الرحال. الأوكار: البيوت، يريد أنهم أتمّوا سفرهم وبلغوا الوطن، فتركوا النقلة وأقاموا في البيوت. تناهينا: نهى بعضنا بعضا. ناديا: مجلسا. نعتمره طرفي النهار، أي نجلس فيه بالغدوّ والعشيّ طرف: غرائب. السّلك: خيط النظام. وانتظمنا: اجتمعنا فيه.
الالتئام: الاتفاق، يقال: لسان جريء مقدم على الكلام. جرس: صوت. جهوريّ:
عال. نفّاث: ساحر، والعقد: ما يعقدها السّحرة وينفثون عليها بالبصاق قنّاص: صائد.
النّقد: غنم صغار. [السريع]
***
عندي يا قوم حديث عجيب ... فيه اعتبار للّبيب الأريب
رأيت في ريعان عمري أخا ... بأس له حدّ الحسام القضيب
يقدم في المعرك إقدام من ... يوقن بالفتك ولا يستريب
فيفرج الضّيق بكرّاته ... حتّى يرى ما كان ضنكا رحيب
ما بارز الأقران إلا انثنى ... عن موقف الطّعن برمح خضيب
ولا سما يفتح مستصعبا ... مستغلق الباب منيعا مهيب
إلا ونودي حين يسمو له ... نصر من الله وفتح قريب
هذا وكم من ليلة باتها ... يميس في برد الشّباب القشيب
يرتشف الغيد ويرشفنه ... وهو لدى الكلّ المفدّى الحبيب
فلم يزل يبتزّه دهره ... ما فيه من بطش وعود صليب
حتّى أصارته اللّيالي لقى ... يعافه من كان منه قريب
قد أعجز الرّاقي تحليل ما ... به من الدّاء وأعيا الطّبيب
وصارم البيض وصار منه ... من بعد ما كان المجاب المجيب
وآض كالمنكوس في خلقه ... ومن يعش يلق دواهي المشيب
وها هو اليوم مسجّى فمن ... يرغب في تكفين ميت غريب
***
واللبيب والأريب: كلاهما بمعنى العاقل. ريعان: أول. أخا بأس: صاحب شدة الحسام القضيب: السيف القاطع. المعرك: موضع القتال، وأراد به فروج الأبكار.
الفتك: سفك الدم، وهو أيضا ركوب الرجل ما همّ به. كرّات: دفعات ورجعات.
ضنكا: ضيقا. رحيب: واسع. بارز: قاتل الأفران: الأمثال في الشدّة وغيرها. انثنى:
رجع. خضيب: مخضوب، يريد أيضا افتضاض الأبكار. سما: ارتفع وقام. منيع، أي صعب ممنوع مهيب: مخوف. يميس: يتبختر. يرتشف: يقبّل ويمصّ ريقهنّ.
والترشّف: المصّ الكثير. والغيد: جمع غيداء، وهي اللينة المفاصل من النّعمة، وقيل:
стр. 562
المائلة العنق في نعمة. يبتزّه: يجرّده. والبطش: القوة والتناول الشديد. صليب: قويّ شديد. لقى: طريحا. يعافه: يستثقله ويكرهه. تحليل: إذهاب وإزالة، وتحلل الداء:
ذهب شيئا فشيئا. أعيا: غلب. صارم: قاطع. البيض: النساء الحسان. المجاب: الذي تجيبه النساء لحاجته منهنّ. والمجيب: الذي يجيبهن لحاجتهنّ منه. آض: رجع:
المنكوس: المردود إلى حالته الأولى من الضعف، وأشار إلى قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً [الروم: ٥٤]، فردّه إلى الحالة الأولى، وهذا هو النّكس في الخلق، والنّكس في المرض أن يمرض، ثم يبرأ ثم يمرض والنّكس في السهام: أن ينكسر السهم، فيجعل في الجعبة محوّلا الكسر إلى فوق، فإذا أدخل الرامي يده في الجعبة ليأخذ سهما فوجده محوّلا تركه وأخذ غيره. دواهي المشيب: حوائج الشيخ من الضعف والعلل وغير ذلك.
ونذكر هنا من الأدب ما يليق بالموضع.
***
[الضعف والكبر]
دخل المستوغر بن ربيعة على معاوية وهو ابن ثلاثمائة سنة، فقال: كيف تجدك يا مستوغر؟ فقال: أجدني قد لان منّي ما كنت أحبّ أن يشتدّ، واشتدّ مني ما كنت أحبّ أن يلين، وابيضّ مني ما كنت أحبّ أن يسوّد، واسودّ مني ما كنت أحبّ أن يبيض، ثم أنشأ يقول: [الرجز]
سلني أنبئك بآيات الكبر ... نوم العشاء وسعال بالسّحر
وقلة الطعم إذا الزاد حضر ... وتركك الحسناء من قبل الظّهر
* والناس يبلون كما تبلى الشّجر*
ثم قال: ألا أخبركم بجيّد العنب؟ هو ما زوي عموده، واخضر عوده، وتفرّق عنقوده. ألا أخبرك بجيّد الرّطب؟ هو ما كبر لحاه، وصغر نواه، ورقّ سحاه.
وفي الزبور: من بلع السبعين اشتكى من غير علة.
وقال ابن أبي معن: [البسيط]
من عاش أخلقت الأيام جدّته ... وخانه ثقتاه السّمع والبصر
***
قوله مسجّى: أي مغطى.
ووصف في أوّل الشعر ذكره بالشدة وفي آخره باللين، وأذكر من الصفتين ما يكون من شرط ما ذكر.
стр. 563
حكى أبو زياد الكلابي، قال: كان عندنا أبو الغريب شيخا فتزوّج ولم يولم، فاجتمعنا على باب خبائه فصحنا: أولم ولو بيربوع، أو بقرد مجذوع، قتلتنا من الجوع:
فأولم، فلما عرّس غدونا عليه فقلنا: [الرجز]
يا ليت شعري عن أبي الغريب ... إذ بات في مجاسد وطيب
معانقا للرشإ الرّبيب ... أأخمد المحفار في القليب
* أم كان رخوا يابس القضيب*
فصاح: يابس القضيب والله! ثم أنشأ يقول: [البسيط]
سقيا لعهد خليل كان يأدم لي ... زادي ويذهب عن زوجاتي الغضب
كان الخليل فأضحى قد تخوّنه ... مرّ الزمان وتطعاني به الثّقب
يا صاح أبلغ ذوي الزوجات كلّهم ... أن ليس وصل إذا انحلّت عرا الذّنب
والقوافي وقعت في لفظ يعقوب موقوفة. وعرا الذنب: عروق الذكر.
وكان أبو البيداء الأعرابيّ عنّينا، وكان يتجلّد ويقول لقومه: زوّجوني امرأتين، فيقولون: أما واحدة كفاية! فيقول: أمّا لي فلا، فزوّجوه أعرابيّة، وقالوا له: إن كفتك وإلا زوّجناك الأخرى، فدخل بها، وأقام عليها أسبوعا فزاره إخوانه في اليوم السابع، فقالوا له: يا أبا البيداء، ما كان من أمرك في الأوّل؟ فقال: عظيم جدا، فقالوا: ففي اليوم الثاني، فقال أعظم وأجلّ، قالوا: ففي اليوم الثالث، قال؛ لا تسألوا، فقالت امرأته من وراء السّتر: [الكامل]
كان أبو البيداء ينزو في الوهق ... حتى إذا ما حلّ في بيت أفق
فيه غزال حسن الدّل خرق ... مارسه حتى إذا ارفضّ العرق
* تكسر المفتاح وانسدّ الغلق*
الوهق: حبل يفتح فيه عين واسعة تؤخذ بها الدابة، والأفق الجيد. وينزو: يمتدّ ويقصر.
وتزوّج الفرزدق بامرأة من مجاشع، فعجز عنها فقال: [البسيط]
يا لهف نفسي على نعظ فجعت به ... حين التقى الرّكب المحلوق والرّكب (١)
ما أبعد ما بين حالته هذه وبينها وقد لقيته جارية، فنظرها نظرا شديدا، فقالت له:
ما لك تنظر، فو الله لو كان لي ألف حر ما طمعت في واحد، قال: ولم يا لخناء؟ قالت:
لقبح منظرك وسوء مخيرك فيما أرى، فقال لها: أما والله لو خبرتني لغفر مخبري على
стр. 564
منظري، ثم كشف لها وأراها مثل ذراع البكر، فكشفت له عن مثل سنام البعير، فتسنّمها، وقال: [السريع]
أدخلت فيها كذراع البكر ... مدملج الرأس شديد الأسر
زاد على شبر ونصف شبر ... كأنما أولجته في جمر
وسمع بشار كلام امرأة، فأحبّها وأرسل لها أن تواصله، وألحّ عليها، فقالت لرسوله؛ أي معنى له فيّ أولي فيه، وهو أعمى لا يراني، فيعرف جمالي، وهو قبيح الوجه لا حظّ لي فيه! فليت شعري لأيّ شيء يطلب وصال مثلي! فأدّى إليه الرسول كلامها، فقال عد إليها فقل لها: [الكامل]
أيري له فضل على آيارهم ... وإذا أشطّ سجدن غير أوابي (١)
تلقاه بعد ثلاث عشرة قائما ... نظر المؤذن شكّ يوم سحاب
وكأنّ هامة رأسه بطّيخة ... حملت إلى ملك بدجلة جابي
وعشق امرأة وتردّد رسوله إليها حتى أبرمها، فشكته إلى زوجها، فقال: أجيبيه وعديه إلى هنا، ففعلت ووجّهت له، فجاء ولم يعرف بزوجها، فقال لها: ما اسمك بأبي أنت وأمي! فقالت: أمامة، فقال: [الكامل]
أمامة قد وصفت لنا بحسن ... وإنا لا نراك فألمسينا
فوضعت يده على أير زوجها، وقد أنعظ لحسن حديثها معه، ففزع ووثب قائما وقال: [الوافر]
عليّ أليّة ما عشت حيّا ... أمسك طائعا إلّا بعود
ولا أهدي لأرض أنت فيها ... سلام الله إلا من بعيد
طلبت غنيمة فوضعت كفّي ... على أير أشدّ من الحديد
فخير منك من لا خير فيه ... وخير من زيارتكم قعودي
فقبض زوجها عليه، وقال: هممت أن أفضحك، فقال: كفاني فديتك ما فعلت بي، والله لا أعود لمثلها أبدا.
سمع الحكم بن عبدل امرأة تتمثل بقوله: [الطويل]
وأعسر أحيانا فتشتدّ عسرتي ... فأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي
فقال لها: يا أخيّة، أتعرفين قائل هذا الكلام؟ قالت: هو ابن عبدل، قال: أفتعرفينه عينا؟ فقالت: لا، والله، فقال: أنا هو، والذي أقول: [الطويل]
стр. 565
وأنعظ أحيانا فينقد جلده ... وأعذله جهدي فلا ينفع العذل
وأزداد نعظا حين أسمع جارتي ... فأوثقه كل ما يثوب له عقل
ورّبتما لم أدر ما حيلتي بهن ... إذا هو آذاني وغرّبه الجهل
فآويته في بطن جاري وجارتي ... مكابرة قدما وإن رغم الفحل
فقالت المرأة: بئس الجار والله للمغيّبة أنت، قال: إي والله وللتي معها زوجها وابنها وأخوها، أين قول هذا على إسلامه من قول عنترة على جاهليته: [الكامل]
وأغضّ طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى يوارى جارتي مأواها (١)
إني امرؤ سمح الخليقة ماجد ... لا أتبع النفس اللجوج هواها
وقال أبو الرقعمق: [الرمل]
كل يوم أنا من أيري ... في أمر عجاب
ليس يخليني من همّ ... وحزن واكتئاب
عينه في كلّ من دبّ ... على وجه التّراب
لم يدع لي ذهبا إلّا ... رماه بالذّهاب
وابتدى المشؤم أن يع ... مل في بيع الثّياب
لعنة الله علي ... هـ وبراغيث الكلاب
وللمفجع البصري في ضد ما تقدم، والمفجّع صاحب ابن دريد، والقائم مقامه بالبصرة في الإملاء: [الخفيف]
لي أير أراحني الله منه ... صار همي به عريضا طويلا
نام إذ زارني الحبيب عنادا ... ولعهدي به ينيك الرّسولا
حسبت زورة عليّ لحيين ... وانصرفنا وما شفينا غليلا
ولراشد بن إسحاق: [الخفيف]
طالمنا قمنت كالمنارة نهتز ... اهتزازا تسمو إليه العيون
ربّ يوم رفعت فيه ثيابي ... فكأنّي في مشيتي مختون
فحنت قوسك الخطوب وأفنت ... ك فتون تفنى عليها الفنون
لم يدع منك حادث الدهر إلا ... جلدة كالرّشاء فيها غضون
تتثنّى كأنّها صولجان ... أو كما حرّفت من الخطّ نون
стр. 566
وله أيضا فيه: [البسيط]
كأنه حين أطويه وأنشره ... سير يلفّ على دوّامة الزّيق
وإن يقم قلت قثاة معنفقة ... أو عروة ركّبت في رأس إبريق
وله أيضا فيه: [البسيط]
أير ضعيف المتن رثّ القوى ... لو شئت أن أعقده لا نعقد
إن يمس كالبقلة في لينها ... فطالما أصبح مثل الوتد
وله أيضا فيه: [الطويل]
ينام على كفّ الفتاة وتارة ... له حركات ما يحسّ بها الكفّ
كما يرفع الفرخ ابن يومين رأسه ... إلى أبويه ثم يدركه الضّعف
الفنجديهي: سمعت الحافظ أبا جعفر المروزيّ يقول: مازحت شيخنا نجيب بن ميمون الواسطيّ يوما- وكان شيخا دمثا ظريفا- فقلت له: أخبرني هل بقي- من سلطان الهوى شيء؟ وهل نقوم للخدمة العكازة الميمونية؟ فقال: آه آه، ثم أنشد: [الطويل]
تعقّف فوق الخصيتين كأنّه ... رشأ على رأس الركيّة ملتفّ
كفرخ ابن ذي يومين يرفع رأسه ... إلى أبويه ثم يدركه الضعف
وأنشد أيضا: [البسيط]
يقوم في الليل عند البول منحنيا ... كأنه قوس ندّاف بلا وتر
ولا يقوم إذا نبّهته سحرا ... كما تقوم أيور الناس في السّحر
ثم بكى بكاء شديدا، وذكّرنا ووعظنا.
