قال الحسن: [الكامل]
وذات خدّ مورّد ... فتّانة المتجرّد
تأمل العين منها ... محاسنا ليس تنفد
فبعضها في انتهاء ... وبعضها يتولد
فالحسن في كلّ جزء ... منها معاد مردّد
وكلما عدت فيها ... تكون في العود أحمد
***
قوله: «أزرت بالجمان»، أي قصرت بحبّ الفضة.
والمرجان: اللؤلؤ الصغار.
والمجان: شيء لا ثمن له، وخذ هذا مجانا، أي باطلا؛ أراد أنها إذا ضحكت فبدت أسنانها كانت أحسن مما وصف. وأخذه من قول أبي تمام: [السريع]
وقهوة كوكبها يزهر ... يسطع منها المسك والعنبر (١)
ورديّة يحثّها شادن ... كأنها من خدّه تعصر
مهفهف لم يبتسم ضاحكا ... مذ كان إلا كسد الجوهر
وقال آخر وذكر المجان: [البسيط]
عثمان يعلم أنّ المدح ذو ثمن ... لكنه يشتهي مدحا بمجّان
والناس أكيس من أن يمدحوا رجلا ... حتى يروا عنده آثار إحسان
رنت: نظرت، البلابل: وساوس الهموم. والسّحر، ينسب إلى بابل وقال السّلامي في هذا المعنى:
أكحيلة الأجفان بالسّحر الّذي ... لولاه ما درت البلابل بابل
قد كان قلبي غافلا عما به ... أودي وقلب أخي السّلامة غافل
حتى دهاني منك صدر رامح ... ذرب سناناه وطرف قاتل
ما عقدك المهنا بجيدك درّة ... لكن فرند في حسام جائل
وللأمير تميم بن المعتز: [المنسرح]
وليلة بتّها على طرب ... آخرها مشبه لأولاها
أقبّل البرق من ثنّيتها ... وألثم الشمس من محياها
стр. 492
سقتني الرّياح وهي خدّاها ... بأكؤس السّحر وهي عيناها
إذا أرادت مزاجها جعلت ... بآخر اللحظ من فمي فاها
فيا لها قهوة معتّقة ... وليس إلا الخدود مأواها
حبابها الثغر حين تمزج لي ... ونقلها اللّثم حين أسقاها
***
[ذكر بابل]
وبابل مدينة كان ينزلها ملوك العجم، وهي دار نمروذ بن كنعان، وكانت بابل، من استعظامها واستبشاع أمرها، لا تكاد تحصل، وأسسها نمروذ، وكانت مدينة ضاحكة المنظر، زاهية البناء، واسعة الفناء، جمعت إلى حسن المنظر رصافة البنيان وبهاء المنصب، فكانت سهلة بطحاء مربعة، في كل تربيع حصنان عظيمان، وسورها لا يكاد سامع خبره يصدقه، كان عرضه خمسين ذراعا، في ارتفاع مائتي ذراع، في دور أربعة وستين ميلا، وحوله خندق يجري فيه الفرات، وفيها مائة باب نحاس.
وهي أقدم بناء بني بعد الطوفان، ونسب السّحر لها لأن بها هاروت وماروت معلمي السّحر، فكان يعجبان من بني آدم حيث يعصون الله تعالى على إنعامه عليهم، فابتلاهما الله تعالى فسلط عليهما الشّهوة الآدمية، وحرم عليهما القتل والزنا والخمر؛ وأنزلهما إلى الأرض للحكم بين أهلها، فجاءتهما الزّهرة في خصام، فوقعت في قلوبهما، فشكا كلّ واحد منهما لصاحبه ما يجده من حبّها، فأرسلا إليها، فراوداها فأبت حتى يعلماها الاسم الذي يرجعان به إلى السماء، فأبيا عليها، قالت لهما: فاشربا الخمر، فشرباها فسكرا وعلّماها الاسم، وواقعاها، ثم خرجا فوجدا رجلا، فظنّا أنه ظهر على أمرهما فقتلاه، وتكلمت الزهرة الاسم الذي يرجعان به إلى السماء فرفعت ومسخت كوكبا وخيّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فهما يعذبان ببابل، ويعلمان السحر.
وجاءت امرأة إلى عائشة ﵂، فقالت: يا أم المؤمنين، قالت لي امرأة:
هل لك أن أعلّمك شيئا يصرف وجه زوجك إليك! فأتت بتيسين، فركبت واحدا، وركبت الآخر، وسرنا ما شاء الله فقالت: أتدرين أنك ببابل؟ ودخلت على رجلين، فقالا لي:
بولي على ذلك الرماد، فذهبت ولم أبل، ورجعت فقالا لي: ما رأيت؟ فقلت: ما رأيت شيئا، قالا: أنت على رأس أمرك، فرجعت فتشدّدت وبلت؛ فخرج مثل الفارس المقنع، فصعد في السماء، فقالا لي: ما رأيت؟ فأخبرتهما، فقالا لي: ذلك إيمانك فارقك، فخرجت إلى المرأة، فقلت لها: والله ما علّماني شيئا، ولا قالا لي كيف أصنع، فقالت:
فما رأيت؟ قلت: كذا وكذا، فقال: أنت أسحر العرب، اعمليه، فقطعت جداول، فإذا
стр. 493
زرع يهتز، فقلت: أفرك فإذا هو قد يبس، فأخذته وفركته، وقالت: خذيه، واجعليه سويقا واسقيه زوجك، فلم أفعل شيئا من ذلك، وانتهى الأمر إلى هذا فهل لي من توبة؟ .
ورأت رجلا من خزاعة فقالت: يا أم المؤمنين، هذا أشبه الناس بهاروت وماروت. روى هذا الحديث بإسناد له ابن قتيبة.
***
قوله: «عقلت لبّ العاقل»، اللبّ: العقل، وعقلته: شددته بعقال، وهو قيد البعير.
والعصم: الوعول، والأعصم: التيس الجبلي الذي في يديه بياض، والمعصم:
موضع الخلخال.
الخليل: الأعصم الوعل، وعصمته: بياض في رجليه.
والمعاقل: قرون الجبال، وأراد أن كلامها لعذوبته يغلب أهل العقول حتى تعدّاهم إلى الوحش، أو يريد بالعصم من له عزمة وهمة من الرجال، فإذا سمعها تذلل لها.
وأخذ هذا من قول أبي بكر بن دريد: [المنسرح]
لو ناجت الأعصم لا نحطّ لها ... طوع القياد من شماريخ الذّرا
أو صابت القانت في مخلولق ... مستصعب المسلك وعر المرتقى
ألهاه عن تسبيحه ودينه ... تأنيسها حتى تراه قد صبا
والسابق إلى هذا المعنى النابغة بقوله: [الكامل]
لو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متعبد (١)
لرنا لرؤيتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد
والمفؤود: الذي يشتكي فؤاده، والموءود: المدفون حيّا، وانظره في الخامسة والثلاثين.
وأراد أنّ حسن صوتها بالقرآن يشفي من مرض الفؤاد، ويحيي الموتى والعرب تزعم في شعرها أنّ إفراط الحسن يحيي الموتى. قال الأعشى: [السريع]
لو أسندت ميتا إلى نحرها ... قام ولم يحمل إلى قابر (٢)
стр. 494
حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميّت الناشر!
وقال توبة بن الحمير: [الطويل]
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت ... عليّ وفوقي تربة وصفائح (١)
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
وقوله: «مزامير»، المزمار: الصوت نفسه، والجمع مزامير. وقيل: صوابه زمار، ولا يقال زامر، ويقال للأنثى: زامرة ولا يقال: زمّارة، والآلة التي يزمر بها الزّمارة.
وكان داود ﵊ أحسن خلق الله صوتا، وإذا قرأ الزّبور رقت لصوته الوحوش، وحنت حتى تؤخذ بأعناقها وهي مصغية له، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط إلا على صوته.
ومعبد، أطبع المغنين المتقدمين، إسحاق الموصلي أطبع المتأخرين، وفي معبد يقول حبيب: [الطويل]
محاسن أوصاف المغنّين جمّة ... وما قصبات السّبق إلّا لمعبد (٢)
***
[معبد المغني]
وهو معبد بن وهب، وقيل ابن قطن وأبوه أسود، وكان هو خلاسيّا مديد القامة، أحول.
غنّى في أول الدولة الأموية، وتوفي أيام الوليد بن يزيد.
وكان علّم جارية اسمها ظبية فاشتراها رجل من الأهواز، وذهبت به إلى كلّ مذهب، فماتت وأخذت جواريه أكثر غنائها، فكان من أجلها يفضل معبدا على نظرائه، ويظهر التعصّب له، فسمع به معبد، فخرج إليه حتى أتى البصرة، فصادف الرّجل خارجا إلى الأهواز في سفينة، فسأله الدخول معه فأمر الملاح أن يجلسه في مؤخر السفينة،
стр. 495
وانحدر حتى بلغ إلى فم نهر الأبلة فتغدّوا وشربوا، وأمر جواريه فغنّين، فغنت إحداهنّ للنابغة: [البسيط]
بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما (١)
ومعبد ساكت في ثياب السّفر، حتى سكتت، فصاح: يا جارية، غناؤك ليس بمستقيم، فغضب مولاها، وقال: وما أنت والغناء! ثم غنّت الثانية بشعر عبد الرحمن بن أبي بكر: [الرمل]
يا ابنة الأزديّ قلبي كئيب ... مستهام عندها ما ينيب (٢)
ولقد قالوا فقلت دعوني ... إنّ من تنهون عنه حبيب
إنّما أفني عظامي وجسمي ... حبّها، والحبّ شيء عجيب
فصاح معبد: يا جارية، قد أخللت بهذا الصوت إخلالا شديدا! فازداد غضبا مولاها، وقال: ويلك! أما تكفّ عن هذا الفضول! ثم غنّت أخرى لكثيّر فقالت:
[الطويل]
خليليّ عوجا سلّما ساعة معي ... على الرّبع نقضي حاجة ونودّع (٣)
وقولا لقلب قد سلا: راجع الهوى ... وللعين أذرى من دموعك أو دعي
فلا عيش إلا مثل عيش مضى لنا ... مصيفا أقمنا فيه من بعد مربع
فقال معبد: ما قومتنّ صوتا واحدا، فقال له الرجل: والله ما أراك تدع هذا الفضول بوجه ولا حيلة، وأقسمت بالله لئن عاودته لأخرجنّك من السفينة، فاندفع معبد يغني الصوت الأوّل، فصاح الجواري: أحسنت والله يا رجل! فأعده، قال: لا ولا كرامة، ثم غنى الثاني، فقلن لسيدهنّ: هذا والله أحسن الناس غناء، فاسأله أن يعيد لعلّنا أن نأخذه، ثم غنّى الثالث فزلزل عليهم السفينة، فوثب الرجل وقبّل رأسه، وقال: أخطأنا عليك، فأسألك أن تنزل إليّ، فأبى فلم يزل به حتى نزل، وقال له: من أين أخذ جواريك هذا الغناء؟ قال: من جارية أخذت عن أبي عباد معبد، ثم استأثر الله بها، وكانت منّي محل الروح من الجسد، فلذلك أفضل معبدا على جميع المغنيين، فقال له معبد: وإنك لأنت هو! أفتعرفني؟ قال: لا، فصك معبد بيده صلعته، وقال: فأنا والله معبد، وإليك قدمت
стр. 496
من الحجاز، ولقصدكم بالأهواز دخلت السفينة، والله لا قصرت في جواريك [هؤلاء] حتى أجعلهنّ خلفا من الماضية، فأكبّ الرجل والجواري على يديه ورجليه بالتقبيل، ويقولون: «كتمتنا نفسك، حتى أسأنا عشرتك، وأنت ممّن نتمنّى من الله أن نلقاه».
ثم وهب له ثلاثمائة دينار وطيبا وهدايا بمثلها، فأقام عنده سنة حتى أخذ عنه جواريه ثم انصرف إلى الحجاز.
قال ابن الكلبي: قدم ابن سريح والغريض المدينة، وكانا في صنعة الغناء من الحذاق، يتعرّضان لمعروف أهلها، فلما شارفاها تقدّما ثقلهما، ليرتادا منزلا، حتى إذا همّا بمغسلة تغسل فيها الثّياب قرب المدينة، إذا هما بغلام ملتحف بإزار وطرفه على رأسه، وبيده حبالة يصيد بها الطير، وهو يتغنّى: [البسيط]
القصر فالنخل فالجمّاء بينهما ... أشهى إلى القلب من أبواب جيرون (١)
فإذا الغلام معبد فلما سمعاه مالا إليه، واستعاداه، فأعاد الصوت، فسمعا شيئا لم يسمعا مثله قطّ، فقال أحدهما لصاحبه: هل سمعت كاليوم قطّ؟ قال: لا والله، فما رأيك؟ قال ابن سريج: هذا غناء غلام يصيد الطّير، فكيف بمن في المدينة، أمّا أنا فثكلت والدي إن لم أرجع، فرجع ولم يدخلها.
