← Адаб

Адаб · id 760

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

بتّ من لسعه الذي أعجز الرّا ... قي سليما وبات منّي سليما وهذا نهجه غداة افترقنا ... مستقيما والجسم منّي سقيما لم يكن رائعا خصيا ولكن ... كان بالشرّ رائعا لي خصيما قلت لمّا بلوته: ليته كا ... ن عديما ولم يكن لي نديما بغّض الصّبح حين نمّ إلى قل ... بي لأنّ الصّباح يلفى نموما ودعاني إلى هوى اللّيل إذ كا ... ن سواد الدّجى رقيبا كتوما وكفى من يشي ولو فاه بالصّد ... ق أثاما فيما أتاه ولوما *** قوله: «تظنّيته» أي حسبته، وأبدل من إحدى نونيه ياء. لعينا: رجيما: شيطانا مبعدا مرجوما بالنجوم، وقيل: الرجيم: المرجوم أي المشتوم المسبوب، من قوله : لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ [مريم: ٤٦]، أي لأسبنّك وقيل: الرجيم الملعون، وهو مذهب أهل التفسير، فمعنى اللعين والرجيم واحد. تراءيته: ظننته، من تراءى لي الشيء: ظهر بعض الظهور. مريدا: محبّا. جلّى: كشف. سبكي: تجربي. مريدا: كثير الشرّ. خبيثا. لئيما: وضيع القدر خسيس الهمة. توسّمت: ظننت، وتوسمت فيه الخير، أي رأيت فيه سمته، أي علامته والنّسيم: الريح اللينة. والسّموم: الحارّة. لسعه: ضرّه. سليم: الأول ملدوغ والثاني سالم: ورائع: الأول حسن المنظر، والثاني مفزع. بلوته: جرّبته عديما غير موجود. يلفى: يوجد. هوى. حبّ. رقيبا: حافظا. يشي: ينمّ. فاه: نطق. قوله: بغّض الصبح، وهو من المثل: الليل أخفى للويل، وقالوا: أنمّ من الصبح، لأنه يهتك حجاب الظلام. وقال بعض الحكماء لابنه: اجعل نظرك في العلم ليلا لأن القلب في النهار كالطائر، وهو في الليل ساكن، فما ألقيت فيه من شيء وعاه. [مما قيل في الليل] فأما أكثر الشعراء فهم إلى الليل أفزع، ومن النهار أنزع، لأن الليل أجمع لشتات الهموم والفكر، وأجلب لشوارد الأحزان والذكر. قال امرؤ القيس: [الطويل] وليل كموج البحر أرخى سدوله ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي (١)

стр. 527

وقال النابعة: [الطويل] وصدر أراح الليل عازب همّه ... تضاعف فيه الحزن من كلّ جانب (١) وقال قيس بن ذريح: [الطويل] نهاري نهار الناس حتى إذا بدا ... لي الليل هزّتني إليك المضاجع (٢) وقال الطرماح بن حكيم: [الطويل] ألا أيّها الليل الطويل ألا أصبح ... بصبح، وما الإصباح فيك بأروح (٣) بلى إن للعينين في الصبح راحة ... لطرحهما طرفيهما كلّ مطرح وقال ابن المعتز: [البسيط] لا تلق إلا بليل من تواصله ... فالشمس نمّامة والليل قوّاد (٤) كم عاشق وظلام الليل يستره ... لاقى الأحبة والواشون رقّاد وقال المتنبي وأجاد: [الطويل] كم زورة لك في الأعراب خافية ... أدهى وقد رقدوا من زورة الذّئب (٥) أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي وهذا البيت أمير شعره على كثرة الجيّد فيه. والبديع فيه أنه قابل الشطر الأول بالثاني حرفا بحرف، فقابل «أزورهم» بقوله: «أنثني»، و «سواد الليل» ببياض الصبح، «ويشفع لي» ب «يغري بي». وحكى ابن جني قال: حدثني المتبني وقت القراءة قال قال لي ابن خزابة وزير كافوز: أعلمت أني أحضرت كتبي كلها، وجماعة من أهل الأدب يطلبون من أين أخذت هذا المعنى، فلم يظفروا به! وكان أكثر من رأيت كتبا.

стр. 528

قال ابن جني: ثم إني عثرت على الموضع الذي أخذ منه، فوجدته لابن المعتز مصراعا بلفظ [ليّن] صغير [جدّا] جرى فيه معنى بيت المتنبي كله على جزالة لفظه وحسن تقسيمه وهو: [البسيط] * فالشّمس نمّامة والليل قواد* قال: الثعالبي إما أن يكون ألمّ به فحسّنه وزينه، فصار أولى به، أو عثر على الموضع الذي عثر عليه ابن المعتز فأربى عليه في جودة أخذه، وأن يكون قد افترع المعنى وابتدعه، فلله درّه! وناهيك بشرف لفظه وبراعة نسجه! قال: ولبعض أهل العصر بيت يجمع خمس مطابقات ولا يستقل إلا بإنشاد بيتين قبله وهو: [الطويل] عذيري من الأيام مدّت صروفها ... إلى وجه من أهوى يد المسخ والمحو وأبدت برأسي طالعات أرى بها ... سهام أبي يحيى مسدّدة نحوي فذاك سواد الخط ينهى عن الهوى ... وهذا بياض الوخط يأمر بالصّحو وقال ابن رشيق: [الخفيف] أيّها الليل طر بغير جناح ... ليس للعين راحة في الصّباح كيف لا أبغض الصّباح وفيه ... بان عني أولو الوجوه الصّباح وقال المتنبي: [الطويل] وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبّر أن المانويّة تكذب (١) وقاك أذى الأعداء تسري إليهم ... وزارك فيه ذو الدّلال المحجّب المانويّة هم الثّنويّة، وهم الذين يقولون: إن الخير كله من النور، والشّر كله من الظلام، فكذّبهم بأن وجد الخبر في الظلام حيث ستره من أعدائه، ووقاه شرّهم، وكان عونا على زيارة حبّه، ووجد الضدّ في النور، وهذا كله يجري في نمط بيت الحريري. *** قال: فلما سمع ربّ البيت قريضه وسجعه، واستملح تقريظه وسبعه، بوّأه مهاد كرامته، وصدّره على تكرمته. ثمّ استحضر عشر صحاف من الغرب، فيها حلواء القند والضّرب؛ وقال له: لا يستوي أصحاب النّار وأصحاب الجنّة، ولا يسع أن يجعل البريء كذي

стр. 529

الظّنّة، وهذه الآنية تتنزّل منزلة الأبرار، في صون الأسرار، فلا تولها الإبعاد، ولا تلحق هودا بعاد. *** قوله: «قريضة» أي شعره، وتقدّم السجع. تقريظه وسبعه: المدح والذمّ، ويقال: سبعه يسبعه، إذا رماه بقبيح، من قولهم: سبعت الذئب إذا رميته، وقيل: معنى سبعت قلت له قولا غمّه وذعر منه، ويقال: سبعت الوحش: ذعرتها، والأسد أفزعته. بوّأه: أنزله، مهاد: فراش. صدّره: قدّمه وأجلسه في صدر وسادته. التكرمة: الوسادة وما يجلس الضيف المكرم عليه ودخل عمر على سلمان ﵄ فألقى له وسادة. فقال: ما هذا يا أبا عبد الله؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقوله: «ما من امرئ مسلم يدخل عليه أخوه المسلم، فيلقي إليه وسادة إكراما له وإعظاما، إلّا غفر الله تعالى له». قوله: «استحضر»: أمر بإحضارها. الغرب: نوع من الخشب كريم. القند: عصارة قصب السكر. والضرب: العسل الأبيض. الظّنة: التّهمة، أراد بالبريء آنية الغرب، وبالمتّهم جام الزجاج. والأبرار: الأخيار. صون: حفظ. تولها: تلصق بها. عاد: قوم هود، وأراد: لا تساو بين هود وهو مؤمن، وبين قومه وهم كفّار، فهم أضداد كالبريء والمتهم فقد خرج من نوعهم، وإن كانت جنسية الآدمية والقرابة تجمعهم، وكذلك الزجاج والغرب يجتمعان في الآنية والوعاء، ويختلفان في الاحتواء على ما فيهما من الإخفاء والإظهار. *** [هود ﵇ وقومه] وهو هود بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وعاد هو ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وكانوا أهل أوثان ثلاثة يعبدونها من دون الله، وكانوا ثلاث عشرة قبيلة باليمن، فدعاهم هود إلى عبادة الله تعالى، فكذّبوه وعصوه، وكانوا جبابرة أقوياء، طول الرجل منهم مائة ذراع، وطول أقصرهم ستون ذراعا، قال الله تعالى: وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً [الأعراف: ٦٩]. أي عظما وطولا وقوة وشدة، وعظهم هود ﵊، وقال لهم: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ [الشعراء: ٢٨] الآية، فكان جوابهم أن قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ٦٥]، وقالوا: سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ

стр. 530

تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ [الشعراء: ١٣٦]. وقالوا: يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [هود: ٥٣] الآيات، واستكبروا ولم يؤمنوا، فحبس عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا. فأوفدوا وفدا يستسقون لهم، فبعثوا قيل بن عنز، ونعيم بن هزّال، ومرثد بن سعد، وكنيته أبو سعد، وجلهمة بن الخبيريّ، ولقمان بن عاد، ومع كلّ رجل منهم رهط من قومه، فلما قربوا من مكة نزلوا على معاوية بن بكر العقيليّ- وكانوا أخوالا له وصهراء- فأنزلهم وأكرمهم شهرا، يشربون الخمر وتغنّيهم قينتان له يقال لهما: الجرادتان. فلما رأى معاوية طول مقامهم عنده؛ وقد بعثهم قومهم للبلاء الّذي نزل بهم شقّ عليه ذلك، وقال: هلك أصهاري وأخوالي، والله ما أدري ما أصنع بهم! وإني أستحي أن آمر بالخروج من عندي فيظنون أنه ضاق بي مقامهم عندي، فقال شعرا وأعطاه للجرادتين فغنّتاهم به، وهو: [الوافر] ألا يا قيل ويحك قم فهيم ... لعلّ الله يصبحنا غماما (١) فيسقي أرض عاد إنّ عادا ... قد امسوا لا يبينون الكلاما وإنّ الوحش تأتيهم جهارا ... فلا تخشى لعاديهم سهاما وأنتم هاهنا فيم اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التّماما فقبّح وفدكم من وفد قوم ... ولا لقّوا التحيّة والسلاما فقال بعضهم لبعض: إنما بعثكم قومكم لما نزل بهم، فادخلوا الحرم. فاستسقوا، فقال مرثد بن سعد: والله لا تسقون حتى تطيعوا نبيكم، فقال له جهلمة: [الوافر] أبا سعد وإنّك من قبيل ... ذوي كرم وإنّك من ثمود أتأمرنا لنترك دين رفد ... وزمل آل صدّ والوفود ونترك دين آباء كرام ... ذوي رأي ونتبع دين هود! فإنّا لا نطيعك ما بقينا ... ولسنا فاعلين لما تريد ثم قال لمعاوية: امسك مرثدا عنا، لا يدخلنّ مكة معنا وهو على دين هود. فدخلوا مكة، وخرج مرثد، فأدركهم قبل أن يدعوا، فقال: اللهمّ لا تدخلني في شيء ممّا يدعوك به وفد عاد. وقيل: قال: اللهمّ إن كان هود صادقا فاسقنا، فقد هلكنا، فأنشأ الله سحائب ثلاثا: بيضاء، وحمراء وسوداء، ونودي من السحائب: يا قيل، اختر لنفسك ولقومك، قال: لقد اخترت السّحابة بالسوداء، لأنها أكثر السحاب ماء فنودي: اخترت رمادا رمددا، لا