وهذه الأبيات المنسوبة لراشد بن إسحاق كلها من قصائد له مطوّلة في هذا الفنّ، وأكثر شعره فيه، وله فيه شعر كثير؛ ومنه انتزع الحريري قصيدته في هذه المقامة.
***
ثمّ إنه أعلن بالنحيب، وبكى بكاء المحبّ على الحبيب. ولمّا رقأت دمعته، وانفثأت لوعته، قال: يا نجعة الرّوّاد، وقدوة الأجواد، والله ما نطقتببهتان، ولا أخبرتكم إلّا عن عيان، ولو كان في عصاي سير، ولغيمي مطير؛ لاستأثرت بما دعوتكم إليه، ولما وقفت موقف الدّالّ عليه، ولكن كيف الطّيران بلا جناح، وهل على من لا يجد من جناح!
***
стр. 567
قوله: «أعلن» أي رفع صوته. والنحيب: البكاء. وفي بكاء المحب على الحبيب يقول الشاعر وزاد معنى: [المتقارب]
أتتني تؤنّبني في البكاء ... فأهلا بها وبتأنيبها
تقول وفي قولها حكمة ... أتبكي بعين تراني بها!
فقلت: إذا استحسنت غيركم ... أمرت البكاء بتأديبها
قوله: رقأت، أي انقطعت. انفثأت: انكسرت وسكنت. لوعته: حرقته. النجعة:
المرعى. الروّاد: الطالبون لها. بهتان: باطل. عيان: معاينة.
قوله: «في عصاي سير» مثل يضرب لمن ليس عنده منفعة ولا له قوّة. والسير:
الشراك يدخل في ثقب في رأس العصا ويعقد منه حلقة، يدخل فيها يده التي تمسك العصا، فتكون أشدّ لاعتماده عليها، وضربه بها، فجعل عصاه عاطلة من سيرها، وهو يريد أن لا منفعة عنده.
وأنشدوا: [الرجز]
يا لك من همّة وخير ... لو كان لي في عصاي سير
صبرا على النائبات صبرا ... ما يصنع الله فهو خير
فمن قليل بدا كثير ... كم مطر بدؤه مطير
***
[مما قيل في العصا]
وذكر الجاحظ فوائد العصا، فمنها: سئل يونس عن قول الله : وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى [طه: ١٨] فقال: لست أحيط بجميع مآرب موسى، لكني أذكر جملة تدخل في باب الحاجة إليها:
من ذلك أنها تحسل للحيّة والعقرب والذئب والفحل الهائج، ويتوكأ عليها الكبير والسقيم والأقطع والخطيب والأعرج، فتنوب للأعرج عن ساق أخرى [وتنوب] للأعمى عن قائده. وهي للقصّار والدّباغ وهي المفأد للملّة ومحراك للتّنّور، ولدقّ الجصّ والسمسم، ولخبط الشجر، وللشرطيّ والمكاريّ، وللراعي غنمه، وللراكب مركبه، ووتد في الحائط، وتركزها فتجعلها قبلة، وإن شئت مظلّة، وتدخلها في عروة المزود وطرفها في يدك، والثاني في يد صاحبك، وإن كان فيها زجّ كانت عنزة، فإن زدت شيئا، كانت عكّازا، فإن زدت شيئا كانت مطردا، وإن زدت شيئا كانت رمحا.
وكانت آيات موسى صلوات الله وسلامه عليه في عصاه، وكانت لا تفارق يد سليمان ﵊ في مقاماته، حتى سلّط الله الأرضة وهو ميت فسقط، فكانت للجنّ آية.
стр. 568
وكان الحكم بن عبدل أعرج أحدب هجّاء خبيث الهجاء، وكان الشعراء يقفون بأبواب الملوك فلا يؤذن لهم، وكان يكتب على عصاه حاجته ويبعث بها، فلا تؤخّر له حاجة، فقال يحيى بن نوفل: [الطويل]
عصا حكم في الباب أوّل داخل ... ونحن على الأبواب نقصى وتحجب
وكانت عصا موسى لفرعون آية ... وهذي لعمر الله أدهى وأعجب
تطاع فلا تعصى ويحذر أمرها ... ويرغب في المرضاة منها وترهب
فضحك الناس منها وشاعت بالكوفة، وصارت ضحكة، فاجتنب أن يكتب عليها.
وكان لابن عبدل صديق أعمى يقال له يحيى ابن عليّة، وكان ابن عبدل قد أقعد، فخرجا ليلة إلى منزل بعض إخوانهما، وابن عبدل يحمل والأعمى يقاد، فلقيهما صاحب العسس، فأخذهما وحبسهما. فنظر ابن عبدل إلى عصا ابن علية في الحبس إلى جانب عصاه، فضحك وقال: [مجزوء الكامل]
حبسي وحبس أبي عليّ ... ة من أعاجيب الزّمان
أعمى يقاد ومقعد ... لا الرّجل منه ولا اليدان
يا من رأى ضبّ الفلا ... ة قعيد موت في مكان
طرفي وطرف أبي عليّ ... ة دهرنا متوافقان
من يفتخر بجواده ... فجيادنا عكّازتان
وقال أيضا: [الطويل]
أقول ليحيى ليلة السجن سادرا ... ونومي به نوم الأسير المقيّد
أعنّي على حفظ النّجوم ورعيها ... أعنك على تحبير شعر مقصّد
ففي حالتينا عبرة وتفكّر ... وأعجب من ذا حبس أعمى ومقعد
كلانا إذا العكاز فارق كفّه ... ينيخ صريعا أو على الكفّ يسجد
فعكّازة تهدى إلى السّبل أكمها ... وأخرى مقام الرّجل قامت مع اليد
وولي إمرة الكوفة أعرج وولي شرطتها أعرج، فقصد الأمير ابن عبدل وهو أعرج، ووجد سائلا أعرج فقال: [الكامل]
ألق العصا ودع التخامع والتمس ... عملا فهذي دولة العرجان
لأميرنا وأمير شرطتنا معا ... يا قومنا لكليهما رجلان
فإذا يكون أميرنا ووزيرنا ... وأنا فإنّ الرابع الشيطان
فبعث إليه الأمير بمائتي درهم فضة وسأله أن يكفّ.
стр. 569
وكثيرا ما تصرّف الشعراء في ذكر عصا موسى ﵇ على أغراضهم، فمنها ما يحسن ومنها ما يقبح. وقال ابن سارة: [البسيط]
ولي عصا من طريق الذمّ أحمدها ... بها أقدّم في تأخيرها قدمي
كأنّها وهي في كفّي أهشّ بها ... على ثمانين عاما لا على غنمي
كأنني قوس رام وهي لي وتر ... أرمي عليها سهام الشّيب والهرم
وقال أبو بكر البلويّ: [الطويل]
كأنّ يميني حين حاولت بسطها ... لتوديع إلفي والهوى يصرف الدّمعا
يمين ابن عمران وقد حاول العصا ... وقد جعلت تلك العصا حيّة تسعى
قال ابن رشيق: كنت أميل إلى قينة اسمها ليلى، فعشقها بعض خدّام الحصون، وكان يحسب خدمتها وكنسها منزله لا يثلم جاه متوليها فنهيته عنها فلم ينته، فقلت فيه: [الخفيف]
ظنّ أنّ الحصون ملك سليما ... ن وليلى بجهله بلقيسا
وله في العصا مآرب أخرى ... حاش لله أن تكون لموسى
وقال الصابي: [الكامل]
يبدي اللّواط مغالطا وعجانه ... أبدا لأغراض الورى يستهدف
فكأنه ثعبان موسى إذ غدا ... لحبالهم وعصيّهم يتلقّف
وقال الصاحب: [السريع]
هذا ابن متّويه له آية ... يبتلع الأير وأقصى الخصى
يكفر بالرسل جميعا سوى ... موسى بن عمران لأجل العصا
وقال أبو الفرج الأصبهاني في القاضي الأيذجي، والشمس منه عكازة فلم يعطها إيّاه: [البسيط]
اسمع حديثي تسمع آية عجبا ... لا شيء أعجب منه يبهر القصصا
طلبت عكازة للرّجل تحملني ... ورمتها عند من يخفي العصا فعصى
وكنت أحسبه يهوى عصا عصب ... ولم أكن خلته صبّا بكل عصا
ولما قدم قتيبة بن مسلم واليا على خراسان سقطت المخصرة من يده، فتطيّر به أهل خراسان، فقال: يا أهل خراسان ليس كما ظننتم، ولكن كما قال الشاعر: [الطويل]
فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر
وأما قول الشاعر: [الطويل]
وبكفيك ألّا يرحل الضيف لائما ... عصا العبد والبئر الّتي لا تميهها
стр. 570
فقال يعقوب: البئر هنا حفرة تجعل فيها الملّة وتجعل عليها الخبزة، والعصا تقلّب بها الخبزة على الملّة، وينفض بها الرماد.
وقال آخر: [الطويل]
إذا جاء ثقاف يجرّ قناته ... طويل العصا نكّبته عن شياهنا
فالثّقاف الرسول بين المريب والمريبة، يأتي كالسائل، فإذا وقف ثقف الأرض بعصاه، فإذا سمعت المرأة ذلك خرجت إليه، فأبلغها الرسالة، فثقفه علامة بينهما وأراد بالشياه النساء.
قوله: «غيمي»، أي سحابي. مطير: تصغير مطر، أي لو كان لي قوة ومال لآثرت بذلك نفسي. استأثرت: اختصصت. جناح: إثم.
***
قال الرّاوي: فطفق القوم يأتمرون فيما يأمرون، ويتخافتون فيه يأتون، فتوهّم أنّهم يتمالئون على صرفه بحرمان، أو مطالبته ببرهان، ففرط منه أن قال: يا يلامع القاع، ويرامع البقاع، ما هذا الارتياء، الّذي يأباه الحياء، حتى كأنكم كلّفتم مشقّة لا شقّة، أو استوهبتم بلدة لا بردة، أو هززتم لكسوة البيت، لا لتكفين الميت، أفّ لمن لا تندى صفاته، ولا ترشح حصاته!
فلمّا بصرت الجماعة بذلاقته، ومرارة مذاقته، رفأه كلّ منهم بنيله، واحتمل طلّه خوف سيله.
***
يأتمرون: يتشاورون. يتخافتون: يتكلمون سرا. فيما يأتون، أي فيما يفعلون معه.
توهم ظنّ. صرفه. ردّه.
حرمان: خيبة. برهان: حجّة. فرط: سبق: يلامع: جمع يلمع وهو السراب. القاع:
منخفض الأرض. يرامع: جمع يرمع وهي الحصى البيض، وقيل الحجارة الرخوة.
البقاع: جمع بقعة، وأراد أن لهم ظاهرا وليس لهم خبرة، كالسراب يخيّل أنه ماء ولا حقيقة له، واليرمع تظنه فضة وهو حجر.
الارتياء: تدبير الرأي، وأصله الهمز لأنه من الرأي. استوهبتم: طلبت منكم هبة.
بردة: ثوب يلبس. هززتم: حرّكتم. البيت: الكعبة.
أف: خيبة، وقد تقدم أن الصخرة والحصاة يكنى بهما عن يد البخيل ذلاقته: حدّة لسانه. رفأه: وصله. والطل والسّيل هنا: القليل والكثير.
***
стр. 571
قال الحارث بن همام: وكان هذا السائل واقفا خلفي، ومحتجبا بظهري عن طرفي. فلمّا أرضاه القوم بسيبهم، وحقّ عليّ التّأسّي بهم خلجت خاتمي من خنصري، ولفتّ بصري، فإذا هو شيخنا السّروجيّ بلا فرية ولا مرية، فأيقنت أنها أكذوبة تكذّبها، وأحبولة نصبها، إلا أنّني طويته على غرّه، وصنت شغاه عن فرّه، فحصبته بالخاتم، وقلت: أرصده لنفقة المآتم، فقال: واها لك فما أضرم شعلتك، وأكثر فعلتك، ثم انطلق يسعى قدما، ويهرول هرولته قدما.
