← Адаб

Адаб · id 760

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

حدّثيني رقاش لا تكذبيني ... أبحرّ زنيت أم بهجين أم بعبد فأنت أهل لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون فقالت له: [الخفيف] أنت زوّجتني وما كنت أدري ... فأتاني النّساء للتزيين ذاك من شربك المدامة صرفا ... وتماديك في الصّبا والمجون فحبسها في قصرها، فاشتملت على حمل فأتت بغلام، وسمته عمرا، وربّته حتى ترعرع، فجمّلته وعطّرته وألبسته كسوة مثله، ثم أزارته خاله فأعجب به، وألقيت عليه محبّته، وخرج جذيمة في سنة قد أكمأت، وبسط له في روضة، وعمرو مع غلمة يجتنون الكمأة، فكانوا إذا أصابوا كمأة طيبة أكلوها، وإذا أصابها عمرو، خبأها ثم أقبلوا يتعادون وعمرو يقدمهم، ويقول: [الرجز] هذا جناي وخياره فيه ... إذ كلّ جان يده إلى فيه (١) فالتزمه جذيمة، وحلّ منه بمكان. ثم إن الجنّ استهوته، فطلب زمانا، وأرسل فيه في الآفاق، فلم يجد له خبرا. ثم إن عمرا أوفى على مالك وعقيل ابني فارج بن مالك بن كعب بن القيس بن حمير بن قضاعة، وقد نزلا منزلا، وهما متوجّهان إلى خاله جذيمة، ومعهما قينة، يقال له أم عمر، وهي تغنّيهما وتسقيهما، فرأت عمرا وقد تلبّد شعره وطالت أظفاره، وساءت حاله، فاحتقرته فرمت إليه بكراع من طعامها، وناولتهما، وأوكأت زقّها ولم تناول عمرا شيئا، فقال عمرو: [الوافر] صددت الكأس عنّا أمّ عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا (٢) وما شرّ الثلاثة أمّ عمرو ... بصاحبك الّذي لا تصبحينا فما شرب الشّراب كمثل عمرو ... وما نال المكارم فاصبحينا فإلّا تنكري عمرا فإني ... أنا ابن عديّ حقا فاعرفينا

стр. 702

وخالي لا أبا لك ذو المعالي ... جذيمة كيف ويحك تنكرينا! فقالا له: من أنت يا فتى؟ أنا عمرو بن عديّ، فضمّاه إليهما، وغسلا رأسه، وأخذا من شعره. وقلّما أظفاره، وألبساه بعض الثياب التي كانت معهما، وقالا: ما كنا نهدي جذيمة أنفس من ابن أخته، ثم وردا به على جذيمة فسرّ به سرورا شديدا وقال: لهما تمنّيا، فسألاه أن يكونا نديميه ما عاش وعاشا، فنادماه أربعين سنة، ما أعادا عليه حديثا، فضرب بهما المثل في تأكيد الألفة، ونال مالك بن نويرة في مالك: [الطويل] وكنّا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدّهر حتى قيل لن يتصدّعا (١) فلمّا تفرقنا كأنيّ ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وتمثلت بهما عائشة ﵂ عند قبر أخيها عبد الرحمن. وقال أبو خراش الهذلي يرثي أخاه: [الطويل] تقول أراه بعد عروة لاهيا ... وذلك رزء لو علمت جليل (٢) فلا تحسبي أن قد تناسيت عهده ... ولكنّ صبري يا أميم جميل ألم تعلمي أن قد تفرّق قبلنا ... خليلا صفاء: مالك وعقيل وغزا جذيمة عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة السميذع العمليقي من العماليق، ومنهم قوم من حمير. وكان ملك الجزيرة وملك الحضر، وهي مدينة قديمة بين دجلة والفرات، فهزم جذيمة جيوش عمرو وقتله وفرّق جموعه، وقال في ذلك شاعرهم: [البسيط] كأنّ عمرو بن برقا لم يكن ملكا ... ولم تكن حوله الرّايات تختفق لاقي جذيمة في شعواء مشعلة ... فيها حراشف بالنيران ترتشق [الزباء] فملكت بعده الزّباء ابنته واسمها نائلة. قال ابن الكلبيّ: ولم يكن في عصر الزباء أجمل منها جمالا، وأكمل منها كمالا،

стр. 703

وكان لها شعر إذا مشت يتدلّى وراءها، وإذا نشرته جلّلها، فسمّيت الزباء، لكثرة شعرها، فجمعت خيل أبيها وغزت بالجيوش من حواليها من الملوك، فذلّلتهم، فضرب بها المثل فقيل: أعزّ من الزباء، واشتهر عنها علوّ الهمة، وسموّ القدرة، وقوّة المنعة، ومضاء العزم، وبذل الأموال. فلما استحكم ملكها أرادت أن تغزو جذيمة لتدرك فيه ثأر أبيها، فنهتها أختها زبيبة عن ذلك وقالت: لا طاقة لك به، ولكن ابني أمرك فيه على المكر والحيل. فبعثت إلى جذيمة تخطبه على نفسها، ليتّصل ملكه بملكها، فيصيرا بذلك أعزّ الملوك- وكان بلغه عن جمالها ما أطمعه في الظّفر بها- فأخبر أرباب دولته بمخاطبتها إيّاه، فكلّهم أشار عليه أن يتزوّجها، إلا قصير بن سعد بن عمرو- وكان لبيبا عاقلا له عزم وحزم، وكان خازنه وعميد دولته- فإنه قال له: هذا رأي فاتر، لأن الزباء قتلت أباها والدم لا ينام، ولك في بنات الملوك الأكفاء متّسع، فقال له الملك: إنّ النفس إلى ماتحبّ توّاقة، وإن كان القدر قد جرى بشيء فلا مفرّ عنه. وكتبت إليه الزباء تطلب منه قدومه عليها للنكاح، وقالت له: لولا أنّ السعي في مثل هذا للرّجال أجمل، ولهم ألزم، لسرت إليك. وأهدت مع كتابها من العبيد والسلاح والأموال والذهب هديّة سنية؛ فلما وصلت أبهجته، وحسب أن ذلك لفرط رغبتها فيه، فشاور قومه وابن أخته عمرا، فشجعوه على المسير إليها، واستخلف عمرا على ملكه، وسار في خواصّه حتى نزلوا بالفرضة، فشاور خواصّه وقصيرا في الجملة، فأشاروا عليه بالمسير إلا قصيرا، فإنه قال: أيّها الملك كلّ عزم لا يؤيّد بحزم فآخره إلى فساد؛ ولولا أن الأمور تجري على المقدور، لعزمت على الملك ألّا يفعل، فقال جذيمة: الرأي مع الجماعة، فقال قصير: أرى القدر سابق الحذر، ولا يطاع لقصير رأي. فلما قرب من ديارها أرسل إليها يعلمها بموضعه، فأظهرت السرور به، وأخرجت له هدايا وأنواعا من الأطعمة والأشربة، فقال لقصير: كيف ترى؟ فقال قصير: من لم ينظر في العواقب لم يأمن المصائب، فاستدرك الأمر قبل فوته، وارجع فإنّ في يديك بقية تستدرك بها الصّواب، وإن كنت لا بدّ فاعلا فإن القوم إنّ تلقّوك غدا يجيء قوم ويذهب قوم، فالأمر في يديك، وإن تلقّوك صفّين فإذا توسطتهم وأحدقوا بك، فقد ملكوك، وهذه العصا- وهي فرس لجذيمة تستبق الطير- فسأعرضها لك فاركبها لتسلم عليها، فإنه لا يشقّ غبارها، فأرسلها مثلا. فلما كان غد لقوه صفين، فلمّا توسطهم انقضّوا عليه، فقال لقصير: صدقت فما الرأى: فقال له: بقّة تركت الرأي، وهذه العصا، اركبها، فشغله الأمر عنها فلما رأى قصير الجيوش تسير بجذيمة أعطى العصا عنانها، فهوت به هويّ الرّيح، فتطاول إليه جذيمة ينظره، فقال: ويل له جذيمة؛ فجرت به إلى غروب الشمس. - قال الأصمعي رحمه الله تعالى: لم تقف حتى جرت ثلاثين ميلا، ثم وقفت

стр. 704

فبالت، فبني على الموضع برج يسمى برج العصا- وأشرفت الزباء من قصرها تنظر إلى جذيمة، وهو يساق، فقالت: ما أحسنك من عروس يزف إليّ! فدخلوا به إليها، وحولها ألف وصيفة، لا تشبه واحدة صاحبتها في خلق ولا زيّ، وهي بينهنّ كالقمر حفت به النجوم، فأمرت بالأنطاع فبسطت، وقالت للوصائف: خذن بيد سيدكنّ وبعل مولاتكنّ، فأجلسنه على الأنطاع، ففعلن به ذلك، ثم كشفت له عن شعرتها، فرأى شعرها قد طال حتى عقدته من وراء ظهرها، فقالت له: يا جذيمة أشوار ذات عروس؟ قال: بل شوار بظراء تفلة، وأمر غدر قد بلغ المدى، فقالت: والله ما ذاك من عدم المواس، ولكنها شيمة أناس. ثم أمرت به فسقي بالخمر حتى أخذت فيه، وكانت الملوك لا تضرب أعناقها إلّا في الحرب، ثم أمرت أن تقطع رواهشه (١)، وقالت: تحفّظن بدمه، لأنه إن قطرت من دمه قطرة في غير الطشت طلب بدمه، فجرى دمه في طشت ذهب، فلما ضعفت يداه سقطتا، فقطرت على النّطع من دمه قطرات، فقالت: لا تضيّعوا دم الملوك، فقال لها «لا يحزنك دم ضيّعه أهله»، فذهبت مثلا، فقالت: إن دماء الملوك شفاء من الكلب، وو الله ما وفّي دمك ولا شفي قتلك، ثم أمرت به فدفن. وكان عمرو بن عدي يخرج كلّ يوم لبعض الحيرة، يستطلع أمر خاله، فنظر يوما إلى فارس قد أقبل، فأشرف عليه قصير، فقال له: ما وراءك؟ فقال له: سعى القدر بالملك إلى حتفه، فاطلب بثأره، فقال عمرو: وأيّ ثأر يطلب من الزّباء، وهي أمنع من عقاب الجوّ! فقال قصير: والله لا أنام عن طلب دمه ما لاح نجم، فاجدع أنفي واضرب ظهري، ودعني وإياها. فقال عمرو: ما أنت لذلك بأهل، وقد علمت نصحك لخالي. فقال: خلّ عني إذا، فجدع أنفه ولحق بالزباء، فقالت: ما جاء بك؟ فأشار بظهره وأنفه- فقالت العرب: «لأمر ما جدع قصير أنفه! » فقالت: يا قصير، بيننا دم خطير، فقال: يا ابنة الملوك العظام لا ثأر ولا قود، ولقد أتيت فيه على ما يأتي مثلك في مثله، وقد جئتك مستجيرا بك من عمرو فإنه علم أني أشرت على خاله بالمجيء إليك، فجدع أنفي وأذني، وأوجع ظهري، وحال بيني وبين مالي وولدي، فاستجرت بك لعلمي أنّي لا أكون مع أحد أثقل عليه منك، فقالت له: أهلا وسهلا- وكان يبلغها من رأيه وحزمه- فاحتصّته وأنزلته واصطفته، فلما وثقت به، أخذت تستشيره في أمورها. فقال لها يوما: إن عمرا يطلبك بخاله، والرأي أن تتخذي نفقا لعلك تحتاجين إليه، فقالت له: إنّي قد اتخذته تحت سريري، وخرجت به تحت سرير أختي- وكان الفرات يشق بين قصيريهما- فأظهر لها السرور، ثم قال لها: إنّ لي بالعراق أموالا كثيرة تصلح بالملوك فإن جهزتني بمال للتجارة، توصلت فيهإلى أخذ تلك الذخائر وننقلها إليك، فجهّزته. فاحتال حتى

