← Адаб

Адаб · id 760

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

المقامة السّابعة عشرة القهقريّة حدث الحارث بن همام قال: لحظت في بعض مطارح البين، ومطامح العين، فتية عليهم سيما الحجا، وطلاوة نجوم الدّجى. وهم في مماراة مشتدّة الهبوب، ومباراة مشتطة الألهوب، فهزّني لقصدهم هوى المحاضرة، واستجلاء جنى المناظرة. فلمّا التحقت برهطهم، وانتظمت في سمطهم، قالوا: أأنت ممن يبلى في الهيجاء، ويلقي دلوه في الدّلاء؟ فقلت: بل أنا من نظارة الحرب، لا من أبناء الطّعن والضّرب. فأضربوا عن حجاجي، وأفاضوا في التّحاجي. *** لحظت: نظرت. مطارح: جمع مطرح، وهو الموضع تطرح فيه نفسك، أي ترميها فيه. البين: الفراق، فيريد بمطارح البين البلاد التي طرحه فيها البين ورماه إليها. ومطامح العين: المواضع الحسان التي تطمح فيها العين بالنّظر، أي ترتفع إليها. سيما الحجا: علامة العقل، والسّيما من وسمت الشيء وسما إذا علّمته، وأصله «وسمى»، فحوّلت الواو من موضع الفاء إلى العين. فصار سومي، فقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها. طلاوة: حسن. الدّجا: الظّلمة. المماراة: الخصام. مشتدّة: كبيرة الحركة. والشدّ: الجري. الهبوب: مجيء الريح: مباراة: معارضة. مشتطّة: ممتدّة متجاوزة الحدّ. الألهوب: الجري الشديد، فأراد أن حركة الكلام بينهم في المناظرة شديدة. والمحاضرة: مجالسة العلماء. مناظرة: سؤال العالم لتعلم حسن نظره وقدر معرفته. جناها: فوائدها. رهطهم: جماعتهم. انتظمت في سمطهم، أي جلست بينهم. يبلى في الهيجاء: يقاتل في الحروب. النظارة: القوم يقعدون في موضع مرتفع من الأرض ينظرون منه القتال ولا يشهدونه، فأراد أنني ممن يحضر معكم للاستماع، لا للمناظرة. الحجاج: مصدر حاجّة، تقول: حاججت فلانا إذا أوردت عليه الحجّة وأوردها عليك، فإن غليته قلت: حججته. أفاضوا في الأحاجي: اندفعوا فيالألغاز. *** وكان في بحبوحة حلقتهم، وإكليل رفقتهم، شيخ قد برته الهموم، ولوّحته السّموم، حتّى عاد أنحل من قلم، وأقحل من جلم، إلا أنه كان يبدي العجاب، إذا

стр. 457

أجاب، وينسي سحبان، كلّما أبان. فأعجبت بما أوتي من الإصابة، والتّبريز على تلك العصابة، وما زال يفضح كلّ معمّى، ويصمي في كلّ مرمى، إلى أن خلت الجعاب، ونفد السؤال والجواب. فلمّا رأى إنفاض القوم، واضطرارهم إلى الصّوم، عرّض بالمطارحة، واستأذن في المفاتحة. فقالوا له: حبّذا، ومن لنا بذا! *** بحبوحة: وسط. إكليل: دائرة، وأصلها عصابة مكلّلة بالدرّ والياقوت، تعتمد على رءوس الملوك. رفقتهم: جماعتهم. برته: أذهبت لحمه. لوّحته: غيّرته وأضمرت جسمه. السّموم: الريح الحارّة. أقحل: أيبس. جلم: مقصّ، وأكثر ما يستعمل مثنّى، فيقال: جلمان، والعجب من أبي محمد يقول في الدرّة: ويقولون: قرضت بالمقراض، وقصصت بالمقصّ فيهمون، كما وهم بعض المحدثين حين قال في صفة مزنون بالقيادة، وإن كان قد أبدع في الإجادة: [السريع] إذا حبيب صدّ عن إلفه ... تيها وأعيا كلّ روّاض ألّف فيما بين شخصيهما ... كأنّه مسمار مقراض قال: والصّواب أن يقال: مقراضان ومقصّان وجلمان، لأنهما اثنان. فما منعه غيره أباحه هنا لنفسه، فقال: أقحل من جلم، ولا نقول كما قال: إنه وهم، بل نقول: إنها لغة قليلة. قال يعقوب: والجلم الذي يجزّ به، وقال رجل من الأزد في مفرد مقراض: فعليك ما اسطعت الظّهور بلمّتي ... وعليّ أن ألقاك بالمقراض وقال الراجز في مفرد الجلم: [الرجز] * وجلم كريشة الوقواق* والوقواق: الخطّاف، والجسم النّحيل يشبّه بالقلم والجلم، وقلب الشاعر التشبيه وألغز بالقلم، فقال: [المتقارب] ضئيل الرّواء كثير الغناء ... من البحر في المنصب الأخضر كمثل أخي العشق في شخصه ... وفي لونه من بني الأصفر وقال ابن أبي لبابة في جلم: [الوافر] ومعتنقين ما اتّهما بعشق ... وإن وصفا بضمّ واعتناق

стр. 458

لعمرو أبيك ما اجتمعا لمعنى ... سوى معنى القطيعة والفراق وتقدّم في الثانية من أبيات المعاني فيه: [البسيط] ارعت مراتع مدراها على وهن ... صنوين إن أفردا لم يرعيا أبدا أبان: بيّن. التّبريز: الظهور والخروج قبلهم. العصابة: الجماعة. يفضح: يشهر عيبه. معمّى: مستور. يصمي: يصيب المقتل. خلت الجعاب: أي أفرغ الكلام، والجعبة: وعاء السهام، فكنى بها عن القلوب، وبالسهام عن الكلام الذمي يصدر عنها. الإنفاض: فناء الزاد، وقد أنفض القوم، وأراد نفاد ما عندهم من العلم. الصّوم: السّكوت والإمساك عن الكلام. المطارحة، أصلها في الغناء، وهو ما يأخذه المتعلّم عن المعلّم وعرّض بها، أي ذكرها. المفاتحة: استفتاح الكلام. *** فقال: أتعرفون رسالة أرضها سماؤها، وصبحها مساؤها، نسجت على منوالين، وتجلّت في لونين، وصلّت إلى جهتين، وبدت ذات وجهين، إن بزغت من مشرقها، فناهيك برونقها، وإن طلعت من مغربها، فيا لعجبها! قال: فكأن القوم رموا بالصّمات، أو حقّت عليهم كلمة الإنصات. فما نبس منهم إنسان، ولا فاه لأحدهم لسان، فحين رآهم بكما كالأنعام، وصموتا كالأصنام، قال لهم: قد أجّلتكم أجل العدّة، وأرخيت لكم طول المدّة، ثمّ هاهنا مجمع الشمل، وموقف الفصل، فإن سمحت خواطركم مدحنا، وإن صلدت زنادكم قدحنا، فقالوا له: والله ما لنا في لجّة هذا البحر مسبح، ولا في ساحله مسرح، فأرح أفكارنا من الكدّ، وهنّئ العطيّة بالنّقد، واتّخذنا إخوانا، يثبون إذا وثبت، ويثيبون متى استثبت. فأطرق ساعة، ثم قال: سمعا لكم وطاعة، فاستملوا منّي، وانقلوا عنّي ... *** أرضها سماؤها: يريد أعلاها أسفلها. صبحها مساؤها: أولها آخرها. المنوال: خشبة الحائك، أراد أنها نسجت من الطّرفين، لأنّك تبتدئها بالقراءة إن شئت من أولها، وإن شئت من آخرها. بزغت: طلعت. ناهيك: كافيك.

стр. 459

رونقها: حسنها، والرّونق: صفاء الوجه وحسنه ونعمته. الصّمات: السكوت، والإنصات مثله. نبس: تكلم. الأنعام: المواشي. أجّلتكم: أخّرتكم والعدّة هنا: عدة الموت، لأنها أطول العدد، ألا ترى أنه أرخى لهم طول المدة؛ والطّول: الحبل. والشّمل: الاجتماع. الفصل: القضاء، يقول: قد طوّلت لكم الأمد لتستخبروا هذه الرسالة، وفي هذا الموضع يكون اجتماعنا ويفصل فيه بين العارف وضده. خواطركم: أذهانكم. صلدت: شحت. قدحنا: ضربنا زند النار، يقول: إن عرفتموها مدحناكم وإن جهلتموها عرّفناها لكم، وجعل صلود الزند كناية عن جمود القرائح. لجّة: معظم الماء. مسبح: موضع يسبح فيه، أي يعام. مسرح: موضع يسرح فيه، أي يمشي ويتصرّف. الكد. الجهد والتعب. هنيء: طيّب. النقد: حضور المال. يثبون: يقومون لقيامك. يثيبون: يهبون الثواب. استثبت: طلبت الثواب. استملوا: اكتبوا. *** الإنسان صنيعة الإحسان، وربّ الجميل فعل النّدب، وشيمة الحرّ ذخيرة الحمد، وكسب الشّكر استثمار السّعادة، وعنوان الكرم تباشير البشر، واستعمال المداراة يوجب المصافاة، وعقد المحبّة يقتضي النّصح، وصدق الحديث حلية اللّسان، وفصاحة النّطق سحر الألباب، وشرك الهوى آفة النّفوس، وملل الخلائق شين الخلائق، وسوء الطّمع يباين الورع، والتزام الحزامة زمام السّلامة، وتطلّب المثالب، شرّ المعايب، وتتبّع العثرات، يدحض المودّات، وخلوص النّيّة، خلاصة العطيّة. وتهنئة النّوال ثمن السّؤال، وتكلّف الكلف، يسهّل الخلف، وتيقن المعونة يسنّي المئونة، وفصل الصّدر، سعة الصدر، وزينة الرّعاة، مقت السّعاة، وجزاء المدائح، بثّ المنائح، ومهر الوسائل، تشفيع المسائل، ومجلبة الغواية، استغراق الغاية، وتجاوز الحدّ يكلّ الحدّ. *** صنيعة: ما يصطنعه الإنسان لغيره من الخير، يريد أن الإنسان أهل الإحسان، وإن عكست قلت: الإحسان صنيعة الإنسان، أي إصلاح الإحسان وتتميمه من صنع من يوصف بالإنسانيّة وقد تقدّم: [المتقارب] * وما فيهم من يربّ الصّنيع* وقال أعرابيّ لعبد الملك بن مروان: [الطويل] يرب الّذي يأتي من الخير إنه ... إذا فعل المعروف زاد وتمّما

стр. 460

وليس كبان حين تمّ بناؤه ... تتبّعه بالنّقض حتى تهدّما فمعنى يربّ، هو قوله: زاد وتمّما. النّدب: السّيّد الخفيف: شيمة: طبيعة. الذخيرة: الشيء الرفيع من مال أو غيره، والادخار كالاقتناء. استثمار: تناول الثمر: عنوان: دليل: تباشير: أوائل، وتباشير الصبح: طرائق ضوئه في الليل؛ ويقال للطرائق التي تراها على وجه الأرض من آثار الرياح: التّباشير. البشر: طلاقة الوجه. المداراة: خداع القلوب بلطف الكلام، ومداراة الناس: معاملتهم بما يحبّون. المصافاة: إخلاص الصحبة. عقدها: ربطها. يقتضي: يتضمّن. حلية: زينة. الألباب: العقول. الهوى: ما يهواه الإنسان ويميل إليه. آفة: داء. الخلائق: الناس. شين: عيب. الخلائق: الطبائع، يقول: الملل في الناس يعيب أخلاقهم. سوء الطمع: كثرة الحرص. تباين: تباعد. الورع: الكف عمّا فيه إثم، وقد ورع الرجل يرع ورعا ورعة؛ إذا كفّ عمّا لا يحلّ، والورع بفتح الراء: الجبان، وقد ورع وورع، وقال عروة بن أذينة في ذمّ الطمع: [البسيط] لقد علمت وخير القول أصدقه ... بأنّ رزقي وإن لم آت يأتيني أسعى له فيعنيني تطلّبه ... وإن قعدت أتاني لا يعنيني لا خير في طمع يدني إلى طبع ... وعقة من قوام العيش تكفيني (١) وأنشد الحريريّ البيت الأول في الدرة: [البسيط] لقد علمت وما الإسراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني (٢) قال: فيروي أكثرهم «الإسراف» بالسين المهملة، وروى بعضهم بالشين المعجمة، ليكون معناه التطلّع إلى الشيء والاستشراف إليه. *** [عروة بن أذينة وهشام بن عبد الملك] قال: ولهذا البيت حكاية تحثّ على استشعار اليقين، وإعلاق الأمل بالخالق دون

