ثم قال أيضا: [الكامل]
قال ابغني المصباح قلت له اتّئد ... حسبي وحسبك ضوأها مصباحا (١)
فكل هذه معان متقاربات وألفاظ متشابهات، مولّد بعضها من بعض.
الثامن: مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام حتى لا يزيد نظام على نظام، وإن كان الأوّل أحقّ به لأنه ابتدع، والثاني اتّبع، من ذلك قول العكوّك في فرس: [الرجز]
مطّرد يرتجّ من أقطاره ... كالماء جالت فيه ريح فاضطرب
فذكر ارتجاجه، ولم يذكر سكونه، فأخذه ابن المعتزّ فقال: [الكامل]
فكأنه موج يذوب إذا ... أطلقته، فإذا حبست جمد
فجمع بين الصفتين.
التاسع: مماثلة السارق المسروق بزيادته في المعنى ما هو من تمامه؛ كقول أبي حيّة: [الطويل]
فألقت قناعا دونه الشّمس واتّقت ... بأحسن موصولين: كفّ ومعصم
أخذه من قول النابغة: [الكامل]
سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتّقتنا باليد (٢)
فلم يزد النابغة على اتقائها باليد، وزاد عليه أبو حيّة بقوله: «دونه الشمس» وخبّر عن المتّقي بأحسن خبر فاستحقّه.
العاشر: رجحان السّارق على المسروق منه بزيادة لفظ على لفظ من أخذ عنه، كقول حسان: [الكامل]
يغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل (٣)
وقال أبو نواس رحمه الله تعالى: [الطويل]
إلى بيت حان لا تهرّ كلابهم ... عليّ ولا يخشون طول ثوائي
ولا فرق بين المعنيين.
стр. 632
والسرقات المحمودة أكثر من أن تحصر.
ونريك وجه السرقات المذمومة، وهي كالمحمودة عشرة أقسام:
الأول: نقل اللفظ القصير إلى الطويل الكثير، كقول سالم الخاسر: [السريع]
أقبلن في رأد الضحى بنا ... يسترن وجه الشّمس بالشّمس
أخذه الثاني فقال: [الكامل]
وإذا الغزالة في السماء تعرّضت ... وبدا النهار لوقته يترحّل
أبدت لعين الشمس عينا مثلها ... تلقى السماء بمثل ما تستقبل
المعنى صحيح والكلام مليح؛ غير أنه تطويل تضييق، والبيتان جميعا نصف بيت سالم.
الثاني: نقل الرشيق الجزل إلى المستضعف الرذل، كقول القائل: [المنسرح]
كأنّ ليلى صبير غادية ... أو دمية زيّنت بها البيع
أخذه أبو العتاهية فقال: [السريع]
كأنّ عتّابة من حسنها ... دمية قسّ فتنت قسّها
فقصر لفظه عن الفصاحة، ومعناه عن الرجاحة.
الثالث: نقل ما حسن معناه ومبناه إلى ما قبح مبناه ومعناه، كقول امرئ القيس: [الطويل]
ألم ترياني كلّما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب (١)
فأتي بما لا يعلم وجوده في البشر من وجود طيب ممّن لم يمسّ طيبا، وجاء ببيت في مراده، حسن النظام مستوفي التمام، أخذه كثير، فقال:
فما روضة بالحسن طيبة الثّرى ... يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها (٢)
بأطيب من أردان عزّة موهنا ... إذا أوقدت بالمندل الرطب نارها
فطوّل وحسّن، وقصّر غاية التقصير، وأخبر أنها إذا تطيّبت كالروضة في طيبها، وذلك مما لا يعدم في أقل البشر تنظيفا.
стр. 633
الرابع: عكس ما يصير بالعكس هجاء بعد أن كان ثناء، كقول أبي نواس رحمه الله تعالى: [مجزوء الرمل]
فهو بالمال جواد ... وهو بالعرض شحيح (١)
عكسه ابن الرومي فقال:
ما شئت من مال حمى ... يأوي إلى عرض مباح
الخامس: نقل ما حسنت أوزانه وقوافيه إلى ما قبح وثقل على لسان راويه، كقول مسلم رحمه الله تعالى: [الكامل]
أمّا الهجاء فدقّ عرضك دونه ... والمدح عنك كما علمت جليل
فاذهب فأنت طليق عرضك إنّه ... عرض عززت به وأنت ذليل
أخذه أبو تمام فقال: [الخفيف]
قال لي النّاصحون وهو مقال ... ذمّ من كان جاهلا إطراء
صدقوا في الهجاء رفعة أقوا ... م طغام فليس عندي هجاء
فبين الكلامين فرق بعيد.
الثامن: نقل العذب من القوافي إلى المستكره الجافي، كقول أبي نواس: [المديد]
فتمشّت في مفاصلهم ... كتمشّي البرء في السّقم
فهذا الكلام أتم بهاء من قول مسلم: [البسيط]
تجري محبّتها في قلب عاشقها ... جري المعافاة في أعضاء منتكس
التاسع: نقل ما يصير على التفتيش والانتقاد إلى تقصير وإفساد، كقول القائل:
[الكامل]
ولقد أروح إلى النجار مرجّلا ... مدلي بما لي لينا أجيادي (٢)
وإنما له جيد واحد، وهذا وإن جاز عند بعض العرب، فهو عند الآخرين غير حميد ولا سديد.
стр. 634
العاشر: أخذ اللفظ والمعنى وهو أقبح السرقات وأدناها وأوضعها.
وقد أكثر الشعراء ذم السرقة والسارق، وأول من ذمّ ذلك طرفة حين قال: [البسيط]
ولا أغير على الأشعار أسرقها ... عنها غنيت وشرّ الناس من سرقا (١)
وقال الأعشى: [المتقارب]
فكيف أنا وانتحالي القوا ... في بعد المشيب، كفى ذاك عارا (٢)
ومن سرقة اللفظ والمعنى، ما يحكى عن أبي المعافى أنه لما مدح أبا العباس محمد بن إبراهيم الإمام بقوله: [الوافر]
إليك بمدحتي يا خير أبنا ... رسول الله من تلد النّساء
ستأتيك المدائح من رجال ... وما كفّ أصابعها سواء
فأخذه آخر وغيّره بأن وضع الرجال موضع النساء، وغيّر عجز البيت الآخر فقال:
[الوافر]
* كما اختلفت إلى الغرض النّبال*
فاستعدي عليه أبا المعالي صالح بن إسماعيل، وهو على شرطة محمد بن إبراهيم بالمدينة، فقال: [البسيط]
ما سارق الشعر فيه وسم صاحبه ... إلّا كسارق بيت دونه غلق
بل سارق البيت أخفى حين يسرقه ... والبيت يستره من ظلمة غسق
من جيّد الشعر أن يخفى لسارقه ... وجيّد الشعر قد سارت به الرفق
فقال صالح: فما تحب أن أفعل به؟ فقال: تحلّفه عند منبر النبيّ ﷺ ألّا ينشد هذا الشعر إلا لي.
وكان محمد بن زهير يشرب، فإذا سكر لا يفيق إلا بإنشاد الشعر، فأمر يوما جبّار ابن محمد الكاتب أن ينشده، فأنشده أبياتا لأبي نواس ادعى أنه قائلها وهي: [الخفيف]
صاح ما لي وللرسوم القفار ... ولنعت المطيّ والأكوار
شغلتني المدام والقصف عنها ... وسماع الغناء والمزمار
ومضى في الشعر، وأبو نواس قاعد، فوثب وتعلّق به قدّام محمد بن زهير، وأنشأ يقول: [الخفيف]
стр. 635
أعدني يا محمد بن زهير ... يا عذاب اللّصوص والذّعار
يسرق السارقون ليلا وهذا ... يسرق الشعر جهرة بالنّهار
صار شعري قطيعة لجبار ... أفهذا لقلة الأشعار!
قل له فليغر على شعر حمّا ... د أخي الفتك أو على بشّار
وسرق محمد بن يزيد الأموي شعرا لحبيب، فقال حبيب: [الخفيف]
من بنو مجدل من ابن الحباب ... من بنو تغلب غداة الكلاب
من طفيل وعامر ومن الح ... ارث أو من عتيبة بن شهاب
إنما الضيغم الهصور أبو الأشب ... ال جبّار كل جيش وغاب
من عدت خيله على سرح شعري ... وهو للحين راتع في كتابي
غارة أسخنت عيون المعاني ... واستباحت محارم الآداب
لو ترى منطقي أسيرا ولأص ... بحت أسيرا لعبرة وانتحاب
يا عذارى الأشعار صرتنّ من بع ... دي سبايا تبعن في الأعراب
طال رهبي إليك يا رب يا ربّ و ... رغبي إليك فاحفظ ثيابي
وعارض أبو أحمد عبد الله بن عبد الله بن طاهر قصيدة البحتريّ، فاستعار من ألفاظها ومعانيها ما أوجب أن قال البحتري: [المنسرح]
ما الدّهر مستنفد ولا عجبه ... تسومنا الخسف كلّه نوبه (١)
نال الرضا مادح وممتدح ... فقل لهذا الأمير ما غضبه
أجلى لصوص البلاد يطردهم ... وظلّ لصّ القريض ينتهبه
اردد علينا الذي استعرت وقل ... قولك يعرف لغالب غلبه
واستعدى ابن الرومي العلاء بن عيسى على البحتريّ، فقال: [البسيط]
قل للعلاء بن عيسى والذي نصلت ... به الدواهي نصول الآل في رجب (٢)
أيسرق البحتريّ الناس شعرهم ... جهرا وأنت نكال اللّص ذي الرّيب
وتارة يترز الأرواح منطقه ... فالقوم ما بين مقتول ومغتصب
نكّله إنّ أناسا قبله ركبوا ... بدون ما قد أتاه باسق الخشب
إذا أجاد فأوجب قطع مقوله ... فقد دها شعراء الناس بالحرب
وإن أساء فأوجب قتله قودا ... بمن أمات إذا أبقى على السلب
стр. 636
يسيء عفّا فإن أكدت وسائله ... أجاد لصّا شديد البأس والكلب
حيّ يغير على الموتى فيسلبهم ... حرّ الكلام بجيش غير ذي لجب
وقال فيه ابن الحاجب: [الخفيف]
والفتى البحتريّ يسرق ما قا ... ل ابن أوس في المدح والتّشبيب
كلّ بيت له يجوّد معنا ... هـ فمعناه لابن أوس حبيب
ولابن الحاجب أيضا: [الخفيف]
هل إلى محنة تخبر من فا ... ضلنا في القريض والمفضول
محنة تفضح اللصوص وتقضي ... بالّذي فيهم قضى التنزيل
سارق المال تقطع الكفّ منه ... واللسان السروق منها بديل
ليسود الذي يحق له السو ... دد منّا ويرذل المرذول
وبلغ الصاحب بن عبّاد أن بعضهم سرق شعره، فقال أبلغوه عني: [مجزوء الخفيف]
سرقت شعري وغيري ... يضام فيه ويخدع
فسوف أجزيك صفعا ... يكلّ رأسا وأخدع
فسارق المال يقطع ... وسارق الشّعر يصفع
فاتخذ السارق لذلك جملا وهرب من الرّيّ.
