عطاء. فاض: سال وخرج على الأرض. غاض: غاب وجفّ والخلف: حلمة الضّرع الذي يحلب منه اللبن، وهو أيضا اسم للضّرع. سخائه: جوده. عيابه: جمع عيبة يحترب: يستلب، أي لكثرة جوده كأنّ ماله يسلبه القاصدون له. من لفّ لفّه، أي من التف به ودخل في جماعته، واللّف: لفيف الناس، ولفّ القوم: اجتمعوا والتفّ بعضهم ببعض، وأخذ هذا اللفظ من قول الأعشى: [الطويل]
وقد ملأت بكر ومن لفّ لفّها ... نباكا فأحواض الرّبا فالنواعصا (١)
بكر قبيلة، ومن لفّ لفّها، أي من التفّ بها. فلج، أي ظفر بما أحبّ. جلب:
ساق، أي التاجر الذي يقصد بابه بما جلب إليه من الفوائد يجازيه على ذلك بالعطاء الكثير، فلكثرة ما أخذ فكأنه قد خدعه، والملك المفضال يوصف أنه يخدع لكثرة هباته، وقيل لعرابة: بم سدت قومك؟ قال: أنخدع لهم في مالي. هضم: نقص، أراد أنه لا يهضم ولا يظلم من لم يذنب إليه. غوي: ضالّ مفسد. ليانه، أي لين خلقه. بعزّ. بمنع وبعظم، والعزة في اللغة: الشدة والمنعة، والعزاز: الأرض الصلبة، يريد أن الأمير إذا انبسط لم يهب، وإذا اشتدّت سطوته لم يؤلف، فحالة هذا الممدوح بين العزة واللين.
وقال أبو تمام: [الكامل]
المجد شيمته وفيه فكاهة ... سمح ولا جدّ لمن لم يلعب (٢)
شرس يتبع ذاك لين خليقة ... لا خير في الصّهباء ما لم تقطّب
نكب: عدل ومال. مذهب: طريق: كزّ: بخيل قليل الخير. وثّاب: عجول كثير الوثوب. نهزة: فرصة وغنيمة. ويعفّ: يكف نفسه. برّ: مطيع لله، أراد أنه عفيف عن المحارم. قوله: شعفا، أي حبا يطلب الغاية، وشعاف القلب: أعلاه. يريد أن عفافه بلّغه غاية الحبّ من القلوب، وفلان مشعوف بفلان، إذا ذهب به حبّه كل مذهب. الفراء: هو من الشّعف، وهي رءوس الجبال، واحدها شعفة، فكأن معنى شعف بفلان، ارتفع حبه إلى أعلى موضع فيه.
لبابه: خالصه. خلاب: آخذ للنفس غالب عليها. غرّ: حسان. ترفّ: تتلألأ وتشرق، والرفيف: بريق اللون. وفوقه: سهمه والفوق: طرف السهم الذي يلي الوتر.
ناضلته: راميته، يقول: سهمه غلّاب لمن راماه. سحج: سهل الخلق. يهشّ: يهتزّ طربا. تلاف: تدارك. هفا: زلّ وسقط، والهفوة: الزلة. خلّ: صاحب. يرتاب: يشكّ.
خرق: كريم جواد يتخرّق في العطاء. يعتر: يقصد. برز: ظاهر غير محتجب. قال
стр. 772
الفنجديهيّ: رجل برز، أي عفيف عاقل كريم. لا يليه باب، أي لا يحتجب ببابه دون قصاده.
[مما قيل في الحجاب]
[الكامل]
شاد الملوك قصورهم وتحصّنوا ... من كلّ طالب حاجة أو راغب
غالوا بأبواب الحديد لعزها ... وتنافسوا في قبح وجه الحاجب
فإذا تلطّف للدخول عليهم ... راج تلقّوه بعذر كاذب
فاطلب إلى ملك الملوك ولا تكن ... بادي الضراعة طالبا من طالب
هي لمحمود الورّاق.
وقال أبو مسهر: أتيت أبا جعفر محمد بن عبد الكافي فحجبني، فكتبت إليه:
[البسيط]
إني أتيتك للتسليم أمس فلم ... تأذن عليك لي الأستار والحجب
وقد علمت بأني لم أردّ ولا ... والله ما ردّ إلا الحلم والأدب
فأجابني بهذا القول: [البسيط]
لو كنت كافأت بالحسنى لقلت كما ... قال ابن أوس وفيما قاله أدب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إنّ السماء ترجّى حين تحتجب
وقال حبيب: [الطويل]
سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى يلين قليلا
فما خاب من لم يأته متعمدا ... ولا فاز من قد نال منه وصولا
ولا جعلت أرزاقنا بيد امرئ ... حمى بابه من أن ينال دخولا
إذا لم أجد للإذن عندك موضعا ... وجدت إلى ترك المجيء سبيلا
وحجب أبو العتاهية عن بعض الهاشميين، وقال له: تكون لك عودة فقال:
[الطويل]
لئن عدت بعد اليوم إني لظالم ... سأصرف نفسي حيث تبغى المكارم
متى يظفر الغادي إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم!
قال المتنبي: [الكامل]
أصبحت تأمر بالحجاب لخلوة ... هيهات لست على الحجاب بقادر (١)
стр. 773
من كان ضوء جبينه ونواله ... لم يحجبا لم يحتجب عن ناظر
فإذا احتجبت فأنت غير محجّب ... وإذا بطنت فأنت عين الظاهر
وقال جرير: [الكامل]
قوم إذا حضر الملوك وفودهم ... نتفت شواربهم على الأبواب (١)
وقال آخر: [الطويل]
نهيت جميع الناس عن كلّ خطة ... يدبّرها في رأيها ابن هشام
فلمّا وردنا الباب أيقنت أنّنا ... على الله والسلطان غير كرام
وقال آخر: [الطويل]
وكل خفيف الشأن يدعى مشمّرا ... إذا فتح البوّاب بابك إصبعا
ونحن الجلوس الماكثون توقّرا ... حياء إلى أن يفتح الباب أجمعا
قوله: عض أزل، أي اشتد زمان، والأزل: ضيق العيش من الجدب والقحط، وعضّ: قبض بأسنانه. فلّ: كسر. غرب: حدّ. بمنابه: بكفايته. انحتّ: انكسر. ناب:
سنّ، يقول: إن عضت الشدائد الناس وأضرت بهم دفعها وكسر أنيابها بمواهبه وخيره لمن أفقرته. ومن مليح ما قيل في هذا المعنى قول المتنبي: [الكامل]
أظمتني الدّنيا فلمّا جئته ... مستسقيا مطرت عليّ سحائبا (٢)
حال متى علم ابن منصور بها ... جاء الزمان إليّ منها تائبا
نقل المتنبي اللفظ والمعنى من قول أبي تمام: [الكامل]
كثرت خطايا الدهر فيّ وقد يرى ... لنداك وهو إليّ منها تائب (٣)
وألمّ به الحصني أيضا في قوله: [الطويل]
وقد تحسن الأيّام بعد إساءة ... ويذنب صرف الدهر ثم يتوب
وقال ابن المعتز: [المتقارب]
وعوّقني الدهر عن قربه ... زمانا فقد تاب عن ظلمه
وقال ابن الرومي: [الطويل]
أساءت لي الأيام يا بن محمّد ... وهنّ إليّ اليوم معتذرات
رأين مطافي حول عفوك عائدا ... فهنّ لما أبصرنه حذرات
стр. 774
وقال أبو تمام: [الطويل]
إذا العيس لاقت بي أبا دلف غدا ... تقطع ما بيني وبينه النوائب
وقال أبو نواس: [الطويل]
أخذت بحبل من حبال محمد ... أمنت به من طارق الحدثان
تغطّيت من دهري بظلّ جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيام عنّي ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني
وقال أيضا: [الخفيف]
أنا في ذمّة الخصيب مقيم ... حيث لا تهتدي صروف الزمان
قد عرفنا من الخصيب خلالا ... آمنتنا طوارق الحدثان
كيف أخشى من الليالي اغتيالا ... ومكاني من الخصيب مكاني
***
وجدير بمن لبّ وفطن، وقرّب وشطن، أن أذعن لقريع زمن، وجابر زمن، مذ رضع ثدي لبانه، خصّ بإفاضة تهتانه. نعش وفرّج، وضافر فأبهج، ونافر فأزعج، وفاء بحقّ أبلج، أتعب من سيلي، وقرّظ إذ هزّ وبلي، وتوّج صفاته، بحبّ عفاته. [مجزوء الرجز]
فلا خلا ذا بهجة ... يمتدّ ظلّ خصبه
فإنه برّ بمن ... آنس ضوء شهبه
زان مزايا ظرفه ... بلبس خوف ربّه
***
قوله: جدير، أي حقيق. لبّ: كان لبيبا وعاقلا. شطن: بعد. أذعن: ذلّ وانقاد.
