← Адаб

Адаб · id 760

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكنّ الرماح أجرّت (١) أي لو أن قومي صدقوا في القتال وطعنوا برماحهم أعداءهم لنطقت بمدحهم، ولكنهم صرفوها عن أعدائهم منهزمين، فكأنها أجرّت لساني، أي شقته كما يجرّ لسان الفصيل، فكأنها أسكتتني. فهذا تعريض ينوب عن التصريح، وأخذه أبو بكر بن دريد فقال: [الخفيف] يا بني مالك عقلتم لساني ... كيف يجري المقيّد المعقول (٢) إن سلكتم إلى الفعال سبيلا ... وضحت لي إلى المقال سبيل ومن التعريض قوله: [الطويل] بني عمّنا لا تذكروا الشّعر بعد ما ... دفنتم بصحراء الغمير القوافيا (٣) ومنه قول حميد بن ثور وقد تقدّم: [الطويل] أرى بصري قد خانني بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما (٤) التفخيم ومنها: التفخيم، كقول الغنوي: [الطويل] أخي ما أخي لا فاحش عند بيته ... ولا ورع عند اللّقاء هيوب ونحو هذا حكاية الأعرابي في نوادر أبي عليّ حين سئل: أله بنون؟ فقال: نعم، وخالقهم لم تقم عن مثلهم منجبة؛ فلمّا ذكر أسماءهم قال: جهم وما جهم، غشمشم وما غشمشم، عشرب وما عشرب. ومن هذا التفخيم ما يجيء على التهويل والتعظيم نحو قوله تعالى: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة: ١] والْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ [القارعة: ١] وهو كثير في كلامالعرب. ومما جاء في الإشارة على معنى التشبيه قول الأعرابي يصف لبنا ممذوقا: [الرجز] * جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط (٥) *

стр. 667

فأشار إلى تشبيه لونه إذا غلب عليه المذق بلون الذئب كما صرح به الآخر حين قال: [الطويل] فيشربه مذقا ويسقى عياله ... سحابا كأقراب الثعالب أورقا (١) المطابقة أبو الفرج عليّ بن الحسين، قلت لأبي الحسن عليّ بن سليمان الأخفش- وكان أعلم من شاهدته بالشعر: طائفة وهم الأكثرون تزعم أن الطباق ذكر الشيء وضدّه، فيجمعهما اللفظ لا المعنى، وطائفة تقول: هو اشتراك المعنيين في لفظ واحد، مثل قول زياد الأعجم: [الطويل] ونبّئتهم يستنصرون بكاهل ... وللؤم فيهم كاهل وسنام (٢) فكاهل قبيلة وكاهل للعضو، فقال: من ذا الّذي يقول هذا؟ قلت: قدامة وغيره، فقال: هذا يا بني هو التجنيس، ومن ادعى أنه طباق فقد ادعى خلافا على الخليل والأصمعيّ، قلت: أفكانا يعرفان هذا! فقال: سبحان الله، وهل غيرهما في علم الشعر وتمييز خبيثه من طيبه! قلت: فأنشدني أحسن طباق للعرب، فقال: قول عبد الله بن الزّبير الأسديّ: [الوافر] فردّ شعورهن السّود بيضا ... وردّ وجوههنّ البيض سودا (٣) وقال أبو الفرج: وأنا أقول إن أحسن بيت قيل فيه: [البسيط] للسّود في السود آثار تركن بها ... لمعا من البيض يثني أعين البيض يعني أن اللّيالي بمرورهنّ تبيّض سواد الشعر. قال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن صنعة الشعر، فذكر في بعض قوله المطابقة، وقال: أصلها وضع الرجل في موضع اليد، فقلت: أنشدني أحسن ما قالت العرب في ذلك فقال: قول زهير [البسيط]

стр. 668

ليث بعثّر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا (١) وقيل: المطابقة أن يأتي الشاعر بلفظتين مختلفتين في المعنى واللفظ في بيت واحد أو في كلام، نحو قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة: ١٧٩]. وقال رسول الله ﷺ للأنصار: «إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلّون عند الطمع» (٢). وقال عليّ ﵁: من رضي عن نفسه كثر من يتسخّط عليه. وقال: أعظم الذنوب ما صغر عند صاحبه. وقال الحسن: كثرة النظر إلى الباطل تذهب بمعروف الحق. وقال الفرزدق: [الكامل] لعن الإله بني كليب إنّهم ... لا يغدرون ولا يفون لجار (٣) يستيقظون إلى نهيق حميرهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار وقال حبيب: [الطويل] يرى العلقم المأدوم بالعزّ أرية ... يمانية والأري بالضّيم علقما (٤) التقسيم ومنها التقسيم. قال أبو الحسن عليّ بن هارون بن علي بن حماد بن إسحاق الموصلي: هو أن يستقصي الشاعر تفصيل ما ابتدأ به فيستوفيه، فلا يغادر قسما يقتضيه إلا أورده، وإلى هذا كان يذهب أهلنا، وأحسن ما قيل في ذلك قول زهير: [البسيط] يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا (٥) وقول عنترة: [الكامل] إن يلحقوا أكرر وإن يستلحموا ... أشدد وإن يرموا بضنك أنزل (٦)

стр. 669

أبو العيناء: أجمع علماء الشعر أن أحسن تقسيم أتى به متقدم قول عمر بن أبي ربيعة: [الطويل] تهيم إلى نعم فلا الشّمل جامع ... ولا الحبل موصول ولا أنت تصبر (١) ولا قرب نعم إن دنت لك نافع ... ولا بعدها يسلي ولا أنت مقصر المبرد: لم أسمع أحسن من تقسيم لقيس بن ذريح، وهو: وقد كان فيها للأمانة موضع ... وللكفّ مرتاد وللعين منظر (٢) وقد تقدم في شرح الثانية بيت المتنبي في التقسيم وهو: بدت قمرا ... البيت. ونسج على منواله الزاهر فقال: [الطويل] سفرن بدورا وانتقبن أهلّة ... ومسن غصونا والتفتن جآذرا وأطلعن في الأجياد بالدر أنجما ... جعلن لحبّات القلوب ضرائرا وقال الناشي: [الطويل] رأيت على أكوارنا كلّ ماجد ... يرى كلّ ما يفنى من المال مغنما ندوّم أسيافا ونعلو قواضبا ... وننقضّ عقبانا ونطلع أنجما وقال السّلاميّ: [البسيط] ما ضنّ عنك بموجود ولا بخلا ... أعزّ ما عنده النفس التي بذلا يحكي المطايا حنينا والهجير جوى ... والمزن دمعا وأطلال الديار بلى والتقسيم في الشعر كثير. التسهيم قال عليّ بن هارون: هذا لقب نحن اخترعناه، وصفة الشعر المسهّم أن يسبق المستمع إلى قوافيه قبل أن ينتهي إليها راويه، حتى لو سمع الشطر الأوّل استخرج الآخر قبل أن يسمعه، وأحسن ما قيل في ذلك قول جندب أخت عمرو ذي الكلب ترثي أخاها: [المتقارب] فأقسمت يا عمرو لو نبّهاك ... إذا نبها منك داء عضالا (٣) إذا نبّها ليث عرّيسة ... مفيتا مفيدا نفوسا ومالا وخرق تجاوزت مجهولة ... بوجناء حرف تشكّى الكلالا فكنت النهار به شمسهم ... وكنت دجى اللّيل فيه الهلالا

стр. 670

قال الحاتميّ: فانظر إلى ديباجة هذا الكلام، ما أصفاها، وإلى تقسيماته ما أوفاها، وانظر إلى قوله: مفيتا مفيدا، ووصفها إياه بالشمس بالنهار والهلال بالليل، تجد المطيع الممتنع القريب البعيد. التتميم هو أن يذكر الشاعر معنى فلا يترك شيئا يتم ويتكامل الإحسان معه فيه إلا أتى به، وأحسن ما قيل في ذلك قول طرفة: [الكامل] فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الرّبيع وديمة تهمي (١) فقد تم الإحسان في المعنى الذي ذهب إليه بقوله: «غير مفسدها» ويتلوه قول خليفة بن نافع العنزي: [الطويل] رجال إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه عادوا بالسّيوف القواطع فالمعنى تم بقوله «ويعطوه»، ولولاه كان ناقصا. وقال حبيب: [الكامل] حتّى لقد ظنّ الغواة وباطل ... أنى تجسّم فيّ روح السّيّد (٢) فتمّ الإحسان في المعنى الذي أراد بقوله: «وباطل»، والسيد الحميري له في الشيعية مذهب رديء، والغواة هنا القائلون بالتناسخ. يقول: لإفراط حبهم في أهل البيت، توهّم الغواة أن روح السّيد تجسم فيّ، وتوهّمهم باطل. الترديد هو تعليق الشاعر لفظة في البيت بمعنى، ثم يرددها فيه بعينها ويعلقها بمعنى آخر، وأكثر ما يستعمله المحدثون، وأجمعوا أن أباحيّة النميريّ سبق إلى الإحسان جميع من تقدّمه وتأخّر عنه في قوله: [الطويل] ألا حيّ من أجل الحبيب المغانيا ... لبسن البلى ممّا لبسن اللّياليا (٣) إذا ما انقضى للمرء يوم وليلة ... تقاضاه شيء لا يملّ التقاضيا ابتدأ بالمصراع الأول فأحسن الابتداء، وردّد في المصراع الثاني فأحسن في

стр. 671

الترديد، ثم ابتدع في البيت الثاني ما ليس لأحد مثله. أبو تمام: لا أعلم أحدا أحسن صنعة في الترديد من زهير في قوله: [البسيط] من يلق يوما على علّاته هرما ... يلق السّماحة منه والنّدى خلقا (١) الحاتمي: وأحسن الخليع الباهلي في الترديد بقوله: [الطويل] لقد ملأت عيني بحسن محاسن ... ملأن فؤادي لوعة وهموما التجريد وهو أن يجرّد الشاعر موصوفه من صفته، ويسندها لأجنبي في الظاهر، وهو يريد الأول في المعنى، مثل قول الأعشى: [المنسرح] يا خير من يركب المطيّ ولا ... يشرب كأسا بكفّ من بخلا (٢) فظاهره أنه لا يشرب كأسا بكفّ رجل ينسب إلى البخل إنما يشربها بكف كريم، وذلك الكريم هو الممدوح في المعنى، فجرّده في الظاهر، وهو يريد بكفّ بخيل من نفسه. وأبو عليّ الفارسي اختار لهذه الصنعة اسم التجريد، ومنه قول طرفة: [الرمل] جازت البيد إلى أرحلنا ... آخر الليل بيعفور حذر (٣) يعني بيعفور حذر، من نفسها. وقال الأخطل: [الطويل] ربيع حيا ما يستقلّ بحمله ... سئوم ولا مستنكش البحر ناضبه أي ما يستقل بحمله سئوم من نفسه، أي ليس بملول، وقال النابغة. [الكامل] لم يحرموا حسن الغذاء وأمّهم ... طفحت عليك بتائق مذكار (٤) ومما يتعلق بنوع من التجريد قول امرئ القيس: [السريع] «على لاحب لا يهتدي بمناره» (٥)