وبين السريّ الموصليّ والخالديين مستظرفات في هذه السرقات، اشتهرت في كتب الآداب، فلنلمّ ببعض ما قال السري فيهما وفيه يقول الثعالبيّ: السريّ وما أدراك ما السريّ، صاحب الشّعر الجامع بين عقود الدرّ، والنافث في عقد السّحر؛ ولله درّه! ما أعذب بحره، وأصفى قطره، وأعجب أمره! وقد أخرجت من شعره ما يكتب على جبهة الدّهر، ويعلّق في كعبة الظرف. وكتبت منه محاسن وملحا، وبدائع وطرفا، كأنها أطواق الحمام وصدور البزاة البيض، وأجنحة الطواويس وسوالف الغزلان، ونهود العذارى الحسان، وغمزات الحدق الملاح.
قال يتظلّم إلى سلامة بن فهد من الخالديين: [الطويل]
تحيّف شعري يا بن فهد مصالت ... عليه فقد أعدمت منه وقد أثرى
وفي كل يوم للغبيّين غارة ... تروّع ألفاظي المحجّلة الغرّا
إذا عنّ لي معنى تضاحك لفظه ... كما ضاحك النوّار في روضه الغدرا
غريب كنشر الرّوض لمّا تبسمت ... مخائله للفكر أودعته سطرا
فوجه من الفتيان يمسح وجهه ... وصدر من الأقوام يسكنه الصّدرا
стр. 637
تناوله مثر من الجهل معدم ... من العلم معذور متى خلع العذرا
لأطفأتما تلك النجوم بأسرها ... وأدنستما تلك المطارف والأزرا
فويحكما هلّا بشطر قنعتما ... وأبقيتما لي في محاسنه الشّطرا
وقال يخاطب أبا الخطاب، وقد سمع أن الخالديّين يرجعان إلى بغداد: [الكامل]
بكرت عليك معرّة الأعراب ... فاحفظ ثيابك يا أبا الخطاب
ورد العراق ربيعة بن مكدّم ... وعتيبة بن الحارث بن شهاب
أفعندنا شكّ بأنّهما هما ... في الفتك لا في صحة الأنساب
جلبا إليك الشعر من أوطانه ... جلب التّجار طرائف الأجلاب
شنّا على الآداب أقبح غارة ... جرحت قلوب محاسن الآداب
فحذار من حركات صلّى غارة ... وحذار من فتكات ليثي غاب
تركت غرائب منطقي في غربة ... مسبيّة لا تهتدي لإياب
أعزز عليّ بأن أرى أشلاءها ... تدمي بظفر للعدوّ وناب
جرحي وما ضربت بحدّ مهنّد ... أسرى وما حملت على الأقتاب
إن عزّ موجود الكلام عليهما ... فأنا الذي وقف الكلام ببابي
كم حاولا أمري فطال عليهما ... أن يدركا إلّا مثار ترابي
والقصيدة طويلة جمعت منها ما وافق الغرض، وسنلمّ بشيء منها في الثالثة والثلاثين بعون الله تعالى.
وقال يتظلم منهما لأبي البركات: [البسيط]
يا أكرم الناس إلا أن تعدّ أبا ... فات الكرام بآيات وآثار
أشكو إليك حليفي غارة شهرا ... سيف العقوق على ديباج أشعاري
ذئبين لو ظفرا بالشّعر في حرم ... لمزّقاه بأنياب وأظفار
سلّا عليه سيوف البغي مصلتة ... في جحفل من شنيع الظّلم جرّار
وأرخصاه فظل العطر متّهما ... لديهما يشترى من غير عطّار
إن قلّداك بدرّ فهو من نخبي ... أو ختّماك فياقوتي وأحجاري
كأنه جنة راقت حدائقها ... بين الغبيّين في نار وإعصار
عار من النسب الوضاح منتسب ... في الخالديين بين الخزي والعار
وشتّان بين قول السريّ في أبي بكر وأبي عثمان ابني هشام الخالديين، وبين قول الثعالبي فيهما حين قال: إنّ هذين لساحران، يغربان فيما يجلبان، ويبدعان فيما يصنعان،
стр. 638
وكان ما يجمعهما من أخوّة الأدب مثل ما ينظمهما من أخوّة النسب، وهما في الموافقة والمساعدة يجيئان بروح واحدة، ويشتركان في قول الشاعر وينفردان، ولا يكادان في السفر والحضر يفترقان، وكانا في التساوي، كما قال أبو تمام: [المتقارب]
رضيعي لبان شريكي عنان ... عتيقي رهان حليفي صفاء
بل، كما قال البحتري: [الكامل]
كالفرقدين إذا تأمّل ناظر ... لم يعل موضع فرقد عن فرقد
بل كما قال الصابي: [الطويل]
أرى الشاعرين الخالديّين نشرا ... قصائد يفني الدهر وهي تخلد
جواهر من أبكار لفظ وعونه ... يقصّر عنها راجز ومقصّد
تنازع قوم فيهما وتناقضوا ... ومرّ جدال بينهم يتردّد
فطائفة قالت سعيد مقدّم ... وطائفة قالت لهم بل محمد
وصاروا إلى حكمي فأصلحت بينهم ... وما قلت إلّا بالتي هي أرشد
هما لاجتماع الفضل زوج مؤلف ... ومعناهما من حيث ألفت مفرد
كذا فرقدا الظلماء لمّا تشاكلا ... علا أشكلا ذاك أم ذاك أمجد
فزوجهما ما مثله في اتفاقه ... وفردهما بين الكواكب أسعد
فقاموا على صلح وقال جميعهم ... رضينا وساوى فرقد الأرض فرقد
وأفاضل الشأم والعراق، بعضهم يفضل السريّ عليهما، وبعضهم يفضلهما.
فهذا كله فصل في السرقات مستظرف، احتوى على فوائد من علم الأدب، وهي عشرون وجها والعشرون وجها في السرقة جلبتها من كتاب الوكيعي على اختصار.
***
فقال: والذي جعل الشّعر ديوان العرب، وترجمان الأدب، ما أحدث سوى أن بتر شمل شرحه، وأغار على ثلثي سرحه. فقال له: أنشدنا أبياتك برمّتها؛ ليتّضح ما اختاره من جملتها؛ فأنشد: [الكامل]
يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها ... شرك الرّدى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها ... أبكت غدا بعدا لها من دار
وإذا أظلّ سحابها لم ينتفع ... منه صدى لجهامه الغرّار
غاراتها ما تنقضي وأسيرها ... لا يفتدى بجلالة الأخطار
كم مزده بغرورها حتّى بدا ... متمرّدا متجاوز المقدار
стр. 639
قلبت له ظهر المجنّ وأولغت ... فيه المدى ونزت لأخذ الثّار
فاربأ بعمرك أن يمرّ مضيّعا ... فيها سدى من غير ما استظهار
واقطع علائق حبّها وطلابها ... تلق الهدى ورفاهة الأسرار
وارقب إذا ما سالمت من كيدها ... حرب العدا وتوثّب القدّار
واعلم بأنّ خطوبها تفجا ولو ... طال المدى وونت سرى الأقدار
***
قوله: «والذي جعل الشعر ديوان العرب»، أي كتابا تدوّن فيه أخبارهم، قال النبيّ ﷺ : «إن هذا الشعر جزل من كلام العرب به يعطى السائل ويكظم الغيظ وبه يؤتى القوم في ناديهم». وعنه ﷺ أنه قال: «إنّ من الشعر لحكمة» (١) رواه ابن عمر ﵁ قال: تعلّموا الشعر فإن فيه محاسن تبتغى ومساوي تتّقى. وحكمة للحكماء ويدلّ على مكارم الأخلاق.
قوله: «يا خاطب الدنيا الدنية»، أي التي لا خير فيها، شرك: مصائد. الردى:
الهلاك. قرارة: موضع يستقرّ فيه الماء. الأكدار: ما يتكدر به الماء الصافي.
أظلّ: دنا وقرب. ينتقع: يرتوي. صدى: عطش. جهامه: سحابه الذي لا ماء فيه. الغرّار: الخدّاع. تنقضي: تنقطع وتتم، أراد أن الدنيا تهلك من فيها، فكنى بالأسير عن ذلك وأسير الموت لا يفدى. الجلائل: جمع جليلة وهي الشيء الرفيع، وتقدمت الأخطار. مزده: معجب. غرورها: خداعها. متمردا: متجاوزا الحد في الفساد.
المجنّ: التّرس. أولغت: جعلتها تلغ الدم. المدى، جمع مدية: السكين. نزت:
وثبت عليه. الثأر: طلب الدم، وأراد أنها لما بسطت الأرزاق للإنسان فأعجب بها، وركب رأسه في الفساد تحوّلت عليه، وسقت سكّينها من دمه، والعرب تقول: قلبت له ظهر المجنّ، أي غيّرت له حالي، وهو مثل يضرب للمحاربة بعد المسالمة، وأصله في الحرب، لأن الرجل إذا صالح صاحبه جعل بطن مجنّه مما يلي صاحبه المصالح، فإذا حاربه قلب له ظهره للقتال. ومن جواب رسالة المهلب إلى الحجاج: وزعمت أني إن لم ألقهم في موضع كذا أسرعت إلى صدر الرمح، فلو فعلت لقلبت إليك ظهر المجن، ثم إذا كانت الواقعة، فهذا يبيّن ما ذكرناه.
اربأ بعمرك، أي ارفع عنها نفسك واحتفظ فيها بعمرك، وتقول: ربأت القوم أي صرت لهم ربيئة، وهو الحارس لهم، والمربأ: الموضع المشرف الذي يقعد فيه الناظر،
стр. 640
فمعنى اربأ بنفسك: أي ارتفع بموضع ممتنع واحترس فيه لتنجو. سدى: مهملا.
استظهار: استعداد، وقد استظهرت بالشيء فظهرت به وأظهرته إذا جعلته خلف ظهرك حماية ووقاية، والظهير المعاون. والعلائق: كلّ ما يعلق القلب بحب الدنيا. والرفاهة:
الخفض والعيش الهنيء. الأسرار: البواطن، يريد أنّ سرّ الإنسان وخاطره إذا قطع علائق الدنيا كان مترفّها خالي السر والبال. أرقب: أحرس. سالمت: صالحت. كيدها:
مكرها. الغدار: الذي يؤمّنك فإذا أمنته خانك. وتوثبه: تهيّؤه للوثب عليك. خطوبها:
أمورها ونوازلها. تفجأ: تأتي على غفلة. ونت: فترت: والسري: مشي الليل. الأقدار:
ما يقدره الله على العبد من خير أو شر، فيقول: إذا أمنتك الدنيا من مكرها، فلا تأمنها فخطوبها تأتي على غفلة بعد أمد طويل، وضمّن هذا الشعر وصايا في التحذير من الدنيا.
