طلع عمرو بن عبيد على حمار، فنزل ونحّى البساط برجله، وجلس دونه، فقال لي عمارة:
لا تزال بصرتكم ترمينا بأحمق، فما فصل كلامه من فيه حتى خرج الربيع، وهو يقول: أين أبو عثمان عمرو بن عبيد؟ فو الله ما دلّ على نفسه حتى أرشد إليه. فأتكأه يده، ثم قال: أجب أمير المؤمنين جعلني الله فداءك! فمرّ متوكئا عليه، فقلت لعمارة الذي استحمقه: قد دعي وتركنا، فقال: كثيرا ما يكون مثل هذا، فأطال اللّبث، ثم خرج الربيع، وعمرو متوكئ عليه، وهو يقول: يا غلام، حمار أبي عثمان. فما برح حتى أقرّه على سرجه وضمّ إليه ثوبه، واستودعه الله . فأقبل عمارة على الربيع، فقال: لقد فعلتم اليوم بهذا الرجل فعلا لو فعلتموه بوليّ عهدكم لكنتم قد قضيتم حقه. قال: فما غاب والله عنك مما فعله أمير المؤمنين أكثر وأعجب.
قال: فإن اتّسع لك الحديث فحدّثنا، فقال: ما هو إلا أن سمع أمير المؤمنين بمكانه، فما أمهل حتى أمر بمجلس ففرش لبودا، ثم انتقل هو والمهديّ إليه، وعلى المهديّ سواده وسيفه، ثم أذن له. فلما دخل عليه سلّم بالخلافة، فرد عليه، وما زال يدنيه حتى أتكأه فخذه وتحفى، ثم سأله عن نفسه وعن عياله؛ يسمّيهم رجلا رجلا وامرأة امرأة، ثم قال: يا أبا عثمان عظني، فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم* بسم الله الرحمن الرحيم وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ إلى قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [الفجر: ١٤] يا أبا جعفر، فبكى المنصور رحمه الله تعالى بكاء شديدا، وكأنه لم يسمع تلك الآية الشريفة إلا تلك الساعة، فقال: زدني، قال إن الله أعطاك الدّنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعضها، وإن هذا الأمر الذي صار إليك إنما كان في يد من كان قبلك ثم أفضى إليك، وكذلك يخرج منك إلى من هو بعدك، وإني أحذّرك ليلة تتمخّض صبيحتها عن يوم القيامة. قال: فبكى والله أشدّ من بكائه الأوّل حتى رجف جنباه، فقال له سليمان بن مالك: رفقا بأمير المؤمنين لقد أتعبته في هذا اليوم، فقال له عمرو: بمثلك ضاع الأمر وانتشر، لا أبا لك! وماذا خفت على أمير المؤمنين إن بكى من خشية الله تعالى. قال: فأنت والله الصادق البرّ، قد أمرت لك بعشرة آلاف درهم تستعين بها على سفرك وزمانك، فقال:
لا حاجة لي بها، قال: والله لتأخذنّها، قال: والله لا آخذها، فقال له المهديّ: يحلف أمير المؤمنين وتحلف! فأقبل على المنصور فقال: من هذا الفتى؟ فقال: هذا ابني محمد، وهو وليّ عهد المؤمنين، فقال: والله لقد سمّيته اسما ما استحقّه عمله، وألبسته لبوسا ما هو من لبوس الأبرار، ولقد ملّكته أمرا، أمتع ما يكون به أشغل ما يكون عنه. ثم التفت إلى المهديّ وقال: يا ابن أخي، إذا حلف أبوك حلف عمك، لأن أباك أقدر على الكفّارة من عمك. ثم قال: يا أبا عثمان، هل من حاجة؟ قال: نعم، قال: ما هي؟ قال: لا تبعث إلي حتى آتيك، قال: إذا لا نلتقي. قال: عن حاجتي سألتني، ثم استحفظه الله وودّعه، وانصرف.
فلما ولّي أتبعه المنصور بصره وهو يقول: [مجزوء الرمل]
* كلكم يمشي رويد*
الأبيات.
стр. 597
وقال إسماعيل بن مسلمة أخو القعنبيّ: رأيت الحسين بن أبي جعفر بعبّادان في المنام، فقال لي: يعقوب ويونس بن أبي عبيد في الجنّة، فقلت: فعمرو بن عبيد، فقال:
في النار، ثم رأيته في الليلة الثانية والثالثة كذلك، فقلت له في الليلة الثالثة: فعمرو بن عبيد؟ فقال: في النار، كم أقول لك!
***
قوله: «هش» أي فرح. أمّ: قصد. الوعيد: التهديد. أغبى الورى: أجهل الناس به، قال المنصور: والله ما عزّ ذو باطل، ولو طلع في جبينه القمر، ولا ذلّ ذو حق ولو أصفق العالم عليه.
وفي معنى قوله: «وابغ رضا الله ... » البيت. أنّ ابن هبيرة شاور الحسن البصريّ، فقال: يا أبا سعيد، ما تقول في كتب تأتينا من عند يزيد بن عبد الملك، فيها بعض ما فيها، فإن أنفذتها خفت سخط الله، وإن لم أنفذها خفت على دمي. فقال الحسن: يا بن هبيرة، خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، فإن الله مانعك من يزيد، ولا يمنعك يزيد من الله.
يا بن هبيرة، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فاعرض كتاب يزيد على كتاب الله ، فما وافقه فنفذه، وما خالفه فلا تنفذه. فقال: صدقتني ورب الكعبة.
وشاور معاوية الأحنف في استخلاف يزيد، فسكت، فقال: ما لك لا تقول؟ فقال:
إن صدقناك أسخطناك، وإن كذبناك أسخطنا الله ، فسخطك أهون علينا من سخط الله تعالى. قال: صدقت.
وكتب أبو الدرداء إلى معاوية: أمّا بعد، فإنه من يلتمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مئونة الناس، ومن يلتمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس.
وكتبت إليه عائشة رضي الله تعالى عنها: أما بعد فإنه من يعمل بسخط الله تعالى يصير حامده من الناس ذامّا له. والسلام.
قوله: «أخدانه» أصحابه. ويسحب أردانه: يجرّ أذياله. استنشرنا: طلبنا أن ينشر لنا. والمدرجة: الورقة تكتب فيها الرسالة، ويدرج فيها الكتاب، وأضافها إلى الطيّ لأنّها تطوى على ما فيها من الكتاب، فكأنه قال مما أدرج في الورق من الكتاب وطوي عليه، يريد أنه أرسل فيه الرسائل إلى البلاد، فلم يعرف له موضع قرّ فيه وثبت. عاره: ذهب به وأتلفه.
ويكنون بالجراد عن الناس، فكأنه قال: ما يدري أيّ الناس ذهب به. ويقال:
عارت عينه، صارت عوراء، ووعرتها أنا: فقأتها؛ فكأنه ذهب كما تذهب العين وهذا بضعف. والله أعلم بالصواب.
стр. 598
المقامة الثانية والعشرون وهي الفراتيّة
حكى الحارث بن همام قال: أويت في بعض الفترات، إلى سقي الفرات ، فلقيت بها كتّابا أبرع من بني الفرات، وأعذب أخلاقا من الماء الفرات. فأطفت بهم لتهذّبهم، لا لذهبهم، وكاثرتهم لأدبهم، لا لمآدبهم. فجالست منهم أضراب قعقاع بن شور، ووصلت بهم إلى الكور بعد الحور؛ حتّى إنّهم أشركوني في المربع والمرتع، وأحلّوني محلّ الأنملة من الإصبع. واتخذوني ابن أنسهم عند الولاية والعزل، وخازن سرّهم في الجدّ والهزل.
***
أويت، أي ملت وانضممت. الفترات: جمع فترة، وهي الهدنة والسكون؛ فكأنه قال: مشيت في بعض السنين الآمنة. والفترة أيضا: ضعف الأعضاء، والفترة أيضا ما بين نبيّ ونبيّ.
***
[سقي الفرات]
وسقي الفرات بلاد يسقيها الفرات، والفرات نهر يشقّ بلاد الروم وبلاد العراق، ويقع في البحر الحبشيّ، وجريانه خمسمائة فرسخ.
وقال الرّشاطيّ: ابتداء الفرات وفوّهته من قاليقلا من بلاد إرمينيّة، ثم يسير إلى منبج من كور قنّسرين إلى سميساط، ثم إلى ملطية، ثم إلى كيسوم من أرض الرّقة، ثم إلى الرّقة وقرقيسيا والرحبة وكور الفرات، ثم إلى الأنبار، ثم إلى الكوفة، ويلتقي مع الدّجلة ما بين واسط والبصرة، ومنها انصبابها إلى البحر، وجريانهما من الشمال إلى الجنوب.
وقال شيخنا ابن جبير: هذا النهر كاسمه فرات، وهو من أعذب المياه وأخفّها، وهو نهر كبير زخّار، تصعد فيه السفن وتنحدر. وأما سقيه في أحواز بغداد فنبين لك قدره. فذكر أنه عاينه في طريقه من الكوفة إلى بغداد، وأنه رحل مع أمير الحاجّ من الكوفة يوم السبت.
стр. 599
قال: ونزلنا قريب الظهر على نهر منسرب من الفرات، ورحلنا من ذلك الموقع، وبتنا ليلة الأحد سلخ محرّم بقرية من الحلّة، ثم جئناها يوم الأحد وهي مدينة عتيقة الموضع، مستطيلة متّصلة بالفرات من جانبها الشرقي، وهي على شاطئه، ويمتد بطولها.
ولها أسواق حفيلة جامعة للمرافق، قوية العمارة وديارها بين حدائق النخيل، وألفينا بها جسرا معقودا على مراكب كبار متصلة من الشطّ إلى الشطّ، أمر الأمير بعقدها اهتماما بالحاجّ، فعبرناها، ونزلنا على الفرات على فرسخ من البلد، والطريق من الحلّة إلى بغداد أحسن طريق وأجملها في بسائط وعمائر تتصل بها القرى يمينا وشمالا، ويشق هذه البسائط أغصان من [ماء] الفرات تسقيها، فللعين في هذه الطريق مسرح انشراح، وللنفس مزاد انبساط وانفساح.
ومن مدينة الحلّة يتسلسل الحاجّ أرسالا وأفواجا، لا يعرج المتأخر على المتقدم، فحيثما شاءوا نزلوا، ومن جملة الدواعي لافتراقهم كثرة القناطرالمعترضة في طريقهم إلى بغداد لا تكاد تمشي ميلا إلا ونجد قنطرة على نهر متفرّع عن الفرات، فلو زاحم ذلك البشر تلك القناطر دفعة، لتراكموا وقوعا بعضا على بعض.
فرحلنا من الحلّة ضحوة يوم الاثنين أوّل يوم من صفر، ونزلنا بعصره بقرية تعرف بالقنطرة، كثيرة الخصب، كبيرة المساحة، متدفقة فيها جداول الماء، وارفة الظلال بشجرات الفواكه، من أحسن القرى وأجملها، بها قنطرة محدودة تصعد إليها وتنحدر عنها على فرع من فروع الفرات، فعرفت القرية بها.
ثم رحلنا عنها بسحر الثلاثاء، ونزلنا ضحوة بالفراش؛ قرية كثيرة العمارة يشقها الماء وحولها بسيط أخضر جميل المنظر، والقرى من الحلّة إلى بغداد على صفة الفراش في الحسن والاتساع.
ثم رحلنا منها ونزلنا عشيّ النهار بزريران، وهي قرية من أجمل قرى الأرض وأحسنها منظرا، وأفسحها ساحة وأوسعها اختطاطا، وأكثرها بساتين ورياحين وحدائق من نخيل، ولها سوق تقصر عنه أسواق المدن. وحسبك من شرفها أن دجلة تسقي شرقيّها والفرات يسقي غربيّها، وهي كالعروس بينهما.
ومن شرفها أن بإزائها إيوان كسرى، وهو بناء عال في الهواء على مقدار الميل منها وأمامها بيسير مدائنه. واجتزنا سحرا على المدائن، فعاينّا من طولها واتباعها مرأى عجيبا.
ونزلنا قافلين بصرصر، وهي أخت زريران حسنا، يمرّ بجانبها القبلي نهر متفرع من الفرات وهي من القرى التي تملأ النفوس حسنا وجمالا، لها أسواق حفيلة، وجامع وجسر معقود على مراكب من الشطّ إلى الشطّ وهي من بغداد على ثلاثة فراسخ، ورحلنا منها قبل الظهر؛ وجئنا بغداد قبل العصر، على بساتين وبسائط يقصر الوصف عنها، فمن
стр. 600
أراد أن يعرف قدر سقي الفرات فليقف على هذا الفصل الذي ذكرناه.