وروى إسحاق أنّ معبدا سافر إلى مكة، فسمع ببطن مرّ غناء، فقصد الموضع، وإذا رجل جالس على حرف بركة فارق شعره حسن الوجه عليه درّاعة مصبوغة بزعفران، وهو يتغنى: [الخفيف]
حنّ قلبي من بعد ما قد أنابا (٢) ... ودعا الهمّ شجوه فأجابا
ذاك من منزل لسلمى خلاء ... لابس من خلائه جلبابا
عجت فيه وقلت للرّكب عوجوا ... طمعا أن يردّ ربع جوابا
فاستثار المنسيّ من لوعة الح ... بّ وأبدي الهموم والأوصابا
فقرع معبد بعصاه وغنى: [الكامل]
منع الحياة من الرجال ونفعها ... حدق تقلّبها النّساء مراض (٣)
وكأنّ أفئدة الرجال إذ رأوا ... حدق النساء لنبلها أغراض
стр. 497
فقال الرجل له: أنت معبد؟ قال نعم، وقال له معبد: بالله أنت ابن سريج! قال:
نعم، وو الله لو عرفتك ما غنّيت بين يديك.
قال معبد: فلما قدمت مكة، قيل لي: إن ابن صفوان قد جعل بين المغنّين جائزة، فأتيت بابه، فطلبت الدّخول، فقال لي آذنه: قد أمرني أن ألا آذن لأحد عليه، قلت:
فدعني أدنو من الباب، فأغني صوتا، فقال: أمّا هذا فنعم، فدنوت من الباب، فغنيت، فقالوا: معبد، ففتحوا لي وأخذت الجائزة.
***
[إسحاق الموصلي]
وأما إسحاق فذكره صاحب الأغاني، وقال: كان محلّ إسحاق من العلم والأدب والرواية، وتقدمه في الشعر وسائر المحاسن أشهر من أن يوصف، وأما الغناء فكان أصغر علومه، وأدنى ما وسم به وإن كان الغالب عليه؛ وهو الذي صحح أجناس الغناء وطرائفها، وميزها تمييزا لم يقدر أحد عليه قبله ولا بعده، من تدقيق المجاري، وتمييز الأصناف التي جعلوها صنفا واحدا، وهي في نفسها كذلك، ولكنها تفترق عند متيقظ مثله، وأين مثله! وروي عنه أنه قال: بقيت دهرا أغلّس إلى هشام أسمع الحديث وإلى الكسائي أقرأ عليه جزءا من القرآن، وإلى الفرّاء وابن غزالة أسمع اللغة، ثم آتي منصور زلزل، فيطارحني طريقتين أو ثلاثا، ثم آتي عاتكة بنت شهدة، فآخذ منها صوتا أو صوتين، ثم آتي الأصمعيّ وأبا عبيدة، فأستفيد منهما وأناشدهما، ثم أصير إلى أبي فأعلمه بما صنعت، وأتغدّى معه، فإذا كان العشي رحت إلى الرشيد.
وروى الحديث، ولقي أهله، مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وغيرهما، وسأل المأمون أن يكون دخوله مع أهل العلم والأدب، لا مع المغنين، فإذا أراده للغناء غنّاه، فأجابه إلى ذلك.
وقال المأمون: لولا ما سبق لإسحاق على ألسنة الناس من الشهرة بالغناء، لوليته القضاء بحضرتي، فإنه أولى به، وأصدق وأعفّ، وأكثر دينا وأمانة من هؤلاء القضاة، وكان أجود الناس بالمال وأبخلهم بالغناء، وأعطى لمنصور زلزل لما علمه الضّرب بالعود أكثر من مائة ألف درهم.
وأهدى له ابن الأعرابي نسخة من النوادر بخطه، فمرّ يوما على المدائنيّ، فقال:
إلى أين يا أبا عبد الله؟ قال: أمرّ على رجل كما قال الشاعر: [المنسرح]
نحمل أشباحنا إلى ملك ... نأخذ من ماله ومن أدبه
فقال: ومن هو؟ قال: أبو محمد إسحاق بن إبراهيم.
ومات وهو أشعر أهل زمانه، وقال رأيت جريرا في منامي ينشد شعرا، فلما فرغ
стр. 498
أخذ كبّة شعر فألقاها في فمي، فابتلعتها، فتأوّلت ذلك أنه ورثني الشعر.
ومرّ به شيخ وهو في الحديث، فقال لجلسائه: هذا أشبه النّاس بجرير الذي رأيت، فسئل الشيخ، فإذا هو عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير. ومن شعره يفتخر: [الطويل]
إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبي ... وقام بنصري خازم وابن خازم
عطست بأنف شامخ وتناولت ... يداي الثّريا قاعدا غير قائم
وسمعهما الأصمعي فاستحسنهما، وأعجب بهما وفضلّهما.
ودخل على مروان بن أبي حفصة وهو يتحدث مع أبيه فأنشده: [الطويل]
إذا مضر الحمراء كانت أرومتي ... وقام بنصري خازم وابن خازم
عطست بأنف ... البيت.
فجعل إبراهيم يحدّث مروان، وهو ساه عنه، فقال: ما لك لا تجيبني فقال: إنك ما تدري ما أفرغ ابنك في أذني. ووجه إليه أحمد بن هشام بزعفران رطب وكتب إليه:
[البسيط]
اشرب على زعفران الرّطب متّكئا ... وأنعم نعمت بطول اللهو والطرب
فحرمة الكأس بين الناس واجبة ... كحرمة الودّ والأرحام والأدب
فأجابه إسحاق الموصلي: [البسيط]
اذكر أبا جعفر حقّا أمتّ به ... أنّي وإياك مشغوفان بالأدب
وأنّنا قد رضعنا الكأس درّتها ... والكأس حرمتها أولى من النّسب
وجلس عند إبراهيم بن مصعب للشرب، فسقى الغلمان من حضر وجاء غلام قبيح الوجه بقدح إلى إسحاق، فلم يأخذ منه، فقال له إبراهيم: لم لا تشرب؟ فقال: [البسيط]
أصبح نديمك أقداحا تسلسلها ... من الشّمول وأتبعها بأقداح
من كفّ ريم مليح الوجه ريقته ... بعد الهجوع كمسك أو كتفّاح
لا أشرب الراح إلا من يدي رشإ ... تقبيل راحته تغني عن الرّاح
فدعا له بوصيفة تامة الحسن، في زيّ غلام، عليها أقبية ومنطقة، فسقته حتى سكر، ثم أمر بتوجيهها إليه بكلّ ما معها إلى داره.
ومن طرف إسحاق، أن كلثوما العتابي كان من العلم وغزارة الأدب وكثرة الحفظ والترسل والنظم على ما لم يكن عليه أحد، فحضر مجلس المأمون، فوضع بين يديه ألف دينار، وغمز إسحاق بالعبث به، فأقبل إسحاق يعارضه في كل باب ويزيد عليه، وهو لا يعرف إسحاق، فقال: أيأذن أمير المؤمنين في نسبة هذا الرجل، والسؤال عن اسمه؟
فقال: أفعل، فقال له العتابي: ما اسمك ومن أين أنت؟ فقال: أنا من الناس، واسمي كل
стр. 499
بصل، فقال له العتابي: أما النسبة فمعروفة، وأما الاسم فمنكور، فقال له إسحاق: ما أقلّ إنصافك، أو ما كلثوم من الأسماء! فالبصل أطيب من الثوم! فقال له العتابي: قاتلك الله، ما أملحك! ما رأيت كالرجل حلاوة، أيأذن أمير المؤمنين في صلته بما وصلني، فقد والله غلبني؟ فقال له المأمون: بل ذلك موفور عليك، وأمر له بمثله. فانصرف إسحاق إلى منزله، ونادمه العتابي بقية يومه.
وكانت هشيمة الخمّارة تجيد الشراب، فلما ماتت قال يرثيها: [الكامل]
أضحت هشيمة في القبور مقيمة ... وخلت منازلها من الفتيان
كانت إذا هجر الحبيب محبّه ... دبت له في السرّ والإعلان
حتّى يلين لما تريد قياده ... ويصير سيئه إلى الإحسان
وهو إسحاق بن إبراهيم بن ماهان، أصله فارسيّ، وترك ماهان إبراهيم صغيرا فنشأ في بني تميم.
وهذا الذي ذكرنا نبذة من أدبه.
وأما محاسنه في الغناء فلا يأتي عليها الحصر، قال الواثق: ما غنّاني إسحاق قطّ إلا ظننت أن قد زيد في ملكي؛ وإن إسحاق نعمة من نعم الملك، التي لم يحظ أحد بمثلها؛ لو أن له العمر والنشاط ممّا يشتري لاشتريتهما بشطر ملكي.
وحدّث حمّاد ابنه قال: حدثني أبي قال: غدوت يوما وأنا ضجر من ملازمة دار الخليفة. فركبت بكرة عازما أن أطوف في الصّحراء، وأتفرّج، وقلت لعلمانيّ: إن جاء رسول الخليفة فعرفوه أني ركبت في مهمّ ومضيت، وطفت ما بدا لي، وغدوت، وعدت، وقد حمي النّهار، فوقفت في ظلّ جناح شارع لأستريح، فلم ألبث أن خادم جاء يقود حمارا فارها عليه جارية تحتها منديل دبيقيّ. وعليها من اللباس الفاخر ما لا غاية وراءه، فرأيت لها شمائل ظريفة وطرفا فاترا، فحدّثت أنها مغنية، فدخلت الدار التي كنت عليها واقفا، فعلقها قلبي علوقا شديدا لم أستطع معه براحا، وأقبل رجلان شابان، لهما هيبة تدلّ على قدرهما، وهما راكبان، فأذن لهما فحملني حبّ الجارية وحسن حالهما أن توسلت بهما، فدخلت معهما، فظنّا أن صاحب الدار دعاني، وظن هو أني معهما، فجلسنا، وأتي بالطعام فأكلنا، وجيء بالشراب، فخرجت الجارية، وفي يدها عود، فرأيت جارية حسناء، فغنت غناء صالحا، فتمكّن ما في قلبي منها، وشربنا. ثم قمت للبول، فسألهما صاحب المنزل عني، فأنكراني، فقال: هذا طفيلي، ولكنه ظريف، فأجملوا عشرته، فجئت وجلست فغنّت في لحن لي: [الطويل]
ذكرتك أن مرّت بنا أمّ شادن ... أمام المطايا تشرئبّ وتسنح
من المؤلفات الرّمل أدماء حرّة ... شعاع الضّحى في وجهها يتوضّح
стр. 500
فأدّته أداء صالحا. ثم غنّت أصواتا فيها من صنعتي: [مجزوء الخفيف]
الطّلول الدوارس ... فارقتها الأوانس
أوحشت بعد أنسها ... فهي قفر بسابس
فكان أمرها فيه أصلح من الأوّل، ثم غنّت من صنعتي في شعري: [الخفيف]
قل لمن صدّ عاتبا ... ونأى عنك جانبا
قد بلغت الّذي أرد ... ت وإن كنت لاعبا
واعترفنا بما ادّعي ... ت وإن كنت كاذبا
فكان أصلح ممّا غنته، فاستعدته منها لأصحّحه. فأقبل عليّ أحد الرجلين، فقال:
ما رأيت طفيليّا أصفق وجها منك، لم ترض بالتّطفيل حتى اقترحت! وهذا تصديق المثل، «طفيلي وقد يقترح»، فلم أجبه. وكفّه صاحبه عني، فلم ينكفّ، ثم قاموا للصّلاة فأخذت عود الجارية، وأصلحته إصلاحا محكما. وعدت إلى موضعي، فصلّيت، ثم عادوا، فعاد ذلك الرجل في عربدته عليّ، وأنا صامت، فأخذت الجارية عودها، وجسّته، فقالت: من جسّ عودي؟ فقالوا: ما جسّه أحد، فقالت: والله لقد جسّه حاذق متقدّم، وشدّ طبقته، فقلت لها: أنا أصلحته، فقالت: بالله عليك خذه، واضرب به، فأخذته منها وضربت مبدأ طريق عجيب صعب، فيه نقرات محكمة، فما بقي منهم أحد إلا وثب، وجلس بين يدي، وقالوا: بالله يا سيدي، تغنّي؟ قلت: نعم، وأعرّفكم بنفسي أنا إسحاقي الموصليّ، والله إني لآتيه على الخليفة وأنتم تشتمونني منذ اليوم لأني تملّحت معكم بسبب هذه الجارية! وو الله لا نطقت بحرف ولا جلست معكم، أو تخرجوا هذا المعربد الغثّ، ونهضت لأخرج. فتعلّقوا بي وتعلّقت الجارية بي، فقلت: والله لا أجلس إلا أن يخرج؛ فقال له صاحبه: من شبه هذا حذرت عليك، فأخرجوه، فغنّيت الأصوات الّتي غنّتها الجارية من صنعتي؛ فطرب صاحب البيت طربا شديدا، وقال لي: هل لك في أمر أعرضه عليك؟ فقلت: ما هو؟ فقال: تقيم عندي شهرا، والجارية مع ما عليها لك، فقلت: أفعل، فأقمت عنده ثلاثين يوما لا يعرف أحد أين أنا، والمأمون يطلبني.