стр. 672

فظاهره أن المنار الذي يهتدي به إلى الطريق لا يهتدي به. وهو في المعنى قد جرّد الطريق من المنار، وإنما أراد: ليس به منار أصلا، فليس ثمّ اهتداء، فنفي المسبب الذي هو الاهتداء، وأثبت السبب الذي هو المنار في اللفظ، واتكل على قوّة دلالة المعنى، وأن مراده نفي سبب الهداية الذي هو المنار فتنتفي الهداية، ومثله قول النابغة: [البسيط] يحفّه جانبا نيق ويتبعه ... مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد (١) أي ليس بها رمد فتحتاج إلى كحل. وقال الراجز: [الرجز] * ولم يقلّب أرضها البيطار (٢) * وقال الله وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ [الإسراء: ١١١] وهو كثير في الكلام. التتبيع وهو أن يريد الشاعر معنى فلا يأتي باللفظ الدال عليه، بل بلفظ تابع له، فإذا قال التابع أبان عن المتبوع، وأبدع ما في ذلك قول عمر بن أبي ربيعة: [الطويل] بعيدة مهوى القرط إمّا لنوفل ... أبوها وإمّا عبد شمس وهاشم ذهب إلى طول العنق، فلم يذكره بلفظ خاص به أتى بمعنى دلّ به على طوله، وهو قوله: «بعيدة مهوى القرط». ومثله قول الآخر: [الطويل] نعلّق في مثل السّواري سيوفنا ... وما بينها والكفّ مهوى نفانف (٣) فأراد نعلّق سيوفنا في أعناق مثل السواري في الطول والاعتدال، وما بين العنق

стр. 673

والكفّ طول كثير، فكنى عن طول القامة بغير لفظه الخاص به، وأبدع ما في التتبيع قول امرئ القيس: [الطويل] * نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضّل (١) * فدلّ على ترفهها، وأن لها من يكفيها المئونة باللفظ التابع لذلك. التبليغ وسمّاه قوم الإيغال، وهو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاما قبل انتهائه إلى القافية، ثم يبلغ القافية بزيادة مفيدة تزيد معنى البيت براعة. قيل للأصمعيّ رحمه الله تعالى: من أشعر الناس؟ قال: من يأتي إلى اللفظ الخسيس فيجعله بلفظ حسنا أو ينقضي كلامه قبل القافية فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى، مثل قول ذي الرّمة: [الطويل] أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعا كتبديد الجمان المفصّل (٢) فتم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال: المفصّل فزاد شيئا. ومن التبليغ قول امرئ القيس: [الطويل] كأنّ عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الّذي لم يثقّب (٣) فقد أتى على التشبيه قبل القافية، وزاد بقوله: «الذي لم يثقّب» بلوغا إلى الغاية القصوى في الجودة، وكذلك قوله: [الطويل] إذا ما جرى شأوين وابتلّ عطفه ... تقول هزيز الريح مرّت بأثأب (٤) فمرّت بأثأب زيادة على التشبيه التام، والأثأب شجر يكون للريح في أغصانه حفيف شديد، فأفادت الزيادة في التشبيه معنى بديعا. وقال زهير: [الطويل] كأنّ فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حبّ الفنا لم يحطّم (٥)

стр. 674

وسمى أصحاب البديع هذه الزيادة في آخر البيت الإيغال والتبليغ، وفي حشوه المبالغة والتتميم. التصدير هو أن يبدأ الشاعر بكلمة في البيت ثم يعيدها في عجزه، أو في النصف منه، ثم يردّدها في النصف الآخر عنه، فإذا نظم الشعر على هذه الصنعةأمكن استخراج قوافيه قبل أن يطرق أسماع مستمعيه، وأحسن ما فيه قول عامر بن الطفيل: [الطويل] وكنت سناما في فزارة تامكا ... وفي كلّ قوم ذروة وسنام (١) التامك: الشديد، وقال الآخر: [الطويل] سريع إلى ابن العمّ يلطم وجهه ... وليس إلى داعي الندى بسريع وقال آخر: [الطويل] جهول إذا أزرى التحلّم بالفتى ... حليم إذا لم يزر بالحسب الجهل والتصدير والترديد المتقدم يسميه كثير من البلغاء ردّ الإعجاز إلى الصدر. الاستثناء قيل إن أول من بدأ به النابغة، وأحسن كل الإحسان في قوله: [الطويل] ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب (٢) وهذا كقول الجعدي: [الطويل] فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا (٣) فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقه ... على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا ويستحسن قول أبي هفان: [الطويل] فإن تسألي عنّا فنحن حلى العلا ... بني دارم والأرض ذات المناكب

стр. 675

ولا عيب فينا غير أنّ سماحنا ... أضرّ بنا والبأس في كل جانب فأفنى الردى أعمارنا غير ظالم ... وأفنى النّدى أموالنا غير غائب ويسمى هذا تأكيد المدح بما يشبه الذم. الالتفات إسحاق الموصلي قال: قال لي الأصمعي رحمه الله تعالى: أتعرف التفات جرير؟ قلت: لا، فأنشدني: [الوافر] أتنسى إذ تودّعني سليمى ... ببطن بشامة سقي البشام (١) ألا تراه مقبلا على شعره، ثم التفت إلى البشام فدعا له! الاعتراض ويسمى الالتفات، وهو أن يكون الشاعر آخذا في معنى، فيعدل عنه آخذا في غيره قبل أن يتم الأول، ثم يعود إليه فيتمه، فيكون فيما عدل إليه مبالغة في الأوّل وزيادة في حسنه. قال ابن المعتز: الالتفات انصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة، وعن المخاطبة إلى الإخبار، ومن أحسن ما في قول ذلك قول النابغة: [الوافر] ألا زعمت بنو عبس بأني ... - ألا كذبت- كبير السنّ فان وقيل: بل قول كثير: [الوافر] لو أنّ الباخلين وأنت منهم ... رأوك تعلّموا منك العطايا (٢) فقوله: «ألا كذبت» وقوله: «وأنت منهم» اعتراض بيّن أول الكلام وآخره، وفيه زيادة حسنة، ويستحسن قول الآخر: [الوافر] فإني إن أفتك يفتك منّي ... فلا يسبق به علق نفيس فقوله: «فلا تسبق به» اعتراض لطيف في معناه وموضعه، ويسمى هذا أيضا وما تقدم من قول طرفة الحشو المفيد. ومنه قول الأخطل: [البسيط] وأقسم المجد حقّا لا يحالفهم ... حتى يحالف بطن الراحة الشّعر (٣)

стр. 676

فقوله: «حقا» حشو أفاد معنى حسنا، وكذلك قول امرئ القيس: [الطويل] كأنّ عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقّب (١) فحول خبائنا وأرحلنا لو سقط لكان التشبيه تاما والوزن ناقصا، فأورده حشوا، وفيه زيادة بارعة رائعة، وهي الإخبار عن كثرة الصيد والتمدّح بأنه مرزوق في صيده، وما أحسن قول ابن المعتزّ رحمه الله تعالى: [الطويل] وخيل طواها السّير حتّى كأنها ... أنابيب سمر من قنا الخطّ ذبّل (٢) صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد خفاف وأرجل فوقع «ظالمين» أحسن موقع لأنه نفى بذلك عنها هجنة البطء، وأخذه من قول أعرابي: [الطويل] وعود قليل الذنب عاودت ضربه ... إذا هاج شوقي من معاهدها ذكر وقلت له ذلفاء ويحك سبّبت ... لك الضرب، فاصبر إن عادتك الصّبر فحسّنه ابن المعتز ما شاء. وأما الحشو القبيح، فكقول أوس بن حجر: [الطويل] وهم لمقلّ المال أولاد علّة ... وإن كان محضا في العمومة مخولا (٣) فذكره للمال مع قوله: «مقلّ» حشو لا فائدة فيه، وكذلك قول الهذلي رحمه لله: [مجزوء الوافر] ذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوصب (٤) فذكر الرأس مع الصداع حشو لا فائدة فيه، وأهجن منه قول الأعشى: [الكامل] فرميت غفلة قلبه عن شأنه ... فأصبت حبّة قلبها وطحالها (٥)

стр. 677

فتكريره ذكر القلب لا فائدة فيه، وهجّنه بذكر «طحالها». ودون هذا قول ديك الجنّ: [الكامل] فتنفّست في البيت إذ مزجت ... بالماء واستلّت سنا الذهب (١) كتنفّس الريحان مازجه ... ما ورد جور ناضر الشّعب فذكر الماء مع المزج حشو لا فائدة فيه، وأخذه من قول أبي نواس: [الكامل] سلبوا قناع الطين عن رمق ... حيّ الحياة مشارف الحتف (٢) فتنفّست في البيت إذ مزجت ... كتنفّس الرّيحان في الأنف فلم يذكر أبو نواس الماء مع المزج، وذكره ديك الجنّ فقصّر عنه، وزاد الحسن عليه بذكر الأنف حسنا. وذكر ديك الجنّ ماء الورد مع الريحان ولم يذكره الحسن، لأن ذكاء الريحان أكثر ما يكون إذا أصابه بلل، لكنه في ذكره ماء الورد زيادة الورد معنى بلا شك، إلّا أنه قد انضاف إليها العيوب المتقدّمة. ومع هذا فالحسن قد استوفى المعنى في بيت واحد، وديك الجنّ في بيتين، وصاحب بيت أبدا عندهم باتفاق أشعر، كقول امرئ القيس: [الطويل] أراهنّ لا يحببن من قلّ ماله ... ولا من رأين الشّيب فيه وقوّسا (٣) فما احتوى عليه هذا البيت، أتى به علقمة في ثلاثة أبيات مشهورة، وإن كان المعنى أبسط وأجلّ فالفضل لصاحب البيت، والزمان واحد، لأنّ من قال علقمة سرقه فقد أخطأ، فأما إذا كان السابق مستوفي المعنى في بيت واحد، ويسوقه المتأخر في أبيات فالكلام في هذا، كقول امرئ القيس: [الطويل] نمشّ بأعراف الجياد أكفّنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهّب (٤) أخذه عبدة بن الطبيب فقال: [البسيط] لمّا نزلنا نصبنا ظلّ أخبية ... وفار باللّحم للقوم المراجيل (٥)

стр. 678

ورد وأشقر لم ينهئه طابخه ... ما غيّر الغلي منه فهو مأكول ثمّت قمنا إلى جرد مسوّمة ... أعرافهنّ لأيدينا مناديل وقال عبد الملك يوما لجلسائه، وكان يجتنب غير الأدباء: ما خير المناديل؟ فقال قائل: مناديل مصر كأنها قيض البيض، وقال آخر: مناديل اليمن، كأنها أنوار الربيع، فقال عبد الملك: ما صنعتما شيئا، أفضل المناديل ما قال أخو تميم- يعني عبدة- وأنشد الأبيات، وهي مع جودتها قصّرت عن بيت امرئ القيس. وكذلك قول طرفة: [الرمل] تطرد القرّ بحرّ صادق ... وعليك القيظ إن جاء بقر (١) وقال الأعشى: [المتقارب] وتبرد برد رداء العرو ... س بالصّيف رقرقت فيه العبيرا (٢) وتسخن ليلة لا يستطيع ... نباحا بها الكلب إلا هريرا الاستطراد البحتري: أنشد أبو تمام لنفسه يهجو عثمان بن إدريس الشامي: [البسيط] وسابح هطل التّعداء هتّان ... على الجراء أمين غير خوّان (٣) أظمى الفصوص ولم تظمأ قوائمه ... فخلّ عينيك في ظمآن ريّان فلو تراه مشيحا والحصى فلق ... بين السنابك من مثنى ووحدان أيقنت إن لم تثبّت أن حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان ثم قال: ما هذا من الشعر! قلت: لا أدري، فقال: هذا هو الاستطراد، فقلت: فما معنى ذلك؟ فقال: يريك وصف الفرس، وهو يريد هجاء عثمان، فأخذه البحتري، فقال في فرس: [الكامل] يهوي كما تهوي العقاب وقد رأت ... صيدا وينقضّ انقضاض الأجدل (٤) ما إن يعاف قذى ولو أوردته ... يوما خلائق حمدويه الأحول وكان حمدويه عدوّا لممدوحه، فاستطرد به. ويقال: إن البحتري لما عيّر بسرقة هذا البيت أزاله من شعره. وقال دعبل: [الطويل]