القريع: السيد يدفع ضرّ الزمن ويقرعه. جابر زمن، أي مغني فقير، والزمن الفقير الذي لازمه الفقر أو المريض الذي لازمه المرض، وبه زمانة، وأصل ذلك من لزمن. لبانه، أي لبن أمّه، وقال في الدرة. وقولهم: الرضيع الإنسان ارتضع بلبنه، صوابه بلبانه، لأن اللّبن هو المشروب، واللّبان، هو مصدر لابنه، أي شاركه في شرب اللبن، هذا معنى كلامهم الذي نحوا إليه ولفظوا به. التّهتان: سيلان المطر، وإفاضته: صبّه، وأراد في لبن أمه، أرتضع الجود فداوم عليه، كقول المتنبّي: [المتقارب]
سموا للمعالي وهم صبية ... وسادوا وقادوا وهم في المهود (١)
стр. 775
وقد غلط المتنبي في هذا، ونسب فيه إلى الكذب والمحال الفاضح، لأن سيادة الأطفال في المهود وقود الجيوش من أمحل المحال، وهذا وإن كان ظاهره كذلك، فقد اتسعت العرب وأهل الأدب في هذا القدر، وأقاموا تخيّل النجابة في المولود في مهده مقام وجودها في كبره. ثم إذا وجدوا صفة الكمال في الرجل التامّ حكموا بكمالها، لأنه رضعها في ثدي أمه، أو غذي بها في بطن أمه، ألا ترى قوله: تعلمت العلم قبل أن يقطع سرّك وسررك، وقبل أن يقطع ذاك، كان في بطن أمّه، وهذا لم ينكره أحد، ومن شعر الحماسة في الذي رأى المهلب في مهده فقال: [الطويل]
خذوني به إن لم يسد سرواتهم ... ويبرع حتى لا يصاب له مثل
وفيها أيضا: [الطويل]
لئن فرحت بي معقل عند شيبتي ... لقد فرحت بي بين أيدي القوابل
وذلك لتخيّل النجابة فيه في ذلك الوقت، ألا ترى ما تثبت نساء العرب من بلوغ السيادة لأبنائهنّ عند ترقيصهن، وانظر إلى ذلك إن شئت في فصل نظمناه في كتابنا الموضوع لاختصار نوادر أبي عليّ، فقد سقط عن المتنبي والحريري بهذا ما عيب عليهما، وقال سوار بن أبي شراعة: [الرمل]
تعرف السّودد في مولودهم ... وتراه سيّدا إن أيفعا
نعش: رفع الضعيف بجوده. فرّج: أزال همه. ضافر: فاخر. أبهج: أدخل السرور على أحبابه إذا كان له الغلب. نافر: حاكم في النسب.
وكانوا في الجاهلية إذا تنازع الرّجلان الشّرف تنافرا إلى حكمائهم فيفضّلون الأشرف، وسميت منافرة لأنهم كانوا يقولون عند المفاخرة: أيّنا أعزّ نفرا.
[منافرة عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة]
وأشهر منافرة في الجاهلية منافرة عامر بن الطّفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب مع علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر، حين قال له علقمة: الرئاسة لجدّي الأحوص، وإنما صارت إلى عمك أبي براء من أجله، وقد أسنّ عمك وقعد عنها، فأنا أولى بها منك. وإن شئت نافرتك، فقال عامر: قد شئت والله؛ لأنا أكرم منك حسبا، وأثبت نسبا، وأطول قصبا، فقال علقمة: أنافرك وإني لبرّ وإنّك لفاجر، وإني لولود وإنك لعاقر، وإني لعفّ وإنك لعاهر، وإني لواف وإنك لغادر؛ فقال عامر: أنافرك؛ أنا أسنى منك سنّة، وأطول قمّة، وأحسن لمّة، وأجعد جمّة، وأبعد همّة. فقال علقمة: أنت جسيم وأنا قضيف (١)، وأنت جميل، وأنا قبيح؛ ولكن أنافرك أنا أولى بالخيرات منك.
стр. 776
فخرجت أمّ عامر فقالت: نافره أيّكما أولى بالخيرات، ففعلوا على أن جعلوا مائة من الإبل يعطاها الحكم الذي ينفر عليه صاحبه، فخرج علقمة ببني خالد بن الأصفر وبني الأحوص ومعهما القباب والجزور والقدور؛ ينحرون في كلّ منزل يطعمون، وخرج عامر ببني مالك، وقال: إنها المقارعة عن أحسابكم، فاشخصوا: بمثل ما شخص به، وقال لعمه أبي براء: أعنّي، فقال: سبّني، فقال لا أسبّك وأنت عمّي، فقال: وأنا لا أسبّ الأحوص وهو عمّي، ولكن دونك نعلي، فإني ربعت فيها أربعين سنة؛ ولم ينهض معه.
فجعلا منافرتهما إلى أبي سفيان بن حرب بن أميّة، ثم إلى أبي جهل بن هشام، فلم يقولا بينهما شيئا، ثم رجعا آخر إلى هرم بن قطبة بن سيار بن عمر الفزاريّ، فقال: لعمري لأحكمنّ بينكما، فأعطياني موثقا أطمئن إليه أن ترضيا بحكمي، وتسلّما ما قضيت بينكما. ففعلا، فأقاموا عنده أيّاما فأرسل إلى عامر فأتاه سرّا، فقال: قد كنت أحسب أنّ لك رأيا، وأن فيك خيرا، وما حبستك هذه المدة إلا لتنصرف عن صاحبك؛ أتنافر رجلا لا تفتخر أنت وقومك إلا بآبائه! فما الذي أنت به خير منه؟ فقال عامر: نشدتك الله والرحم، ألّا تفضل عليّ علقمة، فو الله لئن فعلت لا أفلح بعدها، هذه ناصيتي فاجززها واحتكم في مالي، فإن كنت ولا بدّ فاعلا فسوّ بيني وبينه، فقال له ما قال لعامر، فقال له: أتفاخر رجلا هو ابن عمّك في النسب وأبوه أبوك وهو مع ذلك أعظم منك غناء وأحمد لقاء، وأسمح سماحا! فما الذي أنت به خير منه! فردّ عليه علقمة ما ردّ عامر وانصرف وهو لا يشك أنه ينفّر عامرا عليه. فأرسل هرم إلى بنيه وبني أخيه، وقال لهم:
إني قائل غدا بينهما مقالة، فإذا فرغت فليطرد بعضكم عشر جزائر فلينحرها عن علقمة، وليطرد بعضكم مثلها فلينحرها عن عامر، وفرّقوا بين الناس لا يكون بينهم جماعة. ثم أصبح هرم فجلس مجلسه وأقبل عامر وعلقمة حتى جلسا، فقال هرم: إنكما يا بني جعفر قد تحاكمتما إليّ؛ أنتما كركبتي البعير الآدم الفحل تقعان على الأرض معا، وليس فيكما واحد إلا وفيه ما ليس في صاحبه، وكلاكما سيد كريم. ولم يفضّل واحدا منهماعلى صاحبه لئلا يجب بذلك شرّا بين الحيّين، ونحرت الجزر وفرّقت على الناس.
وعاش هرم حتى أدرك خلافة عمر ﵁، فقال: يا هرم، أي الرجلين كنت مفضلا لو فعلت؟ فقال: لو قلت ذلك اليوم عادت جزعة، ولبلغت شعفات هجر، فقال عمر: نعم مستودع السرّ أنت يا هرم، مثلك فليستودع العشيرة أسرارهم، والحكاية طويلة، وقال فيه الأعشى: [السريع]
حكّمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الباهر (١)
لا يقبل الرّشوة في حكمه ... ولا يبالي غيرة الخاسر
قوله: فاء، أي رجع. أبلج: بيّن ظاهر. أتعب من سيلي، يقول إن الأمير الذي
стр. 777
يأتي بعده في تعب لأنه يروم أن يفعل مثل ما فعل فيعجز عنه، وأعاد هذا المعنى منظما في السابعة والثلاثين حين قال: [السريع]
سماحه أزري بمن قبله ... وعدله أتعب من بعده
أخذه من قول رجل قال لأحد الأمراء، وقد عزل عن عمله: أصبحت والله فاضحا متعبا، أما فاضحا فلكلّ وال قبلك بحسن سيرتك، وأما متعبا فلكل وال بعدك أن يلحقك.