стр. 531

يبقي من عاد أحدا، فساق الله السحابة السوداء إلى عاد فاستبشروا، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، فسخرت عليهم سبع ليال ريح صرصر، فلم تدع منهم أحدا إلّا هلك. ولما خرجت الريح عليهم، قال سبعة منهم: تعالوا نقف على شفير الوادي فثرّدها، فجعلت الريح تأخذ الواحد منهم فترميه حتى يدقّ عنقه، فتركتهم كما قال الله تعالى: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ [الحاقة: ٧]. واعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبهم منها إلا نسيم يلين البشرة، وتلذّه الأنفس، وإنها لتمرّ من عاد بالظعن بين السماء والأرض. ورجع وفد عاد، فنزلوا على معاوية، فأتاهم راكب على ناقة في الليلة الثالثة من مصابهم، فأخبرهم الخبر، فقالوا: وأين فارقت هود؟ فقال: بساحل البحر، وخيّروا حين دعوا بمكة لأنفسهم، فقال لقمان: يا ربّ أعطني عمرا، فعمّره الله عمر سبعة أنسر، يأخذ الفرخ إذا خرج من بيضته فيغذّيه حتى يموت، ثم يأخذ آخر حتى بقي السابع، فقال له ابن أخيه: ما بقي من عمرك؟ قال: عمر هذا النّسر، وهو لبد- ولبد بلسانهم- الدّهر. فلما لم يستطع لبد النهوض مع النسور، أيقن لقمان بالموت، فماتا جميعا. واختار قبل أن يصيبه ما أصاب قومه، فاقتلعته الريح فقتلته. وقال مرثد: يا رب أعطني برّا وصدقا وعمر هود، فعمّر مائة وخمسين سنة. *** ثمّ أمر خادمه بنقلها إلى مثواه، ليحكم فيها بما يهواه. فأقبل علينا أبو زيد، وقال: اقرءوا سورة الفتح، وأبشروا باندمال القرح؛ فقد جبر الله ثكلكم، وسنّى أكلكم، وجمع في ظلّ الحلواء شملكم، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم. ولمّا همّ بالانصراف، مال إلى استهداء الصّحاف، فقال للآدب: إن من دلائل الظّرف، سماحة المهدي بالظّرف، فقال: كلاهما لك والغلام، فاحذف الكلام، وانهض بسلام. فوثب في الجواب، وشكر شكر الرّوض للسّحاب. *** قوله: «مثواه»، أي منزله. وقال: اقرءوا سورة الفتح، أي لأن الله قد فتح عليكم. اندمال القرح: الجرح. جبر: أصلح. ثكلكم: حزنكم على فقدكم الحلواء بسببي، والحلواء: كل طعام عولج بحلاوة، وتمدّ وتقصر. شملكم: عددكم المفترق. وفي معنى الآية قال بعضهم: [الكامل]

стр. 532

لا تكره المكروه عند نزوله ... إنّ المكاره لم تزل متباينه كم من يد لا تستقلّ بشكرها ... لله في طيّ المكاره كامنه الآدب: صاحب العرس. الظّرف: جودة الرأي. الأصمعي وابن الأعرابيّ: الظّريف: البليغ الجيّد الكلام، وقالا: الظرف في اللسان، واحتجّا بقول عمر ﵁ أنه إذا كان الرجل ظريفا لم يقطع، أي إذا كان بليغا احتجّ عن نفسه بما يسقط عنه الحد، قال الكسائيّ رحمه الله تعالى وفي الوجه، يقال لسان ظريف ووجه ظريف. غيره: الظريف الحسن الوجه والهيئة. المهدي: مرسل الهدية، والظّرف: الوعاء. احذف: اقطع بعضه. انهض: تقدّم. وثب: بالغ وعجّل جوابه. الرّوض: موضع العشب والأنوار. *** ثمّ اقتادنا أبو زيد إلى حوائه، وحكمنا في حلوائه، وجعل يقلّب الأواني بيده، ويفضّ عددها على عدده، ثمّ قال: لست أدري أأشكو ذلك النّمّام أم أشكر، وأتناسى فعلته الّتي فعلها أم أذكر، فإنّه وإن كان أسلف الجريمة، ونمنم النّميمة، فمن غيمه انهلّت هذه الدّيمة، وبسيفه انحازت لي هذه الغنيمة. وقد خطر ببالي، أن أرجع إلى أشبالي، وأقنع بما تسنّى لي، وألّا أتعب نفسي ولا أجمالي، وأنا أودّعكم وداع محافظ، واستودعكم خبر حافظ. ثم استوى على راحلته، راجعا في حافرته، ولاويا إلى زافرته. فغادرنا بعد أن وخدت عنسه، وزايلنا أنسه، كدست غاب عنه صدره، أو ليل أفل بدره. *** حواؤه: موضعه، والحواء: أخبية قريب بعضها من بعض، ويفضّ: يفرّق. وأسلف الجريمة: قدّم الذنب. نمنم: زيّن، والنمنمة: النقش. غيمة: سحابة. انهلّت: سالت. الدّيمة: العطية هنا، وانظر معنى هذا الشك الطارئ عليه في السابعة والعشرين في قوله: [الرمل] * يا أخي الحامل ضيمي* محافظ: راع للمودة. أستودعكم: أترككم وديعة في يده. خير حافظ: هو الله يشير لقوله تعالى: فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً [يوسف: ٦٤]. استوى عليها، أي

стр. 533

ركبها، وقال في الدّرة: الراحلة تقع على الجمل والناقة، والهاء فيها للمبالغة. كالتي في داهية وراوية، وسمّيت راحلة لأنها ترحل، أي يشد عليها الرّحل، فهي فاعلة بمعنى مفعولة، كما جاء في التنزيل: عِيشَةٍ راضِيَةٍ [الحاقة: ٢١]، بمعنى مرضية، ولا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [هود: ٤٣]، أي لا معصوم، ومِنْ ماءٍ دافِقٍ [الطارق: ٦] أي مدفوق، وحَرَماً آمِناً [القصص: ٥٧] أي مأمونا، كما جاء مفعول بمعنى فاعل في قوله تعالى: حِجاباً مَسْتُوراً [الإسراء: ٤٥] أي ساترا، كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا [مريم: ٥١]، أي آتيا. في حافرته: في الطريق الذي جاء منه. لاويا: عاطفا. زافرته: قرابته. وخدت: أسرعت. عنسه: ناقته الصلبة، ومنه عنست المرأة، إذا طال مكثها لا تتزوج. زايلنا: فارقنا. دست: مجلس. صدره: أعيانه. أفل: غاب.

стр. 534

المقامة التاسعة عشرة وهي النّصيبيّة روى الحارث بن همّام، قال: أمحل العراق ذات العويم، لإخلاف أنواء الغيم، وتحدّث الرّكبان بريف نصيبين، وبلهنية أهلها المخصبين. *** أمحل: أجدب، أي لم ينزل فيه مطر. إخلاف الأنواء، يريد النجوم التي من عادتها أن تطلع بالمطر، وأخلفت: لم تجئ بمطر. الركبان: أهل الأسفار. ريف: خصب. *** [مدينة نصيبين] نصيبين مدينة ديار ربيعة العظمى، وهي مطلّة على جبل الجوديّ الذي استوت سفينة سيدنا نوح ﵊ عليه، وهو جبل عال مستطيل. أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «زويت لي الأرض، فرأيت مدينة أعجبتني، فقلت: يا جبريل، أيّ مدينة هذه؟ قال: نصيبين، فقلت: اللهمّ عجّل فتحها». قال اليعقوبيّ: هي مدينة عظيمة كثير الأنهار والجنّات والبساتين، ولها نهر عظيم يقال له الهرماس، عليه قناطر حجارة قديمة روميّة، وأهلها قوم من ربيعة من بني تغلب، افتتحها غنم بن عياض في خلافة عمر ﵄ سنة ثمان عشرة. قال شيخنا ابن جبير: مدينة نصيبين شهيرة العتاقة والقدم، ظاهرها شباب، وباطنها هرم، جميلة المنظر، متوسطة بين الكبر والصّغر، أمامها وخلفها بسيط أخضر مدّ البصر، قد أجرى الله فيه مذانب من الماء تسقيه، وتطرّد في نواحيه، وتحفّ بها عن يمين وشمال بساتين ملتفّة الأشجار، يانعة الثمار. وينساب بين يديها نهر قد انعطف عليها انعطاف السّوار، والحدائق، تنتظم حافتيه، وتفيء ظلالها الوارفة عليه، فرحم الله أبا نواس حيث يقول: [البسيط] طابت نصيبين لي يوما فطبت لها ... ليت حظّي من الدنيا نصيبين فخارجها رياضيّ الشمائل، أندلسي الخمائل، برق نضارة وغضارة، ويأتلق عليه رونق الحضارة. وداخلها شعث البادية بادية عليه، فلا مطمح للبصر إليه، لا تجد العين

стр. 535

فيه فسحة مجال، ولا مسحة جمال. وهذا النهر ينساب إليها من عين معينة، منبعها بجبل قريب منها، تنقسم منها مذانب تخترق بسائطها وعمائرها، ويتخلّل البلد منها جزء يفترق على شوارعها، ويلج في بعض ديارها، ويخترق جامعها منه ميزاب ينصبّ في صهريجين، أحدهما وسط الصحن، والآخر عند الباب الشرقي، ويفضي إلى سقايتين حول الجامع. وعلى النّهر جسر معقود من صمّ الحجارة، متّصل بباب المدينة القبلي، وفيها مدرستان ومارستان واحد. *** قوله: وبلهنية أهلها المخصين، البلهنية: رخاء العيش. [مما قيل في وصف الرياض شعرا] ونريد أن نصل ما نذكره من خصب نصيبين بأشعار مستحسنة في أوصاف الرياض تقع كالصفة لها، قال إبراهيم بن العباس الكاتب: [المتقارب] تأمل سماء أظلّت علي ... ك فيها مصابيحها تزهر وأرضا تقابلها بالعرو ... س والمرج بينهما جعفر ومسحب نور غداة بالربي ... ع أنفاسه المسك والعنبر خلال شقائقه أصفر ... وأضعاف أصفره أحمر والماء مطّرد بينها ... يضيق بآذيّه المصدر وللنّاطقات بأكنافه ... دواعي اشتياق ومستعبر يشارفه البرّ من جانب ... ومن جانب بحره الأخضر مجال وحوش ومرسى سفين ... فيا عذب لهو ويا منظر ويا حسن دنيا ويا عز ملك ... يسوسهم الملك الأكبر إمام به أمر الآمرو ... ن بالعرف واستنكر المنكر وأنشد السيرافي: [الطويل] ومجلس فتيان إلى جنب حافة ... بقطر بلّ بين الرّياض الحدائق تناصي ميادينا له أحدقت به ... مواخرها موصولة بالجواسق وحفّ بريحان وكرم معرّش ... ونهر وأشجار ونخل بواسق وورد ونسرين وآس وسوسن ... أفاطيره محفوفة بالشّقائق تزخرف بالنّوار حتى كأنما ... به جنّة محفوفة بالنّمارق وقال كشاجم: [البسيط] وروضة صنّف النّوار جوهره ... فيها فما شئت من حسن ومن طيب

стр. 536

كأنّ ما تجتنيه من زخارفها ... أخلاق مستحسن الأخلاق محبوب ما انفكّ للعين فيها أعين ذرف ... تبكي بدمع من الأنواء مسكوب حتّى كأنّ أفانين النبات بها ... على الميادين ألوان اليعاسيب كان غدرانها بالرّوض محدقة ... تحبير ثوب من الموشيّ منصوب ولتميم بن المعتز: [الطويل] وقاذفة بالماء في وسط بركة ... قد التحفت لحاف في الظّلّ سجسجا إذا اقذفت بالماء سلته منصلا ... وعاد عليها ذلك النّصل هودجا تحاول إدراك النجوم بقذفها ... كأنّ لها قلبا على الجوّ محرجا لدى روضة جاد السّحاب ربوعها ... فزخرفها بين الرياض ودبّجا على نرجس غضّ يلاحظ سوسنا ... وآس ربيعيّ يناغي بنفسجا كأن غصون الأقحوان زمرّد ... تعمّم بالكافور ثم تتوّجا ونوار نسرين كأنّ نسيمه ... من المسك في جوّ السماء تأرّجا قال أبو البحتري: تعرضت لأبي فحمة- وكان مجنونا ببغداد- له بديهة حسنة، فقلت له: كيف أنت يا أبا فحمة؟ فأنشأ يقول: [الكامل] أصبحت منك على شفا جرف ... متعرّضا لموارد التّلف وأراك نحوي غير ملتفت ... متحرّفا عن غير منحرف يا من أطال بهجره كلفي ... أسفي عليك أشدّ من كلفي فأخرجت قبضة نرجس من كمي، فأخذها وشمّها مليا، وأنشأ يقول: لما تزوّجت الجنوب بهاطل ... حون هتون زبرج دلّاح أضحى يلقّحها بوسميّ الصّبا ... فاستثقلت حملا بغير نكاح حتى إذا حان المخاض تفجّرت ... فأتت بولدان بلا أرواح حاك الربيع لها ثيابا وشّيت ... بيد النّدى وأنامل الأرواح من أصفر في أزهر قد زانه ... تبر على ورق من الأوضاح ركّبن في عقد الزّبرجد فاغتدى ... نحو الغزالة ناظرا بملاح *** [فصل أشعار المجانين] ويتصل بهذه الحكاية فصل في ذكر ما يستحسن من أشعار المجانين، فإن أبا محمد ذكر في هذه المقامة المصابين، وذكر المجانين في غيرها، لئلا يخلّ بما شرطنا. قال