стр. 679

فلو أنني أصبحت في جود مالك ... وعزّته ما نال ذلك مطلبي (١) فتى شقيت أمواله بسماحه ... كما شقيت قيس بأرماح تغلب فخرج في استطراده من مدح إلى ذم، وهو مقلوب استطراد زهير في قوله: [البسيط] إن البخيل ملوم حيث كان ول ... كنّ الجواد على علّاته هرم (٢) فخرج من ذم إلى مدح. وقال جرير: [الوافر] ترى برصا بمجمع أسكتيه ... كعنفقة الفرزدق حين شابا (٣) والسابق إلى هذا المعنى والناس له تبع السموأل حيث قال: [الطويل] وإنّا أناس لا نرى القتل سبّة ... إذا ما رأته عامر وسلول (٤) ومما يستحسن، قول بشار: [الطويل] خليليّ من كعب أعينا أخاكما ... على دهره، إنّ الكريم معين (٥) ولا تبخلا بخل ابن قذعة إنه ... مخافة أن يرجى نداه حزين إذا جئته في حاجة سدّ بابه ... فلا تلقه إلّا وأنت كمين فقف على هذه الجملة من صناعة البديع، ففيها كفاية بعون الله . *** وأما قوله: فبرز الشيخ مجلّيا، وتلاه الفتى مصلّيا، فأصل ذلك في الخيل. ونذكر من ذلك جملة تليق بهذا الموضع، وينتظم المجلّي والمصلّي في حكاية الرشيد مع المأمون. [قصة فرسي الرشيد والمأمون] وذلك أن الرشيد أجرى الخيل يوما بالرّقة فوقف متلوّما حتى طلعت، فإذا في أولها

стр. 680

فرسان في عنان واحد، فتأملهما، فقال: فرسي والله. ثم تأمل وقال: وفرس ابني عبد الله، فجاء الفرسان أمام الخيل؛ فرسه السابق وفرس المأمون المصلّي، فسرّ بذلك الرشيد سرورا عظيما، قال الأصمعيّ: فقلت للفضل: يا أبا العباس، هذا من أيامي، فاحتل حتى توصلني، فقال الفضل: يا أمير المؤمنين، إن الأصمعي قد أعدّ في أمر الفرسين شيئا يريد به سرور أمير المؤمنين، فقال: هات يا أصمعيّ، فقلت: يا أمير المؤمنين، كنت وابنك اليوم وفرساكما، كما قالت الخنساء- وقد قيل لها: كيف تفضلين أخاك على أبيك؟ فقالت: [الكامل] جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر (١) وهما كأنهما وقد برزا ... صقران قد حطّا إلى وكر حتى إذا جدّ الجراء وقد ... ساوت هناك الغدر بالغدر وعلا هتاف الناس: أيهما؟ ... قال المجيب هناك: لا أدري برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السنّ والكبر قيل لأبي عبيد: ليس هذا في مجموع شعرها، فقال: العامة أسقط من أن يجودوا عليها بمثل هذا. فقولها: «ملاءة الحضر» تعني بها غبرة الفرسين التيأثاراها جعلتهما كملحفة يرتديانها ويتجاذبانها، وسيأتي من أخذ منها هذا المعنى ومن سبق إليه في الأربعين. [مراتب الخيل] ومراتب الخيل في الحلبة: السابق منها يسمى المجلّي ثم المصلّي ثم المسلّي، ثم التالي ثم المرتاح ثم العاطف ثم الحظيّ، ثم المؤمّل، ثم اللطيم، ثم السّكيت. قال الأصمعيّ وأبو عبيدة: لم نسمع في سوابق الخيل اسما لشيء منها ممّن يوثق بعلمه إلا الثاني واسمه المصلّي، قال الأصمعي: هو من الصّلا وهو جانب ذنبه، والعاشر واسمه السّكيت، وما سواهما فإنما يسمى الثالث والرابع إلى التاسع. وكان عند المتقي العباسي فتى راوية للخبر والشعر يأنس به، فقال ليلة لجلسائه: عودوا إلى ذكر الخيل، فقال الفتى: يا أمير المؤمنين، حدّثني كلاب بن حمزة العقيليّ: قال: كانت العرب ترسل خيلها أراسيل، عشرة عشرة، والقصب سبعة سبعة، فلا يدخل الحجرة من الخيل إلا ثمانية: الأول السابق المجلي لأنه جلى عن وجه صاحبه الكرب. والثاني المصلّي لأنه وضع جحفلته على قطاة المجلّي، وهو صلاه، والصّلا عجب الذنب.

стр. 681

والثالث المسلّي؛ لأنه كان شريكا في السبق فسلّى عن صاحبه بعض همّه، والرابع التالي، لأنه تلا المسلّي دون غيره، والخامس المرتاح وهو المفتعل من الراحة، لأن في الراحة خمس أصابع، فلما كان الخامس على خامسة الأصابع سمي مرتاحا، والسادس حظيّ، لأنه نال حظا فحظي به وإن قلّ، لأن رسول الله ﷺ أعطى السادس نصيبا وهو آخر حظوظ الحلبة، وسمي السابع العاطف لدخوله الحجرة لأنه قد عطف بشيء وإن خسّ إذ كان قد دخل الحجرة، الثامن المؤمّل، على القلب والتفاؤل، كما سمّي اللّديغ سليما فسمي مؤمّلا لقربه من ذوات الحظوظ. التّاسع اللطيم، لأنه لو رام الحجرة لطم دونها، لأنه أعظم جرما من السابع والثامن. العاشر السّكيت، لأن صاحبه يعلوه خشوع وذلة ويسكت خزيا وعيّا، وكانوا يجعلون في عنقه حبلا، ويحملون عليه قردا يركضه ليعيّر بذلك صاحبه. أبو عبيدة يشدد السّكّيت، وسمي سكّيتا لأنه آخر العدد الذي يقف عليه العادّ والسّكت الوقوف، وسمّيت حلبة، لأن العرب تحلب إليها خيولها أي تضمّرها. وأنشد ابن الأنباري أبياتا تجمعها وهي قوله: [الكامل]. جاء المجلّي والمصلّي بعده ... ثم المسلّي بعده والتّالي والخامس المرتاح ينقص عدوه ... والعاطف الصهّال كالرّئبال نسقا وقاد حظيّها في صهوة ... ذاك المؤمل غير ذي الأشكال ثم اللطيم يقودها بجميعها ... قبل السّكيت العاشر الذّيّال [في وصف الخيل] ونذكر هنا جملة مقاطيع في أوصاف الخيل يكمل بها الغرض المقصود، قال امرؤ القيس: [الطويل] إذا ما ركبنا قال ولدان أهلنا ... تعالوا إلى إن يأتنا الصيد نحطب (١) وقال عمارة بن عقيل: [الخفيف] وأرى الوحش في يميني إذا ما ... كان يوما عنانه بشمالي وقال حبيب: [الخفيف] مخلّق وجهه على السّبق تخ ... ليق عروس الأبناء للعرس (٢)

стр. 682

تقتل عشرا من النّعام به ... بواحد الشدّ واحد النّفس وقال أيضا: [السريع] إن زار ميدانا مضى سابقا ... أو ناديا قام إليه الجلوس (١) نرى رزان القوم قد أسمجت ... أعينهم في حسنه وهي شوس كأنما لاح لهم بارق ... في المحل أو زفّت إليهم عروس سام إذا استعرضته زانه ... أعلى، رطيب وقرار يبيس كأنما خامره أولق ... أو عارضت هامته الخندريس عوّده الحاسد بخلا به ... ورفرفت خوفا عليه النّفوس وقال البحتري: [الكامل] وأغرّ في الزمن البهيم محجّل ... قد رحت منه على أغرّ محجّل (٢) كالهيكل المبنيّ إلا أنه ... في الحسن جاء كصورة في هيكل ذنب كما سحب الرداء يذبّ عن ... عرف، وعرف كالرداء المسبل تتوهّم الجوزاء في أرساغه ... والبدر غرة وجهه المتهلّل وتراه يسطع في الغبار لهيبه ... لونا وشدّا كالحريق المشعل هزج الصّهيل كأن في نغماته ... هزّات معبد في الثّقيل الأوّل ملك العيون فإن بدا أعطينه ... نظر المحبّ إلى الحبيب المقبل وقال عبد الله بن المعتز: [الكامل] ولقد وطئت الغيث يحملني ... طرف كلون الصّبح حين وقد يمشي ويعرض في العنان كما ... صدف المعشّق ذو الدلال وصدّ جماع أطراف الصّوار فما ال ... أخرى عليه إذا جرى بأشدّ بلّ المها بدمائهنّ ولم ... يبتلّ منه بالحميم جسد وكأنه موج يذوب إذا ... أطلقته وإذا حسبت جمد وقال المتنبي: [الطويل] وعيني إلى أذني أغرّ كأنّه ... من الليل باق بين عينيه كوكب (٣) له فضلة عن جسمه في إهابه ... تجيء على صدر رحيب وتذهب

стр. 683

شققت به الظلماء أدني عنانه ... فيطغى وأرخيه مرارا فيلعب وأصرع أيّ الوحوش قفّيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب وما الخيل إلّا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في عين من لا يجرّب إذا لم تعاين غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيّب وقال ابن نباتة يصف فرسا أغرّ حمله سيف الدولة عليه: [الكامل] قد جاءنا الطّرف الذي أهديته ... هاديه يعقد أرضه بسمائه (١) تختال منه على أغرّ محجل ... ماء الدياجي قطرة من مائه وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتصّ منه فخاض في أحشائه لا تعلق الألحاظ في أعطافه ... إلا إذا كفكفت من غلوائه وقال أيضا: [الوافر] وأدهم يستمدّ الليل منه ... وتطلع بين عينيه الثريا سرى خلف الصباح يطير مشيا ... ويطوي خلفه الأفلاك طيّا فلما خاف وشك الفوت منه ... تشبّث بالقوائم والمحيّا وقال أبو منصور، يخاطب أبا الفضل الميكالي: [الكامل] يا مهدي الطّرف الجواد كأنما ... قد أنعلوه بالرياح الأربع لا شيء أسرع منه إلا خاطري ... في شكر نائلك اللطيف الموقع ولو أنني أنصفت في إكرامه ... لجلال مهديه الكريم الأروع أقضمته حبّ القلوب لحبّه ... وجعلت مربطه سواد الأدمع وخلعت ثم قطعت غير مضيّق ... برد الشباب لجلّه والبرقع وقال القسطلي: [الكامل] سامي التّليل كأنّ عقد عذاره ... في رأس غصن البانة الميّاد يهدي بمثل الفرقدين وناب عن ... رعي السّماك بقلبه الوقاد فكأنما أطأ الأباطح والرّبا ... بعقاب شاهقة وحيّة واد وكأنما من تحت سوطي خارجا ... في الرّوع شعلة قادح بزناد ولأبي تمام الأندلسي: [الكامل]. وأقبّ تتّقد البروق إذا جرى ... من غيظها حسدا بأن لم تلحق