стр. 705

وصل إلى عمرو، فجهّزه بطرف من الجواهر والخزّ والديباج والأسلحة، فرجع بها، فلما تحققت نصحه، أرسلته إلى العراق ثالث سفرة ليضرب لها بها عدّة من السلاح، ويشتري لها خيلا وعبيدا لتجهز جيشا إلى من حواليها من الملوك فمشى فيما أمرته به، وتوصل إلى عمرو، وقال: قد أصبت الفرصة من الزّبّاء، فقال عمرو: قل اسمع، ومر افعل، فأنت طبيب هذه القرحة، فقال: الرجال والمال، فقال: حكمك فيما عندي مسلّط، فعمد إلى ألفي رجل من أهل القتال، وجعلهم في غرائر سود، وجعل سلاحهم السيوف والحجف (١)، وجعل رءوس الغرائر مربوطة من داخلها، وجعل عمرا في الحملة، وساق الخيل والعبيد، فلما قاربها بعث إليها البشير بسلامة قصير وكل ما جاء به، فسألت عن العير أين نزل؟ فقيل لها: بالغوير- وكانت تنظره من غير طريق الغوير- فقالت: عسى الغوير أبؤسا، وتقدّم قصير، فدخل عليها فبشّرها، فرقيت سطحا عاليا لتنظر مجيء الإبل، فنظرت قوائمها تسوخ في الأرض لما عليها من الأثقال، فقالت: يا قصير: [الرجز] ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا! (٢) أم صرفانا باردا شديدا ... أم الرجال جثّما قعودا وكانت قالت لجواريها: إني أرى الموت الأحمر في الغرائر السود، فذهبت مثلا. فدخلت الجمال المدينة، فجسّ بواب بمخصرة في يده غرارة على آخر بعير، فأصابت المخصرة خاصرة رجل فضرط فصاح: الشرّ الشرّ، فأظهروا علامة كانت بينهم، فحلّوا رءوس الجوالق، فخرج منها ألفا دارع بألفي سيف، فصاحوا: يا لثأر الملك المقتول غدرا! وهربت الزباء تطلب النفق إلى تحت الفرات، فسبق عمرو إلى بابه مع قصير، وكانت صورة عمرو مصورة في جانبها، فعند ما رأته عرفته، وكانت جعلت تحت فصّ خاتمها سمّ ساعة فمصّت الفصّ، وقالت: بيدي لا بيد عمرو. فسقطت، وعمرو وقصير يضربانها بالسيف، فماتت بين السم والسيف، فاستباحوا بلدها بما فيه، واستولى عمرو على مملكتها. واتخذ عمرو الحيرة دار ملكه، وتوارثها بنوه واحدا واحدا إلى النعمان بن المنذر، وهو الذي أدرك زمن المصطفى ﷺ وقتله كسرى، وهو آخرهم،

стр. 706

وكان مقتل والد الزباء عند بعث عيسى ﵇. وقال ابن دريد: [الرجز] وسيف عمرو استعلت به همته ... حتى رمى أبعد شأو المرتمى فاستنزل الزّباء قسرا وهي من ... عقاب لوح الجوّ أعلى منتهى *** إلى حديقة أخذت زخرفها وازّيّنت، وتنوّعت أزاهيرها وتلوّنت، ومعنا الكميت الشّموس، والسقاة الشّموس والشّادي الذي يطرب السّامع ويلهيه، ويقري كلّ سمع ما يشتهيه. فلمّا اطمأنّ بنا الجلوس، ودارت علينا الكئوس، وغل علينا ذمر، عليه طمر، فتجهّمناه تجهّم الغيد الشّيب، ووجدنا صفو يومنا قد شيب. *** [مما قيل في الرياض والبساتين] قوله: إلى حديقة أخذت زخرفها وازينت. نريد أن نصل باب الرياض والبساتين، إذ هي جامعة ألوان لم تدخلها الصنعة، ولم تمازجها الكلفة، مع بديع أزهارها التي سماها الله زينة، وزخرفا فقال تعالى: حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ [يونس: ٢٤]، وأن نجتني فيه بعض ما قالت العرب، ونقلته الرواة من الشعر المستحسن، والتشبيه المشاكل، فإن جلّ النفوس مستأنسة به ونازعة إليه، ومرتاحة لذكره، ومشتاقة إلى زمانه، ولا تكون الرياض مونقة، والأزهار مشرقة، إلّا في اعتدال الزمان، وجدّة الأيام، وهي إذا حلّت الشمس في برج الحمل، كما قال الحسن: [المنسرح] أما ترى الشمس حلّت الحملا ... وقام وزن الزمان واعتدلا فاشرب على جدّة الزمان وقد ... أصبح وجه الزمان مقتبلا وغنّت الطير بعد عجمتها ... واستوفت الخمر حولها كملا قال الأصمعي رحمه الله تعالى: سألت أعرابيّا عن الغيث، فقال: عصّلت الحياض، وأشرقت الرياض، وأخرجت الأرض زخرفها، وأنبتت من كل زوج بهيج. وقيل لأعرابيّ: أيّ شيء رأيت أحسن؟ فقال الأعرابيّ: ظباء راتعة، في رياض يانعة، والشمس طالعة. وقيل لآخر: صف لنا الربيع وأوجز، فقال: هو صديق النّفس بريحانة، وملك الطّرف بريعانه، مع أنه أشكل بالشبيبة، وباعث الشهوة البعيدة. وقال إبراهيم بن السدّي: خرجت أريد نزهة نهر الأبلّة مما يلي كاظمة تميم وقصر

стр. 707

معبد، حتى غوّرت في مبنى أتخيّل الرياض، وأجيل ناظري في مساقط الغيث، حتى دفعت إلى أعرابيّ عند روضة غناء، عميم نبتها، زاهر نورها، يطيف بها، فقلت: يا أعرابيّ، أحسن عندك ما ترى؟ فقال: كلّا والله، سماء مظلّة وأرض مقلة، تضحك هذه عن بكاء هذه، فما شئت من درّة بيضاء، وياقوتة حمراء، وزمردة خضراء، قد نظمتها أيدي المزن في نحور الصعيد. وقال يزيد بن ماهان الأوسيّ: أتيت أرض السماوة في أنف من الربيع، وقد اكتهل النبت فلما جزت ساحة الحيّ دفعت إلى جوار كأنهنّ دمي العاج، يمشين كقضيب البان، وبين أيديهنّ روضة مشرقة، وهنّ يطفن بها، ويهبن الولوج فيها. فقلت: ما لكنّ لا تلجن الروضة، فهي أوطأ لأقدامكنّ، وأقرب لإثارة أرجها من أنوفكنّ؟ فقالت إحداهن: أحرام عندك أن يطأ بعضنا خدود بعض؟ قلت: بلى والله، قالت: فوجه الأرض أحق بالتحريم أن يحصد أو يتوسّد. وبعث الحجاج إلى عبد الملك بجاريتين، وكتب إليه: هما عندي بمنزلة روضتين من رياض السّماوة، جاد الربيع أوّله وآخره عليهما، فاعتمّ نبتهما، ونوّر زهرهما، وحسن منظرهما، وقد بعثت إلى أمير المؤمنين بهما مباركا له فيهما. وقد ذكرت الشعراء الغيث والرياض بألفاظ مستحسنة، ومعان مستظرفة، وتمثيل رائع، وتشبيه رائق، يبعث السرور، وينفي لوعة المحزون، ويجلب أريحية الفتوة والشباب، فنذكر هنا من محاسن أشعارها ولطائف مذاهبها في ذلك ما نرجو به أن يفي بالغرض الذي قصده وضمّنه الحريريّ صدر هذه المقامة ونوافقه، ونشرح منزعها الشريف في ذلك ونحقّقه إن شاء الله تعالى. أنشد السّيرافيّ رحمه الله تعالى يصف روضة: [البسيط] نضّاخة تملأ العينين بهجتها ... فيحاء حفّت بأنواع الرياحين في ظل آس وجرجير ونرجسة ... وسوسن زان وردا بين نسرين وكرمة ذات أعناب مذلّلة ... من كلّ أقطارها تحت الأفانين شبّهت فيها العناقيد التي بقيت ... أولاد زنجية فطس العرانين فتارة من يواقيت منضّدة ... وكالزّبرجد في بعض الأحايين فعينها غدق وماؤها غبق ... وريحها ريح مسك الهند والصين فيها زرابيّ قد بثّث ملمّعة ... يضحكن عن زهر أنواع البساتين فعارضه حسن الكوفيّ، فقال: [البسيط] كأنّها كاعب حسناء أبرزها ... عيد فلم تأل في طيب وتزيين تبرّجت لتروق الناس بهجتها ... فالناس ما بين مبهوت ومفتون

стр. 708

والأيك مائلة الأغصان زائدة ... قد كسيت زخرفا حمر الأفانين إذا الرّخاء جرت في نورها لفظت ... قراضة من حرير الريّ والصين كأنما ألبست أكمامها حللا ... من وشي إسكندر أو من نصيبين وقال عليّ بن الجهم: [البسيط] لم يضحك الروض إلا حين أعجبه ... حسن النّبات وصوت الطّائر الغرد بدا فأبدى لنا دنيا محاسنها ... وراحت الراح في أثوابها الجدد ما قابلت قضب الريحان طلعته ... إلا تبيّن فيه ذلة الحسد بين النديمين والخلّين مسرعة ... وسيره بيد موصولة بيد فبادرته يد المشتاق تسنده ... إلى الترائب والأحشاء والكبد لا عذّب الله إلا من يعذّبه ... بمسمع بارد أو صاحب نكد وقال البحتريّ: [الطويل] سقى الغيث أكناف الحمى من محلّة ... إلى الحقف من رمل اللّوى المتفاود (١) ولا زال مخضرّ من اللون يانع ... عليه بمحمرّ من النّور حاشد يذكرنا رؤيا الأحبة كلّما ... تنفس في جنح من الليل بارد شقائق يحملن الندى فكأنّه ... دموع التصابي في خدود الخرائد ومن لؤلؤ كالأقحوان منظم ... على نكت مصفرّة كالفرائد وقال أيضا: [الخفيف] وكأنّ الحوادث والأقحوان ال ... غضّ نظمان: لؤلؤ وفريد (٢) قطرات من السحاب وروض ... نثرت وردها عليه الخدود وقال أيضا: [الطويل] وقد نبّه النّوروز في غسق الدجى ... أوائل ورد كنّ بالأمس نوّما (٣) ومن شجر ردّ الربيع لباسه ... عليه كما نشّرت بردا متنممنا وقال الحسن بن وهب: [الكامل] طلعت أوائل للرّبيع فبشّرت ... نور الرياض بجدّة وشباب وغدا السحاب يكاد يسحب في الثّرى ... أذيال أسحم حالك الجلباب

стр. 709

يبكي فيضحك نورهنّ، فيا له ... ضحك تحسّر عن بكاء سحاب وترى السماء إذا أجدّ ركابها ... فكأنما التحفت جناح غراب وترى الغصون إذا الرياح تأرّجت ... ملتفّة كتعانق الأحباب ولأبي زرعة الدمشقي: [الطويل] وقد أخذت زهر الرّياض حليّها ... وألبست الأرض الفضاء الزخارف لجين وعقيان يروق وجوهر ... تؤلّفه أيدي الربيع اللطائف تهادي التلاع الغور مسكا وعنبرا ... تؤديه أنفاس الرياح العواصف كأنّ أباريق المدامة بينها ... من المنظر الأعلى ظباء رواعف ولبكر بن حماد: [المتقارب] فسقيا لأيّامنا الذاهبات ... لقد فارقتنا بصفو الهوى وهذا الربيع وريعانه ... يجدّد عهدا لها قد مضى يذكّرني الورد حمر الخدود ... ولعس الشّفاه إذا ما بدا وسوسنه صحن خد الفتا ... ة إذا برزت لمحبّ أتى ونشر الرّياح رياح الحبيب ... تباعد موعده أو دنا يجود بها الطّلّ وشي النّبات ... وينظمه بلآلي النّدى ولمحمد بن يزيد: [البسيط] وروضة صنف النوّار جوهرها ... فيها كما شئت من حسن ومن طيب كأنّ ما تجتنيه من زخارفها ... أخلاف مستحسن الأخلاق محبوب ما انفك للعين فيها أعين ذرف ... تبكي بدمع من الأنواء مسحوب حتى كأن أفانين النّبات بها ... على الميادين ألوان اليعاسيب كأنّ غدرانها بالروض محدقة ... تحبير ثوب من الموشيّ مخضوب وقال كشاجم: [الوافر] إلى الرّوض الذي قد زينته ... شآبيب السّحائب بالبكاء بكين عليه فابتهجت رباه ... تباهى في زخارف نسج ماء كأن الأقحوان بجانبيه ... عذارى يبتسمن من الحياء وقال ابن الزّقاق: [البسيط] وحدائق خضر المعاطف ألبست ... من حسن بهجتها ثياب زبرجد (١)

стр. 710

جرّت عليه الشمس فضل ردائها ... فيرى زبرجدهنّ تحت العسجد وقال أيضا: [المنسرح] وروضة عاطر بنفسجها ... عطّرها وشيها وسندسها (١) لما غذتها السّحاب درّتها ... من فوق حوذانها ونرجسها خاف عليه الغمام حادثة ... فسلّ سيف البرق يحرسها وقال أيضا: [الخفيف] نثر الورد في الغدير وقد دوّ ... حه بالهبوب نشر الرّياح (٢) مثل درع الكمى مزّقها الطّع ... ن فسالت دماه بجراح وقال أيضا: [الكامل] وقزازة زرقاء راق صفاؤها ... قد ضم زهر الجلنار رداؤها (٣) فاعجب لراح كأسها من فضّة ... ما إن تسيل وقد يسيل إناؤها ومن ملح الأدباء وما تصرفوا به في الأنوار ما كتب به أبو دلف إلى ابن طاهر يعاتبه: [الطويل] إخاؤكم كالورد ليس بدائم ... ولا خير فيمن لا يدوم له عهد وعهدي لكم كالآس حسنا وبهجة ... له ورق خضر إذا فنى الورد فأجابه ابن طاهر: [الطويل] وشبّهت ودّي الورد فيما تذمّه ... وهل زهرة إلّا وسيدها الورد إخاؤكم كالآس مرّ مذاقه ... وليس له في الريح قبل ولا بعد ولم يأت أحد بأخبث من تشبيه ابن الرومي في ذمّ الورد: كأنه سرم بغل حين أبرزه ... بعد الخراء وباقي الرّوث في وسطه وقال أبو الشيص: [البسيط] يا من تجلّى بريحان ينادمه ... من بين ورد وخيريّ ونسرين وياسمين وعود ما يغيره ... ما كان أحسن ذا لو لم يكن دوني وقال أبو المعلى الطائي: [الطويل] كأن عيون النور زيّنّ بالندى ... عيون تراسلن الدموع على عذلي