فجئت بذلك منزلي بعد شهر، وركبت إلى المأمون، فقال لي: يا إسحاق، ويحك! أين تكون؟ فعرّفته الخبر فقال: عليّ بالرجل الساعة، فعرّفتهم موضعه فأحضره، وقال:
أنت رجل ذو مروءة وسبيلك أن تعاون عليها، فأمر له بمائة ألف درهم، ونهاه ألّا يعاشر ذلك المعربد النّذل، وأمر لي بخمسين ألفا، وقال: أحضر لي الجارية، فأحضرتها فغنته، فقال: قد جعلت لها نوبة في كلّ يوم ثلاثاء؛ تغنّي مع الجواري، وأمر لها بخمسين ألف درهم. فربحت والله تلك الرّكبة وأربحت.
وتشبه هذه الحكاية حكاية إبراهيم بن المهدي، إذ شفع للمأمون في طفيليّ قد
стр. 501
قدّمنا ذكره، فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، هب لي ذنبه، وأحدّثك حدثا عجيبا في التّطفيل عن نفسي، قال: قل، فقلت؛ خرجت يوما فمررت في سكك بغداد، فشممت رائحة أبزار من جناح دار، وقدور قد فاح قتارها. فسألت خياطا: عن ربّ الدار، فقال رجل من التّجار اسمه فلان. فخرجت من شبّاك في الجناح كفّ ومعصم، ما رأيت مثلهما قطّ، فذهب عقلي وبهتّ، وإذا رجلان نبيلان، فقال الخياط: هذان نديماه، وهما فلان وفلان، فحرّكت دابتي، ودخلت بينهما، وقلت: قد استبطأكما أبو فلان، فأتينا الباب، فدخلنا، فلم يشكّ صاحب الدار أنني منهما، فرحّب بي، وأجلسني في أجّل موضع، فأتينا بالألوان، فكان طعمها أطيب من رائحتها، فقلت في نفسي: أكلت الألوان وبقي الكفّ. ثم سرنا إلى مجالس المنادمة، فإذا أنبل مجلس، وصاحب الدار مقبل باللّطف والحديث عليّ لمّا ظن أني منهما، فخرجت جارية تنثنّي كأنها خوط بان، فسلّمت وجلست، وأخذت بالعود وجسته، فتبيّنت الحذق في جسّتها، وغنّت هذا الصوت:
[الطويل]
توهّمها طرفي فأصبح خدها ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر
وصافحها كفي فآلم كفّها ... فمن لمس كفي في أناملها عقر
ومرّ بفكري شخصها فجرحته ... ولم أر شخصا قطّ يجرحه الفكر
فهيّجت بلابلي، وطربت، ثم غنّت: [الطويل]
أشرت إليها هل علمت مودتي ... فردت بطرف العين إنّي على العهد.
فحدث عن الإظهار عمدا لسرّها ... وحادت عن الإظهار أيضا على عمد
فصحت: السلاح! وجاءني ما لم أملك معه نفسي، ثم غنّت: [الطويل]
أليس عجيبا أنّ بيتا يضمّني ... وإياك لا نخلو ولا نتكلّم
سوى أعين تشكو الهوى بجفونها ... وترجيع أحشاء على النار تضرم
إشارة أفواه وغمز حواجب ... وتكسير أجفان وقلب متيّم
فحسدتها على حذقها، فقلت: يا جارية بقي عليك شيء، فغضبت ورمت بالعود، وقالت: متى كنتم تحضرون مجالسكم البغضاء! فندمت ورأيت تغيّر القوم، فدعوت بالعود وغنّيت: [الكامل]
ما للمنازل لا يجبن حزينا ... أصممن أم بعد المدى فبلينا
راحوا العشيّة روحة مذكورة ... إن متن متنا أو بقين بقينا
فأقبلت على رجليّ تقبلهما، وتقول: المعذرة والله يا سيّدي من تغيير مثلك، وقام مولاها وصاحباه، وصنعوا مثلها، وشربوا بالطاسات طربا، ثم غنّيت: [الطويل]
стр. 502
أفي الحق أن أمسي ولا تذكرينني ... وقد سجمت عيناي من ذكرك الدّما
إلى الله أشكو بخلها وسماحتي ... لها عسل منّي وتبذل علقما
فجاء والله من طرب القوم ما حسبت له أن يخرجوا من عقولهم، فأمسكت حتى إذا هدأ القوم اندفعت أغنّي:
حذا محبّك مطويّ على كمده ... صبّ مدامعه تجري على جسده
له يد تسأل الرّحمن راحته ... ممّا به ويد أخرى على كبده
يا من رأى كلفا مستهدفا أسفا ... كانت منيّته في طرفه ويده
فصاحت الجارية: السلاح! هذا والله الغناء يا مولاي. وسكروا، وأمر صاحب الدّار غلمانه بحفظهم إلى منازلهم، وبقيت أشرب معه- وكان جيّد الشراب- فقال:
يا سيّدي ذهب والله ما خلا من أيامي باطلا إذ كنت لا أعرفك، فمن أنت؟ فأخبرته، فقبّل رأسي، وقال: وأنا أعجب من هذا الأدب، وأنا منذ اليوم مع الخلافة. ثمّ سألني عن قصتي فأخبرته خبر الطعام والمعصم، فأحضر جواريه [ولا أشعر]. ثمّ قال: ما بقي غير أمّي وأختي، ولأنزلنّهما إليك. فعجبت من كرمه، وسعة صدره، فقلت: أبدأ بالأخت، ففعل، فلمّا رأيت معصمها، قلت: هي هي. فأرسل إلي عشرة مشايخ وأحضر بدرتين، وقال: أشهدكم أني قد زوّجت أختي فلانة من إبراهيم بن المهدي، وأمهرتها عنه عشرة آلاف درهم. فدفعت إليه البدرة الواحدة، وفرّقت الأخرى على المشايخ، وانصرفوا، وقال: يا سيّدي أمهد لك بعض البيوت، فأحشمني، فقلت: بل أحملها لي منزلي في عماريّة، فو حقّك يا أمير المؤمنين، لقد حمل إليّ من الجهاز ما ضاق عنه بعض دوري.
فتعجّب المأمون من كرمه، وأمر بإحضاره فصار من خواصّه.
***
قوله: «سحقا» أي بعدا.
***
[زنام الزامر]
وزنام الزامر هو الذي أحدث الناي، وهو المزمار الذي تدعوه عامتنا بالمغرب الزّلامي، فصحّفوه بإبدال نونه لاما، وإنما هو زناميّ، وقال فيه الشاعر: [الرمل]
إنّ في ناي زنام شغلا ... يشغل العاقل عن ناي زنام
قال القاسم بن زرزور الزامر: حدّثني زنام الزامر، قال: لما اعتل المعتصم علّته التي مات منها، قال: هيّئوا لي الزلال حتى أركبه، فهيّئ له فركب، وأتى فيمن
стр. 503
معه، فمرّ بدجلة بإزاء منازله، فقال: يا زنام، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين! قال:
أزمر: [السريع]
يا منزلا لم تبل أطلاله ... حاشا لأطلالك أن تبلى
العيش أولى ما بكاه الفتى ... لا بدّ للمحزون أن يسلى
لم أبك أطلالك لكنّني ... بكيت عيشي فيك إذ ولّى
قال: فزمرت وما زلت أردده، وهو ينتحب ويبكي إلى أن خرج، ثم توفّي بعد خمسة أيام.
وزنام سار المثل بضرب يزمره وإتقان صنعته.
وكان الواثق مولعا يزمره بعد أبيه المعتصم، حدّث حسين بن الضحاك قال: دخلت على الواثق، فقال: قل الساعة أبياتا ملاحا حتى أهب لك شيئا مليحا، فقلت: في أيّ معنى؟ قال: فما شئت بما ترى بين يديك، فالتفتّ فإذا بساط قد تفتّحت أنواره، وأشرق في نور الصبح، فخجلت وارتجّ عليّ، فقال الواثق: ألست ترى نور صباح، ونور أقاح! ففتح لي، فقلت: [المتقارب]
ألست ترى الصّبح قد أسفرا ... ومنسكب الغيث قد أمطرا
وأسفرت الأرض عن حلّة ... تضاحك بالأصفر الأحمرا
وتعمل كأسين في فتية ... تطارد بالأصغر الأكبرا
يحثّ كئوسهم مخطف ... تجاذب أردافه المئزرا
فكلّ ينافس في برّه ... ليفعل في ذاته المنكرا
فضحك، وقال: تستعمل ما قلت يا حسين إلا الفسق فلا ولا كرامة. ثم قال:
قوموا بنا إلى حانة الشطّ. فقام إليها، وشرب وطرب، وما ترك أحدا من المغنّين والجلساء إلا أمر له بصلة. وكان من الأيام التي سارت أخبارها في الآفاق، فلما كان من الغد غدوت عليه، فقال: أنشدني ما قلت في يومنا الماضي، فأنشدته: [البسيط]
يا حانة الشّطّ قد أكرمت مثوانا ... عودي بيوم سرور كالذي كانا
لا تفقدينا دعابات الأمير ولا ... طيب البطالة إصرارا وإعلانا
وهاج زمر زنام بين ذاك لنا ... شجوا فأهدى لنا روحا وريحانا
وسلسل الرّطل عمرو ثم عمّ به السّ ... قيا فألحق أخرانا بأولانا
لا زلت آهلة الأوطان عامرة ... بأكرم النّاس أعرافا وأغصانا
ذكرنا هذه الحكاية لظرفها، ولما وقع لزنام من الذكر في شعر حسن.
***
стр. 504
قوله: «زنيما»، أي دعيّا في الزّمر. قال ابن الأعرابيّ: الزنيم ابن الزانية. أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة ولد الزنا ولا شيء من نسله إلى سبعة آباء».
وقال رسول الله ﷺ : «كانت العباد فيما مضى إذا عبد الله أحدهم أربعين سنة يسعى نوره بين يديه، فعبد الله عابد أربعين سنة وأربعين، فلم يسع له نور، فابتهل إلى الله تعالى فقال: عبدتك أربعين وأربعين، ولم يسع لي نور؛ فأري في منامه أنه لغير رشدة، فقال:
يا ربّ إن كان أبواي أكلا حماضا أضرس أنا! : فسعى نوره بين يديه».
قوله: «جيله» أي أهل عصره.
الزهيم الأول السيد، والثاني الضامن، أراد أنه يضمن لمن سمعه أن يطربه وقال أبو الفضل الدّارميّ في زامر أسود: [البسيط]
وحالك اللّون كالليل البهيم له ... فضائل مشرقات الحس كالفلق
تخال مجلسنا وجها به حسنا ... إذ صار فيه كخال معجب لبق
تراه يحفظ ما يوحى إليه به ... وسرّه أبدا يهوي بمنخرق
يحدو بأنفاسه الأوتار مجتهدا ... فتستقيم به الألحان في الطّرق
أهدى الشّباب إليه حسن بهجته ... فناسب المسك في لون وفي عبق
الحبب: الفقاقيع تعلو الماء والخمر. أزدري: أحتقر. النّعم: الإبل وأكرمها الحمر. أحلّي: أزيّن. بتملّيها: بطول حياتها ومدّتها، والملاوة: المدة، ومنه قوله تعالى: وَأَمْلى لَهُمْ [محمد: ٢٥]. مرآها: رؤيتها. أذود: أدفع. شرائع:
طرق. السمر: الحديث بالليل. أليح: أشفق، تسري: تسير ليلا. ريّاها: رائحتها الطيبة.
يكهن: يشعر ويحسن، وتكهّن الرجل: تحدث عن الغيب.
***
[سطيح]
وسطيح الغسّاني أكهن الناس، وأنذر بسيل العرم، فكان يدرج جسده كما يدرج الثوب، خلا جمجمة رأسه، وإذا مسّت باليد أثرت فيه للين عظمها.
ومن كهانته أنه لمّا كان ليلة ولد رسول الله ﷺ ارتجّ إيوان كسرى، فسقطت منه أربع عشرة شرفة، فأعظم ذلك أهل المملكة، وكتب إلى كسرى صاحب الشام أن وادي السماوة انقطع تلك الليلة.
وكتب إليه صاحب اليمن أنّ بحيرة ساوة غاضت تلك الليلة.
وكتب إليه صاحب طبريّة أنّ الماء لم يجر تلك الليلة في بحيرة طبريّة.