стр. 684

ملك الرياح قوائما فجرى بها ... فيكاد يأخذ مغربا من مشرق وقال فيه أيضا: [الطويل] وتحتي ريح تسبق الريح إن جرت ... وما خلت أن الرّيح ذات قوائم وله في المدى سبق إلى كلّ غاية ... كأنّ لنا فيه نفوذ عزائم وهمّة نفس نزهتها عن الونى ... فيا عجبا، حتى العلا في البهائم! وكان للمتوكل ببطليوس فرس أخضر أغرّ محجل على كفله ست نقط بيض، فبذل كل شاعر في وصفه جهده، فما سبق الغاية إلا البجليّ بقوله: [الرمل] حمل البدر جواد سابح ... تقف الريح لأدنى مهله وكأنّ الصبح قد خاض به ... فبدا تحجيله من بلله لبس اللّيل قميصا سابغا ... فالثريّا نقط في كفله كلّ مطلوب وإن طالت به ... رجله من أجله في أجله والباب لا يدخل تحت الحصر، فلنكتف بهذا القدر. *** فلمّا أنشداها الوالي متراسلين، بهت لذكاءيهما المتعادلين. وقال: أشهد بالله أنّكما فرقدا سماء؛ وكزندين في وعاء، وأن هذا الحدث لينفق ممّا أتاه الله، ويستغني بوجده عمّن سواه. فتب أيّها الشّيخ من اتّهامه، وثب إلى إكرامه. فقال الشيخ: هيهات أن تراجعه مقتي، أو تعلق به ثقتي وقد بلوت كفرانه للصّنيع؛ ومنيت منه بالعقوق الشّنيع. فاعترضه الفتى وقال: يا هذا، إن اللّجاج شؤم، والحنق لؤم، وتحقيق الظّنة إثم، وإعنات البريء ظلم. وهبني اقترفت جريرة، أو اجترحت كبيرة؛ أما تذكر ما أنشدتني لنفسك، في إبّان أنسك. *** قوله: «بهت»، أي تحير. المتعادلين: المتماثلين، وشبّههما بالفرقدين لرفعتهما وتوقدهما، وأخذ الحريري هذا التشبيه من البحتري في قوله: [الكامل] كالفرقدين إذا تأمّل ناظر وتقدّم في الثانية، وبالزّندين لما فيهما من النار، وفي هذين من الذكاء وجعلهما في وعاء، يريد: متى التمسهما الإنسان وجد فيما وقعت عليه يده حاجته.

стр. 685

وجده: غناه وما عنده من العلم. ثب: ارجع، هيهات، معناها بعد، مقتي: محبتي، تعلق به ثقتي، يريد: لا أثق به بعد ما جربته، وبلوت كفرانه للصنيع، أي جرّبت قلة شكره لفعل الجميل معه منيت: بليت. العقوق: المقاطعة. الشنيع: المشتهر بالقبيح. [كفران الصنيع] ونسوق هنا في كفران الصنيع فصلا يليق بهذا الموضع، قال رسول الله ﷺ : «من عباد الله عباد لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم» قلنا: من أولئك يا رسول الله؟ قال: «المتبرئ من والديه رغبة عنهما، والمتبرئ من ولده، ورجل أنعم الله عليه نعمة فكفرها» (١). وفي التوراة: من صنع معروفا إلى أحمق فهى خطيئة تكتب عليه. وقال الحجاج لابن الكلبي: أخبرني عن خمسة أشياء أضيعت في الدنيا. قال: نعم أصلح الله الأمير! سراج يوقد في شمس، ومطر جود في أرض سبخة، وامرأة حسناء تزفّ إلى عنّين، وطعام اجتهد صاحبه في صنعته فقدمه إلى سكران أو شبعان، ومعروف تصنعه إلى رجل لا يشكرك عليه. عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : «لا تنفع الصنيعة إلا عند ذي حسب ودين، كما لا تنفع الرياضة إلا في نجيب». المدائني: خرج فتيان في صيد لهم فأثاروا ضبعة فنفرت ومرّت، فاتبعوها، فلجأت إلى بيت رجل، فخرج إليهم بالسيف مسلولا، فقالوا له: يا عبد الله، لم تمنعنا من صيدنا؟ فقال: إنها استجارت بي. فخلّوا بينها وبينه، فنظر إليها فإذا هي مهزولة مضرورة، فجعل يسقيها اللبن صبوحا ومقيلا وغبوقا، حتى سمنت وحسنت حالها، فبينما هو ذات يوم متجرد عدت عليه فشقت بطنه وشربت دمه، فقال ابن عمّ له: [الطويل] ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير أمّ عامر أعد لها لمّا استجارت بقربه ... مع الأمن ألبان اللّقاح الدرائر فأشبعها حتى إذا ما تمكّنت ... فرته بأنياب لها وأظافر فقل لذوي المعروف، هذا جزاء من ... يوجّه معروفا إلى غير شاكر وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أراد الله بعبد خيرا جعل صنائعه ومعروفه في أهل الحفاظ، وإذا أراد به سوءا جعلها في أهل المضائع» وقال حسان: [الكامل]

стр. 686

إنّ الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع (١) فقال رسول الله ﷺ : «صدقت»، وأنشد عبد الله بن جعفر هذا البيت فقال: هذا رجل يريد أن يبخّل الناس؛ أمطر المعروف مطرا، فإن صدفت موضعه فهو الذي قصدت، وإلّا فكنت أحقّ به. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا يزهّدنك في المعروف كفر من كفره، فإنه يشكرك عليه من لم تصنعه إليه. وقال رسول الله ﷺ : «اصنع المعروف إلى من هو أهله، وإلى من ليس أهله، فإن أصبت أهله فقد أصبت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله». وقد قال الحريري بعد هذا: [مجزوء الكامل] واحفظ صنيعك عنده ... شكر الصنيعة أم غمط أي لا تفسد معروفك بالمنّ؛ شكره من أنعمت عليه أم كفره. وغمط: ستر. وهو ضد شكر. قوله اعترضه، أي واجهه وقابله: شؤم: نحس وطيرة، الحنق: الغضب. الظّنة: التهمة، قال رسول الله ﷺ : «ثلاث لازمات أمتي: سوء الظن، والحسد والطيرة». قيل: ما يذهبهنّ؟ قال: «إذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فاستغفر، وإذا تطيرت فامض» (٢). إعنات: مشقة. هبني: احسبني، اقترفت واجترحت، معناهما اكتسبت. جريرة: جناية. إبّان أنسك، أي وقت أنسي بك. [مجزوء الكامل] سامح أخاك إذا خلط ... منه الإساءة بالغلط وتجاف عن تعنيفه ... إن زاغ يوما أو قسط واحفظ صنيعك عنده ... شكر الصنيعة أم غمط وأطعه إن عاصى وهن ... إن عزّ وادن إذا شحط واقن الوفاء ولو أخلّ ... بما اشترطت وما اشترط واعلم بأنّك إن طلب ... ت مهذبا رمت الشّطط من ذا الذي ما ساء قطّ ... ومن له الحسنى فقط أو ما ترى المحبوب وال ... مكروه لزّا في نمط

стр. 687

كالشوك يبدو في الغصو ... ن مع الجنيّ الملتقط ولذاذة العمر الطّو ... يل يشوبها نغص الشّمط ولو انتقدت بني الزّما ... ن وجدت أكثرهم سقط رضت البلاغة والبرا ... عة والشجاعة والخطط فوجدت أحسن ما يرى ... سير العلوم معا فقط تجاف: تباعد. تعنيفه: لومه. زاغ: مال. قسط: جار. قوله: وهن إن عزّ، لفظ المثل: إذا عز أخوك فهن، يروى بضم الهاء وكسرها، فالضم من هان يهون، قال ابن أحمر: [الوافر] ذببت لها الضّراء وقلت أبقى ... إذا هزّ ابن عمك أن تهونا (١) ورواه بالكسر أبو عبيد وثعلب، وقال أبو عبيد: معناه أن مياسرتك صديقك ليست بضيم يركبك، فتدخلك منه حميّة. إنما هو حسن خلق وتفضّل منك، فإذا عاسرك فياسره، فالضيم الّذي ذكر هو الهوان بعينه. قال ابن درستويه: معناه إذا صار أخوك عزيزا قويا عليك فأطعه واخضع له، تسلم من ظلمه. رواية الكسر من هان يهين، ويكون معنى عزّ تصعّب واشتدّ لا من العزة، ومعناه إذا صعب أخوك فلن له، والمثل لهذيل بن هبيرة؛ وسببه أنه أغار على ضبّة فغنم، وأقبل بالمغانم، فقال له أصحابه: اقسمها بيننا، فقال: أخاف أن يدرككم الطلب، فأبوا، فعندها قال المثل. ونزل فقسّمها. قوله شحط، أي بعد، واقن الوفاة: أي الزمه، وقنيت الحياء بكسر النون أقنيه قنيانا، ألزمته. أخلّ: نقص. بما اشترطت وما اشترط، أي بما جعلتما بينكما من علامة، ومنه أشراط الساعة أي علاماتها ومنه الشّرط لأن لهم علامة يعرفون بها. مهذبا: مخلصا. والشّطط: محاوزة القدر، قال الفضيل بن عياض: من طلب أخا بلا عيب بقي بلا أخ. قال الحارث المحاسبي: ثلاثة أشياء عزيزة أو معدومة: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن الخلق مع الدّيانة، وحسن الإخاء مع الأمانة. وقال النابغة: [الطويل] ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث، أيّ الرجال المهذب! (٢)

стр. 688

وقال يزيد بن محمد المهلّبي: [الطويل] ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلها ... كفى المرء فضلا أن تعدّ معايبه (١) قوله: «قطّ» بمعنى الدهر والأبد، والحسنى: الفعل الحسن. فقط: حسب. لزا: ربطا النمط: ثوب من الصوف المصبوغ، والنّمط الطريق، تقول: الزم هذا النمط، والنمط النوع من العلم والخير، فيريد أن الخير والشر قد نظما في سلك واحد، فإذا أتى يوم يرضي أتى بعده يوم يسخط. الجنّي: الطريّ مما يجنى، فعيل بمعنى مفعول، وأصل مجنىّ مجنوي فأعلّ. والملتقط: من قولك لقطت هذه الفاكهة واحدة واحدة، أي اخترتها وانتخبتها. أبو أمامة، قال: قال النبي ﷺ : «إنّ الناس اليوم كشجرة ذات جنى، ويوشك الناس أن يعودوا كشجرة ذات شوك إن ناقدتهم ناقدوك، وإن تركتهم لم يتركوك، وإن هربت منهم طلبوك»، قيل؛ فكيف المخرج من ذلك؟ قال: «تقرضهم من عرضك ليوم فقرك» (٢)، وأنشد عمر بن الجعد: [مجزوء الرمل] طب عن الأمّة نفسا ... وارض بالواحدة أنسا لست بالواجد حسّا ... أو تردّ اليوم أمسا ما وجدنا أحدا يس ... وى على الخبرة فلسا قوله: «نغص» تكدير العيش، ونغص الرجل إذا لم يتم له أمره وتكدّر عيشه. يشوبها: يخالطها. الشّمط: اختلاط الشيب بالسواد وانتقدت: فتشت. والسّقط: من لا خير فيه. وللزاهد بن عمران في معنى الأبيات الحريري ﵀: [الوافر] إذا وغد جفاك فلا تلمه ... لأنّك إن فعلت أثرت جيفه وإن يصل الكريم عليك فاصفح ... ستعطفه أصالته الشريفه ومن يك بين ذاك فأغض عنه ... تنل مجدا ومرتبة منيفه وسل الضغن إن آنست ضغنا ... ببسط الوجه والحيل اللّطيفة أخذ البيتين الأولين من قول حاتم: [الطويل] وأغفر عوراء الكريم ادّخاره ... وأعرض عن شتم اللّئيم تكرّما (٣) ***