وقوله: «كتابا أبرع من بني الفرات» ، أي أحذق وأزيد فضيلة.
[بني الفرات]
والفرات رجل من عجل كان له أبناء مشاهير بالكتابة والحذاقة والبراعة، وتقلّد الوزارة، قال في بعضهم صالح بن موسى ﵀: [المجتث]
آل الفرات نداهم ... على الفرات يزيد
وأنت فضلك فيهم ... وعليك منه شهود
وقال ابن المعتز في علي بن محمد بن الفرات: [الطويل]
أبا حسن ثبّت في الأمر وطأتي ... وأدركتني في المعضلات الهزاهز
وألبستني درعا عليّ حصينة ... فناديت صرف الدهر: هل من مبارز!
وقال عليّ بن بسام: [الطويل]
وقفت شهورا للوزير أعدّها ... فلم تثنه نحوي الحقوق السوالف
فلا هو يرعاني رعاية مثله ... ولا أنا أستحيي الوقوف وآنف
وكان موسى بن الفرات عاملا لأحمد بن الخصيب وزير المنتصر بن المتوكل، واستوزر المقتدر أبا الحسن عليّ بن محمد بن الفرات ثلاث مرات، يعزله ثم يردّه وقتل المقتدر وأبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات وزيره.
وتولّى بعض دواوين المقتدر أبو طالب بن جعفر بن الفرات والحسن بن أبي الحسين بن الفرات. فكان محل آل الفرات، الوزارة والكتابة والبراعة والحذاقة.
وحكي أن بعض الأدباء جوّز بحضرة الوزير أبي الحسن بن الفرات أنّ السين تقام مقام الصاد في كلّ موضع فقال له الوزير: أتقرأ: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ [الرعد: ٢٣]، أو «ومن سلح؟ » فخجل الرجل وانقطع.
ومثل هذه النادرة أن النضر بن شميل مرض، فدخل عليه قوم يعودونه، فقال له رجل منهم: يكنى أبا صالح: مسح الله ما بك، فقال له: لا تقل مسح بالسين ولكن بالصاد بمعنى أذهب، وهو كلام العرب. فقال أبو صالح إن السين تبدل من الصاد كالصراط والسراط وصقر وسقر، فقال له النضر: فأنت إذا أبو سالح! فخجل الرجل.
قوله: «أعذب من الماء الفرات» أي أحلى، والماء الفرات: العذب الحلو أطفت:
أي ألممت ونزلت. لتهذّبهم: لظرفهم وتخلصهم من عيوب الجفاء كاثرتهم: صاحبتهم فكثّرت عددهم بي. مآدبهم: طعامهم. أضراب: أمثال.
***
стр. 601
[القعقاع بن شور]
القعقاع بن شور، قال المبرّد: هو رجل سيد من عبد الله بن دارم، وكان إذا جالسه جليس فعرفه بالقصد إليه جعل له نصيبا في ماله، وأعانه على عدوّه، وشفع له في حاجته، وغدا إليه بعد المجالسة شاكرا له؛ حتى شهر بذلك.
قال الفنجديهيّ: هو القعقاع بن شور بن عمرو بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل الشيباني، وهو من الأجواد والأسخياء، يضرب به المثل في حسن المجالسة والمعاشرة وإتيان الجليس بالشيء النفيس.
قال أبو عبيد: وكان من جلساء معاوية، فأهدى إلى معاوية هدايا يوم المهرجان فيها جامات ذهب وفضة، فدفعها إلى جلسائه ودفع إلى القعقاع جام ذهب، وفي القوم أعرابيّ إلى جنب القعقاع، فدفع إليه لجام فأخذه الأعرابي ونهض ينشد: [الوافر]
وكنت جليس قعقاع بن شور ... ولا يشقى بقعقاع جليس (١)
ضحوك السن إن نطقوا بخير ... وعند الشرّ مطراق عبوس
[مما قيل في البر في الجليس شعرا]
ومما يستحسن في البر بالجليس قول صاعد اللغويّ: [مجزوء الوافر]
لي من سرّ بني العبا ... س خلّ وجليس
شهد المجد عليه ... أنه العلق النفيس
فإذا جالسته لم ... تدر من منّا الجليس
وقال كشاجم: [مجزوء الوافر]
جليس لي أخو ثقة ... كأنّ حديثه حبره (٢)
يسرك حسن ظاهره ... وتحمد منه مختبره
ويستر عيب صاحبه ... ويستر أنه ستره
وقال آخر: [مجزوء الوافر]
جليس لي له أدب ... رعاية مثله تجب
لو انتقدت خلائقه ... تبهرج عندها الذهب
стр. 602
وقال آخر: [الخفيف]
لي صديق غلطت بل لي مولى ... من لمثلي بأن يكون صديقي
نتلاقى التقاء روح بروح ... بضروب التقبيل والتعنيق
ليس في الأرض من يميز منا ... عاشقا في اللقاء من معشوق
أين ما وصف به القعقاع من قول والبة المشهور: [السريع]
قلت لندماني على خلوة ... أدن كذا رأسك من راسيا
ونم على وجهك لي ساعة ... إني امرؤ أنكح جلّاسيا
والبة بن الحباب شيخ الحسن بن هاني أدّبه صغيرا، فتخلّق بخلقه. وقال الحسن:
[الخفيف]
وجليس كأنّ في وجنتيه ... كلّ شيء تسمو إليه النفوس
قد أصبنا منه فتستغفر الله كثيرا ... وقد يصاب الجليس
[الحور والكور]
قوله: الكور والحور، أي الزيادة والنقصان، وكلام العرب: نعوذ بالله من الحور بعد الكور، أي من النقصان بعد الزيادة، فقلب اللفظ على مراده، وهو من كور العمامة، وهو استعارة من نقض الأمر، كنقض العمامة بعد كورها وهو شدّها، وكار عمامته: شدّها على رأسه وجمعها وحاربها فنقضها وأفسدها.
وأمر الحجاج رجلا على جيش، ثم بعثه مرة أخرى تحت لواء أمير آخر، فقال:
هذا الحور بعد الكور، فقال له الحجاج: وما الحور بعد الكور؟ قال: النقصان بعد الزيادة، فعلى هذا أكثر أهل اللغة.
وقيل معناها: نعوذ بالله من الخروج عن الجماعة بعد كوننا في الكور، وهو الاجتماع، من كار عمامته جمعها في رأسه. وحارها: أفسدها.
ويروى «بعد الكون»، من قولهم: حار بعد ما كان، أي كان على حالة جميلة فرجع عنها. وقيل: معناه نعوذ بك من خروجنا عن الجماعة بعد الكون على الاستقامة فحذف للعلم به.
***
في المرتع والمربع، يعني المأكل والمنزل، والمرتع الاتساع في الأكل الكثير والشرب، والمربع: المنزل في الربيع، من ربعت في الموضع أقمت فيه. الأنملة: طرف الأصبع أي عظموه ورفعوه فوق رءوسهم.
стр. 603
ابن أنسهم، أي الذي يأنسون به. عند الولاية والعزل: أي زمن العمل والعطل.
خازن: كاتم وحابس.
***
فاتّفق أن ندبوا في بعض الأوقات، لاستقراء مزارع الرّزداقات، فاختاروا من الجواري المنشآت، جارية حالكة الشّيات، تحسبها جارية وهي تمرّ مرّ السّحاب، وتنساب في الحباب كالحباب. ثمّ دعوني إلى المرافقة، فلبّيت بلسان الموافقة.
***
ندبوا، أي دعوا. استقراء، أن تتبّع. الرزداقات: العمالات والأنظار، وأراد أنهم خرجوا عمالا على الزرع، وكل موضع أو قرية انفصل عن المدينة بعمله فهو رزداق ورستاق ومخلاف وكورة، فالرزداق بخراسان وهو فارسيّ عربيّ، والمخلاف لليمن، والكورة لغيرهما من الأرضين.
الجواري: السفن. المنشآت: المصنوعات. حالكة الشيات: مسودّة اللون، والشية في الفرس لون يخالف لونه كالغرّة والتحجيل وغير ذلك، فأراد أن موضع البياض في غير السفينة هو منها أسود فهي كلها سوداء جامدة: ساكنة.
[وصف السفن]
وركب السّلاميّ دجلة في زورق، ولم يكن رأى دجلة قبل ذلك فقال: [الوافر]
وميدان تجول به خيول ... تقود الدّراعين ولا تقاد
ركبت به إلى اللذات طرفا ... له جسم وليس له فؤاد
جرى فحسبت أن الأرض وجه ... ودجلة ناظر وهو السّواد
وقال القاضي التنوخيّ يصف دجلة في الظلام: والقمر يلمع عليها، وينتظم في سلك أبيات السّلاميّ رحمه الله تعالى: [الكامل]
أحسن بدجلة والدّجى متصوّب ... والبدر في أفق السماء مغرّب
فكأنها فيه بساط أزرق ... وكأنه فيها طراز مذهب
وقال منصور بن كيغلغ: [الكامل]
كم ليلة سامرت فيها بدرها ... من فوق دجلة قبل أن يتغيّبا
والبدر يجنح للأفول كأنه ... قد سلّ فروق سيفا مذهبا
وتسميته للسفينة جارية، لجريانها على الماء، قال تعالى في السفن العظام: وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ [الشورى: ٣٢].
стр. 604
ولبعضهم: [الكامل]
يا من تأهّب مزمعا لرواح ... متيمّما بغداد غير ملاح
في بطن جارية كفتك بسيرها ... رقلان كل شناحة وشناح
فكأنها والماء ينطح صدرها ... والخيزرانة في يد الملّاح
جون من العقبان يبتدر الدّجى ... يهوى بصوت واصطفاق جناح
الشّناح: الجمل التامّ الخلق.
وقال عبد الجليل بن وهبون يصف الأسطول: [الكامل]
يا حسنها يوما شهدت زفافها ... بنت الفضاء إلى الخليج الأزرق
من كلّ لابسة الشباب ملاءة ... حسب اقتدار الصّانع المتأنّق
ومجاذف تحكي أراقم ربوة ... نزلت لتكرع في غدير متأق
والماء في شكل الهواء فلا ترى ... في شكلها إلّا جوارح تلتقي
ولابن حريق: [الكامل]
وكأنما سكن الأراقم جوفها ... من عهد نوح صاحب الطوفان
فإذا رأين الماء يطفح نضنضت ... من كلّ خرق حيّة بلسان
***
قوله: ينساب، أي تمشي بسلاسة. الحباب: طرائق الماء. والحباب، بالضم:
الحيّة. وتشبيهه المشي السهل بحباب الماء أفشى وأعرف من تشبيهه بمشي الحية، وتشبيهه بمشي الحية قد استعمل، وهو متمكن في المعنى، وبه وقع التشبيه هنا في المقامة، وقال امرؤ القيس في تشبيهه بحباب الماء: [الطويل]
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سموّ حباب الماء حالا على حال (١)
وقال ابن الروميّ: [البسيط]
فصغت ذلك من قولي إلى قمر ... يلهو بمكتحل طورا ومختضب
جرت تدافع من وشي لها حسن ... تدافع الماء في وشني من الحبب
وقال عمر بن أبي ربيعة في مشي الحية: [الطويل]
فلمّا فقدت الصوت منهم وأطفئت ... مصابيح شبّت بالعشاء وأنور (٢)
стр. 605
وغاب قمير كنت أرجو غيوبه ... وروّح رعيان وهوّم سمّر
وخفّض عني الصوت أقبلت مشية ال ... حباب وركنى خيفة القوم أزور
ثبت في الكتب الصحاح ضم الحاء وقول الأعرابيّ: [الوافر]
من المتصدّيات لغير سوء ... تسيل إذا مشت سيل الحباب
يروى بالفتح والضم. وابن الإفليلي يأبى إلا الضم.
وقال أبو القاسم بن هانئ فجمع بين التشبيهين: [الكامل]
قامت تميس كما تدافع جدول ... وانساب أيم في نقا يتهيّل
وأتت تزجّي ردفها بقوامها ... فتأطّر الأعلى وماج الأسفل
وقال آخر ورفع الاحتمال: [السريع]
لما دنا الليل بأرواقه ... ولاحت الجوزاء والمرزم
أقبلت والوطء خفيف كما ... ينساب في مكمنه الأرقم
وما أحسن قول ابن شهيد في معناه: [المتقارب]
ولمّا تمكن من سكره ... ونام ونامت عيون العسس
دنوت إليه على رقبة ... دنوّ محبّ درى ما التمس
أدبّ إليه دبيب الكرى ... وأسمو إليه سموّ النّفس
أقبّل منه بياض الطّلى ... وأرشف منه اللّمى واللّعس
***
فلمّا تورّكنا على المطيّة الدهماء، وتبطنّا الوليّة الماشية على الماء، ألفينا بها شيخا عليه سحق سربال، وسبّ بال، فعافت الجماعة محضره. وعنّفت من أحضره، وهمّت بإبرازه من السّفينة، لولا ما ثاب إليها من السّكينة؛ فلمّا لمح منّا استثقال ظلّة، واستبراد طلّه، تعرّض للمنافثة فصمّت، وحمدل بعد أن عطس فما شمّت.