стр. 505
وكتب إليه صاحب فارس أن بيوت النار خمدت تلك الليلة، ولم تخمد قبل ذلك بألف سنة.
فلما تواترت عليه الكتب، أظهر سريره، وبرز إلى أهل مملكته، فأخبرهم الخبر، فقال الموبذان: أيها الملك إني رأيت تلك الليلة رؤيا هالتني، رأيت إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، حتى اقتحمت دجلة وانتشرت في بلادنا.
قال: فما عندك في تأويلها؟ قال: ما عندي شيء، ولكن أرسل إلى عاملك بالحيرة يوجّه إليك رجلا من علمائهم فإنهم أصحاب علم بالحدثان. فبعث إليه، فوجّه عبد المسيح بن بقيلة الغساني، فأخبره كسرى بالخبر فقال: أيها الملك، ما عندي فيها شيء، ولكن جهّزني إلى الشأم إلى خالي سطيح. فجهّزه، فلما قدم عليه وجده قد احتضر، فناداه فلم يجبه، فقال: [الرجز]
أصمّ أم يسمع غطريف اليمن ... رسول قيل العجم يهوي للوثن
يا فاصل الخطّة أعيت من ومن ... أتاك شيح الحيّ من آل سنن
* أبيض فضفاض الرّداء والرّسن* (١)
فرفع إليه سطيح رأسه، وقال: عبد المسيح، على جمل مشيح، أقبل إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح بعثك ملك بني ساسان، لارتجاج الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان؛ رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، حتى اقتحمت الواد، وانتشرت في البلاد.
عبد المسيح، إذا ظهرت التلاوة، وغاض وادي السماوة، وظهر صاحب الهراوة، فليست الشام لسطيح بشام، يملك منهم ملوك وملكات، بعدد ما سقط من الشرفات، وكلّ ما هو آت آت، ثم قال: [البسيط]
إن كان ملك بني ساسان أفرطهم ... فإن ذا الدهر طورا دهارير (٢)
стр. 506
منهم بنو الصّرح بهرام وإخوته ... والهرمزان وسابور وسابور
فربمّا أصبحوا منهم بمنزلة ... تهاب صولهم الأسد اليهاصير
حثّوا المطيّ وجدّوا في رحيلهم ... فما يقوم لهم سرج ولا كور
والنّاس أبناء علّات فمن علموا ... أن قد أقلّ، فمحقور ومهجور
والخير والشرّ مقرونان في قرن ... والخير متّبع والشرّ محذور
فأتى كسرى فأخبره، فغمّه ذلك، فقال: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا، يدور الزمان؛ فملكوا كلّهم في أربعين سنة.
قوله: «ينمّ»: من النميمة. مليح: كثير الظهور.
***
فاتفق لوشك الحظّ المبخوس، ونكد الطّالع المنحوس، أن أنطقتني بوصفها حميّا المدام، عند الجار النّمّام. ثمّ ثاب الفهم، بعد أن صرد السّهم، فأحسست الخبال والوبال؛ وضيعة ما أودع ذلك الغربال، بيد أني عاهدته، على عكم ما لفظته، وأن يحفظ السّر ولو أحفظته؛ فزعم أنّه يخزن الأسرار، كما يخزن اللّئيم الدّينار، وأنّه لا يهتك الأستار، ولو عرّض لأن يلج النّار.
***
الحظّ: البخت والنصيب. ووشكه: سرعة زواله المبخوس: المنقوص. نكد:
مشقّة. الطالع: نجم الإنسان، والطالع يقابله التساقط. حميّا: حدّة ثاب: رجع. صرد:
خرج من قوسه، وأراد بالسهم اللفظ الذي سمع منه جاره الخبال: الفساد. الوبال:
الثقل، وهو وبال عليه أي ثقيل في العاقبة، وطعام وبيل: ثقيل متخم، ومنه استوبلت المدينة إذا لم توافق جسمك وإن أحببتها، أودع: جعل فيه. والغربال، معلوم، يشبّه به النّمام حيث لا يمسك ما جعل فيه؛ قال الحطيئة يهجو أمه: [الوافر]
تنحّي فاجلسي مني بعيدا ... أراح الله منك العالمينا (١)
أغربالا إذا استودعت سرّا ... وكانونا على المتحدّثينا
كانون: أبرد أيام الشتاء، ويريد أنها باردة لحديث.
стр. 507
قال كعب بن زهير ﵁: [البسيط]
ولا تمسّك بالعهد الذي زعمت ... إلا كما يمسّك الماء الغرابيل (١)
وقال في الحماسة: [الطويل]
ولا أكتم الأسرار لكن أنمّها ... ولا أدع الأسرار تغلي على قلبي (٢)
وإن قليل العقل من بات ليلة ... تقلّبه الأسرار جنبا إلى جنب
وقال آخر: [البسيط]
أعزز عليّ بأخلاق وسمت بها ... عند البريّة يا فالوذج السوق
تضيق بالسّر ذرعا ان خصصت به ... حتى يرى دائعا كالنفخ في البوق
وقال في ضده: [الطويل]
ومستخبر عن سر ريّا رددته ... بعمياء من ريّا بغير يقين (٣)
وقال انتصحني إنني لك ناصح ... وما أنا إن خبّرته بأمين
وقال قيس بن الخطيم: [الطويل]
إذا جاوز الاثنين سرّ فإنّه ... ببثّ وتكثير الحديث قمين (٤)
يكون له عندي إذا ما ضمنته ... مكان بسوداء الفؤاد مكين
وقال العباس بن الأحنف: [المتقارب]
تعتيت تطلب ما أستحقّ ... به الهجر منك ولا تقدر (٥)
وماذا يضرّك من شهرتي ... إذا كان سرّك لا يشهر
أمني تخاف انتشار الحديث ... وحظّي من صونه أوفر
стр. 508
ولو لم أصنه لبقيا عليك ... نظرت لنفسي كما تنظر
قوله: «بيد» بمعنى غير. عكم: ربط. أحفظته: أغضبته. يهتك: يخرق.
***
فما إن غبر على ذلك الزّمان، إلّا يوم أو يومان، حتى بدا إلى أمير تلك المدرة، وواليها ذي المقدرة، أن يقصد باب قيلة، مجدّدا عرض خيله، ومستمطرا عارض نيله، وارتاد أن تصحبه تحفة تلائم هواه، ليقدّمها بين يدي نجواه، وجعل يبذل الجعائل لروّاده، ويسنّي لمن يظفره بمراده، فأسفّ ذلك الجار الختّار إلى بذوله، وعصى في ادّراع العار عذل عذوله، فأتى الوالي ناشرا أذنيه، وأبثّه ما كنت أسررته إليه، فما راعني إلّا انسياب صاغيته إليّ، وانثيال حفدته عليّ، يسومني إيثاره بالدّرة اليتيمة، على أن أتحكّم عليه في القيمة، فغشيني من الهمّ، ما غشي فرعون وجنوده من اليمّ.
***
غبر: مضى. المدرة: البلدة. قيلة: ملكه الأعظم.
مجدّدا عرض خيله، أي ليعرض عليه ما عنده من الأجناد. والنّيل، أي العطاء.
ارتاد: طلب. تحفة: هدية. تلائم، توافق. هواه: إرادته. نجواه. حديثه مع الملك.
والجعل: حقّ من دلّك على حاجة، والجعالة بمعناه، والجعائل جمعها. يسنّي:
ييسر وأصل الرّوّاد طلاب المرعى، واحدهم رائد، وأصل الوسائل، أسباب الود.
أسفّ: انحط ودنا، وأسفّ الطائر: تدلّى نحو الأرض لشيء يأخذه، وأسفّ الرجل: طلب مذاق الأمور.
والجار الختّار: الخدّاع بذوله: عطاؤه. ادّراعه: لبسه الدرع. ناشرا أذنيه، أي طامعا، وهو مثل. أبثّه: قال له سرّا.
قوله: «راعني» أي أفزعني.
انسياب: دخول. صاغيته: حاشيته. ومن يميل إليه.
انثيال: انصباب. حفدته: أتباعه.
يسومني: يعرض عليّ، إيثاره: تفضيله على نفسي.
الدرّة اليتيمة: الجوهرة النفيسة، وبهذا سمّى الثعالبي كتابه الدرة اليتيمة، أي الدّرّة المنفردة التي لا مثل لها. واليتيمة درّة مشهورة في البيت الحرام أكبر من بيضة الحمامة، استخرجها من البحر كلب جاء ليلغ، فتعلّقت محارتها بفمه، ففضها في البرّ، فهي من عجائب الدّنيا.
стр. 509
ومن عجائبها الحافر، وهو حجر ياقوت، شبه حافر الفرس ألصقه أمير المؤمنين بمصحف عثمان.
والغريبة الثالثة: فرس ذهب لم يصنعه صانع، إنما وجد في معدن الذهب وهو عند ملك الحبشة بغانة.
والذي غشي فرعون وجنوده من اليمّ، هو الغرق. واليمّ: البحر الذي ذهبت نفوسهم فيه.
[قصة موسى]
ولا بدّ أن نلمّ بنبذة من خبره، نكمل بها القصّة حسبما شرطنا؛ وذلك أنّ موسى ﵊، لمّا خرج فارّا من فرعون حسبما قدمناه في الخامسة، توجّه إلى مدين، فبلغها كالّا جائعا فقيرا، فوجد الناس يسقون كما نص الله تعالى: وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ [القصص: ٢٣]، أي يحبسان غنمهما، فأخبرتاه بأنهما لا يسقيان حتى يصدر الرعاء، وأن لهما أبا شيخا كبيرا، فرحمهما واقتلع الصخرة عن البئر- وكان لا يرفعها إلا نفر- فملأ وسقى لهما، ثم تولّى إلى ظلّ شجرة مثمرة فقال: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٤]. قال ابن عباس ﵄: قال هذا موسى، ولو شاء إنسان أن ينظر إلى خضرة أمعائه من شدة الجوع لفعل- أراد خضرة البقل الذي أكل في طريقه- فرجعت الجاريتان بسرعة إلى أبيهما، فأنكر مجيئهما قبل الوقت الذي جرت العادة بمجيئهما فيه، فأخبرتاه خبر موسى، فأرسل إلى إحداهما فأتته وهي تستحيي منه، فقالت: إِنَّأَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا
[القصص:
٢٥]. فمشى معها، وهي بين يديه فضرب الريح ثوبها، فنظر إلى عجيزتها فقال لها:
امشي خلفي، ودلّيني على الطريق، فلما أتى الشيخ سأله عن شأنه، فقصّ عليه قصته فقال: لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص: ٢٥] فقالت التي دعته: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: ٢٦] فقال لها الشيخ: أما القوة فقد خبرته بقلع الصّخرة، فما يدريك أمانته؟ قالت له: إني مشيت أمامه فلم يحبّ أن يخونني وردّني خلفه. فقال له: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ [القصص:
٢٧] إلى آخر القصة.
فلما قضى أجله، وسار بأهله، وكان في شتاء، رفعت له نار فيما رأى فكانت من نور الله تعالى، فقال لأهله: امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً [القصص: ٢٩]، ومعنى تصطلون، أي من البرد فكان عند إتيانه لها ما أخبر الله تعالى من أنّه نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [النمل: ٨]. ثم قال له: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي أي أضرب بها ورق الشجر للغنم وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى [طه: ١٧ - ١٨]؛ من حمل الزاد عليها والسقاء
стр. 510
وغير ذلك، فقال له: أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى [طه: ٢٠]. فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ [القصص: ٣١]. أي لم ينظر فنودي: لا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ [القصص: ٣١] الآيات.
فسأل الله تعالى أن يرسل معه أخاه هارون ردأ، أي عونا لكونه كان أفصح منه لسانا للجمرة التي كانت أحرقت لسانه في صغره، فثقل لسانه فقال تعالى: سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ [القصص: ٣٥].
فأقبل موسى إلى أهله فصار بهم إلى مصر، فدخلها ليلا، فنزل ضيفا بأمه وأخيه، وهم لا يعرفونه، وهارون غائب، فنزل بجانب الدار، وجاء هارون فسأل عنه أمّه فأخبرته أنه ضيف، فدعاه وأكل معه، ثم سأله: من هو؟ فقال: أنا موسى، فقام كلّ واحد منهما لصاحبه واعتنقه.
فقال له موسى: يا هارون، إن الله قد أرسلني وإياك إلى فرعون، فانطلق معي، فقال: سمعا وطاعة، فصاحت أمهما، وقالت: نشدتكما الله تعالى ألا تذهبا إليه فيقتلكما! فسكّناها ثم انطلقا إليه ليلا في قول السدّيّ وضربا الباب، فكلمهما البواب، فقالا له:
إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ [الشعراء: ١٨]، ففزع البواب، فأتى فرعون فأخبره أن مجنونين بالباب يزعمان كذا، فقال: أدخلهما.