стр. 711

وقال أيضا: [الطويل] ترى للنّدى فيه مجالا كأنّما ... نثرن عليه لؤلؤا فتبدّدا قوله: حديقة، أي بستان. زخرفها، أي زينتها. تنوّعت أزاهيرها: اختلفت أنواع أزهارها. وهذه الحديقة التي ذكر من حسنها، مثل البستان الذي دخله عروة بن الزبير مع عبد الملك بن مروان- وكان عروة معرضا عن الدنيا- فحين رأى في البستان الوصف الذي ذكر الحريري قال: ما أحسن هذا البستان! فقال له عبد الملك: أنت والله أحسن منه، لأنه يؤتى أكله كلّ عام وأنت تؤتي أكلك كلّ يوم، وكان عبد الملك يجب عروة ويعظّمه، على ما بين الزبيريّة والمروانية من التباغض. وقال لابن شهاب حين وفد عليه: عند من طلبت؟ قال: عند سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وقبيصة بن ذؤيب، فقال عبد الملك: فأين أنت من عروة بن الزبير! فإنه بحر لا تكدّره الدلاء. قال ابن شهاب: فلم أبارح عروة بعد حتى مات. قال ابن وكيع في وصف ما ذكره الحريري: [الطويل] ألست ترى وشي الربيع تنمنما ... وما صنع الرّبعيّ فيه ونظّما وقد حكت الأرض السماء بنورها ... فلم أر في التشبيه أيّهما سما فخضرتها كالجوّ في حسن لونه ... وأنوارها تحكي لعينيك أنجما فمن نرجس لما رأى حسن نفسه ... تداخله عجب به فتبسّما وأبدي على الورد الجنّي تطاولا ... وأظهر غيظ الورد في خده دما وزهر شقيق نازع الورد فضله ... فزاد عليه الورد فضلا وقدّما فظل لفرط الحزن يلطم خدّه ... فأظهر فيه اللّطم جمرا مضرّما ومن سوسن لما رأى الصّبغ دونه ... على كل أنواع الرياض تقسّما تجلبب من زرق اليواقيت حلّة ... فأغرب في الملبوس فيها وأحكما وأنوار منثور يخالف شكلها ... فصار بها شكل الربيع منمنما جواهر لو قد طال فيها حياتها ... رأيت بها كلّ الملوك مختما وقالوا أبو بكر البلويّ: [البسيط] وروضة بات ظلّ الغيث ينسجها ... حتّى إذا التحمت أضحى يدبّجها يبكي عليها بكاء الصبّ فارقه ... إلف فيضحكها طورا ويبهجها إذا تنفّس فيها ريح سوسنها ... وفاح مثل خزاماها بنفسجها أقول فيها لساقينا وفي يده ... كأس كشعلة نار إذ يوهّجها

стр. 712

لا تمزجنها بغير الريق منك فإن ... تبخل بذاك فدمعي سوف يمزجها أقلّ ما بي من عينيك أنّ يدي ... إذا دنت نحو قلبي كاد ينضجها وقال الوزير المهلّبيّ: [الكامل] الورد بين مضمّخ ومضرّج ... والزّهر بين مكلّل ومتوّج طلع النهار فلاح نور شقائق ... وبدت سطور الورد بين بنفسج والثلج يهبط كالنّثار فقم بنا ... نصبحك بابنة كرمة لم تمزج فكأنّ يومك في غلالة فضة ... والنبت من ذهب على فيروزج وقال السري: [الكامل] وحديقة ينسيك وشي برودها ... حتى تشبّهها سبائب عبقري يجري النّسيم خلالها فكأنما ... غمست فضول ردائها في العنبر طارت قلوب المحل تخفق بينها ... بخفوق رايات السحاب الممطر طارت عقيقة برقه فكأنما ... صدعت ممسك غيمه بمعصفر وقال السّلامي: [الكامل] نسب الرّياض إلى الغمام شريف ... ومحلّها عند النسيم لطيف أوما ترى طرق البروق توسّطت ... أفقا كأنّ المزن فيه شنوف واليوم من خجل الشقيق مضرّج ... خجل ومن مرض النسيم ضعيف والأرض طرس والرياض سطوره ... والزهر شكل بينها وحروف فأدر سقيت الرّيّ جامك إنه ... يوم على كبد الزمان خفيف قوله: الكميت، يعني الخمر. الشّموس: التي فيها حدّة. والشّموس: السقاة الذين وجوههم كالشمس، وللسّلامي في ذلك: [البسيط] وظبية من بنات الأنس في يدها ... ووجهها للصّبا والحسن خاتام قد حللت لؤلؤ الأزرار عن درر ... لهن في ثغرها الفضيّ أتوام وزارت الأرض منها مقلتان لها ... وحشيّتان وعذب الريق بسّام والكأس للسكر التبريّ صائغة ... والماء للحبب الدرّيّ نظّام بتنا نكفكف بالكاسات أدمعنا ... كأننا في حجور الرّوض أيتام وهذه أشعار غريبة عجيبة، ولابن سكرة في ذلك: [البسيط] اشرب ففي اليوم فضل لو علمت به ... بادرت باللهو واستعجلت بالطّرب ورد الخدود وورد الروض قد جمعا ... والغيم مبتسم والشمس في الحجب

стр. 713

لا تحبس الكأس واشربها مشعشعة ... حتى تموت بها موتا بلا سبب وقال سيف الدولة وذكر قوس قزح: [الطويل] وساق صبيح للصّبوح دعوته ... فقام وفي أجفانه سنة الغمض يطوف بكاسات العقار كأنجم ... فمن بين منقض عليها ومنفضّ وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفا ... على الجوّ دكنا والحواشي على الأرض يطرّزها قوس السماء بأصفر ... على أخضر في أحمر تحت مبيضّ كأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصبّغة والبعض أقصر من بعض وهذه من التشبيهات الملوكية التي لا يحضر السوقة مثلها. وقال ابن الزقاق: [المنسرح] وشادن طاف بالكئوس ضحى ... فحثّها قد وضحا (١) والرّوض يبدي لنا شقائقه ... وآسه العنبريّ قد نفحا قلنا وأين الأقاح؟ قال لنا ... أودعته ثغر من سقى القدحا فظلّ ساقي العقار يحجزه ... عنّا فلمّا تبسّم افتضحا وقال أيضا: [البسيط] نبّهته ونجوم الليل زاهرة ... والفجر منصدع والصّبح قد لاحا (٢) والليل منهزم ولّت عساكره ... والرّوض مبتسم والزهد قد فاحا فقام يمسح عينيه براحته ... فخلته في ظلام الليل مصباحا قوله الشادي: المغني. يلهيه: يشغله ويزيل همه. يقري: يعطي ويهدي. سمع: أذن. ولبعضهم في غلام مغن- وأجاد: [الوافر] فديتك يا أتمّ الناس ظرفا ... وأصلحهم لمتّخذ حبيبا فوجهك نزهة الأبصار حسنا ... وصوتك أمتع الأصوات طيبا وسائلة تسائل عنك قلنا ... لها في وصفك العجب العجيبا رنا ظبيا وغنّى عندليبا ... ولاح شقائقا، ومشى قضيبا وقال ابن الزقّاق: [الطويل] يذكّرني تحنان شدو غنائه ... على الأيك تحنان الحمام المغرّد (٣) له نغمات أفحمت كلّ صادح ... وصوت نشيد قد شجا كلّ منشد

стр. 714

فدع كل ما حدّثت عن صوت معبد ... وطارح نشيدا عن نشيد ابن معبد قوله: اطمأن، أي استقر وسكن. وغل: دخل، والواغل الداخل على الشّراب ولم يدع إليه. ذمر: شجاع، والذمر أيضا: الخبيث ذو الدهاء، وهو مخففمن ذمر، وهو الشجاع، والجمع أذمار، ومنه فلان حامي الذمار، معناه: يحمي ما يلزمه أن يحميه، وسمي ذمارا لأنّ الإنسان يذمر نفسه، أي يحرضها به، وذمرت الرجل أذمره، إذا حرّضته. طمر: خلق. تجهّمناه: عبسنا له، والجهامة: العبوس، ويقال: تجهّمني فلان بكذا، يتجهّمني بمعناه. [مما قيل في الشيب والشباب] الغيد: النساء الحسان اللينات الأعناق. الشّيب: الشيوخ، الواحد أشيب. شيب: كدّر ونغص، وأوّل من نطق بهذا المعنى امرؤ القيس بقوله: [الطويل] أراهنّ لا يحببن من قلّ ماله ... ولا من رأين الشّيب فيه وقوّسا (١) وعلقمة في قوله: [الطويل] إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له من ودّهنّ نصيب (٢) وقال حبيب في هذا المعنى فأحسن: [الخفيف] لعب الشيب في المفارق بل ج ... دّ فأبكى تماضرا ولعوبا (٣) يا نسيب الثّغام ذنبك أبقى ... حسناتي عند الحسان ذنوبا ولئن عبن ما رأين لقد أن ... كرن مستنكرا وعبن معيبا لو رأى الله أن للشيب فضلا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا وقال علي بن الجهم: [الخفيف] أنكرت ما رأت برأسي وقالت ... أمشيب أم لؤلؤ منظوم قلت أولاهما برأسي فأنّت ... أنّة يستثيرها المهموم حسرت عنّي القناع ظلوم ... فتولّت ودمعها مسجوم وقال عمرو الوراق: [مجزوء الكامل] لا تطلبن أثرا بعين ... فالشيب إحدى الميتتين

стр. 715

أبدى مقابح كل شي ... ن ومحا محاسن كلّ زين فإذا رأيت الغانيا ... ت رأين منك غراب بين ولربما نافسن في ... ك وكنّ طوعا لليدين أيام همّتك الشبا ... ب وأنت سهل العارضين الفنجديهي: من أحسن ما سمعت في هذا المعنى قول ابن البياضي، رحمه الله تعالى: [الكامل] عرض المشيب بعارضيّ فأعرضوا ... وتقوّضت خيم الشباب فقوّضوا فكأنّ في الليل البهيم توسّطوا ... حفرا وفي الصبح المنير تقبّضوا ولقد رأيت وما رأيت بمثله ... بينا غراب البين فيه أبيض وقال حبيب وزاد في الشيب نقاء الخد: [الكامل] راحت غواني الحيّ عنك غوانيا ... يلبسن نأيا تارة وصدودا (١) من كلّ سابغة الشباب إذا بدت ... تركت عميد القريتين عميدا أزرين بالمرد الغطارف بدّنا ... غيدا ألفتهم لدانا جيدا أحلى الرجال من النساء مواقعا ... من كان أشبههم بهنّ خدودا حتى إذا ما الشعر سوّد وجهه ... عاد المسوّد بينهنّ مسودا هذا من قول الأعشى: [الكامل] وأرى الغواني لا يواصلن امرأ ... فقد الشباب وقد يصلن الأمردا (٢) ولحبيب- وروي لأبي دلف: [الكامل] نظرت إليّ بعين من لم يعدل ... لمّا تمكّن طرفها من مقتلي لما رأت وضح المشيب بلحيتي ... صدّت صدود مفارق متحمّل فجعلت أطلب وصلها بتلطّف ... والشّيب يغمزها بألّا تفعل وقال محمد بن أمية: [الطويل] رأين الغواني الشّيب لاح بعارضي ... فأعرضن عنّي بالخدود النّواضر وكنّ إذا أبصرنني أو سمعنني ... دنون فرفّعن الكوى بالمحاجر