***
قوله: المطية الدهماء، هي السفينة السوداء. وتورّكناها: قعدنا عليها متكئين.
وتبطّنا: دخلنا بطنها. الوليّة المطيعة. وأوهم لقول الناس: فلان وليّ يمشي على الماء، فلما كانت مطيعة لخدامها ماشية على الماء سماها وليّة. ألفينا: وجدنا. سحق سربال، أي قميص خلق. والسّب: الخمار. فيريد أنّ عليه مئزرا أو خمارا باليا، والمئزر كالخمار
стр. 606
للمرأة. عافت: كرهت. عنّفت: لامت وأغلظت له القول، والعنف ضدّ الرفق. ثاب:
رجع.
قال الفرّاء رحمه الله تعالى: معنى السكينة الطمأنينة.
أبو عبيدة: هي فعيلة من السّكون. وتشبه حالة أبي زيد هنا في إهانته أوّلا وإكرامه آخرا حالة معبد في دخول السفينة، وقد تقدّمت في الثامنة عشرة.
لمح: رأى. والظلّ، يوصف بالثقل مبالغة في ثقل صاحبه، يقال للمستثقل: ظلك عليّ ثقيل، أي أخف ما يمكن أن يوجد منك الظلّ السريع الانتقال يثقل علينا، فيصوّر شخصك أي منزلته من الثقل، وإنما يتصور ثقل الظل حقيقة إذا أخذ عليك إنسان عين الشمس في زمن البرد أو ضوأها وأنت تنظر ما يدفئ.
[مما قيل في الثقلاء]
ومما قيل في ثقيل: [مجزوء الرمل]
أنت يا هذا ثقيل ... وثقيل وثقيل
أنت في المنظر إنسا ... ن وفي المخبر فيل
لو تعرضت لظلّ ... فسد الظلّ الظليل
وكان الأعمش إذا حضر مجلسه ثقيل ينشد: [المتقارب]
فما الفيل تحمله ميّتا ... بأثقل من بعض جلّاسيا
وذكر ثقيلا كان يجلس إلى جانبه، فقال: والله إني لأبغض شقّي الذي يليه منّي.
وكان حماد بن سلمة إذا أري من يستثقله قرأ: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ [الدخان: ١٢].
عائشة ﵂: نزلت آية في الثّقلاء: فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ [الأحزاب: ٥٣].
الشعبي: من فاتته ركعتا الفجر فليعلن الثقلاء.
وكان أبو هريرة ﵁ إذا رأى ثقيلا قال: اللهمّ اغفر له وأرحنا منه.
قيل لجالينوس: لم صار الرجل الثقيل أثقل من الحمل الثقيل؟ قال: لأن ثقله على القلب دون الجوارح، والحمل الثقيل يستعين القلب بالجوارح عليه.
وقال طبيب للحجاج: إياك ومجالسة الثقلاء، فإنا نجد في الطبّ أن مجالستهم حمى الروح.
وقال حكيم لآخر: لا تصحبنّ ثقيلا، فمن يصحبه فإنما يعذّب روحه.
وقيل: سخنة العين النظر إلى الثقلاء.
стр. 607
وكان بعضهم إذا رأى ثقيلا غشي عليه. وكان آخر إذا رأى ثقيلا غمّض عينيه.
وكان بعض الظرفاء إذا رأى ثقيلا قال: قد جاءكم الجبل، فإن جلس عندهم قال:
قد وقع عليكم.
وسمع الأعمش كلام ثقيل فقال: من هذا الذي يتكلّم وقلبي يتألم.
قال رجل لخالد بن صفوان: أتستثقل فلانا؟ قال: أوّه كدت والله أن تصدع قلبي بذكره، والله لهو أثقل من شراب الترنجبيل بماء التين في أيام الحكاك بعقب التخمة وأوان الحجامة.
سلّم ثقيل على بعض الظرفاء فقال: وعليك السّلام شهرا.
قعد ثقيل عند ظريف، فسئل عن ذلك، فقال: كانت نفسي قد شمخت عليّ فأردت أن أهينها بذلك.
وقال رجل لغلام هاشمي: يا بغيض، فشكاه إلى أبيه، فقال: قد علمت أنك بغيض، فكرهت أن أقوله لك حتى يكون بغضك بإسنادك.
وسئل إنسان له ثلاث بنين ثقلاء: أيّ بنيك أثقل؟ فقال: ليس بعد الكبير أثقل من الصغير إلا الأوسط.
كان أبو العتاهية يقول لابنه محمد: أنت والله يا محمد ثقيل الظلّ، مظلم الهواء جامد النسيم، بارد حامض منتن.
قال سهل بن هارون: من ثقّل عليك نفسه، وغمك سؤاله فأعره أذنا صماء، وعينا عمياء.
وأنشدوا: [السريع]
مشتمل بالبغض لا تنثني ... إليه لحظا مقلة الرامق (١)
يظلّ في مجلسنا قاعدا ... أثقل من واش على عاشق
وقال بعضهم: [الكامل]
يا من تبرّمت الدنيا بطلعته ... كما تبرّمت الأجفان بالسّهد
إني لأذكره حينا فأحسبه ... من ثقله جالسا مني على كبدي
ولبعضهم: [مجزوء الخفيف]
نظر العين نحوه ... - علم الله- يمرض
فإذا ما أردتم ... أن تروه فغمّضوا
стр. 608
لا تصبكم ملمّة ... والملمّات تعرض
وقال بعضهم: [مخلع البسيط]
شخصك في مقلة النّديم ... أوحش من نحسة النجوم
يا رجلا وجهه علينا ... أثقل من منّة اللئيم
إني لأرجو بما أقاسي ... منك خلاصي من الجحيم
وقال بعضهم أيضا: [المتقارب]
ولي خلّتان على هامتي ... جلوسهما مثل حدّ الوتد
ثقيلان لم يعرفا حفّة ... فهذا الصّداع وذاك الرمد
والأشعار في الثقلاء كثيرة وفي كتب الآداب مشهورة، فلنقتصر على هذه النبذة.
قوله: استبراد طلّه. الطّل: أضعف المطر، وهو الرذاذ، وأكثر نزوله ساكنا بغير ريح، ولا برد في الغالب يكون معه، فكنى هنا بالطّل عن كلامه القليل، وإنه عندهم بارد الحديث، وإن كان ما جاء منه ثقيل مؤذ.
وقد جاء في ذلك: [المتقارب]
ولو مازج النار في حرّها ... حديثك أطفأ منها اللهب
وقال آخر في شعر الصولي: [السريع]
داري بلا خيش ولكنّني ... عقدت من خيشي طاقين
دار متى ما اشتد بي حرّها ... أنشدت للصّوليّ بيتين
وكلامه: [الطويل]
ويوم كتنور الطهاة سجرته ... على أنه منه أحرّ وأوقد
ظللت به عند المبرّد جالسا ... فما زلت في ألفاظه أتبرّد
لقي برد الخيار المغني أبا العباس المبرد في يوم ثلج بالجسر، فقال له: أنت المبرّد وأنا برد الخيار، واليوم كما ترى: اعبر بنا لا يهلك الناس من الفالج بسببنا. وقال كشاجم رحمه الله تعالى: [المتقارب]
غناء مديح بأرض الحجاز ... يطيب وأما بحمص فلا
لبرد الغناء وبرد الهواء ... فإن جمعا خفت أن يقتلا
قوله: تعرّض، أي تهيأ. المنافثة: الكلام معهم. صمّت: سكت. ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «موقع حديث الرجل من القوم كموقعه من قلوبهم».
стр. 609
حمدل: قال الحمد لله. ما شمّت: ما أدخل عليه السرور بقولهم: يرحمك الله تعالى.
ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من عطس أو تجشأ فقال الحمد لله على كل حال دفع بها عنه سبعون داء أهونها الجذام».
[في تشميت العاطس]
وقال النبي ﷺ : «إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله، والذي يشمّت: يرحمك الله، وليقل هو: يهديكم الله، ويصلح بالكم» (١).
ومما يستظرف من حديث العطاس أن صوفيّا في بلدنا كان حافظا للشعر، فلا يعرض في مجلسه معنى إلا وينشد عليه شعرا، فاتفق أن عطسرجل بمحضره، فشمّته الحاضرون، فدعا لهم، فرأى الصوفيّ أن تشميته قطع إنشاده بما لا يشاكله من النظم، وإن لم يشمته كان تقصيرا في البر. فأصبح للطلبة راغبا أن ينظم له هذا المعنى، فقال الوزير الحسيب أبو عمرو بن محمد: [السريع]
يا عاطسا يرحمك الله إن ... أعلنت بالحمد على عطستك
ادع لنا ربّك يغفر لنا ... وأخلص النية في دعوتك
وقل له يا سيّدي رغبتي ... حضور هذا الجمع في حضرتك
وأنت يا ربّ النداء والندى ... بارك ربّ الناس في ليلتك
فإن يكن منك لنا دعوة ... فأنت محمود على عودتك
وهذا الوزير الشريف إنما يصرف شعره في أوصاف الغزلان، ومخاطبات الإخوان.
وكتب إليّ يستهديني كتاب العقد: [الطويل]
أيا من غدا سلكا بجيد معارفه ... ومن لفظه زهر أنيق لقاطفه
محبّك أضحى عاطل الجيد فلتجد ... بعقد على لبّاته وسولفه
وتوعّك في بعض الأعياد فعاده من أعيان الطلبة جملة، فلما همّوا بالانصراف أنشدهم ارتجالا: [الكامل]
لله درّ عصابة أمجاد ... شرف النداء بقصدهم والنّادي
لما أشاروا بالسّلام وأربعوا ... أنشدتهم وصدقت في الإنشاد
في العيد عدتم وهو يوم عروبة ... يا فرحتي بثلاثة الأعياد
***
стр. 610
فأخرد ينظر فيما آلت حاله إليه، وينتظر نصرة المبغيّ عليه. وجلنا نحن في شجون، من جدّ ومجون؛ إلى أن اعترض ذكر الكتابتين وفضلهما، وتبيان أفضلهما، فقال قائل: إن كتبة الإنشاء أنبل الكتّاب؛ ومال مائل إلى تفضيل الحسّاب. واحتدّ الحجاج، وامتدّ اللّجاج؛ حتّى إذا لم يبق للجدال مطرح، ولا للمراء مسرح؛ قال الشيخ: لقد أكثرتم يا قوم اللّغط، وأثرتم الصّواب والغلط، وإنّ جليّة الحكم عندي، فارتضوا بنقدي، ولا تستفتوا أحدا بعدي.
***
قوله: أخرد: أي سكت ذلّا، ويروى: خرد، أي سكت حياء واستتر، تقول:
أخردت وخردت من حرّ الشمس. أي استترت، وأقرد من لفظ القرد أو القراد، وأخرد من لفظ الخريدة. آلت: رجعت. المبغيّ عليه أي المظلوم، وأراد أن ينظر النّصرة على أعدائه، من قوله تعالى: ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ [الحج: ٦٠] جلنا: تصرّفنا.
شجون: ضروب من الكلام، ومنه: الحديث شجون، أي فنون، ومشتبك بعضه ببعض.
وفي الحديث: «الرحم شجنة من الله»، معناه القرابة مشتبك بعضها ببعض، كاشتباك العروق. اعترض: تصلّب وظهر. الإنشاء: الكتابة. وكتبة الإنشاء هم كتبة بين يدي السلطان وهم المترسّلون. أنبل: أعظم قدرا. والحسّاب. كتبة الزمام.
احتدّ: اشتدّ. والحجاج: المحاجّة واللجاج: ركوب الرجل على الباطل، مطرح:
موضع يطرح فيه. المراد قد تقدّم. آثرتم: فضلتم. جليّة: بيان. نقدي: تمييزي.