стр. 461

المخلوقين، فحليته بها تحلية لعاطله، ومنبّهة على صدق قائله؛ وهو ما رويته من عدّة طرق: أن عروة هذا وفد على هشام بن عبد الملك في جماعة من الشعراء، فلما دخل عليه عروة قال له ألست القائل: لقد علمت وخير القول أصدقه ... الأبيات. وأراك قد جئت تضرب من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق! فقال له: لقد وعظت يا أمير المؤمنين فبالغت في الوعظ، وأذكرت ما أنسانيه الدهر. وخرج من فوره إلى راحلته فركبها، ثم نصّها نحو الحجاز. فمكث هشام يومه غافلا عنه، فلمّا كان من الليل تعارّ (١) على فراشه، فذكره فقال: رجل من قريش قال حكمة، ووفد إليّ اليوم، فجبّهته ورددته عن حاجته! وهو مع هذا شاعر، لا آمن ما يقول. فلما أصبح سأل عنه، فأخبر بانصرافه، قال: لا جرم، ليعلم أنّ الرزق سيأتيه، ثم دعا بمولى له، فأعطاه ألفي دينار، وقال: الحق بهذا، أين أدركته فأعطه إياها. قال: فلم يدركه إلا وقد دخل بيته، فقال: أبلغ أمير المؤمنين السلام وقل له كيف رأيت! *** قوله: «الحزامة»: جودة الرأي، والحازم: الجامع لرأيه، المحكم لأموره وأصل الحزم الجمع والشدّ، ومنه الحزمة، وحزمت المتاع جمعته وشددته، ومنه الحزام لأنه يشدّ به وقد حزم الرجل: صار حازما. الزّمام: مقود البعير. المثالب: المساوي، وثلبه: ذكره بسوء. التطلّب: البحث، يريد أن البحث عن عيوب الناس من أكبر العيوب، قال رجل للمستورد الخارجيّ: أريد غلاما عيّابا، قال: التمسه بفضل معايب فيه. وكان يقول: أوّل ما يدلّ على عائب الناس معرفته بالعيوب. ومعاوية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّك إن اتّبعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت تفسدهم» (٢). أبو الدرداء: كلمة سمعها معاوية من رسول الله ﷺ نفعه الله بها: «مرّ المسيح صلوات الله عليه بقوم من اليهود، فقالوا له شرّ، فقال خيرا، فقيل له في ذلك، فقال: كلّ ينفق مما عنده».

стр. 462

وكتب الشافعيّ ﵁ لصديق له: [الطويل] لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرّني أنّي خطرت ببالك (١) وأتى الشافعيّ ﵁ مسجدا، فصادف قوما يغتابونه، فسدّ الباب وقال: [الطويل] هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت (٢) وقال الشاعر: [السريع] ثالبني عمرو وثالبته ... فأتم المثلوب والثالب قلت له خيرا وقال الخنى ... كلّ على صاحبه كاذب قوله: «العثرات»، السقطات. يدحض: يبطل، يريد أنّ البحث عن عيوب الصاحب يبطل مودّته. أبو بردة الأسلمي ﵁: خطب رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه، لا تذمّوا النّاس ولا تعيّروهم، ولا تتّبعوا عوراتهم، فإنه من يلتمس عورة أخيه تتبّع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في بطن بيته» (٣). وقال سابق البربريّ: [الوافر] إذا ما كنت طالب كلّ ذنب ... ولم تحلل أخاك عن العتاب تباعد من تباعد بعد قرب ... وصار بك الزّمان إلى اجتناب وقال عبد الله بن جعفر: عليك بصحبة من إن صحبته زانك، وإن غبت عنه صانك، وإن احتجت إليه مانك، وإن رأى منك خلّة سدّها، أو حسنة عدّها. وقال الحسن بن وهب: من حقوق المودّة أخذ عفو الإخوان والإغضاء عن تقصير إن كان. وقيل: خير الإخوان من إذا نسيت ذنبك لم يقرعك به، ومعروف عندك لم يمنّ عليك به. وقال الشاعر: [الطويل] إذا شئت أن تدعى كريما مهذّبا ... سنّيا سريّا ماجدا فطنا حرّا إذا ما بدت من صاحب لك زلّة ... فكن أنت محتالا لزلّته عذرا

стр. 463

قوله: «خلوص النية»، صفاؤها، أي من أخلص لك النية؛ فكأنه قد أعطاك خالص ماله، والخلاصة: ما خلص من الشيء وصفا. النوال: العطاء. الكلف: المشقّات. يسنّي. يسهّل. المئونة: خدمة الضيف وما ينفق عليه، يقول: من تيقّن أن الله يعينه على البرّ أو ما ينويه من الحقوق، سهّل عليه تكلّف المؤن؛ وهو من قول النبي ﷺ : «إنّ الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (١). وقال ﷺ : «من عظمت نعمة الله عنده عظمت مئونة الناس عليه فإن لم يقم بتلك النعمة عرّض النعمة للزوال». وأما معكوس ما قبله، وهو تيقّن الخلف يسهل الكف، فمن قوله ﷺ «من أيقن بالخلف جاد بالعطية». قال محمود الورّاق: [البسيط] من ظنّ بالله خيرا جاد مبتدئا ... والبخل من سوء ظنّ المرء بالله قالوا: للمعروف ثلاث خصال: تعجيله وتيسيره وستره، فمن أخلّ بواحدة منها، فقد بخس المعروف حقّه، وسقط منه الشكر. قوله: «الفضل»، هو الزيادة على قدر الحاجة. الصّدر: هو المتقدم في الأمور، مثل الوالي وسيّد القوم، يقول: من يتصدّر لأمور الناس، ففضله وشرفه سعة خلقه. الرّعاة: الولاة. مقت السّعاة: بغض العمّال الذين يجمعون الزكاة. والسّعاة أيضا المشّاءون بالنميمية للملوك، فيقول: زين الملوك بغض العمال الذين جرت العادة في قديم الزمان وحديثه بظلمهم الناس، فإذا أبغضوهم بحثوا على أعمالهم الفاسدة، فخافوهم فعدلوا، وأما بغض المشّائين النّميمة للملوك فواجب، لقول النبي ﷺ «لعن الله المثلب». قيل: ومن المثلب يا رسول الله؟ قال: «الذي يسعى بصاحبه إلى سلطان، فيهلك نفسه وصاحبه وسلطانه» (٢). قوله: «بثّ»، أي نشر. المنائح: العطايا، يقول: جزاء المدح بذل المال، وأصل المنائح بذل فوائد الأموال لا الأموال. مهر: حقّ، الوسائل، القرب، والوسيلة ما تجعله سببا بينك وبين من تريد الوصول إليه مثل الشفيع والهدية في قضاء حاجتك. المسائل: جمع مسألة، وهي هنا سؤال المحتاج. والمجلبة: مفعلة من الجلب، والمعنى: حق الوسيلة قضاء الحاجة. الغواية: الضّلالة. استغراق: تجاوز الحدّ،

стр. 464

والحدّ: الأوّل الفصل بين الشيئين، وأصله المنع، والحدّ الآخر حدّ السيف وشبهه. يكلّ: يضعف. *** وتعدّي الأدب، يحبط القرب، وتناسي الحقوق، ينشئ العقوق، وتحاشي الرّيب يرفع الرّتب، وارتفاع الأخطار باقتحام الأخطار، وتنوّه الأقدار بمواتاة الأقدار، وشرف الأعمال في تقصير الآمال، وإطالة الفكرة تنقيح الحكمة، ورأس الرّئاسة تهذّب السّياسة، ومع اللّجاجة تلغى الحاجة، وعند الأوجال تتفاضل الرّجال، وبتفاضل الهمم تتفاوت القيم، وبتزيّد السّفير يهن التّدبير، وبخلل الأحوال تتبيّن الأهوال، وبموجب الصّبر ثمرة النّصر، واستحقاق الإحماد بحسب الاجتهاد، ووجوب الملاحظة، كفاء المحافظة، وصفاء الموالي بتعهد الموالي، وتحلّي المروءات يحفظ الأمانات، واختبار الإخوان بتخفيف الأحزان، ودفع الأعداء بكفّ الأودّاء، وامتحان العقلاء بمقارنة الجهلاء، وتبصّر العواقب يؤمن المعاطب، واتقاء الشّنعة ينشر السّمعة، وقبح الجفاء ينافي الوفاء، وجوهر الأحرار عند الأسرار. *** تعدّي: تجاوز. يحبط: يفسد. ينشئ العقوق: يظهر المقاطعة. تحاشى: ترك واعتزال. الرّيب: التّهم. الرّتب: المنازل الرفيعة، قال بعض الحكماء: ثلاثة لا غربة معهنّ: مجانبة الرّيب، وحسن الأدب، وكفّ الأذى. ونظمها الشاعر فقال: [المتقارب] يزين الغريب إذا ما اغترب ... ثلاث، فمنهنّ حسن الأدب وثانية حسن أخلاقه ... وثالثهنّ اجتناب الرّيب وقال عمرو بن العاص ﵁ لدهقان بعض ملوك العجم: بم ينبل الرجل عندكم؟ قال: بترك الكذب، فإنه لا يشرف إلا من وثق بقوله. وبقيامة بأهله، فإنه لا ينبل من يحتاج أهله إلى غيره، وبمجانبة الرّيب فإنه لا يعزّ من لا يأمن أن يصادف على سوأة. وبالقيام بحاجات الناس، فإنه من رجي الفرج لديه كثرت غاشيته. قوله: «ارتفاع الأخطار» أي شرف الأقدار والقيم. اقتحام: دخول شديد، يقال: فلان يقتحم في الأمور، أي يدخل فيها بغير تثبّت ولا رويّة، وتقحّمت الناقة، إذا ندّت فلم يمسكها راكبها، ومنه قحمة العرب، سمّيت قحمة، لأنهم إذا أجدبوا تركوا البادية ودخلوا الريف.