стр. 716

وللشريف الرضيّ ﵀: [الكامل] قالوا المشيب فعم صباحا بالنّهي ... واعقر مراحك للطّروق الزائر (١) لو دام لي ودّ الكواعب لم أبل ... بطلوع شيب وابيضاض غدائر لكنّ شيب الرأس إن يك طالعا ... عندي فوصل البيض أوّل عابر إن أعرضت عنه الخدود فطالما ... عطفت له بسوالف ومحاجر ولقد يكون وما له من عاذل ... واليوم عاد وما له من عاذر كان السّواد سواد عين حبيبه ... فغدا البياض بياض عين الناظر لو لم يكن في الشيب إلّا أنه ... عذر الملول وحجة للهاجر وقال أيضا: [الوافر] لجام الشيب ثنى لي جيادي ... ورباني لعذّالي وراضا (٢) لو عنّي الخدود من الغواني ... وغمّض عنّي الحدق المراضا وصار بياضه عندي سوادا ... وكان سواده عندي بياضا ودخل أبو دلف على المأمون، وقد ترك الخضاب، فغمز جارية عنده أن تعبث به، فقالت: شبت يا أبا دلف، إنا لله وإنا إليه راجعون! فسكت عنها، فقال له المأمون: أجبها، فأطرق برأسه ثم رفعه، فقال: [البسيط] تهزّأت إذ رأت شيبي فقلت لها ... لا تهزئي من يطل عمر به يشب شيب الرجال لهم زين ومكرمة ... وشيبكنّ لكنّ الويل فاكتئبي فينا لكنّ- وإن شيب بدا- أرب ... وليس فيكنّ بعد الشيب من أرب *** إلّا أنّه سلّم تسليم أولي الفهم، وجلس يفضّ لطائف النّثر والنّظم، ونحن ننزوي من انبساطه، وننبري لطيّ بساطه، إلى أن غنّى شادينا المغرب، ومغرّدنا المطرب: [الوافر] إلام سعاد لا تصلين حبلي ... ولا تأوين لي ممّا ألاقي صبرت عليك حتّى عيل صبري ... وكادت تبلغ الرّوح التّراقي وها أنا قد عزمت على انتصاف ... أساقي فيه خلّي ما يساقي

стр. 717

فإن وصلا ألذّ به فوصل ... وإن صرما فصرم كالطّلاق قال: فاستفهمنا العابث بالمثاني، لم نصب الوصل الأوّل ورفع الثاني؟ فأقسم بتربة أبويه، لقد نطق بما اختاره سيبويه. قوله: «يفضّ» يكسر. لطائم: أوعية الطيب، وجعلها للكلام مجازا. ننزوي ننقبض. وننبري: نبادر. لطيّ بساطه: لقطع كلامه. المغرب: الحسن الغناء الآتي بالغريب فيه. والشادي والمغرّد واحد وهو المغني. المطرب: الآتي بالطّرب وهو الاهتزاز بالسرور، وقد يكون من شدة الحزن، وقال ابن رشيق في مغنّ: [الخفيف] غنني يا مجوّد الخلق عندي: ... «حيّ بحدا ومن بأكناف نجد» واسقني ما يصير ذو البخل منها ... حاتما والجبان عمرو بن معدي في زمان الشباب عاجلني الشي ... ب فهذا أوائل الدنّ دردي وقال البجلي في مغنية: [الوافر] ولاعبة الوشاح بغصن بان ... لها أثر بتقطيع القلوب إذا استولت طريق العود نقرا ... وغنّت في محبّ أو حبيب فيمناها يفدّيها فؤادي ... ويسراها تفدّيها ذنوبي قوله: تأوين، أي تشفقين. عيل: غلب، وأنث الروح لأنه ذهب به إلى النفس، قال ابن ظفر: الرّوح الذي يكون به الحياة، وإذا فارق الجسد كان الموت، والنفس التي بها العقل وهي المقبوضة عند النوم، ولا معنى للإكثار في هذا لأن الشارع ليس له فيه قول يعوّل عليه، ولا للحواس على إدراكه حول فنهتدي إليه. التراقي: العظمان المعوجّان أعلى الصدر: خلّي: صاحبي. صرم: قطيعة، ويستقبح عندهم مجازاة الحبيب على إساءته، كبيت امرئ القيس: [الطويل] * فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل (١) * وقول طرفة: [الرمل] وإذا تلسنني ألسنها ... إنّني لست بموهون فقر (٢)

стр. 718

وقول الأعرابيّ: [الكامل] إن كان أهلك يمنعونك رغبة ... عنّي فأهلي بي أضنّ وأرغب والمستحبّ عندهم قول ابن ربيعة: [الوافر] ألا يا من أحبّ بكلّ نفسي ... ومن هو من جميع الناس حسبي ومن يظلم فأغفره جميعا ... ومن هو لا يهمّ بغفر ذنبي وقال أبو نواس: [الوافر] جنان تسبّني- ذكرت بخير- ... وتزعم أنني رجل خبيث (١) وأن مودتي كذب ومين ... وأني للذي يطوى بثوث وما صدقت ولا ردّ عليها ... ولكنّ الملول هو النّكوث ولي قلب ينازعني إليها ... وشوق بين أضلاعي حثيث رأت كلفي بها ودوام عهدي ... فملّتني كذا كان الحديث وقال ابن شهيد: [البسيط] كلفت بالحب حتى لو دنا أجلي ... لما وجدت لطعم الموت من ألم وعاقني كرمي عمّن ولهت به ... ويلي من الحبّ أو ويلي من الكرم وأطرب من شعر المقامة لغناء، ما حكي أن القاضي أبا عبد الله محمد بن عيسى من بني يحيى، خرج إلى حضور جنازة، وكان رجل من إخوانه ينزل بقرب مقبرة قريش، فعزم عليه بالميل إليه، فنزل وأحضر له طعاما، وغنّت جاريته: [الكامل] طابت بطيب لثاتك الأقداح ... وزها بحمرة وجهك التّفّاح وإذا الربيع تنسّمت أرواحه ... نمّت بعرف نسيمك الأرواح وإذا الحنادس ألبست ظلماءها ... فضياء وجهك في الدّجى مصباح فكتبها القاضي طربا بها على ظهر يده، ثم خرج. قال الراوي: فلقد رأيته يكبّر على جنازة والأبيات على ظهر يده. وقال إبراهيم بن المهدي: دخلت يوما على الرشيد وفي رأسه فضلة خمار، وبين يديه المغنون، فقال: يا إبراهيم، بحقّي عليك غنّني، فأخذت العود فغنيته من أشعار جرير: [الكامل]

стр. 719

أسرى لخالدة الخيال ولا أرى ... شيئا ألذّ من الخيال الطارق (١) إن البليّة من تملّ حديثه ... فاتبع حديثك من حديث الوامق أهواك فوق هوى النّفس ولم يزل ... مذ بنت قلبي كالجناح الخافق شوقا إليك ولم تجار مودتي ... ليس المكذّب كالحبيب الصادق وقال ابراهيم الموصلي لابن جامع: لو هذا طلب الغناء كما نطلبه، ما أكلنا معه الخبز، فقال ابن جامع: صدقت. ومما ينتظم في هذا النمط ويغنّى به قول الآخر: [البسيط] قال الوشاة لهند عن تصارمنا ... ولست أنسى هوى هند وتنساني قد قلت حين بدا لي بخل سيدتي ... وقد تتبع في بثي وأحزاني هل تعلمين وراء الحب منزلة ... تدني إليك فإنّ الحب أقصاني والحريري لم يتعرض بشعره في هذا، لأنه بنى البيت في المسألة، لكن فيما ذكرناه زيادة بيان، وأنه يجب أن يختار المغني، ما يتلقّى للغناء من كل جهاته بالاستحسان. قوله: العابث بالمثاني، أي اللاعب بأوتار عود الغناء. ومما يستحسن في وصف العود قول ابن القاضي: [البسيط] جاءت بعود تناغيه ويسعدها ... فانظر بدائع ما خصّت به الشجر غنّت على عودها الأطيار مفصحة ... غضا فلمّا ذوى غنّى به البشر فلا يزل عليه أو به طرب ... يهيجه الأعجمان: الطير والوتر وقال ابن شرف: [الطويل] سقى الله أرضا أنبتت عودك الذي ... زكت منه أغصان وطابت مغارس تغنّى عليه الطير والعود أخضر ... وغنى عليه الغيد والعود يابس ومما قيل في ذم مغنّ: [الكامل] لو أبصرت عيناك بشرا جالسا ... والعود في يده يبثّ وساوسا لرأيت منه فتى تحبّ بأن ترى ... في الرأس منه مشاورا وطنافسا فإذا تربّع- لا تربع بعدها- ... وبدا يحرّك عوده متنافسا فكأنّ جرذان المدينة كلها ... في عوده يقرضن خبزا يابسا

стр. 720

المثاني: أوتار بالعود، معروفة على سائر أوتاره. بتربة أبويه، يريد عظامهما التي تصير ترابا في القبر، ولذلك أقسم بالقبر. [سيبويه] وأما سيبويه ففارسيّ، مولى لبني الحارث بن كعب، واسمه عمرو بن عثمان بن قنبر، وتفسير سيبويه بالفارسية ريح التفاح، وهو لقب له لأنه كان من أطيب الناس رائحة، وأجلّهم وجها، وقد أشرنا إلى ذلك في العاشرة. وقيل: معنى «سي» ثلاثون و «بويه» رائحة التفاح، فكأنّ معناه: الذي ضعف طيب رائحته ثلاثين مرة. وقيل: إن أمه كانت ترقّصه بذلك وهو صغير فلزمته. وولد بالبيضاء، وهي قرية بشيراز من عمل فارس ونشأ بها، وقدم البصرة في أوّل أيامه ليكتب الحديث، فلزم حلقة حماد بن سلمة فاستملى عليه يوما قول النبيّ ﷺ : «ليس من أصحابي إلا من لو شئت لأخذت عنه ليس أبا الدرداء» فقال سيبويه: ليس أبو الدرداء، بالرفع، وظنه اسم ليس، فقال حمّاد: لحنت يا سيبويه، ليس هذا حيث ذهبت، إنما ليس هنا استثناء، فقال سيبويه: سأطلب علما ليس يلحّنني فيه أحد، فلزم الخليل، فبلغ في علم النحو الغاية، وضرب به في ذلك المثل وهو أوّل من بسط طريقته، وشرّع شريعته، وكتابه الإمام في النحو، الذي لم يصنع قبله ولا بعده مثله، وغاية لأئمة فهمه. وأخذه الأخفش عنه. وقيل ليونس: ألّف سيبويه كتابا نحوا من ألف ورقة في علم الخليل، فقال: متى سمع سيبويه هذا كله! فأتي بكتابه، فنظر فيه فقال: يجب أن يكون صدق عن الخليل، كما صدق فيما حكاه عنّي. وناظر الأصمعيّ سيبويه، فغلبه الأصمعيّ بلسانه فقال يونس: الحقّ مع سيبويه. وكانت في لسانه حبسة، وقلمه أبلغ من لسانه. قال أبو زيد: كان سيبويه يختلف إليّ وهو غلام له ذؤابتان، وإذا قال في كتابه: حدّثني من أثق به، فإنما يعنيني. قال الأخفش: كان سيبويه إذا وضع شيئا من كتابه عرض عليّ وهو يرى أنّي أعلم منه، وكان أعلم منّي. والأخفش هذا هو سعيد بن مسعدة مولى بني مجاشع، يكنى أبا الحسن، وهو الذي أخذ الكتاب عن سيبويه، وهو أكبر من سيبويه، وصحب الخليل. وأما الأخفش الكبير شيخ سيبويه فهو عبد الحميد بن عبد المجيد، يكنى أبا الخطاب وهو الأخفش الكبير، ويونس هو ابن حبيب، يكنى أبا عبد الرحمن مولى بني ضبّة، أخذ النحو عن حماد بن سلمة وعن أبي عمرو بن العلاء، وقيل: إنه جاوز المائة في سنّه ولما فاق سيبويه في علم النحو أهل عصره، وبرّز فيه على نظرائه من أهل دهره، سمع أن الكوفيين ظهروا ببغداد

стр. 721

عند الرشيد بعلم النحو، وهم الكسائي وأصحابه، فقصدهم ببغداد، وناظرهم بحضرة الرشيد وبحضرة يحيى بن برمك. وناظره الكسائيّ، وقيل الفراء بحضرة الكسائي في المسألة الزنبورية المشهورة، وقد ذكرناها في الرابعة والثلاثين، وكان- فيما ذكر- الظهور لسيبويه، وتراضوا بينهم بشهادة الأعراب الحاضرين بباب الخليفة، فقدم الكوفيون بجانبهم عند الخليفة للأعراب من لغتهم أن يجيبوا بموافقة قول الكوفيين، فأجابوا بذلك، فخرج سيبويه خجلا وكاد يموت غمّا، فزعموا أنهم شفعوا للرشيد لئلا يرجع مغلوبا خائبا فأمر له بعشرة آلاف درهم، فانبعث إلى الأهواز ولم يعرّج على البصرة. فأقام هناك مدة مديدة إلى أن مات. وحكي أنه لما انصرف عنهم مغموما لقي الأخفش سعيد بن مسعدة، فأخبره بتألبهم عليه، فدخل الأخفش، فسأل الكسائيّ عن مائة مسألة فخطّأه فيها كلّها، فقال له: أنت سعيد بن مسعدة؟ فقال: نعم، فسأله أن يؤدب أولاده فأجابه. وقرأ عليه الكسائي كتاب سيبويه، وأعطاه سبعين دينارا. ويروى أنه لما بلغ الكسائيّ موته، قال للرشيد: يا أمير المؤمنين، أدّ عني ديته، فإني أخاف أن أكون شاركت في موته. وقيل: إنه مات من ذرب المعدة. وقيل: إنه لما خرج عنهم سأل من يرغب من الملوك في النحو، فقيل له: طلحة ابن طاهر بخراسان، فقصده، فلما انتهى إلى ساوة مرض ومات. ولما احتضر وضع رأسه في حجر أخيه، فقطرت دمعة من دموعه على خدّه، فرفع عينيه إليه، وقال: [الطويل] أخيّين كنا فرّق الدهر بيننا ... إلى الأمد الأقصى، ومن يأمن الدّهرا! ثم قال عند موته: [المتقارب] نؤمّل دنيا لنبقى بها ... وتأتي المنية دون الأمل حثيثا يروّي أصول الفسيل ... فعاش الفسيل ومات الرّجل وفيه أنه مات بشيراز وقبر بها سنة ثمانين. وقيل سنة أربع وتسعين ومائة قال أبو سعيد الصولي: رأيت على قبره مكتوبا لسليمان بن يزيد: [الكامل] ذهب الأحبة بعد طول تزوار ... ونأى المزار فأسلموك وأسرعوا تركوك أوحش ما تكون بقفرة ... لم يؤنسوك وكربة لم يدفعوا قضي القضاء وصرت صاحب حفرة ... عنك الأحبّة أعرضوا وتصدّعوا ***

