الخصور بالهيف، وهو الضّمر والرقة، وسنذكر معها ما يستظرف، وقد تقدّم قول ابن عبد ربه: [الكامل]
يا من تقطّع خصره من رقّة ... ما بال قلبك لا يكون رقيقا
وقال ابن الروميّ: [مجزوء الكامل]
وهبت له عيني الهجوعا ... فأثابها منه الدّموعا
ظبي كأن بخصره ... من ضمره ظمأ وجوعا
وقال عبيد الله بن عبد الله: [السريع]
سلمى وما سلمى تفوق المنى ... والحسن أوصافا وألوانا
وشاحها يحسد خلخالها ... كجائع يحسد شبعانا
وقال كشاجم في مقلوبه:
مساولة الكلّ غير بطن ... مثقل فهي عنكبوت
стр. 282
حجولها الدهر في اضطراب ... ووشحها كاظم صموت
وقال حبيب: [الطويل]
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخطّ إلّا أن تلك ذوابل (١)
من الهيف لو أنّ الخلاخيل صيّرت ... لها وشحا جالت عليها الخلاخل
أخذه القاضي ابن لبّال فقال: [الطويل]
جلوت لنا شيئا من الدّرّ عاطلا ... بعيشك لم جنّبته الجيد والنّحرا
فقالت ولم تكذب خشيت سقوطه ... وأومت إليّ فيها نظّمته ثغرا
كذلك إن عضّ السّوار بمعصمي ... وحاذرت أن يدميه حمّلته الخصرا
وأكثر ما يذكرون الخصر بالرّقة مع ذكر الكفل بالعظم، كما قال ديك الجن:
[الكامل]
وتمايلت فضحكت من أردافها ... عجبا، ولكنّي بكيت لخصرها
تسقيك كأس مدامة من كفّها ... ورديّة، ومدامة من ثغرها
وقال القاضي أبو حفص بن عمر:
مشت كالغصن يثنيه النّسيم ... ويعدوه النّسيم فيستقيم
لها ردف تعلّق من ضعيف ... وذاك الرّدف لي ولها ظلوم
يعذّبني إذا فكّرت فيه ... ويتعبها إذا رامت تقوم
وما حبّي لها إلا عذاب ... عليه من نضارتها نعيم
***
قوله: «سهوا». أي خطأ. والهامة: الرأس. وإلا فرمى الله جفني بالعمش، إنما ذكر العمش والنّمش وما بعده لأنها أضداد لما تقدم، وعند الإشارة لها يتبيّن من الغلام عند الوالي أضدادها، فيزداد حسنا. [الكامل]
* وبضدّها تتبيّن الأشياء (٢) *
والعمش: انتثار شعر العينين. والنّمش: أخفى من البرش. الجلح: الصّلع، وهو
стр. 283
انحسار الشعر من النّزعتين، وفعله جلح الرجل واجلخّ، كاسودّ. والطّلع: قد تقدّم في الثانية، وإذا علته خضرة سمّي بلحا. والبهار: نرجس المغرب، وهو أصفر، والورد أحمر، فدعا له بعلّة تذهب جمال وجهه وتصفّر حمرة خده. والبخار: كالبخر: النّتن.
والمسكة: أطيب العطر، فدعا له بتغير الرائحة. وتقدّم أن أطيب الطيب أنفاس عبقة من كبد سليمة.، وتقدّم في الثانية معنى قوله: «ووردتي بالبهار» منظوما، وقال الصابي في أبخر: [الكامل]
نطق ابن نصر فاستطارت جيفة ... في العالمين لنتن فيه الفاسد
فكأنّ أهل الأرض كلّهم فسوا ... متواطئين على اتّفاق واحد
وقالت جنان في أبي نواس: [الخفيف]
فإذا ما أردت أن تحمد اللّ ... هـ على ما أعطى وأولاك شكرا
فليكن ذاك بالضمير فمن سبّ ... ح بالفسو نال إثما ووزرا
وقال آخر: [السريع]
أهدى زريق قطّه لقمة ... قد لاكها في فمه الأبخر
فبادر القطّ إلى دفنها ... يحسبها من بعض ما قد خرى
قوله: «وبدري بالمحاق»، المحاق: أن ينمحق ضوء القمر فلا يبقى منه شيء.
واحتراق الفضة: اسودادها. وشعاعي بالظلام، أي صباحة وجهه ووضاءته بسواد اللحية، أي عاجلني لله بالالتحاء، ويريد بهذا كلّه أن يكسو بياض وجهه سواد الشعر، فيكسد ولا يلتفت إليه.