قرّظ: مدح. هزّ: حرك بالثناء عليه. بلى: جرّب. توّج صفاته، أي زيّنها وشرفها، عفاته: قصاده، بهجة: سرور، وكنى بخصبه عن ماله ودعا له بالبركة والكثرة إذا جعله ممتدّ الظل، برّ: مكرم. آنس: أبصر. شهيه: نيرانه الساطعة. واحدها شهاب، وأصل هائه التثقيل فخفّفت، وكانت العرب، توقد النيران فيقصدها الأضياف بالليل، أراد أنه كثير الإكرام لمن يقصد ناره، وأخذ اللفظ من قوله تعالى: آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً [القصص: ٢٩]
مزايا: فضائل. ظرفه: حسن هيئته وعذوبة لسانه، وهو مصدر ظرف يظرف ظرفا فهو ظريف، فمن قال: الظريف البليغ، وقصره على اللسان لم يجز له أن يقول: ما أظرف زيد؟ على الاستفهام، ومن جعل الظرف حسن الوجه والهيئة جاز له ذلك، وكذلك من جعل الظرف عاما فيكون معناه: أي شيء فيه من الظرف؟ أوجهه أم هيئته أم ذكاؤه وبلاغته؟ .
بلبس: اختلاط، أراد أنه يخلط الهزل بالجد، والمزاح وخفّة الطرب بالانقباض والحشمة، وقد تقدم في صفة التنوخي مثل هذا. والمزايا: جمع مزية وهي التمام والكمال، وأصلها من الزيّ.
***
فليهن سيّدنا فوزه بمفاخر تأثّلت وجلّت، وفوقه بصنائع تمّت ونمّت، ويلائم قرب حضرته، غوث رقّه بحظّ من حظوته؛ فإنّه تليد ندب، وشريد جدب، وجريح نوب أثّرت، وناظم قلائد تسيرت، إذا جاش لخطبة فلا يوجد قائل، ثمّ قسّ ثمّ باقل.
فإن حبّر قلت: حبر نمنمت، وخلت رياضا قد نمت، هذا ثمّ شربه برض؛ وقوته قرض، وفلقه غسق، وجلبابه خلق، وقد قلق لتوغّر غريم غاشم، يستحثه بحقّ لازم؛ فإن منّ سيّدنا بكفه، بهبات كفّه، توشّح بمجد فاق، وباء بأجر فكّي من وثاق.
стр. 778
لا خلت سجايا خلقه، ترفد شائم برقه، بمنّ ربّ أزليّ، حيّ أبديّ.
***
فوزه: ظفره. تأثلت: تقدمت واتصلت. جلّت: عظمت. فوقه: سبقه صنائع:
أفعال جميلة. نمت: اشتهرت. يلائم: يوافق. حضرته: موضعه الذي يحضر فيه، والقرب: جمع قرية، وهي ما يتقرب به من أعمال البر إلى الله تعالى ومن الهدايا إلى الملوك، غوث: إغاثة وكشف ضرّ. رقّه: عبده. حظّ: نصيب. حظوته: مكانته ورفعته، تليد ندب؛ تقول: ندبت القوم دعوتهم، يريد أنه عبد الدعوة التي دعاه بها خصمه إلى الوالي، والتّليد من العبيد: ما ولد عند غيرك ثم اشتريته صغيرا، فكبر عندك، وجعل نفسه عبدا للدعوة لما تعبّد بها، أو يريد بالتليد القديم، فإن التليد والتالد المال القديم، وللنّدب: الهمّ، من ندبت الميت ندبا، فيريد أنه قديم همّ، ورجل ندب، أي خفيف في قضاء الحوائج لأصحابه، فيريد على هذا بتليد ندب، أي خفيف ومن هذه صفته فقد وجبت حرمته. وشريد جدب: طريد فقر وجوع، والجدب ضد الخصب، نوب: نوازل، أثّرت: أبقت به أثرا وأثرها أخذها ماله حتى عاد فقيرا، فمن نظره رأي أثر النوائب عليه، ناظم قلائد: قائل قصائد، ورسائل تسيّرت: مشت في الناس والبلاد، جاش لخطبة:
تحرك صدره للكلام بها، يريد أنه إذا أراد قول خطبة ازدحم الكلام في صدره وارتفع، كما يجيش القدر، أي يغلي، ونقدم هذا الكلام.
قسّ: فصيح العرب، ويأتي ذكره في الأربعين، ثمّ، معناه هنالك، باقل، تقدم، يريد أن قسا على فصاحته لو حضر مع الموصوف لنظم أو نثر لرجع في عيّ باقل، والعادة إنما يذكر معه سحبان للزوم الرسالة وقال حبيب وذكر ثلاثة من أصحابه عبد الله ابن طاهر: أول: [الكامل]
حازوا خلائق قد تيقّنت العلا ... كلّ التيقّن أنهنّ نجومها (١)
ثان: [الكامل]
لو أن باقلا المفهّه ينبري ... في مدحها سهلت عليه حزومها
ثالث:
ولو أن سحبانا يسحب ذيله ... في ذمها لم يدر كيف يذيمها
حبّر: قال شعرا أو رسالة. وأصل حبّر: وشّى وزين، حبر: ثياب موشاة. نمنمت:
زينت ورقمت. نمّت: تحركت بالروائح العطرة.
وقال الصابي في المهلبي وكأنه يصف هذا الكلام: [الخفيف]
стр. 779
وإن استنطق الأنامل جاءت ... ببيان كالجوهر المنضود
في سطور كأنمّا نشرت يمن ... اه منها عصائبا من برود
فقر لم يزل فقيرا إليها ... كلّ مبدي بلاغة ومعيد
يغتدي البارع المفيد لديها ... لاحقا بالمقصّر المستفيد
ببيان شاف ولفظ مصيب ... واختصار كاف ومعنى سديد
وله في مثله أيضا: [الطويل]
وكم من يد بيضاء حازت جمالها ... يد لك لا تسودّ إلا من النّقس
إذا رقّشت بيض الصحائف خلتها ... تطرّز بالظلماء أردية الشمس
وقال السريّ رحمه الله تعالى: [الكامل]
شغلتك عن حسن الشآم مدائح ... حسنت فما تنفك تطرب سامعا
زهر إذا صافحن سمع معاند ... خفض الكلام وغضّ طرفا خاشعا
جاءتك مثل بدائع الوشي الذي ... ما زال في صنعاء يتعب صانعا
أو كالربيع يريك أخضر يانعا ... متورّدا شرقا وأصفر فاقعا
وله أيضا في مثله: [البسيط]
سأبعث الحمد موشيا سبائبه ... إلى الأمير صحيحا غير مؤتشب
إنّ المدائح لا تهدى لناقدها ... إلا وألفاظها أصفى من الذهب
كم رضت بالفكر منها روضة أنفا ... تفتّح الزهر فيها عن جنى الأدب
لفظ يروح له الريحان مطّرحا ... إذا جعلناه ريحانا على النخب
قوله: شربه، أي حظه من الماء، برض: قليل. قرض: سلف، والقرض ما أخذ ليعوض منه. وفلقه: ضوء صبحه، غسق: ظلام، يريد أن حاله متغيرة. جلبابه: ثوبه.
خلق: بال. توغّر: توقد واشتدّ غضبه، والتّوغر: التوقد، الشدّة الغيظ، والوغر شدة الحر، غاشم: ظالم جافّ. يستحثه: يستعجله، لازم: واجب، منّ: أنعم وأحسن، بكفّه: برده عني، هبات: عطايا. توشح: تحزم وتزين، وتوشح الرجل بثوبه: جعله موضع الوشاح وتحزم، فاق: فضل بهذا المجد كل أحد. باء: رجع، فكّي: إنقاذي.
وثاق: شدّ وربط، سجايا: طبائع، ترفد: تصل وتعين، والرّفد: المعونة: شائم برقه:
راجي خيره ونازل أمره، ونزّل البرق منزلة الجود لأنه يأتي بالمطر والمطر يشبّه به الجود:
بمنّ: بإحسان وإنعام، أزليّ: قديم. أبديّ باق مع الأبد وهو الدهر.