стр. 465

الأخطار: جمع خطر، وهو الغرر. تنوّه: ترفع. مواتاة: موافقة. الأقدار: الأول جمع قدر الإنسان، أي منزلته، والأقدار الثاني: جمع قدر الله تعالى. وقال الشاعر: [الكامل] الجدّ أنهض بالفتى من عقله ... فانهض بجدّ في الحوادث أو ذر ما أقرب الأشياء حين يسوقها ... قدر وأبعدها إذا لم تقدر تقصير الآمال: تقليل الرجاء وكفّه، ومن قلل الطمع شرف عمله الفكرة: التدبير. تنقيح: تخليص، وأصله أن تشذب العقد من العود أو القصب حتى يستوي موضعها مع القصب. قال الشاعر: [الطويل] وطارت بصلب قوّضت عند بيتها ... له أبن ما قوّضت وكعوب صلب: عمود البيت؛ جدبته المرأة لتضربه به فتهدّم بيتها. تهذب: تخلص: والمهذب: المخلّص من العيوب. والسياسة: حسن المداراة. واللجاجة: ركوب الرأس في الباطل: تلفى: توجد ويروى: «تلغى» و «تلقى»، ومعناهما تترك وتطرح. والحاجة: ما يحتاج إليه، فإن عكست رجعت الحاجة الفقر، يريد: إذا لججت في شيء أدركت حاجتك، وعلى «تلغى» إذا وقعت لجة في حاجتك تركت، وعلى العكس: من افتقر لجّ في السؤال حتى يعطى. الأوجال: جمع وجل، وهو الفزع، والمعنى، أنّ تفاضل الرجال في الصّبر عند النوازل. سلمان ﵁: قال رسول الله ﷺ «ليس شيء خيرا من ألف مثله إلا الإنسان». وقال الشاعر: [الطويل] ولم أر أمثال الرّجال تسارعوا ... إلى الخير حتى عدّ ألف بواحد وفي عكسه يقول: الأمور المخوفة تصغر على العظيم وتعظم على الصغير، فعلى قدر ما يفضل الرجل صاحبه في عزمه وإقدامه تتزايد الأوجالو تنتقض. وقد قال المتنبي: [الطويل] على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم (١)

стр. 466

وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم الهمم: جمع همّة. تتفاوت: تتباعد ما بينها. القيم: المنازل. السفير: الرسول: يهن: يضعف، والمعنى أن السفير إذا تعدّى فزاد في الحديث ضعف التدبير، ولو عكست لقلت: إن تدبير المرسل إذا اختلّ ضعف السفير، وإن كان حازما، وعلى هذا أنشدوا: [السريع] إذا كنت في حاجة مرسلا ... فأرسل حكيما ولا توصه (١) وإن ناصح منك يوما دنا ... فلا تنأ عنه ولا تقصه وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور لبيبا ولا تعصه وذو الحقّ لا تنتقص حقّه ... فإنّ القطيعة في نقصه ولا تحرصنّ فربّ امرئ ... حريص مضاع على حرصه قوله: «خلل»، فساد. والإحماد: أن تجد الرجل محمودا. والاجتهاد: بلوغ الجهد، وهو أقصى الطاقة، والمعنى: أنّ الرجل يستحق أن يكون محمودا بحسب ما بذل من اجتهاده وطاقته؛ ولو عكست لقلت: الاجتهاد واجب عليك فيما كلفته بحسب إحمادك من كلّفك. الملاحظة: النظر بمؤخر العين. المحافظة: التحرّز، والمعنى: إنك إذا أوجبت ملاحظة حال المحافظ لك، ففعلك ذلك كفاء محافظته، وإن عكست قلت إن المحافظة لك إذا صفت محافظته فهي كفاء ملاحظتك. الموالي: الذي يوالي الخير، والكرم، أي يفعل المرة بعد المرة. تعهّد: تفقّد. الموالي: بنو العمّ، وقيل: الموالي معن والاك بعتق أو بحلف أو بصحبة، فكلّ واحد منهما مولّى للآخر، والموالي بالضم بالفاعل، والمعنى إذا تعاهدت من والاك بما أوجبه ولاؤه من رعايته، صفت مودته لك، وإن عكست قلت: إن الموالي يتعهدون من والاهم. والصحيح في هذا الموضع أنّ الموالي الذي يوليك ودّه، والموالي: العبيد والأتباع. وسألني الأستاذ المقرئ الحاجّ ابن السّقاط في هذا الموضع، فأجبت بما تقدّم، فقال لي: معنى هذا الموضع غائب عمّن لا يعرف سيرة أهل المشرق، وذلك

стр. 467

أنّ الرجل الشريف حين يصبح عندهم يأمر مواليه أن يقصدوا نظراءه من الأشراف والأعيان، فيأتون باب الشريف، فيستأذنون عليه، ويدخلون إليه ويقولون له: ينعم مولانا صباحك، ثم يسألونه عن حاله وعمّا حدث عنده ثم يفعلون كذلك بجميع أصحاب مولاهم، وكذلك يفعل موالي ذلك المقصود في قصد نظراء مولاهم، فتنضبط بذلك عندهم الرّعايات بين الأصدقاء والأقارب، وتتزايد المودّات بين الأولياء والأجانب. فعلى هذاالمعنى يقول في تعهد الموالي، وهو حسن إن شاء الله تعالى. قوله: «تحلّي»، أي تزيّن. والمروءات، تقدمت. وتخفيف الأحزان: تهوين الطوارئ والنوازل. الأودّاء: والأحباب، يريد أنهم يكفون الأعداء، ورواية ابن ظفر «دفع العداء»، وأنكر «الأعداء»، وقال: العداء بالفتح والمد: الظلم. امتحان: اختبار، يقول: إنما يتبيّن لك العاقل بمقارنته وبمصاحبته للجاهل، لأنّه لا يوافقه، وإن عكست قلت: الجاهل إذا صحب العاقل تبصّر وانتقى جهله. وقالوا: إذا أردت أن تفحم عالما فأحضره جاهلا. وقال الشاعر: [الكامل] عدوي البليد إلى الجليد سريعة ... والجمر يوضع في الرماد فيخمد وقال ﷺ : «ويل لعالم أمر من جاهله». وجاء كيسان إلى الخليل يسأله، ففكّر ليجيبه فلمّا استفتح الكلام، قال له: لا أدري ما تقول! فقال الخليل: [الكامل] لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت أجهل ما تقول عذلتكا لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا تبصّر العواقب: إمعان النظر في عاقبة الأمور. والمعاطب: المهالك، يريد من نظر في عاقبة أمره أمن ما يحذر. الشّنعة: الفعل القبيح ينشر ذكره. السّمعة: الذكر الجميل يسمع عنك، أو القبيح فينشر في الناس. الجفاء: سوء الأدب، وثقل الكلام. وينافي: يباعد. الوفاء: ضد الغدر. *** ثم قال: هذه مائتا لفظة، تحتوي على أدب وعظة، فمن ساقها هذا المساق، فلا مراء ولا شقاق، ومن رام عكس قالبها، وأن يردّها على عقبها، فليقل: الأسرار عند الأحرار، وجوهر الوفاء، ينافي الجفاء، وقبح السّمعة ينشر الشّنعة، ثمّ على

стр. 468

هذا المسحب فليسحبها، ولا يرهبها، حتّى تكون خاتمة فقرها، وآخرة دررها. وربّ الإحسان صنيعة الإنسان. *** تحتوي: تشتمل. عظة: موعظة. المراء والشقاق، معناهما الخلاف، والعكس ردّ أول الكلام على آخره، وهو الردّ على العقب كما ذكره، وهو معنى القهقرة الّذي سمّى به المقامة، ولذلك لم ينسبها إلى بلد. والقهقرة: رجوع الرجل عنك، كما جاء عليك، وذكر أن يرجع إلى خلف، وهو يستقبلك بوجهه، وهو الردّ على العقب، وذلك أنّ الرجل إذا توجّه مقبلا إليك، فإنما يقدّم في مشيه إليك صدور قدميه، فإذا تقهقر قدّم في مشيه عقبه، وأصل القهقر: الحجر المدحرج، فإذا ضربته تدحرج في جريه، حتى يستقرّ، فإذا أردت أن يرجع إلى الموضع الذي جاء منه ضربته فتدحرج راجعا إلى جهة موضعه، فشبّه رجوع الرجل على ما وصفنا، وكذلك هذه الرسالة رجوع آخرها إلى أولها، مشبّه بذلك. ولذلك شبّه الأعرابي فرسه في اجتماعه بالحجر (١) فقال: محبوبك مهملج (٢) كما تقهقر الأدعج. والمسحب: الطريق الذي تجرّ فيه الشيء. يرهبها: يخفها، أي لا يخرج الألفاظ عن طريقها فتختلّ، وذلك أن هذه الرسالة مركّبة كلها من مبتدأ وخبر، فإن وقفت فيها على مبتدأ في أولها أو آخرها أو وسطها، فأقرأه مع ما بعده تجده مستقيما، واقرأه مع ما قبله تجده كذلك، فإن وقفت على خبر مبتدأ فلا يستقيم مع ما بعده، وهو مع ما قبله أبعد، فأراد بقوله «لا يرهبها» لا يبتدئ لفظه بغير مبتدأ فتتداعى مبانيها، وتبطل معانيها فتفهمه. والفقر في غير الموزون مثل القوافي في الموزون، والفقر مشتقة من فقار الظهر، لأنها تنقطع على قافيتين أو ثلاثة، وهذا هو الفرق بين الفقر والأسجاع إذ الأسجاع كلّها ترجع إلى قافية واحدة من سجع الحمام وهو لا يختلف، ولهذا قال المعرّي في الغراب: [الطويل] أتى وهو طيار الجناح وإن مشى ... أشاع بما أعيا سطيحا من السّجع (٣) وسطيح: كاهن، وكلامه أسجاع. *** قال الراوي: فلمّا صدع برسالته الفريدة، وأملوحته المفيدة، علمنا كيف

стр. 469

يتفاضل الانشاء، وأنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. ثمّ اعتلق كلّ منّا بذيله، وفلذ له فلذة من نيله، فأبى قبول فلذتي، وقال: لست أزرأ تلامذتي. فقلت له: كن أبا زيد، على شحوب سحنتك، ونضوب ماء وجنتك، فقال: أنا هو على نحولي وقحولي، وقشف محولي، فأخذت في تثريبه، على تشريقه وتغريبه. *** صدع: كشف وشقّ. الفريدة: التي لا مثل لها. أملوحته، يريد بها الرسالة، والأملوحة: الكلام المليح، يعجب له السامع. والإنشاء: الكتابة. فلذ: قطع فلذة: قطعة، وأصلها قطعة من كبد البعير. قال الشاعر: [البسيط] تكفيه حزّة فلذ إن ألمّ بها ... من الشّواء ويروي شربه الغمر (١) نيله: عطائه. أرزأ: أنقص. والتلميذ: هنا متعلم العلم، ولذلك أبى أن يأخذ منه شيئا، وهو في كلّ مقامة إذا تعرّض للكدية يفرده بالأخذ منه، أو يبتدئ التقدير منه، وذلك أنّ الجماعة في هذه المقامة اشترطوا مناظرته، وابن همام شرط أنّه من نظّارة الحرب، أي إنّما جلس لينظر ويتعلّم، فلهذا أخذ منهم وتركه، وزاده فائدة التنبيه على أنه أبا زيد، ولذلك قال له: كن أبا زيد، وكن أتى به بلفظ الأمر، ومعناه الدعاء، وفي الحديث: «كن أبا ذرّ» و «كن أبا خيثمة» (٢)، وذلك أن النبيّ ﷺ رأى شخصا من بعيد، فرجا أن يكون أبا ذرّ الغفاري، فقال: «كن أبا ذرّ» أي جعلك الله أبا ذرّ، فكان ما رجاه النبيّ ﷺ ،