стр. 722

فتشعبت حينئذ آراء الجمع، في تجويز النّصب والرّفع، فقالت فرقة: رفعهما هو الصّواب، وقالت طائفة: لا يجوز فيهما إلا الانتصاب، واستبهم على آخرين الجواب، واستعر بينهم الاصطخاب، وذلك الواغل يبدي ابتسام ذي معرفة، وإن لم يفه ببنت شفة، حتّى إذا سكنت الزّماجر، وصمت المزجور والزّاجر. قال: يا قوم، أنا أنبّئكم بتأويله، وأميّز صحيح القول من عليله؛ إنه ليجوز رفع الوصلين ونصبهما، والمغايرة في الإعراب بينهما، وذلك بحسب اختلاف الإضمار، وتقدير المحذوف في هذا المضمار. قال: ففرط من الجماعة إفراط في مماراته، وانخراط إلى مباراته. *** قوله: تشعبت، تفرقت، وشعبت الشيء: فرّقته وجمعته، وهو من الأضداد. ورجل شعاب: يضم ويجمع. آراء: جمع رأي. واستبهم: استغلق. استعر: اتّقد. الاصطخاب: اختلاط الأصوات، وقد صخب صخبا. بنت شفة: كلمة. [مما ورد في اختلاف النحويين] ومثل اختلاف هذه الجماعة على المعاني في رفع «وصل» وخفضه، اختلاف أصحاب الواثق على جارية غنّت بحضرته: [الكامل] أظلوم إنّ مصابكم رجلا ... أهدى السّلام تحية ظلم وذكر الحريري في الدرّة: أن أبا العباس المبرد ذكر أن أبا عثمان المازني قصده بعض أهل الذمة ليقرأ عليه كتاب سيبويه، وبذل له مائة دينار، فامتنع أبو عثمان من قبول بذله، فقلت له: جعلت فداك! أتترك هذه النفقة، مع فاقتك وشدّة إضاقتك؟ فقال: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلاثمائة كذا وكذا آية من كتاب الله تعالى، ولست أرى أن أمكّن منه ذميّا، غيرة على كتاب الله وحميّة له. قال: فاتفق أن غنّت جارية بحضرة الواثق بقول العرجي: أظلوم ... البيت، فاختلف من بالحضرة في إعراب «رجل» فمنهم من نصبه بأن على أنه اسمها، ومنهم من رفعه على أنه خبرها، والجارية مصرّة على أن شيخها أبا عثمان لقّنها إياه بالنصب، فأمر الواثق بإحضاره. قال أبو عثمان: فلما مثلت بين يديه قال: ممّن الرجل؟ قلت: من بني مازن، قال: من أيّ الموازن؟ أمازن تميم أم مازن قيس؟ أم مازن أم ربيعة؟ فقلت: من مازن ربيعة، فكلّمني بكلام قومي وقال لي: باسمك؟ يريد ما اسمك- وهم يقلبون الميم باء والباء ميما إذا كان في أول الأسماء- فكرهت أن أجيبه على لغة قومي لئلا أواجهه بالمكر، فقلت: بكر يا أمير المؤمنين، ففطن لما

стр. 723

قصدته وأعجب منه، ثم قال: ما تقول في قول الشاعر: [الكامل] * أظلوم إن مصابكم رجلا (١) * أترفع «رجلا» أم تنصبه؟ فقلت: بل الوجه النصب، قال: ولم ذلك؟ فقلت: «إن مصابكم رجلا» مصدر بمعنى إصابتكم. فأخذ اليزيديّ في معارضتي فقلت: هو بمنزلة قولك: إن ضربكم زيدا ظلم، فالرجل مفعول بمصابكم ومنصوب به، الدليل عليه أن الكلام معلّق إلا أن تقول «ظلم» فيتمّ. فاستحسنه الواثق وقال: هل لك من ولد؟ قلت: نعم، بنيّة يا أمير المؤمنين، قال: ما قالت لك عند مسيرك؟ قلت: أنشدت قول الأعشى: [المتقارب] أيا أبتا لا ترم عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم (٢) أرانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع منا الرحم قال: فما قلت لها؟ قال: قلت قول جرير: [الوافر] ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنّجاح (٣) قال: أنت على النجاح إن شاء الله تعالى. ثم أمر لي بألف دينار وردّني مكرما. قال أبو العباس: فلما عاد إلى البصرة قال: كيف رأيت يا أبا العباس! رددنا لله تعالى مائة فعوّضنا بألف. قال الحريريّ: فهذه الحكاية ترغّب في اقتباس الأدب ودراسته حيث استعطف المازنيّ الواثق ببيت الأعشى حتى اهتزّ لإحسان صلته.

стр. 724

قال: وفي أخبار النحويين أيضا أنّ المازنيّ سئل بحضرة المتوكل عن قوله تعالى: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم: ٢٨] فقيل له: كيف حذفت الهاء من «بغيا» وفعيل بمعنى فاعل، تلحقه الهاء، نحو فتيّ وفتية وغنيّ وغنيّ، فقال: إن «بغيا» ليست «فعيلا» إنما هو فعول بمعنى فاعل، لأن الأصل «بغوى» ومن أصول التصريف أنه متى اجتمعت الياء والواو في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، كشويته شيّا، ويوم وأيام، وهذا أصل مطرد لم يشذّ منه إلا القليل، فعلى هذه القضية تحذف الهاء وجوبا لأنها بمعنى «باغية»، كما تحذف من «صبور» لأنها بمعنى «صابرة». قال المازنيّ: حضر يعقوب عند الواثق وقد حاز منزلة العلماء، فقال لي الواثق: سله عن مسألة، فقلت له: ما وزن «نكتل»؟ فقال: «نفعل»، فقلت له: غلطت، ثم قال لي: فسّره. فقلت: أصله «نكتيل»، فقلبت الياء ألفا للفتحة قبلها وسكنت اللام للجزم، لأنه جواب أمر، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فقال الواثق: هذا الجواب لا جوابك يا يعقوب، فلما خرجنا قال لي يعقوب: ما حملك على هذا وبيني وبينك المودة؟ فقلت: والله ما ظننت أنه يعزب عنك مثل هذا! فانظر كيف لم يثبت يعقوب الأوزان على ثبوت قدمه في العلم. لقي هارون الرشيد الكسائيّ في بعض طرقه فوقف عليه، وتحفّى بسؤاله عن حاله، فقال: أنا بخير يا أمير المؤمنين، ولو لم أجد من ثمرة الأدب إلا ما وهب لله تعالى لي من وقوف أمير المؤمنين عليّ لكان ذلك كافيا محتسبا. ودخل أبو يوسف رحمه الله تعالى وهما في مذاكرة وممازحة، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ هذا الكوفيّ قد غلب عليك، فقال: يا أبا يوسف إنه ليأتيني بأشياء يشتمل عليها قلبي، وتأخذ بمجامعه، فقال الكسائيّ: يا أبا يوسف، هل لك في مسألة؟ فقال: في نحو أو في فقه؟ فقال: بل في فقه، فضحك هارون حتى فحص برجليه، وقال: تلقي على أبي يوسف الفقه؟ فقلت: نعم، ثم قال: يا أبا يوسف، فما تقول في رجل قال لزوجته: أنت طالق إن دخلت الدار؟ قال: إذا دخلت الدار طلقت، قال: أخطأت يا أبا يوسف! فضحك الرشيد ثم قال: فكيف الصواب؟ قال: إذا قال: «أن» وجب الفعل، دخلت بعد أو لم تدخل، وإذا قال «إن» بالكسر لم يجب ولم يقع الطلاق. دخل الفراء على الرشيد فتكلم فلحن مرات، فقال له جعفر: يا أمير المؤمنين، إنه قد لحن، فقال الرشيد للفراء: أتلحن يا يحيى؟ فقال: إنّ طبع أهل البدو الإعراب وطباع أهل الحضر اللحن، فإذا حفظت أو كتبت لم ألحن، وإذا رجعت إلى الطبع لحنت، فاستحسن الرشيد كلامه وعلم أنه الحق. وهذا القدر من المناظرة النحوية كاف. ***

стр. 725

قوله: الزماجر، أي الأصوات من الجوف كصوت الأسد، الواحدة زمجرة. صمت: سكت. المزجور: المنهيّ، والزاجر: الناهي، وزجرته: انتهرته. أنبّئكم بتأويله: أخبركم بتفسيره. المغايرة: المخالفة، وهي من لفظ «غير». المضمار: الموضع يختبر فيه جري الخيل. فرط: تجاوز الحدّ. مماراته: مخاصمته. انخراط: اندفاع وانطلاق، وخرط عبده: أطلقه على أذيّة الناس، والمرأة نكحها، والشجرة نثر ورقها بيده. مباراته: معارضته. *** فقال: أمّا إذ دعوتم نزال، وتلبّبتم للنّضال؛ فما كلمة هي إن شئتم حرف محبوب، أو اسم لما فيه حرف حلوب؟ وأيّ اسم يتردّد بين فرد حازم، وجمع ملازم؟ وأيّة هاء إذا التحقت أماطت الثّقل، وأطلقت المعتقل؟ وأين تدخل السّين فتعزل العامل، من غير أن تجامل؟ وما منصوب أبدا علىالظّرف، لا يخفضه سوى حرف؟ وأيّ مضاف أخلّ من عرى الإضافة بعروة، واختلف حكمه بين مساء وغدوة؟ وما العامل الّذي يتّصل آخره بأوّله، ويعمل معكوسه مثل عمله؟ وأيّ عامل نائبه أرحب منه وكرا، وأعظم مكرا، وأكثر لله تعالى ذكرا؟ وفي أيّ موطن تلبس الذّكران براقع النّسوان، وتبرز ربّات الحجال بعمائم الرجال؟ وأين يجب حفظ المراتب، على المضروب والضارب؟ وما اسم لا يعرف إلّا باستضافة كلمتين، أو الاقتصار منه على حرفين وفي وصفه الأول التزام، وفي الثّاني إلزام؟ وما وصف إذا أردف بالنون، نقص صاحبه في العيون، وقوّم بالدّون، وخرج من الزّبون، وتعرّض للهون؟ فهذه اثنتا عشرة مسألة، وفق عددكم، وزنة لددكم، ولو زدتم زدنا، وإن عدتم عدنا. *** نزال، أي انزلوا للحرب، ولذلك بنيت على الكسر لأنها في معنى فعل الأمر، وهي كلمة تقال في الحرب ولها مقامان: الأول أن ينزلوا من ظهور الإبل إلى ظهور الخيل، والثاني أن ينزلوا من ظهور الخيل إلى الأرض؛ وذلك أشدّ ما يكون للحرب. تلبّبتم: تحزمتم. النضال: المراماة بالسهام. حرف: ناقة. حلوب: لها لبن. حازم: مشمر، أخذ بالثقة. أماطت: أزالت. المعتقل: المحبوس. تجامل، أي تلقى المعزول بجميل. أخلّ: نقص. معكوسه: مقلوبه. نائبه: القائم مقامه. أرحب منه وكرا: أوسع

стр. 726

موضعا. مكرا: تصرفا. الحجال: جمع حجلة، وهي الستر. المراتب: المواضع. استضافة: إضافة أردف: جعل ردفه، أي خلفه. قوّم: قدرت قيمته. الدون: الحقير. الزّبون: الكريم الكثير دفع العطايا، أي أخرج من هذه الصفة. والهون: الهوان. وفق: موافقة. لددكم: خصامكم. عدتم: رجعتم للخصام. ومن ملح ابن رشيق في مليح نحويّ: [السريع] إن زارني يوما على خلوة ... أو زرته في موضع خال كنت له رفعا على الابتدا ... وكان لي نصبا على الحال وقال الميكالي: [البسيط] أفدى الغزال الّذي في النّحو كلمني ... مجادلا فاجتنيت الشهد من شفته وأورد الحجج المقبول شاهده ... مناظرا ليريني فضل معرفته ثم اتفقنا على رأي رضيت به ... والرفع من صفتي والخفض من صفته *** قال المخبر بهذه الحكاية: فورد علينا من أحاجيه التي هالت، لمّا انهالت، ما حارت له الأفكار وحالت. فلمّا أعجز العوم في بحره، واستسلمت تمائمنا لسحره، عدلنا عن استثقال الرّؤية له، إلى استنزال الرّواية عنه، ومن بغي التبرّم به، إلا ابتغاء التعلم منه. فقال: والذي نزّل النحو في الكلام، منزلة الملح في الطّعام، وحجبه عن بصائر الطّغام؛ لا أنلتكم مراما، ولا شفيت لكم غراما، أو تخوّلني كلّ يد، ويختصني كلّ منكم بيد. فلم يبق في الجماعة إلّا من أذعن لحكمه، ونبذ إليه خبأة كمّه. فلمّا حصلت تحت وكائه، أضرم شعلة ذكائه، فكشف حينئذ عن أسرار ألغازه، وبدائع إعجازه، ما جلا به صدأ الأذهان، وجلّى مطلعه بنور البرهان. قال الرّاوي: فهمنا، حين فهمنا، وعجبنا إذ أجبنا، وندمنا على ما ندّ منّا. وأخذنا نعتذر إليه اعتذار الأكياس، ونعرض عليه ارتضاع الكأس. فقال: مأرب لا حفاوة، ومشرب لم يبق له عندي حلاوة، فأطلنا مراودته، ووالينا معاودته. *** أحاجيه: ألغازه: هالت: عظمت في النفوس. انهالت: انصبّت، وانهال الرمل: انصبّ أعلاه إلى أسفله. الأفكار: الأذهان. حالت: تغيرت. استسلمت: انقادت.