وإذ قد فرغنا من شرح هذه الرسالة على صعوبتها، فإنا نعتذر إلى من وقف على شرحنا لها من صعوبة هذا المقام، فإن هذه الرسالة وأمثالها إنما يؤتى بها على جهة الملح
стр. 780
والاقتدار، لا على أنها من نفيس الكلام الفصيح، ألا ترى الحريريّ كيف اعتذر في مثلها حيث قال: أجلّ الأبيات العرائس، وإن لم يكن نفائس؛ ولا شك أن الشارح لمثل هذه الرسالة يقارب تعب منشئها في أنه يغوص على تلك الاستعارات البعيدة، فيريد أن يبرز المعنى في غاية البيان، واللفظ في أغلبها موضوع على غاية الإبهام، فوقع التمانع، فلا يصل إلى عبارة متوسطة تتعلق بالمعنى، ولا تبعد من اللفظ إلا بعد جهد، فهذا عذرنا في هذه الرسالة الرقطاء والقهقرية والخيفاء المتقدمتين، وما علمت أحدا شرحها شرحنا ولا بلغ منها مبلغنا، ولله منشئها من عالم بارع! فما اتفق له إنشاؤها إلا بعد التبحّر في علوم اللغات حتى كأنّ أبا حفص بن برد يخاطبه بهذه الأبيات: [البسيط]
أبا العلاء استمع تعريض ذي مقة ... أهدي لك الودّ محضا غير مقطوب
أنت الذي لم نعاشر مثله رجلا ... في العلم والظرف والآداب والطيب
تحصيل فضلك للحسّاد معجزة ... وكنه علمك شيء غير محسوب
أمّا اللغات فما يعقوب يبلغ ما ... وعيت منها ولا أشياخ يعقوب
***
قال: فلمّا استشفّ الأمير لآليها، ولمح السّرّ المودع فيها، أوعز في الحال بقضاء ديني، وفصل بين خصمي وبيني، ثمّ استخلصني لمكاثرته، واختصّني بأثرته، فلبثت بضع سنين أنعم في ضيافته، وأرتع في ريف رأفته؛ حتّى إذا غمرتني مواهبه، وأطال ذيلي ذهبه، تلطّفت في الارتحال، على ما ترى من حسن الحال.
قال: فقلت له شكرا لمن أتاح لك لقيان السّمح الكريم، وأنقذك من ضغطة الغريم، فقال: الحمد لله على سعادة الجدّ، والخلوص من الخصم الألدّ، ثم قال:
أيّما أحبّ إليك؟ أن أحذيك من العطاء، أم أتحفك بالرسالة الرّقطاء، فقلت:
املاء الرسالة أحبّ إليّ، فقال: وهو وحقّك أخفّ عليّ، فإنّ نحلة ما يلج في الآذان، أهون من نحلة ما يخرج من الأردان. ثمّ كأنّه أنف واستحيا، فجمع لي بين الرّسالة والحذيا، ففزت منه بسهمين، وفصلت عنه بغنمين، وأبت إلى وطني قرير العين، بما حزت من الرسالة والعين.
قوله: استشفّ، نظر، لآليها: جواهر كلامها، لمح: رأى. المودع: المضمّن المجعول، وعنى بالسرّ ما ذكر من النقط لحرف والترك لآخر، أوعز: تقدم، فصل:
قطع، استخلصني: ضمني وأنقدني منه. لمكاثرته: لزيادة عدده، يريد أن الأمير خلّصه من غريمه وضمه إليه، وجعله فيمن حواليه فكثروا به. اختصني بأثرته: أفردني
стр. 781
بعطيته، وآثرني بها على غيري. لبثت: أقمت، بضع سنين: قال أبو عبيدة ﵀:
البضع من واحد إلى أربعة، وقال الأخفش: من واحد إلى عشرة، وقال الفراء: ما دون العشرة، وقال ابن عباس ﵄: البضع من الثلاثة إلى عشرة، قال رسول الله ﷺ لأبي بكر لما نزلت فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم: ٤]: «البضع ما بين السبع والتسع» (١)، قال ابن سلام: فلما انقضت سبع سنين ظهرت الروم على فارس، وقال أبو محمد في الدّرة: البضع أكثر ما يستعمل فيما بين الثلاث إلى العشر، وأسرّ ذلك إلى النبيصلّى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم: ٣، ٤]، وذلك أنّ المسلمين كانوا يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل الكتاب والمشركون يميلون إلى أهل فارس، لأنهم أهل أوثان، فلما بشّر الله المسلمين بأنّ الروم سيغلبون سرّ المسلمون، ثم إن أبا بكر ﵁ أخبر مشركي قريش بما نزل عليهم، فقال له أمية بن خلف: خاطرني على ذلك، فخاطره على خمس قلائص في مدة ثلاث سنين، ثم أتى النبي ﷺ فسأله عن البضع، فقال: ما بين الثلاثة إلى العشرة، فأخبره بخطاره مع ابن خلف. فقال له: ما حملك على تقريب المدة؟ قال: الثقة بالله ورسوله، فقال له: عد إليهم فزدهم في الخطر، وازدد في الأجل، فزدهم قلوصين وزادوه سنتين، فظفرت الروم بفارس قبل انقضاء الأجل الثاني تصديقا لتقدير أبي بكر ﵁.
ويقال البضع بغير هاء للمؤنث مثل خمس وبضعة للمذكر مثل خمسة.
أرتع: آكل وأتنعم، والريف: الخصب، والرأفة: الرفق. غمرتني مواهبه: غطّتني عطاياه، وأراد بإطالة ذيله كثرة ماله حتى صار منه فضول، وصار يجرّ ذيله تبخترا.
تلطفت: تسلّلت برفق، أتاح: قدّر. لقيان: لقاء. الضّغطة: التضييق، وضغطه: ضيّق عليه، الجدّ: الحظ والسعد. الألدّ؛ الشديد الخصومة. أحذيك: أعطيك. أتحفك:
أهديك. وإملاء الرسالة: إلقاؤه عليه ليكتبها. نحلة: عطية، يلج: يدخل، الأردان:
الأكمام. أنف: كبر ذلك عليه واستنكفه، والحذيا: العطية فصلت: زلت، أبت:
رجعت. قرير العين: مسرورا بالفائدة. حزت: جمعت وصار في حوزي، أي في ملكي.
والعين: الذّهب الأحمر.
стр. 782
المقامة السّابعة والعشرون وهي الوبريّة
حكى الحارث بن همّام، قال: ملت في ريّق زماني الّذي غبر، إلى مجاورة أهل الوبر؛ لآخذ أخذ نفوسهم الأبيّة، وألسنتهم العربيّة، فشمّرت تشمير من لا يألو جهدا، وجعلت أضرب في الأرض غورا ونجدا؛ إلى أن اقتنيت هجمة من الرّاغية وثلّة من الثّاغية، ثمّ أويت إلى عرب أرداف أقيال، وأبناء أقوال، فأوطنوني أمنع جناب، وفلّوا عنّي حدّ كلّ ناب، فما تأوّبني عندهم همّ، ولا قرع صفاتي سهم.
***
غبر: تقدم. أهل الوبر: أصحاب البوادي: الذين مالهم الإبل، وكنى بالوبر عنها.
الأبيّة: العزيزة التي تأبى الذلّ، يألو جهدا: يقصّر في الاجتهاد، أضرب: أمشي في الأرض. وغورا ونجدا: مرتفعا ومنخفضا، اقتنيت: اكتسبت لنفسي لا للبيع.
وشرح الحريري ألفاظا في المقامة فنقتصر فيها على شرحه إلا بقدر ما يزيد الكلام بيانا، مثل قوله: آخذ أخذ نفوسهم، أي أتخلّق بأخلاقهم وطباعهم، ويقال لو كنت مثلنا لأخذت بأخذنا، بكسر الهمزة وفتحها، أي بخلائقنا وشكلنا، واستعمل فلان على الشأم وما أخذ أخذه، أي وما والاه وكان حيّزه، وقوله: إرداف أقيال؛ يفسّر القيل بالملك وبردف الملك، وقيل: القيل بالمشرق كالقائد بالأندلس والرّدافة في الجاهلية كالوزارة في الإسلام، والرّدافة: بأن يرتدف مع الملك على مركوبه، وأن يستخلفه في موضعه متى غزا، أويت: رجعت واتخذته مأوى، أوطنوني: أنزلوني. جناب: جانب، فلّوا: كسروا.
ناب: ضرس. تأوّبني: أتاني ليلا، ولا قرع صفاتي سهم، أي لم ينلني ضرّ.
***
إلى أن أضللت في ليلة منيرة البدر، لقحة غزيرة الدّرّ؛ فلم أطب نفسا بإلغاء طلبها، وإلقاء حبلها على غاربها؛ فتدثّرت فرسا محضارا، واعتقلت لدنا خطّارا، وسريت ليلتي جمعاء، أجوب البيداء، وأقتري كلّ شجراء ومرداء، إلى أن نشر الصّبح راياته، وحيعل الدّاعي إلى صلاته، فنزلت عن متن الرّكوبة، لأداء
стр. 783
المكتوبة، ثمّ حلت في صهوتها، وفررت عن شحوتها، وسرت لا أرى أثرا إلا قفوته، ولا نشزا إلا علوته، ولا واديا إلا جزعته، ولا راكبا إلّا استطلعته، وجدّي مع ذلك يذهب هدرا، ولا يجد ورده صدرا، إلى أن حانت صكة عميّ، ولفح هجير يذهل غيلان عن ميّ.
***
أضللت: أتلفت، وضلت الناقة وأضلّها ربّها، منيرة: مضيئة. اللقحة: الناقة لها لبن. غزيرة الدّرّ: كثيرة اللبن، إلغاء: ترك غاربها: أعلى سنامها، اللدن: الرمح اللّين.