стр. 470

وكذلك كان اللفظ هنا، كأنّ ابن همام لمّا أعجب بفصاحة صاحب الرسالة تمنّى أن يكون أبا زيد، لما عهد من فصاحته فقال: كن أبا زيد، أي جعلك الله أبا زيد الّذي عهدت منه الفصاحة، متى رأيته، فصدّق منه أمنيّته فقال: أنا هو الذي تمنّيت. والدعاء بلفظ الأمر كثير في كلامهم كقوله: [الطويل] * ألا أنعم صباحا أيّها الطلل البالي* (١) وقول الآخر: [الطويل] * ألا أنعم صباحا أيها الربع واسلم* (٢) أي سلّمك الله من ربع، وجعل صباحك ناعما. الفنجديهي: كن أبا زيد، أي أنت أبو زيد، ومنه: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠] أي أنتم خير أمة. شحوب: تغيّر: سحنتك: جلدة وجهك وهيئتك. نضوب: جفوف. والوجنة: العظم الشاخص تحت العين. قحولي: يبسي. قشف: تغيّر هيئته بترك النظافة. محولي جفوف جسمي. تثريبه: لومه وتعييب فعله، والتّثريب بالذنب المؤاخذة به، وأصله الاختلاط والإفساد، وإنما يقول: لا تثريب عليك، من قدر فعفا. *** فحولق واسترجع، ثمّ أنشد من قلب موجع: [مجزوء الكامل] سلّ الزّمان عليّ عضبه ... ليروعني وأحدّ غربه واسنل من جفني كرا ... هـ مراغما، وأسال غربه وأجالني في الأفق أط ... وى شرقه وأجوب غربه

стр. 471

فبكلّ جوّ طلعة ... في كلّ يوم لي وغربه وكذا المغرّب شخصه ... متغرّب ونواه غربه ثمّ ولّى يجرّ عطفيه، ويخطر بيديه، ونحن بين متلفّت إليه، ومتهافت عليه، ثمّ لم نلبث أن حللنا الحبا، وتفرّقنا أيادي سبا. *** حولق: قال لا حول ولا قوّة إلا بالله. استرجع: قال إنا لله وإنا إليه راجعون. عضبه: أي سيفه القاطع. ليروعني: ليفزعني. غربه: حده. استلّ: أزال. كراه: نومه. مراغما: مذلّلا. غربه: مجرى دمعه، والغرب فيض الدمع. أجالني: صرفني ومشّاني. الأفق: نواحي الأرض. أطوى: أقطع. أجوب: أخترق. جوّ: ناحية غربة، فعلة، من الغروب مثل طلعة، من الطلوع. المغرّب: المبعد. المتغرّب: الملازم للغربة. نواه: سفرته. غربة: بعيدة. *** [مما قيل في الغربة والسفر] ومن أحسن ما قيل في تبعيد السفر قول حبيب: [الطويل] سلي هل عمرت الفقر وهو سباسب ... وغادرت ربعي من ركابي سباسبا (١) وغرّبت حتى لم أجد ذكر مشرق ... وشرّقت حتى قد نسيت المغاربا خطوب إذا لاقيتهنّ رددنني ... جريحا كأني قد لقيت الكتائبا وله أيضا: [البسيط] ما اليوم أوّل توديعي ولا الثاني ... البين أكبر من شوقي وأحزاني (٢) دع الفراق فإن الدهر ساعده ... فصار أملك من روحي لجثماني خليفة الخضرم من يربع على وطن ... في بلدة فظهور العيس أوطاني في الشام أهلي وبغداد الهوى وأنا ... بالرّقمتين وبالفسطاط إخواني وما أظنّ النوى ترضى بما صنعت ... حتى تبلغني أقصى خراسان

стр. 472

وقال الحلواني: [الكامل] يا نفس ويحك، في التّغريب ذلّة ... فتجرّعي كأسي هوى وهوان وإذا نزلت بدار قوم دارهم ... فلهم عليك تعزّز الأوطان وقال ابن شرف: [السريع] إن ترمك الغربة في معشر ... قد جبل النّاس على بغضهم فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم وقال البستي: [البسيط] لا يعدم المرء كنّا يستكنّ به ... وشبعة بين أهليه وأصحابه ومن نأى عنهم قلّت مهابته ... كالليث يحقر لمّا غاب عن غابه والسابق لهذا المعنى زهير في قوله: [الطويل] ومن يغترب يحسب عدوّا صديقه ... ومن لا يكرّم نفسه لا يكرّم (١) وفي قوله: [الوافر] فقرّي في بلادك إن قوما ... متى يدعوا بلادهم يهونوا (٢) يقال: جاء يجرّ عطفيه، إذا جاء رخيّ البال متبخترا، وإنما ينظر في عطفيه إذا كان معجبا بنفسه. وثاني عطفيه، بمعنى متكبّر، والعطفان: جانبا الثوب، والعطاف الرّداء، والجمع عطف. ويقال: جاء يجرّ رجليه، إذا جاء مثقلا لا يقدر أن يحمل رجليه. يخطر بيديه: يحرّكهما عند المشي. متهافت: متساقط من النّدم على فراقه. أيادي سبا، يريد في كلّ طريق وجهة. *** [قصة سبأ وسدّ مأرب] وسبأ هو أبو قبائل اليمن المتفرّقة من سدّ مأرب الذين مزّقهم الله كلّ ممزّق. وسمّي سبأ لأنه أوّل من سبى السّبي، وقيل: سبأ اسم أمّهم، ومأرب اسم بلدهم. وكانت سبأ من أحسن بلاد الله تعالى وأخصبها، وأكثرها شجرا وماء، وقد ذكر الله تعالى أنها كانت جنّتين عن يمين وشمال، وكانت مسيرة شهر في شهر للمجدّ

стр. 473

الراكب، يسير في جنان من أولها إلى آخرها، لا تواجهه الشمس، ولا يفارقه الظلّ، مع تدفّق الماء، وصفاء الهواء، واتّساع الفضاء، فمكثوا ما شاء الله، لا يعاندهم ملك إلا قصموه. وكانت في بدء الزمان تركبها السيول، فجمع ملك حمير أهل مملكته، فشاورهم في دفع السّيل، فأجمعوا على حفر مسارب له حتى تؤدّيه إلى البحر، فحشد أهل مملكته حتى صرف الماء، واتّخذ سدّا في موضع جريان الماء من الجبال، ورصفه بالحجارة والحديد، وجعل فيه مجاري للماء في استدارة الذراع، يخترقون منها مقدارا معلوما من الماء وشربا مقسوما للأرض، فإذا جاء السيل تصرف في المجاري إلى جنانهم ومزدرعاتهم، بتقدير يعمّهم نفعه. وقيل: صنعة لقمان بن عاد، وجعله فرسخا في فرسخ؛ وذكر الأعشى في شعره أن حميرا ابتنته، فقال: [المتقارب] رخام بنته لهم حمير ... إذا جاء ماؤهم لم يرم (١) وأروى الزّروع وأعنابهم ... على سعة ماؤهم قد قسم فعاشوا بذلك في غبطة ... فجاف بهم جارف منهدم فلما كفروا بأنعم الله، ورأوا أن ملكهم لا يبيده شيء، وعبدوا الشمس، بعث الله على سدّهم فأرة فخرقته. وأرسل عليهم السّيل، وأباد الله خضراءهم. ولما انتهى الملك في ولد سبأ إلى عمرو بن عامر مزيقياء- وسمّي بذلك لأنه كان يمزّق في كل ليلة حلّة كبرا من أن تعاد عليه أو يلبسها غيره. وقيل: سمّي بذلك لأنه مزّق الأزد في البلاد- وكان أخوه عمران كاهنا، فأتته كاهنة تدعى طريفة فأخبرته بدنوّ فساد السدّ وفيض السيل، وأنذرته، فقال لها: وما آية ذلك؟ فقالت: إذا رأيت جرذا يكثر بيديه الحفر، ويقلّب برجليه الصخر؛ فاعلم أنه قد اقترب الأمر. فقال: وما الأمر؟ فقالت: وعد من الله ينزل يا عمرو، فلتكثر الشكر. فرأى عمرو يوما في السد جرذا يقلب صخرة، ما يقلبها خمسون رجلا، فرجع وهو يقول: [الرجز] أبصرت أمرا هاج لي برح السّقم ... من جرذ كفحل خنزير أجم له مخاليب وأنياب قضم

стр. 474

أي معوّجة. فأجمع على الخروج منها، وأعمل الحيلة في بيع ماله، وألّا بنكر الناس عليه، فقال لابنه: إني صانع طعاما، وداع إليه أهل مأرب، فاردد عليّ ما أقول لك من الحديث، ففعل ابنه ذلك وردّ عليه بأقبح ردّ، فصاح عمرو: وا ذلاه! يجيبني صبيّ! فحلف ألا يقيم ببلد ضيم فيه، فجعل يبيع أمواله. وبعضهم يقول لبعض: اغتنموا غضبة عمرو، واشتروا منه قبل أن يرضى، فلما اجتمعت له أمواله، أخبرهم بشأن السّيل، فأجمعوا على الجلاء، فقال لهم عمران أخوه: إني أصف لكم بلدانا، فاختاروا أيّتها شئتم ... فمن كان منكم ذا همّ بعيد، وجمل غير شرود، فليلحق بالشّعب من كرود، فلحق به همدان. ثم قال: ومن كان منك ذا سياسة وصبر، على أزمات الدهر، فليلحق ببطن مرّ؛ فلحق به خزاعة. ثم قال: ومن كان منكم يريد الراسخات في الوحل المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل. فنزلها الأوس والخزرج. ثم قال: ومن كان منكم يريد الخمر والخمير، والأمر والتأمير، فليلحق ببصرى وسدير، وهي من أرض الشأم، فنزلها غسّان. ثم قال: ومن كان منكم يريد الثياب الرّقاق، والخيل العتاق، والذهب والأوراق، فيلحق بالعراق، فلحق بها مالك بن فهم بن الأزد. وتخلّف مالك بن اليمان في قومه، حتى أخرجهم السيل فنزلوا نجران، وانتسبوا إلى مذحج. ودخلت جماعة منهم إلى معدّ فأخرجتهم معدّ بعد حروب، فنزلوا بجبال السّراة على تخوم الشأم. فلمّا تفرّقت في البلاد هذا التفرّق، ضربت العرب بهم المثل، فقالوا: ذهبوا أيدي سبأ وأيادي سبا، أي متفرّقين في كل ناحية. وقيل فيهم: إنهم كانوا مجتمعين يدا واحدة، فلما مزّقهم الله وفرّقهم، صارت يدهم أيادي متفرّقة، وأخذ كل طائفة منهم طريقا على حدة. أو يريد به النعمة، فالمعنى: تفرّقنا كما تفرّقت نعم أهل سبأ. الزّجاج: سبأ مدينة تعرف بمأرب على ثلاث ليال من صنعاء. الجوهري: سبأ اسم رجل سمّيت به البلدة. وذكر في الدرة أن لفظة التفرّق تستعمل في الأشخاص والأجسام، نحو تفرّق

стр. 475

القوم، وإنّ الافتراق يقال في الأهواء والآراء، كما قال النبيّ ﷺ : «تفترق أمتي على كذا وكذا فرقة»، فإذا قيل: إن لزيد ثلاثة إخوة متفرّقين، فالمعنى أن كل واحد منهم ببقعة. وإن قيل مفترقين فالمعنى أن أحدهم لأبيه وأمه، والآخر لأبيه، والثالث لأمه؛ وكذلك يقال: فرّق بالتشديد فيما كان من قبل الجمع، وفرق بالتخفيف، فيما يراد به التمييز كقوله: فرق بين الحق والباطل، والحالي والعاطل. تم الجزء الأول، ويليه الجزء الثاني وأوله: «المقامة الثامنة عشرة، وتعرف بالسنجارية»