***
سيبهم: عطاؤهم. وحق: وجب. التأسّي: الاقتداء. خلجت: جذبت وأخرجت.
الخنصر: الأصغر من الأصابع، ويليها البنصر ثم الوسطى ثم السبابة وتسمى المسبّحة والمشيرة، ثم الإبهام، وقال أبو العلاء المعرّي: [المتقارب]
شغلت عن المرء من خمسة اث ... نيتن فخصّهما المفخر
يشار إليك بسبّابة ... وتثني على فضلك المخنصر
فمن أجل ذا رفعت هذه ... إلى خالق الخلق تستغفر
ومن أجل ذا كسيت خاتما ... يزين وعرّيت البنصر
وقال صريع الغواني يلغز بخاتم: [الطويل]
وأبيض أمّا رأسه فمدوّر ... نقيّ وأمّا جسمه فمعار
ولم يتّخذ إلا لتسكن وسطه ... خضيبة رأس ما عليه خمار
لها أخوات أربع هنّ مثلها ... ولكنها الصغرى وهن كبار
لفتّ: رددت. فرية: كذب. مرية: شكّ، وتقول: بين القوم أكذوبة يتكاذبون بها، أي أحاديث كذب. تكذّبها: استفعلها. أحبولة: آلة يصاد بها. وطويته على غرّه، أي سترت عليه طريقته الملتزمة من الحيل، والغرّ بالنقط: كسور الثوب، يقال: اطو الثوب على غرّه، أي على كسور طيّه الأولى.
جابر: قال النبي ﷺ : «طيّ الثوب راحته».
صنت: حفظت وكتمت: شغاه: عيبه. فرّه. كشفه. والشّغا: بروز سنّ على أخواتها، وخروج الحنك الأعلى على الأسفل.
وحصبته: رميته، والحصباء: الحصى الصغار، وحصبته: رميته بالحصباء، فاستعاره للخاتم.
أرصده: أعده. واها: عجبا. ما أضرم شعلتك، أي ما أكبر توقّد ذهنك، والشعلة
стр. 572
لسان النّار، وإنما تعجّبت منه لأنه قد عرفه وأعلمه أنه قد عرف مكره حين قال له:
أرصده، ثم ستر عليه، وأهل الشرق يتختّمون ويتصدقون بخواتمهم. وفي البديعية بعد تشك تقدم من أبي الفتح: قال ابن هشام: فو الله ما أنسني عن وحدتي إلا خاتم ختمت به خنصره، فلما تناوله أنشأ يقول: [الكامل]
وممنطق من نفسه ... بقلادة الجوزاء حسنا
متألف من غير أس ... رته على الأيام خدنا
كمتيّم لقي الحبي ... ب فضمّه شغفا وحزنا
علق سنيّ قدره ... لكنّ من أهداه أسنى
أقسمت لو كان الورى ... في المجد لفظا كنت معنى
قال: فتبعته حتى سفرت الخلوة وجهها، فإذا والله أبو الفتح، والطلا زغلوله، فقلت أبا الفتح، شبت وشبّ الغلام، فأين الكلام، وأين السلام؟ فقال: [المتقارب]
غريبا إذا جمعتنا الطريق ... ألوفا إذا نظمتنا الخيام
قوله، يسعى، أي يسرع المشي. قدما: أي قدامه وقبالته. يهرول: يسرع، والهرولة جري بين المشي والعدو. قدما، أي قديما وأوّلا، ومعناها كما فعل في أول مرة حين سعى قدما.
***
فنزعت إلى عرفان ميّته، وامتحان دعوى حميّته، فقرعت ظنبوبي، وألهبت ألهوبي، حتى أدركته على غلوة، واجتليته في خلوة، فأخذت بجمع أردانه، وعقته عن سنن ميدانه، وقلت له: والله ما لك منّي ملجأ ولا منجى، أو ترينّي ميّتك المسجّى، فكشف عن سراويله، وأشار إلى غرموله. فقلت له: قاتلك الله! فما ألعبك بالنّهي، وأحيلك على اللهي! ثم عدت إلى أصحابي عود الرّائد الذي لا يكذب أهله، ولا يبرقش قوله، فأخبرتهم بالذيرأيت وما ورّيت ولا راءيت، فقهقهوا من كيت وكيت، ولعنوا ذلك الميت!
***
نزعت: اشتقت. امتحان: تجربة. قرعت: ضربت. ظنبوب: مقدّم عظم الساق، ويقال: قرع لهذا الأمر ظنبوبه، إذا أسرع وجدّ فيه، ويبيّنه قول سلامة بن جندل: [البسيط]
كنا إذا أتانا صارخ فزع ... كان للصّراخ له قرع الظنابيب (١)
стр. 573
أي كانت إغاثتنا له إسراعنا في نصرته. ألهبت: أشعلت. ألهوبي: شدة جربي.
والغلوة: مقدار رمية السهم. اجتليته: نظرته. بجمع أردانه، أي بجميع أطراف ثوبه.
عقته: صرفته عن وجهه. سنن: طريق. ميدانه: موضع جرية وطلقه. ملجأ: موضع يلجأ إليه. منجى: موضع تنجو فيه. غرموله: ذكره. قاتلك الله، أي قتلك الله؛ وأكثر ما يقع فاعلت على الاثنين، وقد يكون عن الواحد، نحو ناولت وسافرت؛ وقيل: معنى قاتله، لعنه، وقيل عاداه. النّهي: العقول، واحدها نهية، ومنه نهيته عن كذا فانتهى. واللها:
العطايا، واحدها لهوة، وأصله القبضة من الطعام، تجعل في فم الرّحا. يكذب: يحدّث بالكذب: يبرقش: يزيّن، والبرقشة التّزيين بألوان شتى. ورّيت، يقال: روّيت الخبر أورّيه تورية: سترته وأظهرت غيره، وفي الحديث الشريف، أنه ﷺ كان إذا أراد سفرا، ورّى بغيره، وهو مأخوذ من الوراء، كأنه جعل الخبر وراءه ولم يظهره. راءيت: استعملت الرياء، يريد أنّه صرّح لهم بذكر العورة، ولم يكن عنها. فقهقهوا: أكثروا الضحك.
أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب» (١). والقهقهة من الشيطان والتبسم من الله من كيت وكيت، أي من هذه القصّة التي أسمعهم؛ وكيت وكيت، كناية عن الحديث المدمج المتداخل. والله أعلم.
стр. 574
المقامة الحادية والعشرون وهي الرازيّة
حدث الحارث بن همّام قال: عنيت مذ أحكمت تدبيري، وعرفت قبيلي من دبيري، بأن أصغي إلى العظات، وألغي الكلم المحفظات، لأتحلّى بمحاسن الأخلاق، وأتخلّى ممّا يسم بالأخلاق. وما زلت آخذ نفسي بهذا الأدب، وأخمد به جمرة الغضب؛ حتى صار التّطبّع فيه طباعا، والتّكلّف له هوى مطاعا.
عنيت، أي شغلت. أحكمت: أتقنت. قبيلي من دبيري، أي ما أقبل عليه من أمري وما أدبر عنه. ابن الأنباري: ما يعرف قبيلا من دبير، أي ما يعرف الإقبال من الإدبار، أي ما يعرف ما أقبل به من القبل إلى الصدر ممّا أدبر عنه. وقيل: معناه: ما يعرف الشاة المقابلة من المدابرة، والمقابلة التي شقّ أذنها إلى قدّام، والمدابرة التي شق أذنها من مؤخّرها، وترك ما قطع معلقا إلى خلف لا يبين.
أصغي: أميل. العظات: هي المواعظ. ألغي: أترك. الكلم: جمع كلمة المحفظات: المغضبات. أتحلّى: أتزين وأتصف. وأتخلى: أزول وأتفرغ، وتخليت من كذا: تركته. يسم: يجعل سمة. الإخلاق: العيوب وتمزيق العرض وأصله في الثوب.
أخمد: أسكن.
[الطبع والتطبّع]
والتطبّع له في الطبيعة أثر، وإن لم تذهب الطبيعة بالجملة، لأنه اتفقت العرب والعجم على قولهم: الطبع أملك. وكان ملك من ملوك الفرس، له وزير مجرّب حازم، فكان يعرف اليمن في مشورته، فهلك وقام ابنه بعده، فلم يرفع به رأسا، فذكر له مكانته من أبيه، قال: كان أبي يغلط فيه، وسأريكم ذلك فأحضره، وقال له: أيّهما أغلب على الرجل؟ الأدب أو الطبيعة؟ فقال: الطبيعة لأنها أصل والأدب فرع، وكلّ فرع يرجع إلى أصله. فدعا الملك بسفرة، فوضعت، وأقبلت سنانير بأيديها الشمع، فوقفت حول السفرة، فقال له: اعتبر خطأك وضعف مذهبك، متى كان أبو هذه السنانير شمّاعا؟ فقال له:
أمهلني في الجواب إلى الليلة المقبلة، فقال: لك ذلك، فخرج الوزير، وأمر غلامه أن يسوق له فأرة فساقها حيّة فربطها بخيط وعقدها في سينيّة. فلما راح إلى الملك وضعها
стр. 575
في كمّه، ودخل فأحضر السفرة والسنانير فألقى لها الوزير الفأرة، فاستبقت السنانير إليها، وتطاير الشمع حتى كاد البيت يضطرم عليهم نارا، فقال للملك: كيف رأيت غلبه الطبع للأدب! قال: صدقت ورجع له ما كان عليه أبوه. وقال ذو الإصبع: [البسيط]
كلّ امرئ راجع يوما لشيمته ... وإن تخلّق أخلاقا إلى حين
وقال المتنبي: [الطويل]
أبي خلق الدنيا حبيبا تديمه ... فما طلبي منها حبيبا تردّه؟ (١)
وأيسر مفعول فعلت تغيّرا ... تكلّف شيء في طباعك ضدّه
وقال العرجيّ: [البسيط]
يا أيّها المتحلّي غير شيمته ... ومن شمائله التبديل والملق (٢)
ارجع إلى خلقك المعروف ديدنه ... إنّ التخلّق يأتي دونه الخلق
وقال المتنبي أيضا: [المتقارب]
يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل (٣)
وقال الشريف: [الكامل]
هيهات لا تتكلفنّ لي الهوى ... فضح التطبّع شيمة المطبوع (٤)
وقال ابن طاهر الأندلسي: [البسيط]
نقل الطباع من الإنسان ممتنع ... صعب إذا رامه من ليس من أربه
يريد شيئا وتأباه طبائعه ... والطّبع أملك للإنسان من أدبه
فيريد أنه راض نفسه على اتباع الخير وبعد الشرّ، حتى انقادت له إلى ما يريد، والتطبّع استعمال غير ما في طبعك، والتكلّف استعمال ما لا تقدر عليه إلا بمشقة.
***
стр. 576
فلمّا حللت ب الرّيّ ، وقد حللت حبا الغيّ، وعرفت الحيّ من اللّيّ، رأيت بها ذات بكرة، زمرة في إثر زمرة، وهم منتشرون انتشار الجراد، ومستنّون استنان الجياد، ومتواصفون واعظا يقصدونه، ويحلّون ابن سمعون دونه.
[الرّيّ]
قوله: «فلما حللت بالريّ»:
الريّ: أرض على جادّة خراسان، واسم مدينة الريّ المهديّة، سمّيت بهذا الاسم، لأنّ المهدي تولّاها في خلافة المنصور لما توجّه إلى خراسان لمحاربة عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزديّ، وبها ولد الرشيد، والمهديّ أقام بها عدة سنين فشيّد بناءها وأتقنه، وأرضع نساء الوجوه من أهلها الرشيد. وأهل الريّ أخلاط من العرب، والعجم قليل فيها. وافتتحها قرط بن كعب الأنصاريّ في خلافة عمر بن الخطاب ﵁.
ويشرب أهلها من عيون كثيرة وأودية عظيمة، وبها واد عظيم يأتي من بلاد الديلم يقال له نهر عيسى، ولكثرة مياه البلد كثرت ثماره وجنّاته وأشجاره، وله رساتيق (١) وأقاليم.
ونسب إليها الرازيّ، وهو من شاذّ النسب.
وكتب الحجّاج إلى قتيبة بن مسلم: ما يقيمك بأرض الفراعنة والجبابرة! سر إلى خراسان، أرض الفضّة والعقيان، والجواري الحسان.
***
وتقدّم الحبا. والغيّ: الضلال، والعرب تقول: ما يعرف الحيّ من الليّ، والحوّ من اللوّ، تقوله لمن تستجهله وتنفي عنه الفطنة، وتصريفها أنّ الحيّ مصدر حويت الشيء حزته وجمعته، ولويت الرجل: مطلته ومنعته حقّه لوّا وليّا وليانا، فالحيّ مدح والليّ ذم، فكأنه إذا قال: عرفت الحيّ من الليّ إنما قال: عرفت الخير من الشرّ، وما يضرّ مما ينفع، وعرفت الحيّ من الليّ. وقبيلي من دبيري، إنما يستعملان في النفي. وتجوّز أبو محمد في استعمالهما في الإيجاب حيث كان أصلا للنفي.
الزّمرة: الجماعة، وتقول: فلان إثر فلان أي خلفه وقريبا منه، كأنه يتبع أثره إذا رفع هذا قدمه وضع الآخر قدمه في الموضع. منتشرون: متفرقون مستنّون: جارون.