وأما ابن إسحاق فحدث أنهما وقفا على باب فرعون، يلتمسان الإذن، يغدوان ويروحان سنتين، وفرعون لا يعرف بهما حتى دخل ملةّ له، فقال له: أيها الملك، إن على الباب رجلا أنّ له إلها غيرك، فقال: أدخلوه، فدخلا وبيد موسى عصاه، فلما وقفا عرفه فرعون، فقالا: إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ [الشعراء: ١٦]، فجاوبه بقوله أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً [الشعراء: ١٨] الآيات، ثم ذكّره أياديه قبله.
فقال له موسى: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ [الشعراء: ١٨ - ٢٢]، أي اتخذتهم عبيدا، تقتل من شئت وتسترقّ من شئت. فقال له وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [الشعراء: ٢٣] فأراه الآية الكبرى في العصا، أن ألقاها فإذا هي تعبان مبين، ملأت ما بين السماطين فاتحة فاها، قد صار محجنها على ظهرها، فارفضّ الناس، ومال فرعون عن سريره، فناشد موسى ربّه، فأدخل يده في جيبه، فأخرجها بيضاء كالثلج، ثم ردّها، فعادت هيئتها، ثم وضع يده على الحيّة فصارت عصا كما كانت أول مرة، وأخذ فرعون بطنه- وكان فيما يزعم يمكث الخمس والسّت ولا يلتمس الخلاء- وكان ذلك مما زيّن له أنه ليس له شبيه في الناس- فقال لملئه: إن هذا لسحر عظيم، فجمع السحرة، ووعدهم ليوم العيد، وأن يحشر الناس ضحى، يحضرون أمرهم مع موسى، فاجتمعوا لذلك اليوم، فصف خمسة عشر ألف ساحر، كلّ ساحر له نوع من السحر، فخرج موسى يتوكأ على عصاه، حتى أتى الجمع، وفرعون في مجلسه مشرف على وجوه أهل مملكته
стр. 511
فقال لهم موسى: وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ [طه: ٦١].
فقال بعضهم لبعض: أهكذا يقول ساحرا فخيروه في أن يلقى أو يلقوا؟ فقال: بل ألقوا، فخيّلوا بحبالهم وعصيم أشياء حيّروا بها العقول، من حيّات قد ملأت الوادي، يركب بعضها بعضا، ونيران تحرق في ظاهرها ما مرّت به وظلم متكاثفة، كما وصف الله تعالى: وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف: ١١٦]، ففزع موسى وأخوه لهول ما رأيا وذلك قوله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى [طه: ٦٨] الآيات. فألقى موسى عصاه، فجعلت تلقف كلّ ما خيلوا به، وكانوا جلبوا آلاتهم في السفن في النيل، فابتلعت السفن، وأقبلت فاتحة فاها، على قبّة فرعون بمن فيها، ففروا وتعلّقوا بموسى يستنقذون به. فأخذها موسى، فإذا هي عصا في يده كما كانت، فوقع السّحرة سجّدا قائلين: آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى [طه: ٧٠] لما تبيّنوا أن أمر العصا إلهي، ليس من تخاييلهم، فقال لهم فرعون: آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [طه: ٧١] إلى قوله تعالى: وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى، أي لا سلطان لك إلا في الدنيا ولا سلطان لك بعدها، قالوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ [الأعراف: ١٢٦]، فقتلهم فكانوا أول النهار سحرة وآخره شهداء.
ثم أمر الله تعالى نبيّه موسى أن يخرج بني إسرائيل فقال: فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا [الدخان: ٤٣].
فأمرهم أن يستعيروا الحليّ من القبط، فخرجوا ليلا، وألقى الله على القبط النوم، حتى طلعت الشمس، وكان موسى على ساقة بني إسرائيل وهارون على المقدّمة، وعدد بني إسرائيل ستمائة ألف وعشرون ألف مقاتل، لا يعدّون ابن العشرة لصغره، ولا ابن الستين لكبره. وتبعهم فرعون، وعلى مقدّمته هامان وهم في ألف ألف وسبعمائة ألف، فذلك قوله تعالى: فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ [الشعراء: ٣٥]. فلمّا تراءى الجمعان، قالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا بالذبح ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا! فقال: كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢].
فأتى موسى البحر، وكنّاه أبا خالد، فضربه بعصاه، فانفلق فكان كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء: ٦٣]، والطود: الجبل، فصار في البحر اثنا عشر طريقا فدخل كلّ سبط طريقه، وكلّ سبط يقول: قتل أصحابنا ففتح الله بينهم قناطر، فنظر آخرهم إلى أوّلهم. وجاء فرعون ومن معه، فأبت خيله أن تقتحم، فاقتحمها جبريل على فرس أنثى، فاقتحمت الخيل في أثره، فلما توسط البحر، أمر البحر أن يأخذهم، فانضم عليهم، فلما أدرك فرعون الغرق، قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ [يونس:
٩٠] وجعل جبريل يدّس الطين في فمه لئلا يتمّ الكلمة، فيرحمه الله، وميكائيل يقول:
آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ [يونس: ٩١].
стр. 512
وأخرج الله بدن فرعون ميتا، حتى عرفه بنو إسرائيل، فهذا هو الذي غشى فرعون وجنوده من اليمّ.
***
ولم أزل أدافع عنها ولا يغني الدّفاع، وأستشفع ولا يجدي الاستشفاع، وكلّما رأى منّي ازدياد الاعتياص، وارتياد المناص، تجرّم وتضرّم، وحرّق عليّ الأرّم، ونفسي مع ذلك لا تسمح بمفارقة بدري، ولا بأن تنزع قلبي من صدري، حتى آل الوعيد إيقاعا، والتقريع قراعا، فقادني الإشفاق من الحين، إلى أن قضته سواد العين، بصفرة العين، ولم يحظ الواشي بغير الإثم والشّين.
***
قوله: الاعتياص: أي التصعّب، واعتاص الشّيء اعتياصا: تصعّب وتلوّى.
المناص: الملجأ والمفرّ.
وتجرّم: أتى الجرم. وتضرّم: اشتدّ غضبه. والأرّم: الأسنان. وحرّق: عض بعضها على بعض، حتى صوّت، وذلك لشدة الغيظ، وهو مثل. آل: رجع. الوعيد:
التهديد.
قراعا: ضربا، والقراع: الخبط والضرب، والتّقريع: الأخذ باللسان، يريد:
عدّدوني، فلما أبيت ضربوني.
الحين: الموت. قضته: عاوضته وبادلته سواد العين: جاريته التي هي نور عينه.
صفرة العين: لون الدنانير. لم يحظ: لم يأخذ حظوة، وهي النصيب.
والواشي: النّمام، سمّي واشيا لاستخراجه الأخبار وتوصّله إلى معرفتها، من قولهم: فلان يوشّي الخبر، إذا استخرجه؛ وقيل: سمّي واشيا لتحسينه ما ينقل من الأخبار، وثوب موشّى: محسّن بما فيه من النّقوش. وقيل: هو من الشّية، وهي العلامة، كأنه جعل لنفسه علامة من الوصف القبيح، والشين: العيب.
***
[من قصص الجاريات المتأدبات]
وعلى وصف الجارية المذكورة بالأدب والجمال نريد أن نسوق فصلا في الجواري ذوات الأدب ممّن أهديت إلى ملك كحال هذه، أولها معه سبب:
حدث الأصمعي قال: بعث لي هارون الرشيد وهو بالرّقّة، فحملت إليه، فأنزلني الفضل بن الربيع ثم أدخلني عليه وقت المغرب، فاستدناني، وقال لي: يا عبد الملك، وجّهت فيك بسبب جاريتين، أهديتا إليّ، لهما أدب، أحببت أن تبرز ما عندهما، وتشير عليّ بالصواب فيهما.
стр. 513
ثم أمر بإحضارهما فأحضرتا، فرأيت جاريتين ما رأيت مثلهما قطّ، فقلت لإحداهما: ما عندك من العلم؟ فقالت: ما أمر الله في كتابه، ثم ما ينظر النّاس فيه من الأخبار والأشعار. فسألتها عن حروف من القرآن، فأجابتني كأنها تقرأ القرآن من كتاب، ثم سألتها عن الأخبار والأشعار والنّحو والعروض، فما قصّرت في جوابي في كلّ فنّ أخذت فيه، فقلت لها: فأنشدينا شيئا، فأنشدت: [الطويل]
يا غياث العباد في كلّ محل ... ما يريد العباد إلّا رضاكا
لا ومن شرّف الإمام وأعلى ... ما أطاع الإله عبد عصاكا
فقلت: يا أمير المؤمنين، ما رأيت امرأة في مسك رجل مثلها.
وخبرت الأخرى، فوجدتها دونها، فأمر أن تصنع تلك الجارية لتحمل إليه في تلك الليلة ثم قال: يا عبد الملك، أنا ضجر، وأحبّ أن تسمعني حديثا مما شهدت من أعاجيب الزمان أتفرّج به، فقلت: يا أمير المؤمنين، كان لي صاحب في بدو بني فلان، وكنت أغشاه، وأتحدث إليه، وقد أتت عليه ست وتسعون سنة، وهو أصحّ النفوس ذهنا وأقواهم بدنا، فغبت عنه، ثم أتيته فوجدته ناحل البدن، كاسف البال، فسألته: ما سبب تغيّره؟ فقال: فصدت بعض القرابة، فألفيت عندهم جارية؛ قد طلت بالورس بدنها، وفي عنقها طبل تنشد عليه: [الوافر]
محاسنها سهام للمنايا ... مريّشة بأنواع الخطوب
ترى ريب المنون بهنّ سهما ... يصيب بنصله مهج القلوب
فقلت: [الطويل]
ففي شفتي في موضع الطّبل ترتعي ... كما قد أبحت الطبل في جيدك الحسن
هبيني عودا يابسا تحت شقّة ... يمتّع فيما بين نحرك والذّقن
فلمّا سمعت الشعر، رمت بالطبل في وجهي، ودخلت الخيمة، فوقفت حتى حميت الشمس على مفرق رأسي، فلم تخرج، فانصرفت قريح القلب، فهذا التّغيّر من عشقي لها.
فضحك الرشيد حتى استلقى، ثم قال: ويلك يا عبد الملك! ابن ست وتسعين يعشق! فقلت له: قد كان هذا، فقال: يا عباس، أعط عبد الملك مائة ألف درهم، وردّه إلى مدينة السلام.
فانصرفت، ثم أتاني الخادم، فقال: أنا رسول بنتك- يعني الجارية- تقول لك: إنّ أمير المؤمنين أمر لها بمال وهذا نصيبك، فدفع لي ألف دينار، فلم تزل تواصلني بالبرّ الواصل، حتى كانت فتنة محمد، وانقطع خبرها عنّي، وأمر لي الفضل بعشرة آلاف درهم.
стр. 514
وحدّث علي بن الجهم، قال: لما أفضت الخلافة إلى المتوكل، أهدى إليه الناس على أقدارهم، فأهدى إليه ابن طاهر جارية أديبة، تسمّى محبوبة، تقول الشعر، وتلحّنه، وتحسن من كلّ علم أحسنه، فحلّت من قلب المتوكل محلّا جليلا، فدخلت يوما للمنادمة، فخرج وهو يضحك. فقال: يا عليّ، دخلت فرأيت محبوبة قد كتبت على خدّها بالمسك «جعفر»، فما رأيت أحسن منه، فقل فيه شيئا، فسبقتني محبوبة، فقالت وأخذت عودها، وغنّت: [الطويل]
وكاتبة بالمسك في الخد جعفرا ... بنفسي مخطّ المسك من حيث أثّرا
لئن أودعت سطرا من المسك خدّها ... لقد أودعت قلبي من الوجد أسطرا
فيا من مناها في السّريرة جعفر ... سقى الله من سقيا ثناياك جعفرا
ويا من لمملوك يظل مليكه ... مطيعا له فيما أسرّ وأجهرا
ويا من لعيني من رأى مثل جعفر ... سقى الله صوب المسكرات لجعفرا!
قال: فتقلّبت خواطري، حتى كأنّى ما أحسن حرفا من الشّعر، فقلت للمتوكل:
أقلني، فقد والله عزب ذهني عني، فلم يزل يعيّرني به.
