بالجمع المقدّم ذكره، كقولك: صيارفة وصياقلة، فينصرف هذا الجمع عند التحاق الهاء به، لأنها قد أصارته إلى أمثال الآحاد، نحو: رفاهية وكراهية فخفّ بهذا السبب وصرف لهذه العلة. وقد كني في هذه الأحجية عمّا لا ينصرف بالمعتقل، كما كني في التي قبلها عمّا لا ينصرف باللازم.
وأما السين التي تعزل العامل من غير أن تجامل، فهي التي تدخل على الفعل المستقبل وتفصل بينه وبين أن، التي كانت قبل دخولها من أدوات النصب، فيرتفع حينئذ الفعل وتنتقل أن عن كونها الناصبة للفعل إلى أن تصير المخففة من الثقيلة، وذلك كقوله تعالى: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى [المزمل: ٢٠]، وتقديره: علم أنه سيكون.
وأما المنصوب على الظرف الذي لا يخفضه سوى حرف، فهو: «عند» إذ لا يجرّه غير «من» خاصة، وقول العامة: ذهبت إلى عنده لحن.
وأما المضاف الذي أخلّ من عرى الإضافة بعروة، واختلف حكمه بين سماء وغدوة، فهو «لدن» ولدن من الأسماء الملازمة للإضافة، وكلّ ما يأتي بعدها مجرور بها إلّا غدوة، فإن العرب نصبتها بلدن لكثرة استعمالهم إياها في الكلام، ثم نوّنتها أيضا ليتبيّن بذلك أنّها منصوبة، لا أنّها من نوع المجرورات التي لا تنصرف، وعند بعض النحويين أن «لدن» بمعنى «عند»، والصحيح أنّ بينهما فرقا لطيفا، وهو أنّ «عند» يشتمل معناها على ما هو في ملكك ومكنتك، ممّا دنا منك وبعد عنك ولدن يختصّ معناها بما حضرك وقرب منك.
وأما العامل الذي يتصل آخره بأوله، ويعمل معكوسه مثل عمله، فهو: «يا»، ومعكوسها «أي»، وكلتاهما من حروف النداء، وعملهما في الاسم المنادى سيّان، وإن كانت «يا» أجول في الكلام، وأكثر في الاستعمال. وقد اختار بعضهم أن ينادي بأي، القريب فقط كالهمزة.
وأما العامل الذي نائبه أرحب منه وكرا، وأعظم مكرا، وأكثر لله تعالى ذكرا، فهو باء القسم؛ وهذه الباء هي أصل حروف القسم بدلالة استعمالها مع ظهور فعل القسم في قولك: أقسم بالله، ولدخولها أيضا على المضمر، كقولك: بك لأفعلنّ؛ وإنما أبدلت الواو منها في القسم لأنهما جميعا من حروف الشفة؛ ثم لتقارب معنييهما؛ لأنّ الواو تفيد الجمع والباء تفيد الإلصاق، وكلاهما متّفق، والمعنيان متقاربان. ثم صارت الواو المبدلة من الباء أدور في الكلام وأعلق بالأقسام؛ ولهذا ألغز بأنها أكثر لله تعالى ذكرا. ثم إن الواو أكثر موطنا من الباء، لأن الباء لا تدخل إلا على الاسم، ولا تعمل غير الجرّ، والواو تدخل على الاسم والفعل والحرف. وتجرّ تارة بالقسم وتارة بإضمار ربّ. وتنتظم أيضا نواصب الفعل وأدوات العطف فلهذا وصفها برحب الوكر وعظم المكر.
стр. 737
وأما الموطن الذي يلبس فيه الذّكران براقع النسوان، وتبرز فيه ربّات الحجال بعمائم الرجال، فهو أوّل مراتب العدد المضاف، وذلك بين الثلاثة إلى العشرة، فإنه يكون مع المذكّر بالهاء، ومع المؤنث بحذفها، كقوله تعالى: سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ [الحاقة: ٧] والهاء في غير هذاالموطن من خصائص المؤنث، كقولك:
قائم وقائمة وعالم وعالمة، فقد رأيت كيف انعكس في هذا الموطن حكم المذكر والمؤنث حتى انقلب كل منهما في ضدّ قالبه، وبرز في بزّة صاحبه.
وأما الموضع الذي يجب فيه حفظ المراتب عن المضروب والضارب، فهو حيث يشتبه الفاعل بالمفعول لتعذّر ظهور علامة الإعراب فيهما أو في أحدهما، وذلك إذا كانا مقصورين مثل موسى وعيسى، أو من أسماء الإشارة نحو ذاك وهذا. فيجب حينئذ لإزالة اللّبس إقرار كل منهما في رتبته، ليعرف الفاعل منهما بتقدمه، والمفعول بتأخّره.
وأما الاسم الذي لا يفهم إلا باستضافة كلمتين، أو الاقتصار منه على حرفين فهو «مهما» وفيها قولان: أحدهما: أنها مركبة من «مه» التي هي بمعنى اكفف، ومن «ما» والقول الثاني- وهو الصحيح- أنّ الأصل فيها «ما» فزيدت عليها «ما» أخرى، كما تزاد على «إنّ» فصار لفظها «ماما»، فثقل عليهم توالي كلمتين بلفظ واحد، فأبدلوا من ألف «ما» الأولى «ها» فصارتا «مهما». ومهما من أدوات الشرط والجزاء، ومتى لفظت بها لم يتمّ الكلام، ولا عقل المعنى إلا بإيراد كلمتين بعدها، كقولك: مهما تفعل أفعل وتكون حينئذ ملتزما للفعل، وإن اقتصرت منهما على حرفين وهما «مه» التي بمعنى اكفف، فهم المعنى وكنت ملزما من خاطبته أن يكفّ.
وأما الوصف الذي إذا أردف بالنون نقص صاحبه في العيون، وقوّم بالدون، وخرج من الزّبون، وتعرّض للهون، فهو «ضيف» إذا لحقته النون استحال إلى «ضيفن» وهو الذي يتبع الضيف ويتنزّل في النقد منزلة الزّيف.
стр. 738
المقامة الخامسة والعشرون وتعرف ب الكرج يّة
حكى الحارث بن همام قال: شتوت بالكرج لدين أقتضيه، وأرب أقضيه، فبلوت من شتائها الكالح، وصرّها النّافح، ما عرّفني جهد البلاء، وعكف بي على الاصطلاء؛ فلم أكن أزايل وجاري، ولا مستوقد ناري، إلّا لضرورة أدفع إليها، أو إقامة جماعة أحافظ عليها، فاضطررت في يوم جوّه مزمهرّ، ودجنه مكفهر إلى أن برزت من كناني، لمهمّ عناني؛ فإذا شيخ عاري الجلدة، بادي الجردة، وقد اعتمّ بريطة، واستثفر بفويطة، وحواليه جمع كثيف الحواشي، وهو ينشد ولا يحاشي.
***
شتوت: أقمت في الشتاء.
[الكرج]
والكرج: مدينة معروفة، وبشدة البرد موصوفة، وهي بين أصبهان وهمذان، وقد تقدم برد همذان في الأولى، ومن همذان إلى نهاوند مرحلتان، ومن الكرج إلى مدينة أصبهان ستون فرسخا. وهي منازل عيسى بن إدريس بن معقل العجليّ، ولم تكن في أيام العجم مدينة مشهورة، وإنما كانت في عداد القرى العظام من رساتيق كورة أصبهان، فنزلها العجليّون فبنوا بها الحصون والقصور، وجعلها أبو دلف مدينة عظيمة.
وقال أبو دلف: دخلت على الرّشيد، فقال لي: يا قاسم، ما خبر أرضك؟ قلت:
خراب يباب، خرّبها الأكراد والأعراب، فقال قائل: هذا آفة الجبل وهو أفسده، فقلت:
فأنا أصلحه. قال الرشيد: وكيف ذلك؟ قلت: أفسدته وأنت عليّ وأصلحه وأنت معي.
ففعل ذلك، وعمّر الكرج، حتى صار دار أجناد، ومحلّ وفود وقصّاد.
وقال عليّ بن جبلة: زرته في الجبل، فلما حللت بالكرج، أظهر من برّي وإكرامي أمرا مفرطا، حتى تأخّرت عنه تأخرا كبيرا. فوصل إليّ معقل بن عيسى، فقال: يقول الأمير: انقطعت عني، وأحسبك استقللت برّي، فلا يغضبنّك ذلك، فسأزيد فيه حتى ترضى فقلت: والله ما قطعني عنه إلا إفراطه بالبرّ. قال: وكتب إليه في ذلك:
стр. 739
هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة ... وهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر
ولكنّني لما أتيتك زائرا ... فأفرطت في بري عجزت عن الشكر
فآليت لا آتيك إلّا مسلّما ... أزورك في الشهرين يوما وفي الشهر
فإن زدتني برّا تزايدت جفوة ... ولم تلقني طول الحياة إلى الحشر
فلما وصلت إليه، قال: قاتله الله ما أشعره، وأدق معانيه! فأجابني لوقته، وكان حسن البديهة: [الطويل]
ألا ربّ ضيف طارق قد بسطته ... وآنسته قبل الضيافة بالبشر
أتاني يرجّيني فما حال دونه ... ودون القرى والعرف من نيله سترى
وجدت له فضلا عليّ بقصده ... إليّ وبرّا راد فيه على برّي
فزوّدته مالا يقلّ بقاؤه ... وزودني مدحا يدوم مع الدهر
وبعث إليّ بها وبألف دينار مع وصيفة، فقلت حينئذ: [مخلع البسيط]
إنما الدنيا أبو دلف ... بين مبداه ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلف ... ولّت الدنيا على أثره
ملك تندى أنامله ... كانبلاج النّور عن مطره
مستهلّ عن مواهبه ... كابتسام الزهر عن زهره
جبل عزّت مناكبه ... أمنت عدنان في ثغره
كلّ من في الأرض من عرب ... بين باديه ومحتضره
مستعير منه مكرمة ... يكتسبها يوم مفتخره
والبيت الثاني أحفظ المأمون على ابن جبلة حتى سلّ لسانه من قفاه.
***
قوله: أقتضيه، أي أجمعه. أرب: حاجة. بلوت: قاسيت. الكالح: الشديد، وكلح كلوحا: أبدى أسنانه عند العبوس، والبرد الشديد يبدي الأسنان عند رعده. صرّها:
بردها الشديد. النافح: المتحرك بالريح الباردة. جهد البلاء: مشقة الضرّ، ويقال: بلغ جهده، أي أقصى قوته، فأراد بجهد البلاء المشقة التي يتمنّى الإنسان عندها الموت، وكان رسول الله ﷺ يستعيذ منه (١).
أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: علّمني رسول الله ﷺ هذا الدعاء: «اللهم إني أعوذ
стр. 740
بك من سوء القضاء، وجهد البلاء، ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء» (١)؛ وروي في «جهد البلاء»، أنه القتل صبرا.
أنس رضي الله تعالى عنه يرفعه قال: قتل الصبر جهد البلاء.
وقال ﷺ : «جهد البلاء أن تحتاج إلى ما في أيدي الناس فيمنعوك».
مجاهد قال: كنت جالسا عند عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بالكوفة، فأتي برجل أن يضرب عنقه، فقلت: هذا والله جهد البلاء، فقال: والله ما هذا إلا كشرطة حجام بمشراط، ولكن جهد البلاء فقر مدقع بعد غنى موسع.
الأحنف: جهد البلاء خمسة: خادم مذموم، وحطب رطب، وبيت يصف، وخوان ينتظر، وجبار على الباب يدق.
عكف بي على الاصطلاء: ألزمني التسخّن بالنار وعكف على الشيء عكوفا: لزمه.
أزايل وجاري: أفارق بيتي، والوجار جحر الضبع. إقامة جماعة، أي حضور الصلاة مع الجماعة، وبردشكير بغرناطة كان أشد على ابن صارة- حيث منعه الصلاة- من برد الكرج على ابن همام حيث يقول ابن صارة: [الطويل]
أحلّ لنا ترك الصلاة بأرضكم ... وشرب الحميّا وهي شيء محرّم
فرارا إلى نار الجحيم فإنها ... أرقّ علينا من شكير وأرحم
لئن كان ربي مدخلي في جهنّم ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنّم
جوّه مزمهرّ: هواؤه بارد، والزمهرير: البرد. دجنه مكفهرّ: سحابه متراكم مظلم.