стр. 476

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقامة الثامنة عشرة وتعرف بالسّنجاريّة حكى الحارث بن همام قال: قفلت ذات مرّة من الشام ، أنحو مدينة السلام، في ركب من بني نمير، ورفقة أولي خير ومير، ومعنا أبو زيد السّروجيّ: عقلة العجلان، وسلوة الثكلان، وأعجوبة الزمان، والمشار إليه بالبنان في البيان. فصادف نزولنا سنجار، أن أولم بها أحد التجّار، فدعا إلى مأدبته الجفلى، من أهل الحضارة والفلا، حتّى سرت دعوته إلى القافلة، وجمع فيها بين الفريضة والنّافلة. *** قفلت: رجعت من السفر. *** [الشام] الشأم، ويقال له: شام وشأم، ويذكّر ويؤنث، وينسب إليه شامي وشآم، على فعال. ويحكى عن سيبويه شآميّ، وإثبات الألف في النّسب يدلّ على إثباتها في أصل البناء. وقيل: ألف يمان وشآم عوض من ياء النسب، قال طرفة: [الطويل] * شآمية تروي الوجوه بليل* وقال في الدّرّة المنسوب إليه على ثلاثة أوجه: شاميّ وهو القياس، وشآم بياء مخففة كالمنقوص، وشآميّ وهو شاذ لأنه يصير بمنزلة المنسوب إلى المنسوب، وكذلك جوّزت الثلاثة في المنسوب إلى اليمن. وعلى الشاذّ منها قول العرجي: [السريع] إنّي أتيحت لي يمانية ... إحدى بني الحارث من مذحج (١)

стр. 477

ولم يجز الحريري تأنيث الشام وقال: لفظه مذكر. وقال ابن الأنباري- وذكر الشام والحجاز وغيرهما: فمن أنث من ذلك شيئا فإنما يذهب به إلى معنى المدينة. وقالوا: الشأم صفوة بلاد الله. وقال رسول الله ﷺ لحذيفة ومعاذ: «عليكم بالشأم فإنّ الله قد تكفّل بالشام وأهله» (١). وسميت شاما لأنها عن شامة الكعبة. ابن الأنباري: يجوز أن يكون مأخوذا من اليد الشّومي وهي اليسرى. وقال قوم: أصله في الكعبة، لأنّ بابها يستقبل المطّلع، فمن قابل طلوع الشمس كانت الكعبة عن يمينه في شقّ الجنوب، والشأم عن يده الشّومي في شقّ الشمال. أبو القاسم الزجاجي: قال: جماعة من أهل اللغة: يجوز ألّا يهمز، فيقال: شام جمع شامة، سمّيت بذلك لكثرة قراها، وتداني بعضها من بعض، شبّهت بالشامات. وقال الشرقيّ سميت بسام بن نوح، لأنه أوّل من بناها، فغيّر اللفظ العجمي فجعل السين شينا. وقسّمت الشأم خمسة أقسام: الشام الأولى، وأوّل حدّها من طريق مصر أمج، ثم غزة ثم الرملة، ومدينته العظمى فلسطين وعسقلان، وفلسطين هي الشأم الأولى، ولها بيت المقدس. الشأم الثانية الأردن، ومدينته العظمى طبريّة، وهي بشاطئ البحيرة، واليرموك بين فلسطين والأردن. والشأم الثالثة الغوطة، ومدينتها العظمى دمشق، ومن سواحلها طرابلس الشام. الرابعة: أرض حمص الشأم. الخامسة: قنّسرين، ومدينته العظمى حلب، وهي من قنّسرين على أربعة فراسخ. وساحلها أنطاكية، مدينة عظيمة على شاطئ البحر داخلها المزارع والبساتين والأنهار. *** قوله: «أنحو» أي أقصد. الركب: اسم لمن يركب الإبل، كذا قال الخليل. وقال يعقوب: الرّكب: جمع راكب، وهم أصحاب الإبل خاصّة، ولا يكون الركب إلا أصحاب الإبل، وراكب الفرس فارس، وراكب البغل بغّال، وراكب الحمار حمّار،

стр. 478

وراكب الفيل فيّال، والجمع خيّالة وبغّالة وحمّارة وقيّالة، وتبعه ابن قتيبة في هذا، وخطّأهما جميعا ابن السّيد وغيره واحتجوا بقول امرئ القيس: [السريع] إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرّقت الأرض واليوم قرّ (١) فقوله: «ركبوا الخيل»، يدلّ على أنه يقال لمن ركب الفرس: راكب. وما ذكره يعقوب هو الصحيح، لأنّ العرب إذا أفردت لفظ راكب أن ركب لم يقع في كلامها إلّا على أصحاب الإبل مطلقا، فإذا أرادت أن توقعه علىأصحاب الخيل قيّدته بذكر الخيل، فقالوا: ركبت الفرس، وراكب الفرس، فيذكّرون الفرس، وعلى هذا أتى: [السريع] * إذا ركبوا الخيل واستلأموا*. فخفيت هذه التفرقة على ابن السّيد، على حظّه الوافر من اللغة. وقال الحريري في الدّرة: الراكب هو راكب البعير خاصّة، وجمعه ركبان، فأما الركب والأركوب، فقد جوز الخليل أن يطلق اسمهما على راكبي كلّ دابة إلّا أنّ الأركوب أكثر من الرّكب عدة وأكثر جماعة. *** [بنو نمير] وبنو نمير قبيلة من بني صعصعة، إحدى جمرات العرب، وأشرف بيوت قيس عيلان، وجمرات العرب ثلاثة، سموا بذلك لأنهم متوافرون في أنفسهم لم يدخلوا معهم غيرهم، والتجمير في كلامهم التجميع؛ وهم بنو نمير، وبنو الحارث بن كعب، وبنو ضبّة بن أدّ، فطفئت جمرتان وهم بنو ضبّة لمحالفتها الرّباب، وبنو الحارث لمحالفتها مذحج، وبقيت نمير لم تحالف، فهي على كثرتها ومنعتها، قال شاعرهم: [الوافر] نمير جمرة العرب الّتي لم ... تزل في الحرب تلتهب التهابا (٢) وكان الرجل منهم إذا قيل له: ممّن أنت؟ قال: نميريّ كما ترى، إدلالا بنسبته، وافتخارا بمنعته، حتى قال جرير في الراعي: [الوافر] فغضّ الطّرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا (٣)

стр. 479

فصار إذا قيل له ممّن أنت؟ قال: عامريّ. ومرّت امرأة بهم، فأحدّوا النّظر إليها، فقال أحدهم: والله إنها لرسحاء، فقالت: يا بني نمير، والله ما امتثلتم فيّ واحدة من اثنتين؛ لا قول الله : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ [النور: ٣٠]، ولا قول جرير: [الوافر] فغضّ الطّرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا (١) قوله: «أولي خير»، أي ذوي غنى. مير: صلة وصدقة. عقلة العجلان: حابس المستعجل. سلوة الثكلان: مذهب حزن الحزين، يقول: إذا رآه من هو في شغل معجّل حبسه، أو حزين أزال حزنه. البنان: الأصابع، قال رسول الله ﷺ : «كفى بالمرء فتنة أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دينا إلّا من عصمه الله». *** [سنجار] سنجار: بلد بينه وبين قرقيسيا نيّف وثلاثون فرسخا، وقرقيسيا على الفرات، وهي كورة من كور ديار ربيعة، وفي سنجار فوّهة نهر الخابور، فيمرّ حتى يصبّ في الفرات، وهي على أميال من نصيبين، وعن يمين طريق الموصل. *** قوله: «أولم»، أي صنع وليمة، والوليمة: طعام العرس. والمأدبة: طعام يدعى إليه الناس. والجفلى: الناس أجمع. والحضارة: ضدّ البداوة، يفتح أوّلها ويكسر. الفلا: القفر، وأراد دعا أهل الحاضرة والبادية. سرت: وصلت. القافلة: الرفقة الراجعة من سفرها، قال الأزهريّ: سمّيت قافلة تفاؤلا بقفولها عن سفرها الذي ابتدأت. وظنّ ابن قتيبة أن عوامّ الناس يغلطون في تسميتهم الناهضين في ابتداء الأسفار قافلة؛ إلا منصرفة إلى وطنها وهذا غلط، وما زالت العرب تسمي الناهضين في ابتداء الأسفار قافلة تفاؤلا، بأنّ ييسّر الله لها القفول وهو شائع عند فصحائهم إلى اليوم. وأراد بالفريضة، أعيان التجار الذين حضورهم كالفرض، وبالنافلة: المكارين

стр. 480

والأتباع، أو يريد بالفريضة من لا بدّ له أن يدعوه للحضور، مثل القرابة والوجوه والأصحاب، والنافلة لفيف الناس، وأراد أنه حمل لعرسه من يحبّ ومن لا يحبّ، والهاء من «فيها» ضمير الدعوة، ويروى «فيهما» بالميم. [الحاضرة والبادية] وأما ذكر الحاضرة والبادية، فقد أتينا في ذلك بفصل أدبيّ مستحسن، ولسنا نحتاج إلى إقامة دليل شاهد على فضل الحاضرة، لأنها محلّ الجمعيات والجماعات، وإليها تجلب الخيرات، وبها تستمدّ البركات، ومنهم العلماء والفضلاء والملوك، إلى ما يطول تعداده، ومن أراد الله به خيرا نقله من البادية إلى الحاضرة، وقد أخبر الله تعالى عن يوسف ﵊ في قوله: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ [يوسف: ١٠٠] وهذا فيه فضل للحاضرة لا يدفع إذ قرن الخروج من السجن بالمجيء من البدو، وعدّه من إحسان الله . وقف أعرابي على دعبل وهو ينشد: [المتقارب] إذا القوس أوترها أيّد ... رمى فأصاب الكلى والذّرى (١) فقال له: ما عنيت؟ فقال دعبل: القوس قوس قزح، أمطرت الأرض بها، فأعشبت فرعاها المال، فسمنت كلاه وأسنمه، فقال الأعرابي: لله درّكم يا حاضرة! إنكم لتسيرون معنا فتساوون، ولتنكّبون عنا فتفوتون. وفي ضدّ هذا المعنى قال شبيب بن شبة: كثر قطع الطريق بين مكّة والبصرة، فبعثني المنصور أقوم في المناهل، وأتكلّم بذمّ البادية، وأوبّخهم بما يردعهم، فلم أرد ماء إلا تكلّمت عليه بما يحضرني، فلا أجد من ينطق، حتى قمت على ما لبني تميم، فلما انقضى كلامي، قام رجل منهم قال: الحمد لله أفضل ما حمدته، وحمده الحامدون قبلك أو بعدك، وصلى الله على سيدنا محمد أفضل صلاة وأتمّها وأخصها وأعمّها. ثم إني قد سمعت ما قلت في مدح الحاضرة وأهلها، وذمّ البادية وأهلها، ومهما كان فينا أهل البادية من سوء، فليس فينا نقب الدّور، ولا شهادة الزور، ولا نبش القبور ولا نيك الذكور. قال: فأفحمني والله حتى تمنّيت أني لم أخرج لذلك الوجه. وقال القطامي: [الوافر] فمن تكن الحضارة أعجبته ... فأيّ رجال بادية ترانا (٢)

стр. 481

قال ابن رشيق: ومن أملح ما سمعه الناس في تفضيل البادية على الحاضرة من حلاوة وطلاوة وصحّة معنى، وقرب مأخذ، مأخوذ من قول أبي الطيب: [البسيط] من الجآذر في زيّ الأعاريب ... حمر الحلى والمطايا والجلابيب (١) ثم قال: [البسيط] ما أوجه الحضر المستحسنات به ... كأوجه البدويّات الرّعابيب حسن الحضارة مجلوب بتطرية ... وفي البداوة حسن غير مجلوب أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب ولا برزن من الحمّام مائلة ... أوراكهنّ صقيلات العراقيب ومن هوي كلّ من ليست مخضّبة ... تركت لون مشيبي غير مخضوب فلو لم تفضل البادية إلا بهذا، لكان فيه مقنع. *** فلمّا أجبنا مناديه، وحللنا ناديه، أحضر من أطعمة اليد واليدين، ما حلا في الفم وحلي في العين. ثمّ قدّم جاما، كأنّما جمد من الهواء، أو جمع من الهباء، أو صيغ من نور الفضاء، أو قشر من الدّرّة البيضاء، وقد أودع لفائف النّعيم، وضمّخ بالطّيب العميم، وسيق إليه شرب من تسنيم، وسفر عن مرأى وسيم، وأرج نسيم. فلمّا اضطرمت بمحضره الشّهوات، وقرمت إلى مخبره اللهوات، وشارف أن تشنّ على سربه الغارات، وينادى عند نهبه: يا للثّارات! نشز أبو زيد كالمجنون، وتباعد عنه تباعد الضّبّ من النّون، فراودناه على أن يعود، وألّا يكون كقدار في ثمود. *** قوله: «ناديه» أي مجلسه. وطعام اليد: الثريد ونحوه. وطعام اليدين: الدجاج الصحاح والشواء ونحو ذلك، وكانت وليمة في الأنصار، فحضرها حسان بن ثابت، وقد كفّ بصره، ومعه ابنه عبد الرحمن، فلما وضع الطعام، جيء بالثريد، قال حسان لابنه: يا بني، أطعام يد أم طعام يدين؟ قال: بل طعام يد. فأكل، ثم جيء بالشواء، فقال مثل ذلك، فقال: بل طعام يدين فأمسك. حلا: طاب، حلي: حسن، وحلا في الفم، من الحلاوة، وحلي في العين من الحلي المتزيّن به.