стр. 727

تمائمنا: معاذاتنا، وهي الأحراز. عدلنا: ملنا. الروبة: الفكرة. استنزال: طلبه بتلطّف. بغي: ظلم. ابتغاء: طلب. التبرم: الاستثقال، وبرم بالأمر برما: ضجر، والبرم: البخيل الذي لا يدخل في الميسر. والبصيرة: اليقين والمعتقد وجمعها بصائر، والطغام: الأوغاد وأرذال الناس. أنلتكم: أعطيتكم. مراما: مرادا. تخولني: تملّكني وتعطيني. يختصني: يفردني. بيد، أي نعمة. أذعن: انقاد وذلّ. نبذ: رمى. خبأة كمه: ما خبئ فيه. بدائع: غرائب. إعجازه: ما عجز به. جلا: كشف. صدأ: وسخ. جلّى: أوضح. البرهان الحجّة. همنا: تحيرنا لحسن ما سمعنا، وهام الرجل: ذهب في غير طريق. فهمنا، من الفهم، أي عرفنا. ندّ: سبق وخرج، يريد الخصام الذي بدروه به وردّوا كلامه، وندّ أصله شرد البعير. قوله: الأكياس: الحذّاق العقلاء. ارتضاع: شرب. مأرب: حاجة، قال يعقوب: قال الأمويّ: ومن الأمثال: مأرب لا حفاوة، يضرب للرجل إذا كان يتملّقك، أي إنّما بك حاجة إليّ لا حفاوة لي. قال ابن سيده: مأرب بيننا، يكون واحدا وهو السابق، ويكون جمع مأربة، من الجمع الذي يفارق واحده بالهاء. حفاوة: تهمّم، وقد حفيت بك، أي تهمّمت واعتنيت. ومشرب لم يبق له عندي حلاوة، قال الشاعر في معناه: [الطويل] ولم أجتنب شرب المدام لعلّة ... ولم ألحق الصّهباء ذمّا ولا عذلا تنافرني أن صرت ضدّا لشكلها ... فليست لنا أهلا، ولست لها أهلا وقال ابن رشيق: [البسيط] قرعت سنّي على ما فاتني ندما ... من الشّباب ومن باللهو للشّيب فقد رددت كئوس الرّاح مترعة ... على السقاة وكانت جلّ مشروبي أنزّه السمع والعينين في نغم ... ومنظر عابث بالحسن والطّيب من كلّ لافظة بالدرّ باسمة ... عنه محلاة نوع منه مثقوب أيام تصحبني الغزلان آنسة ... هذا على أنني أعدى من الذّئب والسابق لردّ الكأس لعلة الكبر أيمن بن خريم بن فاتك الأسديّ في قوله: [الطويل] وصهباء جرجانية لم يطف بها ... حنيف ولم يسعر بها ساعة قدر (١) ولم يحضر القسّ المهينم نارها ... طروقا، ولم يشهد على طبخها حبر أتاني بها يحيى وقد نمت نومة ... وقد غابت الشّعرى وقد جنح النّسر

стр. 728

فقلت اغتبقها أو لغيري فاسقها ... فما أنا بعد الشّيب ويحك والخمر تعفّفت عنها في السّين التي خلت ... فكيف التّصابي بعد ما كلأ العمر إذا المرء وفّى الأربعين ولم يكن ... له دون ما يأتي حياء ولا ستر فدعه ولا تنفس عليه الّذي ارتأى ... وإن جرّ أسباب الحياة له الدّهر قال الهيثم بن عديّ: كنا نقول بالكوفة: من لم يرو هذه الأبيات فلا مروءة له، أنشدها أبو عليّ في نوادره. وأنشد أيضا: [المتقارب] رأيت النّبيذ يذلّ العزيز ... ويكسو التقيّ النّقيّ اتّساخا (١) فهبني عذرت الفتى جاهلا ... فما العذر فيه إذ المرء شاخا وأنشد أيضا في نوادره لمن حرّم الخمر على نفسه في الجاهلية مروءة جملة أشعار، شهرتها في الكتاب أغنت عن ذكرها، وأين شرف أولئك في جاهليّتهم- على أن الخمر مباحة لهم- من مجون جماعة من الإسلاميّين- على تحريمها عليهم- مثل الرّمادي في قوله: [الطويل] أفي الخمر لامت خلّتي مستهامها ... كفرت بكأسي إن أطعت ملامها لمحمولة في الفلك في جنّة المنى ... قد أوصى لنوح غرسها وضمامها فخادعه إبليس عنها لعلمه ... بها فرأى كتمانها واغتنامها ففاز بثلثيها ونوح بثلثها ... ولولا مضيّ عنه لم يك رامها له حظ أنثى وهو حظ مذكّر ... قليل لعيني أن أطيل انسجامها وإنا لوتران وقد مات جدنا ... عنينا وإنا لا نجيز اقتسامها أخذ هذا من خبر يروى، أنّ نوحا ﵊ لما نزل من السفينة، نازعه إبليس أصل العنب، فاصطلحا أنّ لنوح الثلث ولإبليس الثلثين. ولما قيل للحسن: نزعت عن اللهو إلى التوبة، قال: [البسيط] قالوا نزعت ولمّا يعلموا وطري ... في وصل أغيد ساجي الطّرف ميّاس كيف النزوع وقلبي قد تقسّمه ... لحظ العيون ولون الراح في الكاس إذا نزعت إلى رشد تكنّفني ... رأيان قد شغلا يسري وإفلاسي فاليسر في القصف واللذات أخلسها ... والعمر في وصل من أهوى من النّاس لا خير للعيش إلا في المجون مع ... الأكفاء في الورد والخيريّ والآس ومسمع يتغنّى والكئوس لها ... حثّ علينا بأخماس وأسداس

стр. 729

يا موري النار قد أعيت قوادحه ... أقبس إذا شئت من قلبي بمقياس *** فشمخ بأنفه صلفا، ونأى بجانبه أنفا، وأنشد: [البسيط] نهاني الشّيب عمّا فيه أفراحي ... فكيف أجمع بين الرّاح والرّاح وهل يجوز اصطباحي من معتّقة ... وقد أنار مشيب الرّأس إصباحي آليت لا خامرتني الخمر ما علقت ... روحي بجسمي وألفاظي بإفصاح ولا اكتست لي بكاسات السّلاف يد ... ولا أجلت قداحي بين أقداح ولا صرفت إلى صرف مشعشعة ... همّي ولا رحت مرتاحا إلى راح ولا نظمت على مشمولة أبدا ... شملي ولا اخترت ندمانا سوى الصّاحي محا المشيب مراحي حين خطّ على ... رأسي، فأبغض به من كاتب ماحي ولاح يلحى على جرّي العنان إلى ... ملهى فسحقا له من لائح لاحي ولو لهوت وفودي شائب لخبا ... بين المصابيح من غسّان مصباحي قوم سجاياهم توقير ضيفهم ... والشيب ضيف له التوقير يا صاح ثمّ إنه انساب انسباب الأيم، وأجفل إجفال الغيم. فعلمت أنّه سراج سروج، وبدر الأدب الذي يجتاب البروج. وكان قصارانا التحرّق لبعده، والتفرّق من بعده. *** قوله: «شمخ»، أي تكبر ورفع أنفه. صلفا: قحة وصلابة وجه، وفي فلان صلف، أي قلة انطباع وموافقة إذا أردت منه شيئا تهاون بك، والتصليفان: ناحيتا العنق، كأنه إذا كلّمته في شيء أعرض عنك، ولوى عنك صليفه، والصّلف مجاوزة قدر الظّرف، وفي الشهاب: آفة الظرف الصّلف. ناء: نهض، ويروى: نأى، تباعد. أنفا: غضبا، وأنفت من كذا تنزهت عنه وترفعت، وأصله من رفع الأنف، فكأنه رفع أنفه تيها عليهم وتكبرا عن منادمتهم لاحتقارهم له أولا قبل اختباره، ثم تبدّلهم آخر بعد اعتباره؛ واعتذر لذلك بالشيب. ونذكر هنا فصلا أدبيّا يأتي على جميع أغراض هذه الأبيات: قال بعض الظرفاء يذم الخمر: الشراب: أول الخراب، ومفتاح كلّ باب، يمحق الأموال، ويذهب الجمال، ويهدم المروءة، ويوهن القوّة، ويضعالشريف، ويذل العزيز، ويبيح الحرائر، ويفلس التجار، ويهتك الأستار، ويورث الشّنار. وقال بعضهم لابنه: كثرة الشراب تكسد القلب، وتقلّ الكسب، وتغيّر اللّب، واعلم أن الظمأ الذابح، خير من الريّ الفاضح.

стр. 730

وقال يزيد بن محمد المهلبي يذمه: [الطويل] لعمرك ما يحصى على الناس شرّها ... وإن كان فيها لذة ورخاء مرارا تريك الغيّ رشدا، وتارة ... تخيل أنّ المحسنين أساءوا وأنّ الصديق الماحض الودّ مبغض ... وأنّ مديح المادحين هجاء وجرّبت إخوان النبيذ فقلّما ... يدوم لإخوان النبيذ إخاء وقال ابن الرومي: [الطويل] مودّة إخوان النبيذ سلافة ... يبولونها عند انقضاء المجالس فبينا نراهم أهل ألف وأثرة ... وبينا نراهم بينهم حرب داحس فأما إذا ناديتهم لملمّة ... فناد التّصاوير التي في الكنائس ولهذا كتب الحسن إلى صديق له يستهدي منه مشروبا: [السريع] لمّا رأيت الحظّ للقاعد ... والنّاس من واش ومن حاسد خلوت في بيتي وحدي ولا ... أقلّ في الأعداد من واحد فابعث بها تشغلني واكفني ... رؤية هذا العالم الفاسد وقال أيضا: [السريع] خلوت بالخمر أناجيها ... أشرب منها وأعاطيها نادمتها إذ لم أجد صاحبا ... أرضاه أن يشركني فيها شربتها صرفا على وجهها ... فكنت ساقيها وجانيها قيل لبعضهم: لم لا تتخذ لك نديما؟ قال: لأنه مأخوذ من النّدم. واختلفوا في اختيار استعمال النديم، فمنهم من اختار نديما واحدا، ومنهم من انتهى في الاختيار إلى ستة بالساقي وصاحب البيت، وما زاد على ذلك فمذموم بإجماع منهم. قال: وأنشدوا في ذلك: [الطويل] وخير الندامى ستّة من دوي الحجى ... فخمسة إخوان وآخر يمنع ويحمد في الإخوان من كان محسنا ... بصوت يغنيه ولا يتمنّع *** قوله: نهاني الشيب، جعله الناهي عن اللذات، لأنه الداعي إلى الفناء والنذير بالموت، وما يقول بغير هذا إلا متكلّف عذر، كقول أعرابي- ويروى لإبراهيم بن المهدي: لقد جلّ قدر الشيب أن كان كلما ... بدت شيبة يعري من اللهو مركب