***
اعلموا أنّ صناعة الإنشاء أرفع، وصناعة الحساب أنفع، وقلم المكاتبة خاطب، وقلم المحاسبة حاطب، وأساطير البلاغة تنسخ لتدرس، ودساتير الحسبانات تنسخ وتدرس. والمنشئ جهينة الأخبار، وحقيبة الأسرار، ونجيّ العظماء، وكبير الندماء، وقلمه لسان الدّولة، وفارس الجولة، ولقمان الحكمة، وترجمان الهمّة. وهو البشير والنّذير، والشّفيع والسّفير. به تستخلص الصّياصي، وتملك النّواصي، ويقتاد العاصي، ويستدنى القاصي، وصاحبه بريء من التّبعات، آمن كيد السّعاة، مقرّظ بين الجماعات، غير معرّض لنظم الجماعات.
***
قوله: خاطب، أي جامع للكلام. حاطب: جامع للحطب، يريد أنّ المنشئ كالخطيب يختار من الكلام النفيس فيسرقه، ولا يبالي كاتب الحساب بما كتب، ويكون
стр. 611
حاطب بمعنى مجمع للمال. أساطير: أحاديث، وهي جمع أسطار، وأسطار: جمع سطر. وقيل: الأساطير: جمع أسطورة وإسطارة. دساتير: أزمّة. تدرس: تمحى أو تترك حتى تتغيّر.
[قصة المثل: عند جهينة الخبر اليقين]
جهينة الأخبار، أي العارف بها. واختلفوا في المثل، قال الأصمعي رحمه الله تعالى: جفينة بالجيم والفاء.
وقال أبو عبيدة رحمه الله تعالى: حفينة، بحاء غير معجمة.
وقال ابن الكلبي: جهينة بالجيم والهاء، وهو الصحيح.
وأصله أنّ حصين بن عمرو بن معاوية بن كلاب خرج يطلب فرصة فاجتمع برجل من جهينة يقال له الأخنس بن كعب، فنزلا في بعض منازلهما. وتعاقدا ألّا يلقيا أحدا إلا سلباه، وكلاهما فاتك يحذر صاحبه، فلقيا رجلا، فسلباه كلّ ما معه فقال لهما: هل لكما أن تردّا عليّ بعض ما أخذتما منّي وأدلّكما على مغنم؟ فقالا: نعم، قال هذا رجل لخميّ قدم من بعض الملوك بمغنم كثير، وهو خلفي في موضع كذا، فردّا عليه بعض ماله، وطلبا اللخميّ، فوجداه نازلا في ظل شجرة وقدّامه طعامه وشرابه، فحيّاه وحيّاهما، وعرض عليهما الطعام، فنزلا وأكلا، وشربا مع اللخميّ. ثم إن الأخنس ذهب لبعض شأنه، فلما رجع أبصر سيف صاحبه مسلولا، واللخميّ يتشحّط في دمه، فسلّ سيفه، وقال: ويحك! قتلت رجلا قد تحرّمنا بطعامه وشرابه! فقال: اقعد يا أخا جهينة، فلهذا وشبهه خرجنا. ثم إنّ الجهنيّ شغل صاحبه بشيء، ثم وثب عليه فقتله، وأخذ متاعه ومتاع اللخميّ. ثم انصرف إلى قومه راجعا بماله، وكانت لحصين أخت تسمّى صخرة، فكانت تبكيه في المواسم وتسأل عنه فلا تجد من يخبرها بخبره، فقال الأخنس حين أبصرها: [الوافر]
وكم من فارس لا تزدريه ... إذا شخصت لرؤيته العيون
علوت بياض مفرقه بعضب ... فأضحى في الفلاة له سكون
يذلّ له العزيز وكلّ ليث ... من العقبان مسكنه العرين
فأضحت عرسه ولها عليه ... بعيد هدوء رقدتها أنين
كصخرة إذ تسائل في مراح ... وفى جرم وعلمهما ظنون
تسائل عن حصين كلّ ركب ... وعند جهينة الخبر اليقين (١)
стр. 612
فمن يك سائلا عنه فعندي ... لسائله الحديث المستبين
مراح وجرم: قبيلتان.
حقيبة: وعاء. نجيّ: متكلم. النّدماء: الجلساء على الخمر، يريد أن أصحابه أعيان وأشراف. النذير: المخوّف. السفير: الرسول بين القوم. تستخلص: تملك وتحصل. الصّياصي: الحصون. النواصي: الرءوس، وأصل الناصية شعر مقدّم الرأس.
القاصي: البعيد. التّبعات: المطالبات. السّعاة جمع ساع، وهو جابي الصدفة. مقرّظ:
ممدوح. نظم الجماعات: تجميل الحساب، والجماع: الأخلاط وضروب من الناس، والجماع: كل شيء انضم بعضه إلى بعض وتجمّع؛ أراد أنّ كاتب التراسيل قد أمن من مكر عمّال الزّكوات الذين يسرقون مال الرعيّة والسلطان ولا يعرّض لأن يؤلف ما افترق من الخراج حتى يصير جماعات.
***
فلمّا انتهى في الفصل، إلى هذا الفصل، لحظ من لمحات القوم أنّه ازدرع حبّا وبغضا، وأرضى بعضا وأحفظ بعضا. فعقّب كلامه بأن قال: إلّا أنّ صناعة الحساب موضوعة على التّحقيق، وصناعة الإنشاء مبنيّة على التّلفيق، وقلم الحاسب ضابط، وقلم المنشئ خابط. وبين إتاوة توظيف المعاملات، وتلاوة طوامير السّجلّات، بون لا يدركه قياس، ولا يعتوره التباس، إذ الإتاوة تملأ الأكياس، والتّلاوة تفرّغ الرّاس، وخراج الأوارج، يغني النّاظر، واستخراج المدارج يعنّي النّاظر.
***
الفصل، أي القضاء والحكم، وأراد أنه فصل في القضاء بين الصنفين من الكتاب.
إلى هذا الفصل، أي إلى هذا الحدّ. والفرق، فالأول من فصل الحاكم بين الخصمين فصلا: قضى، والثاني من فصلت بين الشيئين فصلا وفصولا: فرقت، يريد أنه فصل بين الكلام المتقدّم والكلام المستأنف، وأراد أنه ازدرع في قلوب كتبة الإنشاء حبّه لمدحه لهم، وفي قلوب كتبة الحساب بغضه لمّا قصّر بهم، فأخذ يستأنف مدحهم.
أحفظ: أغضب. عقّب: أتبع، وأراد بالتحقيق أن صنعة الحساب برهانية محققة.
والتلفيق: ضمّ شيء لطيف إلى مثله، ولفقت الشيء تلفيقا ضممت بعض أجزائه إلى بعض. ضابط: محقق، والضبط الأخذ بشدة، ورجل ضابط للشيء، إذا قوي عليه فلم يفلت منه. خابط: مغرّر، وخبط: مشى على غير هداية.
الإتاوة: الخراج والجباية إلى بيت المال. توظيف: تقسيط. ووظّف على الناس
стр. 613
الغرم: قسّطه عليهم، والوظيفة: نصيبك الذي تغرمه. المعاملات: أنواع من علم الحساب، وأصلها مصدر عاملت الرجل معاملة إذا وافقته على بيع أو كراء أو إجازة أو غير ذلك مما يتعامل به الناس بعضهم مع بعض. تلاوة: قراءة. طوامير السجلات: بطائق التّرسيل، والطّومار: الكتاب. بون: بعد. يعتوره: يتداوله ويقصده. التباس: شك.
الأكياس: أوعية الدراهم. والإتاوة: رشوة العمّال: قال النبي ﷺ : «هدايا العمال رشوة». تغرّغ الرأس: تهوّسه بكثرة الدروس والسهر. الأوارج: أزمّة الخراج. وقيل:
صنف من الخراج. الناظر: العامل فيها، وأورجها، إذا تولى عملها والقيام بها.
المدراج: الرسائل، سمّيت بذلك لأنها تدرج، أي تطوى على ما فيها، واستخراجها:
تتبع معانيها بجودة النظر ودرس ألفاظها. يعنّي: يتعب. الناظر: سواد العين، يريد أنّ كاتب الزمام في راحة وهو يملي على أكياسه بالدراهم. وكاتب الرسالة متعوب قليل المال.
***
ثمّ إن الحسبة حفظة الأموال، وحملة الأثقال، والنّقلة الأثبات، والسّفرة الثّقات، وأعلام الإنصاف والانتصاف، والشّهود المقانع في الإخلاف، ومنهم المستوفي الذي هو يد السّلطان، وقطب الدّيوان، وقسطاس الأعمال، والمهيمن على العمّال، وإليه المآب في السّلم والهرج، وعليه المدار في الدّخل والخرج، وبه مناط الضّرّ والنّفع، وفي يده رباط الإعطاء والمنع.
ولولا قلم الحسّاب، لأودت ثمرة الاكتساب، ولاتّصل التّغابن إلى يوم الحساب. ولكان نظام المعاملات محلولا، وجرح الظّلامات مطلولا، وجيد التّناصف مغلولا، وسيف التّظالم مسلولا. على أنّ يراع الإنشاء متقوّل، ويراع الحساب متأوّل. والمحاسب مناقش، والمنشئ أبو براقش، ولكليهما حمة حين يرقى، إلى أن يلقى ويرقى، وإعنات فيما ينشا، حتّى يغشى ويرشى؛ إلّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم.
***
النّقلة: الأثبات، أي هم على يقين وثبات فيما ينقلون. السّفرة: الكتبة. الثّقات:
الأمناء. أعلام الإنصاف: يريد المشاهير بإنصاف السلطان من الناس والناس منه، وتقول:
أنصفت الرجل: أعطيته حقّه، وانتصفت منه: أخذت حقك. والمقانع: الذين يقنع بفعلهم، أي يرضى. والإخلاف: جودة الزرع، تقول: أخلف الزرع، إذا طاب؛ وردّ على أصحابه أضعاف ما نفق عليه. المستوفي: رأس المشارب. قطب: أصل. وقطب
стр. 614
القوم سيّدهم الذي يدبر أمرهم ويدورون على رأيه، بمنزلة قطب الرحى الذي تدور عليه.
الديون: دار كتاب الخراج، وهو فارسيّ معرّب. قسطاس: ميزان؛ يريد أنه ميزان العمل الذي يعتدل به.
المهيمن: الشاهد. المآب: الرجوع. السّلم والهرج: الصلح والحرب. المدار:
المعوّل، أي عليه أن يعول في إدارة ما يدخل على السلطان من المال من رعيته، وما يخرج عنه من لوازم الأجناد وغيرهم، وفلان كثير الدخل والخرج، إذا كثر ما يدخل عليه من الفوائد وما يخرج عنه من الإنفاق.
مناط: تعلّق. أودت: هلكت. نظام: خيط. مطلولا: هدرا أي باطلا لا حق فيه.
التناصف: أخذ الحق وإعطاؤه، واستعار له عنقا، وجعله مغلولا؛ أي محبوسا بغلّ.
التظالم: ضدّ التناصف. يراع: أقلام. متقوّل: منحول ما يقوله. متأوّل: مدبّر؛ يريد أنّ الملك يلقي للكاتب مقصده، فيحسن الكاتب الألفاظ ويرتّب الفقر، فيزيد في كتابته ألفاظا على ما حدّ له بالضرورة، فتلك الزيادات ضرب من التقوّل وهو أن يقول على الرجل ما لم يقل، وكاتب الحساب لا يحتاج إلى تقوّل. مناقش: مباحث. أبو براقش:
أي يأتي بأنواع مختلفة، وأبو براقش: طائر فيه ألوان شتّى، مشتق من البرقشة، وهي النقش والرقم، يقال: برقشت الثوب. وأنشد سيبويه وعزاه أبو عمرو بن العلاء لبعض بني أسد: [مجزوء الكامل]
إن يبخلوا أو يحسنوا ... أو يعذروا لا يحفلوا (١)
يغدوا عليك مرجّلي ... ن كأنهم لم يفعلوا
كأبي براقش كل حي ... ن لونه يتخيّل
وأبو براقش وأبو قلمون، كنية للرجل الكثير التلوّن، القليل الارتباط، وأصل أبي قلمون كنية لثياب إبريسم تنسج بمصر والروم، تتلوّن للعيون ألوانا شتى. وفي البديعية:
[المجتث]
أنا أبو قلمون ... في كل لون أكون
стр. 615
حمة بالتخفيف: سمّ وشرّ. يرقى: يصعد في منزله، ويرتفع في أصابع الكاتب حين يكتب به. يرقى: إشارة للرشوة لأنها تسكن شرّة، كما تسكن الرقية الوجع، إعنات: مشقّة. ينشى: يكتب. يغشى: يقصد ويدخل عليه.
[حائك الكلام]
هذه المقامة بناها أبو محمد على حكاية حائك الكلام المشهور، لأنهم حقروه أولا في السفينة ثم عظموه آخرا بعد الاختبار.