стр. 537

بعض الأدباء: كان رجل من أهل الأدب، قد ذهب عقله بالمحبّة، [وخلفه دابة تدور معه، فاستوقفته] وقلت له: يا أبا فلان، ما حالك، وأين النعمة؟ قال: تغيّر قلبي بالحبّ فتغيرت النعمة، ثم بكى وأنشأ يقول: [البسيط] أرى التجمّل شيئا لست أحسنه ... وكيف أخفى الهوى والدّمع يعلنه أم كيف صبر محبّ قلبه دنف ... الشوق ينحله والهجر يحزنه وإنه حين لا وصل يساعفه ... يهوى السلوّ، ولكن ليس يمكنه وكيف ينسى الهوى من أنت فتنته ... وفترة اللحظ من عينيك تفتنه فقلت: أحسنت والله، فقال: قف قليلا، فو الله لأطرحنّ في أذنيك أدبا أثفل من الرصاص، وأخفّ على الفؤاد من ريش النعام، فوقفت، فأنشد: [البسيط] للحبّ نار على قلبي مضرّمة ... لم تبلغ النّار منها عشر معشار الماء ينبع منها في محاجرنا ... يا للرّجال لماء فاض من نار! وأنشد أيضا: [المتقارب] أعاد الصدود فأحيا الغليلا ... وأبدى الجفاء فصبرا جميلا وأحسب نفسي على ما ترى ... ستلقى من المهجر غمّا طويلا وأحسب قلبي على ما بدا ... سيذهب مني قليلا قليلا قال الحسن بن هانئ: رأيت مانيا الموسوس فأنشدني: [الخفيف] شعر حيّ أتاك من لفظ ميت ... صار بين الحياة والموت وقفا قد برت جسمه الحوادث حتّى ... كاد عن أعين البريّة يخفى لو تأمّلتني لتبصر شخصي ... لم تبيّن من المحاسن حرفا ثم أتيت جعيفران الموسوس، وهو شيخ كبير من بني هاشم، عليه قطيفة، وفي عنقه غلّ من ذهب، فقال: من أين جئت يا حسن؟ فقلت: من بيت مانوية: فقال: في حر أم مانوية! وقال لي اكتب: [البسيط] ما غرّد الديك ليلا في تنبّهه ... إلا حثثت إليك السّير مجهودا ولا هدت كلّ عين لذّ راقدها ... بنومة في لذيذ العيش ممهودا إلا امتطيت الدّجى شوقا إليك ولو ... أصبحت في حلق الأقياد مصفودا أسعى مخاطرة بالنّفس يا أملي ... والليل مدّرع أثوابه السّودا فلم ترقّ ولم ترث لذي دنف ... زودته حرقات القلب تزويدا هيهات لا غدر في جنّ ولا بشر ... من الخلائق إلا فيك موجودا

стр. 538

ثم قال لي: خرّق رقعة مانويّة، فخرقنها، ثم مضيت فلقيت عرددا المصاب، وحوله الصبيان، وهو يلطم وجهه، ويقول: يا أيها الناس، الفراق مرّ المذاق، فقلت: يا أبا محمد، من أين أقبلت؟ فقال شيّعت الحاجّ إذ كان لي فيهم سكّن، وقلت في ذلك: [الطويل] هم ارحلوا يوم الخميس غديّة ... وودعتهم لمّا استقلّوا وودّعوا فلما تولّوا ولّت النّفس معهم ... فقلت: ارجعي قالت: إلى أين أرجع؟ إلى جسد ما فيه لحم ولا دم ... وما هو إلّا أعظم تتقعقع وعينان قد أعماهما الحزن والبكا ... وأذن عصت عذّالها ليس تسمع وجعيفران من مجانين الكوفة، أعطاه رجل درهما، وقال له: قل شعرا على قافية الجيم، فقال بديها: [مجزوء الخفيف] عادني الهمّ فاعتلج ... كلّ همّ إلى فرج سلّ عنك الهموم بال ... كأس والراح تنفرج وهو القائل: [المجتث] ما جعفر لأبيه ... ولا له بشبيه أضحى لقوم كثير ... فكلّهم يدّعيه هذا يقول بنيّي ... وذا يخاصم فيه والأمّ تضحك منهم ... لعلمها بأبيه وقال ماني: [البسيط] من الظّباء ظباء عمّها السّحب ... وحليها الدّرّ والياقوت والذّهب يا حسن ما سرقت عيني وما انتهبت ... والعين تسرق أحيانا، وتنتهب إذا يد سرقت فالحدّ يقطعها ... والحدّ في سرق العين لا يجب وله أيضا: [الطويل] له وجنات في بياض وحمرة ... فحافاتها بيض وأوساطها حمر رقاق يجول الماء فيها كأنّها ... زجاج أجيلت في جوانبها الخمر وأشعار المجانين في هذا الباب أكثر من أن تحصى. *** فاقتعدت مهريّا، واعتقلت سمهريّا، وسرت تلفظني أرض إلى أرض، ويجذبني رفع من خفض، حتّى بلغتها نقضا على نقض. فلمّا أنخت بمغناها

стр. 539

الخصيب، وضربت في مرعاها بنصيب، نويت أن ألقي بها جراني، وأتّخذ أهلها جيراني، إلى أن تحيا السّنة الجماد، وتتعهّد أرض قومي العهاد، فو الله ما تمضمضت مقلتي بنومها، ولا تمخّضت ليلتي عن يومها، دون أن ألفيت أبا زيد السّروجيّ يجول في أرجاء نصيبين، ويخبط بها خبط المصابين والمصيبين، وهو ينثر من فيه الدّرر، ويحتلب بكفّيه الدّرر. فوجدت بها جهادي قد حاز مغنما، وقدحي الفذّ قد صار توأما، ولم أزل أتبع ظلّه أينما انبعث، وألتقط لفظه كلّما نفت، إلى أن عراه مرض امتدّ مداه، وعرقته مداه، حتى كاد يسلبه المحيا، ويسلمه إلى أبي يحيى. *** قوله: «اقتعدت مهريّا»، أي ركبت بعيرا منسوبا إلى مهرة، قبيلة من قضاعة، إبلهم أنجب الإبل، زعموا أنه كان يلقّحها الوحش، وهي إبل متوحّشة صغار بيض، تكون بين عمان والشّحر، وتزعم العرب إنها إبل الجن لسرعتها، فبقيت أنسالها في بني مهرة. قال أبو عبيدة: المهريّة من الإبل تسير أربعمائة ميل كل يوم، ثم نسبت العرب إلى مهرة كل بعير نجيب. اعتقلت: حبست، والاعتقال: أن تحبس الرّمح بين ركابك وساقك تلفظني: ترميني. رفع: مرتفع: خفض: منخفض. يجذبني: يسوقني لنفسه. نقضا على نقض: هزيل على هزيل؛ وأخذ هذا اللفظ من قول أبي الشيص يصف شدّة السير: [الكامل] أكل الوجيف لحومهم ولحومها ... فأتوك أنقاضا على أنقاض ولقد أتتك على الزمان سواخطا ... فرجعن عنك وهنّ عنه رواضي وقال حبيب في معناه: [الطويل] وركب يساقون الرّكاب زجاجة ... من السّير لم تقصد لها كفّ قاطب (١) وقد أكلوا منها الغوارب بالسرى ... وصارت لها أشباحهم كالغوارب ولحبيب أيضا: [الطويل] وركب كأمثال الأسنّة عرّسوا ... على مثلها والليل تسطو كواكبه (٢) على كلّ روّاد الملاط تهدّمت ... عريكته العلياء وانضمّ جانبه رعته الفيافي بعد ما كان حقبة ... رعاها، وماء المزن ينهلّ ساكبه

стр. 540

فكم جزع واد جبّ ذروة غارب ... وبالأمس كانت أتمكته مذائبه قوله: «أنخت» بركت. مغناها: موضع سكناها. نويت: قصدت. جراني صدري، والجران: باطن عنق البعير، يقول: لما أخذ نصيبا في مرعاها، أضمر أن يقيم بها ريثما يأتي أرضه المطر. الجماد: التي لا مطر فيها. تتعهد: تتفقّد وتزور. العهاد. كثرة المطر. وتمضمضت العين بالنوم، إذا خالطها ودبّ فيها، وتمخّضت المرأة: أضرّ بها وجع الولادة، وتقول: تمخّضت المرأة عن زوجها إذا حملت بالولد عنه، وتمخضت بولدها إذا تحرّكت به ودنت ولادتها، وإذا استعير هذا المعنى لليلة صار تمخّضها عن اليوم السابق لها، كأن اليوم ألقي في الليلة ما كان فيه من الحيوان فتحرّكت به؛ فيريد أنه لم ينقص يومي الذي وردت فيه نصيبين حتى وجدت فيه أبا زيد قبل أن أدخل في ليلتي، ولأجل هذا قال قبل هذا: تمخّضت مقلتي بنومها، أراد أنه لقيه قبل الليلة التي ينام فيها، ولو قال: تمخضت بيومها للزم أن يكون اليوم الذي يأتي بعدها، كأنّها كانت تحمله فتلده إذا طلع صبحه من حيث إنه متصل بها، ولو جعلت «عن» بمعنى الباء لانقلب إلى هذا المعنى، وإنما دل الكلام على صحة المعنى الأوّل، وأصله المخض بالتّحريك، ومنه: مخضت اللبن مخضا، حرّكته لإخراج زبده، ومخضت المرأة وتمخّضت: تحرّك ولدها ليخرج، ثم يستعار ذلك للأيام وغيرها، فأما استعارة حمل الولد فكقول عمرو بن حسان في النعمان: [الوافر] أجدّك هل رأيت أبا قبيس ... أطال بقاءه النّعم الرّكام (١) تمخّضت المنون له بيوم ... أتى، ولكلّ حاملة تمام النّعم الركام: الإبل الكثيرة، وصفّر قابوس، تصغير الترخيم، وجعل المنيّة حاملا باليوم الذي هلك فيه وجعل اليوم ولدها على جهة الاستعارة، وقال حبيب في معناه: [البسيط] حتى إذا مخّض الله السّنين لها ... مخض الحليبة كانت زبدة الحقب (٢) فهذه استعارة من مخض اللبن، أراد أن السنين تحرّكت لهذه البلدة، أي كانت تمرّ عليها فلا تنالها بمكروه حتى وجدها المسلمون كالزّبدة في حسنها ولذّتها فأكلوها باستباحة من فيها.