وقال ابن المعتزّ في مثل هذا الدعاء: [البسيط]
يا ربّ إن لم يكن في وصله طمع ... وليس لي فرج من طول هجرته
فاشف السّقام الّذي في طرف مقلته ... واستر ملاحة خدّيه بلحيته
ونقل لفظ احتراق الفضة من قول أبي الحسين الثّغريّ، وهو من شعراء اليتيمة:
[الرمل]
لي حبيب يزهى بحسن عجيب ... وبقدّ مثل القضيب الرطيب
أحدقت بالسواد فضة خدّي ... هـ، فقد أحرقت سواد القلوب
[مما قيل في العذار وفي الالتحاء]
ونذكر هنا ما يليق بهذا الموضع مما قيل في العذار وفي الالتحاء مما مدح به وذمّ، قال ابن عبد ربه: [الكامل]
стр. 284
ومعذّر نقش الجمال بمسكه ... خدّا له بدم القلوب مضرّجا
لما تيقّن أن سيف جفونه ... من نرجس جعل النّجاد بنفسجا
وقال ابن صارة: [الكامل]
ومعذّر رقّت حواشي حسنه ... فقلوبنا حذرا عليه رفاق
لم يكس عارضه السواد وإنّما ... نفضت عليه سوادها الأحداق
وقال عبد المحسن الصوريّ: [الوافر]
ومعتذر العذار إلى فؤادي ... لجرم سابق من مقلتيه
وكم أعرضت عنه فأعرضت بي ... عن الأعراض خضرة عارضيه
ولمّا قلت إنّ الشّعر يسعى ... لقلبي في الخلاص سعى عليه
وقال أبو القاسم الزاهي: [الكامل]
لولا عذارك ما خلعت عذاري ... لكنت في وزر من الأوزار
ما كنت أحسب أن أعاين أو أرى ... تخطيط ليل في بياض نهار
حتى نظرت إلى عذارك فاغتدى ... سقم القلوب ونزهة الأبصار
وللمعتمد بن عباد: [مخلع البسيط]
تمّ له الحسن بالعذار ... واختلط اللّيل بالنّهار
أخضر في أبيض تبدّى ... ذلك آسي وذا بهاري
لقد حوى مجلسي تماما ... إن يك من ريقه عقاري
وقال ابن حمدون: [مخلع البسيط]
ظلّ على خدّه العذار ... فافتضح الآس والبهار
وابيضّ هذا واسودّ هذا ... واجتمع اللّيل والنّهار
أغضّ عيني عنه لأنّي ... عليه من مقلتي أغار
فهذا كله حسن في مدح العذار؛ وإن كان النّذير بموت الجمال، فإذا تقوّى العذار واسودّ؛ صاروا إلى نعيه، كما قال أبو بكر البلويّ: [السريع]
انظر إلى ميت ولكنّه ... خلو من الأكفان والغاسل
قد كتب الدهر على خدّه ... بالشّعر: هذا آخر الباطل
وله في ضدّه: [مجزوء الكامل]
стр. 285
لمّا التحى من قد هويت ... وقلت رسم قد دثر
عاينت من طلّابه ... زمرا مواصلة زمر
وكذاك أصحاب الحديث ... نفاقهم عند الكبر
وكما قال أبو الحسن بن الحاجّ:
أبا جعفر مات فيك الجمال ... فأظهر خدّك لبس الحداد
وقد كان ينبت زهر الرّياض ... فأصبح ينبت شوك القتاد
أبن لي متى كان بدر السما ... ء يدرك بالكون أو بالفساد!
وهل كنت في الملك من عبد شمس ... فأخنى عليك ظهور الفساد
وقال سعيد بن حميد في غلام التحى: [الكامل]
هلّا وأنت بماء وجهك يستقى ... روض الشّباب قليل شعر العارض
فالآن حين بدت بخدّك لحية ... ذهبت بحسنك ملء كفّ القابض
مثل السّلافة عاد خمر عصيرها ... بعد اللّذاذة مثل خلّ الحامض
وقال عليّ بن بسام في أخيه جعفر: [البسيط]
يا من نعته إليّ الإخوان لحيته ... أدبرت والدّهر إقبال وإدبار
قد كنت ممّن يهشّ الناظرون له ... تغصّ دونك أسماع وأبصار
أيّام وجهك مصقول عوارضه ... وللرّياض على خدّيك أنوار
فيا لدهر مضى ما كان أحسنه ... إذا أنت ممتنع، والشّرط دينار
حانت منيّته فاسودّ عارضه ... كما تسوّد بعد الميّت الدّار
وفيه يقول أيضا: [البسيط]
حانت وفاتك يا أبا العباس ... فدع المكاس فلات حين مكاس
ما بال وجهك بعد كثرة نوره ... قد سوّدوه بحالك الأنفاس!
أين الدّنانير التي عوّدتها ... هيهات جاء الشعر بالإفلاس
كانت بخد ثيابه ديباجة ... فاستبدلت حلسا من الأحلاس
وكذا البناء فغير مرتفع إذا ... كانت بليته من الآساس
وقال مصعب الماجن: [الكامل]
قد صافحت أقطار خدّك لحية ... تركته وهو مسوّد الأقطار
فكأنّ خط الشّعر في جنباته ... ليل أقام على نجوم أو نهار