стр. 689

قال: فجعل الشّيخ ينضنض نضنضة الصّلّ، ويحملق حملقة البازي المطلّ، ثم قال: والّذي زيّن السّماء بالشّهب، وأنزل الماء من السّحب، ما روغي عن الاصطلاح؛ إلا لتواقّي الافتضاح، فإنّ هذا الفتى اعتاد أن أمونه، وأراعي شئونه، وقد كان الدّهر يسحّ، فلم أكن أشحّ؛ فأمّا الآن فالوقت عبوس، وحشو العيش بؤس؛ حتّى إن بزّتي هذه عارة، وبيتي لا تطور به فارة. قال: فرقّ لمقالهما قلب الوالي، وأوى لهما من غير اللّيالي، وصبا إلى اختصاصهما بالإسعاف، وأمر النّظارة بالانصراف. *** قوله: «ينضنض» يحرك لسانه. الصّلّ: الحية. يحملق: ينظر بحملاقه وهو باطن جفنه، وذلك نظر الغضبان. المطلّ: المشرف على فريسته، الشهب: النجوم. روغي: فراري. توقّي: خشية. الافتضاح: الشهرة. أمونه: أتكلف لوازمه. أراعي: أحفظ. شئونه: أموره. يسحّ: يصب الرزق. الحشو: ما حشي به. بؤس: ضر. بزّتي: ثوبي. عارة، أي عارية. تطوره: تقرب منه؛ يريد أن الفأرة ليس لها فيه ما تأكل، وأخذ هذا المعنى من قول امرأة وقفت على قيس بن سعد بن عبادة، فقالت: أشكو إليك قلة الجرذان، فقال: ما أحسن هذه الكناية! املئوا بيتها خبزا ولحما وسمنا. وقد أعاد هذا المعنى منظوما في الثالثة والثلاثين، فقال: [السريع] وأملحت ربعي حتى خلت ... من ربعي الممحل جرذانه وحكى الفنجديهيّ بسنده إلى أبي محمد الحسن بن إسماعيل الضرّاب، قال: كنت قاعدا أنسخ في السراج، وبين يديّ قدح فيه ماء، وظرف فيه كعك وزبيب ولوز، فجاءت فأرة فأخذت لوزة فمضت، ثم عادت فأخذت أخرى فبدّدت الماء الذي كان في القدح، فعادت الفأرة فكببت القدح عليها واشتغلت بشغلي ساعة، فإذا فأرة أخرى قد جاءت فشقشقت وبقيت ساعة على ذلك، والفأرة الأخرى تشقشق من داخل القدح، فلم تجد حيلة في خلاصها، فمضت أختها، فأتت بدينار فوضعته ووقفت، ولم أرفع القدح عن الفأرة، فمضت وأتت بدينار آخر، ووقفت ولم أرفع القدح، ففعلت ذلك إلى أن أتت بسبعة دنانير، ووقفت ساعة، ولم أخلّ عن الفأرة، فمضت وأتت بقرطاس فارغ فعلمت أنها لم يبق عندها شيء فخلّيت عن الفأرة.

стр. 690

قال الفنجديهيّ: رويت هذه الحكاية عن أشخاص وأشياخ ثقات. وعلى ذكر الفأرة والجرذان كتب أبو حفص الورّاق رقعة إلى الصاحب، منها: وحال عبد مولانا في الحنطة مختلفة، وجرذان دارة عنها منصرفة، فإن رأى أن يخلط عبده بما أخصب عنده فعل إن شاء الله تعالى. فوقّع فيها: «أحسنت يا أبا حفص قولا، وسنحسن إليك فعلا، فبشّر جرذان دارك بالخصب، وأمنها من الجدب، فالحنطة تأتيك في الأسبوع، وليست عن غيرها من النفقة بممنوع. إن شاء الله تعالى». قوله: «أوى»: أشفق. غير: تغيّر وهو من تغيّر الحال، وهو اسم واحد بمنزلة الجمع، والغير مذكّر وجمعه أغيار. هذا قول الكسائي. ويجوز أن يكون جمعا، واحدته غيرة وهذا قول ابن عمرو، يقال للدية: غيرة لأنها تغير الفؤاد إلى الرّضا به. صبا: مال. الإسعاف: قضاء الحاجة. النّظّارة: الناس الناظرون إليه. *** قال الراوي: وكنت متشوقا إلى مرأى الشّيخ لعلّي أعلم علمه، إذا عاينت وسمه، ولم يكن الزّحام يسفر عنه. ولا يفرج لي فأدنو منه، فلما تقوّضت الصّفوف، وأجفل الوقوف، توسّمته فإذا هو أبو زيد والفتى فتاه، فعرفت حينئذ مغزاه فيما أتاه، وكدت أنقضّ عليه، لأستعرف إليه. فزجرني بإيماء طرفه، واستوقفني بإيماء كفّه. *** متشوقا: متطلعا. وسمه: علامته. يسفر: يكشف، يفرج: يفتح لي فرجة. تقوّضت: تفرّقت، وأصلها الهدم. أجفل: أسرع المشي. توسمته: نظرته. مغزاه: مذهبه ومقصده. انقضّ: انحط وانصبّ أستعرف إليه: أعرفه بنفسي. زجرني: انتهرني. إيماض: إشارة بالعين خفية، وكثيرا ما يصرف الحريري في المقامات تنبيه أبي زيد لابن همام على نفسه بخفيّ الإشارة المغنية عن تصريح العبارة، وهو مذهب للعرب، ونبلاء أهل الأدب، وقد قالوا: ربّ كناية تغني عن إيضاح، ربّ لحظ يدل على ضمير. [في إشارة اللحظ] وفي إشارة اللحظ يقول الشاعر: [الطويل] أشارت بطرف العين خيفة أهلها ... إشارة محزون ولم تتكلم (١) فأيقنت أن اللحظ قد قال مرحبا ... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم وقال أبو نواس: [مجزوء الكامل] لهفي على النّجل العيون ... النّهد القبّ البطون

стр. 691

الناطقات عن الضمي ... ر لنا بألسنة الجفون وقال المهدي بن المنصور: [الطويل] ومطلع من نفسه ما يسرّه ... عليه من اللحظ الخفيّ دليل إذا هو لم يبد الذي في ضميره ... ففي اللحظ والإيماء منه رسول وقال تميم بن المعتز: [مجزوء الكامل] سبحان من خلق الخدو ... د شقائقا تتنسّم وأعارها الألحاظ فه ... ي بلحظها تتكلّم وقال آخر: [البسيط] العين تبدي الذي في نفس صاحبها ... من المحبّة أو بغض إذا كانا والعين تنطق والأفواه صامتة ... حتى ترى من ضمير القلب تبيانا وقال أعرابي: [الوافر] وليل لم يقصّره رقاد ... وقصّر طوله وصل الحبيب بمجلس لذة لم نقو فيه ... على شكوى ولا عدّ الذنوب بخلنا أن نقطّعه بلفظ ... فترجمت العيون عن القلوب وقال الحسن بن بشير: [السريع] أما ترى لي ناظرا شاهدا ... بالحبّ، والأعين رسل القلوب ودون إلحاح جفوني هوى ... يخبّر عمّا في ضمير الكئيب وأنت لا شك به عالم ... لأنّ عند اللحظ علم الغيوب وقال الأحوص: [البسيط] ودّعتهنّ ولا شيء يراجعني ... إلا البنان وإلّا الأعين السّجم (١) إذا أردن كلامي عنده عرضت ... من دونه عبرات فارعوى الكلم مسنّدات وقد مالت سوالفها ... وما بهنّ سوى مسّ الهوى ألم وقال ماني الموسوس: [الوافر] بنان يد تشير إلى بنان ... تجاوبتا وما تتكلّمان جرى الإيماء بينهما رسولا ... فأحكم وحيه المتناجيان فلو أبصرتنا لغضضت طرفا ... عن المتحدّثين بلا لسان

стр. 692

والباب لا يحصى كثرة فلنقتصر على هذه اللمعة. وقوله: «واستوقفني بإيماء كفه»: أي أمرني بالوقوف، والإيماء: الإشارة. *** فلزمت موقفي، وأخّرت منصرفي، فقال الوالي: ما مرامك، ولأيّ سبب مقامك؟ فابتدره الشيخ وقال: إنّه أنيسي، وصاحب ملبوسي. فتسمّح عند هذا القول بتأنيسي، ورخّص في جلوسي، ثمّ أفاض عليهما خلعتين، ووصلهما بنصاب من العين، واستعهدهما أن يتعاشرا بالمعروف، إلى إظلال اليوم المخوف. فنهضا من ناديه، مشيدين بشكر أياديه، وتبعتهما لأعرف مثواهما، وأتزوّد من فحواهما. فلمّا أجزنا حمى الوالي، وأفضينا إلى الفضاء الخالي، أدركني أحد جلاوزته، مهيبا بي إلى حوزته، فقلت لأبي زيد: ما أظنّه استحضرني إلّا ليستخبرني، فماذا أقول؟ وفي أيّ واد معه أجول؟ فقال: بيّن له غباوة قلبه، وتلعابي بلبّه؛ ليعلم أنّ ريحه لاقت إعصارا، وجدوله صادف تيارا، فقلت: أخاف أن يتّقد غضبه فيلفحك لهبه، أو يستشري طيشه، فيسري إليك بطشه، فقال: إني أرحل الآن إلى الرّها، وأنى يلتقي سهيل والسها! . *** مرامك: مرادك، مقامك: تلبّثك ووقوفك. أنيسي: صاحبي الذي أتأنس به. فتسمّح بتأنيسي، أي أولاني منه المؤانسة، رخّص: ليّن وسهل. أفاض: صبّ. خلعتين: كسوتين. والنصاب: عشرون دينارا، والعين: الذهب. استعهدهما: استحلفهما. يتعاشرا: يتصاحبا. إظلال: قرب ودنو. اليوم المخوف: يوم موته. ناديه: مجلسه. مشيدين: رافعين بشكره أصواتهما. أياديه: نعمه. مثواهما: مسكنهما. فحواهما: معنى كلامهما، ويروى: «نجواهما» أي سرّهما. أجزنا: خلّفنا، أفضينا: وصلنا. الفضاء: المتّسع من الأرض. جلاوزته: شرطه، واحدهم جلواز والجلاز عقب ملويّ على القوس، وجلزت القوس والسوط والسكين: عصبتهما بالعقب، فسمّوا جلاوزة، لأنهم يعصبون بالسياط الناس عند الضرب، أو لأن السياط لا تفارق أيديهم، والجلز: السّدّ، وهم يربطون الناس ويشدّونهم، مهيبا: داعيا. حوزته موضعه الذي يحميه ويحوزه، استحضرني: طلب حضوري، ويستخبرني: يسألني خبره. أجول: أتصرف وأمشي، أي علّمني في أي عرض من الحديث آخذ معه، غباوة: جهل، ورجل غبيّ غير فطن. تلعابي بلبّه، أي لعبي بعقله، والتّلعاب بنية للمبالغة. يستشري: ينتشر. طيشه: خفته من الغضب. يسري: يسير. بطشه: إيقاعه وتناوله بما يكره. الرّها: بلد من كورة الجزيرة تجاورها الرّقة وحرّان، سميت باسم صاحبها الرها بن