كناني: بيتي: مهمّ: أمر لا يؤخر. عناني: عرض لي وقصدني. الجردة: الجلدة التي تجرّد عنها ثوبها، وفلان حسن الجردة والتجرّد، أي حسن العري، وقيل: الجردة الثوب المتجرّد البالي. والريطة عند العرب: شيء رقيق، شبه الملحفة، ولذلك سمّي به المرأة، ولا معنى لهذه الصفة لأنه قد وصفه بالعري، وإنما أراد هنا شبه الكراز لفظ مغيّر عن أصله كالفوطة عندنا، ضرب مما يعتمّ به، وهي مغيّرة عن أصلها، وإنما أصل الفوطة ثوب يجلب من الهند غليظ، وتصغيرها فويطة، يلبسه أهل مصر وأهل المشرق كما يلبس أهل المغرب وأهل الأندلس الإحرام والمئزر. واستثفر: بالثوب إذا لواه على فخذيه، ثم أخرجه من بينهما، فشدّه في حجزته، واستثفر الكلب بذنبه: جعله بين فخذيه فتخيل صورة السروجيّ هنا التي نهاية في القبح على ما يتصف به أبدا، وقد لوى على رأسه قطعة من عمامة بالية، واستثفر بمثلها، فلا تجد له مثلا إلا ما قال أبو دلامة في نفسه:
[الوافر]
стр. 741
إذا لبس العمامة كان قردا ... وخنزيرا إذا نزع العمامه
وأين هذا من قول ابن رشيق في غلام معتمّ بعمامة حمراء: [مجزوء الكامل]
يا من يمرّ ولا تمرّ به ... القلوب من الحرق
بعمامة من خدّه ... أو خدّه منها سرق
فكأنه وكأنها ... قمر أحاط به شفق
شغل الجوارح والجوا ... نح والخواطر والحدق
وقال السّلامي في عمامة: [البسيط]
حسناء ضافية، بيضاء صافية ... كأنّ رونقها في صارم ذكر
يزين أطرافها طرز كما رقمت ... على المجرّة طرز الأنجم الزّهر
كثيف: خشن منضمّ بعض حواشيه إلى بعض من الكثرة. يحاشى: يستثنى.
***
[الرجز]
يا قوم لا ينبئكم عن فقري ... أصدق من عريي أوان القر
فاعتبروا بما بدا من ضرّي ... باطن حالي وخفيّ أمري
وحاذروا انقلاب سلم الدّهر ... فإنّني كنت نبيه القدر
آوي إلى وفر وحدّ يفري ... تفيد صفري وتبيد سمري
وتشتكي كومي غداة أقري ... فجرّد الدّهر سيوف الغدر
وشنّ غارات الرزايا الغبر ... ولم يزل يسحتني ويبري
حتّى عفت داري وغاض درّي ... وبار سعري في الورى وشعري
وصرت نضو فاقة وعسر ... عاري المطا مجرّدا من قشري
كأنني المغزل في التّعرّي ... لا دفء لي في الصّنّ والصّنّبر
غير التّضحّي واصطلاء الجمر ... فهل خضمّ ذو رداء غمر
يسترني بمطرف أو طمر ... طلاب وجه الله لا لشكري!
***
ينبئ: يخبر. أوان القرّ: وقت البرد. حاذروا: خافوا. سلم: صلح. نبيه القدر:
رفيع المنزلة. آوى: ارجع. وفر: مال كثير. يفري. يقطع. تفيد: تأتي بالفوائد.
صفري: دنانيري. تبيد: تتلف. سمري: رماحي. كومي: إبلي، والكوماء: الناقة العظيمة السنام أقري: أطعم الأضياف، أي تشتكي إبلي من كثرة ما أنحرها للضيفان.
стр. 742
شنّ: فرّق. الرزايا: المصائب. الغبر: الآتية في الزمان المحل. يسحتني: يستأصل مالي. يبري: يقطع لحمي. عفت: درست. غاض: ذهب وجفّ. درّي: لبن إبلي.
بار: كسد وضاع. سعري: سوقي. نضو: هزيل. فاقة: حاجة وفقر. عسر: ضيق حال.
المطا: الظهر. قشري: ثيابي. والدفء: ذهاب البرد، وقد دفئ يدفأ، أي سخن وذهب برده. الصّنّ والصنّبر: يومان من أيام العجوز، وهي سبعة: أربعة من آخر فبراير، وثلاثة من أول مارس. وقال الشاعر فجمعها: [الكامل]
كسع الشتاء بسبعة غبر ... بالصّنّ والصّنّبر والوبر (١)
وبآمر وأخيه مؤتمر ... ومعلّل وبمطفئ الجمر
التّضحّي: الجلوس للشمس. خضمّ: كريم، شبّه بالبحر، وهو الخضمّ. ذو رداء غمر: ذو عطاء كثير. مطرف: ثوب مربّع في طرفه علم.
الفرّاء: قيل مطرف لأنه أطرف، أي جعل في طرفيه العلمان. طمر: ثوب خلق.
ثمّ قال: يا أرباب الثّراء، الرّافلين في الفراء؛ من أوتي خيرا فلينفق، ومن استطاع أن يرفق فليرفق؛ فإنّ الدّنيا غدور، والدّهر عثور، والمكنة زورة طيف، والفرصة مزنة صيف. وإنّي والله لطالما تلقّيت الشّتاء بكافاته، وأعددت الأهب له قبل موافاته، وها أنا اليوم يا سادتي، ساعدي وسادتي، وجلدتي بردتي، وحفنتي جفنتي، فليعتبر العاقل بحالي، وليبادر صرف اللّيالي؛ فإنّ السّعيد من اتّعظ بسواه، واستعدّ لمسراه.
***
أرباب الثراء: أصحاب المال. الرّافلين: الماشين بخيلاء وتبختر. الفراء: جمع فروة. أوتي: أعطي. خيرا: مالا. يرفق: يعين، وأرفقته: أعطيته ما يرتفق به. غدور:
كثيرة الخداع. عثور: واقع بأهله. المكنة: الغنى.
طيف: ما يرى في النوم.
ابن الأنباري: في طيف الخيال قولان: قيل: أصله طيّف فخفّف، وقال الأصمعي رحمه الله تعالى: هو مصدر طاف، وبه أخذ السهيليّ رحمه الله تعالى، فقال: هو مصدر طاف الخيال يطيف طيفا، ولا يقال: منه طائف على فاعل، لأنه لا حقيقة للخيال، إنما
стр. 743
هو توهم وتخيّل. فإن كان شيء له حقيقة قلت: فيه طائف، نحو قوله تعالى: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ [القلم: ١٩]، لأن الذي طاف عليها له حقيقة، ويقال: إنه جبريل ﵊. وأما قوله تعالى: إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا [الأعراف: ١، ٢] فقد قرئ طائف أيضا فطائف لأن له حقيقة، وطيف لأنه غرور الشيطان وأمانيه تشبه بالخيال وما لا حقيقة له، فتحصل من هذا ثلاث مراتب الخيال، ولا حقيقة له فيعبّر بالطيف، ويقال في وسوسة الشيطان: طائف وطيف، وما عدا هذين فهو باسم الفاعل، ولا يعبّر عنه بطيف فقف عليه. الفرصة: ما تهيأ لك وتيسّر لك من مطالبتك. مزنة صيف، أي سحابة لا دوام لها، وأراد قول عمران بن حطّان: [الطويل]
أرى أشقياء النّاس لا يسمّونها ... على أنهم فيها غراب وجوع
أراها وإن كانت تحبّ فإنها ... سحابة صيف عن قريب تقشّع
ولما ولي بلال بن أبي بردة البصرة، كان إذا اجتاز في مواليه بخالد بن صفوان يقوله: [الطويل]
* سحابة صيف عن قريب تقشّع*
فبلغ قوله بلالا، فقال: والله لا تقشع حتى يصيبك منها شؤبوب، فردّه ثم ضربه مائة سوط.
كافات: جمع كاف، وأراد بها آلته وما يستعدّ له بها وهي الأهب التي أراد.
موافاته: مجيئه وحضوره. ساعدي: ذراعي. بردتي: ثوبي، الحفنة: ما يملأ الكفّ.
الجفنة: الصحفة، فليتعظ، أي يعتبر ويجعلني عبرة. صرف: تقلّب. استعد: أعدّ.
لمسراه: مثواه. وقال الألبيري في هذا المعنى: [المنسرح]
وذي غنى أوهمته همّته ... أنّ الغنى عنه غير منفصل
فجرّ أذيال عجبه بطرا ... واحتال للكبرياء في حلل
بزّته أيدي الخطوب بزّته ... فاعتاض بعد الجديد بالسّمل
فلا تثق بالغنى فآفته الفق ... ر وصرف الزمان ذو دول
كفى بنيل الكفاف منه غنى ... فكفّ به الدهر غير محتفل
[مقامة البديع البخارية]
ومن مقامات البديع: حدثنا عيسى بن هشام قال: أحلّني جامع بخارى يوم وقد انتظمت مع رفقة في سلك الثّريا. وحين احتفل الجامع بأهله طلع إلينا ذو طمرين، قد أرسل صوانا، واستتلى طفلا عريانا، يضيق بالضرّ وسعه، ويأخذه القرّ ويدعه، لا يملك غير القشرة بردة، ولا يكتفي لحماية رعدة، فوقف الرجل وقال: لا ينظر لهذا الطفل إلّا من الله طفّله، ولا يرقّ لهذا الضرّ إلّا من لا يأمن مثله. يا أصحاب الجدود المفروزة،
стр. 744
والأردية المطروزة، والدّور المنجّدة، والقصور المشيّدة. إنكم لن تأمنوا حادثا، ولن تعدموا وارثا، فبادروا الخير ما أمكن، وأحسنوا مع الدهر ما أحسن، فقد والله طعمنا السّكباج (١)، وركبنا الهملاج (٢)، ولبسنا الديباج (٣)، وافترشنا الحشايا بالعشايا، فما راعنا إلا هبوب الدهر بغدره، وانقلاب المجنّ لظهره، فعاد الهملاج قطوفا (٤)، والديباج صوفا، وهلمّ جرا إلى ما تشاهدون من حالي وزيّي؛ فها نحن نرتضع من الدهر ثدي عقيم، ونركب من الفقر ظهر بهيم، فلا نرنو إلّا بعين اليتيم، ولا نمدّ إلّا يد العديم. فهل من كريم يجلو غياهب هذه البئوس، ويفلّ شبا هذه النحوس. ثم قعد مرتفقا (٥)، وقال للطفل: أنت وشأنك، فقال: ما عسى أن أقول وهذا الكلام لو لقي الشّعر لحلقه، أو الصخر لفلقه، وإن قلبا لم ينضجه ما قلت لنيء، وقد سمعتم يا قوم، ما لم تسمعوا قبل اليوم فليشغل كلّ منكم بالجود يده، وليذكر غده، واقيا بي ولده، وامنحوني أشكركم، واذكروني أذكركم. وتمامها في العشرين.
***
فقيل له: قد جلوت علينا أدبك، فاجل لنا نسبك، فقال: تبّا لمفتخر، بعظم نخر، إنّما الفخر بالتّقى، والأدب المنتقى؛ ثم أنشد: [الطويل]
لعمرك ما الإنسان إلّا ابن يومه ... على ما تجلّى يومه لا ابن أمسه
وما الفخر بالعظم الرّميم وإنّما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه
ثمّ إنّه جلس محقوقفا، واجرنثم مقفقفا. وقال: اللهمّ يا من غمر بنواله، وأمر بسؤاله؛ صلّ على محمد وآله، وأعنّي على البرد وأهواله، وأتح لي حرّا يؤثر من خصاصة، ويواسي ولو بقصاصة.
***
قوله: «جلوت»، أظهرت وكشفت. أجل: اكشف وبيّن عنه. تبّا: خسرانا. نخر:
بال. المنتقى: المختار. تجلّى: تبدّى وظهر. الرّميم: البالي. يبغي: يطلب.
وقوله: «تبّا لمفتخر، بعظم نخر»، كانت العرب تتفاخر بالأحساب، وتتعاظم بكرم الآباء، فنزل القرآن العظيم بترك ذلك في قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠] وأَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: ١٣]. وقال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: «أيها الناس، إنما الناس إخوة وليس لعربيّ على عجميّ فضل إلا
стр. 745
بالتقوى. أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، وأكرمكم عند الله أتقاكم» (١)، فلذلك قال: إنما الفخر بالتقى.
وقال عليّ كرم الله وجهه ورضي عنه: [البسيط]
الناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهم آدم والأمّ حوّاء
فإن يكن لهم من قبل ذا نسب ... يفاخرون به فالطين والماء
وقال عامر بن الطفيل: [الطويل]
وإني وإن كنت ابن سيّد عامر ... وفي السرّ منها والصريج المهذّب (٢)
فما سودتني عامر عن ولادة ... أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
ولكنّني أحمي حماها وأتّقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكب
فهذا مع إمكانه الفخر بالآباء لم يفخر إلا بنفسه. وأخذه عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقال: [الكامل]
لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوما على الأحساب نتّكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
وهذا مثل قول الحسن رضي الله تعالى عنه وقد أجزل صلة شاعر، فليم في ذلك فقال: أتراني خفت أن يقول: إني لست ابن فاطمة بنت النبي ﷺ ، ولا ابن عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، ولكني خفت أن يقول: لست كمثلهما فيصدّق ويحمل عنه، ويبقى مخلّدا في الكتاب محفوظا على ألسنة الرواة، فقال الشاعر: أنت والله يا بن رسول الله أعرف بالمدح والذم مني.
قوله: والأدب المنتقى؛ حدّث يحيى بن أكثم قال: بينما أنا جالس مع المأمون إذ دخل الدار فتى، أبدع الناس زيّا وهيبة ووقارا، وهو لا يلتفت إعجابا بنفسه، فنظر إليه المأمون، فقال: يا يحيى إنّ هذا الفتى لا يخلو أن يكون هاشميّا أو نحويّا، ثم بعثا من يتعرف ذلك منه. فعاد الرسول فأخبر أنه نحويّ. فقال المأمون: يا يحيى؛ أعلمت إن علم النحو قد بلغ بأهله من عزة النفس وعلوّ الهمة منزلة بني هاشم في شرفهم! يا يحيى، من قعد به نسبه قام به أدبه.