стр. 482

وفي الدّرة: العرب تقول: حلا في فمي، وحلي في عيني، وليس الثاني من نوع الأول، وهو من الحلي الملبوس، فكأنّ المعنى: حسن في عيني كحسن الحلي الملبوس، وهو من ذوات الياء، والأوّل من ذوات الواو، إلا أن المصدر فيهما جميعا الحلاوة، والاسم حلولا حال؛ لأنّ الحالي ضدّ العاطل، وهو الذي عليه الحلي. والجام: إناء من زجاج. جمد: عقد وصنع جامدا. والهباء: غبار الشمس، وهو ما تراه يدخل عليك مع الشمس من شقّ باب أو كوّة حائط. صيغ: صنع. نور الفضاء، يعني الشمس، والفضاء؛ الأرض الواسعة، وفي الفضاء يتّسع ضوء الشمس فيبيضّ نورها. أودع: ضمن ضمن وجعل فيه. لفائف النعيم: ما لفّ من الحلوى وطوي بعضه على بعض. الفنجديهيّ: لفائف النعيم اللّوزينج والقطائف. ضمّخ: لطخ. العميم: الكثير. شرب: ماء. وتسنيم: أرفع شرابات أهل الجنة. سفر: كشف. مرأى وسيم: منظر حسن. أرج نسيم: طيب الرائحة، والنسيم: الريح الليّنة الهبوب؛ يريد: لمّا أحضر الجام، ساقوا معه ماء عذبا لغسل اليد، ثم كشف لهم عن الجام، فرأوا منظرا من الحلواء الملوّنة، ورائحة عطرة من الأفاوية. وقال في مثل ذلك عبد السلام بن الحسين المأموني: [البسيط] خبيصة في الجام قد قدّمت ... مدفونة في اللّوز والسّكّر يأكل من يأكلها خمسة ... بكفه فيها ولم يشعر قوله: «اضطرمت» أي اشتعلت. قرمت، أي اشتهت. اللهوات: جمع لهاة وهي أقصى الفم. شارف: قارب وأشرف عليه تشنّ: تفرّق. سريه: جماعته، ويريد به ما فيه من الحلواء، والسّرب: بالكسر: جماعة النّساء، وبالفتح: الإبل في المرعى. الغارات، يريد الأيدي التي تغير على الطعام. نهبّه: انتهابه بالأيدي وأكل ما فيه. يا للثارات: كلمة ينادي بها العرب إذا ظفروا بأعدائهم الذين لهم عندهم دم. والثأر: الطلب بالدم، وثأر بالقتيل: قتل قاتله. وقال حسان بن ثابت: [البسيط] لتسمعنّ وشيكا في دياركم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا (١)

стр. 483

فالثارات هنا جمع ثأر، وهو المطلوب بالدم، قال: [الوافر] وكيف تجلّد الأقوام عنه ... ولم يقتل به الثأر المنيم (١) قال أبو عليّ: الثأر: المقتول، سمّي بالمصدر، كرجل عدل، لذلك جمع بالتاء، وتفسير أبي عليّ عكس ما تقدم، وإذا كان منقولا من المصدر احتمل وصف الفاعل به والمفعول وثارات عثمان محتملة للتفسيرين، فتقديره على قول أبي عليّ: يا مطلوبات عثمان، وعلى القول الآخر: يا طالبات عثمان هذا أوانكم بالجدّ، وتفسير: يا للثارات في المقامة يستقيم على المعنيين، فعلى الأولى معناه: يا مطلوبات الجياع، قد تمكنا منك، وعلى الثاني معناه: يا طالبين الأكل؛ قد تمكّنتم من المأكول. وقوله: «نشز»، أي وثب. وتقدّم في الضبّ أنّه لا يرد الماء، وأن مسكنه الصحراء. والنون: الحوت، وهو لا يفارق الماء، وهما لا يجتمعان، وقد تقدم للصابي: [البسيط] * الضبّ والنون لا يرجى التقاؤهما*. وقال الآخر: [الطويل] فلو أنهم جاءوا بشيء مقارب ... لقلت هو الشّكل الموافق للشّكل ولكنهم جاءوا بحيتان لجّة ... قوامس، والمكنىّ فينا أبانا الحسل فضرب بتباعدهما المثل. راودناه: أردناه على الفعل، تقول: راودته على كذا، إذا أردته على فعله. يعود: يرجع. ثمود: أمة صالح ﵊. وقدار: هو عاقر الناقة، يضرب به المثل في الشؤم، فيقال: أشأم من قدار، ومن أحيمر عاد. *** [قصة ثمود] وتقريب قصته، أن ثمود كانت تبني في طول أعمارها، فاتخذوا من الجبال بيوتا فرهين، وبيوتهم إلى وقتنا هذا باقية منحوتة في الجبال ومساكنهم على قدر أجسامهم، ورممهم وآثارهم فيها بادية، فلما بعث فيهم صالح، قال له زعيمهم: إن كنت صادقا فأظهر لنا من هذه الصخرة ناقة سوداء عشراء، ذات عوف، فأتى الصخرة فتمخّضت

стр. 484

كالحامل، وانشقّت عن الناقة. ثم تلاها سقبها (١)، فآمن كثير منهم، وكان شربها (٢) يوما وشربهم يوما، فإذا كان يوم شربها حلبوها، فملئوا منلبنها كلّ إناء ووعاء، فلما امتنعت إبلهم من الماء يوم شربها استثقلوها، وكان فيهم امرأتان: عنيزة وصدقة، فبذلتا أنفسهما لقدار على أن يعقر الناقة، وهو قدار بن قديرة، وهي أمّه وسالف أبوه، وكان قدار أزرق اسمر قصيرا، وكان له صديق اسمه مصدّع بن مهرج، معاون له على ما كان به من الفساد في الأرض، وكانا في تسعة من أهل الفساد، فضرب قدار عرقوبها بسيفه، وضرب مصدّع العرقوب الآخر، واستهموا لحمها، فخرجت ثمود تعتذر إلى صالح، وتزعم أنها لا ذنب لها. فقال: انظروا، هل تدركون فصيلها، فعسى أن يرفع عنكم العذاب! فالتمسوه، فصعد إلى جبل يقال له: القارة، وطال الجبل به في السماء، حتى ما تناله الطير، وبكى. ثم استقبلهم، ورغا ثلاثا، فقال صالح: تمتّعوا في داركم ثلاثة أيام، ذلك وعد غير مكذوب، وآية ذلك أن تصبح وجوهكم في الأول مصفرّة، وفي الثاني محمرّة، وفي الثالث مسودّة. فلما رأوا صدقه أوّل يوم أرادوا قتله، فمنع منهم فلمّا رأوا صدقه في اليوم الثالث تحنّطوا وتكفنوا وبكوا وضجّوا، وجعلوا ينظرون من أين يأتيهم العذاب. فصبّحتهم في اليوم الرابع صيحة من السماء، قطعت قلوبهم في صدورهم، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، فعقروها يوم الأربعاء، وأصيبوا يوم الأحد، وإنما أصيبوا والمذنب بعضهم، لأنهم رضوا فعله، والنّية أبلغ من العمل- وبلادهم بين الشأم والحجاز إلى ساحل البحر الحبشي ومرّ النبي ﷺ بقربتهم، ونهى الناس عن دخولها، وأراهم مرتقى الفصيل. ولما رأى صالح أنها دار سخط، ارتحل بمن معه إلى مكة، فلم يزالوا بها حتى ماتوا، فقبورهم في غربيّ البيت، بين دار الندوة والحجر. وقال حباب بن عمرو: [البسيط] كانت ثمود ذوي عزّ ومكرمة ... ما إن يضام لهم في النّاس من جار فأهلكوا ناقة كانت لربّهم ... قد أنذروها فكانوا غير أبرار *** فقال: والّذي ينشر الأموات من الرّجام، لا عدت دون رفع الجام، فلم نجد بدّا من تألّفه، وإبراز حلفه، فأشلناه والعقول معه شائلة، والدّموع سائلة، فلمّا فاء إلى مجثمه، وخلص من مأثمه، سألناه لم قام، ولأي معنى استرفع الجام؟ فقال: إنّ الزّجاج نمّام، وإنّي آليت منذ أعوام، ألّا يضمّني ونموما مقام. فقلنا: وما سبب يمينك الصّرّى، وأليّتك الحرّى؟ ***

стр. 485

قوله: «ينشر»، أي يحيي الموتى ويقيمهم، فينشرون في الأرض. والرجام: القبور، واحدها رجم. تألّفه: ضمّة وترك خلافه. إبرار حلفه: مراعاة قسمه. أشلناه: رفعناه. شائلة: مرتفعة. فاء: رجع. مجثمه: موضعه، وأصله للطائر. الصّرّى: العزيمة، ويقال: أصررت على الشيء، عزمت عليه، وهو منّي صرّى وصرى وأصرى أي عزيمة وجدّ. وضلت ناقة أبي السّمال، فقال: والله لئن لم يردّها الله عليّ لا أصلّي أبدا، فذهب في ابتغائها، فوجدها وقد تعلّق زمامها بشجرة، فقال: علم الله أنها كانت مني صرّى فردّها عليّ. وقال حبيب: [الكامل] لما رآهم بابك دون المنى ... هجر الغواية بعد طول وصال (١) تخذ الفرار أخا وأيقن أنه ... صرّى عزم من أبي السمّال يقول: لما رأى كثرة من يحاربه أيقن أن ما تمناه فيهم لا يدركه، فهجر الضلالة، وانهزم، إذ أيقن أن طالبه مصرّ على طلبه. الحرّى: الوكيدة الشديدة، والكبد الحرّى: اليابسة العاطشة. وناظر الحريريّ بهذه المقامة مقامة المضيريّة في البديعية، ومن هنا إلى أولها مبنيّ على تلك. *** [المقامة المضيرية للبديع الهمذاني] قال البديع: حدّثنا عيسى بن هشام قال: كنت بالبصرة ومعي أبو الفتح الإسكندريّ، رجل الفصاحة، يدعوها فتجيبه، والبلاغة، يأمرها فتطيعه. وحضرنا معه دعوة بعض التّجار، فقدّم مضيرة (٢) نثني على الحضارة (٣)، وتترجرج (٤) في الغضارة (٥)، وتؤذن بالسّلامة، وتشهد لمعاوية رحمة