الخطار: الطويل المضطرب. واعتقلت الرمح: جعلته ما بين سرجك ورجلك، أجوب البيداء: أقطع القفر. وفسر «حيعل» بأنه قول المؤذن: حي على الصلاة حيّ على الفلاح، وشاهده: [الطويل]
ألا ربّ طيف بات منك معانقي ... إلى أن دعا داعي الصلاة فحيعلا (١)
وقال آخر: [الوافر]
أقول لها ودمع العين جار ... ألم تحزنك حيعلة المنادي (٢)
ومعنى حيّ، هلمّ وأقبل، والفلاح: الفوز، وأفلح الرجل، إذا فاز وأصاب خيرا، والمفلحون: الفائزون، وقيل: الفلاح البقاء، أي أقبلوا على بيت البقاء في الجنة. والمفلحون:
الباقون، والصلاة: المعلومة، والصلاة: الرحمة كقوله تعالى أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة: ١٥٧]، وكقوله ﵊: «اللهمّ صل على آل أبي أوفى» (٣) والصلاة بمعنى الدعاء كالصلاة على الميت، وكقوله ﷺ : «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليأكل ومن كان صائما فليصل» (٤) أداء: قضاء. حلت في صهوتها: ركبت ظهرها ووثبت عليها، فررت: كشفت، قفوته: اتّبعته. نشزا: مرتفعا، استطلعته: استخرته وسألته. جديّ: عزمي واجتهادي، هدرا: باطلا. ورده صدرا، أي سؤاله خبرا والورد إتيان الماء والصدر: الرجوع عنه، لفح: تحرك، هجير: حرّ. يذهل: يشغل.
стр. 784
[ذو الرمة وميّ]
غيلان اسم ذي الرّمة، وهو غيلان بن عقبة بن بيهس بن مسعود بن حارثة، عداده في الرّباب، والرباب: عديّ بن عبد مناة وتيم بن عبد مناة وعكل، وهو عوف بن عبد مناة، وثور بن عبد مناة، وضبة بن أدّ وهو عمهم، وأد بن طابخة بن الياس بن مضر، وسمي ذا الرّمة، لقوله يصف وتدا: [الرجز]
وغير مرضوخ القفا موتود ... أشعث باقي رمة التقليد (١)
نعم فأنت اليوم كالمعمود ... من الهوى أو شبه المورود
بميّ ذات المبسم المبرود ... والمقلتين وبياض الجيد
وقيل: سميّ به لأنه خشي عليه من المسّ، فأتى به الرجل من الحيّ فكتب له معاذة علّقت في عنقه، وشدت بحبل، وقيل: سمعته بذلك خرقاء التي يذكرها في شعره، وذلك أنه رآها وهي في جوار على سنّها فأعجبته وأدام الالتفات إليها ثم قال لها: يا جارية اخرزي لي هذه القربة. فعلمت مراده، فقالت له: إني خرقاء، فولّى وفي يده قطعة حبل بال فنادته: يا ذا الرّمة إن كنت خرقاء، فجاريتي صناع، فاذهب إليها، فمضى عليه ذو الرمة، وسمّاها في شعره خرقاء، فمضت عليها.
وهي ميّ بنت عاصم بن طلبة بن قيس بن عاصم، وتكنى أم ثور، وغلبت عليه حتى عرف بها، فقيل غيلان ميّ كما قيل كثيّر عزة.
وأول أمره مع ميّ- فيما حكى الأصبهاني عن أمة لأمّ ميّ- قالت: كنا نازلين بأسافل الدّهناء ورهط ذي الرّمة مجاورون لنا، فجلست مية تغسل ثيابا لها ولأمها، في بيت رث فيه خروق، وهي فتاة أحسن من رأيته حين بدا ثدياها، فلما فرغت لبست ثيابها وجلست عند أمها، وأقبل ذو الرمّة ينشد ضالة، فدخل وجلس ساعة ثم خرج، فقالت مية: إني لأرى أنّ هذا العذري قد رآني منكشفة واطلع عليّ من حيث لا أشعر، فإنّ بني عذرة أخبث قوم في الأرض- فاذهبي فقصي أثره، فقالت: قصصت أثره فوجدته قد تردّد أكثر من ثلاثين مرة، كل ذلك يدنو فيطلع عليها، ثم يرجع على عقبه ثم يعود فأخبرتها بذلك، ثم لم ينشب أن جاءنا شعره فيها من كلّ وجه ومكان.
وحدّث أيضا بسنده عن عمارة بن ثقيف أنّ ذا الرمة حدّثه أن أوّل أمره معها أنه خرج مع أخيه وابن عمّه في بغاء إبل لهم، فوردوا على ماء، وقد جهدهم العطش، قال:
فأتيت خباء عظيما أستسقي لهما ماء؛ فإذا عجوز جالسة في رواقه، فالتفتت وراءها وقالت: يا ميّ، اسق الغلام، فدخلت عليها وهي تنسج شقّة، فقالت لي: لقد كلفك
стр. 785
أهلك السفر، على ما أرى من حداثة سنك، ثم قامت تصبّ في ركوتي ماء وعليها شوذب، فلما انحطت على القربة رأيت مرأى لم أر أحسن منه، فلهوت بالنظر إليها، وهي تصبّ الماء فيذهب يمينا وشمالا، فقالت العجوز: يا بنيّ ألهتك ميّ عما بعثك له أهلك، أما ترى الماء يذهب يمينا وشمالا؟ قلت: أما والله ليطولنّ هيامي بها ثم أتيت بالماء أخي وابن عمي فلففت رأسي، وانتبذت ناحية وقلت: [الرجز]
قد سخرت أخت بني لبيد ... منّي ومن سلم ومن وليد (١)
رأت غلامي سفر بعيد ... يدرعان اللّيل ذا السدود
مثل ادّراع اليلمق الحديد
وهي أول قصيدة قلت: ثم مكثت أهيم بها في ديارها عشرين سنة.
وأما ابن قتيبة فقال: مكثت ميّ تسمع شعر ذي الرّمة ولا تراه، فجعلت لله أن تنحر بدنه يوم تراه- وكانت من أجمل الناس- فلما رأته دميما أسود صاحت: وا سوأتاه! وا ضيعة بدنتاه! فقال: [الطويل]
على وجه ميّ مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب الشّين لو كان باديا (٢)
فكشفت عن جسدها، قالت: أشينا ترى لا أمّ لك! فقال: [الطويل]
ألم تر أن الماء يخبث طعمه ... وإن كان لون الماء أبيض صافيا
فقالت له: قد رأيت ما تحت الثياب، فلم يبق إلا أن أقول لك: هلمّ فذق ما وراءه، فو الله لا ذقت ذلك أبدا، ثم صلح الأمر بينهما، فعادا لما كانا من حبّهما.
وهو شاعر مجيد مكثر وصّاف للأطلال والديار والصبر على قطع القفار. أبو الفرج: كان سليمان بن أبي شيخ، رواية لشعر ذي الرّمة، فأنشد يوما قصيدة له وأعرابي من بني عدي بسمعه فقال: أشهد أنك فقيه تحسن ما تلوته، وكان يحسبه قرآنا.
وكان أهل البادية يعجبهم شعره، وكان جرير والفرزدق يحسدانه، وقال حماد الرواية: ما أخّر القوم ذكره إلا لحداثة سنه، وأنهم حسدوه.
وقال أبو المطرّف: لم يكن أحد منهم في زمانه أبلغ منه، ولا أحسن جوابا، وكان كلامه أحسن من شعره.
وقال مولى لبني هاشم: رأيته بسوق المريد وقد عارضه رجل فقال: يا أعرابيّ- يهزأ به- أتشهد بما لم تر! قال: نعم قال: بماذا، قال: إن أباك ناك أمك.
стр. 786
الأصمعي: ما أعلم أحدا من العشاق شكا أحسن من شكوى ذي الرّمة، مع عفّة وعقل.
أبو عبيدة: يخبر ذو الرّمة فيحسن الخبر، ثم يردّ على نفسه فيحسن الرّد، ثم يعتذر فيحسن التخلص. مع حسن إنصاف في الحكم وعفاف.