ثم دخلت عليه بعد ذلك للمنادمة، فقال: يا عليّ، أعلمت أني غاضبت محبوبة، وأمرتها بلزوم مقصورتها، ومنعت أهل القصر من كلامها؟ فقلت: يا سيّدي، إن غاضبتها اليوم، فصالحها غدا، فدخلت عليه من الغد، فقال: ويحك يا عليّ! رأيت البارحة في النّوم كأنّي صالحت محبوبة، فقالت جاريته: شاطر، يا سيدي، لقد سمعت الآن في مقصورتها هينمة، فقال: قم حتى ننظر ما هي، فقام حافيا، حتى قربنا من مقصورتها، فإذا هي تغنّي، وتقول: [المنسرح]
أدور في القصر لا أرى أحدا ... أشكو إليه ولا يكلّمني
كأنني قد أتيت معصية ... ليست لها توبة تخلّصني
فمن شفيع لنا إلى ملك ... قد زارني في الكرى وصالحني
حتى إذا ما الصباح عاد لنا ... عاد إلى هجره فصارمني
فصفّق المتوكل طربا، فلمّا سمعته خرجت تقبّل رجليه، وتمرّغ خدّها في التراب، حتّى أخذ بيدها راضيا عنها.
حدث أبو عليّ بن الأسكريّ المصريّ- وأسكر هي القرية التي ولد بها موسى ﵇ قال: كنت من جلّاس تميم بن أبي تميم، وممن يخفّ عليه، فأتي من بغداد بجارية رائعة فائقة الغناء، فدعا جلاسه، ومدّت الستارة، فأمرها فغنّت: [الكامل]
وبدا له من بعد ما اندمل الهوى ... برق تألّق موهنا لمعانه
يبدو كحاشية الرّداء ودونه ... صعب الذّرى متمنّع أركانه
стр. 515
وبدا لينظر كيف لاح فلم يطق ... نظرا إليه وصدّه أشجانه
فالنّار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سمحت به أجفانه
قال: فأحسنت ما شاءت، وطرب تميم ومن حضر، ثم غنّت:
سيسليك عمّا فات دولة مفضل ... أوائله محمودة وأواخره
ثني الله عطفيه، وألّف شخصه ... على البرّ مذ شدّت عليه مآزره
فطرب تميم ومن حضر طربا شديدا، ثم غنّت: [البسيط]
أستودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
فأفرط تميم في الطرب جدّا. ثم قال لها: تمنّي ما شئت، فلك مناك، فقالت:
أتمنّى عافية الأمير وسعادته، فقال: لا بدّ والله، فقالت: على الوفاء أتمنّى أيها الأمير، فقال: نعم فقالت: أتمنّى أن أغنّي هذه النوبة ببغداد. فتغيّر وجه تميم، وتكدّر المجلس، وقمنا. فلحقني بعض خدمه، فردّني. فلمّا وقفت بين يديه، قال لي: ويحك! أرأيت ما امتحنّا به، ولا بدّ من الوفاء: وما أثق في هذا بغيرك، فتأهب لتحملها إلى بغداد، فإذا غنّت هناك، فاصرفها، فقلت: سمعا وطاعة، فأصحبها جارية سوداء تخدمها وتعاد لها، وأمر لي بناقة وبجمل عليه هودج، فأدخلت فيه، وسرنا مع القافلة إلى مكة، فقضينا حجّنا.
ثم لما وردنا القادسية، أتتني السّوداء، فقالت لي: تقول لك سيدتي: أين نحن؟
فقلت: نحن نزول بالقادسيّة، فأخبرتها، فسمعت صوتها قد ارتفع بالغناء: [مجزوء الكامل]
لمّا نزلنا القادسيّ ... ة حيث مجتمع الرّفاق
وشممت من أرض الحجا ... ز نسيم أنفاس العراق
أيقنت لي ولمن أح ... بّ بجمع شمل واتّفاق
وضحكت من فرح اللّقا ... ء كما بكيت من الفراق
فصاح الناس من أقطار الغافلة: أعيدي أعيدي، بالله! فما سمع لها كلمة.
فلما نزلنا الياسريّة على خمسة أميال من بغداد في بساتين متّصلة يبيت الناس بها، ثم يبكّرون ببغداد. فلمّا قرب الصباح إذا بالسوداء قد أتتني مذعورة، فقالت: إن سيدتي ليست بحاضرة، وو الله لا أدري أين هي؟ فطلبتها فلم أجدها، ولا وجدت لها ببغداد خبرا، فقضيت حوائجي ببغداد وانصرفت إلى تميم، فأخبرته خبرها، فلم يزل واجما عليها.
وأخبار القيان كثيرة فلنقتصر على هذا القدر.
***
стр. 516
[مما قيل في الوشاة]
ومما جاء في الواشي، ما حكي أن رجلا وشى برجل إلى بلال بن أبي بردة، فقال للساعي: انصرف، حتى أكشف عمّا ذكرت، فلمّا كشف عن الساعي، إذا هو لغير رشدة، قال: نبأنا أبو عمرو- وما كذبت ولا كذّبت- حدّثني أبي عن جدّي، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الساعي لغير رشدة».
وذكر السعاة عند المأمون، فقال: لو لم يكن من غيّهم إلا أنهم أصدق ما يكونون أبغض ما يكونون عند الله.
وقال ذو الرئاستين: قبول النميمة شرّ من النميمة، لأن النميمة دلالة، والقبول إجازة، وليس من دلّ على شيء كمن قبله وأجازه، وقد جعل الله السامع شريك القاتل، فقال: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ [المائدة: ٤١].
وقال الشاعر: [الطويل]
لعمرك ما سبّ الأمير عدوّه ... ولكنّما سبّ الأمير المبلّغ
ووشى واش بعبد الله بن همام السّلولي إلى زياد، فقال له: إنه هجاك، فقال: أجمع بينكما، قال: نعم؛ فبعث إلى ابن همام، وأدخل الرجل بيتا، فقال زياد: يا بن همام، بلغني أنك هجوتني، فقال: كلّا، أصلحك الله ما فعلت، ولا أنت لذلك بأهل، فأخرج الرجل، وقال: إن هذا أخبرني، فأطرق ابن همام هنيهة، ثم أقبل على الرجل فقال: [الطويل]
وأنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا ... فخنت، وإمّا قلت قولا بلا علم
فأنت من الأمر الذي كان بيننا ... بمنزلة بين الخيانة والإثم
فأعجب زياد بجوابه، وأقصى الواشي ولم يقبل منه.
قال الشاعر: [الكامل]
لا تقبلنّ نميمة من قائل ... وتحفظنّ من الّذي أنباكها
إن الذي أنباك عنه نميمة ... سيدبّ عنك نميمة قد حاكها
عليّ بن أبي طالب: قال رسول الله ﷺ «إن موسى قال: يا ربّ إني حيث ذهبت لا أنصر ولا أخذل، فأوحى الله إليه: إن في عسكرك غمّازا، قال: يا رب دلّني عليه، قال:
يا موسى، أبغض الغماز، فكيف أغمز! ».
قال رسول الله ﷺ : «إن أبغضكم إليّ المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبّة، والملتمسون بين البراءة العيب» (١).
стр. 517
وقال رسول الله ﷺ «أربعة يؤذنون أهل النار على ما بهم من الأذى»، وذكر رجلا يأكل لحوم الناس، ويمشي بالنميمة (١).
***
فعاهدت الله تعالى مذ ذلك العهد؛ ألّا أحاضر نمّاما من بعد، والزّجاج مخصوص بهذه الطّباع الذّميمة، وبه يضرب المثل في النّميمة؛ فقد جرى عليه سيل يميني؛ ولذلكم السّبب لم تمتدّ إليه يميني. [الطويل]
فلا تعذلوني بعد ما قد شرحته ... على أن حرمتم بي اقتطاف القطائف
فقد بان عذري في صنيعي وإنّني ... سأرتق فتقي من تليدي وطار في
على أنّ ما زوّدتكم من فكاهة ... ألذّ من الحلوى لدى كلّ عارف
***
[مما قيل في النميمة]
قوله «والزجاج مخصوص بهذه الطباع الذميمة»، قال السري فيما يتعلق بالزّجاج من النّمّ: [الطويل]
رأيك تبدي للصديق نوافذا ... عدوّك من أمثالها الدّهر آمن (٢)
وتكشف أسرار الأخلّاء مازحا ... ويا ربّ مزح راح وهو ضغائن
سأحفظ ما بيني وبينك صائنا ... عهودك إن العهد للمرء صائن
وألقاك بالبشر الجميل مداهنا ... فلي منك خلّ ما علمت مداهن
أنمّ ما استودعته من زجاجة ... يرى الشيء فيها ظاهرا وهو باطن
وقال ابن المعتز:
لحى الله امرأ أعطاك سرّا ... فضيّعه وفضّ الله فاه
فإنك كلّما استودعت سرّا ... أنمّ من الزجاج بما وعاه
وقال السري: [البسيط]
أستودع الله خلا منك أو سعه ... ودّا ويوسعني غشّا وتمويها (٣)
стр. 518
كأن سرّى في أحشائه لهب ... فما يطيق له صمّا حواشيها
قد كان صدرك للأسرار جندلة ... ضنينة بالذي تخفي نواحيها
فعاد من بثّ ما استودعت جوهرة ... رقيقة تستشفّ العين ما فيها
وله أيضا: [الوافر]
ثناني عنك ما استشعرت سرّا ... خلال فيك لست لها يراض (١)
وإنّك كلّما استودعت سرّا ... أنمّ من النّسيم على الرياض
قوله: «وبه جرى المثل في النميمة»، يقال: أنمّ من الزجاجة على ما فيها، لأنه جوهر لا يكتم ما فيه.
[مما قيل في وصف الذهب والزجاج]
قال الأصبهانيّ: ما زال البلغاء يتعاطون وصف هذا الجوهر، فعبّروا عن مدحه وذمّه، فأما ذمه فإن إبراهيم بن سيار النظام أخرجه في كلمتين بأوجز لفظ، وأتمّ معنى، فقال: سريع الكسر، بطيء الجبر.
وقال في الذهب: الذهب لئيم، لأن الشكل يصير إلى شكله، وهو عند اللئام أكثر منه عند الكرام.
وأما سهل بن هارون، فكان يوما بمجلس أحد الملوك، وشدّاد الحربيّ يعدّد خصال الذهب، فقال: هو أبقى الجواهر على الدّفن، وأصبرها علىالماء، وأقلّها نقصا في النار، وهو أوزن من كلّ ذي وزن، إذا كان في مقدار شخصه، ولو وضعت على ظهر الزئبق في إنائه قيراطا من ذهب، لرسب حتى يضرب قعر الإناء، وسائر الجواهر تطفو فوقه؛ ولو كان الجوهر ذا وزن ثقيل، ورجح عظيم ولا تشدّ الأسنان المتقلقلة بغيره، ولا يوضع في مكان الأنوف المصطلمة سواه، وميله أجود الأميال، والهند تمرّه في العين بلا كحل لصلاح طبعه، وعليه مدار التبايع مذ كان التبايع، وهو ثمن لكل شيء، وهو الزرياب (٢) والصّفائح التي تكون في سقف الملوك، والطبخ في قدوره أغذى وأمرأ.
وسئل عليّ بن أبي طالب ﵁ عن الكبريت الأحمر؛ فقال: هو الذهب؛ فأدرك سهل بن هارون من الغيرة والحسد ما دعاه إلى معارضته، فقال يذمّ الذهب، ويفضّل الزّجاج: الذهب مخلوق والزجاج مصنوع، وإن فضله الذهب بالصلابة فضله الزجاج بالصفاء، والزجاج أبقى على الدّفن، والزجاج نور علويّ، والذهب ميّاع سيّال، ولم تتخذ الناس آنية للشراب أجمع لما يريدون من الشراب منه، والشراب فيها أحسن منه
стр. 519
في كلّ معدن، ولا يفقد معه وجه العديم، ولا يثقل اليد، ولا يرتفع في السّوم.
وكان سليمان إذا شرب في إناء كلحت في وجهه مردة الجنّ، فعلّمه الله تعالى صنعة القوارير، فحسم عن نفسه تلك الجراءة. ومن كرع فيه فكأنّما كرع في إناء من ماء وهواء ونور، وقد تقدح النار من كسر قنّينة الزجاج إذا كان فيها ماء لأنّ طبع الزجاج والماء، والهواء والشمس واحد، وليس فيما يدور الفلك عليه أقبل لكلّ صبغ منه وأجدر ألّا يفارقه؛ حتى كأن ذلك الصّبغ جوهرية فيه. ومتى سقط عليه ضياء أنفذه إلى الجانب الآخر، وأعاره لونه، فإن كان الجام ذا لونين، أراك الوشي أحسن من وشى صنعاء، ومن ديباج تستر وإذا وقع شعاع المصباح على جوهر الزّجاج صار المصباح والقنديل مصباحا واحدا، وردّ الضياء كل واحد منهما على صاحبه.
واعتبروا ذلك بالشّعاع الذي يسقط على المرآة على وجه الماء، أو على الزجاج، ثم انظروا كيف يتضاعف نوره، وإن كان سقوطه على عين إنسان أعشاه وربما أعماه، قال الله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ [النور: ٢٥]، والزيت في الزجاجة نور على نور. قال الله تعالى: إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ [النمل: ٤٤].