стр. 486

الله بالإمامة، في قصعة يكلّ عنها الطّرف، ويموج فيها الظّرف. فلمّا أخذت من الخوان (١) مكانها، ومن القلوب أوطانها، قام أبو الفتح يلعنها وصاحبها، ويمقتها وآكلها، ويثلبها وطابخها، وظننّاه يمزح، فإذا الأمر بالضدّ، وإذا المزاح عين الجدّ، وتنحّى عن الخوان، وترك مساعدة الإخوان، فرفعناها فارتفعت معها القلوب، وسافرت خلفها العيون، وتحلبت لها الأفواه، [وتلمظت لها الشفاه] واتّقدت لها الأكباد، [ومضى في إثرها الفؤاد]، لكنّا سألناه عن أمرها، وساعدناه على هجرها. ثم أخذ يذكر لهم المانع من أكلها، كما يذكر الآن السّروجيّ ومقامة المضيرة طويلة مضحكة. *** فقال: إنّه كان لي جار لسانه يتقرّب، وقلبه عقرب، ولفظه شهد ينقع، وخبؤه سمّ منقع، فملت لمجاورته، إلى محاورته، واغتررت بمكاشرته، في معاشرته، واستهوّتني خضرة دمنته، لمنادمته، وأغرتني خدعة سمته، بمناسمته فمازجته وعندي أنّه جار مكاسر، فبان أنه عقاب كاسر، وآنسته على أنّه حبّ مؤانس، فظهر أنّه حباب موالس، وما لحته ولا أعلم أنّه عند نقده، ممّن يفرح بفقده، وعاقرته ولم أدر أنّه بعد فرّه، ممّن يطرب لمفرّه. *** قوله: «جار لسانه يتقرّب»، معناه يتودّد إليه بلسانه، ويكتم العداوة في قلبه، وهذا ما يذكر بعده. [مما قيل في الجار] أبو هريرة عن رسول الله ﷺ : «من أشراط الساعة سوء الجوار تعوّذوا بالله من ثلاث، هنّ العواقر: إمام السوء، إن أحسنت لم يشكر، وإن أسأت لم يغفر، ومن جار السوء إن رأى حسنا ستره، وإن رأى قبيحا أذاعه، ومن امرأة السوء، الّتي إن غبت عنها خانتك، وإن دخلت عليها لسّنتك». قال بعض الفضلاء: الجار السوء يفشي السّر، ويهتك السّتر. وقيل لأهل البحرين: إن كنتم تحبون أن يحبكم الله ورسوله، فحافظوا على ثلاث خصال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وحسن الجوار، فإن أذى الجار يمحو الحسنات، كما تمحو الشمس الجليد عن الصّفاة. ***

стр. 487

قوله: «ينقع»، أي يروى العطش. ومنقع، أي أديم حبسه، وأنقع سمّ الحية: ثبت ودام. خبؤه: باطنه، وما خبأه من الشرّ. محاورته: محادثته. بمكاشرته: مضاحكته: معاشرته: مصاحبته. استهوتني: ذهبت بي. خضرة دمنته: حسن ظاهره، وتقدمت خضراء الدمن. أغرتني: حرّضتني وألصقتني به. سمته: علامته. مناسمته: مصاحبته، وقرّب نسمتي من نسمته، أي شخصي من شخصه. مازجته: خالطته. مكاسر: قريب الدار، وكسر البيت: جانبه والعقاب الكاسر: التي تضم جناحيها، وتهوي على فريستها، فضمّ الجناح هو كسره. وآنسته: أبصرته. حبّ: حبيب، وكان زيد بن حارثة يسمّى حبّ رسول الله ﷺ ، أي حبيبه. وضح: تبيّن. حباب: حية. موالس: مخادع خائن في صحبته. مالحته: واكلته، أي أكلت معه الملح، وأصل الممالحة الرّضاع كأنه حين نادمه راضعه الكأس، وملحت المرأة الصبيّ: أرضعته. نقده: تجربته. عاقدته: عاهدته، وعقدت يدي على يده. فرّه: اختباره وكشف سرّه، يريد أن هذا الصاحب كان يظهر مودته، ويسرّ عداوته. [ممّا قيل في المودّة والإخاء] وقال الشاعر؛ وهو المغيرة بن حبناء: [الطويل] أخوك الذي لا ينقض النأي عهده ... ولا عند صرف الدّهر يزورّ جانبه (١) وليس الذي يلقاك بالبشر والرّضا ... وإن غبت عنه لسّعتك عقاربه قال: وأنشد آخر: [الطويل] عليّ لإخواني رقيب من الصّفا ... تبيد الليالي وهو ليس يبيد (٢) وإني لأستحيي أخي أن أبرّه ... قريبا وأن أجفوه وهو بعيد وقال ابن المعتزّ: [السريع] لم يبق ممّا فاتني كسبه ... إلّا فتى يسلم لي قلبه ينأى فلا يذهبه نأيه ... عنّي ولا يفسده قربه يكون حسبي من جميع الورى ... في كلّ حال وأنا حسبه

стр. 488

وقال بشار وزاد معنى: [الطويل] تودّ عدوّي ثم تزعم أنني ... صديقك، إن الرأي منك لعازب (١) وليس أخي من ودّني رأى عينه ... ولكن أخي من ودّني وهو غائب *** وكانت عندي جارية، لا يوجد لها في الجمال مجارية، إن سفرت خجل النّيّران، وصليت القلوب بالنّيران، وإن بسمت أزرت بالجمان، وبيع المرجان بالمجّان، وإن رنت هيّجت البلابل، وحقّقت سحر بابل، وإن نطقت عقلت لبّ العاقل؛ واستنزلت العصم من المعاقل، وإن قرأت شفت المفؤود، وأحييت الموءود، وخلتها أوتيت من مزامير آل داود، وإن غنّت ظلّ معبد لها عبدا، وقيل سحقا لإسحاق وبعدا، وإن زمرت أضحي زنام عندها زنيما، بعد أن كان لجيله زعيما، وبالإطراب زعيما، وإن رقصت أمالت العمائم عن الرّءوس، وأنستك رقص الحبب في الكئوس، فكنت أزدري معها حمر النّعم، وأحلّي بتملّيها جيد النّعم، وأحجب مرآها عن الشمس والقمر، وأذود ذكراها عن شرائع السّمر، وأنا مع ذلك أليح، من أن تسري بريّاها ريح، أو يكهن بها سطيح، أو ينمّ عليها برق مليح. *** قوله: «مجارية»، مبارية معارضة، وفلان يباري الريح جودا، كأنه يعارضها بفعله، فإذا هبت في زمن الشتاء والجهد، فضرّت المحتاجين تتبّعآثار فسادها بماله وهباته فأصلحها. سفرت: كشفت وجهها. خجل: استحيا. النّيّران: الشمس والقمر. صليت: أحرقت، يقول: إذا كشفت وجهها افتضحت الشمس والقمر لبديع حسنها، واخترقت القلوب بنيران حبها. *** [مما قيل في وصف النساء] ونسوق هنا جملة من الشعر المستحسن في أوصاف النسوان: قال الشاعر: [البسيط]

стр. 489

لما تبدّت من الأستار قلت لها ... سبحان سبحان ربّي خالق الصّور ما كنت أحسب شمسا غير واحدة ... حتى رأيت لها أختا من البشر كأنها هي إلا إن يفضّلها ... حسن الدلال وطرف فاتر النظر وقال أعرابي: [الطويل] إذا حجبت لم يكفك البدر فقدها ... وتكفيك فقد البدر إن فقد البدر وحسبك من خمر تقوتك ريقها ... وو الله ما من ريقها حسبك الخمر وما الصّبر عنها إن صبرت وجدته ... جميلا، وهل في مثلها يحسن الصبر! ولو أن جلد الذّرّ لامس جلدها ... لكان للمس الذّرّ في جلدها أثر وقال العباس بن الأحنف: [البسيط] تاهت علينا بأن تمّت محاسنها ... خود تكمّل في أعطافها الفتن (١) هممت بإتياننا حتى إذا نظرت ... إلى المرآة نهاها وجهها الحسن ما كان هذا جزائي من محاسنها ... أغرت بي الشّوق حتى شفّني الشّجن وقال بشار: [الخفيف] درّة حيثما أديرت أضاءت ... ومشمّ من حيثما شمّ فاحا وجنات قال الإله لها كو ... ني فكانت روحا روحا وراحا وله أيضا: [البسيط] كأنها يوم راحت في محاسنها ... قارتجّ أسفلها واهتزّ أعلاها حوراء جاءت من الفردوس مقبلة ... بالشمس طلعتها والمسك ريّاها راحت ولم تعطه برءا لملّته ... عنها ولو سألته النّفس أعطاها من اللواتي اكتست بردا فشقّ لها ... من حسنها الحسن سربا لإفردّاها وقال السّلامي: [الطويل] وفيهنّ سكرى اللّحظ سكرى من الصّبا ... يعاتب حلو اللفظ حلوا الشّمائل أدارت علينا من سلاف خدودها ... كئوسا وغنّتنا بصوت الخلاخل وقال أيضا [البسيط] لبّيك لبّيك داعي اللهو من كثب ... إلى معاطف كالأغصان من كثب إن السّوالف كالسوسان في صعد ... إنّ الغدائر كالخلخال في صبب

стр. 490

إلى خدود بنات الروم قد برزت ... من حجبها وأدارت أعين العرب من كلّ سافرة عن مشرق خجلا ... فيه طرازان من ماء ومن لهب واستضحكت عن لآل أو حصى برد ... يكاد بقطر من مائية الشّنب تحدو بها فتية صيغت وجوههم ... من الرّضا وعواليهم من الغضب وللأمير تميم بن المعز: [البسيط] ناولتها شبة خدّيها معتّقة ... صرفا كأنّ سناها ضوء مقباس فقبّلتها وهي ضاحكة ... فكيف تهدى خدود النّاس للناس قلت اشربي فهي دمعي، وحمرتها ... دمي، وطابخها في الكأس أنفاسي قالت فإن كنت من حبي بكيت دما ... فأسقنيها على العينين والرّأس يا ليلة بات فيها البدر معتنقي ... وباتت الشمس فيها بعض جلّاسي وبتّ مستغنيا بالثغر عن قدح ... وبالخدود عن التّفاح والآس وقال أيضا: [البسيط] قالت وقد نالها للبين أوجعه ... والبين صعب على الأحباب موقعه اجعل يديك على قلبي فقد ضعفت ... قواه عن حمل ما تحويه أضلعه واعطف عليّ المطايا ساعة فعسى ... من شتّ شمل الهوى بالوصل يجمعه كأنني يوم ولّت حسرة وأسى ... غريق بحر يرى الشّاطي ويمنعه وقال التهامي: [البسيط] أهدى لنا طيفها نجدا وساكنه ... حتى اقتنصنا ظباء البدو في الحضر فبات يجلو لنا من وجهها قمرا ... من البراقع لولا كلفة القمر وراعها حرّ أنفاسي فقلت لها: ... هواي نار وأنفاسي من الشرر وزاد درّ الثنايا درّ أدمعها ... فالتفّ منتظم منه بمنتثر ولو قدرت وثوب الليل منخرق ... بالصبح رقّعته منهن بالشّعر بيضاء يسحب ليلا حسنه أبدا ... في الطّول منه وحسن الليل في القصر لو لم يكن أقحوانا ثغر مبسمها ... ما كان يزداد طيبا ساعة السّحر ولبعض أصحابنا: [الطويل] شدهت فلا أدري بأيّ صفاتها ... تقيّد ألباب الورى وتقودها وأي لآليها أشدّ نفاسة ... أمنطقها أم ثغرها أم عقودها! فللشمس مرآها، وللغصن قدّها، ... وللمسك ريّاها، وللرّيم جيدها