وقال ذو الرّمة: من شعري ما ساعدني فيه القول ومنه ما أجهدت نفسي فيه، ومنه ما جننت فيه جنونا، فأما الذي طاوعني فيه القول فقولي: [الطويل]
خليليّ عوجا في صدور الرواحل ... بجمهور حزوى فابكيا في المنازل (١)
لعلّ انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي نجيّ البلابل
وأما ما أجهدت نفسي فيه فقولي: [البسيط]
أأن توسّمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم (٢)
كأنها بعد أحوال مضين لها ... بالأشيمين يمان فيه تسهيم
وأما الذي جنت فيه جنونا فقولي: [البسيط]
ما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلى مفرية سرب (٣)
براقة الجيد واللبّات واضحة ... كأنها ظبية أفضى بها لبب
زين الثياب وإن أثوابها استلبت ... فوق الحشية يوما زانها السلب
إذا أخو لذة الدنيا تبطّنها ... والبيت فوقهما بالستر محتجب
ساقت بطيّبة العرنين مارنها ... بالمسك والعنبر الهنديّ مختضب
لمياء في شفتيها حوّة لعس ... وفي اللّثات وفي أنيابها شنب
كحلاء في برج، بيضاء في دعج ... كأنها فضة قد زانها ذهب
وهذه القصيدة من المطولات التي نيّفت على المائة وربعها، وتصرّف فيها ما شاء من أوصاف الأطلال والديار والثور والحمار والكلاب والظبي وغير ذلك. وفي خلال ذلك يأتي بتشبيهات بديعات، وهو أشعر الشعراء الإسلاميين في التشبيه. وكان يقول: إذا قلت «كأنّ» فلم أجد مخرجا فقطع الله لساني.
стр. 787
واحتذى في ذلك حذوه من المولدين ابن المعتز، وقصده الحريري في هذا الموضع لمعنيين: أحدهما لأنه كان صادقا في حبّ مية فكان لا يشغله عنها شيء، لا مثل كثير عزة وغيره ممن لا يصدق في حبه، والثاني أنه يكثر في شعره صبره على قطع الهواجر لمية مثل قوله: [الطويل]
وهاجرة من دون ميّة لم تقل ... قلوصي بها والجندب الجون يرمح (١)
إذا جعل الحرباء مما أصابه ... من الحرّ يلوي رأسه ويرنّح
لئن كانت الدنيا عليّ كما أرى ... تباريح من ميّ فللموت أروح
ولما شكوت الحب كيما تثيبني ... بودّي قالت إنما أنت تمزح
فذكر الحريري أن هذه الهاجرة شغلته عن ذكر ميّ حتى طلب ظلّا يلوذ به.
***
وكان يوما أطول من ظلّ القناة، وأحرّ من دمع المقلات فأيقنت أني إن لم أستكن من الوقدة. واستحمّ بالرّقدة، وأدنفني اللغوب، وعلقت بي شعوب، قعجت إلى سرحة كثيفة الأغصان، وريقة الأفنان، لأغوّر تحتها إلى المغيربان؛ فو الله ما استروح نفسي، ولا استراح نفسي حتّى نظرت إلى سانح، في هيئة سائح؛ وهو ينتجع نجعتي، ويشتدّ إلى بقعتي، فكرهت انعياجه إلى معاجي؛ فاستعذت بالله من شرّ كلّ مفاجئ، ثمّ ترجّيت أن يتصدّى منشدا، أو يتبدّى مرشدا فلما اقترب من سرحتي، وكاد يحلّ بساحتي، ألفيته شيخنا السّروجيّ، متّشحا بجرابه.
ومضطغنا أهبة تجوابه، فآنسني إذ ورد، وأنساني ما شرد، ثمّ استوضحته من أين أثره، وكيف عجره وبجره.
***
أستكنّ: أستتر وأطلب كنّا. الوقدة: شدة الحرّ، أستجمّ: أستريح فأتقوى. أدنفني:
أمرضني. اللغوب: التعب.
وذكر طول اليوم القصير وأنشد عليه في الشرح: «ويوم كظل الرمح ... »، وذكر أنّ اليوم القصير يوصف بإبهام القطاة، ولم ينشده عليه شيئا، وقال جرير: [الطويل]
стр. 788
ويوم كإبهام القطاة محبب ... إليّ صباه غالب لي باطله (١)
رزقنا به الصّيد الغزير فلم يكن ... كمن نبله محرومة وحبائله
وذلك يوم خيره قبل شره ... تغيّب واشيه وأقصر عاذله
قال الأصمعي: قال لي خلف الأحمر: ويحه فما ينفعه حين يؤول إلى الشرّ! قلت:
فكيف يجب أن يقول؟ قال: خيره دون شره، قلت: والله لا أرويه بعدها إلا هكذا.
عجت: ملت. سرحة: شجرة، كثيفة: ملتفتة الأغصان. وريقة: كثيرة الورق.
والأفنان: الأغصان، أو ما تفرع منها. وما أحسن ما نظم في الفرار من الحرّ إلى الظل المنازي كاتب مروان صاحب ميافارقين حين قال: [الوافر]
وقانا وقدة الرّمضاء روض ... سقاه مضاعف الطّل العميم
قصدنا دوحه فحنا علينا ... حنوّ الوالدات على الفطيم
يراعي الشمس أنّى قابلتنا ... فيحجبها ويأذن للنسيم
وهذا ما يتعلق بالغرض، وزاد فيه معنى بديعا بقوله: [الوافر]
ويسقينا على ظمأ زلالا ... ألذ من المدام مع الكريم
يروع حصاه حالية الغواني ... فتلمس جانب العقد النظيم
تأمل هذه الصفة تجدها غاية في بابها، وتخيّل هذه الجارية كيف نظرت بياض الحصى في الماء، فارتاعت وحسبت عقدها تناثر، فالتمسته بيدها.
وقال السرّي فأحسن: [الطويل]
أدرها ففقد اللّوم إحدى الغنائم ... ولا تخش إثما لست فيها بآثم
ولا عيش إلا في اعتصام بقهوة ... يروح الفتى منها خضيب المعاصم
ولا ظل إلا ظلّ كرم معرّش ... تغنيك من قطريه ورق الحمائم
سماء غصون تحجب الشمس أن ترى ... على الأرض إلا مثل نثر الدّراهم
وقال ابن لبّال في متنزه بشريش يسمى أجّانة: [الطويل]
أيا حبذا إجانة كيفما اغتدت ... زمان ربيع أو زمان عصير
مذانب ماء كاللّجين على حصى ... كدرّ بلا ثقب أغرّ نثير
ورمل إذا ما ابتلّ بالماء عطفه ... غنينا به عن عنبر وذرور
стр. 789
وتين كما قامت على حلماتها ... نهود عذارى الزنج فوق صدور
كأن القباب الخزّ فيها عرائس ... على سرر مفروشة بحرير
وله أيضا عفا الله تعالى عنه: [الطويل]
كأنّ جني القوطيّ في رونق الضّحى ... وقد حملته راحة الورقات
نهود عذارى زحزحت عن مقرّها ... فقامت على الأطراف والحلمات
قوله: استروح نفسي، أي استنشقت الريح فتنفست فيه من التعب، أي ما سكنت عنّي أنفاس التعب، واستروحت الشيء، وجدت ريحه، سائح: عابر يسيح في الأرض، أي يمشي في جهاتها، ويقال للمكدي: سائح، لأنه يسيح في طلب الكدية. ينتجع نجعتي، أي يقصد قصدي في طلب الراحة. والانتجاع: طلب المرعى. يشتدّ: يجري. بقعتي: موضعي.
انعياجه: انعطافه. معاجي: مكاني الذي عجت إليه. مفاجئ آت على غفلة. يتصدّى:
يتعرّض. منشدا: دالا على الشيء، تقول: نشدت الضالة طلبتها، وأنشدتها: دللت عليها طالبها. مرشدا: هاديا للطريق. ساحتي: موضعي الذي أنا فيه. ألفيته: وجدته. متّشحا بجرابه، أي جعل جرابه موضع الوشاح. أهبة تجوابه، أي عدة جولانه. ورد: وصل ما شرد:
ما نفر، يعني الضالّة. استوضحته: سألته أن يوضّح لي أمره.