стр. 746
قال: وأنشد الشاعر: [المنسرح]
كن ابن من شئت واتّخذ أدبا ... يغنيك مأثوره عن النّسب
إنّ الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي
مالي عقلي وهمتي حسبي ... ما أنا مولى ولا أنا عربي
إن انتمى منتم إلى أحد ... فإنني منتم إلى أدبي
وتكلم رجل عند عبد الملك بكلام ذهب فيه كلّ مذهب، فقال له وقد أعجبه: ابن من أنت يا غلام؟ فقال: ابن نفسي يا أمير المؤمنين، التي نلت بها هذا المقعد منك، قال: صدقت. أخذه ابن دريد فقال: [الرجز]
كن ابن من شئت وكن مؤدّبا ... فإنما المرء بفضل حسّه
وليس من تكرمه لغيره ... مثل الذي تكرمه لنفسه
وقالت عائشة ﵂: كل كرم دونه لؤم، فاللؤم أولى به، وكل لؤم دونه كرم فالكرم أولى به- يعني أن أفعال الإنسان إذا كرمت لم يضرّه لؤم آبائه، وإذا لؤمت لم ينفعه كرم آبائه. وقال المعرّي: [السريع]
لو عرف الإنسان مقداره ... لم يفخر المولى على عبده (١)
لولا سجاياه وأخلاقه ... لكان كالمعدوم في وجده
ومجده أفعاله لا الذي ... من قبله كان ولا بعده
قوله: ما تجلّى يومه، أي على ما ظهر وانكشف يومه من أفعاله المحمودة أو المذمومة. محقوقفا: منحنيا. اجرنثم: انقبض. مقفقفا: مرتعدا، ويقال: قفّ شعره إذا ارتفع من ذعر أصابه. وقفّ جلدي من هذا الحديث إذا اقشعر من استشناع ما سمع.
غمر بنواله، أي غطّى بعطاياه. وأمر بسؤاله: يريد قوله تعالى: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: ٣٢]. آله: أهله. أهواله: شدائده ومخاوفه. أتح: قدّر. يؤثر: يفضّل غيره على نفسه. خصاصة: جوع، وهذا منتزع من القرآن.
***
قال الرّاوي: فلمّا جلّى عن النّفس العصاميّة، والملح الأصمعيّة، جعلت ملامح عيني تعجمه، ومرامي لحظي ترجمه، حتّى استبنت أنّه أبو زيد، وأنّ تعرّيه أحبولة صيد. ولمح هو أنّ عرفاني قد أدركه، ولم يأمن أن يهتكه، فقال: أقسم بالسّمر والقمر، والزّهر والزّهر، إنّه لن يسترني إلّا من طاب خيمه، وأشرب ماء
стр. 747
المروءة أديمه. فعقلت ما عناه، وإن لم يدر القوم معناه، وساءني ما يعانيه من الرّعدة، واقشعرار الجلدة. فعمدت لفروة هي بالنّهار رياشي، وفي اللّيل فراشي فنضوتها عنّي، وقلت له: اقبلها منّي؛ فما كذب أن افتراها، وعيني تراها. ثم أنشد: [السريع]
لله من ألبسني فروة ... أضحت من الرّعدة لي جنّه
ألبسنيها واقيا مهجتي ... وقّي شرّ الإنس والجنّه
سيكتسي اليوم ثنائي وفي ... غد سيكسى سندس الجنّه
***
والعصامية: منسوبة إلى عاصم بن شهبر بن الحارث الجرميّ، حاجب النعمان بن المنذر الذي يقول له النابغة: [الوافر]
فإني لا ألام على دخول ... ولكن ما وراءك يا عصام (١)
ولم يكن عصام شريفا، ولا نشأ في قومه، ولكن كان من أشدّ الناس بأسا، وأفصحهم لسانا، وأحزمهم رأيا، وأقربهم إلى النعمان، وقال له رجل يوما: كيف بلغت هذه المنزلة من الملك وأنت دنيء الأصل؟ فقال: [الرجز]
نفس عصام سوّدت عصاما ... وعلّمته الكرّ والإقداما
* وصيّرته سيّدا هماما (٢) *
ويقال: كن عصاميا ولا تكن عظاميا، أي افتخر بنفسك لا بآبائك الذين ماتوا وبقيت عظامهم. فكلّ من ليس له شرف قديم، وشرف بنفسه، يقال له عصاميّ.
وكانت لرجل عند الحجاج حاجة، فوصف بالجهل والحمق، فأراد أن يختبره، فقال: أعصاميّ أنت أم عظاميّ؟ فقال له الرجل: عصاميّ عظاميّ، فظنّ أنه يريد افتخاره بنفسه لفضله وبآبائه لشرفهم، فقال الحجاج: هذا من أفضل الناس، وقضى حاجته ثم جرّبه بعد ذلك، فوجده أجهل الناس، فقال له: أصدقني وإلا قتلتك، أجبتني بعصاميّ وعظاميّ، فقال له الرجل: لم أعلم معناهما، فخشيت أن أقول أحدهما فأخطئ، فقلت في نفسي: أقولهما معا، فإن ضرّني أحدهما نفعني الآخر، فقال الحجاج: المعاذير تصيّر الغبيّ خطيبا، فذهبت مثلا.
стр. 748
وسمع المأمون رجلا يفخر بنفسه وهو ناقص، فقال: أنت عظامي لا عصاميّ.
ولهذا أشار بما تقدم من قوله «تبّا لمفتخر، بعظم نخر»، يريد أن عصاما ساد بنفسه لا بآبائه، وكذلك السّروجيّ لم يفخر إلا بنفسه.
الأصمعية: التي حكاها الأصمعيّ، وقد مرّ من ملح الأصمعيّ في هذا الكتاب جملة كافية بحمد الله تعالى. والأصمعيّ عصاميّ لأنه من باهلة، وهي أهجن قبيلة في العرب وألأمها، وذكر المبرّد في كامله جملة أخبار في أمثالها، قال فيها الشاعر:
[المتقارب]
ولو قيل للكلب يا باهلي ... عوى الكلب من لؤم ذاك النّسب
وهو مع ذلك خامل المنشأ، وقد ذكرنا في الأربعين خمول أبيه إلا أنه ساد الناس بنفسه أدبا وعلما ودينا. ومن ملحه أنه قال: بينما أنا في طرق البصرة إذا أنا بكناس يكنس كنيفا، وإذا هو يقول: [الطويل]
فإياك والسكنى بأرض مذلّة ... تعدّ مسيئا فيه إن كنت محسنا
فنفسك أكرمها وإن ضاق مسكن ... عليك بها فاطلب لنفسك مسكنا
قال: فوقفت عليه، فقلت: والله ما بقي عليك من الهون شيء إلا وقد أهنتها به، فما الذي نلت من كرامتها؟ قال: والله لكنس ألف كنيف أحسن من القيام على باب مثلك ساعة.
الأصمعيّ: كان أعرابيان متواخيان بالبادية؛ ثم إن أحدهما استوطن الريف، واختلف إلى باب الحجاج، فولّاه أصبهان. فسمع أخوه خبره فضرب إليه، فأقام ببابه حينا لا يصل إليه، ثم أذن له بالدخول، فأخذه الحاجب فمشى به وهو يقول: [الوافر]
فلست مسلّما ما دمت حيّا ... على زيد بتسليم الأمير
فقال زيد: لا أبالي، فقال الأعرابيّ: [الوافر]
أتذكر إذ لحافك جلد شاة ... وإذ نعلاك من جلد البعير
فقال: نعم، فقال الأعرابيّ: [الوافر]
فسبحان الّذي أعطاك ملكا ... وعلّمك القعود على السرير
تعجمه: تختبره. مرامي لحظي: نظرات عيني وسهام نظري، واحد المرامي مرماة، وهي السهم.
ترجمه: ترميه وتقع عليه. أحبولة: شبكة. يهتكه: يكشفه. السّمر: ظل القمر، ثم سمّي حديث الليل سمرا به. الزّهر: النجوم. خيمه: طبعه. أشرب: سقي. المروءة:
الفعل الجميل. أديمه: وجهه، ويقال: أشرب فلان حبّ فلان، إذا خالط حبّه قلبه. ما
стр. 749
عناه: ما أراده، يريد أنه لما قال: لن يسترني، إنما أراد لن يستر عليّ هذه الحيلة التي أريد بها خداع الناس بعد ما عرفها إلا من هو كما وصف.
وقال النبيّ ﷺ : «من رأى عورة أخيه فسترها كان كمن أحيا موءودة من قبرها» (١).
ساءني: شقّ عليّ. يعانيه: يقاسيه. اقشعرار: انقباض وارتعاد. عمدت: قصدت.
رياشي: لباسي. نضوتها: جرّدتها. افتراها: اتخذها. جنّة: سترا ووقاية. واقيا: صائنا.
مهجتي: نفسي. وقّي: كفي. الجنّة: الجنّ. سندس: ثياب خضر.
***
قال: فلمّا فتن قلوب الجماعة، بافتنانه في البراعة ألقوا عليه من الفراء المغشّاة، والجباب الموشّاة، ما آده ثقله، ولم يكد يقلّه، فانطلق مستبشرا بالفرج، مستسقيا للكرج، وتبعته إلى حيث ارتفعت التقيّة، وبدت السّماء نقيّة، فقلت له:
لشدّ ما قرسك البرد. فلا تتعرّ من بعد، فقال: ويك! ليس من العدل، سرعة العذل، فلا تعجل بلوم هو ظلم، ولا تقف ما ليس لك به علم؛ فو الّذي نوّر الشّيبة، وطيّب تربة طيبة، لو لم أتعرّ لرحت بالخيبة، وصفر العيبة.
***
افتنانه: تنوّعه. البراعة: الجودة والفصاحة. المغشاة: المغطّاة بغيرها من الثياب.
الموشّاة: المزيّنة بالرقم. آده: أثقله. يقلّه: يرفعه. مستسقيا: داعيا بأن يسقيها الله تعالى. التقية: الخشية.
قوله: بدت السماء نقية، مثل ضرب لخلوّ الموضع من الناس وظهوره فيه وحده.
ويك، أي عجبا لك. العذل: اللوم.
تقف: تتبع، يقال: قفوت أثره أقفوه قفوا، إذا تتبعته، ومنه: قفا فلان فلانا إذا أتبعه بكلام قبيح، ويقال: قفاه بالتخفيف.
أبو عبيدة رحمه الله تعالى: أصل القفو والتّقافي: البهتان يرمي به الرجل صاحبه، واحتج بحديث حبان بن عطية: «من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله تعالى في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج» (٢). قال الفراء رحمه الله تعالى: القفو: مأخوذ من القيافة، وهو تتبع الأمر، يقال: قاف القائف يقفو قيافة، فهو قائف، بتقديم الفاء على الواو، كما قالوا في جذب: جبذ، وقرئ: وَلا تَقْفُ [الإسراء: ٣٦] مثل تقل. نوّر: بيّض.