متواصفون: يصفه بعضهم لبعض.
***
[ابن سمعون الواعظ]
ابن سمعون: هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عيسى بن إسماعيل
стр. 577
المعروف بابن سمعون، الواعظ. وكان وحيد عصره وفريد دهره في الإخبار عمّا هجس في الأفكار، وليّا من الأولياء الأخيار، كلامه في الوعظ نافع، ونصحه في القلوب ناجع، ومجاله في تصاريف الكلام على الخواطر رحب واسع. وكان يقال له: الشيخ المنطق بالحكمة.
وحدّث أبو الطاهر محمد بن عليّ العلاف قال: حضرت ابن سمعون يوما وهو في مجلس الوعظ على كرسيّه، وكان أبو الفتح القوّاس جالسا إلى جنب الكرسيّ، فغشيه النعاس فنام، فأمسك أبو الحسن عن الكلام ساعة حتى استيقظ أبو الفتح ورفع رأسه، فقال له: رأيت النبيّ ﷺ في نومك؟ فقال نعم، فقال أبو الحسن: لذلك أمسكت عن الكلام خوفا أن تنزعج وتنقطع عن الكلام الذي كنت فيه.
وذكر أبو عليّ الهاشميّ، قال: حكى لي مولى الطائع لله تعالى، قال: أمرني الطائع أن أوجّه إلى ابن سمعون فأحضره دار الخلافة، ورأيت الطائع على صفة من الغضب- وكان يتّقى في تلك الحال، لأنّه كان ذا حدّة- فبعثت إلى ابن سمعون وأنا مشغول القلب لأجله، فلما حضر، أعلمت الطائع حضوره- فجلس مجلسه، وأذن له في الدخول فسلّم عليه بالخلافة، ثم أخذ في وعظه فأوّل ما ابتدأ به أن قال: روي عن أمير المؤمنين عليّ ابن أبيطالب ﵁ ... وذكر خبرا، ولم يزل يجري في ميدان الوعظ حتى بكى الطائع وسمع شهيقه، وابتلّ منديله بين يديه بدموعه، فأمسك ابن سمعون حينئذ، ودفع إليّ درجا فيه طيب وغيره، فدفعته إليه وانصرف. وعدت إلى الطائع، وقلت: يا مولاي، رأيتك على صفة من الغضب على ابن سمعون، ثم انتقلت عنها عند حضوره، فما السبب؟ فقال: رفع إليّ أنه ينتقص عليّا ﵁، وأحببت أن أتيقّن ذلك، فإن صح منه قلته، فلمّا حضر بين يديّ افتتح كلامه بذكره والصلاة عليه، وأعاد في ذلك وأبدى، وقد كان له مندوحة في الرواية عن غيره وترك الابتداء به، فعلمت أنه وفّق لما تزول به عنه الظنّة، وتبرأ ساحته عندي، ولعله كوشف بذلك.
وله كتاب المجالس وهو كله أحاديث متصلة الأسانيد.
ومن كلامه أن القلب بمنزلة المرآة فإذا أصابتها لطخة عولجت بالزّيت، فإذا زادت زيد فيها من حتات الآجرّ، فإذا زادت جليت بالحديد، فإذا زادت على ذلك حتى ركبها الصدأ لم يكن لها بدّ من عرضها على النار حتى يتم جلاؤها.
توفّي ابن سمعون في ذي القعدة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، ودفن بداره بشارع العباسي، فلم يزل هناك حتى نقل يوم الخميس الحادي عشر من رجب سنة ست وعشرين وأربعمائة ودفن بباب حرب ببغداد. وقيل: إن أكفانه لم تكن بليت بعد.
***
فلم يتكاءدني لاستماع المواعظ، واختبار الواعظ؛ أن أقاصي اللّاغط،
стр. 578
وأحتمل الضّاغط. فأصحبت إصحاب المطواعة، وانخرطت في سلك الجماعة؛ حتّى أفضينا إلى تاد جمع الأمير والمأمور، وحشد النّبيه والمغمور، وفي وسط هالته، ووسط أهلّته، شيح قد تقوّس واقعنسس، وتقلنس وتطلّس؛ وهو يصدع بوعظ يشفي الصّدور، ويلين الصّخور؛ فسمعته يقول، وقد افتتنت به العقول.
***
قوله: يتكاءدني، أي يشقّ علي أقاصي: أباعد. اللاغط: الصائح بكلام لا يفهم، والضاغط: الذي إذا زاحمك ضغطك لحائط أو غيره حتى ينقطع نفسك، يريد أنه لم يمنعه ما أصابه من السبّ والصياح به والضغط واللكز من مزاحمة الناس حتى قرب من الواعظ.
ويبين هذا قوله في الخمسين: «ولم أزل أتنقل في المراكز، وأغضى للّاكز والواكز» أصحبت: انقدت. المطواعة: المنقادين المطاوعين. والانخراط: دخول الإنسان في الأمر بغير علم. وتقدّم السلك.
أفضينا: وصلنا، وأراد أنّ هذا المجلس جمع العامة والأمير، ومن له ذكر رفيع وشهرة. ومن هو مجهول مخمول. وأراد بالهالة حلقة الناس، وبالأهلّة أشراف الناس والعلماء. وحرّك السين من «وسط»، مع الهالة لأنها دارة وساحة العرب تقول: فلان جلس وسط الدار واحتجم وسط الرأس بالتحريك، وسكّن مع الأهلة لأنه أراد معنى بين، والعرب تقول: جلس وسط القوم، فحملوه على بين، لمّا حلّ محلّها وكان في معناها، ولا يجوز جلس بين الدار، فلهذا لا يقال جلس وسطها بالتسكين.
تقوّس: انحنى. اقعنسس: تقبّض واحدودب. والقعس: دخول الظهر وخروج الصدر، والحدب ضدّه وبيّنه الراجز بقوله [الرجز]
* أقعس يمشي مشية التقاعس*.
تقلنس: لبس القلنسوة. تطلس: لبس الطيلسان وهو كساء أخضر يلبسه الخواص.
يصدع: يشقّ.
***
ابن آدم، ما أغراك بما يغرّك، وأضراك بما يضرّك، وألهجك بما يطغيك، وأبهجك بمن يطريك. تعني بما يعنّيك، وتهمل ما يعنيك، وتنزع في قوس تعدّيك، وترتدي الحرص الّذي يرديك؛ لا بالكفاف تقتنع، ولا من الحرام تمتنع، ولا للعظات تستمع، ولا بالوعيد ترتدع. دأبك أن تتقلّب مع الأهواء، وتخبط خبط العشواء، وهمّك أن تدأب في الاحتراث، وتجمع التّراث للورّاث؛ يعجبك التّكاثر
стр. 579
بما لديك؛ ولا تذكر ما بين يديك، وتسعى أبدا لغاريك، ولا تبالي ألك أم عليك أتظنّ أن ستترك سدّى، وألّا تحاسب غدا؛ أم تحسب أنّ الموت يقبل الرّشا، أو يميّز بين الأسد والرّشا. كلّا والله لن يدفع المنون، مال ولا بنون؛ ولا ينفع أهل القبور؛ سوى العمل المبرور، فطوبى لمن سمع ووعى؛ وحقّق ما ادّعى؛ ونهى النّفس عن الهوى، وعلم أنّ الفائز من ارعوى، وأن ليس للإنسان إلّا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى. ثمّ أنشد إنشاد وجل، بصوت زجل:
***
قوله: «ما أغراك»: ما أكثر لصوقك. يغرّك: يدلّك على الغرر. أضراك: أشدّ ملازمتك. ألهجك: أشدّ حبك.
يطغيك: يردك طاغيا متجاوزا قدرك. أبهجك: أشدّ سرورك. يطريك: يمدحك في وجهك، والنفس ميالة كثيرة الانخداع بمن يعظّم شأنها ويثني عليها، فرّارة ممن يحقرها ويذمها، ولذا قال ﷺ : «احثوا التراب في وجوه المداحين» تذليلا لهم بذلك حيث أكسبوا غيرهم عزة النفس والكبر. قال الشاعر: [الكامل]
وخدعته بخديعة لمّا أبى ... والحرّ يخدع بالكلام الطيّب
تعني: تشتغل. يعنّيك: يتعبك. تنزع: ترمي. تعدّيك: ظلمك الحرص: أسوأ الطمع. يرديك: يهلكك.
***
[بعض الحكم والمواعظ]
كعب بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والسّرف لدينه» (١).
قال رسول الله ﷺ : «اقتربت الساعة ولا يزداد الناس إلا حرصا على الدنيا ولا تزداد منهم إلا بعدا».
وقال محمود الوراق: [الرمل]
كم إلى كم أنت للحر ... ص وللآمال عبد
ليس يجدي الحرص والسع ... ي إذا لم يك جدّ
стр. 580
ما لما قدره الل ... هـ من الأمر مردّ
وفي كتاب للهند: لا ينبغي للملتمس من عيشه إلا الكفاف الذي يدفع به الحاجة عن نفسه، وما سوى ذلك فإنما هو زيادة في غمّه.
وقالت الحكماء: أقل الدنيا يكفي، وأكثرها لا يكفي.
وقال أبو ذؤيب: [الكامل]
والنّفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع (١)
وقال سعد بن أبي وقاص ﵁ لابنه: يا بنيّ، إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، فإنها مال لا ينفد، وإياك والطّمع فإنما هو فقر حاضر. وعليك باليأس فإنك لم تيأس من شيء قطّ إلا أغناك الله عنه.
وقال: الغنيّ من استغنى بالله والفقير من افتقر إلى الناس.
قال ابن أبي حازم رحمه الله تعالى: [البسيط]
استغن بالله لا تضرع إلى النّاس ... واقنع بيأس فإن العزّ في الياس
واستغن عن كلّ ذي قربى وذي رحم ... إنّ الغنيّ من استغنى عن الناس
ومن دعاء عمر ﵁: اللهم، لا تكثر لي من الدنيا فأطغى، ولا تقلّل لي منها فأنسى، فإنّه ما قلّ وكفى، خير ممّا كثر وألهى.
وقالوا: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة الحرص التعب.
وقالوا: لا غنى إلا غنى النفس.
وقال رسول الله ﷺ : «عندك ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك! لا بقليل تقنع، ولا بكثير تشبع. يا بن آدم، إذا أصبحت آمنا في سربك معافى في بدنك، عندك قوت يومك فعلى الدنيا العفاء» (٢).
وقيل لأبي حازم: ما مالك؟ فقال: مالان: الغنى بما في أيدي، واليأس مما في أيدي الناس.
وقيل لآخر: ما مالك؟ فقال: التجمّل في الظاهر والقصد في الباطن.
ومما قيل من الشعر في معنى ما تقدّم، قال محمود الورّاق: [السريع]
стр. 581
يا عائب الفقر ألا تزدجر ... عيب الغنى أكبر لو تعتبر
من شرف الفقر ومن فضله ... على الغنى لو صحّ منك النظر
أنك تعصي الله تبغي الغنى ... وليس تعصي الله كي تفتقر
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: [الطويل]
ومن سرّه أن لا يرى ما يسوؤه ... فلا يتّخذ شيئا يخاف له فقدا
فإنّ صلاح المرء يرجع كلّه ... فسادا إذا الإنسان جاز به الحدّا
وقال البحتري: [الوافر]
إذا ما كان عندي قوت يوم ... طرحت الهمّ عني يا سعيد
ولم تخطر هموم غد ببالي ... لأن غدا له رزق جديد
وقال ابن طباطبا: [الرمل]
إنّ في نيل المنى وشك الرّدى ... وقياس القصد ضدّ السّرف
كسراج دهنه غمر له ... فإذا غرّقته فيه طفي
وقال آخر: [الكامل]
وإذا نبا بي منزل جاوزته ... واعتضت منه غيره لي منزلا
وإذا غلا شيء عليّ تركته ... فيكون أرخص ما يكون إذا غلا
***
قوله: «ولا بالوعيد ترتدع» أي لا تكفّ عن غيّك ولا ضلالك بما تخوّف به من أهوال الآخرة. دأبك، أي عادتك. الأهواء: جمع هوى، وهو ما تحبّه النفس وتميل إليه. تخبط: تمشي على عماية. العشواء: الناقة التي لا تبصر. تدأب: تداوم الاحتراث:
الكسب. التراث: المال الموروث.
وفي معناه أنه وجد على حائط مكتوبا: ابن آدم غافص (١) الفرصة عند إمكانها، وكل الأمور إلى وليّها، ولا تحلّ في قلبك همّ يوم لم يأت إن يكن من أجلك، يأتك الله برزقك فيه، ولا تجعل سعيك في طلب المال أسوة المغرورين، فربّ جامع لبعل حليلته.
واعلم أن تقتير المرء على نفسه توفير منه على غيره، فالسعيد من اتّعظ بهذه الكلمات.