стр. 541

قوله: «ألفيت»، أي وجدت. يجول: يتصرّف. أرجاء: نواحي. يخبط: يسأل الناس، وأصل الخبط نفض ورق الشجر، ينض للإبل فيخزن ثم يدقّ لها في زمن الشّتاء، ويبلّ بالماء فتعلفه، ثم يستعار الخبط للمعروف، وقال زهير بن أبي سلمى: [البسيط] وليس مانع ذي قربى وذي نسب ... يوما ولا معدما من خابط ورقا (١) يقال: خبطت الرجل، أي سألته، وخبط الرجل بالأمر: لم يهتد لصوابه، والبعير: ضرب بيده الأرض، والشيء: ضربته، والدابّة الأرض: شدّت وطأها، والشيطان الإنسان: صرعه. قوله: «المصابين» أي المجانين. والمصيبين: الواجدين لما يطلبون، والمصيب أيضا ضدّ المخطئ، والمفعول مصاب، فيريد أنه يجول في نواحيها مسرعا كالمجنون، أو كالمتيقّن بوجود حاجته. الدّرر: الجواهر، والدّرر: اللبان، أراد أنه يتكلم بكلام حسن فيأخذ به العطايا، قدحي الفذّ، أي سهمي المنفرد. توأما: زوجا، وأراد أنه كان منفردا فصار يأبى زيد زوجا. انبعث: نهض وتوجّه. نفث: نطق. عراه: قصده. امتدّ مداه، أي طالت مدته. عرقته: أخذت لحمه. مداه: سكاكينه. يسلمه: يتركه، وأبو يحيى: كنية الموت، وقد تقدّم في المقامة قبل سهام أبي يحيى مسددة نحوي. *** [ثواب المريض] أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله ﷺ : «من مات مريضا مات شهيدا، ووقي من فتنة القبر، وغدي وريح عليه برزقه من الجنة» (٢). وقال: «مرض يوم يكفّر ذنوب ثلاثين سنة» (٣). وقال النبي ﷺ : «الصداع والحمّى يصيب الإنسان وإن ذنوبه مثل أحد فما يفارقه حتى لا يدع من ذنوبه وزن خردلة». أنس رضي الله تعالى عنه، قال: قال: رسول الله ﷺ : «المريض إذا برئ وصحّ

стр. 542

من مرضه كان كمثل البردة تقع من السماء في صفاء لونها» (١). *** فوجدت لفوت لقياه، وانقطاع سقياه، ما يجده المبعد عن مرامه، والمرضع عند فطامه، ثمّ أرجف بأنّ رهنه قد غلق، ومخلب الحمام به قد علق، فقلق صحبه لإرجاف المرجفين، وانثالوا إلى عقوته موجفين: [المتقارب] حيارى يميد بهم شجوهم ... كأنّهم ارتضعوا الخندريسا أسالوا الغروب وعطّوا الجيوب ... وصكّوا الخدود وشجّوا الرءوسا يودّون لو سالمته المنون ... وغالت نفائسهم والنّفوسا *** قوله: «سقياه»، أي فوائده التي كان يسقيه بها. مرامه: حاجته. فطامه: قطعه عن الرضاع. أرجف: تحدث، والإرجاف: خوض الناس في الفتنة وحديثها. وغلق: كفّ، وكان من فعل الجاهلية أن يقول الراهن لمن يمسك رهنه: إن لم آتك إلى كذا فالرّهن لك فإن أتاه بالدّين بعد الأمد قال له: قد غلق الرهن. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يغلق الرهن، له غنمه وعليه غرمه» (٢). المخلب: ظفر الطائر الصائد. الحمام: المنون. انثالوا. انصبّوا واندفعوا. عقوته: موضعه وأصلها فناء الدار. موجفين: مسرعين. حيارى: جمع حيران، والحيرة: التردّد في الأمر وعدم التّهدّي له، قال الواثق: لا يك السّقم ولكن كان بي ... وبنفسي وبأميّ وأبي قيل لي إنك صدّعت فما ... خالطت سمعي حتى دير بي وقال آخر: أنا مذ خبرت بالعلّ ... ة والله عليل ليت حمّاك بجسمي ... ولك العمر الطويل يميد: يميل. شجوهم: حزنهم. الخندريس: الخمر. أسالوا الغروب: أجروا الدموع، والغربة: الفيضة من الدمع، والجمع غروب: عطوا: شقوا. صكّوا: لطموا:

стр. 543

شجّوا: جرحوا. يودّون: يتمنّون. سالمته: تركته وصالحته، وأصله الصلح. المنون: المنيّة. غالت: أهلكت. نفائسهم: كرائم أموالهم. [مما قيل في عيادة المريض] ونذكر هنا من الشعر ما يوافق هذا الموضع: دخل أبو دهمان القيسيّ يوما على بعض الأمراء يعوده، فأنشده: [الطويل] بأنفسنا لا بالطّوارف والتّلد ... نقيك الّذي تخفي من السّقم أو تبدي بنا معشر العوّاد ما بك من أذى ... فإن أشفقوا ممّا أقول فبي وحدي ودخل محمد بن عبد الله بن طاهر على المتوكل يعوده، فقال: [البسيط] الله يدفع عن نفس الإمام لنا ... وكلّنا للمنايا دونه غرض فليت أن الذي يعروه من مرض ... بالعائدين جميعا لا به المرض ففي الإمام لنا من غيره عوض ... وليس في غيره منه لنا عوض وكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر: [الكامل] أعزز عليّ بأن أراك عليلا ... أو أن يكون لك السّقام نزيلا لوددت أني مالك لسلامتي ... فأعيرها لك بكرة وأصيلا فتكون تبقى سالما لسلامتي ... وأكون ممّا قد عراك بديلا هذا أخ لك يشتكي ما تشتكي ... وكذا الخليل إذا أحبّ خليلا هذا الشعر على فتوره شرف بمنصب قائله. وكان المعتصم أميّا لأن أباه هارون الرشيد ندبه في صغره للتعلّم فسمعه يوما يقول وقد مرّت به جنازة: ليتني مكانك ولا أرى هذا البلاء، فقال له: لا أندبك إلى شيء تتمنّى الموت من أجله؛ فلهذا لم يكن له علم بالأدب كأخويه الأمين والمأمون. ولأبي العباس المبرّد: [الخفيف] يا عليل أفديك من ألم الع ... لّة هل لي إلى اللقاء سبيل إنّ يحل دونك الحجاب فما يح ... جب عنّي وبك الضّنى والنّحول ولأبي تمام في مالك بن طوق: [المنسرح] ألبسك الله منه عافية ... في نومك المعترى وفي أرقك يخرج من جسمك السّقام كما ... أخرج ذمّ الفعال من خلقك ولابن عبد ربه: [البسيط] يا من عليه حجاب من جلالته ... وإن بدا لك يوما غير محجوب

стр. 544

ما أنت وحدك مكسوّا ثياب ضنى ... بل كلّنا لك من مضنى ومشحوب ألقى عليك يدا للضّرّ كاشفة ... كشاف ضرّ نبيّ الله أيوب *** قال الراوي: وكنت فيمن التفّ بأصحابه، وأغذّ إلى بابه، فلمّا انتهينا إلى فنائه، وتصدّينا لاستنشاء أنبائه، برز إلينا فتاه، مفترة شفتاه، فاستطلعنا طلع الشّيخ في شكاته، وكنه قوى حركاته، فقال: قد كان في قبضة المرضة، وعركة الوعكة، إلى أن شفّه الدّنف واستشفّه التّلف، ثمّ منّ الله تعالى بتقوية ذمائه، فأفاق من إغمائه. فارجعوا أدراجكم، وانضوا انزعاجكم، فكأن قد غدا وراح، وساقاكم الرّاح. فأعظمنا بشراه، واقترحنا أن نراه، فدخل مؤذنا بنا، ثمّ خرج آذنا لنا، فلقينا منه لقى، ولسانا طلقا، وجلسنا محدقين بسريره، محدّقين إلى أساريره. *** قوله: «أغذ»، أي أسرع. تصدّينا: تعرّضنا. الاستنشاء: الاستطلاع. أنبائه: أخباره. برز: خرج. مفترة: ضاحكة. استطلعناه: سألناه أن يطلعنا. طلع الشيخ في شكاته: خبر مرضه. كنه: حقيقة. عركه الوعكة: شدة المرضة، وعركت الشيء: دلكته بيديك وحككته، ووعكته الحمّى: كسرته. وشفّه الدنف: أضعفه المرض ونقص جسمه استشفّه: استقصى بقية قوته. ذمائه: قوى نفسه إغمائه: ذهاب عقله من الضعف. ارجعوا أدراجكم، أي في الطريق الذي جئتم فيه. انضوا انزعاجكم، أي أزيلوا زعجكم وطيشكم، والانزعاج: ضد القرار. أعظمنا بشراه، أي وجدنا ما بشرنا به عظيما، والبشارة بكسر الباء: ما بشّرت به، والبشارة بضمها: ما يعطى على البشارة. والبشارة بفتحها: الجمال، وفلان بشير الوجه، أي حسنه، وعند أكثرهم أن لفظ «بشّرته» لا يستمل إلا في الإخبار في الخير، وليس كذلك، بل يستعمل في الخير والشرّ قال تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [التوبة: ٢٤]، والعلّة في ذلك أن البشارة إنما سميت بذلك لاستبانة تأثير خبرها في بشرة من بشّر بها، وقد تتغيّر البشرة للمساءة بالمكروه، كما تتغيّر عند المسرّة بالمحبوب، إلا أنه إذا أطلق لفظها وقع على الخير؛ كما أنّ النذارة يطلق لفظها في الشر، وهذا ذكرهالحريري في الدّرّة قال ابن عزيز: البشرى: والبشارة إخبار بما يسر، قال تعالى: لَهُمُ الْبُشْرى [يونس: ٦٤]. اقترحنا: طلبنا، واقترحت الشيء: فعلته قبل أن يفعل. مؤذنا: معلما. لقّى: طريحا. طلقا: فصيحا. محدقين: محلّقين، وأحدق القوم بالشيء إذا أحاطوا به واحتفّوا

стр. 545

حوله. وحدقوا، أي نظروا إليه نظرا شديدا، فهم محدقون إليه، أي ناظرون، والحدقة: سواد العين الأعظم. والأسارير: تكاسير جلد الوجه. *** أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «من عاد مريضا فجلس عنده قدر ساعة، أعطاه الله تعالى أجر عمل سنة لا يعصيه فيها طرفة عين» (١). وقال رسول الله ﷺ : «عيادة المريض إذا دخلت عليه، أن تضع يدك على رأسه وتقول: كيف أصبحت؟ أو كيف أمسيت؟ وإذا دخلت عليه تغمّدتك الرحمة، وإذا خرجت من عنده خضتها مقبلا ومدبرا» - وأومأ بيديه إلى حقويه (٢). أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من عاد المريض خاض الرحمة، فإذا جلس عنده انغمس فيها» (٣). وقال رسول الله ﷺ : «إذا دخلتم على مريض فنفّسوا عليه في أجله، فإنّ ذلك لا يردّ شيئا وهو يطيّب نفس المريض» (٤). نفّسوا: وسّعوا عليه بطول عمره. ودخل كثيّر على عبد العزيز بن مروان يعوده فقال له: لولا أن سرورك ما يتمّ بأن تسلم وأسقم أنا، لدعوت ربي أن يصرف ما بك إليّ؛ ولكن أسأل الله لك أيها الأمير العافية، ولي في كنفك النعمة. فضحك وأمر له بمال فخرج وهو يقول: [الكامل] ونعود سيّدنا وسيّد غيرنا ... ليت التّشكي كان بالعوّاد لو كان يقبل فدية لفديته ... بالمصطفى من طار في وتلادي وكتب آخر إلى عليل: [البسيط] نبّئت أنك معتلّ فقلت لهم ... نفسي الفداء له من كلّ محذور يا ليت علّته بي غير أنّ له ... أجر العليل وأنّي غير مأجور ***