стр. 750
[طيبة]
طيبة مدينة النبي ﷺ ، وطيّب الله تربتها بأن صيّرها موطنا لنبيه ﷺ ، في حياته ومستقرّا له بعد مماته. وذكر شيخنا ابن جبير المدينة فقال: للمدينة المكرّمة أربعة أبواب وهي تحت سورين في كلّ سور باب يقابله آخر: باب الحديد، وباب الشريعة، وباب القبلة، وباب البقيع، وبين سورها الغربيّ وخندق النبي ﷺ مقدار غلوة، وبين السور والخندق عين النبي ﷺ ، وعليه حلق عظيم مستدير، ومنبع العين وسطه، كأنه الحوض المستطيل، وتحت العين سقايتان بينهما جدار لطهر الناس وغسل أثوابهم، والعين للاستقاء والعين تمد السقايتين، وتهبط إليهما على خمس وعشرين درجة، وماؤها يعم أهل الأرض فضلا عن أهل المدينة. وبمقربة من الحوض ممّا يلي الحوض حجر الزيت، يقال: إنّ الزيت رشح للنبي ﷺ من ذلك الحجر. وبالقرب منه بئر بضاعة وبإزائها من الجهة اليسار جبل الشّيطان حيث صرخ يوم أحد: قتل نبيكم. وعلى شفير الخندق حصن العزّاب، وهو خرب. كان عمر ﵁ بناه لعزّاب المدينة، وأمامه لجهة الغرب على بعد بئر رومة التي اشتراها عثمان ﵁ بعشرين ألفا. وداخل باب الحديد سقاية يهبط إليها على أدراج، وهي بمقربة من الحرم المكرّم، وبقبليّ الحرم دار مالك بن أنس ﵁. ويطيف بالحرم شارع مبلط بالحجر المنحوت، وفي جوفي المدينة جبل أحد على ثلاثة أميال منها، وبقبليّة مسجد حمزة، وقبره برحبة بجوفي المسجد، وبإزائه قبور الشهداء، وحوله تربة حمراء أنزل فيها سورة الفتح الشريفة، وشرقي المدينة بقيع الغرقد، وإذا خرجت على باب البقيع تلقي على يسارك قبر صفيّة عمة النبي ﷺ وأم الزبير، وأمامها قبة مختصرة البناء على قبر مالك بن أنس. وأمامه قبر السلالة الطاهرة إبراهيم ابن النبي ﷺ عليه قبة بيضاء وعلى يمينها قبر عبد الرحمن بن عمر، الذي جلده أبوه الحدّ فمات، وبإزائه قبر عقيل بن أبي طالب وعبد الله بن جعفر، وبإزائه روضة صغيرة فيها ثلاثة من أبنائه ﷺ ، ويليها روضة العباس والحسن ﵄، وعليها قبة مرتفعة في الهواء، وقبراهما مرتفعان على الأرض مغشيان بألواح ملتصقة أبدع التصاق، مرصعة بالصفائح الصّفر مسكوكة بمسامير على أبدع صفة، وعلى هذا الشكل قبر إبراهيم ﵇ ابن النبي صلّىالله عليه وسلم، وفي آخر البقيع قبر عثمان بن عفان الشهيد، وعليه قبة مختصرة البناء، وبمقربة منه قبر فاطمة بنت أسد أم عليّ كرم الله وجهه، ومشاهد البقيع أكثر من أن تحصى لأنها مدفن الصحابة ﵃. وقبل المدينة على نحو الميلين قباء، وكانت مدينة كبيرة متصلة بالمدينة المكرّمة، وبها المسجد الذي أسس على التقوى وهو مربع مستوى الطول والعرض له باب واحد من جهة الغرب، وهو سبع بلاطات في الطول، ومثلها في العرض، وفيه صومعة طويلة بيضاء تظهر على البعد، وفي وسطه مبرك الناقة بالنبيّ ﷺ ، عليه حلق قصير شبه الروضة، يتبرّك الناس بالصلاة فيه وفي صحنه مما يلي القبلة شبه محراب على مسطبة، وهو أوّل موضع ركع فيه النبي ﷺ ،
стр. 751
وفي قبليّة دار بني النجار، وهي دار أبي أيوب الأنصاريّ، ويليها دار عائشة رضي الله تعالى عنها، وبإزائها دار عمر ودار فاطمة ودار أبي بكر ﵃ أجمعين ورضي عنّا بهم، وبإزائها بئر أريس حيث تفل فيه النبي ﷺ فعاد عذبا بعد أن كان أجاجا، وفيه وقع خاتمه من يد عثمان ﵁، وحديثه مشهور، وفي آخره تلّ مشرف يعرف بعرفات لأنه كان موقف النبي ﷺ يوم عرفة، ومنه زويت له الأرض فأبصر الناس بعرفات. ويدخل من التل على دار الصّفة، وبها كان عمار وسلمان وأصحابهما. والطريق من قبل قباء إلى المدينة بين حدائق النخل المتصلة، والنخيل تحدق بالمدينة من جهاتها، وأعظمها جهة القبلة والشرق، وأقلها جهة الغرب. وآثار المدينة وقباء لا تحصى. فلمّا خص الله تعالى تربة طيبة بصفوة عباده أقسم الحريري بمن طيّبها.
صفر العيبة: خلو الوعاء.
***
ثمّ نزع إلى الفرار، وتبرقع بالاكفهرار، وقال: أما تعلم أنّ شنشنتي الانتقال من صيد إلى صيد، والانعطاف من عمرو إلى زيد، وأراك قد عقتني وعققتني، وأفتّني أضعاف ما أفدتني، فاعفني عافاك الله من لغوك، واسدد دوني باب جدّك ولهوك. فجبذته جبذ التّلعابة، وجعجعت به للدّعابة، وقلت له: والله لو لم أوارك، وأغطّ على عوارك، لما وصلت إلى صلة، ولانقلبت أكسى من بصلة، فجازني عن إحساني إليك، وستري لك وعليك، بأن تسمح لي بردّ الفروة، أو تعرّفني كافات الشّتوة. فنظر إليّ نظر المتعجّب، وازمهرّ ازمهرار المتغضّب، ثمّ قال: أمّا ردّ الفروة فأبعد من ردّ أمس الدّابر، والميت الغابر.
***
نزع: مال وحنّ. وتبرقع: ستر وجهه. الاكفهرار: العبوس. شنشنتي: طبيعتي.
الانعطاف: الرجوع. عقتني: حبستني. عققتني: قطعتني. أفتّني: حرمتني. أفدتني:
أكسبتني فائدة. اعفني: أرحني وعافني. لغوك: باطلك. التلعابة: كثرة اللعب ورجل تلعابة: حسن اللعب مزّاح، وفي الحماسة: [الطويل]
هو الظفر الميمون إن عاد واغتدى ... به الركب والتّلعابة المتحبّب (١)
стр. 752
جعجعت: صحت ودعوت به، والجعجعة: رغاء الإبل. الدّعابة: المزاح.
أوارك: أسترك. عوارك: عيبك. صلة: عطية. ستري لك، أي ثوبي، وأراد بعليك، سكوتي عنك حين قلت: لن يسترني إلا من طاب خيمه. ازمهرّ: توقدت عيناه غضبا.
المتغضّب: المستعمل الغضب. الدابر: الماضي. والغابر: الذاهب.
***
وأمّا كافات الشّتوة، فسبحان من طبع على ذهنك، وأوهى وعاء خزنك، حتّى أنسيت ما أنشدتك بالدّسكرة، لابن سكّرة: [البسيط]
جاء الشّتاء وعندي من حوائجه ... سبع إذا القطر عن حاجاتنا حبسا
كنّ وكيس وكانون وكاس طلا ... بعد الكباب وكسّ ناعم وكسا
ثمّ قال: لجواب يشفي، خير من جلباب يدفي؛ فاكتف بما وعيت وانكفى.
ففارقته وقد ذهبت فروتي لشقوتي، وحصلت على الرّعدة طول شتوتي.
***
وقوله: سبحان من طبع، معناه تنزيها لك يا ربنا من الولد والصاحب والشريك، أن نزهناك من ذلك، وانتصابه على المصدر، كأنك قلت: سبحت الله تسبيح، فجعلت «سبحان» في موضع التسبيح، ومعنى طبع على قلبك، أي غشّاه الصدأ والدنس والوسخ، قال الله تعالى: فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ [المنافقون: ٣] وقال: كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الروم: ٥٩]، وفي الحديث «نعوذ بالله من طمع يدني إلى طبع» (١). وقال الشاعر: [البسيط]
لا تطمعن طمعا يدني إلى طبع ... إن المطامع فقر والغنى ياس
وأنشد يعقوب: [البسيط]
لا خير في طمع يدني إلى طبع ... وغفّة من قوام العيش تكفيني (٢)
والذهن: قوّة إدراك العقل. أوهى: أضعف. خزنك: تثقيفك وحرزك. الدسكرة:
هنا قرية معروفة بينها وبين بغداد على طريق خراسان ستة عشرة فرسخا.
стр. 753
[ابن سكّرة]
وابن سكّرة من شعراء اليتيمة قال صاحبها: ابن سكرة الهاشميّ هو أبو الحسن محمد بن عبد الله بن محمد. شاعر متسع الباع، في أنواع الإبداع، فائق في قول الظرف والملح، أحد الفحول والأفراد، وجال في ميدان المجون والسخف بما أراد. وكان يقال ببغداد: إن زمانا جاد بابن سكرة وابن الحجاج لسخيّ جدّا، وما أشبّههما إلا بجرير والفرزدق في عصرهما. ويقال إن ديوان ابن سكرة يربو على خمسين ألف بيت.
ومن شعره في غلام في يده غصن نوار: [المنسرح]
غصن بان بدا وفي اليد منه ... غصن فيه لؤلؤ منظوم
فتحيّرت بين غصنين في ذا ... قمر طالع وفي ذا نجوم
وله في غلام يعرف بابن برغوث: [الوافر]
بليت ولا أقول بمن لأني ... إذا أنا قلت من هو تعشقوه
حبيب قد نفى عنّي رقادي ... فإن غمّضت أيقظني أبوه
وله في غلام أعرج: [الكامل]
قالوا بليت بأعرج فأجبتهم ... العيب يحدث في غصون البان
ماذا عليّ إذا استجدت شمائلا ... وروادفا تغني عن الكثبان
إني أحبّ جلوسه وأريده ... للنوم لا للجري في الميدان
في كلّ غصن منه حسن كامل ... ما ضرّني إن زلّت القدمان
وله في غلام سميّه: [الوافر]
إذا باسمي دعيت حننت شوقا ... وذكّرني به الداعي حبيبي
فليت كما اتفقنا في الأسامي ... وألفتها اتفقنا في القلوب
وله أيضا: [المتقارب]
بنفسي عذار بدا طالعا ... على ناضر الورد ما أملحا
كتمت هواه زمان الصّبا ... وبوّحت بالحبّ لمّا التحى
وقالوا محا الشعر لمّا بدا ... محاسنه منه واستقبحا
فقلت لهم ما محا حسنه ... ولكنّ صبري عنه محا
وله في مثله: [الخفيف]
وغزال لولا تميمة شعر ... ذكّرته لقلت بعض الجواري
شارب أشرب الصبابة قلبي ... وعذار خلعت فيه عذاري
стр. 754
وله في مثله أيضا: [الخفيف]
من عذيري من شادن لا يراني ... وهو روحي أهلا لردّ السلام
أنا من خده وعينيه والثغ ... ر ومن ريقه البعيد المرام
بين ورد ونرجس ولآل ... أقحوان وبابليّ مدام
وله في مثله أيضا: [المنسرح]
في وجه إنسانة كلفت بها ... أربعة ما اجتمعن في أحد
الخدّ ورد والصّدغ غالية ... والريق خمر والثّغر من برد
وله في مثله أيضا: [الوافر]
لقد أمسكت من عمر بن يحيى ... بحبل ما أخاف له انبتاتا
حباني في الحياة ورمّ حالي ... وأوصى بي أبا حسن وماتا
فكنت مجاورا للبحر منه ... فلمّا مات جاورت الفراتا
وله في وزير المهلبي: [البسيط]
لا عذّب الله ميتا كان ينعشني ... فقد لقيت بضرّي مثل ما لاقى
طواه موت طوى عني مكارمه ... فذقت من بعده بالفقر ما ذاقا
وقال فيه أيضا: [الطويل]
مضى ملك عمّ البرية جوده ... رءوف وإن راع الأسود شفيق
سكرت بنعماه وجود وزيره ... فقالت لي الأيام: سوف تذوق
وقال ﵀ أيضا: [الوافر]
لقد كان الشباب فكان غضّا ... له ثمر وأوراق تظلّك
وكان البعض منك فمات فاعلم ... متى ما مات بعضك مات كلّك
ويا بعد ما بين حاله وقت قوله: جاء الشتاء ... البيتين. وبين حاله وقت موت المهلبي، وقد أدرك فاقة، فسئل عما أعدّ للشتوة فقال: [مجزوء الرمل]
قيل ما أعددت للبر ... د فقد جاء بشدّه
قلت: درّاعه عري ... تحتها جبّة رعده
***
قوله: «إذا القطر عن حاجاتنا حبسا»، في معنى ذلك أن الحسن بن وهب تأخر عن ابن الزيات وهو يكتب له، فاستبطأه فكتب الحسن إليه: [الخفيف]
أوجب العذر في تراخي اللقاء ... ما ترى بي من هذه الأنواء
стр. 755
لست أدري ماذا أقول وأشكو ... من سماء تعوقني عن سماء
غير أني أدعو على تلك بالثّك ... ل وأدعو لهذه بالبقاء
فسلام الإله أهديه منّي ... لك غضّا يا سيّد الوزراء
كان لابن عبد ربه فتى يهواه، فأعلمه أني راحل غدا، فلما أصبح عاقه عن السفر تكاثر المطر، فانجلى عن ابن عبد ربه همّه، وكتب إليه: [البسيط]
هلّا ابتكرت لبين أنت مبتكر ... هيهات يأتي عليك الله والقدر
ما زلت أبكي حذار البين ملتهبا ... حتى رثا لي فيك الريح والمطر
يا برده من حيا مزن على كبد ... نيرانها بغليل الشّوق تستعر
آليت ألّا أرى شمسا ولا قمرا ... حتى أراك، فأنت الشمس والقمر
وعد ابن رشيق محبوبه الصائغ أن يكون عنده يوم عيد فصلّى وارتقبه، فإذا بالسماء قد أرعدت وأبرقت، فكتب إليه: [البسيط]
تجهّم العيد وانهلّت مدامعه ... وكنت أعهد منه البشر والضّحكا
كأنه جاء يطوي الأرض من بعد ... شوقا إليك فلما لم يجدك بكى
وكتب السّلاميّ إلى أصحابه والمطر قد قطعه عنهم: [الوافر]
قطعتكم برغم المجد شهرا ... أشدّ عليّ من شهر الصّيام
وكيف أزوركم والمزن تبكي ... على داري بأربعة سجام
وكانت منزلا طلق الحميّا ... فصارت واديا صعب المرام
تهافت ركّع الجدران فيها ... سجودا للرّعود بلا إمام
أنادي كلما ارتفعت سحاب ... فأبكتنا البوارق بابتسام
حوالينا بذاك ولا علينا ... كفانا الله شرّك من غمام
كنّ، أي بيت. كيس: وعاء الدراهم. كانون: حيث تجعل النار فيه. طلا: خمر.