***
[التحذير من الدنيا وغرورها]
ونسوق هنا من النظم والنثر ما ينتظم في سلك ما نظم، قال النبيّ ﷺ : «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» (١).
وقال: «الدنيا حلوة خضرة، فمن أخذها بحقها بورك له فيها، ومن أخذها بغير حقها كان كالآكل الذي لا يشبع» (٢).
وقيل لعليّ بن أبي طالب ﵁: صف لنا الدنيا، فقال: ما أصف من دار أوّلها عناء وآخرها فناء، حلالها حساب، وحرامها عذاب؛ من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن.
وقال ابنه محمد ابن الحنفيّة: من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا.
وقيل لبعض الحكماء: صف لنا الدنيا، فقال: أمل بين يديك وأجل مطلّ عليك، وشيطان فتّان، وأمانيّ جرّارة العنان، تدعوك فتستجيب، وتزجرها فتخيب.
وقيل لآخر: صف لنا الدنيا، فقال: ناقضة للعزيمة، مرتجعة للعطية، كل من فيها يجري إلى ما لا يدري.
وقال هارون الرشيد: لو قيل للدنيا: صفي نفسك، ما وصفت نفسها بأكثر من قول أبي نواس: [الطويل]
стр. 641
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشّفت ... له عن عدوّ في ثياب صديق (١)
وقال آخر: [السريع]
يا خاطب الدنيا إلى نفسه ... تنحّ عن خطبتها تسلم
إن الذي تخطب غدّارة ... قريبة العرس من المأتم
وقال أبو العرب الصقلي: [الوافر]
ولا يغررك منها حسن برد ... له علمان من علم الذّهاب
فأوّله رجاء من سراب ... وآخره رداء من تراب
وقال أبو العتاهية: [الرجز]
أصبحت الدنيا لنا فتنة ... والحمد لله على ذلكا (٢)
قد أجمع الناس على ذمّها ... وما أرى منهم لها تاركا
وله أيضا: [الوافر]
هي الدنيا إذا كملت ... وتمّ سرورها خذلت
وتفعل في الذين بقوا ... كما فيمن مضى فعلت
وقال المتنبي: [الخفيف]
أبدا تستردّ ما تهب الدّن ... يا فيا ليت جودها كان بخلا (٣)
وهي معشوقة على الغدر لا تح ... فظ عهدا ولا تتمّم وصلا
كلّ دمع يسيل منها عليها ... وبفك اليدين عنها تخلّي
شيم الغانيات فيها فلا أد ... ري لذا أنّث اسمها الناس أم لا
وله أيضا: [المتقارب]
فذي الدار أخون من مومس ... وأخدع من كفّة الحابل (٤)
تفانى الرجال على حبّها ... وما يحصلون على طائل
وقال المعري: [الطويل]
وجدنا أذى الدنيا لذيذا كأنما ... جنى النحل أصناف الشقاء الذي نجني
على أم دفر غضبة الله إنّها ... لأجدر أنثى أن تخون وأن تخني
كعاب دجاها فرعها ونهارها ... محيّا لها قامت له الشّمس بالحسن
стр. 642
كأنّ بنيها يولدون وما لها ... حليل فتخشى العار إن سمحت بابن
وقال ابن عبد ربه: [الطويل]
ألا إنّما الدّنيا غضارة أيكة ... إذا اخضرّ منها جانب جفّ جانب
هي الدار ما الآمال إلا فجائع ... عليها ولا اللذات إلا مصائب
فلا تكتحل عيناك فيها بعبرة ... على ذاهب منها فإنّك ذاهب
وقال أبو العتاهية: [الطويل]
رضيت بذي الدنيا ككل مكاثر ... ملحّ على الدنيا وكل مفاخر
ألم ترها ترقيه حتى إذا سما ... فرت حلقه منها بشفرة جازر
وقال أبو بكر البلويّ: [السريع]
إنّ الذي أصبح لا والد ... له على الأرض ولا والده
قد مات من قبلهما آدم ... فأيّ نفس بعده خالده
إن جئت أرضا أهلها كلّهم ... عور فغمّض عينك الواحدة
وقال ابن عمران: [السريع]
أفّ لدنيا قد شغفنا بها ... جهلا وعقل للهوى متبع
فتّانة تخدع طلّابها ... فلا تكن ممّن بها ينخدع
أضغاث أحلام إذا حصّلت ... أو كوميض البرق منها لمع
وقال ابن قاضي ميلة: [المتقارب]
لدنياك نور ولكنه ... ظلام يحار به المبصر
فإن عشت فيها على أنها ... كما قيل قنطرة تعبر
فلا تعمرنّ بها منزلا ... فإن الخراب لما تعمر
ولا تذخرنّ خلاف التقى ... فتفنى ويبقى الذي تذخر
ابن عمران: واعلم أن الإنسان لا يحب شيئا إلا أن يجانسه في بعض طباعه، وإن الدنيا جانست الإنسان في بعض طبائعه فأحبّها بكله.
وقال: [الطويل]
نراع لذكر الموت في حال ذكره ... وتعترض الدنيا فنلهو ونلعب
ونحن بنو الدنيا خلقنا لغيرها ... وما كنت منه فهو شيء محبّب
وقال إبراهيم بن أدهم: [الطويل]
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقّع
стр. 643
فطوبى لعبد آثر الله ربه ... وجاد بدنياه لما يتوقّع
وهذا مثل قول أعرابيّ وقد قيل له: كيف أنت في دينك؟ فقال: أخرقه بالمعاصي، ولا أرقّعه بالاستغفار.
وللأعمى التطيليّ: [البسيط]
تنافس الناس في الدّنيا وقد علموا ... أن سوف تقتلهم لذاتهم بددا
قل للمحدّث عن لقمان أو لبد ... لم يترك الدهر لقمانا ولا لبدا
وللذي همّه البنيان يرفعه ... إن الردى لم يغادر في الثّرى أحدا
ما لابن آدم لا تفنى مطالبه ... يرجو غدا وعسى ألّا يعيش غدا
تأمل هذه المقاطع فإنها تضمنت حكما وآدابا وكل قطعة منها لها تعلّق بشعر الحريري إما باللّفظ أو بالمعنى.
***
فقال الوالي: ثمّ ماذا، صنع هذا؟ فقال: أقدم للؤمة في الجزاء، على أبياتي السّداسيّة الأجزاء، فحذف منها جزءين، ونقص من أوزانها وزنين؛ حتّى صار الرّزء فيها رزءين. فقال له: بيّن ما أخذ، ومن أين فلذ؟ فقال: أرعني سمعك، وأخل للتّفهم عنّي ذرعك؛ حتّى تتبيّن كيف أصلت عليّ، وتقدّر قدر اجترامه إليّ، ثم أنشد، وأنفاسه تتصعّد: [مجزوء الكامل]
يا خاطب الدنيا الدنيّ ... ة إنّها شرك الرّدى
دار متى ما أضحكت ... في يومها أبكت غدا
وإذا أطلّ سحابها ... لم ينتفع منه صدى
غاراتها ما تنقضي ... وأسيرها لا يفتدى
كم مزده بغرورها ... حتّى بدا متمرّدا
قلبت له ظهر المجنّ ... وأولغت فيه المدى
فاربأ بعمرك أن يمرّ ... مضيّعا فيها سدى
واقطع علائق حبّها ... وطلابها تلق الهدى
وارقب إذا ما سالمت ... من كيدها حرب العدا
واعلم بأنّ خطوبها ... تفجا ولو طال المدى
стр. 644
فالتفت الوالي إلى الغلام وقال: تبّا لك من خرّيج مارق، وتلميذ سارق! فقال الفتى: برئت من الأدب وبنيه، ولحقت بمن يناويه، ويقوّض مبانيه؛ إن كانت أبياته نمت إلى علمي، قبل أن ألّفت نظمي؛ وإنما اتّفق توارد الخاطر، كما قد يقع الحافر على الحافر.
***
قوله: أقدم أي تقدم. لؤمه في الجزاء: يريد أنه جازاه على ما فعل معه من الخير مجازاة لئيم، فسرق شعره. السداسية الأجزاء، لأن عروضها من الكامل، وأجزاؤها متفاعلن ست مرات. الرّزء: المصاب. فلذ: قطع. أرعني سمعك: أي اسمع مني.
ذرعك: بالك وقلبك. أصلت: جرد سيفه. تتصعّد: تتطلع إلى فوق. الخرّيج: الذي خرّجه معلمه، وفلان خرّيجك، أي الذي خرج بتهذيبك وتعليمك. مارق: خارج عن الطاعة. وتلميذ: طالب متعلم. برئت: زلت وانفصلت. يناويه: يعاديه. يقوّض: يهدم.
نمت: اتصلت. ونميت الحديث: أسندته. ألّفت نظمي: جمعت شعري.
توارد الخواطر: تواطؤ الأذهان، أي وقع لذهن الفتى من الكلام ما وقع لذهن الشيخ، مثل الحافر الذي وقع على الحافر.
وهذا الكلام يعزى لأبي الطيب المتنبي، وسئل عن اتفاقات الخواطر، فقال: الشعر ميدان، والشعراء فرسان، فربّما اتفق توارد الخواطر، كما قد يقع الحافر على الحافر.
قال الأصمعي رحمه الله تعالى: قلت عمرو بن العلاء: أرأيت الشاعرين يتفقان في المعنى ويتواردان في اللفظ لم يلق أحدهما صاحبه، ولا سمع شعره؟ فقال لي: تلك عقول رجال توافقت على ألسنتها.
[توارد الخواطر]
ومن مشهور ذلك ما وقع في القصيدتين البائيتين لامرئ القيس وعلقمة، وكذلك اتفاقه مع طرفة في قوله: [الطويل]
وقوفا بها صحبي على مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلّد (١)
وقال امرؤ القيس وتجمّل (٢).
стр. 645
ومن توارد الخواطر قول ربيعة بن مقروم. [الكامل]
لو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متبتل (١)
وقال النابغة: «صرورة متعبد» (٢).
وقال: [الكامل]
لرنا لرؤيتها وحسن حديثها ... ولهمّ من تاموره يتنزّل (٣)
وقال النابغة: [الكامل]
لرنا لرؤيتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد (٤)
تاموره: صومعته.