стр. 693

البلوي بن مالك بن ذعر، وهو أوّل من نزلها. وقال اليعقوبيّ: الرّها من ديار مضر، وهي مدينة رومية ذات عيون كثيرة منها عجيبة، تجري الأنهار وبها الكنيسة التي للنصارى، وهي إحدى عجائب الدّنيا الموصوفة، وكان بالرّها رجل ضعيف الحال متجمّل بين الناس، فخرج ذات يوم من منزله وعليه جبّة له، فلقيه سائل، فسأله شيئا يدفئه، فقال: والله ما أملك غير جبّتي هذه فقال السائل: ألا تحب أن تكون من الذين قال الله تعالى في حقهم: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر: ٩]، فدفعها إليه. أنّى: كيف. سهيل والسها: كوكبان لا يلتقيان، لأن السها نجم خفيّ في بنات نعش، وبنات نعش لا تغرب أبدا في بلاد أرمينية وفي سمتها بلاد الشام والمغرب والأندلس، وسهيل لا يرى في شيء من هذه البلاد إلا رؤية لا يعتدّ بها في أيام قلائل، فلا يلتقي سهيل والسها بوجه، وإنما أخذ هذا من لفظ عمر بن أبي ربيعة حيث قال: [الخفيف] أيّها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان (١) هي شامية إذا ما استقلّت ... وسهيل إذا استقلّ يمان والثريا هذه بنت عليّ بن عبد الله بن الحارث، وكانت موصوفة بالجمال وكان عمر يشبّب بها، فتزوجها سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري فنقلها إلى مصر؛ فضرب لها عمر المثل بالكوكبين، وأبدل الحريري لفظ الثريا بالسها، وأفاد عدم الالتقاء، وسهيل هو كوكب أحمر يخيّل إليك لشدة اضطرابه به أنه يستدير، وقال المعرّي في صفته فأحسن: [الخفيف] وسهيل كوجنة الحبّ في اللو ... ن وقلب المحبّ في الخفقان (٢) مستبدّا كأنه الفارس المع ... لم يبدو معارض الفرسان يسرع اللمح في احمرار كما تس ... رع باللمح مقلة الغضبان ضرّجته دما سيوف الأعادي ... فبكت رحمة له الشّعريان قدماه وراءه وهو في العج ... ز كساع ليست له قدمان قالوا: ولا تقنع عين بعير على سهيل إلا مات من حينه. وقد أشار المعري إلى هذا في قوله: لا تحسبن إبلي سهيلا طالعا ... بالشأم فالمرئيّ شعلة مقبس

стр. 694

ومتى طلع صرفت الإبل كلها وجوهها عن مطلعه وقابلته بأعجازها: وقال المتنبي: [الوافر] وتنكر قتلهم وأنا سهيل ... طلعت بموت أولاد الزناء (١) وفي معنى تخويف ابن همام للسروجي بعقاب الوالي ما حدّث أن أبا الحسن العباس بن حيون، دخل عليه في السجن من أعلمه أن إبراهيم بن الأغلب يريد قتله، فلم يجد مفرا، فقال لمعلمه بالخبر، وأحسن في قوله: [الوافر] تخوّفني بمخلوق ضعيف ... يهاب من المنية ما أهاب له أجل ولي أجل وكلّ ... سيبلغ حيث بلّغه الكتاب *** فلمّا حضرت الوالي وقد خلا مجلسه، وانجلى تعبسه، أخذ يصف أبا زيد وفضله. ويذمّ الدّهر له، ثمّ قال: نشدتك الله، ألست الّذي أعاره الدّست؟ فقلت: لا والّذي أحلّك في هذا الدّست، ما أنا بصاحب ذلك الدّست؛ بل أنت الّذي تمّ عليه الدّست، فازورّت مقلتاه، واحمرّت وجنتاه، وقال: والله ما أعجزني قطّ فضح مريب، لا تكشيف معيب؛ ولكن ما سمعت بأنّ شيخا دلّس، بعد ما تطلّس وتقلّس، فبهذا تم له أن لبس، أفتدري أين سكع، ذلك اللّكع؟ قلت: أشفق منك لتعدي طوره فظعن عن بغداد من فوره. فقال: لا قرّب الله له نوى، ولا كلأه أين ثوى؛ فما زاولت أشدّ من نكره، ولا ذقت أمرّ من مكره، ولولا حزمة أدبه، لأوغلت في طلبه، إلى أن يقع في يدي فأوقع به، وإني لأكره أن تشيع فعلته بمدينة السّلام، فافتضح بين الأنام، وتحبط مكانتي عند الإمام؛ وأصير ضحكة بين الخاصّ والعامّ، فعاهدني على ألا أفوه بما اعتمد، ما دمت حلا بهذا البلد. قال الحارث بن همام: فعاهدته معاهدة من لا يتأوّل، ووفيت له كما وفى السّموأل. *** قوله: «انجلى»، أي زال وانكشف. نشدتك: حلّفتك. الدّست الأول هو الثوب، والثاني: المجلس، والثالث هو الأول، والرابع هو الخداع والحيلة، وقدمه في الحادية عشرة حيث قال: متى ما دسته تمّ. ازورّت مقلتاه: اعوجّت عيناه وتغيّر نظرهما. والوجنتان: ما أحاط بالعين من أسفل. أعجزني: غلبني. فضح مريب: كشف متهم. تطلّس: لبس الطيلسان، وهو من لباس الخواص، وهو كساء خزّ. لبّس: خلط. سكع:

стр. 695

ذهب اللّكع: اللئيم العاجز، قال بعض أهل العلم: كان يقال: خمس خصال، من أقبح شيء فيمن كنّ فيه: الحدّة في السلطان، والكبر في ذي الحسب، والبخل في الغنيّ، والحرص في العالم، والفسق في الشيخ، وثلاث هن أحسن شيء فيمن كنّ فيه: تؤدة لغير ذلّ، وجود لغير ثواب، ونصب لغير الدنيا. أشفق: خاف. تعدّى طوره: تجاوز قدره. ظعن: رحل. فوره: حينه. نوى: بعد وسفر. كلأه: حفظه. ثوى: أقام. زاولت: حاولت. نكره: منكره. مكره: خداعه. أوغلت: أبعدت. أوقع به: أتناوله بالشرّ والمكروه والضّرب. وقال أبو حازم في معنى دعاء الوالي على السّروجيّ: [مخلع البسيط] إذا استقلت بك الرّكاب ... فحيث لا درّت السّحاب زالت سراعا، وزلت تجري ... ببينك الظّبي والغراب بحيث لا يرتجى إياب ... وحيث لا يبلغ الكتاب والذي استعمل الناس في الدعاء على الغائب ألّا يرجع قول زهير: [الطويل] * لدى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم (١) * وقال آخر: [الوافر] كما سار الحمار بأمّ عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار ومثل هذا رقية المرأة إذا سافر زوجها، قالت: نافرك القمر، وظل الشجر، شمال تشمله، ودبور تدبره، ونكباء تنكبه: شبك ولا انتقس، وتعس ولا انتعش. ثم ترمى أثره بحصاة ونواة وروثة وبعرة وتقول: حصاة حصّ أثره، ونواة نأت داره، وروثة راث خبره، وبعرة تبعره، ولو أوغل في طلبه كما ذكر فأدركه لأنشده السّروجي: [الطويل] فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع وقال المعري: [الطويل] إذا ما أخفت المرء جنّ مخافة ... وأيقن أنّ الأرض كفّة حابل (٢) يرى نفسه في ظل سيفك قائما ... وبينكما بعد المدى المتطاول

стр. 696

وقال محمد بن هانئ رحمه الله تعالى: [الطويل] فلا مهجة في الأرض منك منيعة ... ولو قطرت من ريق أرقط شجعم (١) ولو أنها نيطت بمخلب طائر ... ولو أنها باتت على قرن أعصم وقال أشجع السّلمي في الرشيد، حين بعث لإدريس بن عبد الله العلويّ من اغتاله بالمغرب: [الكامل] أتظنّ يا إدريس أنك مفلت ... كيد الخلافة أو يقيك حذار إن السيوف إذا انتضاها عزمه ... طالت وتقصر دونه الأعمار هيهات ألّا أن تكون ببلدة ... لا يهتدى فيها إليك نهار ولأبي العرب الصقلي: [الطويل] كأنّ بلاد الله كفّك إن يسر ... بها هارب تجمع عليه الأناملا فأين يفرّ المرء عنك بجرمه ... إذا كان يطوي في يديك المراحلا قوله: تشيع، أي تتصل، يقال: شاع الخبر في الناس، أي اتصل بكل واحد، فاستوى علم الناس به، ويقال: سهم شائع ومشاع، إذا كان في جميع الدار فاتصل كل جزء منه بكلّ جزء منها، وأصله في الناقة، يقال: أوزعت الناقة ببولها إيزاعا، إذا فرّقته، فإذا أرسلته متصلا، قيل: أشاعت به. تحبط: تسقط وتبطل مكانتي: منزلتي. ضحكة: يضحك الناس به وتسكين عينها للمفعول، وتحريكها للفاعل. أفوه: أنطق. اعتمد، أي قصد من الخداع. حلّا: مقيما. يتأول: يحتال ليمينه فيحملها في الباطن على غير ما أوقعها في الظاهر عليه، فيريد أنه ثبت له اليمين. *** [قصّة السموأل] السموأل، هو ابن عاديا، يضرب به المثل في الوفاء، وقصة وفائه أن امرأ القيس، لما ألحّ المنذر في طلبه لحق بعمرو بن جابر بن مازن يستجير به، فقال له: يا ابن حجر، إني أراك في خلل من قومك، وأنا أنفس بك، أفلا أدلك على رجل لم أر أحسن جوارا منه؟ فدلّه على السموأل بتيماء، ووصفله حسبه وحصنه، فقال: ومن لي به؟ فقال: أصحبك من يوصلك إليه، فأصحبه الربيع بن ضبع- وكان الربيع يأتي السموأل ويمدحه فيحمله ويعطيه- فمشوا حتى قدموا على السموأل، فأنشدوه أشعارا فعرف حقّهم، وأنزل هندا بنت امرئ القيس في قبة من أدم، وأنزل القوم في مجلس له براح، فكان عنده ما شاء، ثم طلب أن يكتب له للحارث بن أبي شمر الغسانيّ بالشّام ليوصّله إلى قيصر،

стр. 697

ففعل، فاستودعه بنته وأدراعه الخمس، وهي الفضفاضة، والصافية، والمحصنة، والحريق، وأم الذيول، وكنّ لبني آكل المرار، وهم أجداده يتوارثن ملكا عن ملك. فمضى إلى قيصر، وأقام عنده حتى جهزه بجيوش، ثم بعث له بالحلّة المسمومة، فلما لبسها تقطع لحمه، ومات. فلما بلغ خبر موته المنذر قصد تيماء حصن السموأل، فبعث إليه أن يعطيه أدراع امرئ القيس وما ترك عنده من المال، فقال له: إنما أدفع ذلك لابنته ولورثته، فحاصره في الحصن، حتى أخذ ابنا له صغيرا، فقال للسموأل إما أن تعطيني ما ترك امرؤ القيس أو أقتل ابنك وأنت تنظر إليه، فقال له: والله لا وفيت له في حياته، وأغدره بعد وفاته! اذهب، فشأنك يا بني فافعل به ما شئت، فذبحه وهو ينظر إليه، ولم يرض بالغدر، فلما جاء الموسم ذهب بالدروع فدفعها لابنته وورثته، وقال: [الوافر] وفيت بأدرع الكنديّ إني ... إذا ما خان أقوام وفيت وقالوا إنه كنز عظيم ... ولا والله أغدر ما حييت بنى لي عاديا حصنا حصينا ... وبئرا كلّما شئت استقيت فضرب به المثل في الوفاء. وانظر في الثلاثين ابتداء الحكاية.