***
فأنشد بديها، ولم يقل إيها: [الخفيف]
قل لمستطلع دخيلة أمري ... لك عندي كرامة وعزازه
أنا ما بين جوب أرض فأرض ... وسرى في مفازة فمفازه
زادي الصّيد والمطية نعلي ... وجهازي الجراب والعكازه
فإذا ما هبطت مصرا فبيتي ... غرفة الخان والنّديم جزازه
ليس لي ما أساء إن فات أو أحز ... ن إن حاول الزّمان ابتزازه
غير أني أبيت خلوا من الهمّ ... ونفسي عن الأسى منحازه
أرقد اللّيل ملء جفني وقلبي ... بارد من حرارة وحزازة
لا أبالي من أيّ كأس تفوّق ... ت ولا ما حلاوة من مزازه
لا ولا أستجيز أن أجعل الذلّ ... مجازا إلى تسنّي إجازه
وإذا مطلب كسا حلّة العا ... ر فبعدا لمن يروم نجازه
ومتى اهتزّ للدناءة نكس ... عاف طبعي طباعه واهتزازه
فالمنايا ولا الدنايا وخير ... من ركوب الخنا ركوب الجنازه
***
стр. 790
بديها: مرتجلا من غير فكرة، المستطلع: الذي يحب أن يطّلع على الأمر دخيلة أمري: باطنه، عزازة: عزة ورفعة. جوب: قطع. سرى: مشى الليل. مفازة، قال الأصمعيّ: هي المهلكة سميت بذلك تفاؤلا لسالكها بالفوز، كما سمّي اللديغ سليما تفاؤلا بالسلامة، قال ابن الأعرابي: هي مأخوذة منفوز الرجل، إذا هلك، والعرب تسمي النعل مطيّة مجازا حيث يستعان بها على قطع المفازة، وأنشد أبو عليّ الفارسي ﵀: [الطويل]
رواحلنا ست ونحن ثلاثة ... نجنّبهنّ الماء في كلّ مشرب
وقال أبو نواس: [الطويل]
إليك أبا العباس يا خير من مشى ... عليها امتطينا الحضرميّ الملسّنا (١)
قلائص لم تعرف حنينا إلى طلا ... ولم تدر ما قرع الفنيق ولا الهنا
وأخذه أبو الطيب فقال: [المنسرح]
لا ناقتي تقبل الرديف ولا ... بالسّوط يوم الرّهان أجهدها (٢)
شراكها كورها ومشفرها ... زمامها والشّسوع مقودها
أشدّ عصف الرياح يسبقه ... تحتي من خطوها تأيّدها
وكان السّروجي أكثر عدّة من أبي الشمقمق في قوله: [الخفيف]
كلما كنت في جموع فقالوا ... قرّبوا للرّحيل قرّبت نعلي
أترى أنّني من الدهر يوما ... لي فيه مطية غير رجلي
حيثما كنت لا أخلف رحلا ... من رآني فقد رآني ورحلي
ومن أبيات المعاني في نعل: [الطويل]
وسوداء المناسب يمتطيها ... أخو الحاجات ليس له نكير
فيحملها وتحمله وفيها ... منافع حيث يبتدر السّفر
على أن السّفير ينال منها ... فيرقعها إذا جدّ المسير
السفير: ورق الشجر، والمسفرة المكنسة. والجهاز: ما يحتاج إليه المسافر من العدة. والعكّازة، العصا مصرا: بلدا. الخان: الفندق. والنّديم: الصاحب على الشّراب، وجزازة، قيل: إنه خليع مشهور عندهم، وهذا لا يبعد. وأخبرني الأستاذ أبو ذرّ وغيره أنها القراطيس الصغار، يكتب للناس فيها صفة حاله فيستجديهم بها، فيريد أن نديمه إذا دخل بلدة قطع من قرطاس يجزّها ورقة كبيرة يكتب فيها بما يجلب ممّا يؤكل ويشرب،
стр. 791
والجزازة: ما يسقط من الشيء تجزّه، كالقصاصة ما يسقط مما يقصّ. والنّحاتة والقلامة وغير ذلك، فلما كانت القطعة الصغيرة تسقط من الورقة سمّوها جزازة. ثم اشتهر عندهم ما صغر من القراطيس بهذا الاسم، قال الفنجديهيّ: جزازة، أي قطعة كاغد عليها شيء مكتوب، والجزازة: ما يقطع من الشيء، قال: وأنشد بعضهم: [الوافر]
وقالوا كيف حالك قالت حالي ... تقضى حاجتي وتفوت حاجي
نديمي هرّتي وسمير أنسي ... دفاتيري ومعشوقي سراجي
أساء: أصاب فيه بسوء، وأحزن عليه، حاول: طلب، ابتزازه: تجريده وإزالته. خلو:
فارغ البال. الأسى: الحزن. منحازة: متنحية ومنعزلة ومنقبضة، وانحاز: انعزل. ملء جفني:
أي أرقد هنيئا لقلة همي، فتمتلئ عيني بالنوم، وهو من قول المتنبي: [البسيط]
أنام ملء جفوني عن شواردها (١)
والحزازة في القلب: تأثير الهمّ كأنه يحزّ فيه، أي يقطع، وقال الشاعر: [الطويل]
إذا كان أولاد الرجال حزازة ... فأنت الحلال الحلو والبارد العذب (٢)
والحزازة هنا: الولد السوء، ولا شيء أنكى للقلب من همّه، والحزازة أيضا الحقد والغيظ، وفي قلبي منه حزازة أي حرقة وحزن. تفوّقت أي شربت فواقها، وهو أخذه ما فيها شيئا فشيئا، وما بين عبّة وعبّة فواق؛ وأصله ما بين حلبة من الضّرع وحلبة. مزازة:
بين الحموضة والحلاوة. مجازا: طريقا يجاز عليه. تسنّي: تيسر. إجازة: عطية وصلة.
يروم: يطلب. نجازه: قضاءه وتمامه، ولبعضهم في هذا المعنى: [مخلع البسيط]
أشدّ من عيلة وجوع ... إغضاء حرّ على الخضوع
فقنع من الدّهر قوت يوم ... وأنت بالمنزل الرفيع
ولا ترد ثروة بمال ... ينال بالذلّ والخشوع
وارحل إذا أجدبت بلاد ... منها إلى الخصب والربيع
الدناءة: الفعل القبيح. نكس: دنيء، عاف: كره. اهتزازه: طربه وخفته.
ولبعضهم في هذا المعنى: [الوافر]
ويجتنب اللبيب ورود ماء ... إذا كان الكلاب يلغن فيه
كما سقط الذباب على طعام ... فتتركه ونفسك تشتهيه
стр. 792
وقال أبو محمد المصريّ يخاطب المعتمد وقد فرّ منه: [المتقارب]
رحلت وفي قلب جمر الغضى ... وهجري لكم دون شكّ صواب
كما تهجر النفس حرّ الطعام ... إذا ما تساقط فيه الذباب
المنايا ولا الدنايا، أي إتيان المنية ولا فعل الدنية، قال أوس بن حارثة: ملك المنيّة ولا الدنية، في وصية طويلة، والمنية معناها المقدورة المحكوم بها، وهي مفعولة من المنى وهو المقدّر والقدر، يقال: منّاك الله بما يسرّك، وأصلها ممنووة فصرفت مفعولة فعيلة، كمطبوخ وطبيخ، وأدغمت الياء في الياء. الخنا: الفساد. الجنازة: النعش.
***
ثمّ رفع إليّ طرفه، وقال: لأمر ما جدع قصير أنفه، فأخبرته خبر ناقتي السّارحة، وما عانيته في يومي والبارحة، فقال: دع الالتفات، إلى ما فات، والطّماح إلى ما طاح، ولا تأس على ما ذهب، ولو أنّه واد من ذهب، ولا تستمل من مال عن ريحك، وأضرم نار تباريحك، ولو كان ابن بوحك، أو شقيق روحك، ثمّ قال: هل لك في أن تقيل، وتتحامى القال والقيل؟ فإنّ الأبدان أنضاء تعب، والهاجرة ذات لهب، ولن يصقل الخاطر، وينشّط الفاتر، كقائلة الهواجر، وخصوصا في شهري ناجر، فقلت: ذاك إليك، وما أريد أن أشقّ عليك، فافترش التّرب واضطجع، وأظهر أن قد هجع، وارتفقت على أن أحرس، ولا أنعس، فأخذتني السّنة؛ إذ زمّت الألسنة، فلم أفق إلّا واللّيل قد تولّج، والصّبح قد تبلّج، ولا السّروجيّ ولا المسرج.
***
قوله: «لأمر ما جدع قصير أنفه» أي ما جدع قصير أنفه إلا لمعنى، وكذلك أنت ما خرجت في هذا الوقت لشدّة حرّه إلى هذه القفار المخوفة إلّا لمعنى، فأخبرني به، فلذلك قال: «فأخبرته خبر ناقتي»، وأيضا فإنّ أوّل الكلام يدلّ عليه، لأنه قال:
فاستوضحته من أين أثره، فأخبره السّروجي في الشعر بقصته، فلما أكملها سأل ابن همام عن قصته، فأخبره بالناقة الضائعة. والسارحة: التي سرحت، أي مشت حيث شاءت.
عاينته: شاهدته ورأيته. الالتفات: النظر إلى جهة. والطماح: ارتفاع العين بالنظر وطاح:
ذهب وتلف. لا تأس: لا تحزن. ولا تستمل: تستدع حبّه وأن يميل إليك بودّه. مال:
انحرف. عن ريحك: عن طريقك وهواك. أضرم: أوقد. تباريحك: أحزانك. تقيل:
تنام في القائلة تتحامى: تتباعد عنها. أنضاء: جمع نضو وهو المهزول، أي قد أهزل التعب أبداننا. الهاجرة: القائلة سمّيت هاجرة لأنها تهجر البرد، أو لأنها أكثر حرّا من
стр. 793
سائر النهار، يقال: فلان أهجر من فلان، إذا كان أضخم منه. لهب: نار.