ومن ذلك ما حكى أبو عليّ أنه خرج جرير والفرزدق مردفين إلى هشام بن عبد الملك، فنزل جرير يبول، فتلفّتت الناقة فضربها الفرزدق وقال: [الوافر]
إلام تلفّتين وأنت تحتي ... وخير النّاس كلّهم أمامي (٥)
متى تردى الرّصافة تستريحي ... من التّهجير والدّبر الدّوامي
ثم قال: الآن يجيء جرير، فأنشده البيتين فيردّ عليّ: [الوافر]
تلفت أنها تحت ابن قين ... إلى الكيرين والفأس الكهام
متى تأت الرصافة تخز فيها ... كخزيك في المواسم كلّ عام
قال: فجاء جرير والفرزدق يضحك، فقال: ما يضحكك يا أبا فراس؟ فأنشده البيتين، فقال جرير: تلفت أنها البيتين .. كما قال الفرزدق سواء، فقال: والله لقد قلت
стр. 646
هذين البيتين، فقال جرير: أما علمت أن شيطاننا واحد.
ومرّ رجل بالفرزدق بالمربد فقال: من أين أقبلت؟ قال: من اليمامة، قال: فأيّ شيء أحدث ابن المراغة؟ فأنشده: [الكامل]
* هاج الهوى لفؤادك المهتاج*
فقال الفرزدق: [الكامل]
* فانظر بتوضح باكر الأحداج*
فقال الرجل: [الكامل]
* هذا هوى شغف الفؤاد مبرّح*
فقال الفرزدق: [الكامل]
* ونوى تقاذف غير ذات حلاج*
فقال الرجل: [الكامل]
* إنّ الغراب بما كرهت لمولع*
فقال الفرزدق: [الكامل]
* بنوى الأحبّة دائم التشحاج*
فقال الرجل: هكذا والله قال: أفسمعتها من غيري؟ قال: لا ولكن هكذا ينبغي أن يقال، فقال: أما علمت أن شيطاننا واحد.
ودخل الفرزدق على امرأة من عقيل فحدّثها، وأقبل فتى من قومها كانت تألفه، فدخل فأقبلت عليه تحدّثه، وتركت الفرزدق، فغاظه ذلك، وقال للفتى: أتصارعني؟
قال: ذلك إليك فقام الفرزدق فلم يلبث أن أخذه الفتى مثل الكرة فصرعه، وجلس على صدره، فضرط الفرزدق، فوثب الفتى عنه وقال: هذا مقام العائذ بك، والله ما أردت ما جرى، فقال: والله ما بي ذلك، ولكن كأني بابن المراغة جرير قد بلغه الخبر، فقال:
[الطويل]
جلست إلى ليلى لتحظى بقربها ... فخانك دهر لا يزال خئون
فلو كنت ذا حزم شددت وكاءها ... شدّ خرقا بالدلاص قيون
فلما بلغ الخبر جريرا قال البيتين.
وأمر سليمان بن عبد الملك الفرزدق أن يضرب رقاب أسرى فاستعفاه، فلم يفعل، وأعطاه سيفا لا يقطع فضرب به عنق روميّ فنبا السيف، فضحك سليمان ومن حوله، فجلس وهو يقول: [البسيط]
стр. 647
أيعجب النّاس أن أضحكت سيّدهم ... خليفة الله يستسقى به المطر
لم ينب سيفي عن رعب ولا دهش ... عن الأسير ولكن أخر القدر
ثم قال: ما إن يعاب فرس إذا كبا، ولا يعاب صارم إذ نبا، ثم جلس وهو يقول:
كأني بابن المراغة قد بلغه الخبر فقال: [الطويل]
بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
ضربت به عند الإماء فأرعشت ... يداك وقالوا محدث غير صارم
ثم قال: كأني يا أمير المؤمنين بابن القين قد أجابني فقال: [الطويل]
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكّهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
فأخبر الفرزدق القصة، فقال: [الطويل]
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحيانا مناط التّمائم
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكّهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
وهل ضربة الروميّ جاعلة لكم ... أبا عن كليب أو أبا مثل دارم
فهذا إن صح من أعجب اتفاق الخواطر.
وقال الأقيشر: [الوافر]
جريت مع الهوى طلق العتيق ... وهان عليّ مأثور الفسوق
وجدت ألذّ عارية الليالي ... قران النّغم بالوتر الخفوق
ومسمعة إذا ما شئت غنّت ... متى نزل الأحبّة بالعقيق
تمتّع من شباب ليس يبقى ... وصل بعرا الصّبوح عرا الغبوق
وقال أبو نواس رحمه الله تعالى: [الوافر]
جريت مع الهوى طلق الجموح ... وهل عليّ مأثور القبيح (١)
وجدت ألذّ عارية الليالي ... قران النغم بالوتر الفصيح
ومسمعة إذا ما شئت غنّت ... متى كان الخيام بذي طلوح
تمتّع من شباب ليس يبقى ... وصل بعرا الغبوق عرا الصّبوح
ومن ذلك ما نسب السري للخالدي فيما قدّمناه من سرقة شعره، قال السريّ:
[الكامل]
وكأنّ كأس مدامها ... لما ارتدت بحبابها
стр. 648
توريد وجنتها إذا ... ما لاح تحت نقابها
وقال أبو بكر الخالدي: [مجزوء الرمل]
فكأن الكأس لمّا ... ضحكت تحت الحباب
وجنة حمراء لاحت ... لك من تحت النقاب
وقال السري في وصف جام فيه فالوذج: [الطويل]
بأحمر مبيضّ الزجاج كأنه ... رداء عروس مشرب بخلوق
له في الحشا برد الوصال وطيبه ... وإن كان تلقاه بلون حريق
كأنّ بياض اللّوز في جنباته ... كواكب درّ في سماء عقيق
وقال أبو بكر الخالدي: [الطويل]
مداما كأنّ الكفّ من طيب نشرها ... وصفرتها قد خلّقت بخلوق
نعاينها نورا علاه تجسّد ... ونشربها نادرا بغير حريق
كأنّ حباب الماء في جنباتها ... كواكب لاحت في سماء عقيق
وقال السري رحمه الله تعالى: [الوافر]
رأت شيبا يصاحبني فصدّت ... وكان جزاؤه منها العبوسا
وقالت إذ رأت للمشط فيه ... سوادا لا يشاكله نفيسا
تلقّ العاج منه بمشط عاج ... ودع للآبنوس الآبنوسا
وقال أبو عثمان أيضا: [الخفيف]
وقفتني ما بين هجر وبؤس ... وانثنت بعد ضحكة بعبوس
ورأتني مشطت عاجا بعاج ... وهي الآبنوس بالآبنوس
وهذا إما توارد أو تسابق، والتسابق أشبه بهم.
***
قال: فكأن الوالي جوّز صدق زعمه، فندم على بادرة ذمّه؛ فظلّ يفكر فيما يكشف له عن الحقائق، ويميّز به الفائق من المائق، فلم ير إلا أخذهما بالمناضلة، ولزّهما في قرن المساجلة، فقال لهما: إن أردتما افتضاح العاطل، واتضاح الحقّ من الباطل، فتراسلا في النّظم وتباريا، وتجاولا في حلبة الإجازة وتجاريا؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيّ عن بيّنة؛ فقالا له بلسان واحد، وجوابا متوارد: قد رضينا بسبرك، فمرنا بأمرك.
فقال: إنّي مولع من أنواع البلاغة بالتجنيس، وأراه لها كالرئيس؛ فانظما الآن عشرة
стр. 649
أبيات تلحمانها بوشيه، وترصّعانها بحيله، وضمّناها شرح حالي مع إلف لي بديع الصّفة، ألمى الشّفة، مليح التثنّي، كثير التّيه والتجنّي، مغرى بتناسي العهد، وإطالة الصدّ، واختلاف الوعد؛ وأنا له كالعبد.
***
قوله: زعمه، الزعم قول معه اعتقاد، بادرة: سابقة وهي الكلمة الرديئة تبدر من المتكلم. الفائق: الفاضل، وفاق الناس، فضلهم وعلاهم بقول أو علم. المائق: الأحمق الضعيف التدبير. المناضلة: المراماة. لزّهما: ضمهما وشدّهما. فرن: حبل يقرن بين الشيئين.
[المساجلة]
المساجلة: أن يستقي ساقيان فيخرج كلّ واحد منهما من الماء مثل ما يخرج الآخر، فأيهما نكل فقد غلب، وقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب: [الرمل]
من يساجلني يساجل ماجد ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب (١)
وأنا الأخضر من يعرفني ... أخضر الجلدة من بيت العرب
ومرّ الفرزدق بالفضل، وهو يستقي وينشد البيتين، فشمّر ثيابه عن نفسه، وقال: أنا أساجلك، ثقة بنسبه، فقيل له: هذا الفضل بن العباس، فردّ ثيابه وقال: ما يساجله إلا من عضّ أير أبيه. ثم صارت المساجلة يقصد بها قصد المفاخرة، وأراد هنا بالمناضلة والمساجلة، أن يقول هذا بيتا، وهذا بيتا حتى يعلم لمن الغلب. وأكثر ما جرت به العادة فيها بأنصاف الأبيات كما شهر في قصة امرئ القيس والتوأم حين قال امرؤ القيس:
[الوافر]
* أحار ترى بريقا هبّ وهنا*
فقال التوأم:
كنار مجوس تستعر استعارا (٢)
стр. 650
ثم مضيا على القطعة بالإنصاف حتى كملت، وهي مشهورة.
قال أبو العيناء: وقف علي غلام يسألني ما أحسبه بلغ الحلم ولا قاربه وخرج غلام لي أسود قد اغتسل، وهو يرعد، وكان خبيثا، فأومأت إلى الأسود فقلت: [الرجز]
كأنه ذئب غضى أزلّ
فقال الغلام: [الرجز]
باب النّدى يضربه والطّلّ
فوصلته بدارهم وانصرف.
واجتاز ابن أبي الخصال من بلده شقورة بآبدة، وهو صبيّ صغير يطلب الأدب، فأضافه بها القاضي ابن مالك، ثم خرج معه إلى حديقة معروشة، فقطف لهم منها عنقودا أسود، فقال القاضي: [مجزوء الرجز]
انظر إليه في العصا
فقال ابن أبي الخصال: [مجزوء الرجز]
كرأس زنجيّ عصا
فعلموا أنه سيكون له شأن في البيان.