قال بديع الزمان: [المتقارب]
أيا جامع المال من حلّه ... يبيت ويصبح في ظلّه
سيؤخذ منك غدا كلّه ... وتسأل من بعد عن كلّه
стр. 582
وله أيضا: [مجزوء الخفيف]
يا حريصا على الغنى ... قاعدا بالمراصد
لست في سعيك الّذي ... خضت فيه بقاصد
إن دنياك هذه ... لست فيها بخالد
بعد هذا فإنما ... أنت ساع لقاعد
وقال سابق البربري: [الطويل]
فحتى متى تلهو بمنزل باطل ... كأنك فيه ثابت الأصل قاطن
وتجمع مالا تأكل الدهر دائبا ... كأنك في الدنيا لغيرك خازن
وقال رجال لعمر بن الخطاب ﵁: إن فلانا جمع مالا، قال: فهل جمع له أياما! أخذه الشاعر فقال: [البسيط]
ارفه يعيش فتى يغدو على ثقة ... إنّ الذي قسم الأرزاق يرزقه
فالعرض منه مصون لا يدنّسه ... والوجه منه جديد ليس يخلقه
جمعت مالا ففكّر هل جمعت له ... يا جامع المال أياما تفرّقه
المال عندك مخزون لوارثه ... ما المال مالك إلا حين تنفقه
قوله: «التكاثر» أي كثرة المال، تقول: تكاثر المال تكاثرا: جاز الحدّ في الكثرة.
أبو سعيد عن النبي ﷺ : «من أمسى وأصبح وهمّه الدينار والدرهم تكاثرا حشر مع اليهود والنصارى، والذين قالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر».
تسعى لغاريك: تجهد في كسبك لتدرك شهوة بطنك وفرجك، وهما الغاران، قيل:
هما الفرج والفم. وقيل: الحنكان: الأعلى والأسفل؛ وأخذ اللفظ من قول الشاعر:
[الطويل]
ألم تر أنّ الدهر يوم وليلة ... وأن الفتى يسعى لغاريه دائبا (١)
قوله سدى، أي مهمل مسيّب. الرّشا بالضم: جمع رشوة وهي العطية تدفع بها مضرّة من يقدر عليك. الرّشا، بالفتح: الغزال. كلّا: زجر. المنون: هي المنيّة، المبرور: المتقبّل. وعى: حفظ الوصية. ما ادعى، أي ما ادعاه من أنه قبل الوصية.
стр. 583
وحققه: داوم عليه بعمله. ارعوى: رجع وتاب. ما سعى: أي ما عمل وتعب فيه.
الفائز: الظافر بحاجته. وجل: خائف. زجل: شديد، وزجل الصوت زجلا: ارتفع وأيضا طرّب.
وقال أبو العتاهية فيما تقدّم من ذكر الموت: [مجزوء الرمل]
بين عيني كلّ حين ... علم الموت يلوح
كلنا في غفلة وال ... موت يغدو ويروح
وقال البديع: [مجزوء الرمل]
إنما الدّنيا غرور ... ولمن أصغى نصيح
ولسان الدهر بالوع ... ظ لواعيه فصيح
نحن لاهون وآجا ... ل المنايا لا تريح
***
[الطويل]
لعمرك ما تغني المغاني ولا الغنى ... إذا سكن المثري الثرى وثوى به
فجد في مراضي الله راضيا ... بما تقتني من أجره وثوابه
وبادر به صرف الزّمان فإنّه ... بمخلبه الأشغى يغول ونابه
ولا تأمن الدّهر الخئون ومكره ... فكم خامل أخنى عليه ونابه
وعاص هوى النّفس الّذي ما أطاعه ... أخو ضلّة إلّا هوى من عقابه
وحافظ على تقوى الإله وخوفه ... لتنجو ممّا يتّقى من عقابه
ولا تله عن تذكار ذنبك وابكه ... بدمع يضاهي المزن حال مصابه
ومثل لعنيك الحمام ووقعه ... وروعه ملقاه ومطعم صابه
وإنّ قصارى منزل الحيّ حفرة ... ستنزلها مستنزلا عن قبابه
فواها لعبد ساءه سوء فعله ... وأبدى التّلافي قبل إغلاق بابه
***
قوله: لعمرك، العمر البقاء، فأقسم به كأنه قال: وحق بقائك الكريم عليّ المحبّب إليّ.
المغاني: المنازل الشريفة. المثري: الكثير المال. الثّرى: التراب النديّ، وأثرى صار له كثير من المال كالثري في كثرته. ثوى: أقام. جد: تكرّم بمالك. تقتني:
تكتسب، أي لا تنفع المنازل الرفيعة البناء ولا المال الكثيرة إذا آل الحال إلى الموت.
بادر: سابق. صرف: تقلّب.
стр. 584
الأشغى: المعوجّ. يغول: يهلك. نابه: ضرسه. الخئون: الكثير الخيانة. النابه والنبيه، من النباهة وهي الجلالة والرفعة، والخامل ضدّه. وأخنى عليّ: أخذ مالي.
ضلّة، أي ضلالة، وهوى: سقط. عقابه الأول جباله، والثاني عذابه تله: تشتغل.
يضاهي: يشابه. الوبل: أكثر المطر. حال مصابه، أي حال وقوعه، والمصاب: مصدر صاب يصوب صوبا ومصابا. الحمام: الموت. روعة: فزع صاحبه حين يلقاه. صابه:
مرّه، والصاب شجر مرّ. وقصارى: آخر ونهاية، كأنه قصر عندها أي جلس فلم يجاوزها. واها: عجبا. التلافي: التدارك لما فات إغلاق بابه، أي موته.
[لقاء ملك الموت]
وفي روعة ملقاه يحكى أنّ إبراهيم ﵇، قال لملك الموت: هل تستطيع أن تريني صورتك التي تقبض عليها روح الفاجر، قال: لا تستطيع ذلك، قال: بلى، قال:
فأعرض عني، ثم التفت، فإذا هو برجل أسود قائم الشعر منتن الريح، أسود الثياب، يخرج من فيه ومن منخريه لهيب النار والدخان. فغشي على إبراهيم ﵇، ثم أفاق وقد عاد إلى صورته: فقال إبراهيم: لو لم يكن للفاجر عند موته إلا صورتك لكان حسبه.
وفي مطعم صابه، يحكى أنّ إبراهيم ﵇ قال له الله تعالى: كيف وجدت الموت يا خليلي؟ قال: كسفّود جعل في صوف رطب، قال: أما إنّا هونّا عليك. وقال لموسى ﵇: كيف وجدت الموت؟ قال كعصفور يقلى على المقلى، لا يموت فيستريح، ولا يطير فينجو. وفي رواية: كشاة تسلخ من جلدها وهي حية.
وقال كعب الأحبار لعمر ﵄، وقد سأله أن يحدّثه عن الموت، قال:
الموت يا أمير المؤمنين كغصن كثير الشّوك، أدخل جوف رجل، فأخذت كلّ شوكة بعرق، ثم جذبه رجل شديد الجذب، فأخذ الغصن ما أخذ، وأبقىما أبقى.
وكان النبي ﷺ عند موته يقول: «إن للموت لسكرات، اللهم هوّن عليّ سكرات الموت» (١).
وقالت عائشة ﵂: «لا أغبط أحدا يهون عليه الموت بعد الذي رأيته من موته ﷺ » (٢).
فهذه حال أحبابه فكيف بمن غمر في بحار المعاصي! اللهم عفوك.
وشعر المقامة مزدوج القوافي، وعارضه الزاهد بن عمران فقال: [السريع]
стр. 585
ما لي وللدنيا وعلمي بها ... غرّارة خدّاعة ما لي
تغرني حتّى إذا مكّنت ... تعبث في نفسي وفي مالي
همت بها حبا فقد أفسدت ... ما كان من صالح أعمالي
أعمى الهوى قلبي وحبّي، لها ... رأس خطاياي وأعمالي
تبكي على الفائت من حظّها ... عيني بتسكاب وإهمالي
يا ربّ زهّدني في حبها ... ولا تؤاخذني بإهمالي
وله في مثله: [السريع]
ارغب عن الدنيا وأوصافها ... مشوبة جاءتك أوصافيه
قتل أولي الألباب من فعلها ... فاصغ إلى نصحي وأوصافيه
ما بالغنى يغترّ ذو فطنة ... كلّا ولا يغترّ بالعافيه
كم من غنى قد عاد فقرا وكم ... عافية قد أصبحت عافيه
وله أيضا: [السريع]
ما الزهد يا قوم- فلا تجهلوا- ... بلبس أسمال وأخلاق
لكنه لبس ثياب التقى ... في حسن آداب وأخلاق
وله أيضا: [الطويل]
خليليّ لا يغررك منّي ظاهري ... ومهما سألت الله فاسأله لي صفحا
فلو كنت ذا علم كعلمي بباطني ... لأضربت عن ذكري أيادي النهى صفحا
ولكن أرى الله الجميل بفضله ... فلم يفش لي سرّا ولم يبد لي صفحا
وقال بعض الزهاد لصاحبه: إني أحبك في الله، فقال له: لو علمت مني ما أعلم من نفسي لأبغضتني في الله.
وله أيضا: [المتقارب]
تحفظ بدينك لا تبتذله ... ولا تلف عرضك عرضا كليما
وعدّ عن الذنب لا تأته ... وبادر بإصلاح ما منك ليما
فأنت ابن عمران موسى المسيء ... ولست ابن عمران موسى الكليما
وقال غيره: [مجزوء الكامل]
لا تأمن الدهر الخئو ... ن وخف بوادر بغتته
فالموت سهم مرسل ... والعمر قدر مسافته
***
стр. 586
قال: فظلّ القوم بين عبرة يذرونها، وتوبة يظهرونها؛ حتّى كادت الشّمس تزول، والفريضة تعول. فلمّا خشعت الأصوات، والتأم الإنصات، واستكنّت العبرات والعبارات؛ استصرخ مستصرخ بالأمير الحاضر، وجعل يجأر إليه من عامله الجائر، والأمير صاغ إلى خصمه، لاه عن كشف ظلمه.
فلما يئس من روحه، استنهض الواعظ لنصحه؛ فنهض نهضة الشّمّير، وأنشد معرّضا بالأمير.
***
قوله: «عبرة يذرونها»، أي دمعة يصبّونها. وتعول: تزيد وتضيق، يريد يضيق وقتها، ويدخل عليها وقت غيرها فترجع صلاتين. خشعت: ذلّت. التأم الإنصات: اتّصل السكوت. استكنّت العبرات والعبارات، أي سكن البكاء والكلام. استصرخ مستصرخ، أي استغاث مستغيث. يجأر: يصيح. يريد أنّ رجلا تشكّى للأمير من عامل له ولّاه عليهم، فجار، فمال الأمير مع الوالي، وترك المشتكي. وقوله: صاغ، أي مائل. ولاه:
أي تارك ومشتغل. يئس: قطع رجاءه. روحه: نصرته وعدله الذي يريح المشتكي، والرّوح: الفرح والسرور. استنهض: سأله النهوض لينصح الأمير.
عائشة ﵂: قالت: قال رسول الله ﷺ : «من كان ذا وصلة لأخيه المسلم إلى السلطان في مبلغ برّ، وتيسير عسير، أعانه الله على إجازة الصراط: يوم دحض الأقدام».
الشّمّير: الماضي في أموره: معرّضا: من التعريض وهو أن تخاطب غيره وأنت تريده.
***
[الكامل]
عجبا لراج أن ينال ولاية ... حتّى إذا ما نال بغيته بغى
يسدي ويلحم في المظالم والغا ... في وردها طورا وطورا مولغا
ما إن يبالي حين يتّبع الهوى ... فيها أأصلح دينه أم أوتغا
يا ويحه لو كان يوقن أنّه ... ما حالة ألّا تحول، لما طغى
أو لو تبيّن ما ندامة من صغا ... سمعا إلى إفك الوشاة لما صغا
فانقد لمن أضحى الزمام بكفّه ... وتغاض إن ألغى الرّعاية أولغا
وارع المرار إذا دعاك لرعيه ... ورد الأجاج إذا حماك السّيّغا
واحمل أذاه ولو أمضك مسّه ... وأسال غرب الدّمع منك وأفرغا
стр. 587
فليضحكنك الدّهر منه إذا نبا ... عنه وشبّ لكيده نار الوغى
ولينزلنّ به الشّمات إذا بدا ... متخلّيا من شغله متفرّغا
ولتأوينّ له إذا ما خدّه ... أضحى على ترب الهوان ممرّغا
نال بغيته: أي أدرك ما طلب. بغى: جار وظلم. يسدي ويلحم، أي متصرّف في المظالم طولا وعرضا، ومقبلا ومدبرا. والسّدي: خيوط الثوب طولا، واللحمة خيوطه عرضا: والغا: شاربا. وردها: ماؤها. مولغا: مسقيا غيره، ويريد أنه يباشر الظلم بنفسه تارة، ويوليه غيره أخرى. أوتغ: أفسد وأهلك.
يا ويحه، قال الأزهري رحمه الله تعالى: ويح كلمة رحمة، وويل كلمة عذاب، والفرق بين ويح وويل أنّ ويح تقال لمن وقع في بليّة، يرحم ويدعى له بالتخلص منها.
وعن عائشة ﵂ أنها قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «ويحك»، فجزعت فقال لي: «يا حميراء، إن ويح كلمة رحمة فلا تجزعي منها ولكن اجزعي من الويل».
يوقن: يحقق. تحول: تتغير. طغى: ارتفع وجاز الحدّ في الجور. صغى: مال.