وقال تعالى: وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ [الإنسان: ١٥] فاشتق اسما للفضة منها.
وقال رسول الله ﷺ لحادي بإبله: «يا أنيس ارفق بالقوارير» (١)، فاشتقّ للنساء اسما منه. وقدوره أطيب طعاما من قدور الحجارة، وهي لا تصدأ، وإن اتسخت فالماء وحده لها جلاء، ومتى غسلت عادت جددا.
واسم الذهب يتطيّر منه، وإن سقط عليك قتلك. ومن لؤمه سرعته إلى بيوت اللئام، وإبطاؤه عن بيوت الكرام؛ وهو من مصائد الشيطان، ولذلك قالوا: أهلك الرّجال الأحمران، وهو فتّان قتّال لمن أصابه.
فلم يبق في المجلس أحدا إلا تحيّر من ذلك وتعجّب من بلاغته وحسن بديهته، واحتجاجه في معارضته من غير رويّة، وأيقن أنه ليس دون اللسان حاجز، وأنّه مخراق يذهب في كلّ فنّ، فإذا صح العقل صحّ تقويم اللسان.
قوله «القطائف»، هي ما يجنى من الثمار، يريد بها الحلوى التي حرّمهم أكلها والرتق: السدّ والإغلاق وهو ضد الفتق، ويقال: هو الفاتق الراتق، أي هو مالك لأمر، فهو يفتح ويغلق ويضيق ويوسع. ورتق: ضمّ وجمع، وامرأة رتقاء: لا يصل إليها
стр. 520
الرجال. وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [الأنبياء: ٣٠] أي كانتا سماء واحدة، وأرضا واحدة، فجعلت كلواحدة منهما سبع. وقيل: كانتا معا ففتقناهما بالهواء الذي بينهما وقيل: فتق السماء بالمطر والأرض بالنبات، فقال: سأسدّ ما خرقته.
قوله: «التليد»، المال القديم. والطريف: المكتسب فكاهة: ملح.
***
قال الحارث بن همّام: فقبلنا اعتذاره، وقبّلنا عذاره، وقلنا له: قدما وقذت النّميمة خير البشر؛ حتّى انتشر عن حمّالة الحطب ما انتشر. ثمّ سألناه عمّا أحدث جاره القتّات، ودخلله المفتات؛ بعد أن راش له نبل السّعاية، وجذم حبل الرّعاية فقال: أخذ في الاستخذاء والاستكانة، والاستشفاع إليّ بذوي المكانة.
***
عذاره: شعر خدّه، شبه بالشوكة التي تقع على خد الفرس. وقد عذرت الفرس عذرا وأعذرته بالعذار بمعنى ألجمته، وأعذرت اللجام: جعلت له عذارا، وأنشد ابن رشيق في معذّر: [مخلع البسيط]
وأسمر اللّون عسجديّ ... يكاد يستمطر الجهاما
ضاق بحمل العذار ذرعا ... كالمهر لا يعرف اللّجاما
ونكّس الرأس إذ رآني ... كآبة واكتسى احتشاما
وظنّ أن العذار مما ... يزيح عن قلبي الغراما
وما درى أنه نبات ... أنبت في قلبي السّقاما
وهل ترى عارضاه إلّا ... حمائلا قلّدت حساما
قوله: «قدما وقذت»، أي قديما أمرضت وأوجعت.
حمّالة الحطب: هي أمّ جميل بنت حرب عمة معاوية وامرأة أبي لهب، وكانت تمشي بالنميمة بين النبيّ ﷺ وبين المشركين، وقيل بين زوجها وبين النبيّ ﷺ ، وقيل ذلك للماشي بالنّميمة، لأنّ الحطب يهيج النار، والنميمة تهيج الشّرر. وقيل: سميت حمالة الحطب لأنّها كانت تطرح الشوك للنبي ﷺ في طريقه، وكانت عوراء وأبو لهب أحول.
والقتات: النمام بالكذب والنّميمة، وقتّ يقتّ قتا: مشى بالنميمة، ونمّ ينمّ نمّا:
ضيع الأحاديث ولم يحفظها، وقيل: النميمة من قولهم: جلود نمّت إذا لم تمسك الماء.
والقتات أيضا: المتسمع على من ليس يشعر به، وهو القتّات، والنمّام والعسّاس والهمّام والغمّاز والمهينم، والمورش والممأس، وقد مأس يمأس.
стр. 521
دخلله: خاصته العالم بداخل أمره. المفتات: المستبدّ برأيه المتسوّر على ما لا ينبغي له.
راش: جعل لها ريشا.
السعاية: المشي بالنميمة. جذم: قطع الرعاية: حفظ الصداقة. الاستخذاء، الخضوع والاستكانة: الذلّ. ذوو المكانة: أهل الجاه
***
وكنت حرّجت على نفسي، ألّا يسترجعه أنسي، أو يرجع إليّ أمسي؛ فلم يكن له منّي سوى الرّدّ، والإصرار على الصّد، وهو لا يكتئب من النّجه، ولا يتّئب من وقاحة الوجه، بل يلطّ بالوسائل، ويلجّ في المسائل؛ فما أنقذني من إبرامه، ولا أبعد عليه نيل مرامه؛ إلا أبيات نفث بها الصّدر الموتور، والخاطر المبتور؛ فإنّها كانت مدحرة لشيطانه، ومسجنة له في أوطانه وعند انتشارها بتّ طلاق الحبور، ودعا بالويل والثّبور، ويئس من نشر وصلي المقبور؛ كما يئس الكفّار من أصحاب القبور.
***
حرّجت: أثمت وضيّقت عليها بيمين أكيده. الإصرار: العزيمة. والصّدّ: الإعراض عنه. يكتئب: يهتمّ. النّجه: الجفاء وتغليظ الكلام. يتّئب: يرجع. يلطّ: يكثر اللزوم بها. ويقال: ألط بالشيء، إذا لزمه.
إيرامه: ثقله. نفث: نطق وتكلم. الموتور: المظلوم. المبتور: المقطوع بالهم.
مدحرة: مدفعة ومبعدة، ودحرت الشيء دحورا ودحرا: أبعدته ودحر هو: بعد. بتّ:
قطع وأمضى، وجعله بتّا وهو ما لا رجعة له فيه.
الحبور: السرور، وحبرته حبرته: سررته الثبور: الهلاك، وثبر الله العدو ثبورا:
أهلكه. يئس: قطع رجاءه. نشر: أحيا. المقبور: المدفون. الكفّار: الدافنون للموتى.
***
فناشدناه أن ينشدنا إياها، وينشقنا ريّاها، فقال: أجل، خلق الإنسان من عجل، ثم أنشد لا يزويه خجل، ولا يثنيه وجل: [الخفيف]
ونديم محضته صدق ودّي ... إذ توهّمته صديقا حميما
ثمّ أوليته قطيعة قال ... حين ألفيته صديقا حميما
خلته قبل أن يجرّب إلفا ... ذا ذمام فبان جلفا ذميما
стр. 522
وتخيّرته كليما فأمسى ... منه قلبي بما جناه كليما
***
ناشدناه: سألناه وجعلناه. ينشقنا ريّاها: يشممنا رائحتها. أجل، حرف جواب بمعنى نعم.
خلق الإنسان من عجل: قال أبو عليّ: هو على القلب، معناه: خلق العجل من الإنسان، قال الزّجاج: ويدلّ على ذلك قوله تعالى: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا [الإسراء:
١١] ومثله: وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ [آل عمران: ٤٠] أي بلغت الكبر، ومثله: فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ [الكهف: ٤٥].
قال الشماخ: [البسيط]
* ليّا كما عصب العلباء بالعود* (١)
أي العود بالعلباء.
وقال القطامي: [الوافر]
* كما بطّنت بالفدن السّياعا* (٢)
أي بطّنت بالسياع بالفدن وهو الطّين بالتبن، والفدن: القصر. وقال ابن مقبل:
[البسيط].
* وابتذلت وقع المحاجن بالمهرية الذّقن* (٣)
أي ابتذلت المهرية بوقع المحاجن، ومن جعل العجل الطين، فلا قلب فيه، وأراد:
لم يصبروا عن الآيات لعجلتهم في طلبها.
стр. 523
وقوله: يزويه، أي يقبضه خجل: حياء، وقد خجل إذا استحيا. يثنيه: يردّه.
وجل: خوف.
محضته، أي أخلصته. توهّمته: حسبته. والحميم: الخاصّ من الإخوان، والحميم الثاني: الماء الحارّ السخن.
والصّديد: الدم المختلط بالقيح. أوليته: ألصقت به. القطيعة: البعد قال: مبغض.
إلفا: صاحبا. ذمام: عهد. بان: تبيّن جلفا: جافيا. ذميما. مذموما. كليما الأوّل مكلّما، والثاني مجروحا.
***
[مما قيل في الغدر وقلة الوفاء]
وقد أكثر الناس من التشكّي بغدر الإخوان وقلة الوفاء منهم على قديم الزمان وحديثه، ونسوق منه ما يليق بهذا الموضع:
قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى لصديق له: هل بلغك شيء تكره ممّن لا تعرف؟ قال: لا، قال: فأقلل ممّن تعرف.
الجاحظ: قرئ على باب شيخ من أهل الرّيّ: جزى الله من لا يعرفنا ولا نعرفه خيرا، كأنه اتقى من ثقاته.
وقال امرؤ القيس بن حجر: [الطويل]
إذا قلت هذا صاحب قد رضيته ... وقرّت به العينان بدّلت آخرا (١)
كذلك جدّي، ما أصاحب صاحبا ... من النّاس إلا خانني وتغيّرا
وقال النابغة: [الطويل]
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث، أيّ الرّجال المهذّب (٢)!
ولمّا انحرف ابن الزيات عن إبراهيم بن العباس الصولي، تحاماه الناس أن يلقوه، وكان الحارث بن سنجر صديقا له، فهجره من ذلك، فكتب إليه: [الطويل]
تغيّر لي فيمن تغيّر حارث ... وكم من خليل غيّرته الحوادث (٣)
стр. 524
أحارث إن أشركت فيك فطالما ... نعمنا وما بيني وبينك ثالث
وكتب لابن الزيات: [الوافر]
أخي بيني وبين الدّه ... ر صاحب أيّنا غلبا (١)
صديقي ما استقام فإن ... نبا دهر عليّ نبا
وثبت على الزمان به ... فعاد به وقد وثبا
ولو عاد الزمان لنا ... لعاد أخا به حدبا
وكتب إليه أيضا: [المتقارب]
وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلمّا نبا صرت حربا عوانا (٢)
وكنت إليك ألوم الزمان ... فأصبح فيك ألوم الزّمانا
وكنت أعدّك للنائبات ... فأصبحت أطلب منك الأمانا
وقال أبو فراس: [الطويل]
أقلّب طرفي لا أرى غير صاحب ... يميل مع النّعماء حيث تميل (٣)
وصرنا نرى أنّ المتارك محسن ... وأن خليلا لا يضرّ خليل
تصفّحت أحوال الرجال فلم يكن ... إلى غير شاك في الزمان وصول
أكلّ خليل هكذا غير منصف ... وكل زمان بالكرام بخيل!
وله أيضا: [الطويل]
إذا الخلّ لم يهجرك إلّا ملالة ... فليس له إلا الفراق عتاب (٤)
إذا لم أجد في بلدة ما أريده ... فعندي لأخرى عزمة وركاب
بمن يثق الإنسان فيما ينوبه ... ومن أين للحرّ الكريم صحاب!