ومثل ذلك ما حدّثني به الشيخ الفقيه أبو الحسين بن زرقون عن أبيه أبي عبد الله أن أبا بكر بن المبجل وأبا بكر بن الملاح الشبليين، كانا متواخيين متصافيين، وكان لهما ابنان قد برعا في الطلب، وحازا قصب السبق في حلبة الأدب، فتهاجى الابنان بأقذع هجاء، فركب ابن المبجل في سحر من الأسحار مع ابنه عبد الله فجعل يعتبه على هجاء ابن الملاح، ويقول له: قطعت ما بيني وما بين صفيي أبي بكر بإقذاعك في ابنه، فقال له ابنه: إنه بدأني، والبادئ أظلم، وإنما يجب أن يلحى من بالشّر تقدّم، فعذره أبوه؛ فبينما هما على ذلك إذ أقبل على واد تنقّ فيه ضفادع، فقال أبو بكر لابنه أجز: [الوافر]
تنقّ ضفادع الوادي
فقال ابنه:
بصوت غير معتاد
стр. 651
فقال الشيخ:
كأنّ نقيق مقولها
فقال ابنه:
بنو الملاح في النادي
فلما أحست الضفادع بهما صمتت، فقال أبو بكر:
وتصمت مثل صمتهم
فقال ابنه:
إذا اجتمعوا على زاد
فقال أبو بكر:
ولا غوث لملهوف
فقال ابنه:
ولا غيث لمرتاد
والإجازة بالأبيات بكمالها كثيرة مشهورة.
وحكى الماورديّ أنّ الناس تذاكروا حفظ السّر بمجلس عبد الله بن طاهر فقال عبد الله: [الطويل]
ومستودعي سرّا تضمّنت ستره ... فأودعته من مستقرّ الحشى قبرا
فقال ابنه عبيد الله، وهو صبيّ: [الطويل]
وما السرّ في قلبي كثاو بحفرة ... لأني أرى المدفون ينتظر الحشرا
ولكنني أخفيه حتى كأنه ... من الدهر يوما ما أحطت به خبرا
وحكى الفقيه أبو الحسن أنّ أباه حدثه أن الأديب أبا الطاهر بن أبي ركب، حضر عنده بسبتة بقرية شنان في عقب شعبان لاستقبال رمضان، فأكل مع من حضر ضروبا من الأطعمة والألوان، فقال أبو الطاهر رحمه الله تعالى لأبي عبد الله بن زرقون أجز:
[الطويل]
حمدت لشعبان المبارك شعبة ... تسهّل عنيّ الجوع في رمضان
فقال أبو عبد الله رحمه الله تعالى: [الطويل]
كما حمد الصبّ المتيّم زورة ... أطاق لها الهجران طول زمان
فقال أبو الطاهر: [الطويل]
دعوها بشبعانية فلو أنهم ... دعوها بشعبانية لكفاني
стр. 652
وحدثني أيضا أن أباه شيخنا الفقيه أبا عبد الله المذكور قعد مع صهره أبي الحسن عبد الملك بن عياش الكاتب على بحر المجاز، وهو مضطرب الأمواج، فقال له أبو الحسن: أجز: [الوافر]
وملتطم الغوارب موجته ... بوارح في مناكبها غيوم
فقال أبو عبد الله [الطويل]
تمنّع لا تعوم به سفين ... ولو حدقت به الزهر النجوم
***
قوله: «افتضاح العاطل»، أي شهرة الفارغ من قول الشعر، تراسلا: تجاريا، والتّراسل في الغناء والنشيد، أن يتجاذب الصوت المغنّيان، والترسل في الخيل، أن ترسل فرسين في الطلق.
تباريا: تجاريا، وتجاولا: تصرّفا. والحلبة يأتي ذكرها في المقامة، وأراد تجاريا في العشر كما يتجارى خيل الحلبة في الميدان، بسبرك: قياسك وتجربتك لنا. متوارد:
متسابق متتابع. والتجنيس: أن تكون الألفاظ متناسبة والمعاني متباينة. تلحمانها:
تنسجانها. وشيه: رقمه. ترصّعانها: تزينانها. وكلّ ما خرزته أو عقدته فهو مرصع.
إلف: معشوق يألف ويؤنس به. بديع: غريب. ألمى: أسمر، واللّمى أن تتعتّق حمرة الشفة حتى تضرب إلى السواد. والتثني: الانعطاف. التيه: الإعجاب والاحتقار بغيره، التجنّي: ادعاء الجناية على عاشقه، وذلك أن المعشوق يحسب كل ما يفعله عاشقه ذنبا عليه وجناية ليتوصّل بذلك إلى هجره ثم سمّى الصدّ والإعراض تجنيا. مغرى: مولع.
والتناسي: استعمال النسيان. أراد أنه يعد عاشقه بالزيارة وغيرها فإذا ذكر بها قال:
نسيت. والصدّ: الإعراض.
***
قال: فبرز الشيخ مجليّا، وتلاه الفتى مصليا؛ وتجاريا بيتا فبيتا على هذا النّسق، إلى أن أكمل نظم الأبيات واتسق، وهي: [الطويل]
وأحوى حوى رقّي برقّة ثغره ... وغادرني إلف السّهاد بغدره
تصدّى لقتلي بالصدود وإنني ... لفي أسره مذ حاز قلبي بأسره
أصدّق منه الزّور خوف ازوراره ... وأرضى استماع الهجر خشية هجره
وأستعذب التّعذيب منه وكلّما ... أجدّ عذابي جدّ بي حبّ برّه
تناسى ذمامي والتناسي مذمّة ... وأحفظ قلبي وهو حافظ سرّه
وأعجب ما فيه التّباهي بعجبه ... وأكبره عن أن أفوه بكبره
له منّي المدح الّذي طاب نشره ... ولي منه طي الودّ من بعد نشره
стр. 653
ولو كان عدلا ما تجنّى وقد جنى ... عليّ وغيري يجتني رشف ثغره
ولولا تثنيه ثنيت أعنّتي ... بادرا إلى من أجتلي نور بدره
وإني على تصريف أمري وأمره ... أرى المرّ حلوا في انقيادي لأمره
***
على هذا النسق، أي على هذا التتابع والانضمام، اتّسق: انضمّ واجتمع. ونسقت الشيء بالشيء ضممته إليه، أحوى: أسمر الشفة، والحوّة: حمرة تضرب إلى السواد، يقال:
شفة حوّاء حمراء. رقّي، أي ملكي، والرّق الملك، ورقّ الرجل رقّا: صار عبدا، برقّة لفظه:
بحلاوة كلامه. غادرني إلف السهاد: تركني صاحب سهر. بغدره: بقلة وفائه. تصدّى:
تعرّض. أسره: حبسه. بأسره: بجملته. والزور: الكذب. ازوراره: انقباضه، والهجر:
الفحش. أستعذب: أستطيب. أجدّ عذابي: جدّد عذابي. جدّ: زاد واجتهد. برّه: إكرامه.
يريد متى زادني عذابا وهجرانا زدت فيه حبّا وبرّا. ذمامي: عهدي. مذمّة: عيب. أحفظ:
أغضب. التباهي: التفاخر. أكبره: أعظمه وأراه كبيرا، أفوه: أنطق. نشره: تحرّك رائحته.
رشف ثغره: تقبيل أسنانه، ثنيت: عطفت. أعنّتي: جمع عنان. أجتلي: أنظر. نور بدره:
حسن وجهه يقول: لولا حسن تثنيه لتركته وملت إلى غيره. ثم قال: وإني على ما يلقاني به من الهجر والجفاء وألقاه به من البرّ والصفاء. ليرجع عندي المرّ من أفعاله حلوا في اتباعي لما يحبّ ويأمر به. وقد أنشدوا في ذلك: [الطويل]
لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرّني أني خطرت ببالك
وقال في مثله: [الكامل]
وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا ... ما من يهون عليك ممن يكرم
فهذه غاية الانقياد لمراعاة مراد الحبيب.
وقال الشاعر: [الكامل]
ولقد منحتكم المودّة محضة ... وكتمت ما اشتملت عليه ضلوعي
جازيتموني بالوصال قطيعة ... شتّان بين صنيعكم وصنيعي
فإذا أتيتك زائرا متشوقا ... قصر الطريق وطال عند رجوعي
وفي معنى قوله: «له منّي المدح»، يقول ابن رشيق، وزاد معنى مستظرفا:
أراك اتّهمت أخاك الثّقه ... وعندك مقت وعندي مقه
وأثني عليك وقد سؤتني ... كما طيّب العود من أحرقه
وقال ابن زيدون: [الطويل]
بني جهور أحرقتم بجفائكم ... جناني فما بال المدائح تعبق
стр. 654
تعدّونني كالعنبر الندّ إنّما ... تطيب لكم أنفاسه حين يحرق
وهما وإن تواردا على هذا المعنى، فإنما أخذاه من قول حبيب: [الرجز]
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
***
ونذكر هنا جملة من الشعر الرائق المستظرف الفائق، تنسحب على أوصاف الغلام المذكور، وتتعلق بشعر الحريريّ من جهة التجنيس، أو من جهة الانقياد للمحبوب وإن جفا وصدّ.
ونبدأ بذكر حكاية أبي إسحاق الحصري لتعلقها بما انبنت عليه المقامة من توارد الخواطر.
وكان أبو إسحاق يختلف إلى بعض مشيخة القيروان، وكان الشيخ كلفا بالمعذّرين وهو القائل: [الكامل]
ومعذّرين كأنّ نبت خدودهم ... أقلام مسك تستمدّ خلوقا
قرنوا البنفسج بالشقيق ونظّموا ... تحت الزبرجد لؤلؤا وعقيقا
فهم الذين إذا الخلّي رآهم ... وجد الهوى بهم إليه طريقا
وكان يختلف إليه غلام من أعيان أشراف القيروان، وكان به كلفا، فبينما هو عنده والحصري قد أخذ في الحديث إذ أقبل الغلام وهو يقول: [الكامل]
في صورة كملت فخلت بأنّها ... بدر السماء لستة وثمان
يعشى العيون ضياؤها فكأنّها ... شمس الضحى تعشى بها العينان
فقال الشيخ: يا حصري، ما تقول فيمن هام بهذا القدّ، وصبا لهذا الخدّ؟ فقال الحصري: الهيمان والله بهذا غاية الظرف، لا سيما إذا شام كافورة خدّه ذلك المسك الفتيت، وهجم على صبحه ذلك الليل البهيم، والله ما خلت سواده في بياضه إلا بياض الإيمان في سواد الكفر، أو غيهبا في ضوء الفجر، فقال للحصري: صفه، فقال: من ملك رقّ القول حتى انقاد له صعابه فذل له جموحه حتى سطع له شهابه، أقعد مني في ذلك، فقال: صفه، فإني معمل في ذلك فكري، فأطرق ساعة، فقال الحصريّ: [مجزوء الرجز]
أورد قلبي الرّدى ... لام عذار بدا
أسود كالكفر في ... أبيض مثل الهدى
فقال له الشيخ: أراك اطّلعت على ضميري، أو خضت بين جوانحي، فقال له الحصري: ولم ذاك؟ قال: لأني قلت: [مجزوء الرجز]
стр. 655
حرّك قلبي فطار ... صولج لام العذار
أسود كالليل في ... أبيض مثل النهار
فهذه غاية في بابه.