стр. 698

المقامة الرابعة والعشرون النّحويّة حكى الحارث بن همام قال: عاشرت بقطيعة الرّبيع، في إبّان الرّبيع، فتية وجوههم أبلج من أنواره، وأخلاقهم أبهج من أزهاره، وألفاظهم أرقّ من نسيم أسحاره. فاجتليت منهم ما يزري على الرّبيع الزّاهر، ويغني عن رنّات المزاهر؛ وكنّا تقاسمنا على حفظ الوداد، وحظر الاستبداد، وألّا يتفرّد أحدنا بالتذاذ، ولا يستأثر ولو برذاذ. فأجمعنا في يوم سما دجنه، ونما حسنه، وحكم بالاصطباح مزنه، على أن نلتهي بالخروج، إلى بعض المروج؛ لنسرّح النّواظر، في الرّياض النّواضر، ونصقل الخواطر، بشيم المواطر؛ فبرزنا ونحن كالشّهور عدّه؛ وكنّا كندمانى جذيمة مودّة. *** عاشرت: صاحبت. قطيعة الربيع: بلد معروف، والربيع حاجب المنصور ومولاه، وهو [والد] الفضل ابن الربيع بن يونس بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة، وكان أقطعه المنصور بلدا بالعراق فبناه، وبنى الناس معه، حتى صار فيه عمارات كثيرة، وهي محلّة قريبة من كوخ بغداد في أعلى غربية بغداد، فنسبت إلى الربيع. إبّان: وقت. فصل الرّبيع: النّوار. أبلج: أحسن لونا وأنعم. أنواره: أزهاره، ونوّر النبات وأنور صار فيه النّور، وأبهج: أحسن لونا، والبهجة: حسن اللون ونسيم السّحر ريحه اللينة الباردة، وفي حديث عن النبي ﷺ : «يقول الله تعالى للجنّة كلّ يوم: طيبي لأهلك فتزداد طيبا»، فذلك البرد الذي تجده الناس بسحر ذلك اليوم. وقال ابن عمّار في نسيم السّحر على الرياض فأحسن: [الطويل] ويوم لنا بالسّدّ بين معاطف ... من النّهر تنساب انسياب الأراقم بحيث اتخذنا الروض جارا تزورنا ... هداياه في أيدي الرّياح النّواسم

стр. 699

يبلّغنا أنفاسه فيردّها ... بأعطر أنفاس وأذكى لناسم تسير علينا ثم عنّا كأنّها ... حواسد تمشي بيننا بالنّمائم اجتليت: نظرت. يزري: يقصر، وتقول: زريت عليه إذا عبت عليه ما فعل، وأزريت به قصّرت. الزاهر: الناعم. رنات: أصوات. المزاهر: عيدان الغناء. تقاسمنا: تحالفنا. حظر: منع. الاستبداد: الانفراد بالشيء. يستأثر: يختص. رذاذ: أقل المطر، أي اتفقوا ألّا ينفرد واحد بشيء دون أصحابه. أجمعنا: عزمنا. سما دجنه: ارتفع سحابه. نما: زاد. الاصطباح: شرب الخمر بالسّحر. مزنه: مطره، وفي مثل بكورهم يقول عبد الجبار الصّقلي: [السريع] بادر إلى اللّذات واركب لها ... سوابق اللهو ذوات المراح من قبل أن ترشف شمس الضّحى ... ريق الغوادي من ثغور الأقاح نلتهي: نتسلى ونتفرج. والمروج: المواضع المنخفضة الخصيبة، واحدها مرج، وسمي مرجا، لأنّ البهائم تمرج فيه أي تسيب. نسرّح: نسيب. النواظر: العيون، وبالضّاد واعم الأزهار. والخواطر: الأذهان. شيم المواطر: نظر السحاب. برزنا: خرجنا، وجعل خروجهم في السّحر، لأن أول النهار أحمد أوقات الشرب، فقال: أوّل النهار، ألا ترى الدّواء يبكّر به، والمسافر يدلج لحاجته، لأن العقول أوّل النهار أزكى، والفطن أصحّ، وقال العطويّ: [الخفيف] قبّح الله أوّل الناس سنّ الشرب ... ظهرا ماذا أتى من خسار! مجلس مونق وكأس وندما ... ن وتأخيرها إلى الإظهار نكتة في السرور بادية الشّ ... ين لأهل العقول والأبصار إنّ شرب النبيذ سير إلى الله ... وو خير المسير صدر النّهار ما رأينا لنشوة الصبح شكلا ... كنديم مساعد وعقار وغناء يفتّ في عضد الحل ... م ويزري على النّهى والوقار وأحاديث في خلال الأغاني ... كانفتاح الرّياض غبّ النّهار وبعضهم يمدح الغبوق، ويذم الصبوح، وابن المعتز ممّن يذهب إلى ذلك. [نديما جذيمة] قوله: كندمانى جذيمة، أي صاحبيه على الخمر، واسمهما مالك وعقيل، وجذيمة ابن مالك بن تيم الأزديّ، وكان ملك أيام الطوائف بشاطئ الفرات وما والى ذلك إلى السواد ستين سنة. قال ابن الكلبي: جذيمة: أول من ملك قضاعة بالحيرة، وأوّل من حذا النعال

стр. 700

وأدلج من الملوك، ورفع له الشمع، وكان من أفضل ملوك العرب رأيا، وأظهرهم حزما، وهو أوّل من استجمع الملك له بأرض العراق، وغزا بالجيوش، وكان به برص، فكنّت العرب عن البرص إعظاما فقالت له: جذيمة الوضّاح، وجذيمة الأبرش. وكان عزا طسما وجديسا في منازلهم، فصادف حسان بن تبّع، قد أغار عليهما، فانصرف جذيمة. وصادفت خيول تبع سرّية له فقتلوهم، فبلغ الخبر جذيمة فقال: [المديد] ربّما أوفيت في علم ... ترفعن ثوبي شمالات (١) في فتوّ أنا كالئهم ... من بلايا غزوة ماتوا ليت شعري ما أماتهم ... نحن أسرينا وهم باتوا وكان جذيمة قد تنبّأ وتكهّن، واتخذ صنمين، وسماهما الضيزنين، ومكانهما بالحيرة معروف. وغزا إيادا بعين أباغ، فبعثوا قوما منهم سرقوا منهم الضيزنين، وأصبحوا بهما في إياد، فأرسلوا إليه: إن صنميك أصبحا عندنا، زهدا فيك ورغبةفينا، فأعطنا عهدا ألا تغزونا، ونردهما إليك. ففعل. وكان بلغه أن غلاما من لخم يسمى عديّ بن نصر مقيم في أخواله من إياد، وله ظرف ولبّ وأنه لحسن أن ينادم الملك، ويقوم بمجلسه. فاشترط على إياد أن يبعثوا مع الصنمين بعديّ بن نصر، وكان له جمال وظرف، فدفعوه إليه معهما فضمّه إلى نفسه. وكان ينادمه ويسقيه فتعشّقته رقاش أخت جذيمة، فبعثت إليه: إذا سقيت أخي واستنشى، فاخطبني لك، وأشهد عليه، ففعل فلما طرب جذيمة خطبها، فأنعم عليه، وأشهد عليه، فقال له: عرّس بأهلك، ففعل، فلما أصبح غدا على جذيمة مضرّجا بالطّيب، فقال له: ما هذه الآثار؟ فقال: آثار العرس، قال: وأيّ عرس؟ قال: عرس رقاش، فأكبّ جذيمة على الأرض، وفرّ عديّ، وطلبه جذيمة فلم يدركه. وقيل: ظفر به. وقال لرقاش: [الخفيف]

стр. 701

حدّثيني رقاش لا تكذبيني ... أبحرّ زنيت أم بهجين أم بعبد فأنت أهل لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون فقالت له: [الخفيف] أنت زوّجتني وما كنت أدري ... فأتاني النّساء للتزيين ذاك من شربك المدامة صرفا ... وتماديك في الصّبا والمجون فحبسها في قصرها، فاشتملت على حمل فأتت بغلام، وسمته عمرا، وربّته حتى ترعرع، فجمّلته وعطّرته وألبسته كسوة مثله، ثم أزارته خاله فأعجب به، وألقيت عليه محبّته، وخرج جذيمة في سنة قد أكمأت، وبسط له في روضة، وعمرو مع غلمة يجتنون الكمأة، فكانوا إذا أصابوا كمأة طيبة أكلوها، وإذا أصابها عمرو، خبأها ثم أقبلوا يتعادون وعمرو يقدمهم، ويقول: [الرجز] هذا جناي وخياره فيه ... إذ كلّ جان يده إلى فيه (١) فالتزمه جذيمة، وحلّ منه بمكان. ثم إن الجنّ استهوته، فطلب زمانا، وأرسل فيه في الآفاق، فلم يجد له خبرا. ثم إن عمرا أوفى على مالك وعقيل ابني فارج بن مالك بن كعب بن القيس بن حمير بن قضاعة، وقد نزلا منزلا، وهما متوجّهان إلى خاله جذيمة، ومعهما قينة، يقال له أم عمر، وهي تغنّيهما وتسقيهما، فرأت عمرا وقد تلبّد شعره وطالت أظفاره، وساءت حاله، فاحتقرته فرمت إليه بكراع من طعامها، وناولتهما، وأوكأت زقّها ولم تناول عمرا شيئا، فقال عمرو: [الوافر] صددت الكأس عنّا أمّ عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا (٢) وما شرّ الثلاثة أمّ عمرو ... بصاحبك الّذي لا تصبحينا فما شرب الشّراب كمثل عمرو ... وما نال المكارم فاصبحينا فإلّا تنكري عمرا فإني ... أنا ابن عديّ حقا فاعرفينا

стр. 702

وخالي لا أبا لك ذو المعالي ... جذيمة كيف ويحك تنكرينا! فقالا له: من أنت يا فتى؟ أنا عمرو بن عديّ، فضمّاه إليهما، وغسلا رأسه، وأخذا من شعره. وقلّما أظفاره، وألبساه بعض الثياب التي كانت معهما، وقالا: ما كنا نهدي جذيمة أنفس من ابن أخته، ثم وردا به على جذيمة فسرّ به سرورا شديدا وقال: لهما تمنّيا، فسألاه أن يكونا نديميه ما عاش وعاشا، فنادماه أربعين سنة، ما أعادا عليه حديثا، فضرب بهما المثل في تأكيد الألفة، ونال مالك بن نويرة في مالك: [الطويل] وكنّا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدّهر حتى قيل لن يتصدّعا (١) فلمّا تفرقنا كأنيّ ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وتمثلت بهما عائشة ﵂ عند قبر أخيها عبد الرحمن. وقال أبو خراش الهذلي يرثي أخاه: [الطويل] تقول أراه بعد عروة لاهيا ... وذلك رزء لو علمت جليل (٢) فلا تحسبي أن قد تناسيت عهده ... ولكنّ صبري يا أميم جميل ألم تعلمي أن قد تفرّق قبلنا ... خليلا صفاء: مالك وعقيل وغزا جذيمة عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة السميذع العمليقي من العماليق، ومنهم قوم من حمير. وكان ملك الجزيرة وملك الحضر، وهي مدينة قديمة بين دجلة والفرات، فهزم جذيمة جيوش عمرو وقتله وفرّق جموعه، وقال في ذلك شاعرهم: [البسيط] كأنّ عمرو بن برقا لم يكن ملكا ... ولم تكن حوله الرّايات تختفق لاقي جذيمة في شعواء مشعلة ... فيها حراشف بالنيران ترتشق [الزباء] فملكت بعده الزّباء ابنته واسمها نائلة. قال ابن الكلبيّ: ولم يكن في عصر الزباء أجمل منها جمالا، وأكمل منها كمالا،