стр. 546

فقلّب طرفه في الجماعة، ثمّ قال: اجتلوها بنت السّاعة، وأنشد: [الكامل] عافاني الله وشكرا له ... من علّة كادت تعفّيني ومنّ بالبرء على أنّه ... لا بدّ من حتف سيبريني ما يتناساني، ولكنّه ... إلى تقضّي الأكل ينسيني إن حمّ لم يغن حميم ولا ... حمى كليب منه يحميني وما أبالي إن دنا يومه ... أم أخّر الحين إلى حين فأيّ فخر في حياة أرى ... فيها البلايا ثمّ تبليني *** قوله: قلّب طرفه، أي حوّل عينيه بنظرهم. اجتلوا: انظروا، ونسب الشعر للساعة لمّا قيل فيها. عافاني: أي سلّمني. تعفّيني: تهلكني. منّ: أنعم. حتف: هلاك. تقضّي الأكل: تمامه وآخره. ينسيني: يؤخّرني، والأصل الهمزة فسهّله للشعر. حمّ: قدّر. حميم: صاحب. [حمى كليب] حمى كليب؛ هو ابن ربيعة أخو مهلهل الشاعر وخال امرئ القيس، وكان أعزّ الناس في العرب. وبلغ من عزه فيهم أنه اتخذ جرو كلب، فإذا نزل بمنزل فيه كلأ قذف ذلك الجرو فيه، فعوى فحيثما بلغ عواؤه لا يرعى أحد عشب ذلك الموضع إلا بإذنه، وإذا جلس لا يمرّ أحد بين يديه إجلالا له، ولا يخشى أحد في مجلسه غيره، ولا توقد نار غير ناره، ولا يجير تغلبيّ ولا يكريّ رجلا، ولا يحمي حمأ ولا يغير إلا بإذنه. وكان يحمي الصيد فيقول: صيد كذا في جواري، فلا يصيب أحد منه شيئا، وكان قد حمي حمى لا يطؤه إنسان ولا بهيمة، فدخل فيه يوما فطارت قنبرة بين يديه من على بيضها، فقال لها: [الرجز] يا لك من قنبرة بمعمر ... خلا لك الجوّ فبيضي واصفري * ونقري ما شئت أن تنقّري* (١)

стр. 547

وكانت امرأته جليلة بنت مرّة بن شيبان، وكان لمرّة- وهو من بني بكر- عشرة من الولد، منهم الحارث وجسّاس ونضله وهمّام، فجاءت جساسا خالة له اسمها البسوس، التي يقال فيها: أشأم من البسوس، فنزلت عليه، ولها ابن وناقة تسمّى سراب، بفصيل لها، فدخل الحمى يوما، فوجد بيض القنبرة قد وطئته سراب فكسرته، فسأل عنها فأخبر أنها لخالة جساس، فقال: أو قد بلغ من قدره أن يجير دون إذني! يا غلام، ارم ضرعها، فخرقه بسهم، وقتل فصيلها، ثم طرد إبل جساس، ونفاها عن المياه، عن شبيث والأحصّ (غديرين) حتى بلغ غدير الذّئاب. فجاء جساس، فقال: نفيت عن المياه مالي، حتى كدت تهلكه! فقال: إنّا للمياه شاغلون، فقال: هذا كفعلك بناقة خالتي وفصيلها، فقال: أو قد ذكرتها! أما إنّي لو وجدتها في غير إبلي مرّة استحللت تلك الإبل لها، فعطف عليه جسّاس فرسه، فطعنه، فلمّا أحسّ الموت، قال: يا جساس، اسقني ماء. فقال: تجاوزت شبيثا والأحصّ، واحتزّ رأسه، وأمال يديه، وجاء. فقالت أخته لأبيها: إنّ جسّاسا جاء خارجة ركبتاه، قال أبوها: والله ما خرجتا إلا لأمر. فلما وصله قال: ما وراءك يا بنيّ؟ قال: طعنت طعنة لتشغلنّ شيوخ وائل رقصا. قال: قتلت كليبا؟ قال: نعم، قال: وددت أنّك وإخوتك متمّ قبل هذا، ما بنا إلا أن تتشاءم بنا وائل، ثم لقي أخاه نضلة فقال: [الوافر] وإني قد جنيت عليك حربا ... تغصّ الشّيخ بالماء القراح فأجابه أخوه نضلة: فإن تك قد جنيت عليّ حربا ... فلا وان ولا رثّ السّلاح وكان أخوه همّام قد آخى مهلهلا أخا كليب، وعاهده ألّا يكتمه شيئا، فجاءته أمة له، وعنده مهلهل، فأسرّت إليه الخبر، فقال له مهلهل: ما قالت لك أمتك؟ فقال: زعمت أنّ أخي جساسا قتل كليبا، فقال: است أخيك أضيق من ذلك. وتحمّل القوم، وغدا مهلهل في ثأر أخيه بالخيل، واجتمعت أشراف تغلب، وأتوا مرّة، فتكلموا معه في القصاص من جسّاس وإخوته، فذهب مرّة إلى الدية، فغضبت تغلب ووقعت في الحرب، فدامت بينهم أربعين عاما. وكان فيما بينهم خمس وقائع: أوّلها يوم عنيزة وآخرها قتل جسّاس، وذلك أنه لما اجتمع نساء تغلب للمأتم قالوا لأخته: رحّلي جليلة عن مأتمك، فإنّ قيامها شماتة بنا، وعار علينا، فقالت لها: اخرجي يا هذه من مأتمنا، فإنك شقيقة قاتلنا، فلما رحلت قالت أخت كليب: رحلة المعتدي، وفراق الشامت! ويل غدا لآل مرّة، من الكرّة بعد الكرّة. فلما بلغ ذلك جليلة قالت: وكيف تشمت الحرّة بهتك سترها، وترقّب وترها! أسعد الله جدّ أختي، أفلا قالت: نقرة الحياء، وخوف الاعتداء! وجاءت وهي حامل، فولدت غلاما وسمّته بالهجرس، وربّاه جسّاس، فكان لا

стр. 548

يعرف أبا غيره، فزوّجه ابنته، فوقع بينه وبين بكريّ كلام، فقال له البكريّ: ما أنت بمنته حتى ألحقك بأبيك. فأمسك عنه، ودخل إلى أمه فسألها فأخبرته، فلما أوى إلى فراشه، وضع أنفه بين ثدي زوجته، وتنفّس تنفيسة تنفّط ما بين ثدييها من حرارتها، فقامت الجارية فزعة، فدخلت إلى أبيها فأعلمته، فقال: ثائر وربّ الكعبة. فلما أصبح أرسل وراء الهجرس، فأتاه فقال له: إنما أنت ولدي ومعي، وقد كانت الحرب في أبيك زمانا طويلا حتى كدنا نتفانى، وقد اصطلحنا الآن، فانطلق معي حتى نأخذ عليك ما أخذ علينا، قال: نعم، ولكن مثلي لا يأتي قومه إلا بسلاحه، فأتيا جمعا من قومهما، فقصّ عليهم جسّاس ما كانوا فيه من البلاء، وما صاروا إليه من العافية، ثم قال: وهذا ابن أختي قد جاء ليدخل فيما دخلتم فيه، فلما قدّموا للعقد أخذ بوسط رمحه، وقال: وفرسي وأذنيه، ورمحي ونصليه، وسيفي وغراريه، لا يترك الرجل قاتل أبيه وهو ناظر إليه. ثم طعن جساسا فقتله، ولحق بقومه وكان آخر قتيل فيهم. وقد قيل في صورة قتل كليب غير ما ذكرنا، وحكايات الجاهلية كثيرة الاضطراب، وقد نسب شعر القنبرة لطرفة. وقال النابغة الجعديّ وذكر قتل كليب وحذّر به عقالا العقيلي: [الطويل] كليب لعمري كان أكثر ناصرا ... وأبصر حزما منك ضرّج بالدّم (١) رمى ضرع ناب فاستمرّ بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهّم فقال لجساس: أغثني بشربة ... تدارك بها منّا عليّ وأنعم فقال: تجاوزت الأحصّ وماءه ... وبطن شبيث وهو ذو مترسّم الترسّم: اتباع الماء في قعر البئر، يقول: أيّ افتخار في حياة تعرض عليّ فيها الامتحانات، ثم بعد هذه المشقات تردّني إلى الكبر والشيخوخة؛ فلم أبال، أدنا الموت أم تأخّر، إذ المآل إلى الهرم القائد إلى الموت. وأشار بهذا إلى قول النمر بن تولب: [الطويل] يودّ الفتى طول السلامة جاهدا ... فكيف ترى طول السلامة يفعل! وإلى قول حميد بن ثور: [الطويل] أرى بصري قد رابني بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما وجاء: كفي بالسلامة داء. وجاء في أجر البلايا قوله ﷺ : «إن الرجل ليصيبه البلاء حتى يمشي في الناس ما له خطيئة».

стр. 549

أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الهوى والبلاء والشهوة معجونة بطينة آدم». *** قال: فدعونا له بامتداد الأجل، وارتداد الوجل، ثمّ تداعينا إلى القيام، لاتقاء الإبرام، فقال: كلّا بل البثوا بياض يومكم عندي، لتشفوا بالمفاكهة وجدي، فإنّ مناجاتكم قوت نفسي، ومغناطيس أنسي. فتحرّينا مرضاته، وتحامينا معاصاته، وأقبلنا على الحديث نمخض زبده، ونلغي زبده، إلى أن حان وقت المقيل، وكلّت الألسن من القال والقيل. وكان يوما حامي الوديقة، يانع الحديقة، فقال: إنّ النّعاس قد أمال الأعناق، وراود الآماق، وهو خصم ألدّ، وخطب لا يردّ؛ وفصلوا حبله بالقيلولة، واقتدوا فيه بالآثار المنقولة. *** قوله ارتداد الوجل، أي إزالة الخوف. واتقاء الإبرام: خشية التثقيل. *** [تخفيف العيادة] قال بعضهم: [الوافر] إذا ما عدت محموما فخفّف ... فتخفيف العيادة خير عاده وقال رسول الله ﷺ : «أخفّوا العيادة، وأقلّوا الجلوس؛ والتعزية يوم». أبو القاسم الوزير بن عيسى، قال: أنشدني أبو بكر أحمد بن موسى بن مجاهد، وقد جئته عائدا، وأطال قوم عنده الجلوس، فقال لي: يا أبا القاسم، عيادة ثم ماذا؟ فصرفت من حضر، ثم هممت بالانصراف معهم، فأمرني بالرجوع، ثم أنشدني عن محمّد بن الجهم: [البسيط] لا تضجرنّ مريضا جئت عائده ... إن العيادة يوم إثر يومين وسله عن حاله، وادع إلاله له ... واقعد بقدر فواق بين حلبين من زار غبّا إذا دامت مودّته ... وكان ذاك صلاحا للخليلين وقال آخر: [البسيط] عيادة المرء يوم بعد يومين ... وجلسة لك مثل اللّحظ بالعين لا تبرمن مريضا في مساءلة ... يكفيك من ذاك تسأل بحرفين

стр. 550

مرض يحيى بن خالد، فكان إسماعيل بن صبيح إذا دخل عليه يعوده وقف عند رأسه، ودعا له، ثم يخرج ويسأل الحاجب عن منامه وطعامه وشرابه. فلما أفاق قال: ما عادني إلا إسماعيل بن صبيح، ودعا له. وممّن زاد على التخفيف فقطع الزيارة عبيد الله بن عبد الله بن ظاهر، مرض أخوه محمد بن عبد الله فلم يعده عبيد الله، فكتب له محمد: [الكامل] إني وجدت على جفا ... ئك من فعالك شاهدا إنّي اعتللت فما وجد ... ت سوى رسولك عائدا ولو اعتللت فلم أجد ... سببا إليك مساعدا لاستشعرت عيني الكرى ... حتى أعودك راقدا فأجابه عبيد الله أخوه: [الخفيف] كحلت مقلتي بشوك القتاد ... لم أذق مذ حممت طعم الرّقاد يا أخي الحافظ المودّة والنّا ... زل من مقلتي مكان السّواد منعتني عليك رقّة قلبي ... من دخولي عليك في العوّاد لو بأذني سمعت منك أنينا ... لتفرّى من الأنين فؤادي ومرض حماد عجرد، فعاده أصحابه إلا مطيع بن إياس، وكان خاصّا به، فكتب إليه يقول: [الوافر] كفاك عيادتي من كان يرجو ... ثواب الله في صلة المريض فإن تحدث لك الأيام سقما ... يحول جريضه دون القريض يكن طول التأوّه منك عندي ... بمنزلة الطّنين من البعوض فما نفسي عليك تذوب حزنا ... وما دمعي عليك بمستفيض ولمحمد بن عبد الله في محبوب له مرض: [المنسرح] ألبسك الله منه عافية ... تغنيك عن دعوتي وعن جلدك سقمك ذا لا لعلة عرضت ... بل سقم عينيك دبّ في جسدك فيا مريض الجفون أحي فتى ... قتلته بالجفون لا بيدك وقال آخر في محبوب له تركت الحمّى على فيه أثرا: [المنسرح] يا أملي كيف أنت من أملك ... وكيف ما تشتكيه من سقمك هذان يومان لي أعدّهما ... مذ لم تلح لي بروق مبتسمك حسدت حماك حين قيل لنا ... بأنها قبّلتك فوق فمك