وقال السّريّ: [الوافر]
بلاني الحبّ فيك بما بلاني ... فشأني أن تفيض غروب شاني
أبيت الليل مرتقبا أناجي ... بصدق الوجد كاذبة الأماني
ويشهد لي على الأرق الثريّا ... ويعلم ما أقاسي الفرقدان
ستصرف طاعتي عمّن نهاني ... دموع فيك تلحى من لحاني
ولم أجهل نصيحته ولكن ... جنون الحب أحلى في جناني
فيا ولع العواذل خلّ عني ... ويا كفّ الغرام خذي عناني
وهذا مما يأخذ بمجامع القلوب، ويحتوي على النوعين من المعنى المطلوب.
وقال السّلامي: [البسيط]
ما ضنّ عنك بموجود ولا بخلا ... أعزّ ما عنده النّفس التي بذلا
يحكي المطايا حنينا والهجير جوى ... والمزن دمعا وأطلال الديار بلى
وقال أيضا: [الوافر]
منيت بمن إذا منيت أفضت ... مناي إلى بنفسج عارضيه
وفاضت رحمة لي حين ولّى ... مدامع كاتبيّ وكاتبيه
وله في غلام بدويّ: [الخفيف]
تعلّقته بدويّ للّسان ... والوجه والزّيّ ثبت الجنان
أعانق من قدّه صعدة ... ترى اللحظ منها مكان السّنان
أدار اللثام على خدّه ... فأهدى الشقيق إلى الأقحوان
ومسك ذوائبه سائل ... على آس ديباجه الخسرواني
أحيّيه بالورد والياسم ... ين فيصبو إلى الشّيخ والأيهقان
وله في غلام غزّيّ رام: [الكامل]
قمر من الأتراك تحسب أنه ال ... خود الحصان على أقبّ حصان
يرمي بلحظيه القلوب وسهمه ... فعجبت كيف تشابه السهمان
بطل حمائله كعارضه وحا ... جبه الأزحّ كقوسه المرنان
حيّيته فدنا فأمطر راحتي ... قبلا فليت فمي مكان بناني
стр. 656
وللشريف الرضي: [الكامل]
يا صاحب القلب الصحيح أما اشتفي ... ألم الهوى من قلبي المصدوع (١)
أأسأت بالمشتاق حين ملكته ... وجزيت فرط نزاعه بنزوع
وتركتني ظمآن أرشف غلّتي ... وأسفي على ذاك اللّمى الممنوع
قلبي وطرفي منك هذا في حمى ... قيظ وهذا في رياض ربيع
كم ليلة جرّعته في طولها ... مضض الملام ومؤلم التقريع
تفلي أنامله التراب تعلّلا ... وأناملي في سنّي المقروع
أبكي ويبسم والدّجى ما بيننا ... حتى أضاء بثغره ودموعي
قمر إذا استعجلته بعتابه ... لبس الغروب فلم يعد لطلوع
لو حيث يستمع السرار وقفتما ... لعجبتما من عزّه وخضوعي
أعزز عليّ إذا امتلأت من الكرى ... أنّي أبيت بليلة الملسوع
وللوزير ابن المغربي: [الكامل]
دنف بمصر وبالعراق طبيبه ... يضنيه طول بعاده ويذيبه
ما ناله إلا الذي هو أهله ... إذ غاب عن بلد وفيه حبيبه
لزم السّهاد تحيّرا وتلدّدا ... وتأسفا إذ أوبقته ذنوبه
زعم الفراق دعا به فأجابه ... ونعم دعاه فلا أراه يجيبه
وله أيضا: [مجزوء الكامل]
ولقد أراه في الغدي ... ر يشقه من جانبيه
والماء مثل السيف وهـ ... وفرنده في صفحتيه
صبغت بياض النيل حم ... رة وردة في وجنتيه
ولابن الزقاق: [الطويل]
تمنّيت من أهوى به وهو قاتلي ... وربّ منى للمرء فيها مناياه
قسا فرماني عن قسيّ حواجب ... تنوب لها دأبا عن الرشق عيناه
أذلنا دماء في هواه وأدمعا ... وضنّ لنا ظلما بظلم ثناياه
فما برح الشّوق المبرّح ساميا ... لأحوى حوى كلّ المحاسن مرآه
فمنظره والثّغر منه وعرفه ... وقامته والرّدف منه وخدّاه
стр. 657
لشمس الضحى والدّرّ والمسك نفحة ... وغصن النقا والدّعص والورد أشباه
وقال أيضا رحمه الله تعالى: [الكامل]
ومهفهف نبت الشّقيق بخدّه ... واهتزّ أملود النّقا في برده
ماء الشبيبة والجمال أرقّ من ... صقل الحسام المنتضى وفرنده
يحيي الأنام بلمحة من وصله ... من بعد ما وردوا الحمام بصدّه
إن كنت أهديت الفؤاد له فقل ... أيّ الجوى لجوانحي لم يهده
وقال أيضا: [المتقارب]
أرقّ نسيم الصّبا عرفه ... وراق قضيب النقا عطفه
ومرّ بنا يتهادى وقد ... نضا سيف أجفانه طرفه
ومدّ لمبسمه راحة ... فخلت الأقاح دنا قطفه
أشار لتقبيلها في السّلام ... فقال فمي ليتني كفّه
ولإدريس بن اليماني: [الطويل]
وذي لعس للأقحوان ثناياه ... وللورد خدّاه وللآس صدغاه
وللسّوسن الريّان صفحة خدّه ... وللظّبي عيناه وللمسك ريّاه
فريد جمال تمّ لي توأم الهوى ... به ولكلّ العاشقين فرداه
ولبعض أصحابنا: [الخفيف]
كفّ عني الملام يا من يلوم ... إنّ لوم الشجيّ في الحبّ لوم
جلّ همي بأن أهيم حياتي ... صغرت همة امرئ لا يهيم
أبدا أطلب الغرام مجدّا ... فكأني إلى الغرام غريم
إن ربما رمت برامة قلبي ... مقلتاه حبّي له لا يريم
صحّ حبّي واعتلّ جسمي فحسبي ... أنّ كلّي إلى هواه سقيم
وكلّ ما تضمنت هذه الجملة مع قطعة الحريري من التذلّل والخضوع إلى المجبوب، فهو حكم الباب، والمجمع عليه عند ذوي الألباب. إلا قوله: «وغيري يجتني رشف ثغره»، فإن أكثر أهل هذا الشأن يأبون أن يكون المحبوب بين عاشقين، وينسبون محبّة إلى خساسة الهمة، ويعتدونها على المحبوب من أكبر التهمة، قال امرؤ القيس:
[الكامل]
إني بحبلك واصل حبلي ... وبريش نبلك رائش نبلي (١)
стр. 658
ما لم أجدك على هدى أثر ... يقرو مقصّك قائف قبلي
يقول: أنا أديم من مواصلتك ما لم أجد غيري يتبعك طمعا في مواصلتك. وقال أبو ذؤيب: [الطويل]
تريدين كيما تجمعيني وخالدا ... وهل يجمع السّيفان ويحك في غمد (١)
فهذا قد أبى الشركة على التساوي، فكيف الإقامة على الجور الذي ذكر الحريري.
وقد قدمنا في العشرة للمولدين فنّا غير هذا، على أن المحبوب إذا كان حسن الخلق حسن القبول زاد في أبّهة جماله، كما أنّ الجفاء في المحبوب والخلق الذميم يطمس نور حسنه وينقص من كماله، وأنشدوا: [الطويل]
أيا حسنا أزرت قبائح فعله ... عليه كما أزرى الكسوف على البدر
وقال عبد الصمد المصري: [المتقارب]
فلو زيّن الحسن من وجهه ... بهجر الصّدود ووصل الوصال
لتمّ ولكنّ ما إن أرى ... جميل المحيا جميل الفعال
وقال آخر: [الوافر]
صحا عن حبّك القلب المشوق ... فما يصبو إليك ولا يتوق
جفاؤك كان عنك لنا عزاء ... وقد يسلي عن الولد العقوق
فهذه جملة كافة.
[أنواع البلاغة في صناعة الشعر]
ونرجع إلى ذكر أنواع البلاغة في صناعة الشعر التي سمّاها المحدثون صنعة البديع، والشعراء يتفاضلون في سياقها والاقتدار عليها، وهي في أشعار العرب موجودة، وفي الشعر المولّد أكثر، وأنا آتي منها بما للناظر فيه كفاية بعون الله ، ونبدأ منها ب التجنيس الذي أولع به الحاكم في المقامة.
التجنيس
هو اتفاق اللفظ أو أكثره واختلاف الحكم، قال أبو بكر حازم بن حازم: التجنيس أن تجيء الكلمة تجانس أخرى في بيت شعر أو كلام، وهو من أضيق أنواع البديع، فمنه
стр. 659
قوله تعالى: وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ [النحل: ٤٤]، وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ [الروم:
٤٣] وفي الحديث «عصيّة عصت الله ورسوله، وغفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، والظلم ظلمات يوم القيامة».
وقال خالد بن صفوان لرجل من بني عبد الدار: هشمتك هاشم، وأمّتك أمية، وخزمتك مخزوم، وأنت من عبد دارها، ومنتهى عارها، فتح لها الأبواب إذا أقبلت، وتغلقها إذا أدبرت.
والتجنيس أنواع، فمنه تجنيس اللفظ وهو ما تقدم، ومنه تجنيس الخطّ وهو ما يصح تصحيفه، كقوله تعالى: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [الكهف: ١٠٤].
وفي حديث سعد بن أبي وقاص: لما أسلمت راغمتني أمي، فهي مرة تلقاني بالبشر، ومرة تلقاني بالبسر.
البحتري: من سعادة جدّك، وقوفك عند حدّك.
وفي رسالة: عاد إلى المسامحة والمحاسنة، بعد المشامخة والمخاشنة، وقال البحتريّ: [الطويل]
ولم يكن المغترّ بالله إذ سرى ... ليعجز والمعتزّ بالله طالبه (١)
وقال البحتريّ أيضا: [الطويل]
وحالا كريش النّسر مهما رأيته ... جناحا لشهم عاد ريشا على سهم
ومنه تجنيس السمع كقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة:
٢٢] ومن رسالة: لم يكن لأمره مضيعا، ولا لسرّه مديعا.
البستي: من لم يكن لك نسيبا، فلا ترج منه نصيبا. ومن لم يكن لك صدره بالحاجات فسيحا، فلا تسمع له بها لسانا فصيحا. وقال: [الطويل]
أبوك كريم غير أنك سابق ... مداه فلا ضيم عليك ولا ذمّ
فلا يعجبنّ الناس مما أقوله ... وأقضي به فالغيث يقدمه الغيم
وقال المعرّي رحمه الله تعالى: [البسيط]
أعوذ بالله من قوم إذا سمعوا ... خيرا أسرّوه أو شرّا أذاعوه
وخالد بن سنان ليس ينقصه ... من قدره الكون في حيّ أضاعوه
ومنه تجنيس المضارعة، فمنه من رسالة: أنابه بين احتفاء واحتفال، وبين ذكر مطر مطرب. وثنا مغر مغرب.