كباب: لحم يشرح ويشوى، وكبّبته: فعلت ذلك به، وقيل: الكباب قطع الكرش تلوي عليها المصارين، وأراد بها هاهنا شواء اللحم. والكسّ: اسم فرج المرأة وليس بعربي، قال الفنجديهي رحمه الله تعالى: سمعت بعض الفضلاء يقول: كتب ابن سكّرة في يوم مطر إلى صديق له: [البسيط]
يوم مطير وعندي من خواطره ... سبع إذا القطر عن حاجاتنا حبسا
حروف كافاتها فيها مقومة ... إذا تلاها الفتى ذو اللبّ أو درسا
لنّ وكيس وكانون وكأس طلا ... مع الكباب وكسّ ناعم وكسا
فلو مطرت البحار الدّهر لم ترني ... أقول: أحسن هذا اليوم بي وأسا
стр. 756
وزاد ابن مسعود عليه كافا ثامنة فقال: [الطويل]
وكم ليلة في شهر كانون بتّها ... أعانق من حبّي بها الدّعص والغصنا
سمعت من الكافات فيها ثمانيا ... فما شئت من مرأى أنيق حوى الحسنا
كبابا وكيزانا وكيسا وكاعبا ... كساء وكوبا والكوانين والكسا
كما نقصه الأمير تميم بن المعز السابعة، فقال: [الطويل]
إذا هبّ سلطان المريسيّ ضاحكا ... سحيرا وحلّ الغرب كلّ نقاب
وزرّ على الأرض الغمام ثيابه ... فقم والقه في عدّة وحراب
بكنّ وكانون وكأس مدامة ... وكيس وكسّ وافر وكباب
نقلت أبيات ابن مسعود من شرح شيخنا ابن اللبان، قال: ولما جمعنا في أيام الشتاء ما جمعنا من الكافات، قلت في ضدها من الحرّ بيتين، جمعت فيهما من الراءات ثمانية وهي: [البسيط]
عندي فديتك راءات ثمانية ... ألقي بها الحرّ إن وافى وإن بردا
رقّ وروح وريحان وريق رشا ... ورفرف ورياض ناعم وردا
جلباب: ثوب يلبس على الثياب. اكتف: اقتنع. وعيت: حفظت. انكفى: ارجع إلى موضعك. طول: مدة. والله تعالى أعلم.
стр. 757
المقامة السّادسة والعشرون وتعرف بالرقطاء
حدّث الحارث بن همّام قال: حللت سوق الأهواز، لابسا حلّة الإعواز، فلبثت فيها مدّة، أكابد شدّة، وأزجّي أياما مسودّة، إلى أن رأيت تمادي المقام، من عوادي الانتقام، فرمقتها بعين القالي، وفارقتها مفارقة الطّلل البالي. فظعنت عن وشلها كميش الإزار، ركضا إلى المياه الغزار؛ حتّى إذا سرت منها مرحلتين، وبعدت سرى ليلتين، تراءت لي خيمة مضروبة، ونار مشبوبة، فقلت: آتيهما لعلّي أنقع صدى، أو أجد على النار هدى.
***
حللت: نزلت. الأهواز: مدينة واسعة لها سبع كور بين البصرة وفارس، قال الرّشاطي: الأهواز: متصلة بالجبل وأصبهان، وقيل: إن الأهواز بلد من سكن قصبته، ضعف عقله ولزمته الحمّى.
حلة الإعواز: ثوب الفقر، والحلّة إزار ورداء، ولا يقال لثوب واحد: حلّة. لبثت:
أقمت. أكابد: أقاسي. أزجّي: أسوق. مسودّة: شداد مشئومة. تمادي: دوام وطول.
المقام: الإقامة. عوادي: جمع عادية، من العدوان وهو الظلم. والانتقام: العذاب والنكاية. رمقتها: نظرتها. القالي: البغيض. الطلل: ما شخص من آثار الدار. ظعنت:
ارتحلت. وشلها: ماؤها القليل. كميش: مشمّر، وانكمش في طلب حاجته: أسرع فيها، والإزار والمئرز: ما يلبس عرضا من السراويل، ولا تعرف العرب السراويل، ووجدها أعرابي فظنّها قميصا، فأدخل يديه من على ساقيها، والتمس من أين يخرج رأسه فلم يجد فرمى بها، وقال: هذا قميص الشيطان.
قوله: راكضا، أي جاريا، وهمزة ماء مبدلة من هاء «مياه». الغزار: الكثيرة. سرى ليلتين، أي سرت مقدار ما يسار فيه ليلتين. تراءت: ظهرت. مشبوبة: موقودة. أنقع صدى: أروي عطشا. أجد على النار هدى، أي أجد عليها من يرشدني إلى الطريق.
***
فلمّا انتهيت إلى ظلّ الخيمة، رأيت غلمة روقة، وشارة مرموقة، وشيخا عليه
стр. 758
بزة سنيّة، ولديه فاكهة جنيّة. فحيّيته ثمّ تحاميته. فضحك إليّ، وأحسن الرّدّ عليّ، وقال: ألا تجلس إلى من تروق فاكهته، وتشوق مفاكهته! فجلست لاغتنام محاضرته، لا لالتهام ما بحضرته، فحين سفر عن آدابه، وكشر عن أنيابه، عرفت أنّه أبو زيد بحسن ملحه، وقبح قلحه. فتعارفنا حينئذ، وحفّت بي فرحتان ساعتئذ، ولم أدر بأيّهما أنا أضفى فرحا، وأوفى مرحا! أبإسفارة، من دجنّة أسفاره، أم بخصب رحاله، بعد إمحاله.
***
روقة: حسانا، وغلام روقة، إذا أعجبك، وغلمان روقة، الواحد والجمع سواء، وقيل: روقة لفظ مفرد والجمع روق، والهاء للمبالغة. شارة: هيئة حسنة يشار إليها.
مرموقة: محبوبة. بزّة سنية ثياب حسان، والبزّة والبزّ أفضل الثياب: جنيّة: طرية كما اجتنيت. حيّيته: سلّمت عليه. تحاميته: تباعدت عنه. تروق: تعجب. تشوق: تشوّق وتدعو إلى الطرب. مفاكهته: ممازحته، وفاكهته: حدّثته بما يعجب. التهام: ابتلاع.
سفر: كشف وبيّن أنه من أهل الأدب. كشر عن أنيابه: كشف عن أسنانه عند الضحك.
ملحه: مليح كلامه. قلحه: صفرة أسنانه. تعارفنا: عرّفته من أنا وعرفني من هو. حفّت:
أحاطت. والمرح: شدة الفرح؛ وأوفى مرحا، أي أكمل طربا ونشاطا. إسفاره: طلوعه وإضاءته. دجنة: سواد وظلام. أسفاره: جمع سفر. رحاله: أوقاره، يصف كثرة ماله، وأنه إذا نزل منزلا أخصب بكثرة أحماله. إمحاله: جدبه.
***
وتاقت نفسي إلى أن أفضّ ختم سرّه، وأبطن داعية يسره، فقلت له: من أين إيابك، وإلى أين انسيابك، وبم امتلأت عيابك؟ فقال: أمّا المقدمفمن طوس، وأمّا المقصد فإلى السّوس. وأمّا الجدة الّتي أصبتها، فمن رسالة اقتضيتها. فسألته أن يفرشني دخلته، ويسرد عليّ رسالته، فقال: دون مرامك حرب البسوس، أو تصحبني إلى السّوس. فصاحبته إليها قهر، وعكفت عليه بها شهرا، وهو يعلّني كاسات التعليل، ويجرّني أعنّة التأميل.
***
تاقت: اشتاقت. أفضّ: أكسر. ختم: ربط وشد. أبطن: أعرف باطنه. يسره:
غناه. إيابك: رجوعك. انسيابك: ذهابك. عيابك: أوعية متاعك.
طوس: مدينة منها إلى نيسابور مرحلتان، قال اليعقوبي: مدينة طوس العظمى،
стр. 759
يقال لها لوبان، وبها قبر الرشيد، وبها توفّي الرضا عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين، وهي من ثغور الجبال المتصلة بخراسان، ومجاورتها أيضا مدينة أصبهان، وهي عظيمة.
وأما السوس، فمدينة بأرض فارس، تعمل بها الثياب السّوسية من الخزّ، قال الرشاطي: السوس من كور الأهواز، والسوس في بلاد الغرب، وذكر الجاحظ أن من طنجة إليها عشرين يوما.
وسوسة من بلاد إفريقية على البحر، تصنع بها ثياب رفاع، والسوس اسم مشترك، والذي قصد الحريري منهما الأولى.
الجدة: الغنى. اقتضبتها: ارتجلتها. يفرشني دخلته: يبسط لي باطن أمره، وأفرشتك حديثي: بسطته لك وبيّنته. يسرد: يقرأ. مرامك: مطلبك. وتقدّمت حرب البسوس في التاسعة عشرة.
عكفت: أقمت. يعلني: يسقيني مرّة بعد مرة، والتعليل أن يطمعك في قضاء حاجتك فإذا تقاضيته أظهر لك عللا وعوائق لم يمنّيك، فمتى ما جئته اعتل لك بعلة مانعة من قضاء حوائجك.
يجرّني: يعلّقها بي ويجعلني أجرّها. أعنّة: جمع عنان. التأميل: مصدر أمّله، إذا رجاه وحقق له أمله.
***
حتّى إذا حرج صدري، وعيل صبري قلت له: إنّه لم يبق لك علّة، ولا لي في المقام تعلّة، وفي غد أزجر غراب البين، وأرحل عنك بخفّي حنين، فقال:
حاش لله أن أخلفك، أو أخالفك؛ وما أرجأت أن أحدّثك إلّا لألبّثك. وإذا كنت قد استربت بعدتي، وأغراك ظنّ السّوء بمباعدتي، فأصخ لقصص سيرتي الممتدّة، وأضفها إلى أخبار الفرج بعد الشّدّة.
فقلت لها: هات فما أطول طيلك، وأهول حيلك. فقال: اعلم أنّ الدّهر العبوس، ألقاني إلى طوس، وأنا يومئذ فقير ووقير، لا بها ولا نقير، فألجأني صفر اليدين، إلى التّطوّق بالدّين، فادّنت لسوء الاتّفاق، ممّن هو عسر الأخلاق، وتوهّمت تسنّي النّفاق، فتوسّعت في الإنفاق، فما أفقت حتّى بهظني دين لزمني حقّه، ولازمني مستحقّه، فحرت في أمري، وأطلعت غريمي على عسري.
***
стр. 760
حرج صدره، إذا ضاق. عيل: غلب، وعالني الأمر يعولني عولا: غلبني. وقرأ ابن مسعود ﵁: «وإن خفتم عائلة» أي خصلة تعولكم وتغلبكم. تعلّة: ما تبديه من العلل في اعتذارك لمن يتقاضاك، وفي غد أزجر غراب البين، أي التفاؤل به لفراقك، وإنّما ينسبون الفراق للغراب، لأنهم إذا ارتحلوا عن موضع اجتمعت الغربان فيه يلتقطن ما تركوا من بقايا طعامهم وزبل دوابهم، وإذا أخذوا في هدم البيوت للرحيل وأبصرهم الغراب صاح رغبة فيما يلتقط، فيقولون عند ذلك: نعق غراب البين، فصاروا يتشاءمون به، وزجر الطير يذكر في الثامنة والثلاثين. قال المعرّي في صدق التفاؤل بالغراب: [الطويل]
نبيّ من الغربان ليس على شرع ... يخبّرنا أن الشّعوب على صدع
أصدّقه في مرية وقد امترت ... صحابة موسى بعد آياته التسع
كأنّ بفيه كاهنا أو منجّما ... يخبّرنا عما لقينا من الفجع
وما كان أفعى أهل نجران مثله ... ولا كان للإنس الفضيلة في السّمع
أتى وهو طيّار الجناح وإن مشى ... أشاح بما أعيا سطيحا من السّجع
قوله: أخلفك، أكذب وعدك. أرجأت: أخّرت. لألبّثك: لأثبطك وأجعلك تقيم معي. استربت: تشكّكت، وداخلتك الريبة. أغراك: حرّضك وألصقك. أصخ: أسمع:
قصص: خير وحديث. سيرتي: عادتي. أضفها: ضمّها. وأخبار الفرج بعد الشدة أن ينزل بالإنسان شدّة فيشرف منها على الهلاك ثم ينزل الله تعالى تفريجها، فالحديث بها يسمى خبر الفرج بعد الشدة.