ونذكر الحكاية وإن طالت لموافقتها المقامة: حدّث عمرو بن مسعدة (١) أنّ المعتصم لمّا رجع من الثغر، وصار بناحية الرّقة قال لي: ما زلت تسألني في الرخّجي (٢) حتى ولّيته الأهواز، وقعد في سرّة الدنيا يأكلها خضما وقضما، ولم يوجّه إلينا بدرهم واحد، اخرج إليه من ساعتك، واحلف ألّا تقيم ببغداد إلّا يوما واحدا، فحلفت له، وقلت في نفسي: أبعد الوزارة أصير مستحثّا لعالم خراج! ولم أجد بدّا من طاعته.
فخرجت إلى بغداد، ففرش لي زورق، وغشّي بالسّلخ (٣)، فلما صرت عند دير هزقل، وإذا رجل يصيح: يا ملاح، رجل منقطع، فقلت للملاح: قرب إلى الشطّ، فقال: هذا شحاذ، وإن قعد معك، آذاك فأمرت الغلمان فأدخلوه في كوثل الزّورق (٤)، فلما حضر الغداء دعوته فأكل أكل جائع، إلّا أنه نظيف، فلما رفع الطعام، أردت أن يستعمل معي ما يستعمل العوامّ مع الخاصة؛ أن يقوم فيغسل يده في ناحية، فلم يفعل، فغمزه الغلمان فلم يفعل، فقلت: يا هذا، ما صناعتك؟ فقال: حائك، فقلت في نفسي: هذه شرّ من الأولى، ثم قال لي: جعلت فداك! سألتني عن صناعتي فأخبرتك، فما صناعتك؟ فقلت:
هذه والله أعظم، فكرهت ذكر الوزارة فقلت: كاتب.
فقال: الكاتب على خمسة أصناف: كاتب رسائل ويحتاج أن يعرف الفصل من الوصل، والتهاني والتعازي والصدور وجملا من الإعراب. وكاتب خراج يحتاج إلى أن يعرف الزرع والمساحة والتقسيط والحساب. وكاتب جند، يحتاج إلى أن يعرف شيات الخيل وحلى الناس وكاتب شرطة يحتاج إلى أن يعرف الجراح والقصاص والدّيات، وكاتب قاض يحتاج إلى أن يعرف الفقه والوثائق وما يتعلق بذلك، فأيهم أنت أعزك الله تعالى؟
قلت: كاتب رسائل، قال: فأخبرني؛ إن كان لك صديق تكتب له في المحبوب
стр. 616
والمكروه، فتزوّجت أمه، كيف تكتب إليه؟ تهنيه أو تعزيه؟ قلت: والله لا أدري، وهو بالتعزية أولى، قال: صدقت، فكيف تعزيه؟ قلت: والله لا أدري وهو بالتعزية أولى، قال: صدقت، فكيف تعزيه؟ قلت: والله لا أدري.
قال: فلست بكاتب رسائل: فأيهم أنت؟ قلت: كاتب خراج، قال: فما تقول وقد ولّاك السلطان عملا، فجاء قوم يتظلّمون من بعض عمالك، فأردت أن تنصفهم، وكنت تحب العدل وتؤثر حسن الأحدوثة، وكان لأحدهم قراح (١) فأردت مساحته؟ قلت:
أضرب العطوف في العمود. قال: إذن تظلم الرجل، قلت: فأمسح العمود على حدة، والعطوف على حدة، قال: إذن تظلم الناس، قلت: والله فما أدري؟ قال: فلست بكاتب خراج، فأيهم أنت؟ قلت: كاتب جند.
فقال: فما تقول في رجلين اسم كل واحد منهما أحمد، أحدهما مقطوع الشفة العليا، والآخر مقطوع السفلى كيف تكتب عليهما؟ قلت: أكتب أحمد الأعلم وأحمد الأعلم. قال: وكيف ورزق هذا مائة درهم ورزق الآخر ألف درهم، فيقبض هذا على دعوة هذا، فتظلم صاحب الألف، قلت: والله ما أدري! قال: فلست بكاتب جند، فأيهم أنت؟ قلت: كاتب قاض.
قال: فما تقول في رجل توفّي وخلّف زوجة وسرّية، وللزوجة بنت وللسّريّة (٢) ابن، فتنازعتا فيه، فقالت كلّ واحدة منهما هذا ابني وقالت واحدة هذا ابني، كيف تحكم بينهما وأنت خليفة القاضي! قلت: والله ما أدري؟ قال: فلست بكاتب قاض، قال: فأيّهم أنت؟ قلت: كاتب شرطة.
قال: فما تقول في رجل وثب على رجل، فشجّه شجّة موضحة (٣)، فوثب عليه المشجوج فشجّه شجّة مأمومة (٤)، فقلت: لا أعلم، وقد سألت ففسّر لي ما ذكرت.
قال: أما الرجل الذي تزوّجت أمه، فتكتب إليه: أما بعد فإنّ أحكام الله تعالى تجري بغير محابّ المخلوقين، والله يختار للمخلوق، فخار الله لك في قبضها إليه، فإن القبر أكرم لها، والسلام.
قال: وأما القراح فتضرب واحدا في واحد في مساحة العظوف، فتمّ بابه.
قال: وأما المقطوع العليا فتكتب عليه أحمد الأعلم، وعلى المقطوع السفلى أحمد الأشرم، وأما المرأتان فيوزن لبنهما، فأيتهما كان لبنها أخفّ فهي صاحبة البنت. وفي الموضحة خمس من الإبل، وفي المأمومة ثمانية وعشرون.
стр. 617
قلت: فما نزع بك إلى هنا؟ قال: ابن عم لي كان عاملا على ناحية فخرجت إليه فلقيته معزولا، فخرجت إلى بعض النواحي اضطرب في المعاش، قلت: أليس قد ذكرت أنك حائك! قال: أنا أحوك الكلام، ولست بحائك الثياب. فلما بلغنا الأهواز أمرت الحجام فأحفي من شعره، وأدخل الحمام، فكسوته من ثيابي، وكلمت الرخّجي فيه في الأهواز فأعطاه خمسة آلاف درهم، ورجع معي.
فقال لي المعتصم: ما كان من خبرك في طريقك؟ فأخبرته خبري، ثم خبر الرجل، فقال: هذا لا يستغنى عنه، فلأيّ شيء يصلح؟ قلت: هو والله يا أمير المؤمنين أعلم الناس بالمساحة والهندسة، فولّاه البناء، فكنت ألقاه في الموكب النّبيل فينزل عن دابته فأمنعه، فيقول: يا سبحان الله! إنما هذه نعمتك، وبك أفدتها.
ومثل إيهامه هنا أنه حائك إيهام أبي زيد في التاسعة أنه نظام.
***
قال الحارث بن همام: فلمّا أمتع الأسماع، بما راق وراع، استنسبناه فاستراب، وأبى الانتساب، ولو وجد منسابا لأنساب. فحصلت من لبسه على غمّة؛ حتّى ادّكرت بعد أمّة. فقلت: والّذي سخّر الفلك الدّوّار، والفلك السّيّار، إنّي لأجد ريح أبي زيد، وإن كنت أعهده ذا رواء وأيد.
فتبسّم ضاحكا من قولي، وقال: أنا هو على استحالة حالي وحولي؛ فقلت لأصحابي: هذا الّذي لا يفرى فريّه، ولا يبارى عبقريّه. فخطبوا منه الودّ، ويذلوا له الوجد؛ فرغب عن الألفة، ولم يرغب في التّحفة، وقال: أمّا بعد إن سحقتم حقّي، لأجل سحقي، وكسفتم بالي، لإخلاق سربالي، فما أراكم إلّا بالعين السّخينة، ولا لكم منّي إلا صحبة السفينة.
***
قوله: «أمتع الأسماع» أي متّع الآذان ولذّذها، ومنه يقال في الكتابة: أبقاك الله وأمتع بك، ومعناه: أطال الله عمره، من الماتع وهو الطويل عند العرب، ومنه متع النهار، أي علا، وقال الأنصاريّ. [الكامل]
واها لأيام الصّبا وزمانه ... لو كان أمتع بالمقام قليلا!
ونبلاء الكتاب يكتبون بها إلى الأتباع والأدنياء، ولا يكتبون بها إلى الأكفاء والأعلون.
***
стр. 618
[من أخبار الأدباء والشعراء]
وكتب محمد بن عبد الملك الزيات إلى عبد الله بن طاهر كتابا في صدره: وأمتع بك، فكتب إليه ابن طاهر: [المنسرح]
أحلت عما عهدت من أدبك ... أم نلت ملكا فتهت في كتبك
أم قد ترى أنّ في ملاطفة ال ... إخوان نقصا عليك في أدبك
إن جفا كتاب ذي مقة ... يكون في صدره: وأمتع بك
أتعبت كفّيك في مخاطبتي ... حسبك ممّا لقيت من تعبك
فأجابه ابن الزيات: [المنسرح]
كيف أخون الإخاء يا أملي ... وكلّ شيء أنال من سببك
إن يك جهل أتاك من قبلي ... فعد بفضل عليّ من حسبك
أنكرت شيئا ولست فاعله ... ولن تراه يخطّ في كتبك
فاعف فدتك النفوس عن رجل ... يعيش حتى الممات في أدبك
ومن ملح أجوبة ابن الزيات أن الحسن بن وهب مرض فلم يعده، ولا تعرف خبره، فكتب إليه الحسن: [الخفيف]
أيّ هذا الوزير أيدك الله ... وأبقاك لي زمانا طويلا
أجميلا تراه يا أكرم النا ... س لكيما أراه أيضا جميلا
إنني قد أقمت عشرا عليلا ... ما ترى مرسلا إليّ رسولا
إن يكن يوجب التعهد في الصح ... بة منّا عليّ منك طويلا
فهو أولى يا سيّد الناس برّا ... وافتقادا لمن يكون عليلا
فأجابه ابن الزيات: [الخفيف]
دفع الله عنك نائبة الدّه ... ر وحاشاك أن تكون عليلا
أشهد الله ما علمت وماذا ... ك من العذر جائزا مقبولا
ولعمري أن لو علمت فلا رم ... تك حولا لكان عندي قليلا
فاجعلن لي وإلى التعلّق بالعذ ... ر سبيلا إن لم أجد لي سبيلا
فقديما ما جاد بالصّفح والعف ... وو ما سامح الخليل خليلا
وكتب بعض الكتاب إلى صديق له يعاتبه على ترك عيادته: [الكامل]
يا جافيا ترك السؤال بعبده ... نفسي فداؤك من ملول قاطع
اعتلّ عبدك من تشكّى رأسه ... ستّا وأردفها بيوم سابع
стр. 619
فحبست رسلك عن تعهد علّتي ... وقطعت من سبب الوصال مطامعي
وعلمت منك تماديا في جفوتي ... فرجعت في عفوي كأحسن راجع
فأجابه الآخر: [الكامل]
لا والّذي قسم الجمال بفضله ... فحباك منه بالضّياء اللامع
ما إن علمت بعلّة لك سيدي ... إلا بخطّك في القريض البارع
وإذا أتتك رسالتي فقرأتها ... فأقبل فديتك من مقرّ خاضع
وكان الحسن بن وهب يتعشّق غلاما لأبي تمام روميّا، وكان أبو تمام يتعشق غلاما للحسن خزريّا، فرآه أبو تمام يعبث بغلامه، فقال: والله لئن أعنقت في الرّوم لأركضنّ إلى الخزر، وما أشبّهك إلّا بداود وأشبّه نفسي بخصمه، فقال الحسن: لو كان هذا منظوما خفناه، والمنثور عارض لا حقيقة له، فقال أبو تمام: [البسيط]
أبا عليّ لصرف الدهر والغير ... وللحوادث والأيام والعبر
أذكرتني أمر داود وكنت فتى ... مصرّف القلب في الأهواء والذّكر
أعندك الشمس لم يحظ المغيب بها ... وأنت مضطرب الأحشاء بالقمر
إن أنت لم تترك السير الحثيث إلى ... جآذر الروم أعنقنا إلى الخزر
وكان الحسن يكتب لابن الزيات، فلما وقف على ما بينهما من أمر الغلامين، تقدّم إلى بعض ولده، وكانوا يجلسون عند ابن وهب أن يعلموه ما يدور بينهما، فعزم غلام أبي تمام على الحجامة، فكتب إلى الحسن يعلمه بذلك، ويسأله توجيه نبيذ مطبوخ فوجّه إليه مائة دنّ ومائة دينار وخلعة وبخورا وكتب إليه: [الخفيف]
ليت شعري يا أملح النّاس عندي ... هل تداويت بالحجامة بعدي!