стр. 551

وقال العباس بن الأحنف: [الكامل] قالت: مرضت فعدتها فتبرّمت ... وهي الصحيحة والمريض العائد (١) والله لو أنّ القلوب كقلبها ... ما رقّ للولد الضعيف الوالد قوله: «البثوا»، أي أقيموا. بياض يومكم، أي طوله، وبياض النهار: ضوأه: مناجاتكم: محادثتكم. مغناطيس، حجر يجلب الحديد تقول له العامة حجر المسّ. تحرّينا، أي قصدنا. تحامينا: تباعدنا. نمخض زبده: نحرّك ونجمع فوائده، وكني بالزبد، وهو جمع زبدة عن خيار الكلام. نلغي زبده: نترك ما لا خير فيه، وزبد الماء: ما يعلوه من الرغوة. المقيل: النوم في وقت القائلة. حامي الوديقة: شديد الحرّ. يانع الحديقة: ناعم الرّوضة، والحديقة كلّ بستان محلّق بحائط أو زرب. راود: طالب. الآماق: العيون، وأصله طرف العين من جهة الأنف. والخطب: من يخطب المرأة. والقيلولة: الرقاد في القائلة. والآثار: الأحاديث. *** [مما قيل في القيلولة] قلنا وقال: يقال: قال يقيل قيلولة ومقيلا: نام نصف النهار. أنس ﵁ قال: قال رسول الله عليه وسلم «ثلاث من ضبطهن ضبط الصوم: من تسحّر، وقال: وشرب بعد ما يأكل». وعنه قال: قال رسول الله ﷺ «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل». ودخل العباس على ابنه وهو مضطجع، فضربه برجله، وقال: قم لا نامت عيناك! تنام في ساعة يقسّم فيها الرزق! وإنّما النوم على إحدى خصال: خرق أو حمق، أو خلق، فنومة الحمق بعد العصر، لا ينامها إلا سكران أو شيطان، ونومة الخرق نومة الصبح، ونومة الخلق نصف النهار». ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «استعينوا بقيلولة النهار على قيام الليل، وبالسّحور على صيام النهار». قال الراوي: فاتّبعنا ما قال، وقلنا وقال: فضرب الله على الآذان، وأفرغ السّنة في الأجفان؛ حتى خرجنا من حكم الوجود، وصرفنا بالهجود عن السّجود، فما استيقظنا إلّا والحرّ قد باخ، واليوم قد شاخ، فتكرّعنا لصلاة العجماوين، وأدّينا ما حلّ من الدّين.

стр. 552

ثم تحثحثنا للارتحال، إلى ملقى الرّحال، فالتفت أبو زيد إلى شبله، وكان على شاكلته وشكله، وقال: إنّي لإخال أبا عمرة، قد أضرم في أحشائهم الجمرة، فاستدع أبا جامع، فإنّه بشرى كلّ جائع، وأردفه بأبي نعيم، الصّابر على كلّ ضيم، ثمّ عزّز بأبي حبيب المحبّب إلى كلّ حبيب، المقلب بين إحراق وتعذيب، وأهب بأبي ثقيف، فحبّذا هو من أليف، وهلمّ بأبي عون، فما مثله من عون، ولو استحضرت أبا جميل، لجمّل أيّ تجميل. *** قوله: «السّنة»، النوم، الهجود: الرقاد. باخ: سكن حرّه. تحثحثنا، أي تحرّكنا. ملقى الرحال: موضعها. شبله: ولده. شاكلته: طريقته. شكله: مثله، وتكون الشاكلة والشكل واحدا وجمع الشكل أشكال وشكول. إخال: أحسب، وكنّى الجوع أبا عمرة، لأنه يعمر كلّ جوف؛ قيل لمدني: أتعرف أبا عمرة؟ قال: كيف لا أعرفه وقد تربع في كبدي. وقال الراجز: [الرجز] حلّ أبو عمرة وسط حجزتي ... وحلّ نسج العنكبوت برمتي (١) أضرم: أوقد، وكنّى الخوان- وهو المائدة- أبا جامع للاجتماع حوله للأكل. وأردفه: جيء به خلفه، وكنى الحوّاري، وهو الدرمك أبا نعيم، لأن خبزه أنعم الأخباز وأصفاها. الضّيم: الذلّ، وجعله صابرا على كل ذلّ، لأنه لا يصل من صورة البر إلى الخبز إلا بعد علاج شديد، وتغير له من حال إلى حال. وفسر معنى أبي حبيب بقوله: المحبب إلى كل لبيب. وقوله: المقلّب بين إحراق وتعذيب، يريد أنّ ما ولي من الجدي النار وقت شبّه احترق، وما لم يلها أدركه حرّها فأنضجه وأسال ودكه، فذلك تعذيبه. أهب: ادع به وصح به. وكنّى الخل أبا ثقيف لأنه يثقف الطعام، أي يحذقه فيطيب للأكل. أليف: صاحب، وإنما قال: حبذا هو من صاحب، لقوله ﷺ : «نعم الإدام الخل» (٢).

стр. 553

وكنّى الملح أبا عون، لأنه يستعان به على أكل الطعام، وطعام بلا ملح لا يؤكل، وقد أشار إلى هذا بقوله: فما مثله من عون. وكنى البقل أبا جميل لأنه يحسّن بحضرته الإدام ويزيّنه، أو لأنه يذهب الجميل، وهو ودك اللحم فيخفّ للأكل وقوله: لجمّل أي تجميل، أليق بالتفسير الأول، ولا يمتنع من الثاني؛ وحدث واثلة أن رسول الله ﷺ قال: «أحضروا موائدكم البقل فإنه مطردة للشيطان مع تسمية الله تعالى». أبو الفضل بن مالك: يعجبني البقل على المائدة فإذا رأيت السّكباج نسيت البقل. السكباج: لحم بخلّ، والسّكّ بالفارسية، الخلّ، والباج اللحم، وسمي السكباج بأمّ القرى لأنه من أجلّ أطعمتهم. *** وحيّ هل بأمّ القرى، المذكّرة بكسرى، ولا تتناس أم جابر، فكم لها من ذاكر، وناد أمّ الفرج، ثم افتك بها ولا حرج، واختم بأبي رزين، فهو مسلاة كلّ حزين، وإن تقرن به أبا العلاء، تمح اسمك من البخلاء. وإيّاك واستدناء المرجفين، قبل استقلال حمول البين، وإذا نزع القوم عن المراس، وصافحوا أبا إياس، فأطف عليهم أبا السّرو، فإنّه عنوان السّرو. *** وأمّ الشيء: معظمه وجليله، ومنه أمّ القرآن الحمد لله، وأمّ القرى لمكة المشرّفة، وأمّ الشيء أجلّه، والقرى: طعام الضيف، فكأنه قال: عجّل بطعام فاضل يقدّم للضيف. وكسرى ملك الفرس، وجعلها تذكّرته، لأنه أوّل من صنعت له، فاستعملها، وأمر بإجادة الصنعة في طبخها، وقيل: إن غيره طبخها واستعملها في زمن كسرى فنسبت إليه. وكنى الجوزابة بأم الفرخ، وهي خبزة توضع في التنّور ويعلّق عليها طير أو لحم، فيسيل ودكه فيها ما دامت تطبخ، فتفرج عنك همّ الإدام فلا تحتاج إليه فهي خبز بإدامه. افتكّ بها ولا حرج، أي كلها ولا إثم عليك، وإن كان اللفظ يعطيك معنى آخر، فالمراد به هذا. وكنى الخبيص أبا رزين لفضله في الطعام وشرفه ورجحان ثمنه، وجعله آخر ما يؤكل، والرزين من الرّجال: الكثير الوقار، وقرن به الفالوذج، لأنه نوع منه؛ قال بعض الطفيلية: الحلواء مثل الملك، يدخل بيتا فيه قوم جلوس ليس فيه متسع لأحد، فإذا نظروا إلى الملك تضايقوا وأوسعوا له. وكان عبد الله بن جدعان سيّدا شريفا في قريش، فوفد على كسرى وأكل عنده

стр. 554

الفالوذج، فسأله عنه فقيل له: هو الفالوذج، قال: وما هو؟ قيل لباب البرّ مع عسل النّحل، فقال: ابغوا لي غلاما يصنعه فأتوه به فابتاعه، وقدم مكة فصنع بها الفالوذج، فوضع الموائد بالأبطح إلى باب المسجد، ثم نادى: ألا من أراد الفالوذج، فليحضر! فكان فيمن حضر أمية بن أبي الصلت، وكان يمتدحه كثيرا فقال فيه: [الوافر] لكلّ قبيلة رأس وهاد ... وأنت الرأس تقدم كلّ هادي (١) له داع بمكة مشمعلّ ... وآخر فوق دارته ينادي إلى ردح من الشّيزى ملاء ... لباب البرّ يلبك بالشهاد ولباب البرّ: خالص القمح، ويسمى النّشا. يلبك: يخلط، والشهاد: العسل، والفالوذج: الذي رأيت يسجلماسة هو العسل والسمن يوضعان على النار، ثم يعقدان بالنشا، ثم يلوّن الكلّ بالزعفران فيجيء متعقّق الحمرة، فيقطع قطعا على قدر أكبر التمر، وفي شكله، ويؤتى به في الأعراس بعد الشواء، ويؤتى بالخبيص آخرا، وخبيصهم في غاية البياض ليس كخبيص الأندلس، ويقرّص قرصا على قدر صغار الجبن، فمن رآها على بعد لم يشكّ أنها جبن. ويعدّ رجال المائدة، ويؤتى بطبق كبير فيوضع بين أيديهم، وأمام كل رجل قرصته، فلا يكاد يكملها بالأكل لإفراط حلاوتها. وأكثر أطعمة أهل القبلة مستملاة من أطعمة أهل المشرق؛ وكذا أكثر أحوالهم من مبانيهم وأشكال ديارهم وسطوحها، واستعمال الإبل في السواقي والطواحين، ودقّ النوى لعلفها نعم، وعلى أنّ البربرية غالبة على ألسنة أهل القبلة فهم يستعملون كثيرا من ألفاظ أهل العراق، يقولون لفرق الناس الشّماسك، وكذا تسمية أهل سجلماسة، ويسمون البرّادة التي لشرب الماء بوقالا، وكذا تسمية أهل سجلماسة، وجمع البوقال بواقيل، قال الحسن بن هانئ: [البسيط] أضمرت للنيل هجرانا ومقلية ... إذ قيل لي إنما التّمساح في النّيل فمن رأى النيل رأى العين من كثب ... فلا أرى النيل إلا في البواقيل وكان رأى التمساح أخذ رجلا، فهجا النيل. والبرّادة عندهم آنية من صفر، فيها مخاطيف يعلّق فيها البواقيل، وترفع للهواء فيبرد فيها الماء.