стр. 703

وكان لها شعر إذا مشت يتدلّى وراءها، وإذا نشرته جلّلها، فسمّيت الزباء، لكثرة شعرها، فجمعت خيل أبيها وغزت بالجيوش من حواليها من الملوك، فذلّلتهم، فضرب بها المثل فقيل: أعزّ من الزباء، واشتهر عنها علوّ الهمة، وسموّ القدرة، وقوّة المنعة، ومضاء العزم، وبذل الأموال. فلما استحكم ملكها أرادت أن تغزو جذيمة لتدرك فيه ثأر أبيها، فنهتها أختها زبيبة عن ذلك وقالت: لا طاقة لك به، ولكن ابني أمرك فيه على المكر والحيل. فبعثت إلى جذيمة تخطبه على نفسها، ليتّصل ملكه بملكها، فيصيرا بذلك أعزّ الملوك- وكان بلغه عن جمالها ما أطمعه في الظّفر بها- فأخبر أرباب دولته بمخاطبتها إيّاه، فكلّهم أشار عليه أن يتزوّجها، إلا قصير بن سعد بن عمرو- وكان لبيبا عاقلا له عزم وحزم، وكان خازنه وعميد دولته- فإنه قال له: هذا رأي فاتر، لأن الزباء قتلت أباها والدم لا ينام، ولك في بنات الملوك الأكفاء متّسع، فقال له الملك: إنّ النفس إلى ماتحبّ توّاقة، وإن كان القدر قد جرى بشيء فلا مفرّ عنه. وكتبت إليه الزباء تطلب منه قدومه عليها للنكاح، وقالت له: لولا أنّ السعي في مثل هذا للرّجال أجمل، ولهم ألزم، لسرت إليك. وأهدت مع كتابها من العبيد والسلاح والأموال والذهب هديّة سنية؛ فلما وصلت أبهجته، وحسب أن ذلك لفرط رغبتها فيه، فشاور قومه وابن أخته عمرا، فشجعوه على المسير إليها، واستخلف عمرا على ملكه، وسار في خواصّه حتى نزلوا بالفرضة، فشاور خواصّه وقصيرا في الجملة، فأشاروا عليه بالمسير إلا قصيرا، فإنه قال: أيّها الملك كلّ عزم لا يؤيّد بحزم فآخره إلى فساد؛ ولولا أن الأمور تجري على المقدور، لعزمت على الملك ألّا يفعل، فقال جذيمة: الرأي مع الجماعة، فقال قصير: أرى القدر سابق الحذر، ولا يطاع لقصير رأي. فلما قرب من ديارها أرسل إليها يعلمها بموضعه، فأظهرت السرور به، وأخرجت له هدايا وأنواعا من الأطعمة والأشربة، فقال لقصير: كيف ترى؟ فقال قصير: من لم ينظر في العواقب لم يأمن المصائب، فاستدرك الأمر قبل فوته، وارجع فإنّ في يديك بقية تستدرك بها الصّواب، وإن كنت لا بدّ فاعلا فإن القوم إنّ تلقّوك غدا يجيء قوم ويذهب قوم، فالأمر في يديك، وإن تلقّوك صفّين فإذا توسطتهم وأحدقوا بك، فقد ملكوك، وهذه العصا- وهي فرس لجذيمة تستبق الطير- فسأعرضها لك فاركبها لتسلم عليها، فإنه لا يشقّ غبارها، فأرسلها مثلا. فلما كان غد لقوه صفين، فلمّا توسطهم انقضّوا عليه، فقال لقصير: صدقت فما الرأى: فقال له: بقّة تركت الرأي، وهذه العصا، اركبها، فشغله الأمر عنها فلما رأى قصير الجيوش تسير بجذيمة أعطى العصا عنانها، فهوت به هويّ الرّيح، فتطاول إليه جذيمة ينظره، فقال: ويل له جذيمة؛ فجرت به إلى غروب الشمس. - قال الأصمعي رحمه الله تعالى: لم تقف حتى جرت ثلاثين ميلا، ثم وقفت

стр. 704

فبالت، فبني على الموضع برج يسمى برج العصا- وأشرفت الزباء من قصرها تنظر إلى جذيمة، وهو يساق، فقالت: ما أحسنك من عروس يزف إليّ! فدخلوا به إليها، وحولها ألف وصيفة، لا تشبه واحدة صاحبتها في خلق ولا زيّ، وهي بينهنّ كالقمر حفت به النجوم، فأمرت بالأنطاع فبسطت، وقالت للوصائف: خذن بيد سيدكنّ وبعل مولاتكنّ، فأجلسنه على الأنطاع، ففعلن به ذلك، ثم كشفت له عن شعرتها، فرأى شعرها قد طال حتى عقدته من وراء ظهرها، فقالت له: يا جذيمة أشوار ذات عروس؟ قال: بل شوار بظراء تفلة، وأمر غدر قد بلغ المدى، فقالت: والله ما ذاك من عدم المواس، ولكنها شيمة أناس. ثم أمرت به فسقي بالخمر حتى أخذت فيه، وكانت الملوك لا تضرب أعناقها إلّا في الحرب، ثم أمرت أن تقطع رواهشه (١)، وقالت: تحفّظن بدمه، لأنه إن قطرت من دمه قطرة في غير الطشت طلب بدمه، فجرى دمه في طشت ذهب، فلما ضعفت يداه سقطتا، فقطرت على النّطع من دمه قطرات، فقالت: لا تضيّعوا دم الملوك، فقال لها «لا يحزنك دم ضيّعه أهله»، فذهبت مثلا، فقالت: إن دماء الملوك شفاء من الكلب، وو الله ما وفّي دمك ولا شفي قتلك، ثم أمرت به فدفن. وكان عمرو بن عدي يخرج كلّ يوم لبعض الحيرة، يستطلع أمر خاله، فنظر يوما إلى فارس قد أقبل، فأشرف عليه قصير، فقال له: ما وراءك؟ فقال له: سعى القدر بالملك إلى حتفه، فاطلب بثأره، فقال عمرو: وأيّ ثأر يطلب من الزّباء، وهي أمنع من عقاب الجوّ! فقال قصير: والله لا أنام عن طلب دمه ما لاح نجم، فاجدع أنفي واضرب ظهري، ودعني وإياها. فقال عمرو: ما أنت لذلك بأهل، وقد علمت نصحك لخالي. فقال: خلّ عني إذا، فجدع أنفه ولحق بالزباء، فقالت: ما جاء بك؟ فأشار بظهره وأنفه- فقالت العرب: «لأمر ما جدع قصير أنفه! » فقالت: يا قصير، بيننا دم خطير، فقال: يا ابنة الملوك العظام لا ثأر ولا قود، ولقد أتيت فيه على ما يأتي مثلك في مثله، وقد جئتك مستجيرا بك من عمرو فإنه علم أني أشرت على خاله بالمجيء إليك، فجدع أنفي وأذني، وأوجع ظهري، وحال بيني وبين مالي وولدي، فاستجرت بك لعلمي أنّي لا أكون مع أحد أثقل عليه منك، فقالت له: أهلا وسهلا- وكان يبلغها من رأيه وحزمه- فاحتصّته وأنزلته واصطفته، فلما وثقت به، أخذت تستشيره في أمورها. فقال لها يوما: إن عمرا يطلبك بخاله، والرأي أن تتخذي نفقا لعلك تحتاجين إليه، فقالت له: إنّي قد اتخذته تحت سريري، وخرجت به تحت سرير أختي- وكان الفرات يشق بين قصيريهما- فأظهر لها السرور، ثم قال لها: إنّ لي بالعراق أموالا كثيرة تصلح بالملوك فإن جهزتني بمال للتجارة، توصلت فيهإلى أخذ تلك الذخائر وننقلها إليك، فجهّزته. فاحتال حتى

стр. 705

وصل إلى عمرو، فجهّزه بطرف من الجواهر والخزّ والديباج والأسلحة، فرجع بها، فلما تحققت نصحه، أرسلته إلى العراق ثالث سفرة ليضرب لها بها عدّة من السلاح، ويشتري لها خيلا وعبيدا لتجهز جيشا إلى من حواليها من الملوك فمشى فيما أمرته به، وتوصل إلى عمرو، وقال: قد أصبت الفرصة من الزّبّاء، فقال عمرو: قل اسمع، ومر افعل، فأنت طبيب هذه القرحة، فقال: الرجال والمال، فقال: حكمك فيما عندي مسلّط، فعمد إلى ألفي رجل من أهل القتال، وجعلهم في غرائر سود، وجعل سلاحهم السيوف والحجف (١)، وجعل رءوس الغرائر مربوطة من داخلها، وجعل عمرا في الحملة، وساق الخيل والعبيد، فلما قاربها بعث إليها البشير بسلامة قصير وكل ما جاء به، فسألت عن العير أين نزل؟ فقيل لها: بالغوير- وكانت تنظره من غير طريق الغوير- فقالت: عسى الغوير أبؤسا، وتقدّم قصير، فدخل عليها فبشّرها، فرقيت سطحا عاليا لتنظر مجيء الإبل، فنظرت قوائمها تسوخ في الأرض لما عليها من الأثقال، فقالت: يا قصير: [الرجز] ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا! (٢) أم صرفانا باردا شديدا ... أم الرجال جثّما قعودا وكانت قالت لجواريها: إني أرى الموت الأحمر في الغرائر السود، فذهبت مثلا. فدخلت الجمال المدينة، فجسّ بواب بمخصرة في يده غرارة على آخر بعير، فأصابت المخصرة خاصرة رجل فضرط فصاح: الشرّ الشرّ، فأظهروا علامة كانت بينهم، فحلّوا رءوس الجوالق، فخرج منها ألفا دارع بألفي سيف، فصاحوا: يا لثأر الملك المقتول غدرا! وهربت الزباء تطلب النفق إلى تحت الفرات، فسبق عمرو إلى بابه مع قصير، وكانت صورة عمرو مصورة في جانبها، فعند ما رأته عرفته، وكانت جعلت تحت فصّ خاتمها سمّ ساعة فمصّت الفصّ، وقالت: بيدي لا بيد عمرو. فسقطت، وعمرو وقصير يضربانها بالسيف، فماتت بين السم والسيف، فاستباحوا بلدها بما فيه، واستولى عمرو على مملكتها. واتخذ عمرو الحيرة دار ملكه، وتوارثها بنوه واحدا واحدا إلى النعمان بن المنذر، وهو الذي أدرك زمن المصطفى ﷺ وقتله كسرى، وهو آخرهم،
следующие страницы →