دفع الله عنك لي كلّ سوء ... باكر رائح وإن خنت عهدي
قد كتمت الهوى بمبلغ جهدي ... فبدا منه غير ما كنت أبدي
وخلعت العذار فليعلم النا ... س بأنّي إليك أصفي بودّي
وليقولوا بما أحبوا إذا كن ... ت وصولا ولم ترعني بصدّ
من عذيري من مقلتيك ومن إش ... راق وجه من تحت حمرة حدّ
ووضع الرقعة تحت مصلّاه، وأعلم ابن الزيات خبرها، فأرسل في الحين، وشغله بشيء، ووجّه من جاءه بها. فلما قرأها كتب فيها على لسان أبي تمام: [الخفيف]
ليت شعري عن ليت شعرك هذا ... أبهزل تقوله أم بجدّ
فلئن كنت في المقال محقّا ... يا بن وهب لقد تطرّفت بعدي
وتشبّهت بي وكنت أرى أنّ ... ي أنا العاشق المتيم وحدي
стр. 620
إن مولاي عبد غيري ولولا ... شؤم جدّي لكان مولاي عبدي
ثم قال: ضعوا الرقعة مكانها، فلما قرأها الحسن قال: إنا لله افتضحنا عند الوزير.
وأعلم أبا تمام، فتلقّياه فقالا: إنا جعلنا هذين الغلامين سببا لتكاتبنا بالأشعار، فقال لهما: ومن يظن بكما غير هذا! فكان قوله عليهما أشدّ.
محمد بن إسحاق: قلت لأبي تمام: غلامك أطوع للحسن من غلامه لك، قال:
إني أعطي غلامه قيلا وقالا، ويعطي غلامي ثيابا ومالا، وقال أبو تمام في غلامه:
[السريع]
يا عمرو قل للقمر الطالع ... اتّسع الخرق على الراقع
يا طول فكري فيك من حامل ... لرقعة مفكوكة الطابع
ما أنت إلا رشا جؤذر ... حلّ بمغنى أسد جائع
قوله: راق، أي أعجب. راع: أفزع لإفراط حسنه. استنسبناه: سألناه عن نفسه، وهذا من قول النبي ﷺ «إذا جاء الرجل الرجل، فليسأله عن اسمه واسم أبيه وممن هو، فإن ذلك أوصل للمودة» (١). استراب: دخلته الريبة. منسابا: موضعا يدخل فيه. لبسه:
تخليطه. وغمة القلب: ما يعطيه من الشك أو الهمّ، فأراد أنّه لبّس عليه فلم يعرفه.
ادّكرت، أي ذكرت. أمّة: حين. الفلك: مدار النجوم. والفلك السيّار: أي السفينة السريعة. والفلك لفظ يقع للواحد والجمع. أعهده: أعرفه. رواء: فتوّة وحسن هيئة.
أيد: قوّة. استحالة: تغير. الحول: القوة، وأيضا الحيلة. ولو خاطبه ابن همام بشعر لكان للشريف الرضي في جوابه للصابي، وقد شكا إليه الهرم والجلوس في المحفّة وامتناعه من التصرف، فقال: [الطويل]
لئن رام قبضا من بنانك حادث ... لقد عاضنا منك انبساط جنان (٢)
وإن أقعدتك النائبات فطالما ... سرى موقرا من مجدك الملوان
وإن هدّمت منك الخطوب بمرّها ... فثمّ لسان للمناقب بان
قوله: «لا يفري فريّه»، أي لا يقطع قطعه ولا يعمل عمله، قال الحوافزان:
وما ارتعشت كفّي ولا طاش ضربها ... إذا طرحوا بالفارس المتهلّل
ولكنها إذ ذاك تفري فريّها ... وتقرع رأس الفارس المتقتّل
يباري عبقريّه: يجاري جنيّه، ولفظ الحريري كله منتزع من الحديث الصحيح قال رسول الله ﷺ «رأيت فيما يرى النائم كأني على بئر وأرى جميع الناس، فجاء أبو بكر
стр. 621
فنزل ذنوبا أو ذنوبين. وفيه ضعف، والله يغفر له. ثم جاء عمر ﵁ فاستحالت بيده غربا، فلم أر عبقريا من الرجال يفري فريّه، حتى ضرب الناس بأعطانهم» (١). يقال رجل عبقريّ، أي كامل قويّ، والعبقريّ أيضا الحسن من كل شيء. الوجد: المال.
رغب عن الألفة، أي تباعد عن الصحبة. ولم يرغب في التحفة، أي لم يطمع في العطيّة، أي لم يقبل عطيّتهم ولا صحبتهم. سحقتم: نقضتم وغيّرتم. سحقي: ثوبي البالي. وكسفتم بالي: تنقّصتم حالي وغيرتموها. سربالي: قميصي. السخينة: الساخطة الحارة الدمع.
***
ثم أنشد: [الكامل]
اسمع أخيّ وصيّة من ناصح ... ما شاب محض النّصح منه بغشّه
لا تعجلن بقضيّة مبتوتة ... في مدح من لم تبله أو خدشه
وقف القضيّة فيه حتّى تجتلي ... وصفيه في حالي رضاه وبطشه
ويبين خلّب برقه من صدقه ... للشائمين، ووبله من طشّه
فهناك إن تر ما يشين فواره ... كرما وإن تر ما يزين فأفشه
ومن استحقّ الارتقاء فرقّه ... ومن استحطّ فحطّه في حشّه
واعلم بأنّ التّبر في عرق الثّرى ... خاف إلى أن يستثار بنبشه
وفضيلة الدينار يظهر سرّها ... من حكّه لا من ملاحة نقشه
ومن الغباوة أن تعظّم جاهلا ... لصقال ملبسه ورونق رقشه
أو أن تهين مهذّبا في نفسه ... لدروس بزّته ورثّة فرشه
ولكم أخي طمرين هين لفضله ... ومفوّف البردين عيب لفحشه
وإذا الفتى لم يغش عارا لم تكن ... أسماله إلّا مراقي عرشه
ما إن يضرّ العضب كون قرابه ... خلقا ولا البازي حقارة عشّه
***
شاب: أي خلط، ومحضه: خالصه. وغشه: عيبه وفساده.
وللزاهد بن عمران في النصيحة: [مجزوء الكامل]
стр. 622
اسمع أخيّ نصيحتي ... والنّصح من أصل الديانة
لا تعرضنّ إلى الشها ... دة والوساطة والأمانه
تسلم من أن تعزى لزو ... ر أو فضول أو خيانه
وقال آخر فيمن لا يقبل النصيحة: [المتقارب]
إذا ما هديت امرأ مخطئا ... أضلّ السبيل إلى قصده
ولم تلفه سامعا قابلا ... فحسّن له المشي في ضدّه
وقوله: «لا تعجلن»، وما بعده من قول الشاعر: [البسيط]
لا تمدحن امرأ حتى تجرّبه ... ولا تذمّنّه من غير تجريب
ولابن عمران أيضا: [الكامل]
تحرّ سبيل القصد في الناس ولتكن ... على حذر منهم ولا تسيء الظّنّا
ولا تمدحنّ من لم تجرّب ولا تقل ... على غير علم ذاك من ذاكم أسنى
فما كلّ من يرضيك ظاهر حاله ... لدى الخبر محمودا وقد يحمد الأدنى
القضية: الحكم. مبتوتة: مقطوعة. تبله: تجرّبه. خدشه: عيبه وإذايته. تجتلي:
تنظر. بطشه: صولته عند الغضب، يقول: لا تحكم بشيء على أحد حتى تجرّبه في الشدة والرخاء. وقال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: إن فلانا لرجل صدق، قال: أسافرت معه؟ قال لا، قال: فهل كانت بينك وبينه خصومة؟ قال: لا.
قال: فهل ائتمنته على شيء؟ قال لا. قال: فأنت الذي لا علم لك به، وإنما أراك رأيته يرفع رأسه ويخفضه في المسجد. يبين: يظهر. خلّب: كاذب. الشائمين: الناظرين إلى البرق. وبله: مطره الكثير. طشه: مطره القليل. يشين: يعيب. واره: استره. كرما: أي تكرّما منك عليه. أفشه: حدّث به وانشره. الارتقاء: الترفيع. رقّه: ارفعه. استحطّ:
اتّضع. حشّه: كنيفه وهو المستراح. التّبر: الذهب قبل السّبك. يستثار: يستخرج.
النّبش: البحث عليه. الغباوة: الجهالة. رونق رقشه: حسن زينته. مهذّبا: مخلصا.
دروس: إخلاق. بزّته: لبسته. رثّة: ضعف. طمرين: ثوبين خلقين. هيب: حيف.
مفوّف: مزين. لفحشه: لقبح كلامه. يغش عارا: يدخله. أسماله: ثيابه البالية. مراقي:
سلالم ومدارج. عرشه: سريره ومنزلته. العضب: السيف. قرابه: جفنه.
ومما ينتظم في هذا السلك أن النجّاد العدويّ دخل على معاوية في عباءة فاحتقره، فقال: يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك، إنمّا يكلمك من فيها، ثم تكلّم فملأ سمعه بيانا، ثم خرج ولم يسأله شيئا، فقال معاوية: ما رأيت رجلا أحقر أوّلا، ولا أجلّ آخرا منه.
стр. 623
وقال بعضهم: [البسيط]
إني وإن كنت أثوابي ملفّقة ... ليست بخزّ ولا من نسج كتّان
فإن في المجد همّاتي وفي لغتي ... فصاحة، ولساني غير لحّان
وقال آخر: [الكامل]
هل ينفعنك بعد شيبك في الهوى ... توقير مكتسب ولبس ثياب
هيهات ما فخر المهنّد في الوغي ... بحلى غمد فوقه وقراب
وقال الخابزرزي: [البسيط]
لا تنظرنّ إلى أثواب مغترب ... نائي المحلّ بعيد الأهل والدّار
وانظر إليه إذا ما قام في ملأ ... بمنطق لذوي الألباب سحّار
وقال المعري: [الطويل]
وإن كان في لبس الفتى شرف له ... فما السيف إلا غمده والحمائل (١)
وقال أبو هفّان: [الطويل]
لعمري لئن بيعت في دار غربة ... ثيابي إن ضاقت عليّ المآكل
فما أنا إلا السيف أخلق جفنه ... له حلية من نفسه وهو عاطل
وقال لبيد: [الطويل]
أصبحت مثل السيف أخلق جفنه ... تقادم عهد القين والسيف قاطع (٢)
وقال النّمري: [الطويل]
فإن تك أثوابي تمزّقن عن بلى ... فإني كنصل السّيف في خلق الغمد
كان بالكوفة رجل يعرف بأبي ذؤيب، وكان مقصدا للشعراء، فدخل مجلسه محمد ابن حازم الباهليّ، وعليه ثياب رثّة، وهم يتكلمون في معاني الشعر، فسأله ابن حازم عن بيت للطّرماح، فردّ أبو ذؤيب جوابا محالا، وهو في ذلك كالمزدري لابن حازم، فوثب مغضبا فقيل له: ماذا فتحت على نفسك الشرّ؟ أتدري من احتقرت؟ قال: لا قيل: هو أخبث الناس لسانا، وأهجاهم، هذا ابن حازم، فوثب حافيا حتى لقيه وحلف أنه لم يعرفه واستقاله فأقاله، وقال: [الكامل]
أخطأ عليّ وردّ غير جوابي ... وزري عليّ وقال غير صواب
стр. 624
وسكتّ من عجب لذاك فزادني ... فيما كرهت بظنّه المرتاب
وقضى عليّ بظاهر من كسوة ... لم يدر ما اشتملت عليه ثيابي
من عفّة وتكرّم وتجمل ... وتجلد لمصيبة وعقاب
لكنه رجعت عليه ندامة ... لما يسبّ وحاف مضّ عتابي
فأقلته لمّا أقرّ بذنبه ... ليس الكريم على الكريم بناب
وكان ابن حازم ساقط الهمة، يرضيه اليسير على انطباعه في شعره.
وقال حماد بن يحيى: قال لي ابن حازم يوما: ما بقي عليّ شيء من اللذات إلّا بيع السنانير: فقلت له: ويحك! وأيّ في ذلك من اللذة؟ قال: يعجبني أن تجيء العجوز الرّعناء تخاصمني، وتقول: هذا سنّوري سرق، فأخاصمها، فتشتمني، فأشتمها وأغيظها ثم أنشد: [المجتث]
صل خمرة بخمّار ... وصل خمارا بخمر
وخذ نصيبك من ذا ... وذا إلى حيث تدري
فقلت: إلى أين ويحك! فقال: إلى النار يا أحمق.