إفك. كذب. الوشاة: جمع واش، وقد تقدم. انقد: أطع، يقول: من أصبح حاكمك فاتبعه وأطع له. تغاض: تغافل. ألغى: ترك. الرعاية: المحافظة للحقوق. لغا: أخطأ وقال قبيحا، ثم قال: إن حملك على الذل فاحتمله، وكنّي برعي المرار عنه. رد الأجاج: اشرب الماء المر والملح. حماك السّيّغا: منعك العذب السهل للشرب.
أمضّك: أحرقك وصيّرك مهموما، والمضّ التوجع من قول أو جرح. مسّه: وقعه بجسمك. والغرب: فيض الدمع، والغرب: الدلو.
***
[الكامل]
هذا له ولسوف يوقف موقفا ... فيه يرى ربّ الفصاحة ألثغا
وليحشرنّ أذلّ من فقع الفلا ... ويحاسبنّ على النقيصة والشّغا
ويؤاخذنّ بما اجتنى ومن اجتبى ... ويطالبنّ بما احتسى وبما ارتغى
ويناقشنّ على الدقائق مثل ما ... قد كان يصنع بالورى بل أبلغا
حتّى يعضّ على الولاية كفّه ... ويودّ لو لم يبغ منها ما بغى
***
هذا له، إشارة إلى ذل العزل. الألثغ: الأخرس المحبوس اللسان، وهو أيضا الذي يبدل الباء والراء غينا. وربّها: صاحبها. والفقع: ضرب من الكمأة من وطئه كسره لضعفه، وهو الفقّاع، وبه يضرب المثل، فيقال: أذلّ من فقع بقرقر.
الشّغا: الزيادة. اجتنى: جمع أموال الناس وضبطها لنفسه. اجتبى: اختار، يريد أنه يطالب بما أخذ من الدنيا ويحاسب على الوالي الذي اختاره وولّاه.
стр. 588
احتسى: شرب الحسوة من اللبن بعد الحسوة. ارتغى: شرب الرّغوة، أي يؤاخذ بالقليل والكثير والظاهر والباطن. يناقش: يبحث عليه ويخرج ما عنده. أبلغ: أزيد.
يبغ، يدرك ويطلب.
[الولاية والولاة]
ونذكر هنا فصلا من الآداب يحتوي على الولاية والعزل والتشكّي من الولاة، حسبما تضمّن هذا الموضع في المقامة.
قال رسول الله ﷺ : «ستحرصون على الإمارة، وتكون حسرة وندامة فنعمت المرضعة، وبئست الفاطمة» (١).
أراد عمر ﵁ أن يستعمل رجلا فبدر الرجل يطلب العمل فقال: قد كنّا أردنا لذلك، ولكن من طلب هذا العمل لم يعن عليه.
ولقي عمر ﵁ أبا هريرة ﵁ فقال: ألا تعمل؟ فقال: ما أريد العمل، قال: قد طلبه من هو خير منك، يوسف الصديق ﵇ قال: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٥].
قال المغيرة بن شعبة: أحبّ الإمرة لثلاث: لرفع الأولياء، ووضع الأعداء ولستر خاص الأشياء. وأكرهها لثلاث: لروعة البريد، وذلّ العزل وشماتة الأعداء.
وقال أمير لأعرابيّ: قل الحق وإلّا أوجعتك ضربا، قال: وأنت فاعمل به، فو الله لما وعدك الله على تركه أعظم مما توعّدتني به.
وذكر أهل السلطان عند أعرابيّ، فقال أما والله إن اعتزّوا في الدنيا بالجور لقد ذلوا في الآخرة بالعدل، ولقد رضوا بقليل، فإن عوضا من كثير باق، وإنما تزلّ القدم حيث لا ينفع الندم.
تظلم رجل للمأمون من عامل له، فقال له: يا أمير المؤمنين، ما ترك لنا فضة إلا فضّها، ولا ذهبا إلا ذهب به، ولا ماشية إلا مشى بها، ولا غلّة إلا غلّها، ولا ضيعة إلا أضاعها، ولا علقا إلا علقه، ولا عرضا إلا عرض له، ولا جليلا إلا أجلّه، ولا دقيقا إلا دقه. فعجب المأمون من فصاحته، وقضى حاجته.
قحطبة بن حميد: إني لواقف على رأس المأمون يوما، وقد جلس للمظالم فكان آخر من دخل عليه وتقدم إليه امرأة وقد همّ بالقيام، عليها أهبة السفر وثياب رثّة. فوقفت بين يديه، وقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فنظر المأمون إلى
стр. 589
يحيى بن أكثم، فقال يحيى: وعليك السلام يا أمة الله، تكلمي في حاجتك، فقالت: [البسيط]
يا خير منتصف يرجى له الرّشد ... ويا إماما به قد أشرق البلد
تشكو إليك عميد الملك أرملة ... عدا عليها فلم يترك لها سبد
وابتزّ مني ضياعي بعد منعتها ... ظلما وفرّق منّي الأهل والولد
فأطرق المأمون حينا ثم رفع رأسه فقال: [البسيط]
في دون ما قلت زال الصّبر والجلد ... عنّي وأقرح منّي القلب والكبد
هذا أوان صلاة العصر فانصرفي ... واحضري الخصم في الوقت الذي أعد
والمجلس السبت أن يقض الجلوس لنا ... ننصفك منه وإلا المجلس الأحد
فجلس يوم الأحد، فكانت أوّل من تقدم إليه، فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: وعليك السّلام، أين الخصم؟ فقالت: واقف على رأسك، وأشارت إلى ابنه العباس، فقال: يا أحمد بن أبي خالد، خذ بيده فأجلسه معها للخصومة. ففعل.
فجلس، فجعل كلامها يعلو كلامه فقال لها: أحمد يا أمة الله، أنت بين يدي أمير المؤمنين وتكلّمين الأمير، فاخفضي من صوتك، فقال له المأمون: دعها يا أحمد فالحقّ أنطقها والباطل أخرسه. ثم قضى لها بردّ ضباعها وظلم العباس. وأمر لها بنفقة وبكتاب إلى عامل بلدها أن يحسن معاونتها.
قال أبو العيناء: كان عيسى بن فرخان شاه يتيه عليّ في وزارته، فلما صرف رهبني، فلما لقيني سلّم عليّ فدنوت منه وقلت له: والله لقد كنت أقنع بإيمائك دون بيانك، وبلحظك دون لفظك، والحمد لله على ما آلت إليه حالتك، فلئن أخطأت فيك النعمة فلقد أصابت فيك النقمة، وإن كانت الدنيا أبدت مقابحها بالإقبال عليك، فلقد أظهرت محاسنها بالانصراف عنك، ولله المنة إذ أغنانا عن الكذب عليك، ونزّهنا عن قول الزور فيك، فقد والله أسأت حمل النّعم، وما شكرت حقّ المنعم. فقيل له: يا أبا عبد الله، لقد أبلغت في السّب، فما كان الذنب؟ فقال: سألته حاجة أقلّ من قيمته، فردّني عنها بأقبح من صورته.
وقال ابن الروميّ في أبي الصقر، وكان قد مدحه فلم يرفع به رأسا: [الكامل]
فلئن نكبت لطالما نكبت ... بك همة لجأت إلى سندك
لو تسجد الأيام ما سجدت ... إلا ليوم فتّ في عضدك
يا نعمة ولّت غضارتها ... ما كان أقبح حسنها بيدك
فلقد غدت بردا على كبدي ... لما غدت حرّا على كبدك
وقال فيه: [السريع]
خفّض أبا الصقر فكم طائر ... خرّ صريعا بعد تحليق
стр. 590
زوّجت نعمى لم تكن كفؤها ... فصانها الله بتطليق
لا قدّست نعمى تسربلتها ... كم حجّة فيها لزنديق
وقال فيه قبل النكبة: [الوافر]
غدا يعلو الجياد وكان يعلو ... إذا ما استفره السبت الطّراقا
أعنّتها الشّسوع فإن عراها ... حفاء الكدّ أنعلها طراقا
فزوّج بعد فقر منه نعمى ... أراني الله صبحتها طلاقا
ومن غرائب التكاتب في العزل، ما كتب به أحمد بن مهران إلى معزول: بلغني أعزّك الله انصرافك عن عملك، فسررت بذلك، ولم أستفظعه لعلمي بأن قدرك أجلّ وأعلى من أن يرفعك عمل تتولاه، أو يضعك عزل عنه، والله لو لم تختر الانصراف، وترد الانعزال، لكان في لطف تدبيرك، وثقوب رويّتك، وحسن تأتّيك، ما تزيل به السبب الداعي إلى عزلك والباعث على صرفك، ونحن إلى أن نهنّئك بهذا الحال، أولى بنا من أن نعزّيك؛ إذ أردت الصرف فأوتيته، وأحببت الاعتزال فأعطيته، فبارك الله لك في منقلبك وهنّأك النعم بدوامها، ورزقك الشكر الموجب المزيد لك فيها.
كان أبو شراعة لا يسأل ابن المدبّر حاجة إلا قضاها، ولا يشفع لأحد إلا شفّعه، فلما عزل إبراهيم بن المدبر عن البصرة شيّعه الناس، فردّهم حتى لم يبق إلا أبو شراعة، فقال يا أبا شراعة، غاية كلّ مودّع الفراق. فانصرف راشدا مكلوءا من غير قلى والله ولا ملل. وأمر له بعشرة آلاف درهم. فعانقه أبو شراعة وبكى وأطال، ثم قال وهو أحسن ما قيل في التهنئة بالعزل: [الرمل]
يا أبا إسحاق سر في دعة ... وامض مكلوءا فما منك خلف
ليت شعري أيّ أرض أجدبت ... فأريحت بك من جهد العجف
نزل اللطف من الله بهم ... وحرمناك بذنب قد سلف
إنما انت ربيع باكر ... حيثما صرّفه الله انصرف
ومن ملح هذا الباب أنّ بعض الوزراء قلّد ابن حجاج عملا، فخرج إليه يوم الخميس، وتبعه كتاب عزله يوم الأحد، فقال فيه: [مجزوء الكامل]
يا من إذا نظر الهلا ... ل إلى محاسنه سجد
وإذا رأته الشمس كا ... دت أن تموت من الحسد
يوم الخميس بعثتني ... وصرفتني يوم الأحد
والناس قد غنوا ع ... ليّ لمّا خرجت من البلد
ما قام عمرو في الولا ... ية قائما حتى قعد
***
стр. 591
ثم قال: أيّها المتوشّح بالولاية، المترشّح للرّعاية؛ دع الإدلال بدولتك، والاغترار بصولتك؛ فإنّ الدّولة ريح قلّب، والإمرة برق خلّب. وإن أسعد الرّعاة، من سعدت به رعيّته، وأشقاهم في الدّارين من ساءت رعايته؛ فلا تك ممّن يذر الآخرة ويلغيها، ويحبّ العاجلة ويبتغيها، ويظلم الرّعيّة ويؤذيها؛ وإذا تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها؛ فو الله ما يغفل الدّيان، ولا تهمل يا إنسان، ولا تلغى الإساءة ولا الإحسان؛ بل سيوضع لك الميزان، وكما تدين تدان.
قال: فوجم الوالي لما سمع، وامتقع لونه وانتقع، وجعل يتأفّف من الإمرة، ويردف الزّفرة.
[اللثغ من الشعر]
وذكر اللثغ، وللشعراء في اللثغ ما يستحسن، قال ابن شهيد: [الكامل]
مرض الجفون ولثغة في المنطق ... شيئان جرّا عشق من لم يعشق
ينبي فينبو في الكلام لسانه ... فكأنه من خمر عينيه سقي
لا ينعش الألفاظ من عثراتها ... ولو أنها كتبت له في مهرق
وأحسن ما في وصفه قول الرماديّ: [الكامل]
لا الراء تطمع في الوصال ولا أنا ... الهجر يجمعنا فنحن سواء
فإذا خلوت كتبتها في راحتي ... فبكيت منتحبا أنا والراء
اخذه أبو القاسم بن العريف، فقال: [الخفيف]
أيها الألثغ الذي شفّ قلبي ... جد بحرف ولو نطقت بسبّي
هجرك الراء مثل هجري سواء ... فكلانا معذّب دون ذنب
فإذا شئت أن أرى لي مثالا ... في غرامي خططت راء بجنبي
***
قوله: «المتوشّح» أي المحتزم. والمترشح: المهيأ للرعاية أي لحفظ الناس.
الاغترار الانخداع. صولتك: عزّك وقهرك، يقال: صال الرجل على قرنه، والفحل على إبله، أي قهر وعلا، والفحل أيضا عض، وربما همز فعل الفعل. قلّب، أي متقلّب.
خلّب: خادع لا ماء فيه، يريد أنّ الولاية تنقل من إنسان إلى آخر. تلغى: تهمل.
العاجلة: الدنيا لأن خيرها معجّل. تولّى: صار واليا. سعى: مشى مسرعا.
ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ولي من أمر أمتي شيئا
стр. 592
فحسنت سريرته رزق الهيبة في قلوبهم، وإذا بسطت يده لهم بالمعروف رزق المحبة منهم، وإذا أنصف الضعيف من القويّ قوّى الله سلطانه وإذا عدل مدّ في عمره» (١): وقال رسول الله ﷺ . «آفة الدين ولاة السوء، أيّما وال ولي شيئا من أمور المسلمين فلم ينصح لهم، ولم يجتهد كنصيحته وجهده لنفسه، كبّه الله تعالى على وجهه يوم القيامة».