стр. 491

قال الحسن: [الكامل] وذات خدّ مورّد ... فتّانة المتجرّد تأمل العين منها ... محاسنا ليس تنفد فبعضها في انتهاء ... وبعضها يتولد فالحسن في كلّ جزء ... منها معاد مردّد وكلما عدت فيها ... تكون في العود أحمد *** قوله: «أزرت بالجمان»، أي قصرت بحبّ الفضة. والمرجان: اللؤلؤ الصغار. والمجان: شيء لا ثمن له، وخذ هذا مجانا، أي باطلا؛ أراد أنها إذا ضحكت فبدت أسنانها كانت أحسن مما وصف. وأخذه من قول أبي تمام: [السريع] وقهوة كوكبها يزهر ... يسطع منها المسك والعنبر (١) ورديّة يحثّها شادن ... كأنها من خدّه تعصر مهفهف لم يبتسم ضاحكا ... مذ كان إلا كسد الجوهر وقال آخر وذكر المجان: [البسيط] عثمان يعلم أنّ المدح ذو ثمن ... لكنه يشتهي مدحا بمجّان والناس أكيس من أن يمدحوا رجلا ... حتى يروا عنده آثار إحسان رنت: نظرت، البلابل: وساوس الهموم. والسّحر، ينسب إلى بابل وقال السّلامي في هذا المعنى: أكحيلة الأجفان بالسّحر الّذي ... لولاه ما درت البلابل بابل قد كان قلبي غافلا عما به ... أودي وقلب أخي السّلامة غافل حتى دهاني منك صدر رامح ... ذرب سناناه وطرف قاتل ما عقدك المهنا بجيدك درّة ... لكن فرند في حسام جائل وللأمير تميم بن المعتز: [المنسرح] وليلة بتّها على طرب ... آخرها مشبه لأولاها أقبّل البرق من ثنّيتها ... وألثم الشمس من محياها

стр. 492

سقتني الرّياح وهي خدّاها ... بأكؤس السّحر وهي عيناها إذا أرادت مزاجها جعلت ... بآخر اللحظ من فمي فاها فيا لها قهوة معتّقة ... وليس إلا الخدود مأواها حبابها الثغر حين تمزج لي ... ونقلها اللّثم حين أسقاها *** [ذكر بابل] وبابل مدينة كان ينزلها ملوك العجم، وهي دار نمروذ بن كنعان، وكانت بابل، من استعظامها واستبشاع أمرها، لا تكاد تحصل، وأسسها نمروذ، وكانت مدينة ضاحكة المنظر، زاهية البناء، واسعة الفناء، جمعت إلى حسن المنظر رصافة البنيان وبهاء المنصب، فكانت سهلة بطحاء مربعة، في كل تربيع حصنان عظيمان، وسورها لا يكاد سامع خبره يصدقه، كان عرضه خمسين ذراعا، في ارتفاع مائتي ذراع، في دور أربعة وستين ميلا، وحوله خندق يجري فيه الفرات، وفيها مائة باب نحاس. وهي أقدم بناء بني بعد الطوفان، ونسب السّحر لها لأن بها هاروت وماروت معلمي السّحر، فكان يعجبان من بني آدم حيث يعصون الله تعالى على إنعامه عليهم، فابتلاهما الله تعالى فسلط عليهما الشّهوة الآدمية، وحرم عليهما القتل والزنا والخمر؛ وأنزلهما إلى الأرض للحكم بين أهلها، فجاءتهما الزّهرة في خصام، فوقعت في قلوبهما، فشكا كلّ واحد منهما لصاحبه ما يجده من حبّها، فأرسلا إليها، فراوداها فأبت حتى يعلماها الاسم الذي يرجعان به إلى السماء، فأبيا عليها، قالت لهما: فاشربا الخمر، فشرباها فسكرا وعلّماها الاسم، وواقعاها، ثم خرجا فوجدا رجلا، فظنّا أنه ظهر على أمرهما فقتلاه، وتكلمت الزهرة الاسم الذي يرجعان به إلى السماء فرفعت ومسخت كوكبا وخيّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فهما يعذبان ببابل، ويعلمان السحر. وجاءت امرأة إلى عائشة ﵂، فقالت: يا أم المؤمنين، قالت لي امرأة: هل لك أن أعلّمك شيئا يصرف وجه زوجك إليك! فأتت بتيسين، فركبت واحدا، وركبت الآخر، وسرنا ما شاء الله فقالت: أتدرين أنك ببابل؟ ودخلت على رجلين، فقالا لي: بولي على ذلك الرماد، فذهبت ولم أبل، ورجعت فقالا لي: ما رأيت؟ فقلت: ما رأيت شيئا، قالا: أنت على رأس أمرك، فرجعت فتشدّدت وبلت؛ فخرج مثل الفارس المقنع، فصعد في السماء، فقالا لي: ما رأيت؟ فأخبرتهما، فقالا لي: ذلك إيمانك فارقك، فخرجت إلى المرأة، فقلت لها: والله ما علّماني شيئا، ولا قالا لي كيف أصنع، فقالت: فما رأيت؟ قلت: كذا وكذا، فقال: أنت أسحر العرب، اعمليه، فقطعت جداول، فإذا

стр. 493

زرع يهتز، فقلت: أفرك فإذا هو قد يبس، فأخذته وفركته، وقالت: خذيه، واجعليه سويقا واسقيه زوجك، فلم أفعل شيئا من ذلك، وانتهى الأمر إلى هذا فهل لي من توبة؟ . ورأت رجلا من خزاعة فقالت: يا أم المؤمنين، هذا أشبه الناس بهاروت وماروت. روى هذا الحديث بإسناد له ابن قتيبة. *** قوله: «عقلت لبّ العاقل»، اللبّ: العقل، وعقلته: شددته بعقال، وهو قيد البعير. والعصم: الوعول، والأعصم: التيس الجبلي الذي في يديه بياض، والمعصم: موضع الخلخال. الخليل: الأعصم الوعل، وعصمته: بياض في رجليه. والمعاقل: قرون الجبال، وأراد أن كلامها لعذوبته يغلب أهل العقول حتى تعدّاهم إلى الوحش، أو يريد بالعصم من له عزمة وهمة من الرجال، فإذا سمعها تذلل لها. وأخذ هذا من قول أبي بكر بن دريد: [المنسرح] لو ناجت الأعصم لا نحطّ لها ... طوع القياد من شماريخ الذّرا أو صابت القانت في مخلولق ... مستصعب المسلك وعر المرتقى ألهاه عن تسبيحه ودينه ... تأنيسها حتى تراه قد صبا والسابق إلى هذا المعنى النابغة بقوله: [الكامل] لو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متعبد (١) لرنا لرؤيتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد والمفؤود: الذي يشتكي فؤاده، والموءود: المدفون حيّا، وانظره في الخامسة والثلاثين. وأراد أنّ حسن صوتها بالقرآن يشفي من مرض الفؤاد، ويحيي الموتى والعرب تزعم في شعرها أنّ إفراط الحسن يحيي الموتى. قال الأعشى: [السريع] لو أسندت ميتا إلى نحرها ... قام ولم يحمل إلى قابر (٢)

стр. 494

حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميّت الناشر! وقال توبة بن الحمير: [الطويل] ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت ... عليّ وفوقي تربة وصفائح (١) لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح وقوله: «مزامير»، المزمار: الصوت نفسه، والجمع مزامير. وقيل: صوابه زمار، ولا يقال زامر، ويقال للأنثى: زامرة ولا يقال: زمّارة، والآلة التي يزمر بها الزّمارة. وكان داود ﵊ أحسن خلق الله صوتا، وإذا قرأ الزّبور رقت لصوته الوحوش، وحنت حتى تؤخذ بأعناقها وهي مصغية له، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط إلا على صوته. ومعبد، أطبع المغنين المتقدمين، إسحاق الموصلي أطبع المتأخرين، وفي معبد يقول حبيب: [الطويل] محاسن أوصاف المغنّين جمّة ... وما قصبات السّبق إلّا لمعبد (٢) *** [معبد المغني] وهو معبد بن وهب، وقيل ابن قطن وأبوه أسود، وكان هو خلاسيّا مديد القامة، أحول. غنّى في أول الدولة الأموية، وتوفي أيام الوليد بن يزيد. وكان علّم جارية اسمها ظبية فاشتراها رجل من الأهواز، وذهبت به إلى كلّ مذهب، فماتت وأخذت جواريه أكثر غنائها، فكان من أجلها يفضل معبدا على نظرائه، ويظهر التعصّب له، فسمع به معبد، فخرج إليه حتى أتى البصرة، فصادف الرّجل خارجا إلى الأهواز في سفينة، فسأله الدخول معه فأمر الملاح أن يجلسه في مؤخر السفينة،

стр. 495

وانحدر حتى بلغ إلى فم نهر الأبلة فتغدّوا وشربوا، وأمر جواريه فغنّين، فغنت إحداهنّ للنابغة: [البسيط] بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما (١) ومعبد ساكت في ثياب السّفر، حتى سكتت، فصاح: يا جارية، غناؤك ليس بمستقيم، فغضب مولاها، وقال: وما أنت والغناء! ثم غنّت الثانية بشعر عبد الرحمن بن أبي بكر: [الرمل] يا ابنة الأزديّ قلبي كئيب ... مستهام عندها ما ينيب (٢) ولقد قالوا فقلت دعوني ... إنّ من تنهون عنه حبيب إنّما أفني عظامي وجسمي ... حبّها، والحبّ شيء عجيب فصاح معبد: يا جارية، قد أخللت بهذا الصوت إخلالا شديدا! فازداد غضبا مولاها، وقال: ويلك! أما تكفّ عن هذا الفضول! ثم غنّت أخرى لكثيّر فقالت: [الطويل] خليليّ عوجا سلّما ساعة معي ... على الرّبع نقضي حاجة ونودّع (٣) وقولا لقلب قد سلا: راجع الهوى ... وللعين أذرى من دموعك أو دعي فلا عيش إلا مثل عيش مضى لنا ... مصيفا أقمنا فيه من بعد مربع فقال معبد: ما قومتنّ صوتا واحدا، فقال له الرجل: والله ما أراك تدع هذا الفضول بوجه ولا حيلة، وأقسمت بالله لئن عاودته لأخرجنّك من السفينة، فاندفع معبد يغني الصوت الأوّل، فصاح الجواري: أحسنت والله يا رجل! فأعده، قال: لا ولا كرامة، ثم غنى الثاني، فقلن لسيدهنّ: هذا والله أحسن الناس غناء، فاسأله أن يعيد لعلّنا أن نأخذه، ثم غنّى الثالث فزلزل عليهم السفينة، فوثب الرجل وقبّل رأسه، وقال: أخطأنا عليك، فأسألك أن تنزل إليّ، فأبى فلم يزل به حتى نزل، وقال له: من أين أخذ جواريك هذا الغناء؟ قال: من جارية أخذت عن أبي عباد معبد، ثم استأثر الله بها، وكانت منّي محل الروح من الجسد، فلذلك أفضل معبدا على جميع المغنيين، فقال له معبد: وإنك لأنت هو! أفتعرفني؟ قال: لا، فصك معبد بيده صلعته، وقال: فأنا والله معبد، وإليك قدمت
следующие страницы →