وقد صار هدا الناس إلا أقلّهم ... ذئابا على أجسادهنّ ثياب
وقال الخباز البلويّ: [الطويل]
ألا إنّ إخواني الذين عهدتهم ... أفاعي رمال لا تقصّر في اللّسع
ظننت بهم خيرا فلمّا بلوتهم ... نزلت بواد منهم غير ذي زرع
ولابن هارون القرطبيّ: [الكامل]
ذهب الوفاء فلا وفاء يرتجى ... تلقى الصديق من الوفا عريانا
стр. 525
يعطيك ودّا صادقا بلسانه ... ويجنّ تحت ضلوعه ألوانا
وقال المعرّي: [الوافر]
فظنّ بسائر الإخوان شرّا ... ولا تأمن على سرّ فؤادا (١)
فلو خبرتهم الجوازئ خبري ... لما طلعت مخافة أن تكادا
تجنّبت الأنام فلا أواخي ... وغبت عن الأنام فلا أعادى
ولمّا أن تجهّمني مرادي ... جريت مع الزّمان كما أرادا
وهوّنت الخطوب عليّ حتّى ... كأنّي صرت أمنحها ودادا
وله أيضا: [البسيط]
والخلّ كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر
وكتب المعتصم صاحب المرية إلى ابن عمار: [الطويل]
وزهّدني في النّاس معرفتي بهم ... وطول اختياري صاحبا بعد صاحب
فلم ترني الأيام خلا تسرّني ... مباديه إلا ساءني في العواقب
ولا قلت أرجوه لدفع ملمّة ... من الدهر إلا كان إحدى المصائب
وقال البحتري: [الكامل]
أما العداة فقد أروك نفوسهم ... فاقصد بسوء ظنونك الإخوانا
وقال أيضا: [المجتث]
أما العدوّ فيبدي ... ما عنده ويكاشف (٢)
لكن توقّ وحاذر ... من الصّديق الملاطف
وقال منصور بن إسماعيل التميمي الفقيه: قال ابن رشيق: [المجتث]
لو قيل لي خذ أمانا ... من حادثات الزمان
لما أخذت أمانا ... إلا من الإخوان
وهذا الباب لا يحصى كثرة. [الخفيف]
***
وتظنّيته معينا رحيما ... فتبيّنته لعينا رجيما
وتراءيته مريدا فجلّى ... عنه سبكي له مريدا لئيما
وتوسّمت أن يهبّ نسيما ... فأبى أن يهبّ إلّا سموما
стр. 526
بتّ من لسعه الذي أعجز الرّا ... قي سليما وبات منّي سليما
وهذا نهجه غداة افترقنا ... مستقيما والجسم منّي سقيما
لم يكن رائعا خصيا ولكن ... كان بالشرّ رائعا لي خصيما
قلت لمّا بلوته: ليته كا ... ن عديما ولم يكن لي نديما
بغّض الصّبح حين نمّ إلى قل ... بي لأنّ الصّباح يلفى نموما
ودعاني إلى هوى اللّيل إذ كا ... ن سواد الدّجى رقيبا كتوما
وكفى من يشي ولو فاه بالصّد ... ق أثاما فيما أتاه ولوما
***
قوله: «تظنّيته» أي حسبته، وأبدل من إحدى نونيه ياء.
لعينا: رجيما: شيطانا مبعدا مرجوما بالنجوم، وقيل: الرجيم: المرجوم أي المشتوم المسبوب، من قوله : لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ [مريم: ٤٦]، أي لأسبنّك وقيل: الرجيم الملعون، وهو مذهب أهل التفسير، فمعنى اللعين والرجيم واحد.
تراءيته: ظننته، من تراءى لي الشيء: ظهر بعض الظهور. مريدا: محبّا. جلّى:
كشف. سبكي: تجربي. مريدا: كثير الشرّ. خبيثا. لئيما: وضيع القدر خسيس الهمة.
توسّمت: ظننت، وتوسمت فيه الخير، أي رأيت فيه سمته، أي علامته والنّسيم:
الريح اللينة. والسّموم: الحارّة. لسعه: ضرّه. سليم: الأول ملدوغ والثاني سالم:
ورائع: الأول حسن المنظر، والثاني مفزع. بلوته: جرّبته عديما غير موجود. يلفى:
يوجد. هوى. حبّ. رقيبا: حافظا. يشي: ينمّ. فاه: نطق.
قوله: بغّض الصبح، وهو من المثل: الليل أخفى للويل، وقالوا: أنمّ من الصبح، لأنه يهتك حجاب الظلام. وقال بعض الحكماء لابنه: اجعل نظرك في العلم ليلا لأن القلب في النهار كالطائر، وهو في الليل ساكن، فما ألقيت فيه من شيء وعاه.
[مما قيل في الليل]
فأما أكثر الشعراء فهم إلى الليل أفزع، ومن النهار أنزع، لأن الليل أجمع لشتات الهموم والفكر، وأجلب لشوارد الأحزان والذكر.
قال امرؤ القيس: [الطويل]
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي (١)
стр. 527
وقال النابعة: [الطويل]
وصدر أراح الليل عازب همّه ... تضاعف فيه الحزن من كلّ جانب (١)
وقال قيس بن ذريح: [الطويل]
نهاري نهار الناس حتى إذا بدا ... لي الليل هزّتني إليك المضاجع (٢)
وقال الطرماح بن حكيم: [الطويل]
ألا أيّها الليل الطويل ألا أصبح ... بصبح، وما الإصباح فيك بأروح (٣)
بلى إن للعينين في الصبح راحة ... لطرحهما طرفيهما كلّ مطرح
وقال ابن المعتز: [البسيط]
لا تلق إلا بليل من تواصله ... فالشمس نمّامة والليل قوّاد (٤)
كم عاشق وظلام الليل يستره ... لاقى الأحبة والواشون رقّاد
وقال المتنبي وأجاد: [الطويل]
كم زورة لك في الأعراب خافية ... أدهى وقد رقدوا من زورة الذّئب (٥)
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي
وهذا البيت أمير شعره على كثرة الجيّد فيه. والبديع فيه أنه قابل الشطر الأول بالثاني حرفا بحرف، فقابل «أزورهم» بقوله: «أنثني»، و «سواد الليل» ببياض الصبح، «ويشفع لي» ب «يغري بي».
وحكى ابن جني قال: حدثني المتبني وقت القراءة قال قال لي ابن خزابة وزير كافوز: أعلمت أني أحضرت كتبي كلها، وجماعة من أهل الأدب يطلبون من أين أخذت هذا المعنى، فلم يظفروا به! وكان أكثر من رأيت كتبا.
стр. 528
قال ابن جني: ثم إني عثرت على الموضع الذي أخذ منه، فوجدته لابن المعتز مصراعا بلفظ [ليّن] صغير [جدّا] جرى فيه معنى بيت المتنبي كله على جزالة لفظه وحسن تقسيمه وهو: [البسيط]
* فالشّمس نمّامة والليل قواد*
قال: الثعالبي إما أن يكون ألمّ به فحسّنه وزينه، فصار أولى به، أو عثر على الموضع الذي عثر عليه ابن المعتز فأربى عليه في جودة أخذه، وأن يكون قد افترع المعنى وابتدعه، فلله درّه! وناهيك بشرف لفظه وبراعة نسجه!
قال: ولبعض أهل العصر بيت يجمع خمس مطابقات ولا يستقل إلا بإنشاد بيتين قبله وهو: [الطويل]
عذيري من الأيام مدّت صروفها ... إلى وجه من أهوى يد المسخ والمحو
وأبدت برأسي طالعات أرى بها ... سهام أبي يحيى مسدّدة نحوي
فذاك سواد الخط ينهى عن الهوى ... وهذا بياض الوخط يأمر بالصّحو
وقال ابن رشيق: [الخفيف]
أيّها الليل طر بغير جناح ... ليس للعين راحة في الصّباح
كيف لا أبغض الصّباح وفيه ... بان عني أولو الوجوه الصّباح
وقال المتنبي: [الطويل]
وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبّر أن المانويّة تكذب (١)
وقاك أذى الأعداء تسري إليهم ... وزارك فيه ذو الدّلال المحجّب
المانويّة هم الثّنويّة، وهم الذين يقولون: إن الخير كله من النور، والشّر كله من الظلام، فكذّبهم بأن وجد الخبر في الظلام حيث ستره من أعدائه، ووقاه شرّهم، وكان عونا على زيارة حبّه، ووجد الضدّ في النور، وهذا كله يجري في نمط بيت الحريري.
***
قال: فلما سمع ربّ البيت قريضه وسجعه، واستملح تقريظه وسبعه، بوّأه مهاد كرامته، وصدّره على تكرمته. ثمّ استحضر عشر صحاف من الغرب، فيها حلواء القند والضّرب؛ وقال له:
لا يستوي أصحاب النّار وأصحاب الجنّة، ولا يسع أن يجعل البريء كذي
стр. 529
الظّنّة، وهذه الآنية تتنزّل منزلة الأبرار، في صون الأسرار، فلا تولها الإبعاد، ولا تلحق هودا بعاد.
***
قوله: «قريضة» أي شعره، وتقدّم السجع.
تقريظه وسبعه: المدح والذمّ، ويقال: سبعه يسبعه، إذا رماه بقبيح، من قولهم:
سبعت الذئب إذا رميته، وقيل: معنى سبعت قلت له قولا غمّه وذعر منه، ويقال: سبعت الوحش: ذعرتها، والأسد أفزعته.
بوّأه: أنزله، مهاد: فراش. صدّره: قدّمه وأجلسه في صدر وسادته.
التكرمة: الوسادة وما يجلس الضيف المكرم عليه ودخل عمر على سلمان ﵄ فألقى له وسادة. فقال: ما هذا يا أبا عبد الله؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقوله: «ما من امرئ مسلم يدخل عليه أخوه المسلم، فيلقي إليه وسادة إكراما له وإعظاما، إلّا غفر الله تعالى له».
قوله: «استحضر»: أمر بإحضارها. الغرب: نوع من الخشب كريم. القند: عصارة قصب السكر. والضرب: العسل الأبيض.
الظّنة: التّهمة، أراد بالبريء آنية الغرب، وبالمتّهم جام الزجاج.
والأبرار: الأخيار. صون: حفظ. تولها: تلصق بها.
عاد: قوم هود، وأراد: لا تساو بين هود وهو مؤمن، وبين قومه وهم كفّار، فهم أضداد كالبريء والمتهم فقد خرج من نوعهم، وإن كانت جنسية الآدمية والقرابة تجمعهم، وكذلك الزجاج والغرب يجتمعان في الآنية والوعاء، ويختلفان في الاحتواء على ما فيهما من الإخفاء والإظهار.
***
[هود ﵇ وقومه]
وهو هود بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وعاد هو ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وكانوا أهل أوثان ثلاثة يعبدونها من دون الله، وكانوا ثلاث عشرة قبيلة باليمن، فدعاهم هود إلى عبادة الله تعالى، فكذّبوه وعصوه، وكانوا جبابرة أقوياء، طول الرجل منهم مائة ذراع، وطول أقصرهم ستون ذراعا، قال الله تعالى: وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً [الأعراف: ٦٩]. أي عظما وطولا وقوة وشدة، وعظهم هود ﵊، وقال لهم: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ [الشعراء: ٢٨] الآية، فكان جوابهم أن قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ٦٥]، وقالوا: سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ
стр. 530
تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ [الشعراء: ١٣٦]. وقالوا: يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [هود: ٥٣] الآيات، واستكبروا ولم يؤمنوا، فحبس عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا.
فأوفدوا وفدا يستسقون لهم، فبعثوا قيل بن عنز، ونعيم بن هزّال، ومرثد بن سعد، وكنيته أبو سعد، وجلهمة بن الخبيريّ، ولقمان بن عاد، ومع كلّ رجل منهم رهط من قومه، فلما قربوا من مكة نزلوا على معاوية بن بكر العقيليّ- وكانوا أخوالا له وصهراء- فأنزلهم وأكرمهم شهرا، يشربون الخمر وتغنّيهم قينتان له يقال لهما:
الجرادتان. فلما رأى معاوية طول مقامهم عنده؛ وقد بعثهم قومهم للبلاء الّذي نزل بهم شقّ عليه ذلك، وقال: هلك أصهاري وأخوالي، والله ما أدري ما أصنع بهم! وإني أستحي أن آمر بالخروج من عندي فيظنون أنه ضاق بي مقامهم عندي، فقال شعرا وأعطاه للجرادتين فغنّتاهم به، وهو: [الوافر]
ألا يا قيل ويحك قم فهيم ... لعلّ الله يصبحنا غماما (١)
فيسقي أرض عاد إنّ عادا ... قد امسوا لا يبينون الكلاما
وإنّ الوحش تأتيهم جهارا ... فلا تخشى لعاديهم سهاما
وأنتم هاهنا فيم اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التّماما
فقبّح وفدكم من وفد قوم ... ولا لقّوا التحيّة والسلاما
فقال بعضهم لبعض: إنما بعثكم قومكم لما نزل بهم، فادخلوا الحرم. فاستسقوا، فقال مرثد بن سعد: والله لا تسقون حتى تطيعوا نبيكم، فقال له جهلمة: [الوافر]
أبا سعد وإنّك من قبيل ... ذوي كرم وإنّك من ثمود
أتأمرنا لنترك دين رفد ... وزمل آل صدّ والوفود
ونترك دين آباء كرام ... ذوي رأي ونتبع دين هود!
فإنّا لا نطيعك ما بقينا ... ولسنا فاعلين لما تريد
ثم قال لمعاوية: امسك مرثدا عنا، لا يدخلنّ مكة معنا وهو على دين هود.
فدخلوا مكة، وخرج مرثد، فأدركهم قبل أن يدعوا، فقال: اللهمّ لا تدخلني في شيء ممّا يدعوك به وفد عاد.
وقيل: قال: اللهمّ إن كان هود صادقا فاسقنا، فقد هلكنا، فأنشأ الله سحائب ثلاثا:
بيضاء، وحمراء وسوداء، ونودي من السحائب: يا قيل، اختر لنفسك ولقومك، قال:
لقد اخترت السّحابة بالسوداء، لأنها أكثر السحاب ماء فنودي: اخترت رمادا رمددا، لا