وقال رسول الله ﷺ : «ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة ولا الآخرة للدنيا، ولكن من أخذ من هذه وهذه».
الديان: المجازي وهو الله ، لأنه يجزي العباد على أعمالهم.
وقال الإلبيريّ: [الكامل]
كل امرئ فيما يدين يدان ... سبحان من لم يخل منه مكان
يا عامر الدنيا ليسلكنها وما ... هي بالتي يبقى بها سكان
تفنى وتبقى الأرض بعدك مثل ما ... يبقى المناخ وترحل الركبان
أأسرّ في الدنيا بكلّ زيادة ... وزيادتي فيها هي النقصان
تهمل: تترك هملا. وجم: سكت غاضبا وامتقع وانتقع: تغيّر وذهب الدم من وجهه، ويقال في معناهما: انتقع واهتقع.
يتأفف: يقول: أف أف، وذلك فعل النادم المهموم. الزفرة: النفخة من الهمّ.
***
ثم عمد إلى الشّاكي فأشكاه، وإلى المشكوّ منه فأشجاه، وألطف الواعظ وحباه، واستدعى منه أن يغشاه، فانقلب عنه المظلوم منصورا، والظّالم محصورا، وبرز الواعظ يتهادى بين رفقته، ويتباهى بفوز صفقته. واعتقبته أخطو متقاصرا، وأريه لمحا باصرا.
فلمّا استشفّ ما أخفيه، وفطن لتقلّب طرفي فيه، قال: خير دليليك من أرشد، ثم اقترب منّي وأنشد: [الرجز]
أنا الذي تعرفه يا حارث ... حدث ملوك فكه منافث
أطرب ما لا تطرب المثالث ... طورا أخو جدّ، وطورا عابث
ما غيّرتني بعدك الحوادث ... ولا التحى عودي خطب كارث
ولا فرى حدّي ناب فارث ... بل مخلبي بكل صيد ضابث
وكل سرح فيه ذئبي عائث ... حتّى كأني للأنام وارث
* سامهم وحامهم ويافث*
***
стр. 593
أشكاه: أنصفه ورفع عنه شكواه، وفي الحديث: «شكونا إلى رسول الله ﷺ حرّ الرمضاء فلم يشكنا» (١). أي لم يزل شكوانا، أي شكوا إليه ما يصيب أقدامهم من شدّة الحر في صلاة الظهر، وسألوه تأخيرها إلى الإبراد، فلم يجبهم إلى ذلك، وأنشد يعقوب: [الرجز]
* ونشتكي لو أنها تشكينا*
***
والمشكو إليه الوالي الذي اشتكى إليه. أشجاه: آذاه وأبكاه. ألطف: برّه وأكرمه.
حباه: أعطاه الحباء. يغشاه: يزوره. محصورا: محبوسا. يتهادى: يمشي متثاقلا مشي الوقار. يتباهى: يتعاظم بفوز صفقته، بظفر قصته مع الوالي، وفاز فوزا: ظفر بخير دنياه وأخراه، وأصل الصفقة في البيع هو أن تضرب بيدك على يد مبايعك. اعتقبته: مشيت خلفه، كأنك تطأ بصدور قدميك مواطئ عقبيه. أخطو متقاصرا: أي أمشي مستخفيا متشبّها بالقصار. لمحا باصرا: أي نظرا شديدا. استشفّ: استقصى. فطن: تنبّه وشعر.
أرشد: دلّ، يقول: إذا كان لك دليلان، فخيرهما من هداك الطريق، فلما رآه ينظر وتشكك فيه. قال: خير دليليك من دلّك عليّ. اقترب: قرب.
حدث ملوك، أي يحدّثهم بما يطربون. فكه: طيب الحديث، والفكه المزّاح الحسن الخلق، وفكه فكها وفكاهة: طابت نفسه وكثر ضحكه، قال الشاعر: [الكامل]
فكه إلى جنب الخوان إذا غدت ... نكباء تقطع ثابت الأطناب (٢)
أبو عبيدة: رجل فكه: يأكل الفاكهة، وفاكه: عنده فاكهة.
وقال الشاعر أيضا: [الكامل]
فكه العشيّ إذا تأوّب رحله ... صيف الشتاء مسامح بالميسر (٣)
أي يأكل الفاكهة وقرئ «فاكهين وفكهين»: قال الفراء رحمه الله تعالى: معناهما واحد أي معجبين بما آتاهم ربهم، كطمع وطامع، وفكه وتفكه إذا تعجّب ومنه: فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ [الواقعة: ٦٥] وقيل: معناه تندمون.
قوله: منافث، أي محادث. المثالث: من أوتار العود. طورا: حينا. عابث: لاعب.
الحوادث: ما يحدثه الدهر من خير أو شر. التحى: قشر. خطب كارث: أمر ثقيل صعب.
فرى: قطع. نابي: ضرسي. فارث: مفتّت للكبد، قال الشاعر: [مجزوء الوافر]
стр. 594
هوى من صخرة صلد ... ففرث تحتها كبده
وفرثت الكرش: أخرجت ما فيها من الزبل. ضابث: قابض عليه. السرح:
لمواشي تغدو راعية في المسرح وتروح منه. عائث: مفسد آكل لها.
***
[سام وحام ويافث]
وسام وحام ويافث، أولاد نوح ﵊، وفيهم نزلت: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ [الصافات: ٧٧] وبذلك جاءت الأخبار، وهم لأمّ واحدة. وأصاب حام امرأته في السفينة. فدعا نوح ﵇ أن يغيّر الله نطقته، فجاءت بالسودان.
وذكر أهل التوراة أنّ نوحا ﵇ شرب وانتشى وتعرّى، فأبصر حام عورته، فاطّلع عليه أخواه، فأخذا رداءه فألقياه على عواتقهما، ومشيا على أعقابهما، فوارياه، فعلم نوح ﵇ بذلك، فقال: ملعون كنعان بن حام، عبد العبيد يكون لأخويه، ومبارك سام، ويكثر الله يافث.
وفي تفسير النّقاش أن نوحا لما أهبط من السفينة، نام فبدت عورته فنظر إليها حام فضحك، ولم يغيّر عليه يافث ونظر ذلك سام، فزجره وغطّى عورة أبيه، فلما استيقظ أخبره، فدعا نوح ابنه حاما فقال: يا بنيّ غيّر الله ماء صلبك، فلا تلد إلا السودان. وقال ليافث: جعل الله ذريتك عبيدا لأولاد سام، وقال لسام: جعل الله منك الأنبياء والصالحين والملوك. فكان سام القيّم بعد أبيه في الأرض، ونزل وسطها، نزل الحرم إلى اليمن إلى الشام. ومن ولده الأنبياء كلهم عربيها وعجميها. ومن ولده عاد وثمود وطسم وجديس والعماليق ويعرب وجرهم، وهم العرب العاربة، لأنالعربيّة لسانهم التي جبلوا عليها، ويقولون لبني إسماعيل العرب المتعرّبة، لأنهم إنما تكلموا بها حين سكنوا بين أظهرهم، ومن العماليق الجبابرة بالشأم والفراعنة بمصر.
سعيد بن المسيّب: سام ولده العرب وفارس والروم وفي كلّ خير، وأما يافث فمن ولده الصقالبة وبرجان والأسبان والترك والخزر ويأجوج ومأجوج.
ابن المسيب: وليس في واحد من هؤلاء خير وأما حام فمن ولده السند والهند وأجناس السودان كلّها مثل كوش والزّبح والزغاوة والحبشة والزطّ والقبط بن كنعان بن حام، والخلاف كثير.
***
قال الحارث بن همام: فقلت له: تالله إنك لأبو زيد، ولقد قمت لله ولا عمرو بن عبيد. فهشّ هشاشة الكريم إذا أمّ، وقال: اسمع يا ابن أمّ؛ ثم أنشأ يقول: [السريع]
عليك بالصّدق ولو أنّه ... أحرقك الصّدق بنار الوعيد
стр. 595
وابغ رضا الله، فأغبى الورى ... من أسخط المولى وأرضى العبيد
ثم إنه ودّع أخدانه، وانطلق يسحب أردانه. فطلبناه من بعد بالرّيّ، واستنشرنا خبره من مدارج الطيّ؛ فما فينا من عرف قراره، ولا درى أيّ الجراد عاره.
***
[عمرو بن عبيد الزاهد]
قوله: «ولا عمرو بن عبيد»، هو الزاهد الذي كان يسكن بالبصرة ويجالس الحسن البصري؛ حتى حفظ عنه شيئا كثيرا من علومه، واشتهر فضله بصحبته، وكان له سمت وإظهار زهد.
ورآه الحسن يوما فقال: هذا سيد شباب أهل البصرة إن لم يحدّث. ثم اعتزله ونهى عنه، فقال بالعزل ودعا إليه، وترك مذهب أهل السنة، واعتزل الحسن البصريّ، ونسبت إليه المعتزلة.
فأما قيامه الذي ذكره فهو دخوله على المنصور في جماعة من أهل العلم، فاستشارهم في أمر، فكلهم أشار عليه بمراده إلا عمرا فإنه لم يصحبهم ونصحه، فقال: يا أمير المؤمنين إنّ هذا الأمر لو كان باقيا لأحد قبلك لما وصلك، أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ [الفجر: ٧]، قال: فبكى المنصور حتى بلّ ثوبه، فقال الربيع: يا عمرو، غممت أمير المؤمنين، فقال عمرو: إن هذا- يعني الربيع- صحبك عشرين سنة، ما نصحك يوما واحدا، وما عمل وزراؤك بشيء من كتاب الله تعالى. فقال له المنصور: فماذا أصنع؟ هذا خاتمي في يدك، فخذه أنت وأصحابك، فاكفوني فقال عمرو: ادعنا بعدلك تسمح أنفسنا بعونك، ببابك ألف مظلمة، اردد منها واحدة حتى نعلم أنك صادق.
ويروى أنه قال له المنصور: أعنّي بأصحابك، فقال: ارفع علم الحقّ يتبعك أهله.
ثم قال له المنصور: ما حاجتك يا أبا عثمان؟ فقال له: تأمر برفع هذا الطيلسان عني، فرفع. وكان أمر المنصور أن يطرح عليه عند دخوله. فقال له: لا تدع إتياننا، قال: نعم، لا يضمّني وإياك بلد إلا أتيتك، وإن بدت لي حاجة إليك سألتك، ولكن لا تعطني حتى أسألك، ولا تدعني حتى آتيك، قال: إذا لا تأتينا أبدا، فلما ولّوا للخروج، أتبعهم المنصور بصره، ثم قال: [مجزوء الرمل]
كلّكم يمشي رويد ... كلكم حابل صيد
* غير عمرو بن عبيد*
وكان جدّه باب من سبي فارس، وكان أبوه عبيد بن باب نسّاجا، ثم تحوّل فصار للحجّاج شرطيّا بالبصرة. وكان فظّا غليظا خسيسا، وبلغه أن الناس إذا رأوا ابنه قالوا:
هذا خير الناس، ابن شرّ الناس، فقال: صدقوا، أنا كآزر وابني كإبراهيم.
وقال إسحاق بن الفضل: بينما أنا واقف إلى جنب عمارة بن حمزة بباب المنصور، إذ
стр. 596
طلع عمرو بن عبيد على حمار، فنزل ونحّى البساط برجله، وجلس دونه، فقال لي عمارة:
لا تزال بصرتكم ترمينا بأحمق، فما فصل كلامه من فيه حتى خرج الربيع، وهو يقول: أين أبو عثمان عمرو بن عبيد؟ فو الله ما دلّ على نفسه حتى أرشد إليه. فأتكأه يده، ثم قال: أجب أمير المؤمنين جعلني الله فداءك! فمرّ متوكئا عليه، فقلت لعمارة الذي استحمقه: قد دعي وتركنا، فقال: كثيرا ما يكون مثل هذا، فأطال اللّبث، ثم خرج الربيع، وعمرو متوكئ عليه، وهو يقول: يا غلام، حمار أبي عثمان. فما برح حتى أقرّه على سرجه وضمّ إليه ثوبه، واستودعه الله . فأقبل عمارة على الربيع، فقال: لقد فعلتم اليوم بهذا الرجل فعلا لو فعلتموه بوليّ عهدكم لكنتم قد قضيتم حقه. قال: فما غاب والله عنك مما فعله أمير المؤمنين أكثر وأعجب.