стр. 731

وقال المعذّل: [الخفيف] لاح شيبي فظلت أمرح فيه ... مرح الطّرف في اللجام المحلّى وتولّى الشباب فازددت ركضا ... في ميادين باطل إذ تولّى إنّ من ساءه الزمان بشيب ... لأحق أمره بأن يتسلّى أتراني أسوء نفسي لمّا ... ساءني الدهر، لا لعمري كلّا وقال البحتري يعتذر منه: [الخفيف] عيّرتني بالشيب وهي رمته ... في عذاري بالصدّ والاجتناب (١) لا تريه عارا فما هو بالشّي ... ب ولكنّه جلاء الشباب وبياض البازيّ أصدق حسنا ... إن تأمّلت من سواد الغراب أخذه ابن رشيق فقال: [الوافر] وإن لم تعجبني ببياض شعر ... فلا تستغربي بلق الغراب تعافين المشيب وليس هذا ... ولكن هذه شية الشّباب وقال حبيب يتشكاه: [الخفيف] أصبحت روضة الشباب هشيما ... وغدت ريحه البليل سموما (٢) شعلة في المفارق استودعتني ... في صميم الفؤاد ثكلا صميما غرّة بهمة ألا إنما كن ... ت أغرّا أيام كنت بهيما دقّة في الحياة تدعى جلالا ... مثل ما سمّي اللديغ سليما وقال مسلم بن الوليد: [البسيط] الشيب كره وكره أن يفارقني ... أعجب بشيء على البغضاء مورود يمضي المشيب فلا يأتي له خلف ... والشّيب يذهب مفقودا بمفقود أخذه سليمان بن وهب حين نظر إلى المرآة، فقال: عيب لا عدمناه. وقال أبو الفتح البستيّ: [الكامل] يا شيبتي دومي ولا تترحّلي ... وتيقّني أني بوصلك مولع قد كنت أجزع من حلولك مدّة ... والآن من خوف ارتحالك أجزع وزاد أبو الطيب على هذا فقال: وذكر أنه يتمنّى الشيب في زمن الشباب: [الطويل]

стр. 732

منى كنّ لي أنّ البياض خضاب ... فيخفى بتبييض القرون شباب (١) ليالي عند البيض فوداي فتنة ... وفخر وذاك الفخر عندي عاب فكيف أذمّ اليوم ما كنت أشتهي ... وأدعو بما أشكوه حين أجاب كأنّ أبا الطيب نسي ما قاله في الشيب في الزمن الذي زعم أنه كان يشتهيه ويتمنّاه: [البسيط] أبعد بعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسود في عيني من الظّلم (٢) وقال ربعيّ: [المنسرح] من كان يبكي الشباب من أسف ... فلست أبكي عليه من أسف كيف وشرخ الشباب أوقفني ... يوم حسابي مواقف التّلف لا صحبت شرّة الشباب ولا ... عدمت ما في المشيب من خلف وقال ابن رشيق: [مخلع البسيط] أراك للشيب ذا اكتئاب ... فأين تمضي عن الصواب إن كنت ترعى الوفاء حقّا ... فالشيب أوفى من الشّباب وحقيقة الأمر أنه ما زال الناس يكرهون الشيب ويذمّونه، نثرا ونظما. لما فيه من دليل الفناء، والهجنة عند النساء، وقطع اللذات بالرّقبة والحياء، ويحبون الشباب ويمدحونه، لما فيه من عذرة الجاهل، وإتيان العاجل، وحسن الشمائل؛ إلا أن لطف الحذاق من الشعراء في تحسين ما كانوا يكرهون، وتقبيح ما كانوا يمدحون رياضة للنفوس، وتوسعا في القول، كما قال أحدهم: [الطويل] تفاريق شيب في العذار لوامع ... وما حسن ليل ليس فيه نجوم! وقالوا: في الشيب استحكام الوقار، وتناهي الحلال، وميسم التّجربة، فهذه مقاصدهم فقف عليها. قوله: أفراحي: جمع فرح، الراح: الخمر، والثاني جمع راحة، وهي الكفّ. معتقة: خمر قديمة شديدة الحمرة. أنار: بيّض. إصباحي: احمرار شعري، والصبح: حمرة الشعر، وضعه موضع السّواد، لأنّ كليهما من حلية الشباب، وحمله على هذا ما ضمن الشيب من التحسين فيقول مستفهما: هل يجوز شربي في البكور من خمر صافية في حال تغيير الكبر شبابي، وتبديله حلية الشباب بحلية الشيوخ. خامرتني: خالطتني. إفصاحي: تبييني. السّلاف: الخمر. وأجلت: صرّفت. قداحي: سهام الميسر. أقداح:

стр. 733

جمع قدح، وهو الكأس. صرفت: رددت. صرف: خمر. مشعشعة: رقيقة المزيج. همّتي: إرادتي. رحت: مشيت بالعشيّ. مرتاحا: مهتزّا من الطرب، وارتاح: وجد راحة الطلب أو خفّة الكرم. نظمت: جمعت. مشمولة: خمر، وهي الشّمول، سمّيت بذلك لاشتمالها على عقل صاحبها، وقيل: لأنها تشمل القوم بريحها، أي تعمّهم. وقيل: لها عصفة كعصفة الريح الشمال. شملي: مجموع أمري، والندمان: هو النديم. الصاحي: المفيق من سكره. محا: أزال. مراحي: طربي. خطّ: كتب. أبغض به، أي ما أبغضه إليّ. لاح: ظهر يلحى: يلوم ويغلظ القول. جرّى العنان، أي انهماكي في الملاهي. ملهى: لهو. سحقا: بعدا. لائح: ظاهر في الرأس. لاح: شاتم وعائب، يريد أن شيبه لاح في رأسه فلحاه على اللهو والصّبا. فودي: جانب رأسي. شائب: فيه الشيب. خبا: طفئ وسكن ضوأه. غسان: قبيلة. وأحسن ما سمعت في شيب الفود، وفي وخط المشيب الّذي ذكر، قول عبد الرحيم بن هارون: [الوافر] رأيت الشيب مبتسما بفودي ... ففاضت أدمعي بدم الفؤاد وعمري كلّ يوم في انتقاص ... وذاك النقص لقّب بازدياد ولي خطّ وللأيام خط ... وبينهما مخالفة المداد فأكتبه سوادا في بياض ... وتكتبه بياضا في سواد أنشدها الفنجديهيّ وقال عند إنشادها: ولعبد الحميد أبيات، كأنها روضات جنات. قوله: سجاياهم، أي طبائعهم. يا صاح، أراد يا صاحب فرخّم لكثرة الاستعمال. ولما جعل غسان من عادتهم توقير الضيف، والشيب ضيف وجب عليه توقيره. ومراعاة مثل هذا العموم قد تقدّم له في ذم الزجاج الذي جرت عليه سبيله، وأخذ هذا من قول دعبل: [الوافر] أحبّ الشيب لمّا قيل ضيف ... كحبّي للضّيوف النّازلينا (١) وقال المتنبي في ذم هذا الضيف: [البسيط] ضيف ألمّ برأسي غير محتشم ... والسيف أحسن فعلا منه باللّمم (٢) أبعد بعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسود في عيني من الظّلم وقال محمود الورّاق: [الكامل] للضيف أن يقرى ويعرف حقّه ... والشّيب ضيف فاقره بخضاب وافي بأصدق شاهد ولربّما ... وافي المشيب بشاهد كذّاب

стр. 734

فافسخ شهادته عليك بخضبة ... تنفي الظنون بها عن المرتاب فإذا دنا وقت الرحيل فخلّه ... والشّيب يذهب فيه كلّ ذهاب وقوله: والشيب ضيف له التوقير، قام وكيع لسفيان فنكر قيامه إليه فقال: أتنكر عليّ قيامي إليك، وأنت حدّثتني عن عمرو بن دينار، عن أنس بن مالك ﵃: قال رسول الله ﷺ : «إنّ من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم». قال: فأخذ سفيان بيده، فأقعده إلى جانبه. وعن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: قال النبي ﷺ : «ما أكرم شابّ شيخا لسنّه إلا قيّض الله تعالى له من يكرمه عند كبر سنه». وقال ﷺ : «أوحى إليّ ربي يقول: الشيب على عبدي المؤمن نور من نوري، وأنا أكرم من أن أحرق نوري بناري». وحدث محمد بن مسلم الخوّاص الرجل الصالح. قال: رأيت يحيى بن أكثم القاضي في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه، وقال: يا شيخ السوء، لولا شيبتك لأحرقتك بالنار، فأخذني ما يأخذ العبد بين يدي مولاه، فلما أفقت قالها ثانية وثالثة، فلما أفقت قلت: يا ربّ، ما هكذا حدّثت عنك، فقال تعالى: وما حدّثت عني؟ قلت: حدثني عبد الرزاق، قال: حدثني معمر بن راشد، عن ابن شهاب الزّهري، عن أنس بن مالك، عن نبيّك محمد ﷺ عن جبريل، عنك يا عظيم؛ أنك قلت: ما شاب لي عبد في الإسلام شيبة إلا استحييت منه أن أعذبه بالنار، فقال الله : صدق عبد الرزاق وصدق معمر، وصدق الزّهري وصدق أنس وصدق نبيّي وصدق جبريل، أنا قلت ذلك، انطلقوا به إلى الجنة. *** تفسير ما أودع هذه المقامة من النكت العربية والأحاجي النحوية أما صدر البيت الأخير من الأغنية الذي هو: «فإن وصلا ألذّ به»؛ فإنه نظير قولهم: المرء مجزيّ بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ، وهذه المسألة أودعها سيبويه كتابه وجوّز في إعرابها أربعة أوجه: أحدها- وهو أجودها- أن تنصب: «خيرا» الأول وترفع الثاني. وتنصب: «شرّا» الأول وترفع الثاني، ويكون تقديره: إن كان عمله خيرا فجزاؤه خير، وإن كان عمله شرّا فجزاؤه شرّ، فتنصب الأوّل على أنه خبر كان، وترفع الثاني على أنه خبر مبتدأ محذوف. وقد حذفت في هذا الوجه «كان» واسمها لدلالة حرف الشّرط الذي هو «إن» على تقديرهما. وحذف أيضا المبتدأ لدلالة الفاء التي هي جواب الشرط عليه؛ لأنه كثيرا ما يقع بعدها.

стр. 735

الوجه الثاني: أن تنصبهما جميعا، ويكون تقدير الكلام: إن كان عمله خيرا فهو يجزى خيرا، وإن كان عمله شرّا فهو يجزى شرّا؛ فينتصب الأوّل على أنه خبر «كان» وينتصب الثاني انتصاب المفعول به. والوجه الثالث: أن ترفعهما جميعا، ويكون تقدير الكلام: إن كان في عمله خير فجزاؤه خير، فيرتفع «خير» الأوّل على أنه اسم «كان» ويرتفع «خير» الثاني على ما بيّن في شرح الوجه الأول. وقد يجوز أن يرتفع «خير» الأول على أنه فاعل «كان» وتجعل «كان» المقدّرة هاهنا هي التامّة التي تأتي بمعنى حدث ووقع، فلا تحتاج إلى خبر كقوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة: ٢٨٠]، ويكون التقدير في المسألة: إن كان خير فجزاؤه خير، أي إن حدث خير فجزاؤه خير. والوجه الرابع: وهو أضعفها أن ترفع الأوّل على ما تقدّم شرحه في الوجه الثالث، وتنصب الثاني على ما بيّن ذكره في الوجه الثاني، ويكونالتقدير: إن كان في عمله خير فهو يجزى خيرا، وعلى حسب هذا التقدير والمقدّرات المحذوفات فيه يجري إعراب البيت الذي غنّي به. ومما ينتظم في هذا السّلك قولهم: المرء مقتول بما قتل به؛ إن سيفا فسيف، وإن خنجرا فخنجر. وأما الكلمة التي هي حرف محبوب أو اسم لما فيه حرف حلوب، فهي «نعم»، إن أردت بها تصديق الأخبار أو العدة عند السؤال فهي حرف، وإن عنيت بها الإبل فهي اسم. والنّعم تذكر وتؤنث وتطلق على الإبل وعلى كلّ ماشية فيها إبل. وفي الإبل الحرف وهي الناقة الضامرة، سمّيت حرفا تشبيها لها بحرف السيف. وقيل: إنها الضخمة تشبيها لها بحرف الجبل. وأما الاسم المتردد بين فرد حازم وجمع ملازم، فهو: سراويل، قال بعضهم: هو واحد وجمعه سراويلات، فعلى هذا القول هو فرد، وكنى عن ضمّه الخصر بأنّه حازم. وقال آخرون: بل هو جمع، واحده سروال، مثل: شملال وشماليل، وسربال وسرابيل، فهو على هذا القول جمع. ومعنى قوله: ملازم، أي لا ينصرف؛ وإنما لم ينصرف هذا النوع من الجمع، وهو كلّ جمع ثالثه ألف وبعدها حرف مشدّد، أو حرفان أو ثلاثة أوسطها ساكن لثقله وتفرّده دون غيره من الجموع بأن لا نظير له في الأسماء والآحاد، وقد كني في هذه الأحجية عمّا لا ينصرف بالملازم، كما كني في التي قبلها عمّا ينصرف باللازم. *** وأما الهاء التي إذا التحقت أماطت الثقل، وأطلقت المعتقل، فهي الهاء اللاحقة