قصص في الفرج بعد الشدة
ومنها ما جاء في حديث أنس ﵁، قال: كان رجل على عهد النبيّ ﷺ يتّجر من بلام الشام إلى المدينة، ولا يصحب القوافل توكلا منه على الله تعالى، فبينا هو جاء من الشام عرض له لصّ على فرس، فصاح بالتاجر: قف، فوقف التاجر، وقال له:
شأنك بمالي، فقال له اللصّ: المال مالي، وإنما أريد نفسك، فقال له: أنظرني حتى أصلّي، قال: افعل ما بدا لك. فصلّى أربع ركعات ورفع رأسه إلى السماء يقول: يا ودود يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا مبدئ يا معيد، يا فعّالا لما يريد، أسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك، وأسألك بقدرتك التي قدّرت بها على جميع خلقك، وأسألك برحمتك التي وسعت كلّ شيء، لا إله إلا أنت يا مغيث أغثني، ثلاث مرّات. وإذا بفارس بيده حربة، فلمّا نظره اللص ترك التاجر ومضى نحوه فلما دنا منه طعنه، فأذراه عن فرسه ثم قتله، وقال للتاجر: اعلم أني ملك من السماء الثالثة، لمّا دعوت الأولى سمعنا لأبواب السماء قعقعة فقلنا: أمر حدث، ثم دعوت الثانية، ففتحت أبواب السماء
стр. 761
ولها شرر، ثم دعوت الثالثة، فهبط جبريل ﵇ ينادي: من لهذا المكروب؟
فدعوت الله أن يولّيني قتله. واعلم يا عبد الله أن من دعا بدعائك في كلّ شدّة أغاثه الله، وفرّج عنه. ثم جاء التاجر إلى النبي ﷺ ، فأخبره الخبر، فقال: «لقد لقنك الله أسماءه الحسنى التي إذا دعي بها أجاب، وإذا سئل بها أعطى».
وقال عمرو السرايا: كنت أعبر في بلاد الروم وحدي، فبينا أنا نائم إذ ورد عليّ علج فحرّكني، ثم قال: يا أعرابيّ، اختر إمّا مسايفة، وإما مطاعنة، أو مصارعة! فقلت:
المسايفة والمطاعنة لا معنى لهما، ولكن المصارعة، فلم ينهنهني أن صرعني وقعد على صدري، وقال: أيّ قتلة تريد أن أقتلك، فذكرت الدعاء ورفعت رأسي إلى السماء، وقلت: أشهد أن كلّ معبود ما دون عرشك إلى منتهى الأرضين باطل، عزّ وجهك الكريم؛ فقد ترى ما نزل بي. وأغمي عليّ، فأفقت والرومي قتيل إلى جانبي، فقمت، وكنت أعلّم الناس هذا الدعاء.
ووجّه سليمان بن عبد الملك محمد بن يزيد إلى العراق، فأطلق أهل سجون الحجاج وضيّق على يزيد بن أبي مسلم كاتبه. فظفر به يزيد لمّا ولي إفريقيّة، فجعل محمد يقول: اللهم احفظ لي إطلاق الأسرى، وإعطاء الفقراء، فلما دنا يزيد منه وفي يده عنقود، قال: يا محمد ما زلت أسأل الله أن يظفرني بك. فقال له محمد: وما زلت أستجير الله منك، قال: فو الله ما أجارك ولا أعاذك منّي. وو الله لأقتلنّك قبل أن آكل هذه الحبّة من العنب؛ وو الله لو رأيت ملكا يريد قبض روحك لسبقته إليها. وأقيمت الصلاة فوضع حبّة العنب بين يديه، وتقدّم فصلّى بهم، وكان أهل إفريقية اجتمعوا على قتل يزيد، فلما ركع ضربه رجل بعمود حديد فقتله، وقال لمحمد: اذهب حيث شئت.
وقال حماد الراوية: كنت منقطعا إلى يزيد بن عبد الملك، وكان أخوه هشام يجفوني في أيامه لذلك، فلمّا مات يزيد، وأفضت الخلافة إلى هشام خفته، فمكثت في بيتي سنة؛ لا أخرج إلا لمن آمن إليه من إخواني سرّا. فلمّا لم أسمع أحدا يذكرني في السنة أمنت فخرجت، وصلّيت الجمعة في الرّصافة، فإذا شرطيّان قد وقفا عليّ، وقالا: يا حمّاد، أجب الأمير يوسف بن عمر، فقلت في نفسي: من هذا كنت أخاف، ثم قلت للشرطيين: هل لكما أن تدعاني حتى آتي أهلي فأودّعهم وداع من لا يرجع إليهم أبدا، ثم أسير معكما إليه؟ فقال:
ما إلى ذلك من سبيل، فاستسلمت في أيديهما، وسرت إلى يوسف بن عمر وهو في الإيوان الأحمر، فسلمت عليه فردّ عليّ السلام ورمى إليّ كتابا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر. أما بعد فإذا قرأت كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به من غير تروّع ولا تتعتع، وادفع إليه خمسمائة دينار وجملا مهريّا يسير عليه اثنتي عشرة ليلة إلى دمشق، فأخذت الدنانير وجعلت رجلي في غرز جمل أعدّه لي، ووافيت دمشق لاثنتي عشرة ليلة،
стр. 762
واستأذنت على هشام، فأذن لي، فدخلت عليه فورا في دار مفروشة بالرّخام، وبين كلّ رخامتين قضيب من ذهب، وهو جالس على طنفسة حمراء، وعليه ثياب حمر من الخزّ، وقد تضمّخ بالمسك والعنبر، فسلّمت عليه، فردّ عليّ السلام واستدناني فدنوت منه، حتى قبّلت رجله، فإذا جاريتان لم أر مثلهما قط، في أذني كلّ واحدة منهما حلقتان فيهما لؤلؤتان توقدان، فقال: كيف أنت يا حماد وكيف حالك؟ فقلت: بخير يا أمير المؤمنين، قال: أتدري فيم بعثت إليك؟ قلت: لا، قال: في بيت خطر ببالي لم أدر من قائله، قلت: وما هو؟ قال: [الخفيف]
ودعوا بالصّبوح يوما فجاءت ... قينة في يمينها إبريق (١)
فقلت: هو لعديّ بن زيد في قصيدة له، قال: أنشدنيها فأنشدته: [الخفيف]
بكر العاذلون في وضح الصب ... ح يقولون لي: أما تستفيق (٢)
ويلومون فيك يا ابنة عبد اللّ ... هـ والقلب عندكم موثوق
لست أدري إذ أكثروا العذل فيها ... أعدوّ يلومني أم صديق!
حتى انتهيت إلى قوله: [الخفيف]
ودعوا بالصبوح يوما ... البيت.
قدّمته على سلاف كعين الدّ ... يك صفّى سلافها الرّاووق
مرّة قبل مزجها فإذا ما ... مزجت لذّ طعمها من يذوق
وطفا فوقها فقاقيع كاليا ... قوت حمر يزينها التّصفيق
ثم كان المزاج ماء سحاب ... لا صرى آجن ولا مطروق
قال: فطرب، ثم قال لي: أحسنت والله يا حماد! ثم قال لإحدى الجاريتين: اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي، ثم قال: أعده فأعدته، عليه، فاستخفّه الطرب حتى نزل عن فرشه، ثم قال للأخرى: اسقيه، فسقتني شربة فذهب ثلث آخر من عقلي، ثم قال: سل حاجتك، فقلت: إحدى الجاريتين، فقال: هما جميعا لك، ثم قال للأولى اسقيه، فسقتني شربة سقطت منها فلم أفق إلا والجاريتان عند رأسي وعشرة من الخدم مع كلّ واحد بدرة، فقيل لي يقول: لك أمير المؤمنين: انتفع بهذا في سفرك، فأخذتها والجاريتين وعاودت أهلي.
وذكر أبو محمد هذه الحكاية في الدرّة وقال: هذه حكاية تنشر مآثر الأجواد، وترغّب المتأدب في الازدياد. وهذه النبذة دالة على أخبار الفرج بعد الشدّة فلنقتصر عليها.
***
стр. 763
قوله: ما أطول طيلك، أي ما أكثر حيلتك. يقال ذلك للكثير الدهاء والتصرّف والطّيل: الحبل. أهول: أخوف وأغرب ووقير: إتباع، وفائدة الإتباع المبالغة في معنى الأوّل، وذلك أنك تقول: فلان فقير فيكون له الشيء اليسير من المال، فإذا قلت:
ووقير، فليس شيء البتة. وقيل: معنى ووقير مثقل بالدين به، والإتباع قصد لأنه فسره بقوله: لا فتيل لي ولا نقير، كأنّ إنسانا توهم أن له شيئا فذكر ووقيرا لنفسه، زاده بيانا بما بعده، ولأنه ذكر استئناف الدّين بعد ذلك.
ويكون الوقير أيضا من الوقر في العظم، وهو الكسر كأنه مكسور العظم، كما أن الفقير أصله المكسور الفقار. والفتيل: الخيط الذي في شقّ النواة مثل الفتيلة، والنقير الفرض الصغير الذي في ظهرها، وفيه كالنقطة ومنه تنبت النخيل، والقطمير: اللفافة التي عليها، وهي القشرة اللطيفة.
صفر اليدين: فراغهما من المال. التطوّق: لبس الطول: أراد أنه لبس من الدّين طوقا. ادّنت: أخذت الدّين، والاتفاق، ضدّ الاختلاف. عسر: صعب. توهّمت:
حسبت. تسنى: تيسر. النّفاق، ضد الكساد. توسّعت: كثّرت. بهظني: غلبني وثقل عليّ حقه: واجبه.
أنس ﵁ عن النبي ﷺ : إن أبواب الرزق مفتوحة إلى باب العرش فينزل الله تعالى إلى عباده أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن قلّل قلّل له، ومن كثر كثّر عليه.
مستحقّه: صاحبه. فحرت في أمري، أي في همّ الدّين، وقال النبي ﷺ : «علمني جبريل دعاء في الدّين، وهو أن يصلّي إذا زالت الشمس أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة بأم الكتاب وآية الكرسي وقل هو الله أحد، فإذا سلّم قرأ: «قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ»، ثم يقول: يا فارج الهمّ يا كاشف الغمّ، يا مجيب دعوة المضطر يا رحيم الدنيا والآخرة، ارحمني رحمة تغنيني بها عمّن سواك واقض ديني؛ فإن الله تعالى يقضي دينه عنه وفيها اسم الله الأعظم».
غريمي: صاحب ديني، سمّي غريما لإدامته التقاضي وإلحاحه وملازمته من عليه الدين، ويكون الغريم أيضا المطلوب بالدّين، لازم له كما قال الشماخ: [الوافر]
تلوذ ثعالب الشّرفين منها ... كما لاذ الغريم من التّبيع (١)
عسري: فقري.
***
стр. 764
فلم يصدق إملاقي، ولا نزع عن إرهاقي، بل جدّ في التّقاضي، ولجّ في اقتيادي إلى القاضي. وكلّما خضعت له في الكلام، واستنزلت منه رفق الكرام، ورغبته في أن ينظر لي بمياسرة، أو ينظرني إلى ميسرة. قال: لا تطمع في الإنظار واحتجان النّضار، فو حقّك ما ترى مسالك الخلاص، أو تريني سبائك الخلاص.
فلمّا رأيت احتداد لدده، وألّا مناص لي من يده، شاغبته، ثمّ واثبته، ليرافعني إلى والي الجرائم، لا إلى الحاكم في المظالم، لما كان بلغني من إفضال الوالي وفضله، وتشدّد القاضي وبخله. فلمّا حضرنا باب أمير طوس، آنست ألّا بأس ولا بوس. فاستدعيت دواة بيضاء، وأنشأت رسالة رقطاء؛ وهي:
***
ومثله إملاقي، وأملق: ذهب ماله، مشتق من الملقات وهي الصخور الملس، كأنه افتقر حتى لم يبق له ما يلبس إلّا جلده الأملس. نزع: كفّ. إرهاقي: تكليفي ما لا أطيق، وأرهقته: كلّفته مشقة، والرّهق: الظلم. جدّ: عزم واجتهد، التقاضي: طلب المال. لج: عزم وركب رأسه. استنزلت: طلبت. رفق الكرام: لطفهم وحنانهم على الفقير. مياسرة: لين ومساهلة. ينظرني: يؤخّر بي والإنظار الإمهال، وفي حديث عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «من أنظر معسرا أظلّه الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظله».
ميسرة: غنى. احتجان: اختزان، واحتجنت الشيء: ضممته بالمحجن، وهو عود معقّف. النّضار: الذهب. مسالك الخلاص. طرق النّجاة سبائك: فقر وقطع. الخلاص، بالكسر: الذهب الخالص. احتداد: اشتداد، وقد احتدّ. لدده: خصامه وإلحاحه.
مناص: مخلص ومفرّ، وناص عن قرينه نوصا ومناصا، إذا فزع وفرّ، وما أحسن ما قال العبديّ في محمد بن إبراهيم يشكو غريما لازمه: [الرمل]
اقض عنّي يا بن عمّ المصطفى ... أنا بالله من الدّين وبك
من غريم فاحش قد عرّني ... أسود الوجه لعرضي منتهك
أنا والظلّ وهو ثالثنا ... أينما زلت من الأرض سلك
شاغبته: شاررته، أي أوقعت بيني وبينه الشغاب. واثبته: ضاربته ووثبت إليه، ووثب إليّ والي الجرائم: حاكم الجنايات، والحاكم في المظالم: هو القاضي. إفضال:
إنعام فضله: جوده وكرمه. وتشدّد: بخل، ورجل شديد ومشداد، أي بخيل، قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات: ٨]، أي لبخيل من أجل حبه الخير وهو المال، أو تشدّد شدته على من تعين قبله حق. آنست: علمت وأحسنت بأس: ضرّ.