стр. 660
وقال أبو تمام: [الطويل]
يمدّون من أيد عواص عواصم ... تطول بأسياف قواض قواضب (١)
وقال المعرّي: من اتقى الله فهو السالم الساري.
وقال ابن عمار: [الطويل]
إذا ركبوا فانظره أوّل طاعن ... وإن نزلوا فانظره آخر طاعم
وباب التجنيس فاق الناس فيه حبيب، والناس له تبع، كما انفرد بحسن القطع في آخر قصائده، فلا يكاد الشاعر الماهر يزيد بيتا في آخر قصائده في الغالب.
كما انفرد الحسن بحسن الابتداء فله ابتداءات لا يجاري فيها، كما انفرد ابن المعتز بجودة التشبيه يكاد على كثرته في شعره ألا يسقط له تشبيه واحد، كما انفرد المتنبي بلطف التخلص من التغزّل إلى المدح، ومن تجنيس حبيب قوله: [الطويل]
عداك حرّ الثغور المستضامة عن ... برد الثغور وعن سلسالها الحصب (٢)
السلسال العذب والحصب: الجاري على الحصباء؛ شبه الريق به، ففي هذا البيت من صنع البديع التجنيس والطباق والتتميم والترديد والتبليغ، وتأتي هذه الأنواع في هذا الفصل، وحبيب أكثر الناس استعمالا لصنع البديع، ومن شعره يتعلّم، وقال أيضا:
[البسيط]
كم نيل تحت سناها من سنا قمر ... وتحت عارضها من عارض شنب (٣)
وقال أيضا: [الكامل]
يا من تدمّي عينه تلك الدمى ... فيه ويقمر ليلة الإقمار
أخذه البحتري فقال: [البسيط]
جافي المضاجع لا ينفكّ في لجب ... يكاد يقمر من لألائه القمر (٤)
وأنشد أبو علي الفارسي في نوادره لأبي الغول الطهوي يصف سحابا: [الخفيف]
وقري كلّ قرية كان يقرو ... ها قرى لا يجفّ منه القرى
وفي المقامات من التجنيس كثير، وفي هذا الشرح منه ما يستظرف ويستبدع، فمما يستحسن منه قول السريّ يمدح سيف الدولة: [الوافر]
أغرّتك الشّهاب أم النهار ... وراحتك السحاب أم البحار
خلقت منيّة ومنى فأضحت ... نمور بك البسيطة أو تمار
стр. 661
تحلّي الدين أو تحمى حماه ... فأنت عليه سور أو سوار
سيوفك من شكاة الثغر برء ... ولكن للعدى فيها بوار
وكفّاك الغمام الجود يسري ... وفي أحشائه ماء ونار
فيمنى من سجيتها المنايا ... ويسرى من عطيّتها اليسار
ومن الشعر الذي جمع إلى التجنيس حسن التقسيم والطباق جواب الصابي أبا أحمد الشيرازي، من شعر يشتكي له نقرسا أصابه وأوله: [المتقارب]
إلى الله أشكو ضنى شفّني ... وكم قبله من ضنى قد شفاني
فأجابه الصابي: [المتقارب]
عناني من الهم ما قد عناني ... فأعطيت صرف الليالي عناني
ألفت الدموع وعفت الهجوع ... فعيناي عينان نضّاختان
لسقم ألحّ على سيّد ... به قد غفرت ذنوب الزّمان
وكيف سطا بهما واستطا ... ل وأرض بساطهما النّيران
وهلّا تجاوزه قاصدا ... إلى عصبة عصبت بالهوان
إذا ما سعى لطلاب العلا ... فكلّ أوان همّ في توان
أتتني بالأمس أبياته ... تعلّل روحي بروح الجنان
كبرد الشباب وبرد الشرا ... ب وطلّ الأمان ونيل الأماني
وعهد الصّبا ونسيم الصّبا ... وصفو الزمان ورجع القيان
أجبت عن الشّعر مسترسلا ... بطبع شجاع وقلب جبان
ولولا سكوني إلى فضله ... قبضت بناني بقبض اللّسان
وقال أبو الفتح البستي: [المتقارب]
إنّ أسيافنا العضاب الدوامي ... صيّرت ملكنا قرين الدّوام
باقتسام الأموال من وقت سام ... واقتحام الأموال من وقت حام
التشبيه
وقد أوردنا في هذا الكتاب منه كل غريب، والتشبيهات على ضروب مختلفة، فمنها تشبيه الشيء بالشيء صورة وهيئة، ومنها تشبيهه به معنى، ومنها تشبيهه به لونا، ومنها تشبيهه به صوتا، ومنها تشبيهه به حركة وسرعة، فالأول كقوله: [الطويل]
كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالي (١)
стр. 662
أجمع أهل العلم بالشعر كأبي عمرو بن العلاء والأصمعي، أن أحسن التشبيه ما يقابل به تشبيهان في بيت واحد، وأن أحدا لم يقل ذلك كبيت امرئ القيس، كأن قلوب الطير. وقال بشار: ما زلت مذ سمعت قوله: كأن قلوب الطير أراود نفسي أن أشبه شيئين بشيئين ولا أستطيع ذلك إلى أن قلت: [الطويل]
كأنّ مثار النّقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
ويا بعد ما بين البيتين على أن بيت بشار غريب، ولا أحفظ للبيتين ثالثا، إلا أن بشارا قد قال أيضا: [البسيط]
من كل مشتهر في كف مشتهر ... كأن غرّته والسيف نجمان
وأما تشبيه المعنى فكتشبيه الشجاع بالأسد والجميل بالقمر، وكقوله: [الطويل]
وكالسيف إن لا ينته لان متنه ... وحدّاه إن خاشنته خشنان
واللون كقول ابن هرمة: [الطويل]
وليل كسربال الغراب ادّرعته ... إليك كما أختّ اليمانيّ أجدل
والصوت كقول النابغة: [البسيط]
له صريف صريف القعو بالمسد (١)
والحركة والسرعة، كقول امرئ القيس: [الطويل]
كجلمود صخر حطّه السيل من عل (٢)
وربما امتزجت هذه المعاني بعضها ببعض، فإذا اتفق في الشيء المشبه معنيان أو ثلاثة معان من هذه الأوصاف قوي التشبيه، وتأكد الصدق فيه، وأصدق التشبيهات ما إذا
стр. 663
عكس لم ينتقض، بل يكون كل مشبه بصاحبه مثل صاحبه، ويكون صاحبه مشبها به صورة ومعنى، كقول امرئ القيس: [الطويل]
نظرت إليها والنجوم كأنّها ... مصابيح رهبان تشبّ لقفّال (١)
فتشبيه النجوم بالمصابيح لفرط ضيائها صحيح، وتشبيه المصابيح بالنجوم صحيح، وربما أشبه الشيء صورة، وخالفه معنى. وقد تقدّم ذكر ذلك في الثانية، وربما قاربه وداناه وشابهه مجازا لا حقيقة.
وأدوات التشبيه كأنّ والكاف ومثل، وتسقط الكاف مع المصدر فيشبّه بالمصدر، وقد يشبّه بقولهم: تخاله وتحسبه، فما كان منه صادقا قيل فيه «كأنه» أو كذا، وما قارب الصدق قيل فيه: تراه أو تخاله؛ فإذا حققت هذا الفصل انكشفت لك أسرار التشبيه، وقد تقدّم نوع من التشبيه في الثانية، وسيأتي في الأربعين تشبيهات الغريب العقم في حكاية الأصمعي.
الاستعارة
هي من العارية لأنّ الشاعر يعير المعنى ألفاظا غير لفظه الموضوع له، وهي على ثلاثة أوجه: أحدهما يستعيره الشاعر من الألفاظ على سبيل التمثيل وتتميم المعاني، وهذا الضرب يعدّ في البديع ومحاسن الشعر، وهو كثير في كلامهم، وعليه انبنى كتاب المقامات، وقلّما يوجد بيت يخلو منه، وما جاء منه في القرآن سماه بعضهم مجازا وأباه بعضهم، نحو قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء: ٢٤]، وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مريم: ٤] وقال النبي ﷺ : «دبّ إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء» (٢).
وقال امرؤ القيس: [الطويل]
* وليل كموج البحر أرخى سدوله (٣) *
وقال علقمة وهو بديع: [البسيط]
* والصبح بالكوكب الدريّ منحور (٤) *
стр. 664
وقال زهير في الحرب: [الطويل]
* ضروس تهرّ الناس أنيابها عصل (١) *
وقال عمرو بن كلثوم: [الطويل]
ألا أبلغ النعمان عني رسالة ... فمجدك حولي ولومك قارح
وقال الحسن: [الكامل]
في مجلس ضحك السّرور به ... عن ناجذيه وحلّت الخمر
وقال العباس بن الأحنف: [البسيط]
قد سحب الناس أذيال الحديث بنا ... وفرّق الناس فينا قولهم فرقا (٢)
فكاذب قد رمى بالظنّ غيركم ... وصادق ليس يدري أنه صدقا
الثاني: أن ينتحل الشاعر قولا لغيره فيدخله في شعره، وهذا هو الاجتلاب الذي نفاه جرير عن نفسه بقوله: [الوافر]
ألم تعلم مسرّحي القوافي ... فلا عيّا بهنّ ولا اجتلابا (٣)
الثالث: أنه يستعير الشاعر ألفاظا كان غنيا عنها، والمعنى غير مفتقر إليها، ويسمى الحشو والاستعانة، ويحسن بقدر ما يتحمل من الفوائد ويقبح إذا فرغ منها.
الإشارة
قال قدامة: الإشارة هي اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة باللمحة الدالة، ولم يأت أحد منها بمثل قول زهير: [الوافر]
وإني لو لقيتك فاجتمعنا ... لكان لكلّ منكرة كفاء (٤)
وقال امرؤ القيس: [الطويل]
على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جري غير كزّ ولا وان (٥)
стр. 665
فتأمل ما اشتملت عليه لفظة «أفانين» مما لو عدّ كان كثيرا، وما اقترن به من جميع أصناف الجودة طوعا من غير طلب ولا مسألة، ثم نفى عنه الكزازة والونى، وهما أكبر عيوب الخيل.
والإشارة من غرائب الشعر وملحه ولا يأتي بها إلا شاعر مبرز، وتسمّى اللمحة الدالة، وأصلها الاختصار، وهي أنواع، فمنها الوحي، كقول جاهلي في يزيد بن الصّعق: [المتقارب]
تركت الركاب لأربابها ... وألزمت نفسي على ابن الصعق (١)
جعلت يديّ وشاحا له ... وبعض الفوارس لا تعتنق
فقوله: «جعلت يدي وشاحا له» إشارة بديعية دالة على الاعتناق بغير لفظة.