стр. 736

بالجمع المقدّم ذكره، كقولك: صيارفة وصياقلة، فينصرف هذا الجمع عند التحاق الهاء به، لأنها قد أصارته إلى أمثال الآحاد، نحو: رفاهية وكراهية فخفّ بهذا السبب وصرف لهذه العلة. وقد كني في هذه الأحجية عمّا لا ينصرف بالمعتقل، كما كني في التي قبلها عمّا لا ينصرف باللازم. وأما السين التي تعزل العامل من غير أن تجامل، فهي التي تدخل على الفعل المستقبل وتفصل بينه وبين أن، التي كانت قبل دخولها من أدوات النصب، فيرتفع حينئذ الفعل وتنتقل أن عن كونها الناصبة للفعل إلى أن تصير المخففة من الثقيلة، وذلك كقوله تعالى: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى [المزمل: ٢٠]، وتقديره: علم أنه سيكون. وأما المنصوب على الظرف الذي لا يخفضه سوى حرف، فهو: «عند» إذ لا يجرّه غير «من» خاصة، وقول العامة: ذهبت إلى عنده لحن. وأما المضاف الذي أخلّ من عرى الإضافة بعروة، واختلف حكمه بين سماء وغدوة، فهو «لدن» ولدن من الأسماء الملازمة للإضافة، وكلّ ما يأتي بعدها مجرور بها إلّا غدوة، فإن العرب نصبتها بلدن لكثرة استعمالهم إياها في الكلام، ثم نوّنتها أيضا ليتبيّن بذلك أنّها منصوبة، لا أنّها من نوع المجرورات التي لا تنصرف، وعند بعض النحويين أن «لدن» بمعنى «عند»، والصحيح أنّ بينهما فرقا لطيفا، وهو أنّ «عند» يشتمل معناها على ما هو في ملكك ومكنتك، ممّا دنا منك وبعد عنك ولدن يختصّ معناها بما حضرك وقرب منك. وأما العامل الذي يتصل آخره بأوله، ويعمل معكوسه مثل عمله، فهو: «يا»، ومعكوسها «أي»، وكلتاهما من حروف النداء، وعملهما في الاسم المنادى سيّان، وإن كانت «يا» أجول في الكلام، وأكثر في الاستعمال. وقد اختار بعضهم أن ينادي بأي، القريب فقط كالهمزة. وأما العامل الذي نائبه أرحب منه وكرا، وأعظم مكرا، وأكثر لله تعالى ذكرا، فهو باء القسم؛ وهذه الباء هي أصل حروف القسم بدلالة استعمالها مع ظهور فعل القسم في قولك: أقسم بالله، ولدخولها أيضا على المضمر، كقولك: بك لأفعلنّ؛ وإنما أبدلت الواو منها في القسم لأنهما جميعا من حروف الشفة؛ ثم لتقارب معنييهما؛ لأنّ الواو تفيد الجمع والباء تفيد الإلصاق، وكلاهما متّفق، والمعنيان متقاربان. ثم صارت الواو المبدلة من الباء أدور في الكلام وأعلق بالأقسام؛ ولهذا ألغز بأنها أكثر لله تعالى ذكرا. ثم إن الواو أكثر موطنا من الباء، لأن الباء لا تدخل إلا على الاسم، ولا تعمل غير الجرّ، والواو تدخل على الاسم والفعل والحرف. وتجرّ تارة بالقسم وتارة بإضمار ربّ. وتنتظم أيضا نواصب الفعل وأدوات العطف فلهذا وصفها برحب الوكر وعظم المكر.

стр. 737

وأما الموطن الذي يلبس فيه الذّكران براقع النسوان، وتبرز فيه ربّات الحجال بعمائم الرجال، فهو أوّل مراتب العدد المضاف، وذلك بين الثلاثة إلى العشرة، فإنه يكون مع المذكّر بالهاء، ومع المؤنث بحذفها، كقوله تعالى: سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ [الحاقة: ٧] والهاء في غير هذاالموطن من خصائص المؤنث، كقولك: قائم وقائمة وعالم وعالمة، فقد رأيت كيف انعكس في هذا الموطن حكم المذكر والمؤنث حتى انقلب كل منهما في ضدّ قالبه، وبرز في بزّة صاحبه. وأما الموضع الذي يجب فيه حفظ المراتب عن المضروب والضارب، فهو حيث يشتبه الفاعل بالمفعول لتعذّر ظهور علامة الإعراب فيهما أو في أحدهما، وذلك إذا كانا مقصورين مثل موسى وعيسى، أو من أسماء الإشارة نحو ذاك وهذا. فيجب حينئذ لإزالة اللّبس إقرار كل منهما في رتبته، ليعرف الفاعل منهما بتقدمه، والمفعول بتأخّره. وأما الاسم الذي لا يفهم إلا باستضافة كلمتين، أو الاقتصار منه على حرفين فهو «مهما» وفيها قولان: أحدهما: أنها مركبة من «مه» التي هي بمعنى اكفف، ومن «ما» والقول الثاني- وهو الصحيح- أنّ الأصل فيها «ما» فزيدت عليها «ما» أخرى، كما تزاد على «إنّ» فصار لفظها «ماما»، فثقل عليهم توالي كلمتين بلفظ واحد، فأبدلوا من ألف «ما» الأولى «ها» فصارتا «مهما». ومهما من أدوات الشرط والجزاء، ومتى لفظت بها لم يتمّ الكلام، ولا عقل المعنى إلا بإيراد كلمتين بعدها، كقولك: مهما تفعل أفعل وتكون حينئذ ملتزما للفعل، وإن اقتصرت منهما على حرفين وهما «مه» التي بمعنى اكفف، فهم المعنى وكنت ملزما من خاطبته أن يكفّ. وأما الوصف الذي إذا أردف بالنون نقص صاحبه في العيون، وقوّم بالدون، وخرج من الزّبون، وتعرّض للهون، فهو «ضيف» إذا لحقته النون استحال إلى «ضيفن» وهو الذي يتبع الضيف ويتنزّل في النقد منزلة الزّيف.

стр. 738

المقامة الخامسة والعشرون وتعرف ب الكرج يّة حكى الحارث بن همام قال: شتوت بالكرج لدين أقتضيه، وأرب أقضيه، فبلوت من شتائها الكالح، وصرّها النّافح، ما عرّفني جهد البلاء، وعكف بي على الاصطلاء؛ فلم أكن أزايل وجاري، ولا مستوقد ناري، إلّا لضرورة أدفع إليها، أو إقامة جماعة أحافظ عليها، فاضطررت في يوم جوّه مزمهرّ، ودجنه مكفهر إلى أن برزت من كناني، لمهمّ عناني؛ فإذا شيخ عاري الجلدة، بادي الجردة، وقد اعتمّ بريطة، واستثفر بفويطة، وحواليه جمع كثيف الحواشي، وهو ينشد ولا يحاشي. *** شتوت: أقمت في الشتاء. [الكرج] والكرج: مدينة معروفة، وبشدة البرد موصوفة، وهي بين أصبهان وهمذان، وقد تقدم برد همذان في الأولى، ومن همذان إلى نهاوند مرحلتان، ومن الكرج إلى مدينة أصبهان ستون فرسخا. وهي منازل عيسى بن إدريس بن معقل العجليّ، ولم تكن في أيام العجم مدينة مشهورة، وإنما كانت في عداد القرى العظام من رساتيق كورة أصبهان، فنزلها العجليّون فبنوا بها الحصون والقصور، وجعلها أبو دلف مدينة عظيمة. وقال أبو دلف: دخلت على الرّشيد، فقال لي: يا قاسم، ما خبر أرضك؟ قلت: خراب يباب، خرّبها الأكراد والأعراب، فقال قائل: هذا آفة الجبل وهو أفسده، فقلت: فأنا أصلحه. قال الرشيد: وكيف ذلك؟ قلت: أفسدته وأنت عليّ وأصلحه وأنت معي. ففعل ذلك، وعمّر الكرج، حتى صار دار أجناد، ومحلّ وفود وقصّاد. وقال عليّ بن جبلة: زرته في الجبل، فلما حللت بالكرج، أظهر من برّي وإكرامي أمرا مفرطا، حتى تأخّرت عنه تأخرا كبيرا. فوصل إليّ معقل بن عيسى، فقال: يقول الأمير: انقطعت عني، وأحسبك استقللت برّي، فلا يغضبنّك ذلك، فسأزيد فيه حتى ترضى فقلت: والله ما قطعني عنه إلا إفراطه بالبرّ. قال: وكتب إليه في ذلك:

стр. 739

هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة ... وهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر ولكنّني لما أتيتك زائرا ... فأفرطت في بري عجزت عن الشكر فآليت لا آتيك إلّا مسلّما ... أزورك في الشهرين يوما وفي الشهر فإن زدتني برّا تزايدت جفوة ... ولم تلقني طول الحياة إلى الحشر فلما وصلت إليه، قال: قاتله الله ما أشعره، وأدق معانيه! فأجابني لوقته، وكان حسن البديهة: [الطويل] ألا ربّ ضيف طارق قد بسطته ... وآنسته قبل الضيافة بالبشر أتاني يرجّيني فما حال دونه ... ودون القرى والعرف من نيله سترى وجدت له فضلا عليّ بقصده ... إليّ وبرّا راد فيه على برّي فزوّدته مالا يقلّ بقاؤه ... وزودني مدحا يدوم مع الدهر وبعث إليّ بها وبألف دينار مع وصيفة، فقلت حينئذ: [مخلع البسيط] إنما الدنيا أبو دلف ... بين مبداه ومحتضره فإذا ولّى أبو دلف ... ولّت الدنيا على أثره ملك تندى أنامله ... كانبلاج النّور عن مطره مستهلّ عن مواهبه ... كابتسام الزهر عن زهره جبل عزّت مناكبه ... أمنت عدنان في ثغره كلّ من في الأرض من عرب ... بين باديه ومحتضره مستعير منه مكرمة ... يكتسبها يوم مفتخره والبيت الثاني أحفظ المأمون على ابن جبلة حتى سلّ لسانه من قفاه. *** قوله: أقتضيه، أي أجمعه. أرب: حاجة. بلوت: قاسيت. الكالح: الشديد، وكلح كلوحا: أبدى أسنانه عند العبوس، والبرد الشديد يبدي الأسنان عند رعده. صرّها: بردها الشديد. النافح: المتحرك بالريح الباردة. جهد البلاء: مشقة الضرّ، ويقال: بلغ جهده، أي أقصى قوته، فأراد بجهد البلاء المشقة التي يتمنّى الإنسان عندها الموت، وكان رسول الله ﷺ يستعيذ منه (١). أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: علّمني رسول الله ﷺ هذا الدعاء: «اللهم إني أعوذ

стр. 740

بك من سوء القضاء، وجهد البلاء، ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء» (١)؛ وروي في «جهد البلاء»، أنه القتل صبرا. أنس رضي الله تعالى عنه يرفعه قال: قتل الصبر جهد البلاء. وقال ﷺ : «جهد البلاء أن تحتاج إلى ما في أيدي الناس فيمنعوك». مجاهد قال: كنت جالسا عند عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بالكوفة، فأتي برجل أن يضرب عنقه، فقلت: هذا والله جهد البلاء، فقال: والله ما هذا إلا كشرطة حجام بمشراط، ولكن جهد البلاء فقر مدقع بعد غنى موسع. الأحنف: جهد البلاء خمسة: خادم مذموم، وحطب رطب، وبيت يصف، وخوان ينتظر، وجبار على الباب يدق. عكف بي على الاصطلاء: ألزمني التسخّن بالنار وعكف على الشيء عكوفا: لزمه. أزايل وجاري: أفارق بيتي، والوجار جحر الضبع. إقامة جماعة، أي حضور الصلاة مع الجماعة، وبردشكير بغرناطة كان أشد على ابن صارة- حيث منعه الصلاة- من برد الكرج على ابن همام حيث يقول ابن صارة: [الطويل] أحلّ لنا ترك الصلاة بأرضكم ... وشرب الحميّا وهي شيء محرّم فرارا إلى نار الجحيم فإنها ... أرقّ علينا من شكير وأرحم لئن كان ربي مدخلي في جهنّم ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنّم جوّه مزمهرّ: هواؤه بارد، والزمهرير: البرد. دجنه مكفهرّ: سحابه متراكم مظلم. كناني: بيتي: مهمّ: أمر لا يؤخر. عناني: عرض لي وقصدني. الجردة: الجلدة التي تجرّد عنها ثوبها، وفلان حسن الجردة والتجرّد، أي حسن العري، وقيل: الجردة الثوب المتجرّد البالي. والريطة عند العرب: شيء رقيق، شبه الملحفة، ولذلك سمّي به المرأة، ولا معنى لهذه الصفة لأنه قد وصفه بالعري، وإنما أراد هنا شبه الكراز لفظ مغيّر عن أصله كالفوطة عندنا، ضرب مما يعتمّ به، وهي مغيّرة عن أصلها، وإنما أصل الفوطة ثوب يجلب من الهند غليظ، وتصغيرها فويطة، يلبسه أهل مصر وأهل المشرق كما يلبس أهل المغرب وأهل الأندلس الإحرام والمئزر. واستثفر: بالثوب إذا لواه على فخذيه، ثم أخرجه من بينهما، فشدّه في حجزته، واستثفر الكلب بذنبه: جعله بين فخذيه فتخيل صورة السروجيّ هنا التي نهاية في القبح على ما يتصف به أبدا، وقد لوى على رأسه قطعة من عمامة بالية، واستثفر بمثلها، فلا تجد له مثلا إلا ما قال أبو دلامة في نفسه: [الوافر]
следующие страницы →