وبوس: شدّة. بيضاء: ورقة يكتب فيها؛ ولابن الزّقاق فيها: [الوافر]
стр. 765
وواضحة كمثل النصل تجري ... مع الإبصار كالماء القراح (١)
ترى حبك المداد بجسم نور ... كمخضرّ الفرند على الصّفاح
كأنّ سواده في صفحتيها ... بقايا الليل في وجه الصّباح
رقطاء: فيها حرف منقوط وآخر غير منقوط، والرقطاء عندهم الدّجاجة المبرقشة، وهي المنقّطة بسواد وبياض، ومنه قيل للنهر أرقط؛ لأن فيه تنقيطا خلاف لونه، ولو شكر لمعطيه الدّواة لأنشد هذه الأبيات، وهي لابن سكرة: [البسيط]
أخ مزجت بروحي روحه وجرى ... منه كجري دمي في الجسم أفديه
أهدى إليّ دواة لو كتبت بها ... دهري أياديه لم تنفد أياديه
وهذه الرسالة التي أنشأها أبو محمد أبدع فيها بما أراد، وأغرب بها وأجاد.
وننشد من الشعر النّفيس في مدح الرسائل ما يجري لها كالوصف، ويسري بذكرها طيب العرف، فمن ذلك قول أبي تمام: [الوافر]
مداد مثل خافية الغراب ... وقرطاس كرقراق السّراب (٢)
وألفاظ كألفاظ المثاني ... وخطّ مثل وشم يد الكعاب
كتبت ولو قدرت هوى وشوقا ... لكنت إليك سطرا في الكتاب
وله في كتاب جاء من الحسن بن وهب: [الوافر]
لقد جلّى كتابك كل بثّ ... جو وأصاب شاكلة الرّمي
وكان أغضّ في عيني وأندى ... على كبدي من الزّهر الجنيّ
وأحسن موقعا مني وعندي ... من البشرى أتت بعد النّعيّ
فكائن فيه من معنى خطير ... وكائن فيه من لفظ بهيّ
فيا ثلج الفؤاد وكان رضفا ... ويا شبعي برونقه وريّي
من أبيات كلها عيون، وفيما ذكرنا دليل على ما تركنا.
وقال أبو نواس في كتاب ورد عليه من صديق: [البسيط]
ووارد ورد إنشاء يؤكّده ... صدوره عن سليم الورد والصّدر
شدّت بتيجانه منه على نزه ... تقسّم الحسن بين السمع والبصر
عذوبة صدرت عن منطق ينع ... كالماء يخرج ينبوعا من الحجر
وروضة من رياض الفكر دبّجها ... صوب القرائح لا صوب من المطر
стр. 766
كأنما نشرت أيدي الرّبيع بها ... بردا من الوشي أو ثوبا من الحبر
ولابن طاهر في ابن ثوابة: [البسيط]
في كل يوم صدور الكتب صادرة ... عن رأيه وندى كفّيه عن مثل
عن خط أقلامه خط القضاء على الأع ... داء بالموت بين البيض والأتل
لعابها عسل في الصدر تبعثه ... وربما كان فيه النفع للعلل
كأنّ أسطارها في بطن مهرقة ... نور يضاحك دمع الواكف الخضل
وقال بعضهم: [الوافر]
كتاب فيه من غرر المعاني ... قلائد لا تنظمها اليدان
إذا نشرت صحائفه تجلّت ... بروضتها أزاهير المعاني
ترود العين منها في مراد ... مريع جاده فيض البنان
كأن مجال عين الفكر فيه ... مجال اللحظ في غرر الحسان
وقال آخر: [الطويل]
يدير على القرطاس أسمر مرهفا ... إذا دار لم تلحق به البيض والسّمر
كأنّ المعاني روضة وهو غيثها ... فمهما سقي أغصانها ضحك الزّهر
وقال الرماديّ: [مجزوء الكامل]
قلم الوزير وكفّه ... هذا يصول وذا يطول
أضحى كليث خفيّة ... ودواته للّيث غيل
***
أخلاق سيّدنا تحبّ، وبعقوته يلبّ، وقربه تحف، ونأيه تلف، وخلّته نسب، وقطيعته نصب، وغربه ذلق، وشهبه تأتلق، وظلفه زان، وقويم نهجه بان، وذهنه قلّب وجرّب، ونعته شرّق وغرّب. [الخفيف]
سيّد قلّب سبوق مبرّ ... فطن مغرب عزوف عيوف
مخلف متلف أغرّ فريد ... نابه فاضل ذكيّ أنوف
مفلق إن أبان، طبّ إذا نا ... ب هياج وجلّ خطب مخوف
***
قوله: أخلاق سيدنا تحب، حسن أخلاق الإنسان من كمال سعادته، وكرم فضيلته، وكان رسول الله ﷺ يقول «اللهمّ كما حسّنت خلقي فحسّن خلقي» مع أن الله يقول فيه: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤].
стр. 767
قوله: وبعقوته يلبّ، أي بمنزله يقام لحماية الممدوح من يلوذ به وإكرامه له. وقربه تحف، أي من قرب منه أتحفه وهاداه، ومن بعد منه فقد الأمن فهلك. والنأي: البعد، ولمّا كان القرب سببا للتّحف والنأي سببا للتلف، جعل نفس القرب والبعد هما الحياة والموت. خلّته: صداقته. نسب، أي هو للصديق بمنزلة النسيب، قيل لبزرجمهر: من أحبّ إليك: أخوك أم صديقك؟ فقال: لا أحبّ أخي إلا إذا كان صديقي. وقال أكثم بن صيفي: القرابة تحتاج إلى مودّة، والمودة لا تحتاج إلى قرابة. وقال عبد الله بن عباس ﵄: القرابة قد تقطع، والمعروف قد يكفر، وما رأيت كتقارب القلوب، أخذه ابن مناذر فقال: [الخفيف]
قد يقطع الرحم القريب وتك ... فر النّعمى ولا كتقارب القلبين
يدني الهوى هذا، ويدني ذا هوى ... فإذا هما نفس ترى نفسين
أخذه أبو تمام فحسّنه فقال: [الطويل]
فإنّ الفتى في كلّ حال مناسب ... مناسب روحانية من يشاكل (١)
ولن تنظم العقد الكعاب لزينة ... كما تنظم الشمل الأشتّ الشمائل
وقد تقدّم حديث: «الأرواح جنود مجندة» (٢)، ونظم الحسن له.
وقال الشاعر: [الكامل]
لا خير في قربى بغير مودّة ... ولربّ منتفع بودّ أباعد
وإذا وجدت من البعيد مودّة ... فامدد له كفّ القبول بساعد
قوله: وقطيعته نصب، أي عداوته همّ وتعب، وقد قال أبو تمام: [الطويل]
وإلا فأعلمه بأنك ساخط ... ودعه فإنّ الخوف لا شك قاتله (٣)
غربه: أي حدّه. ذلق، أي حادّ. شهبه: نجومه، يعني أخلاقه ومكارمه. تأتلق:
تضيء وظلفه: منعه وكفه، وظلفت نفسي عن الشيء: منعتها منه. زان: يزين، يقول إن قمعه من تجاوز قدره ومنعه من سأل ما لا يحبّ زيّن بالممنوع، وشرّف بالمقموع، فتأديب الملوك لا عار به، وإنما العار أن يهينك كفؤك، ومن لا حكم له عليك. وقال المتنبي: [الطويل]
ومن شرف الإقدام أنك فيهم ... على القتل موموق كأنّك شاكد (٤)
стр. 768
وإنّ دما أجريته بك فاخر ... وإنّ فؤادا رعته لك حامد
وقال حبيب: [الكامل]
خشعوا لصولتك التي هي عندهم ... كالموت يأتي ليس فيه عار (١)
وقال آخر: [الطويل]
وإنّ أمير المؤمنين وعتبه ... لكالدّهر لا عار بما فعل الدّهر
وإذا تزين بمنعه، فما ظنك بعطائه! على أن اليد القابلة للجدوى، وهي اليد السفلى، لا تنفك عن حشمة أو ذلة، وقد اعتذروا لهذا المعنى، قال أبو تمام: [الطويل]
رأيت رجائي فيك وحدك همة ... ولكنّه في سائر الناس مطمع (٢)
وقال أيضا: [البسيط]
تدعى عطاياه وفرا وهي إن شهرت ... كانت فخارا لمن يعروه مؤتنفا (٣)
ما زلت منتظرا أعجوبة زمنا ... حتى رأيت نوالا يقتضي شرفا
وقال إبراهيم بن العباس: [الطويل]
إذا طمع يوما عراني منحته ... كتائب يأس كرّها وطرادها (٤)
سوى طمع يدني إليك فإنّه ... يبلغ أسباب العلا من أرادها
وقال الخريمي: [الطويل]
عطاؤك زين لامرئ إن أصبته ... بخير وما كلّ العطاء يزين (٥)
وليس بعار لامرئ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين
وقال أبو الطيب: [الوافر]
وفيض نواله شرف وزين ... وفيض نوال بعض الناس ذمّ
وقال ابن أبي خالد: [الخفيف]
شرف للشريف منك نوال ... ربّ نيل تعافه الأحرار
стр. 769
فزاد بقوله: للشريف على من سبق.
قوله: قويم نهجه، أي مستقيم طريقه. بان تبين. قلّب: بحث. شرّق وغرّب: أي مشى بوصفه المادحون شرقا وغربا، وأنشد المتنبي وزاد فيه معنى: [الطويل]
ستحيا بك السّمّار ما لاح كوكب ... وتحدو بك السفّار ما ذرّ شارق (١)
تخلّى من الدنيا لينسى فما خلت ... مغاربها من ذكره والمشارق
قلّب: درّب بالأمور، وفلان حوّل قلّب، إذا كان متصرّفا في أموره، نفاعا لأوليائه، ضرّارا لأعدائه، كأنه لمعرفته بالأمور قد حوّل الأمور وقلبها. ومبرّ، أي غالب لأعدائه.
فطن: ذكي. مغرب: يأتي بالغرائب. عزوف: نزيه النفس بعيد من الريب. عيوف: كاره للدنيا. والمتلف عند العرب: الذي يتلف ماله بالجود. والمخلف: الذي يخلف ما أتلف بالإغارة على الأعداء، وأخذ أموالهم، يصفه بالشجاعة والكرم. وقال البحتريّ:
[الطويل]
بأروع من طيّ كأن قميصه ... يزرّ على الشيخين زيد وحاتم (٢)
سماحا وبأسا كالصواعق والحيا ... إذا اجتمعا في العارض المتراكم
وقال ابن الروميّ: [المنسرح]
لم تخلني قط من صنائعك ال ... غرّ ولا من حروبك الضّرس
تصرّف الغيث في صواعقه ... وتارة في سجاله البجس
وقال البحتريّ: [الطويل]
ضحوك إلى الأبطال وهو قريعهم ... وللسيف حدّ حين يسطو ورونق (٣)
حياة وموت واحد منتهاهما ... كذلك غمر الماء يروي ويغرق
وقال ديك الجن: [الكامل]
هو عارض زجل فمن شاء الحيا ... أرضى، ومن شاء الصواعق أغضبا (٤)
وقال أبو مسهر: [البسيط]
تحيا الأنام به في الجدب إن قحطوا ... جودا وتشقى به يوم الوغى الهام
كالمزن يجتمع الحالان فيه معا ... ماء ونار، وإرهام وإضرام
وقال ابن الروميّ: [الكامل]
والناس طرّا بين مرتقب ... سطواته ومؤمل نفعه
стр. 770
كالعارض التهبت صواعقه ... وسقي البلاد فلم يدع بقعه
قوله: أغرّ: مشهور. فريد: ليس له نظير. نابه: رفيع الذكر. ذكي: متوقد الفطنة، ويروى: «زكيّ»، وهو الطاهر العفيف، وقيل: هو المتزيد في الخير، والزّكاء: النماء والزيادة. أنوف: كثير الحمية والغضب لما يستراب منه. مفلق: فصيح، وأفلق: جاء بالفلق، وهي الداهية كأنه جاء من الفصاحة بما لا يطاق. أبان: بيّن كلامه. طبّ: حاذق حسن التدبير. ناب هياج: حدث شر واختلاف. جلّ خطب: عظم أمر. مناظم: جمع منظوم. تأتلف: تجتمع، يريد أن ما ينظم في شرفه من المدائح يأتلف بلا تكلّف على الشعراء لكثرة صفات الفضل والسؤدد، كما قال حبيب: [البسيط]
تغاير الشّعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل (١)
وقال أبو الطيب: [الطويل]
لك الحمد في الدرّ الذي لي لفظه ... فإنك معطيه وإنّي ناظم (٢)
وقال آخر: [الخفيف]
ما لقينا من فضل جود ابن يحيى ... صيّر الناس كلهم شعراء
***
مناظم شرفه تأتلف، وشؤبوب حبائه يكف، ونائل يديه فاض، وشحّ قلبه غاض، وخلف سخائه يحتلب، وذهب عيابه يحترب. من لفّ لفّه فلج وغلب، وتاجر بابه جلب وخلب. كفّ عن هضم بري. وبريء من دنس غوي، وقرن ليانه بعزّ، ونكّب عن مذهب كزّ. ليس بوثّاب عند نهزة شرّ، بل يعفّ عفّة برّ. [الكامل]
فلهذا يحبّ ويستحقّ عفافه ... شعفا به فلبابه خلّاب
أخلاقه غرّ ترفّ وفوقه ... فسوق إذا ناضلته غلّاب
سحج يهشّ وذو تلاف إن هفا ... خلّ فليس بحقه يرتاب
لا باخل بل باذل خرق إذا ... يعترّ، برز لا يليه باب
إن عضّ أزل فلّ غرب عضاضه ... بمنابه فانحتّ منه ناب
***
شؤبوب حبائه: دفع عطائه، والشؤبوب: دفع المطر. يكف: يقطر ويسقط. نائل:
стр. 771
عطاء. فاض: سال وخرج على الأرض. غاض: غاب وجفّ والخلف: حلمة الضّرع الذي يحلب منه اللبن، وهو أيضا اسم للضّرع. سخائه: جوده. عيابه: جمع عيبة يحترب: يستلب، أي لكثرة جوده كأنّ ماله يسلبه القاصدون له. من لفّ لفّه، أي من التف به ودخل في جماعته، واللّف: لفيف الناس، ولفّ القوم: اجتمعوا والتفّ بعضهم ببعض، وأخذ هذا اللفظ من قول الأعشى: [الطويل]
وقد ملأت بكر ومن لفّ لفّها ... نباكا فأحواض الرّبا فالنواعصا (١)
بكر قبيلة، ومن لفّ لفّها، أي من التفّ بها. فلج، أي ظفر بما أحبّ. جلب:
ساق، أي التاجر الذي يقصد بابه بما جلب إليه من الفوائد يجازيه على ذلك بالعطاء الكثير، فلكثرة ما أخذ فكأنه قد خدعه، والملك المفضال يوصف أنه يخدع لكثرة هباته، وقيل لعرابة: بم سدت قومك؟ قال: أنخدع لهم في مالي. هضم: نقص، أراد أنه لا يهضم ولا يظلم من لم يذنب إليه. غوي: ضالّ مفسد. ليانه، أي لين خلقه. بعزّ. بمنع وبعظم، والعزة في اللغة: الشدة والمنعة، والعزاز: الأرض الصلبة، يريد أن الأمير إذا انبسط لم يهب، وإذا اشتدّت سطوته لم يؤلف، فحالة هذا الممدوح بين العزة واللين.