الإيماء
ومنها الإيماء، فمن ملحه قول قيس بن ذريح: [الطويل]
أقول إذا نفسي من الوجد أصعدت ... لها زفرة تعتادني هي ماهيا (٢)
وقول كثير: [الطويل]
تجافيت عنّي حين لا لي حيلة ... وغادرت ما غادرت بين الجوانح (٣)
فقوله: «غادرت ما غادرت» إيماء مليح.
التلويح
ومنها: التلويح، ومن أجوده قول النابغة في طول الليل: [الطويل]
تطاول حتّى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يرعى النّجوم بآئب (٤)
فالذي يرعى النجوم هنا الصبح، أقامه مقام الراعي، يغدو فتذهب الإبل والماشية، فتلويحه هذا عجب في الجودة، ومنه قول المجنون: [الطويل]
لقد كنت أعلو حبّ ليلى فلم يزل ... بي النقض والإبرام حتى علانيا (٥)
فلوّح بالصحة والكتمان، ثم بالسقم والاشتهار تلويحا عجيبا.
التعريض
ومنها التعريض، كقول عمرو بن معديكرب: [الطويل]
стр. 666
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكنّ الرماح أجرّت (١)
أي لو أن قومي صدقوا في القتال وطعنوا برماحهم أعداءهم لنطقت بمدحهم، ولكنهم صرفوها عن أعدائهم منهزمين، فكأنها أجرّت لساني، أي شقته كما يجرّ لسان الفصيل، فكأنها أسكتتني. فهذا تعريض ينوب عن التصريح، وأخذه أبو بكر بن دريد فقال: [الخفيف]
يا بني مالك عقلتم لساني ... كيف يجري المقيّد المعقول (٢)
إن سلكتم إلى الفعال سبيلا ... وضحت لي إلى المقال سبيل
ومن التعريض قوله: [الطويل]
بني عمّنا لا تذكروا الشّعر بعد ما ... دفنتم بصحراء الغمير القوافيا (٣)
ومنه قول حميد بن ثور وقد تقدّم: [الطويل]
أرى بصري قد خانني بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما (٤)
التفخيم
ومنها: التفخيم، كقول الغنوي: [الطويل]
أخي ما أخي لا فاحش عند بيته ... ولا ورع عند اللّقاء هيوب
ونحو هذا حكاية الأعرابي في نوادر أبي عليّ حين سئل: أله بنون؟ فقال: نعم، وخالقهم لم تقم عن مثلهم منجبة؛ فلمّا ذكر أسماءهم قال: جهم وما جهم، غشمشم وما غشمشم، عشرب وما عشرب.
ومن هذا التفخيم ما يجيء على التهويل والتعظيم نحو قوله تعالى: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة: ١] والْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ [القارعة: ١] وهو كثير في كلامالعرب.
ومما جاء في الإشارة على معنى التشبيه قول الأعرابي يصف لبنا ممذوقا: [الرجز]
* جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط (٥) *
стр. 667
فأشار إلى تشبيه لونه إذا غلب عليه المذق بلون الذئب كما صرح به الآخر حين قال: [الطويل]
فيشربه مذقا ويسقى عياله ... سحابا كأقراب الثعالب أورقا (١)
المطابقة
أبو الفرج عليّ بن الحسين، قلت لأبي الحسن عليّ بن سليمان الأخفش- وكان أعلم من شاهدته بالشعر: طائفة وهم الأكثرون تزعم أن الطباق ذكر الشيء وضدّه، فيجمعهما اللفظ لا المعنى، وطائفة تقول: هو اشتراك المعنيين في لفظ واحد، مثل قول زياد الأعجم: [الطويل]
ونبّئتهم يستنصرون بكاهل ... وللؤم فيهم كاهل وسنام (٢)
فكاهل قبيلة وكاهل للعضو، فقال: من ذا الّذي يقول هذا؟ قلت: قدامة وغيره، فقال: هذا يا بني هو التجنيس، ومن ادعى أنه طباق فقد ادعى خلافا على الخليل والأصمعيّ، قلت: أفكانا يعرفان هذا! فقال: سبحان الله، وهل غيرهما في علم الشعر وتمييز خبيثه من طيبه! قلت: فأنشدني أحسن طباق للعرب، فقال: قول عبد الله بن الزّبير الأسديّ: [الوافر]
فردّ شعورهن السّود بيضا ... وردّ وجوههنّ البيض سودا (٣)
وقال أبو الفرج: وأنا أقول إن أحسن بيت قيل فيه: [البسيط]
للسّود في السود آثار تركن بها ... لمعا من البيض يثني أعين البيض
يعني أن اللّيالي بمرورهنّ تبيّض سواد الشعر.
قال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن صنعة الشعر، فذكر في بعض قوله المطابقة، وقال: أصلها وضع الرجل في موضع اليد، فقلت: أنشدني أحسن ما قالت العرب في ذلك فقال: قول زهير [البسيط]
стр. 668
ليث بعثّر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا (١)
وقيل: المطابقة أن يأتي الشاعر بلفظتين مختلفتين في المعنى واللفظ في بيت واحد أو في كلام، نحو قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة: ١٧٩]. وقال رسول الله ﷺ للأنصار: «إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلّون عند الطمع» (٢).
وقال عليّ ﵁: من رضي عن نفسه كثر من يتسخّط عليه.
وقال: أعظم الذنوب ما صغر عند صاحبه.
وقال الحسن: كثرة النظر إلى الباطل تذهب بمعروف الحق.
وقال الفرزدق: [الكامل]
لعن الإله بني كليب إنّهم ... لا يغدرون ولا يفون لجار (٣)
يستيقظون إلى نهيق حميرهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار
وقال حبيب: [الطويل]
يرى العلقم المأدوم بالعزّ أرية ... يمانية والأري بالضّيم علقما (٤)
التقسيم
ومنها التقسيم. قال أبو الحسن عليّ بن هارون بن علي بن حماد بن إسحاق الموصلي: هو أن يستقصي الشاعر تفصيل ما ابتدأ به فيستوفيه، فلا يغادر قسما يقتضيه إلا أورده، وإلى هذا كان يذهب أهلنا، وأحسن ما قيل في ذلك قول زهير: [البسيط]
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا (٥)
وقول عنترة: [الكامل]
إن يلحقوا أكرر وإن يستلحموا ... أشدد وإن يرموا بضنك أنزل (٦)
стр. 669
أبو العيناء: أجمع علماء الشعر أن أحسن تقسيم أتى به متقدم قول عمر بن أبي ربيعة: [الطويل]
تهيم إلى نعم فلا الشّمل جامع ... ولا الحبل موصول ولا أنت تصبر (١)
ولا قرب نعم إن دنت لك نافع ... ولا بعدها يسلي ولا أنت مقصر
المبرد: لم أسمع أحسن من تقسيم لقيس بن ذريح، وهو:
وقد كان فيها للأمانة موضع ... وللكفّ مرتاد وللعين منظر (٢)
وقد تقدم في شرح الثانية بيت المتنبي في التقسيم وهو: بدت قمرا ... البيت.
ونسج على منواله الزاهر فقال: [الطويل]
سفرن بدورا وانتقبن أهلّة ... ومسن غصونا والتفتن جآذرا
وأطلعن في الأجياد بالدر أنجما ... جعلن لحبّات القلوب ضرائرا
وقال الناشي: [الطويل]
رأيت على أكوارنا كلّ ماجد ... يرى كلّ ما يفنى من المال مغنما
ندوّم أسيافا ونعلو قواضبا ... وننقضّ عقبانا ونطلع أنجما
وقال السّلاميّ: [البسيط]
ما ضنّ عنك بموجود ولا بخلا ... أعزّ ما عنده النفس التي بذلا
يحكي المطايا حنينا والهجير جوى ... والمزن دمعا وأطلال الديار بلى
والتقسيم في الشعر كثير.
التسهيم
قال عليّ بن هارون: هذا لقب نحن اخترعناه، وصفة الشعر المسهّم أن يسبق المستمع إلى قوافيه قبل أن ينتهي إليها راويه، حتى لو سمع الشطر الأوّل استخرج الآخر قبل أن يسمعه، وأحسن ما قيل في ذلك قول جندب أخت عمرو ذي الكلب ترثي أخاها: [المتقارب]
فأقسمت يا عمرو لو نبّهاك ... إذا نبها منك داء عضالا (٣)
إذا نبّها ليث عرّيسة ... مفيتا مفيدا نفوسا ومالا
وخرق تجاوزت مجهولة ... بوجناء حرف تشكّى الكلالا
فكنت النهار به شمسهم ... وكنت دجى اللّيل فيه الهلالا
стр. 670
قال الحاتميّ: فانظر إلى ديباجة هذا الكلام، ما أصفاها، وإلى تقسيماته ما أوفاها، وانظر إلى قوله: مفيتا مفيدا، ووصفها إياه بالشمس بالنهار والهلال بالليل، تجد المطيع الممتنع القريب البعيد.
التتميم
هو أن يذكر الشاعر معنى فلا يترك شيئا يتم ويتكامل الإحسان معه فيه إلا أتى به، وأحسن ما قيل في ذلك قول طرفة: [الكامل]
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الرّبيع وديمة تهمي (١)
فقد تم الإحسان في المعنى الذي ذهب إليه بقوله: «غير مفسدها» ويتلوه قول خليفة بن نافع العنزي: [الطويل]
رجال إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه عادوا بالسّيوف القواطع
فالمعنى تم بقوله «ويعطوه»، ولولاه كان ناقصا.
وقال حبيب: [الكامل]
حتّى لقد ظنّ الغواة وباطل ... أنى تجسّم فيّ روح السّيّد (٢)
فتمّ الإحسان في المعنى الذي أراد بقوله: «وباطل»، والسيد الحميري له في الشيعية مذهب رديء، والغواة هنا القائلون بالتناسخ. يقول: لإفراط حبهم في أهل البيت، توهّم الغواة أن روح السّيد تجسم فيّ، وتوهّمهم باطل.
الترديد
هو تعليق الشاعر لفظة في البيت بمعنى، ثم يرددها فيه بعينها ويعلقها بمعنى آخر، وأكثر ما يستعمله المحدثون، وأجمعوا أن أباحيّة النميريّ سبق إلى الإحسان جميع من تقدّمه وتأخّر عنه في قوله: [الطويل]
ألا حيّ من أجل الحبيب المغانيا ... لبسن البلى ممّا لبسن اللّياليا (٣)
إذا ما انقضى للمرء يوم وليلة ... تقاضاه شيء لا يملّ التقاضيا
ابتدأ بالمصراع الأول فأحسن الابتداء، وردّد في المصراع الثاني فأحسن في