***
ثمّ ما عتّم أن استوقف الملّاح، وصعد من السّفينة وساح، فندم كلّ منّا على ما فرّط في ذاته، وأغضى جفنه على قذاته، وتعاهدنا على ألّا نحتقر شخصا لرثاثة برده، وألّا نزدري سيفا مخبوءا في غمده.
***
قوله «ما عتّم»، أي ما أبطأ ولا تأخّر، ويقال: عتّم القرى، إذا تأخر، وأعتم حاجته: أخّرها، ومنه صلاة العتمة لتأخّر وقتها. استوقف الملّاح: أمر خادم السفينة بالوقوف. صعد: ارتقى وارتفع. ساح: ذهب في الأرض. في ذاته: أي في نفسه.
أغضى جفنه: سدّ عينه. قذاته: عاره وعيبه الذي تلقّى به السروجيّ عند الدخول في السفينة. والقذاة: ما يسقط في العين فيوجعها. نزدري: نحتقر. لرثاثة برده: لإخلاق ثوبه. الله تعالى الموفق.
стр. 625
المقامة الثالثة والعشرون وهي الشّعريّة
حكى الحارث بن همّام، قال: نبا بي مألف الوطن، في شرخ الزّمن؛ لخطب خشي، وخوف غشي؛ فأرقت كأس الكرى، ونصصت ركاب السّرى، وجبت في سيري وعورا لم تدمّثها الخطا، ولا اهتدت إليها القطا؛ حتّى وردت حمى الخلافة، والحرم العاصم من المخافة، فسروت إيجاس الرّوع واستشعاره، وتسربلت لباس الأمن وشعاره. وقصرت همّي على لذّة أجتنيها، وملحة أجتليها.
فبرزت يوما إلى الحريم لأروض طرفي، وأجيل في طرقه طرفي؛ فإذا فرسان متتالون، ورجال منثالون، وشيخ طويل اللّسان، قصير الطّيلسان، قد لبّب فتى جديد الشباب، خلق الجلباب؛ فركضت في إثر النّظارة؛ حتّى وافينا باب الإمارة، وهناك صاحب المعونة متربّعا في دسته، ومروّعا بسمته.
***
قوله «نبا بي» أي قلق ولم يوافقني. الوطن: المنزل. ومألفه. موضع الاجتماع به والتأليف فيه.
شرخ: أوّل، أراد في أول زمانه وشبابه. خطب: أمر مخوّف. خشي: خيف.
وغشي: نزل وغطّى.
أرقت: هرقت، وجعل للكرى وهو النوم كأسا مجازا، وكنى بهرقها عن إزالة النوم عن عينه. نصصت: رفعت وحرّكت ركاب السرى: إبل السّير. جبت: قطعت. وعورا:
طرقا صعبة. تدمثها: تسهّلها وتليّنها. الخطا هنا: الأقدام، وقوائم الحيوان. والقطا:
طائر وقد تقدم. وهدايتها: فيما زعموا أنها تترك فراخها بالصحراء، وتذهب عند طلوع الشمس لطلب الماء من مسيرة عشرين ليلة فما دونها، فيردنه ضحوة يومهنّ فيحملن الماء لفراخهنّ فينهلنهن ثم يرجعن بعد الزوال إلى تلك المسافة، فيشربن ويأتين فراخهنّ في عشية يومهنّ فيسقينهنّ عللا بعد نهل، ولا يخطئن مواضع فراخهنّ، فيقال لذلك: أهدى من القطا، قال الشاعر: [الطويل]
стр. 626
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلّت (١)
ولو أنّ برغوثا على ظهر قملة ... رأته تميم يوم زحف لولّت
وقال حميد بن ثور: [الطويل]
كما اتصلت كدراء تسقي فراخها ... بعردة رفها والمياه شعوب (٢)
فجاءت ومسقاها الذي وردت به ... إلى الصدر مشدود العصام كئيب
تبادر أطفالا مساكين دونها ... فلا لا تخطاه الرقاب رغيب
وصفن لها غوثا بأرض تنوفة ... فما هي إلّا نهلة وتئوب
قوله: «حمى الخلافة»، هي بغداد. الحرم: موضع الأمن. العاصم: المانع.
سروت: أزلت. إيجاس الروع: إحساس الفزع والخوف. واستشعاره، استفعال من شعرت بالشيء. تسربلت: لبست سربالا. قصرت همي: حبست همتي وإرادتي. ملحه:
طرفة وشيء عجب. أجتليها: أنظرها. الحريم: موضع متسع حول قصر الملك يجتمع فيه أجناده وغيرهم. أروض: أعلّم وأسوس. طرفي: فرسي. أجيل: أمشي. متتالون:
متتابعون. منثالون: منصبون لكثرة جريهم. الطيلسان: ثوب خزّ أخضر. لبّب: جعل في عنقه ثوبا وقاده به، وأخذ بتلابيبه وهي أطوق ثوبه، والتلابيب مأخوذة من اللبّة وهي وسط الصدر. جديد الشباب، أي فتي السن، وتقدم الجلباب.
ركضت في أثر النظارة، أي خلف الناظرين لما يفعل به، ومن شأن الغوغاء والعامة إذا رأوا محبوسا أو مضروبا أن يتبعوه ويتكاثروا عليه. ونظر عمر ﵁ إلى قوم يتبعون رجلا مريبا، فقال: لا مرحبا بهذه الوجوه التي لا ترى إلّا عند الشرّ. وقال ابن عباس ﵄: ما اجتمعوا قطّ إلا ضرّوا ولا تفرقوا إلّا نفعوا، قيل له: قد علمنا ضرّ اجتماعهم. فما نفع افتراقهم؛ قال: يذهب الحجّام إلى دكانه، والحدّاد إلى كياره، وكلّ صانع إلى صنعته. وقال دعبل: [البسيط]
ما أكثر الناس لا بل ما أقلّهم ... والله يعلم أنّي لم أقل فندا (٣)
إني لأفتح عيني حين أفتحها ... على كثير، ولكن لا أرى أحدا
ومرّ علي بن الجهم بمبرسم، والناس قد تجمّعوا حوله، وحلّقوا به، فلما رآهم المبرسم أخذ بعنان فرسه وأنشأ يقول: [الكامل]
стр. 627
لا تحفلن بمعشر اله ... مج الذين تراهم
فبحق من أبلي بهم ... نفسي ومن عافاهم
لو قيس مولاهم بهم ... كانوا إذا مولاهم
ثم نظر حوله، فرأى غلاما جميل الوجه، حسن اللبسة، فهجم عليه وشقّ ثيابه وهو يقول: [الكامل]
هذا السعيد لديهم ... قد صار بي أشقاهم
وافينا: وصلنا. صاحب المعونة: والي الجنايات، وقال الرستميّ: ولي فلان المعونة، أي ولي العون، أي ولّاه السلطان عونه على حفظ المدينة ولفظها مفعولة وهي بتأويل المصدر بمنزلة قولهم: ما له معقول، أي عقل ولا مجلود أي جلد.
مروّعا بسمته، أي مفزعا بهيئته ووقاره.
***
فقال له الشّيخ: أعزّ الله الوالي، وجعل كعبه العالي، إنّي كفلت هذا الغلام فطيما، وربّيته يتيما؛ ثمّ لم آله تعليما. فلمّا مهر وبهر، جرّد سيف العدوان وشهر، ولم أخله يلتوي عليّ ويتّقح، حين يرتوي منّي ويلتقح. فقال له الفتى: علام عثرت منّي؛ حتّى تنشر هذا الخزي عنّي، فو الله ما سترت وجه برّك، ولا هتكت حجاب سترك، ولا شققت عصا أمرك، ولا ألغيت تلاوة شكرك.
فقال له الشيخ: ويلك وأيّ ريب أخزى من ريبك، وهل عيب أفحش من عيبك، وقد ادّعيت سحري واستلحقته، وانتحلت شعري واسترقته، واستراق الشّعر عند الشعراء، أفظع من سرقة البيضاء والصّفراء، وغيرتهم على بنات الأفكار، كغيرتهم على البنات الأبكار. فقال الوالي للشّيخ: وهل حين سرق سلخ، أم مسخ أم نسخ!
***
جعل كعبه العالي، أي جعل أسفل شيء منه يعلو أرفع شيء في غيره. كفلته:
ضممته وقمت بمؤنته.
أبو هريرة ﵁، قال النبي ﷺ «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين- وهو يشير بإصبعيه- وخير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشرها يتيم يساء إليه» (١).
стр. 628
أبو أسامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من مسح على رأس يتيم لم يمسحه إلا لله، كانت له بكل شعرة مرّت عليها يده حسنة، ومن أحسن إلى يتيم أو يتيمة كنت أنا وإيّاه في الجنة كهاتين- وفرّق بين إصبعيه» (١).
فطيما: أي صغيرا كما منع الرضاع. لم آله: أي لم أقصر في تعليمه. مهر: ظهر وصار ماهرا أي حاذقا. بهر: غلب أمثاله. العدوان: الظلم. يلتوي: ينعطف، لضرّي وهو من فعل الحيّة إذا أتبعها الرجل التوت عليه لتلسعه. يتّقح: يسقط حياؤه. يلتقح:
يشرب لبن لقحتي، واللقحة: الناقة ذات اللبن. عثرت: اطلعت. الخزي: العار والشرّ، والخزي: الهوان. هتكت: خرقت. حجاب سترك: أي ثوب طاعتك. ولا شققت عصا أمرك، أي ما خالفت حكمك، وشقّ فلان العصا: خرج عن الأمر مخالفا. وشقّ عصا المسلمين: فرّق جماعتهم، والأصل في العصا الائتلاف والاجتماع، ومنه قولهم للمطمئن: ألقى العصا، وقيل شقّ العصا: صار منها في شقّ وخرج عن الجماعة، وفسر قوله تعالى: شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأنفال: ١٣] بالمباينة، لأن من صار في شق عن شق صاحبه فقد باينه، وقيل: معنى شقّ العصا رهب إلى شقّها أي كسرها، فجيء بالشقّ الذي هو من صفة العصا؛ وفي ضمنه المجاهرة بالخروج عن الجماعة قال الشماخ: [الطويل]
تصدّع شعب الحيّ وانشقّت العصا ... كذاك النوى بين الخليط شقوق (٢)
ألغيت: تركت. تلاوة: قراءة، والريب: الريبة والتهمة. أخزى: أضرّ، وأكثر هوانا. أفحش: أقبح. ادّعيته: نسبته لنفسك وليس لك. سحري: بديع كلامي.
استلحقته: ألحقته بنفسك. انتحلت: ادّعيت. أفظع: أمرّ. البيضاء والصفراء: الفضة والذهب. بنات الأفكار: هي الأشعار. سلخ: أخذ المعنى. مسخ: قلبالكلام وغيّره.
نسخ: نقله بعينه.
والقائلون بالتناسخ لهم ألفاظ تشبه هذه، وهي النسخ والمسخ والرسخ والفسخ؛ فالفسخ عندهم أن يحوّل الأدنى إلى الأعلى، والمسخ أن يحوّل الأعلى من الحيوان إلى الأدنى، والرسخ ردّ الحيوان جمادا، والفسخ أن يتلاشى فلا يكون شيئا، وقال شاعرهم:
[الوافر]
تعوّذ بالإله من المسوخ ... وسله أن تكون من النّسوخ (٣)
لقد خاب الذي أضحى وأمسى ... ينقّل في فسوخ أو رسوخ
وقال المعري: [الطويل]
وقال بأحكام التناسخ معشر ... غلوا فأجازوا الفسخ في ذاك والرّسخا (٤)
стр. 629
[السرقات الشعرية]
وتقسيم الحريريّ السرقة في قوله: سلخ ومسخ ونسخ، يدخل تحت أحكام السرقات التي عدّها أبو محمد الحسين بن علي بن وكيع رحمه الله تعالى في كتابه المترجم بالمنصف في الدلالات على سرقات المتنبي، فإنه جعلها عشرين وجها عشرة أوجه يغفر في سرقتها ذنب الشاعر للدلالة على فطنته.
الأول منها استيفاء اللفظ الطويل في الموجز القصير، كقول طرفة: [الطويل]
أرى قبر نحّام بخيل بماله ... كقبر غويّ في البطالة مفسد (١)
اختصره ابن الزّبعرى، فقال: [الوافر]
والعطيّات خساس بينهم ... وسواء قبر مثر ومقل (٢)
ففضل صدر بيته وجاء ببيت طرفة في عجز بيت أقصر منه بمعنى لائح ولفظ واضح.