وقال أبو تمام: [الكامل]
المجد شيمته وفيه فكاهة ... سمح ولا جدّ لمن لم يلعب (٢)
شرس يتبع ذاك لين خليقة ... لا خير في الصّهباء ما لم تقطّب
نكب: عدل ومال. مذهب: طريق: كزّ: بخيل قليل الخير. وثّاب: عجول كثير الوثوب. نهزة: فرصة وغنيمة. ويعفّ: يكف نفسه. برّ: مطيع لله، أراد أنه عفيف عن المحارم. قوله: شعفا، أي حبا يطلب الغاية، وشعاف القلب: أعلاه. يريد أن عفافه بلّغه غاية الحبّ من القلوب، وفلان مشعوف بفلان، إذا ذهب به حبّه كل مذهب. الفراء: هو من الشّعف، وهي رءوس الجبال، واحدها شعفة، فكأن معنى شعف بفلان، ارتفع حبه إلى أعلى موضع فيه.
لبابه: خالصه. خلاب: آخذ للنفس غالب عليها. غرّ: حسان. ترفّ: تتلألأ وتشرق، والرفيف: بريق اللون. وفوقه: سهمه والفوق: طرف السهم الذي يلي الوتر.
ناضلته: راميته، يقول: سهمه غلّاب لمن راماه. سحج: سهل الخلق. يهشّ: يهتزّ طربا. تلاف: تدارك. هفا: زلّ وسقط، والهفوة: الزلة. خلّ: صاحب. يرتاب: يشكّ.
خرق: كريم جواد يتخرّق في العطاء. يعتر: يقصد. برز: ظاهر غير محتجب. قال
стр. 772
الفنجديهيّ: رجل برز، أي عفيف عاقل كريم. لا يليه باب، أي لا يحتجب ببابه دون قصاده.
[مما قيل في الحجاب]
[الكامل]
شاد الملوك قصورهم وتحصّنوا ... من كلّ طالب حاجة أو راغب
غالوا بأبواب الحديد لعزها ... وتنافسوا في قبح وجه الحاجب
فإذا تلطّف للدخول عليهم ... راج تلقّوه بعذر كاذب
فاطلب إلى ملك الملوك ولا تكن ... بادي الضراعة طالبا من طالب
هي لمحمود الورّاق.
وقال أبو مسهر: أتيت أبا جعفر محمد بن عبد الكافي فحجبني، فكتبت إليه:
[البسيط]
إني أتيتك للتسليم أمس فلم ... تأذن عليك لي الأستار والحجب
وقد علمت بأني لم أردّ ولا ... والله ما ردّ إلا الحلم والأدب
فأجابني بهذا القول: [البسيط]
لو كنت كافأت بالحسنى لقلت كما ... قال ابن أوس وفيما قاله أدب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إنّ السماء ترجّى حين تحتجب
وقال حبيب: [الطويل]
سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى يلين قليلا
فما خاب من لم يأته متعمدا ... ولا فاز من قد نال منه وصولا
ولا جعلت أرزاقنا بيد امرئ ... حمى بابه من أن ينال دخولا
إذا لم أجد للإذن عندك موضعا ... وجدت إلى ترك المجيء سبيلا
وحجب أبو العتاهية عن بعض الهاشميين، وقال له: تكون لك عودة فقال:
[الطويل]
لئن عدت بعد اليوم إني لظالم ... سأصرف نفسي حيث تبغى المكارم
متى يظفر الغادي إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم!
قال المتنبي: [الكامل]
أصبحت تأمر بالحجاب لخلوة ... هيهات لست على الحجاب بقادر (١)
стр. 773
من كان ضوء جبينه ونواله ... لم يحجبا لم يحتجب عن ناظر
فإذا احتجبت فأنت غير محجّب ... وإذا بطنت فأنت عين الظاهر
وقال جرير: [الكامل]
قوم إذا حضر الملوك وفودهم ... نتفت شواربهم على الأبواب (١)
وقال آخر: [الطويل]
نهيت جميع الناس عن كلّ خطة ... يدبّرها في رأيها ابن هشام
فلمّا وردنا الباب أيقنت أنّنا ... على الله والسلطان غير كرام
وقال آخر: [الطويل]
وكل خفيف الشأن يدعى مشمّرا ... إذا فتح البوّاب بابك إصبعا
ونحن الجلوس الماكثون توقّرا ... حياء إلى أن يفتح الباب أجمعا
قوله: عض أزل، أي اشتد زمان، والأزل: ضيق العيش من الجدب والقحط، وعضّ: قبض بأسنانه. فلّ: كسر. غرب: حدّ. بمنابه: بكفايته. انحتّ: انكسر. ناب:
سنّ، يقول: إن عضت الشدائد الناس وأضرت بهم دفعها وكسر أنيابها بمواهبه وخيره لمن أفقرته. ومن مليح ما قيل في هذا المعنى قول المتنبي: [الكامل]
أظمتني الدّنيا فلمّا جئته ... مستسقيا مطرت عليّ سحائبا (٢)
حال متى علم ابن منصور بها ... جاء الزمان إليّ منها تائبا
نقل المتنبي اللفظ والمعنى من قول أبي تمام: [الكامل]
كثرت خطايا الدهر فيّ وقد يرى ... لنداك وهو إليّ منها تائب (٣)
وألمّ به الحصني أيضا في قوله: [الطويل]
وقد تحسن الأيّام بعد إساءة ... ويذنب صرف الدهر ثم يتوب
وقال ابن المعتز: [المتقارب]
وعوّقني الدهر عن قربه ... زمانا فقد تاب عن ظلمه
وقال ابن الرومي: [الطويل]
أساءت لي الأيام يا بن محمّد ... وهنّ إليّ اليوم معتذرات
رأين مطافي حول عفوك عائدا ... فهنّ لما أبصرنه حذرات
стр. 774
وقال أبو تمام: [الطويل]
إذا العيس لاقت بي أبا دلف غدا ... تقطع ما بيني وبينه النوائب
وقال أبو نواس: [الطويل]
أخذت بحبل من حبال محمد ... أمنت به من طارق الحدثان
تغطّيت من دهري بظلّ جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيام عنّي ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني
وقال أيضا: [الخفيف]
أنا في ذمّة الخصيب مقيم ... حيث لا تهتدي صروف الزمان
قد عرفنا من الخصيب خلالا ... آمنتنا طوارق الحدثان
كيف أخشى من الليالي اغتيالا ... ومكاني من الخصيب مكاني
***
وجدير بمن لبّ وفطن، وقرّب وشطن، أن أذعن لقريع زمن، وجابر زمن، مذ رضع ثدي لبانه، خصّ بإفاضة تهتانه. نعش وفرّج، وضافر فأبهج، ونافر فأزعج، وفاء بحقّ أبلج، أتعب من سيلي، وقرّظ إذ هزّ وبلي، وتوّج صفاته، بحبّ عفاته. [مجزوء الرجز]
فلا خلا ذا بهجة ... يمتدّ ظلّ خصبه
فإنه برّ بمن ... آنس ضوء شهبه
زان مزايا ظرفه ... بلبس خوف ربّه
***
قوله: جدير، أي حقيق. لبّ: كان لبيبا وعاقلا. شطن: بعد. أذعن: ذلّ وانقاد.
القريع: السيد يدفع ضرّ الزمن ويقرعه. جابر زمن، أي مغني فقير، والزمن الفقير الذي لازمه الفقر أو المريض الذي لازمه المرض، وبه زمانة، وأصل ذلك من لزمن. لبانه، أي لبن أمّه، وقال في الدرة. وقولهم: الرضيع الإنسان ارتضع بلبنه، صوابه بلبانه، لأن اللّبن هو المشروب، واللّبان، هو مصدر لابنه، أي شاركه في شرب اللبن، هذا معنى كلامهم الذي نحوا إليه ولفظوا به. التّهتان: سيلان المطر، وإفاضته: صبّه، وأراد في لبن أمه، أرتضع الجود فداوم عليه، كقول المتنبّي: [المتقارب]
سموا للمعالي وهم صبية ... وسادوا وقادوا وهم في المهود (١)
стр. 775
وقد غلط المتنبي في هذا، ونسب فيه إلى الكذب والمحال الفاضح، لأن سيادة الأطفال في المهود وقود الجيوش من أمحل المحال، وهذا وإن كان ظاهره كذلك، فقد اتسعت العرب وأهل الأدب في هذا القدر، وأقاموا تخيّل النجابة في المولود في مهده مقام وجودها في كبره. ثم إذا وجدوا صفة الكمال في الرجل التامّ حكموا بكمالها، لأنه رضعها في ثدي أمه، أو غذي بها في بطن أمه، ألا ترى قوله: تعلمت العلم قبل أن يقطع سرّك وسررك، وقبل أن يقطع ذاك، كان في بطن أمّه، وهذا لم ينكره أحد، ومن شعر الحماسة في الذي رأى المهلب في مهده فقال: [الطويل]
خذوني به إن لم يسد سرواتهم ... ويبرع حتى لا يصاب له مثل
وفيها أيضا: [الطويل]
لئن فرحت بي معقل عند شيبتي ... لقد فرحت بي بين أيدي القوابل
وذلك لتخيّل النجابة فيه في ذلك الوقت، ألا ترى ما تثبت نساء العرب من بلوغ السيادة لأبنائهنّ عند ترقيصهن، وانظر إلى ذلك إن شئت في فصل نظمناه في كتابنا الموضوع لاختصار نوادر أبي عليّ، فقد سقط عن المتنبي والحريري بهذا ما عيب عليهما، وقال سوار بن أبي شراعة: [الرمل]
تعرف السّودد في مولودهم ... وتراه سيّدا إن أيفعا
نعش: رفع الضعيف بجوده. فرّج: أزال همه. ضافر: فاخر. أبهج: أدخل السرور على أحبابه إذا كان له الغلب. نافر: حاكم في النسب.
وكانوا في الجاهلية إذا تنازع الرّجلان الشّرف تنافرا إلى حكمائهم فيفضّلون الأشرف، وسميت منافرة لأنهم كانوا يقولون عند المفاخرة: أيّنا أعزّ نفرا.
[منافرة عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة]
وأشهر منافرة في الجاهلية منافرة عامر بن الطّفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب مع علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر، حين قال له علقمة: الرئاسة لجدّي الأحوص، وإنما صارت إلى عمك أبي براء من أجله، وقد أسنّ عمك وقعد عنها، فأنا أولى بها منك. وإن شئت نافرتك، فقال عامر: قد شئت والله؛ لأنا أكرم منك حسبا، وأثبت نسبا، وأطول قصبا، فقال علقمة: أنافرك وإني لبرّ وإنّك لفاجر، وإني لولود وإنك لعاقر، وإني لعفّ وإنك لعاهر، وإني لواف وإنك لغادر؛ فقال عامر: أنافرك؛ أنا أسنى منك سنّة، وأطول قمّة، وأحسن لمّة، وأجعد جمّة، وأبعد همّة. فقال علقمة: أنت جسيم وأنا قضيف (١)، وأنت جميل، وأنا قبيح؛ ولكن أنافرك أنا أولى بالخيرات منك.