قال: فإن اتّسع لك الحديث فحدّثنا، فقال: ما هو إلا أن سمع أمير المؤمنين بمكانه، فما أمهل حتى أمر بمجلس ففرش لبودا، ثم انتقل هو والمهديّ إليه، وعلى المهديّ سواده وسيفه، ثم أذن له. فلما دخل عليه سلّم بالخلافة، فرد عليه، وما زال يدنيه حتى أتكأه فخذه وتحفى، ثم سأله عن نفسه وعن عياله؛ يسمّيهم رجلا رجلا وامرأة امرأة، ثم قال: يا أبا عثمان عظني، فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم* بسم الله الرحمن الرحيم وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ إلى قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [الفجر: ١٤] يا أبا جعفر، فبكى المنصور رحمه الله تعالى بكاء شديدا، وكأنه لم يسمع تلك الآية الشريفة إلا تلك الساعة، فقال: زدني، قال إن الله أعطاك الدّنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعضها، وإن هذا الأمر الذي صار إليك إنما كان في يد من كان قبلك ثم أفضى إليك، وكذلك يخرج منك إلى من هو بعدك، وإني أحذّرك ليلة تتمخّض صبيحتها عن يوم القيامة. قال: فبكى والله أشدّ من بكائه الأوّل حتى رجف جنباه، فقال له سليمان بن مالك: رفقا بأمير المؤمنين لقد أتعبته في هذا اليوم، فقال له عمرو: بمثلك ضاع الأمر وانتشر، لا أبا لك! وماذا خفت على أمير المؤمنين إن بكى من خشية الله تعالى. قال: فأنت والله الصادق البرّ، قد أمرت لك بعشرة آلاف درهم تستعين بها على سفرك وزمانك، فقال:
لا حاجة لي بها، قال: والله لتأخذنّها، قال: والله لا آخذها، فقال له المهديّ: يحلف أمير المؤمنين وتحلف! فأقبل على المنصور فقال: من هذا الفتى؟ فقال: هذا ابني محمد، وهو وليّ عهد المؤمنين، فقال: والله لقد سمّيته اسما ما استحقّه عمله، وألبسته لبوسا ما هو من لبوس الأبرار، ولقد ملّكته أمرا، أمتع ما يكون به أشغل ما يكون عنه. ثم التفت إلى المهديّ وقال: يا ابن أخي، إذا حلف أبوك حلف عمك، لأن أباك أقدر على الكفّارة من عمك. ثم قال: يا أبا عثمان، هل من حاجة؟ قال: نعم، قال: ما هي؟ قال: لا تبعث إلي حتى آتيك، قال: إذا لا نلتقي. قال: عن حاجتي سألتني، ثم استحفظه الله وودّعه، وانصرف.
فلما ولّي أتبعه المنصور بصره وهو يقول: [مجزوء الرمل]
* كلكم يمشي رويد*
الأبيات.
стр. 597
وقال إسماعيل بن مسلمة أخو القعنبيّ: رأيت الحسين بن أبي جعفر بعبّادان في المنام، فقال لي: يعقوب ويونس بن أبي عبيد في الجنّة، فقلت: فعمرو بن عبيد، فقال:
في النار، ثم رأيته في الليلة الثانية والثالثة كذلك، فقلت له في الليلة الثالثة: فعمرو بن عبيد؟ فقال: في النار، كم أقول لك!
***
قوله: «هش» أي فرح. أمّ: قصد. الوعيد: التهديد. أغبى الورى: أجهل الناس به، قال المنصور: والله ما عزّ ذو باطل، ولو طلع في جبينه القمر، ولا ذلّ ذو حق ولو أصفق العالم عليه.
وفي معنى قوله: «وابغ رضا الله ... » البيت. أنّ ابن هبيرة شاور الحسن البصريّ، فقال: يا أبا سعيد، ما تقول في كتب تأتينا من عند يزيد بن عبد الملك، فيها بعض ما فيها، فإن أنفذتها خفت سخط الله، وإن لم أنفذها خفت على دمي. فقال الحسن: يا بن هبيرة، خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، فإن الله مانعك من يزيد، ولا يمنعك يزيد من الله.
يا بن هبيرة، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فاعرض كتاب يزيد على كتاب الله ، فما وافقه فنفذه، وما خالفه فلا تنفذه. فقال: صدقتني ورب الكعبة.
وشاور معاوية الأحنف في استخلاف يزيد، فسكت، فقال: ما لك لا تقول؟ فقال:
إن صدقناك أسخطناك، وإن كذبناك أسخطنا الله ، فسخطك أهون علينا من سخط الله تعالى. قال: صدقت.
وكتب أبو الدرداء إلى معاوية: أمّا بعد، فإنه من يلتمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مئونة الناس، ومن يلتمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس.
وكتبت إليه عائشة رضي الله تعالى عنها: أما بعد فإنه من يعمل بسخط الله تعالى يصير حامده من الناس ذامّا له. والسلام.
قوله: «أخدانه» أصحابه. ويسحب أردانه: يجرّ أذياله. استنشرنا: طلبنا أن ينشر لنا. والمدرجة: الورقة تكتب فيها الرسالة، ويدرج فيها الكتاب، وأضافها إلى الطيّ لأنّها تطوى على ما فيها من الكتاب، فكأنه قال مما أدرج في الورق من الكتاب وطوي عليه، يريد أنه أرسل فيه الرسائل إلى البلاد، فلم يعرف له موضع قرّ فيه وثبت. عاره: ذهب به وأتلفه.
ويكنون بالجراد عن الناس، فكأنه قال: ما يدري أيّ الناس ذهب به. ويقال:
عارت عينه، صارت عوراء، ووعرتها أنا: فقأتها؛ فكأنه ذهب كما تذهب العين وهذا بضعف. والله أعلم بالصواب.
стр. 598
المقامة الثانية والعشرون وهي الفراتيّة
حكى الحارث بن همام قال: أويت في بعض الفترات، إلى سقي الفرات ، فلقيت بها كتّابا أبرع من بني الفرات، وأعذب أخلاقا من الماء الفرات. فأطفت بهم لتهذّبهم، لا لذهبهم، وكاثرتهم لأدبهم، لا لمآدبهم. فجالست منهم أضراب قعقاع بن شور، ووصلت بهم إلى الكور بعد الحور؛ حتّى إنّهم أشركوني في المربع والمرتع، وأحلّوني محلّ الأنملة من الإصبع. واتخذوني ابن أنسهم عند الولاية والعزل، وخازن سرّهم في الجدّ والهزل.
***
أويت، أي ملت وانضممت. الفترات: جمع فترة، وهي الهدنة والسكون؛ فكأنه قال: مشيت في بعض السنين الآمنة. والفترة أيضا: ضعف الأعضاء، والفترة أيضا ما بين نبيّ ونبيّ.
***
[سقي الفرات]
وسقي الفرات بلاد يسقيها الفرات، والفرات نهر يشقّ بلاد الروم وبلاد العراق، ويقع في البحر الحبشيّ، وجريانه خمسمائة فرسخ.
وقال الرّشاطيّ: ابتداء الفرات وفوّهته من قاليقلا من بلاد إرمينيّة، ثم يسير إلى منبج من كور قنّسرين إلى سميساط، ثم إلى ملطية، ثم إلى كيسوم من أرض الرّقة، ثم إلى الرّقة وقرقيسيا والرحبة وكور الفرات، ثم إلى الأنبار، ثم إلى الكوفة، ويلتقي مع الدّجلة ما بين واسط والبصرة، ومنها انصبابها إلى البحر، وجريانهما من الشمال إلى الجنوب.
وقال شيخنا ابن جبير: هذا النهر كاسمه فرات، وهو من أعذب المياه وأخفّها، وهو نهر كبير زخّار، تصعد فيه السفن وتنحدر. وأما سقيه في أحواز بغداد فنبين لك قدره. فذكر أنه عاينه في طريقه من الكوفة إلى بغداد، وأنه رحل مع أمير الحاجّ من الكوفة يوم السبت.
стр. 599
قال: ونزلنا قريب الظهر على نهر منسرب من الفرات، ورحلنا من ذلك الموقع، وبتنا ليلة الأحد سلخ محرّم بقرية من الحلّة، ثم جئناها يوم الأحد وهي مدينة عتيقة الموضع، مستطيلة متّصلة بالفرات من جانبها الشرقي، وهي على شاطئه، ويمتد بطولها.
ولها أسواق حفيلة جامعة للمرافق، قوية العمارة وديارها بين حدائق النخيل، وألفينا بها جسرا معقودا على مراكب كبار متصلة من الشطّ إلى الشطّ، أمر الأمير بعقدها اهتماما بالحاجّ، فعبرناها، ونزلنا على الفرات على فرسخ من البلد، والطريق من الحلّة إلى بغداد أحسن طريق وأجملها في بسائط وعمائر تتصل بها القرى يمينا وشمالا، ويشق هذه البسائط أغصان من [ماء] الفرات تسقيها، فللعين في هذه الطريق مسرح انشراح، وللنفس مزاد انبساط وانفساح.
ومن مدينة الحلّة يتسلسل الحاجّ أرسالا وأفواجا، لا يعرج المتأخر على المتقدم، فحيثما شاءوا نزلوا، ومن جملة الدواعي لافتراقهم كثرة القناطرالمعترضة في طريقهم إلى بغداد لا تكاد تمشي ميلا إلا ونجد قنطرة على نهر متفرّع عن الفرات، فلو زاحم ذلك البشر تلك القناطر دفعة، لتراكموا وقوعا بعضا على بعض.
فرحلنا من الحلّة ضحوة يوم الاثنين أوّل يوم من صفر، ونزلنا بعصره بقرية تعرف بالقنطرة، كثيرة الخصب، كبيرة المساحة، متدفقة فيها جداول الماء، وارفة الظلال بشجرات الفواكه، من أحسن القرى وأجملها، بها قنطرة محدودة تصعد إليها وتنحدر عنها على فرع من فروع الفرات، فعرفت القرية بها.
ثم رحلنا عنها بسحر الثلاثاء، ونزلنا ضحوة بالفراش؛ قرية كثيرة العمارة يشقها الماء وحولها بسيط أخضر جميل المنظر، والقرى من الحلّة إلى بغداد على صفة الفراش في الحسن والاتساع.
ثم رحلنا منها ونزلنا عشيّ النهار بزريران، وهي قرية من أجمل قرى الأرض وأحسنها منظرا، وأفسحها ساحة وأوسعها اختطاطا، وأكثرها بساتين ورياحين وحدائق من نخيل، ولها سوق تقصر عنه أسواق المدن. وحسبك من شرفها أن دجلة تسقي شرقيّها والفرات يسقي غربيّها، وهي كالعروس بينهما.
ومن شرفها أن بإزائها إيوان كسرى، وهو بناء عال في الهواء على مقدار الميل منها وأمامها بيسير مدائنه. واجتزنا سحرا على المدائن، فعاينّا من طولها واتباعها مرأى عجيبا.
ونزلنا قافلين بصرصر، وهي أخت زريران حسنا، يمرّ بجانبها القبلي نهر متفرع من الفرات وهي من القرى التي تملأ النفوس حسنا وجمالا، لها أسواق حفيلة، وجامع وجسر معقود على مراكب من الشطّ إلى الشطّ وهي من بغداد على ثلاثة فراسخ، ورحلنا منها قبل الظهر؛ وجئنا بغداد قبل العصر، على بساتين وبسائط يقصر الوصف عنها، فمن
стр. 600
أراد أن يعرف قدر سقي الفرات فليقف على هذا الفصل الذي ذكرناه.
وقوله: «كتابا أبرع من بني الفرات» ، أي أحذق وأزيد فضيلة.
[بني الفرات]
والفرات رجل من عجل كان له أبناء مشاهير بالكتابة والحذاقة والبراعة، وتقلّد الوزارة، قال في بعضهم صالح بن موسى ﵀: [المجتث]
آل الفرات نداهم ... على الفرات يزيد
وأنت فضلك فيهم ... وعليك منه شهود
وقال ابن المعتز في علي بن محمد بن الفرات: [الطويل]
أبا حسن ثبّت في الأمر وطأتي ... وأدركتني في المعضلات الهزاهز
وألبستني درعا عليّ حصينة ... فناديت صرف الدهر: هل من مبارز!
وقال عليّ بن بسام: [الطويل]
وقفت شهورا للوزير أعدّها ... فلم تثنه نحوي الحقوق السوالف
فلا هو يرعاني رعاية مثله ... ولا أنا أستحيي الوقوف وآنف
وكان موسى بن الفرات عاملا لأحمد بن الخصيب وزير المنتصر بن المتوكل، واستوزر المقتدر أبا الحسن عليّ بن محمد بن الفرات ثلاث مرات، يعزله ثم يردّه وقتل المقتدر وأبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات وزيره.
وتولّى بعض دواوين المقتدر أبو طالب بن جعفر بن الفرات والحسن بن أبي الحسين بن الفرات. فكان محل آل الفرات، الوزارة والكتابة والبراعة والحذاقة.
وحكي أن بعض الأدباء جوّز بحضرة الوزير أبي الحسن بن الفرات أنّ السين تقام مقام الصاد في كلّ موضع فقال له الوزير: أتقرأ: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ [الرعد: ٢٣]، أو «ومن سلح؟ » فخجل الرجل وانقطع.
ومثل هذه النادرة أن النضر بن شميل مرض، فدخل عليه قوم يعودونه، فقال له رجل منهم: يكنى أبا صالح: مسح الله ما بك، فقال له: لا تقل مسح بالسين ولكن بالصاد بمعنى أذهب، وهو كلام العرب. فقال أبو صالح إن السين تبدل من الصاد كالصراط والسراط وصقر وسقر، فقال له النضر: فأنت إذا أبو سالح! فخجل الرجل.
قوله: «أعذب من الماء الفرات» أي أحلى، والماء الفرات: العذب الحلو أطفت:
أي ألممت ونزلت. لتهذّبهم: لظرفهم وتخلصهم من عيوب الجفاء كاثرتهم: صاحبتهم فكثّرت عددهم بي. مآدبهم: طعامهم. أضراب: أمثال.
***