الثاني: نقل اللفظ الرذل إلى الرشيق الجزل، كقول العباس بن الأحنف: [الرمل]
زعموا لي أنها باتت تحمّ ... ابتلى الله بهذا من زعم (٣)
اشتكت أكمل ما كانت كما ... يكسف البدر إذ ما قيل تم
فهذا معنى لطيف أخذه ابن المعتز فقال: [الطويل]
طوى عارض الحمّى سناه فحالا ... وألبس ثوبا للسّقام هزالا
كذا البدر محتوم عليه إذا انتهى ... إلى غاية في الحسن عاد هلالا
الثالث: ما قبح مبناه دون معناه إلى ما حسن مبناه ومعناه، كقول أبي نواس:
[الرمل]
بحّ صوت المال ممّا ... منك يدعو أو يصيح (٤)
ما لهذا آخذ فو ... ق يديه من يصيح
معناه صحيح ولفظه قبيح، أخذه مسلم فقال: [البسيط]
تظلم المال والأعداء من يده ... لا زال للمال والأعداء ظلّاما
فجوّد الصنعة وجمع بين تظلمين كريمين، ودعا للممدوح بدوام ظلمه للمال
стр. 630
والأعداء، وكلّ ذلك مليح جزل نقل عن ضعيف المبنى.
الرابع: عكس ما يصير بالعكس ثناء بعد ما كان هجاء، كقول البلاذري: [الكامل]
قد يرفع المرء اللئيم حجابه ... ضعة ودون الرف منه حجاب
معكوسه: [الكامل]
ملك أغرّ محجّب ... معروفه لا يحجب
الخامس: استخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد إليه، كقول أبي نواس في الخمر: [مخلع البسيط]
لا ينزل الليل حيث حلّت ... فدهر شرّابها نهار (١)
احتذاه البحتري وفارق مقصده، فجعله في محبوب، فقال: [مخلع البسيط]
غاب دجاها وأيّ ليل ... يدجو علينا وأنت بدر
السادس: توليد كلام من كلام لفظهما مفترق، ومعناهما متفق، كقول أبي تمام:
[الطويل]
لأمر عليهم أن تتمّ صدوره ... وليس عليهم أن تتمّ عواقبه (٢)
أخذه من قول الأعرابيّ، أنشده الأصمعيّ رحمه الله تعالى: [الوافر]
فكان على الفتى الإقدام فيها ... وليس عليه ما جنت المنون (٣)
فجرد لفظه من أخذ منه، وهو في معناه متفق معه؛ وهذا من أدل الأقسام على فطنة الشاعر.
السابع: في توليد معان مستحسنات في ألفاظ مختلفات، وهذا من أشذّ باب وأقلّه وجودا، وإنمّا قلّ لأنّه من أحق ما استعمل فيه الشاعر فطنته؛ كقول أبي نواس: [الرمل]
واسقنيها من كميت ... تدع اللّيل نهارا (٤)
ثم قال أيضا: [مخلع البسيط]
لا ينزل الليل حيث حلّت ... فدهر شرّابها نهار (٥)
стр. 631
ثم قال أيضا: [الكامل]
قال ابغني المصباح قلت له اتّئد ... حسبي وحسبك ضوأها مصباحا (١)
فكل هذه معان متقاربات وألفاظ متشابهات، مولّد بعضها من بعض.
الثامن: مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام حتى لا يزيد نظام على نظام، وإن كان الأوّل أحقّ به لأنه ابتدع، والثاني اتّبع، من ذلك قول العكوّك في فرس: [الرجز]
مطّرد يرتجّ من أقطاره ... كالماء جالت فيه ريح فاضطرب
فذكر ارتجاجه، ولم يذكر سكونه، فأخذه ابن المعتزّ فقال: [الكامل]
فكأنه موج يذوب إذا ... أطلقته، فإذا حبست جمد
فجمع بين الصفتين.
التاسع: مماثلة السارق المسروق بزيادته في المعنى ما هو من تمامه؛ كقول أبي حيّة: [الطويل]
فألقت قناعا دونه الشّمس واتّقت ... بأحسن موصولين: كفّ ومعصم
أخذه من قول النابغة: [الكامل]
سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتّقتنا باليد (٢)
فلم يزد النابغة على اتقائها باليد، وزاد عليه أبو حيّة بقوله: «دونه الشمس» وخبّر عن المتّقي بأحسن خبر فاستحقّه.
العاشر: رجحان السّارق على المسروق منه بزيادة لفظ على لفظ من أخذ عنه، كقول حسان: [الكامل]
يغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل (٣)
وقال أبو نواس رحمه الله تعالى: [الطويل]
إلى بيت حان لا تهرّ كلابهم ... عليّ ولا يخشون طول ثوائي
ولا فرق بين المعنيين.
стр. 632
والسرقات المحمودة أكثر من أن تحصر.
ونريك وجه السرقات المذمومة، وهي كالمحمودة عشرة أقسام:
الأول: نقل اللفظ القصير إلى الطويل الكثير، كقول سالم الخاسر: [السريع]
أقبلن في رأد الضحى بنا ... يسترن وجه الشّمس بالشّمس
أخذه الثاني فقال: [الكامل]
وإذا الغزالة في السماء تعرّضت ... وبدا النهار لوقته يترحّل
أبدت لعين الشمس عينا مثلها ... تلقى السماء بمثل ما تستقبل
المعنى صحيح والكلام مليح؛ غير أنه تطويل تضييق، والبيتان جميعا نصف بيت سالم.
الثاني: نقل الرشيق الجزل إلى المستضعف الرذل، كقول القائل: [المنسرح]
كأنّ ليلى صبير غادية ... أو دمية زيّنت بها البيع
أخذه أبو العتاهية فقال: [السريع]
كأنّ عتّابة من حسنها ... دمية قسّ فتنت قسّها
فقصر لفظه عن الفصاحة، ومعناه عن الرجاحة.
الثالث: نقل ما حسن معناه ومبناه إلى ما قبح مبناه ومعناه، كقول امرئ القيس: [الطويل]
ألم ترياني كلّما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب (١)
فأتي بما لا يعلم وجوده في البشر من وجود طيب ممّن لم يمسّ طيبا، وجاء ببيت في مراده، حسن النظام مستوفي التمام، أخذه كثير، فقال:
فما روضة بالحسن طيبة الثّرى ... يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها (٢)
بأطيب من أردان عزّة موهنا ... إذا أوقدت بالمندل الرطب نارها
فطوّل وحسّن، وقصّر غاية التقصير، وأخبر أنها إذا تطيّبت كالروضة في طيبها، وذلك مما لا يعدم في أقل البشر تنظيفا.
стр. 633
الرابع: عكس ما يصير بالعكس هجاء بعد أن كان ثناء، كقول أبي نواس رحمه الله تعالى: [مجزوء الرمل]
فهو بالمال جواد ... وهو بالعرض شحيح (١)
عكسه ابن الرومي فقال:
ما شئت من مال حمى ... يأوي إلى عرض مباح
الخامس: نقل ما حسنت أوزانه وقوافيه إلى ما قبح وثقل على لسان راويه، كقول مسلم رحمه الله تعالى: [الكامل]
أمّا الهجاء فدقّ عرضك دونه ... والمدح عنك كما علمت جليل
فاذهب فأنت طليق عرضك إنّه ... عرض عززت به وأنت ذليل
أخذه أبو تمام فقال: [الخفيف]
قال لي النّاصحون وهو مقال ... ذمّ من كان جاهلا إطراء
صدقوا في الهجاء رفعة أقوا ... م طغام فليس عندي هجاء
فبين الكلامين فرق بعيد.
الثامن: نقل العذب من القوافي إلى المستكره الجافي، كقول أبي نواس: [المديد]
فتمشّت في مفاصلهم ... كتمشّي البرء في السّقم
فهذا الكلام أتم بهاء من قول مسلم: [البسيط]
تجري محبّتها في قلب عاشقها ... جري المعافاة في أعضاء منتكس
التاسع: نقل ما يصير على التفتيش والانتقاد إلى تقصير وإفساد، كقول القائل:
[الكامل]
ولقد أروح إلى النجار مرجّلا ... مدلي بما لي لينا أجيادي (٢)
وإنما له جيد واحد، وهذا وإن جاز عند بعض العرب، فهو عند الآخرين غير حميد ولا سديد.
стр. 634
العاشر: أخذ اللفظ والمعنى وهو أقبح السرقات وأدناها وأوضعها.
وقد أكثر الشعراء ذم السرقة والسارق، وأول من ذمّ ذلك طرفة حين قال: [البسيط]
ولا أغير على الأشعار أسرقها ... عنها غنيت وشرّ الناس من سرقا (١)
وقال الأعشى: [المتقارب]
فكيف أنا وانتحالي القوا ... في بعد المشيب، كفى ذاك عارا (٢)
ومن سرقة اللفظ والمعنى، ما يحكى عن أبي المعافى أنه لما مدح أبا العباس محمد بن إبراهيم الإمام بقوله: [الوافر]
إليك بمدحتي يا خير أبنا ... رسول الله من تلد النّساء
ستأتيك المدائح من رجال ... وما كفّ أصابعها سواء
فأخذه آخر وغيّره بأن وضع الرجال موضع النساء، وغيّر عجز البيت الآخر فقال:
[الوافر]
* كما اختلفت إلى الغرض النّبال*
فاستعدي عليه أبا المعالي صالح بن إسماعيل، وهو على شرطة محمد بن إبراهيم بالمدينة، فقال: [البسيط]
ما سارق الشعر فيه وسم صاحبه ... إلّا كسارق بيت دونه غلق
بل سارق البيت أخفى حين يسرقه ... والبيت يستره من ظلمة غسق
من جيّد الشعر أن يخفى لسارقه ... وجيّد الشعر قد سارت به الرفق
فقال صالح: فما تحب أن أفعل به؟ فقال: تحلّفه عند منبر النبيّ ﷺ ألّا ينشد هذا الشعر إلا لي.
وكان محمد بن زهير يشرب، فإذا سكر لا يفيق إلا بإنشاد الشعر، فأمر يوما جبّار ابن محمد الكاتب أن ينشده، فأنشده أبياتا لأبي نواس ادعى أنه قائلها وهي: [الخفيف]
صاح ما لي وللرسوم القفار ... ولنعت المطيّ والأكوار
شغلتني المدام والقصف عنها ... وسماع الغناء والمزمار
ومضى في الشعر، وأبو نواس قاعد، فوثب وتعلّق به قدّام محمد بن زهير، وأنشأ يقول: [الخفيف]
стр. 635
أعدني يا محمد بن زهير ... يا عذاب اللّصوص والذّعار
يسرق السارقون ليلا وهذا ... يسرق الشعر جهرة بالنّهار
صار شعري قطيعة لجبار ... أفهذا لقلة الأشعار!
قل له فليغر على شعر حمّا ... د أخي الفتك أو على بشّار
وسرق محمد بن يزيد الأموي شعرا لحبيب، فقال حبيب: [الخفيف]
من بنو مجدل من ابن الحباب ... من بنو تغلب غداة الكلاب
من طفيل وعامر ومن الح ... ارث أو من عتيبة بن شهاب
إنما الضيغم الهصور أبو الأشب ... ال جبّار كل جيش وغاب
من عدت خيله على سرح شعري ... وهو للحين راتع في كتابي
غارة أسخنت عيون المعاني ... واستباحت محارم الآداب
لو ترى منطقي أسيرا ولأص ... بحت أسيرا لعبرة وانتحاب
يا عذارى الأشعار صرتنّ من بع ... دي سبايا تبعن في الأعراب
طال رهبي إليك يا رب يا ربّ و ... رغبي إليك فاحفظ ثيابي
وعارض أبو أحمد عبد الله بن عبد الله بن طاهر قصيدة البحتريّ، فاستعار من ألفاظها ومعانيها ما أوجب أن قال البحتري: [المنسرح]
ما الدّهر مستنفد ولا عجبه ... تسومنا الخسف كلّه نوبه (١)
نال الرضا مادح وممتدح ... فقل لهذا الأمير ما غضبه
أجلى لصوص البلاد يطردهم ... وظلّ لصّ القريض ينتهبه
اردد علينا الذي استعرت وقل ... قولك يعرف لغالب غلبه
واستعدى ابن الرومي العلاء بن عيسى على البحتريّ، فقال: [البسيط]
قل للعلاء بن عيسى والذي نصلت ... به الدواهي نصول الآل في رجب (٢)
أيسرق البحتريّ الناس شعرهم ... جهرا وأنت نكال اللّص ذي الرّيب
وتارة يترز الأرواح منطقه ... فالقوم ما بين مقتول ومغتصب
نكّله إنّ أناسا قبله ركبوا ... بدون ما قد أتاه باسق الخشب
إذا أجاد فأوجب قطع مقوله ... فقد دها شعراء الناس بالحرب
وإن أساء فأوجب قتله قودا ... بمن أمات إذا أبقى على السلب