стр. 555

قوله: المرجفين، الطست والإبريق، لأنّ لهما عند أخذهما صوتا، بنقر أحدهما في الآخر، فكأنّ ذلك الصوت يرجف، أي يخبر بتمام الطعام والحث على القيام. أبو بكر الصفار: حضر مجنون بالكوفة طعام قوم، فجلس يأكل، فجعل الغلام يحرّك الطشت والإبريق، فقال: من هذا الذي يرجف بنا قبل انقضاء عملنا؟ بينما طفيلي يأكل، سمع صوت دقّ الأسنان، فامتنع من الأكل فقيل له: ألا تأكل؟ قال: حتى يسكن هذا الإرجاف الذي أسمع. وقيل لطفيليّ: ممّ اصفرّ وجهك؟ قال: من فترة بين قصعتين، مخافة أن تكون قد فنيت. استقلال: ارتفاع. حمول البين، أي إبل الفراق، ويريد بها الموائد لأنها إذا ارتفعت يفرق أهل المجلس، فيقول: إياك أن تقربهما قبل أن ترتفع الموائد، فيتهيأ الناس للغسل والانصراف، فإن غسلت الأيدي والموائد باقية توهم أن ثمّ طعاما يستأنف أكله. نزع: زال وتنحّى. المراس: غسل الأيدي وذلك بعضها ببعض. صافحوا: باشروا، والغسول قد تقدّم في السابعة. أطف: اجعله يطوف وقد بيّن لما كناه أبا السرو، أنه من فعل السرىّ من الرجال، وعنوان السرو: دليل المروءة. *** قال: ففقه ابنه لطائف رموزه، بلطافة تمييزه، فطاف علينا بالطيبات والطيب، إلى أن آذنت الشمس بالمغيب. فلمّا أجمعنا على التّوديع، قلنا له: ألم تر إلى هذا اليوم البديع، كيف بدا صبحه قمطريرا، ومسيه مستنيرا! فسجد ثم رفع رأسه، وقال [مجزوء الكامل] لا تيأسن عند النّوب ... من فرجة تجلو الكرب فكلم سموم هبّ ث ... مّ جرى نسيما وانقلب وسحاب مكروه تنشّى ... فاضمحلّ وما سكب ودخان خطب خيف من ... هـ فما استبان له لهب ولطالما طلع الأسى ... وعلى تفيئته غرب فاصبر إذا ما ناب رو ... ع فالزّمان أبو العجب وترجّ من روح الإل ... هـ لطائفا لا تحتسب قال: فاستملينا منه أبياته الغرّ، ووالينا لله تعالى الشكر، وودّعناه مسرورين ببرئه، مغمورين ببرّه: ***

стр. 556

قوله: «فقه»، أي فهم لطائف: دقائق. رموزه: إشاراته الخفية، والرّمز: الإشارة بالشفتين أو العينين. آذنت: أعلمت. أجمعنا: عزمنا. البديع: العجيب. قمطريرا: مظلما، ورجل قمطرير: شديد العبوس، واقمطرّ القوم: اشتدوا. الصّبح والمسى: اسمان لوقت زوال الظلام والضياء مستنيرا: كثير الضوء. والنّوب: النوازل. فرجة: راحة. تجلو الكرب: تزيل الهموم، وأنشدوا في هذا المعنى: [الخفيف] لا تضيقن في الأمور فقد تك ... شف غمّاؤها بغير احتيال (١) ربّما تكره النّفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال كذا أنشدوه فرجة بالفتح، والفرجة بالضم في الحائط وشبهه، وبالفتح في الأمر، وانظر هذا البيت في الأربعين في أخبار [أبي] عمرو بن العلاء. سموم: ريح حارة. نسيما: ريحا ليّته. تنشى: ابتدأ وظهر. اضمحل: زال. سكب: أمطر خطب: أمر شديد. لهب النار: اشتعالها بغير دخان، وفي هذا المعنى قال أبو نواس: [الكامل] خفّض عليك ولا تكن قلق الحشا ... ممّا يكون وعلّه وعساه فالدّهر أقصر مدّة مما ترى ... وعساك أن تكفى الّذي تخشاه وقال أيضا: [الرمل] حسّن الظنّ بمن قد عوّدك ... كلّ إحسان وقوّي أودك إن ربا كان يكفيك الذي ... كان بالأمس، سيكفيك غدك الأسى: الحزن. تفيئته، أي حينه، وقال الزّبيدي في الأبنية: جاء على تفيئة ذلك، وتفئته حينه ووقته. والرّوح. الرزق: والرّوح: السرور والفرح، والروح: برد نسيم الراحة. اللطائف: جمع لطيفة، وهي رفق الله تعالى بعباده وإحسانه إليهم، واللطيف: الرفيق والمحسن، وأراد في البيت: ارج في شدائدك الله، فله الطاف كثيرة لا تحصى بالعدّة، فبعد العسر يسر. ***

стр. 557

[في الفرج بعد الشدّة] وأنشد أبو حاتم في معنى أبيات المقامة: [الوافر] إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق لما به الصّدر الرّحيب ووطّنت المكاره واطمأنّت ... وأرست في مكامنها الخطوب ولم تر لانكشاف الضّرّ وجها ... ولا أغنى بحيلته الأريب أتاك على قنوط منه غوث ... يمنّ به اللّطيف المستجيب وكلّ الحادثات إذا تناهت ... فمقرون بها الفرج القريب قال أبو بكر بن الأنباري: أنشدني إسماعيل القاضي: [مجزوء الكامل] لا تعتبنّ على النّوائب ... فالدّهر يرغم كلّ عاتب واصبر على حدثانه ... إن الأمور لها عواقب ولكلّ صافية قذى ... ولكلّ خالصة شوائب كم فرجة مطوية ... لك بين أثناء النّوائب ومسرّة قد أقبلت ... من حيث تنتظر المصائب قال القاضي ﵀: ما عرض لي همّ فادح، فذكرت تلك الأبيات، إلا رجوت من الله الفرج، ثم تؤول عاقبة ما أحذره إلى فاتحة ما أوثر. قال عليّ الكاتب: أصبحت يوما مغموما غمّا لا أعرف سببه، فجاءني رحل بظهر حوار وإذا فيه: [مجزوء الكامل] روّح فؤادك بالضّحى ... ترجع إلى روح وطيب لا تيأسن وإن أل ... حّ الدهر من فرج قريب قال: فزال عني الهمّ، ووجدت طعم الفرج. وحكى الأصمعيّ رحمه الله تعالى قال: بتّ ليلة بالبادية وحيدا مغموما، فلما انتهى الليل سمعت قائلا يقول ولم أر شخصه: [الكامل] فرج القضاء بكفّ من ... بقضائه نزل البلاء واصبر فكلّ شديدة ... لا بدّ يتبعها رخاء وقال آخر: [الرمل] سوف تبلى كلّ جدّة ... وستقضى كلّ مدّة

стр. 558

إنما الدهر عناء ... وعوار مستردّه شدّة بعد رخاء ... ورخاء بعد شدة وقال آخر: [الرمل] خف إذا أصبحت ترجو ... وارج إن أصبحت خائف ربّ مكروه مخوّف ... فيه لله لطائف *** قوله: استملينا: كتبنا. الغرّ: الحسان. والينا. تابعنا. مغمورين: مغطين. برئه. إفاقته. برّه: إحسانه وإكرامه. وحيّهل: قال ابن الأنباري: فيها ست لغات. قال عبد الله بن مسعود. إذا ذكر الصالحون فحيّهلا بعمر، ومعناه أقبلوا على ذكر عمر، فتنوّن هلّا وتنصبه على المصدر، كأنه قال: مرحبا به. الثاني: تفتح حيّ وهل وتبنيها كخمسة عشر. الثالث: تسكن هاء «هلا» هذه الشبهة لكثرة الحركات. الرابع: حيّهل بتسكينهما جميعا كبخ بخ. الخامس، حيّهل إلى عمر: أي هلموا إلى ذكره. السادس: حيهلي على عمر: أي أقبلوا على ذكره. تفسير ألفاظ ما تضمنته هذه المقامة من كلمات لغوية وكنى طفيلية وكنايات صوفية قوله: ذات العويم، يعني به الزمان المتقادم، ومثله ذات الزمن. والسمهرية: الرماح، وفي تسميتها بذلك قولان: أحدهما أنها سميت بذلك لصلابتها، من قولهم: اسمهرّ الشيء، إذا اشتدّ وقيل إنّها منسوبة إلى سمهر زوج ردينة، وكانا جميعا يقوّمان الرماح بسوق هجر فنسبت إليهما. وقوله: نقضا على نقض: أي مهزولا على مهزول. و«الجران» باطن العنق، وقيل منه يعمل السباط. وقوله: فضرب الله على الآذان، أي أنامنا، ومنه قوله فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ [الكهف: ١١]، أي أثمناهم. وقيل في تفسيره منعناهم السمع. وقوله: تكرّعنا لصلاة العجماوين، أي غسلنا أكارعنا، وهو كناية عن الضوء،

стр. 559

والعجماوان: صلاتا الظهر والعصر، سمّيتا بذلك لإسرار القراءة فيهما، ومنه الحديث: «صلاة النهار عجماء» (١). وقوله: هلمّ، أي قل هلمّ، وهي تأتي بمعنى هات وبمعنى أقبل، والأفصح أن يوحد لفظهما مع المذكر والمؤنث والاثنين والجمع، وبه نطق القرآن في قوله تعالى: وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا [الأحزاب: ١٨]، ومن العرب من يقول للمذكر الواحد هلمّ، وللاثنين هلمّا، وللجمع: هلمّوا، وللمؤنث الواحدة هلمّي وللاثنتين هلمّا، وللجمع هلممن. وقوله: حيّهل: أي عجّل وأسرع، يقال: حيّ هل بفلان بتسكين اللام وفتحها، وتنوينها وبإثبات النون معها، ومعه قول ابن مسعود في عمر ﵁: إذا ذكر الصالحون فحيّ هلا بعمر، وفي حيّهل لغات أخر أضربنا عن ذكرها، إذا ليس هذا موضع استيفاء شرحها. فهذا تفسير الألفاظ اللغوية. وأمّا تفسير الكنى الطفيلية والكنايات الصوفية: فأبو يحيى، كنية الموت. وأبو عمرة: كنية الجوع، ويكنى أيضا أبا مالك. وأبو جامع: الخوان. وأبو نعيم: الخبز الحوّاري. وأبو حبيب: الجدي. وأبو ثقيف: الخل. وأبو عون: الملح. وأبو جميل: البقل. وأمّ القرى: السّكباج. وأم جابر: الهريسة. وأم الفرج: الجوذاب. وأبو رزين: الخبيص. وأبو القلاء: الفالوذق «كذا في الأصل». وأبو إياس: الغسول. والمرجفان: الطست والإبريق. وأبو السرو: البخور.

стр. 560

المقامة العشرون وهي الفارقيّة حكى الحارث بن همّام قال: يمّمت ميافارقين ، مع رفقة موافقين، لا يمارون في المناجاة، ولا يدرون ما طعم المداجاة، فكنت بهم كمن لم يرم عن وجاره، ولا ظعن عن أليفه وجاره. فلمّا أنخنا بها مطايا التّسيار، وانتقلنا عن الأكوار إلى الأوكار، تواصينا بتذكار الصّحبة، وتناهينا عن التّقاطع في الغربة، واتّخذنا ناديا نعتمره طرفي النّهار، ونتهادى فيه طرف الأخبار، فبينا نحن به في بعض الأيام، وقد انتظمنا في سلك الالتئام، وقف علينا ذو مقول جريّ، وجرس جهوريّ، فحيّا تحيّة نفّاث في العقد، قنّاص للأسد والنّقد، ثم قال: *** يمّمت: أي قصدت. [ميافارقين] ميّافارقين، بلدة منها إلى نصيبين ثلاثون فرسخا، وميافارقين بديار بكر، وهي من كور الجزيرة، وكان تملّكها سيف الدولة، وذكرها المتنبي، فقال: نجانف عن ذات اليمين كأنّها ... ترقّ لميّافارقين ونرحم الفنجديهي: سمعت بعض الأدباء يقول: سمّيت ميافارقين، لأنّ ذا الرمّة أو غيره من العشاق، لو وصل إليها بالاتّفاق، وشاهد وجوه أهلها الملاح، والعيون السقيمة الصحاح، وعاين رشاقة القدود، ولباقة الخدود، وسواد الطّرر، وبياض الغرر، وسمرة الشّفاه اللعس، وحمرة الوجنات والجباه الملس، لقال لصاحبته: ميّافارقيني، ولا ترافقيني، فلا يجوز التيمم مع وجود الماء، ولا حاجة إلى الدواء بعد البرء والشفاء. *** قوله: «يمارون» أي يجادلون ولا يخالفون. المناجاة: المحادثة المداجاة: المساترة بالعداوة. لم يرم: لم يزل. يقال ما رامني ولا يريمني، أي لم يبرح عني ولا زال، ولا يقال إلّا منفيّا وجاره: بلده، وأصله الجحر: ظعن: رحل. أليفه: صاحبه. الأكوار:

стр. 561

الرحال. الأوكار: البيوت، يريد أنهم أتمّوا سفرهم وبلغوا الوطن، فتركوا النقلة وأقاموا في البيوت. تناهينا: نهى بعضنا بعضا. ناديا: مجلسا. نعتمره طرفي النهار، أي نجلس فيه بالغدوّ والعشيّ طرف: غرائب. السّلك: خيط النظام. وانتظمنا: اجتمعنا فيه. الالتئام: الاتفاق، يقال: لسان جريء مقدم على الكلام. جرس: صوت. جهوريّ: عال. نفّاث: ساحر، والعقد: ما يعقدها السّحرة وينفثون عليها بالبصاق قنّاص: صائد. النّقد: غنم صغار. [السريع] *** عندي يا قوم حديث عجيب ... فيه اعتبار للّبيب الأريب رأيت في ريعان عمري أخا ... بأس له حدّ الحسام القضيب يقدم في المعرك إقدام من ... يوقن بالفتك ولا يستريب فيفرج الضّيق بكرّاته ... حتّى يرى ما كان ضنكا رحيب ما بارز الأقران إلا انثنى ... عن موقف الطّعن برمح خضيب ولا سما يفتح مستصعبا ... مستغلق الباب منيعا مهيب إلا ونودي حين يسمو له ... نصر من الله وفتح قريب هذا وكم من ليلة باتها ... يميس في برد الشّباب القشيب يرتشف الغيد ويرشفنه ... وهو لدى الكلّ المفدّى الحبيب فلم يزل يبتزّه دهره ... ما فيه من بطش وعود صليب حتّى أصارته اللّيالي لقى ... يعافه من كان منه قريب قد أعجز الرّاقي تحليل ما ... به من الدّاء وأعيا الطّبيب وصارم البيض وصار منه ... من بعد ما كان المجاب المجيب وآض كالمنكوس في خلقه ... ومن يعش يلق دواهي المشيب وها هو اليوم مسجّى فمن ... يرغب في تكفين ميت غريب *** واللبيب والأريب: كلاهما بمعنى العاقل. ريعان: أول. أخا بأس: صاحب شدة الحسام القضيب: السيف القاطع. المعرك: موضع القتال، وأراد به فروج الأبكار. الفتك: سفك الدم، وهو أيضا ركوب الرجل ما همّ به. كرّات: دفعات ورجعات. ضنكا: ضيقا. رحيب: واسع. بارز: قاتل الأفران: الأمثال في الشدّة وغيرها. انثنى: رجع. خضيب: مخضوب، يريد أيضا افتضاض الأبكار. سما: ارتفع وقام. منيع، أي صعب ممنوع مهيب: مخوف. يميس: يتبختر. يرتشف: يقبّل ويمصّ ريقهنّ. والترشّف: المصّ الكثير. والغيد: جمع غيداء، وهي اللينة المفاصل من النّعمة، وقيل:

стр. 562

المائلة العنق في نعمة. يبتزّه: يجرّده. والبطش: القوة والتناول الشديد. صليب: قويّ شديد. لقى: طريحا. يعافه: يستثقله ويكرهه. تحليل: إذهاب وإزالة، وتحلل الداء: ذهب شيئا فشيئا. أعيا: غلب. صارم: قاطع. البيض: النساء الحسان. المجاب: الذي تجيبه النساء لحاجته منهنّ. والمجيب: الذي يجيبهن لحاجتهنّ منه. آض: رجع: المنكوس: المردود إلى حالته الأولى من الضعف، وأشار إلى قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً [الروم: ٥٤]، فردّه إلى الحالة الأولى، وهذا هو النّكس في الخلق، والنّكس في المرض أن يمرض، ثم يبرأ ثم يمرض والنّكس في السهام: أن ينكسر السهم، فيجعل في الجعبة محوّلا الكسر إلى فوق، فإذا أدخل الرامي يده في الجعبة ليأخذ سهما فوجده محوّلا تركه وأخذ غيره. دواهي المشيب: حوائج الشيخ من الضعف والعلل وغير ذلك. ونذكر هنا من الأدب ما يليق بالموضع. *** [الضعف والكبر] دخل المستوغر بن ربيعة على معاوية وهو ابن ثلاثمائة سنة، فقال: كيف تجدك يا مستوغر؟ فقال: أجدني قد لان منّي ما كنت أحبّ أن يشتدّ، واشتدّ مني ما كنت أحبّ أن يلين، وابيضّ مني ما كنت أحبّ أن يسوّد، واسودّ مني ما كنت أحبّ أن يبيض، ثم أنشأ يقول: [الرجز] سلني أنبئك بآيات الكبر ... نوم العشاء وسعال بالسّحر وقلة الطعم إذا الزاد حضر ... وتركك الحسناء من قبل الظّهر * والناس يبلون كما تبلى الشّجر* ثم قال: ألا أخبركم بجيّد العنب؟ هو ما زوي عموده، واخضر عوده، وتفرّق عنقوده. ألا أخبرك بجيّد الرّطب؟ هو ما كبر لحاه، وصغر نواه، ورقّ سحاه. وفي الزبور: من بلع السبعين اشتكى من غير علة. وقال ابن أبي معن: [البسيط] من عاش أخلقت الأيام جدّته ... وخانه ثقتاه السّمع والبصر *** قوله مسجّى: أي مغطى. ووصف في أوّل الشعر ذكره بالشدة وفي آخره باللين، وأذكر من الصفتين ما يكون من شرط ما ذكر.

стр. 563

حكى أبو زياد الكلابي، قال: كان عندنا أبو الغريب شيخا فتزوّج ولم يولم، فاجتمعنا على باب خبائه فصحنا: أولم ولو بيربوع، أو بقرد مجذوع، قتلتنا من الجوع: فأولم، فلما عرّس غدونا عليه فقلنا: [الرجز] يا ليت شعري عن أبي الغريب ... إذ بات في مجاسد وطيب معانقا للرشإ الرّبيب ... أأخمد المحفار في القليب * أم كان رخوا يابس القضيب* فصاح: يابس القضيب والله! ثم أنشأ يقول: [البسيط] سقيا لعهد خليل كان يأدم لي ... زادي ويذهب عن زوجاتي الغضب كان الخليل فأضحى قد تخوّنه ... مرّ الزمان وتطعاني به الثّقب يا صاح أبلغ ذوي الزوجات كلّهم ... أن ليس وصل إذا انحلّت عرا الذّنب والقوافي وقعت في لفظ يعقوب موقوفة. وعرا الذنب: عروق الذكر. وكان أبو البيداء الأعرابيّ عنّينا، وكان يتجلّد ويقول لقومه: زوّجوني امرأتين، فيقولون: أما واحدة كفاية! فيقول: أمّا لي فلا، فزوّجوه أعرابيّة، وقالوا له: إن كفتك وإلا زوّجناك الأخرى، فدخل بها، وأقام عليها أسبوعا فزاره إخوانه في اليوم السابع، فقالوا له: يا أبا البيداء، ما كان من أمرك في الأوّل؟ فقال: عظيم جدا، فقالوا: ففي اليوم الثاني، فقال أعظم وأجلّ، قالوا: ففي اليوم الثالث، قال؛ لا تسألوا، فقالت امرأته من وراء السّتر: [الكامل] كان أبو البيداء ينزو في الوهق ... حتى إذا ما حلّ في بيت أفق فيه غزال حسن الدّل خرق ... مارسه حتى إذا ارفضّ العرق * تكسر المفتاح وانسدّ الغلق* الوهق: حبل يفتح فيه عين واسعة تؤخذ بها الدابة، والأفق الجيد. وينزو: يمتدّ ويقصر. وتزوّج الفرزدق بامرأة من مجاشع، فعجز عنها فقال: [البسيط] يا لهف نفسي على نعظ فجعت به ... حين التقى الرّكب المحلوق والرّكب (١) ما أبعد ما بين حالته هذه وبينها وقد لقيته جارية، فنظرها نظرا شديدا، فقالت له: ما لك تنظر، فو الله لو كان لي ألف حر ما طمعت في واحد، قال: ولم يا لخناء؟ قالت: لقبح منظرك وسوء مخيرك فيما أرى، فقال لها: أما والله لو خبرتني لغفر مخبري على

стр. 564

منظري، ثم كشف لها وأراها مثل ذراع البكر، فكشفت له عن مثل سنام البعير، فتسنّمها، وقال: [السريع] أدخلت فيها كذراع البكر ... مدملج الرأس شديد الأسر زاد على شبر ونصف شبر ... كأنما أولجته في جمر وسمع بشار كلام امرأة، فأحبّها وأرسل لها أن تواصله، وألحّ عليها، فقالت لرسوله؛ أي معنى له فيّ أولي فيه، وهو أعمى لا يراني، فيعرف جمالي، وهو قبيح الوجه لا حظّ لي فيه! فليت شعري لأيّ شيء يطلب وصال مثلي! فأدّى إليه الرسول كلامها، فقال عد إليها فقل لها: [الكامل] أيري له فضل على آيارهم ... وإذا أشطّ سجدن غير أوابي (١) تلقاه بعد ثلاث عشرة قائما ... نظر المؤذن شكّ يوم سحاب وكأنّ هامة رأسه بطّيخة ... حملت إلى ملك بدجلة جابي وعشق امرأة وتردّد رسوله إليها حتى أبرمها، فشكته إلى زوجها، فقال: أجيبيه وعديه إلى هنا، ففعلت ووجّهت له، فجاء ولم يعرف بزوجها، فقال لها: ما اسمك بأبي أنت وأمي! فقالت: أمامة، فقال: [الكامل] أمامة قد وصفت لنا بحسن ... وإنا لا نراك فألمسينا فوضعت يده على أير زوجها، وقد أنعظ لحسن حديثها معه، ففزع ووثب قائما وقال: [الوافر] عليّ أليّة ما عشت حيّا ... أمسك طائعا إلّا بعود ولا أهدي لأرض أنت فيها ... سلام الله إلا من بعيد طلبت غنيمة فوضعت كفّي ... على أير أشدّ من الحديد فخير منك من لا خير فيه ... وخير من زيارتكم قعودي فقبض زوجها عليه، وقال: هممت أن أفضحك، فقال: كفاني فديتك ما فعلت بي، والله لا أعود لمثلها أبدا. سمع الحكم بن عبدل امرأة تتمثل بقوله: [الطويل] وأعسر أحيانا فتشتدّ عسرتي ... فأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي فقال لها: يا أخيّة، أتعرفين قائل هذا الكلام؟ قالت: هو ابن عبدل، قال: أفتعرفينه عينا؟ فقالت: لا، والله، فقال: أنا هو، والذي أقول: [الطويل]

стр. 565

وأنعظ أحيانا فينقد جلده ... وأعذله جهدي فلا ينفع العذل وأزداد نعظا حين أسمع جارتي ... فأوثقه كل ما يثوب له عقل ورّبتما لم أدر ما حيلتي بهن ... إذا هو آذاني وغرّبه الجهل فآويته في بطن جاري وجارتي ... مكابرة قدما وإن رغم الفحل فقالت المرأة: بئس الجار والله للمغيّبة أنت، قال: إي والله وللتي معها زوجها وابنها وأخوها، أين قول هذا على إسلامه من قول عنترة على جاهليته: [الكامل] وأغضّ طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى يوارى جارتي مأواها (١) إني امرؤ سمح الخليقة ماجد ... لا أتبع النفس اللجوج هواها وقال أبو الرقعمق: [الرمل] كل يوم أنا من أيري ... في أمر عجاب ليس يخليني من همّ ... وحزن واكتئاب عينه في كلّ من دبّ ... على وجه التّراب لم يدع لي ذهبا إلّا ... رماه بالذّهاب وابتدى المشؤم أن يع ... مل في بيع الثّياب لعنة الله علي ... هـ وبراغيث الكلاب وللمفجع البصري في ضد ما تقدم، والمفجّع صاحب ابن دريد، والقائم مقامه بالبصرة في الإملاء: [الخفيف] لي أير أراحني الله منه ... صار همي به عريضا طويلا نام إذ زارني الحبيب عنادا ... ولعهدي به ينيك الرّسولا حسبت زورة عليّ لحيين ... وانصرفنا وما شفينا غليلا ولراشد بن إسحاق: [الخفيف] طالمنا قمنت كالمنارة نهتز ... اهتزازا تسمو إليه العيون ربّ يوم رفعت فيه ثيابي ... فكأنّي في مشيتي مختون فحنت قوسك الخطوب وأفنت ... ك فتون تفنى عليها الفنون لم يدع منك حادث الدهر إلا ... جلدة كالرّشاء فيها غضون تتثنّى كأنّها صولجان ... أو كما حرّفت من الخطّ نون
следующие страницы →