وشهري ناجر: يونيه ويوليه، وهما أشد الحرّ. قال الأزهريّ: هما حزيران وتمّوز، النّجران: العطشان. ابن سيده: ظن قوم أنهما حزيران وتموز، وهذا غلط، وإنما هما وقت طلوع نجمين من نجوم القيظ.
الليث: كل شهر في صميم الحرّ فاسمه ناجر، لأن الإبل تنجرّ فيه، أي تشتدّ عطشا حتى تيبس جلودها، فلا تكاد تروي من الماء.
هجع: رقد. وارتفقت: توكأت على مرفقي. السّنة: النوم القليل. زمّت: ربطت ومنعت. فأولج: دخل. تبلّج: أضاء وظهر. المسرج: الفرس عليه سرجه.
***
فبتّ بليلة نابغيّة، وأحزان يعقوبيّة، أساور الوجوم، وأساهر النّجوم، أفكّر تارة في رجلتي، وأخرى في رجعتي، إلى أن وضح لي عند افترار ثغر الضّوء في وجه الجوّ، راكب يخد في الدّوّ، فألمعت إليه بثوبي، ورجوت أن يعرّج إلى صوبي، فلم يعبأ بإلماعي، ولا أوى لالتياعي، بل سار على هينته، وأصماني بسهم إهانته، فأوفضت إليه لأستردفه، وأحتمل تغطرفه. فلمّا أدركته بعد الأين، وأجلت فيه مسرح العين، وجدت ناقتي مطيته، وضالّتي لقطته، فما كذّبت أن أذريته عن سنامها، وجاذبته طرف زمامها، وقلت له: أنا صاحبها ومضلّها، ولي رسلها ونسلها، فلا تكن كأشعب، فتتعب وتتعب.
***
أساور: أواثب. الوجوم: السكوت على غيظ، والمعنى: أنّ الغيظ إذا اشتدّ عليه عالج كظمه ودفعه عن نفسه، فكأنه يواثبه. أساهر: أسامر، والسهر امتناع النوم. الرّجلة، بضم الراء: القدرة على المشي، ورجل يرجل رجلا ورجلة، إذا مشى في السفر وحده بلا دابة. وضح: تبيّن. افترار: انكشاف، وافترّ كشف أسنانه عند الضحك. يخد:
يسرع. الدوّ: الصحراء، والراكب: من يركب البعير. والجوّ: نواحي السماء. يعرّج إلى صوبي: يميل إلى جهتي وقصدي. يعبأ: يبال. إلماعي: إشارتي، وهو مصدر ألمعت إليك، أي أشرت إليك، فإذا بعد عنك الرجل فلم يسمع صوتك جردت ثوبك وأشرت إليه، والإشارة بالثوب هي الإلماع. أوى: أشفق. التياعي: تحرّقي وتوجعي. هينته:
سكينته. أصماني: أصاب مقتلي. إهانته: احتقاره. أوفضت: أسرعت. أستردفه: أطلب إليه أن يردفني. تغطرفه: تكبّره، والغطريف: السيّد العظيم. الابن: الفتور. أجلت:
صرفت. مسرح: موضع تسرحها وجولانها بالنظر. واللقطة: ما يجده الإنسان قد سقط
стр. 794
لغيره، فيأخذه ويلتقطه. أذريته: رميت به عنها. مضلّها، أي الذي ضلّت له. رسلها:
لبنها.
[أشعب وبعض نوادره]
أشعب: الطماع، رجل مدنيّ صاحب نوادر وملاه وله صنعة في الغناء، وكان أبخل الناس وأكثرهم طمعا. ويقال في المثل. أطمع من أشعب. ولهذا قال الحريريّ: فلا تك كأشعب، أي لا تطمع في أخذ الناقة فتكون مثله في طمعه في مال غيره. فتتعب من تعلقت له بشيء، وتتعب، أنت معه في المخاصمة.
ومن حكايات أشعب: قال سالم بن عبد الله بن عمر لأشعب: ما بلغ من طعمك؟
قال: لم أنظر إلى اثنين يتسارّان في جنازة إلا قدّرت أن الميت أوصى لي بشيء.
وقال له ابن أبي الزناد: ما بلغ من طعمك؟ قال: ما زفّت بالمدينة امرأة، إلا كنست بيتي رجاء أن يغلط بها إليّ.
وكانت عائشة بنت عثمان كفلته مع ابن أبي الزناد، فقال أشعب: تربّيت معه في مكان واحد، وكنت أسفل ويعلو حتى بلغنا ما ترون.
وقيل لعائشة: هل آنست من أشعب رشدا؟ فقالت: أسلمته منذ سنة في البزّ، فسألته بالأمس: أين بلغت في الصناعة؟ فقال: يا أمّه، قد تعلمت نصف العمل وبقي نصفه، تعلمت النّشر في سنة، وبقي عليّ تعلّم الطيّ.
وسمعته اليوم يخاطب رجلا وقد ساومه قوس بندق، فقال: بدينار، فقال أشعب:
والله لو كنت إذا رميت عليها طائرا وقع في حجري مشويّا مع رغيفين، ما اشتريتها بدينار، فأيّ رشد يؤنس منه!
ونظر إلى رجل يعمل طبقا، فقال له: أسألك بالله إلّا ما زدت في سعته طوقا أو طوقين، فقال له الرجل: ما معنى ذلك؟ فقال: لعلّه أن يهدى إليّ يوما فيه شيء:
وقيل له: أرأيت أطمع منك؟ قال: نعم، خرجت إلى الشأم مع رفيق لي، فتلاحينا عند دير فيه راهب، فقلت له: الكاذب منّا، أير الراهب استه، فنزل الراهب من صومعته وقد أنعظ، فقال: أيكما الكاذب؟ ثم قال: دعوا هذا، امرأتي أطمع مني ومن الراهب، فقيل له: وكيف ذلك؟ فقال: إنها قالت: ما يخطر على قلبك شيء يكون بين الشك واليقين إلّا وأنا أتيقّنه، ودعوا هذا، شاتي أطمع منّي ومنها، قيل: وكيف؟ قال صعدت على سطح، فنظرت إلى قوس قزح فظنّته حبل قتّ، فأهوت إليه فسقطت فاندقت عنقها.
وقيل له: هل رأيت أطمع منك؟ قال: كلبة آل فلان، رأت رجلا يمضغ علكا فتبعته فرسخين، تظن أنه يأكل شيئا.
وقيل له: ما بلغ من طمعك؟ قال: أضجرني الصبيان يوما، فأردت أن أشغلهم عنّي،
стр. 795
فقلت لهم: إن بموضع كذا عرسا، فامضوا نحوه. فلما ذهبوا ظننت أن ثمّ عرسا، فتبعتهم.
وقال ابن شرف: [البسيط]
وما بلوغ الأماني في مواعدها ... إلا كأشعب يرجو وعد عرقوب
وقد تخالف مكتوب القضاء به ... فكيف لي بقضاء غير مكتوب
وقال ابن حجّاج: [السريع]
فديت من نفسي من كلّما ... لقيته والحق لا يغضب
فقلت: يا عرقوب أطمعتني ... فقال: لم نفسك يا أشعب
***
فأخذ يلذع ويصيء، ويتّقح ولا يستحيي، وبينما هو ينزو ويلين، ويستأسد ويستكين؛ إذ غشينا أبو زيد لابسا جلد النّمر، وهاجما هجوم السّيل المنهمر، فخفت والله أن يكون يومه كأمسه، وبدره مثل شمسه، فألحق بالقارظين، وأصير خبرا بعد عين. فلم أر إلّا أن أذكرته العهود المنسيّة، والفعلة الإمسيّة، وناشدته الله: أوافى للتّلافي، أم لما فيه إتلافي؟ فقال معاذ الله أن أجهز على مكلومي، أو أصل حروري بسمومي؛ بل وافيتك لأخبر كنه حالك، وأكون يمينا لشمالك. فسكن عند ذلك جاشي، وانجاب استيحاشي، وأطلعته طلع اللّقحة، وتبرقع صاحبي بالقحة.
***
قوله: يتّقح، أي يبدي الوقاحة. ينزو: يقفز. يستأسد: يتشبّه بالأسد فيتقوّى.
يستكين: يذلّ، يريد أنه كان مرة يتقوّى ومرّة يذلّ. غشينا: جاءنا فجأة. لابسا جلد النمر، أي وقحا شجاعا. هاجما: آتيا على غفلة. المنهمر: الكثير الانصياب، وتقدّم أثر خبر بعد عين، الإمسية: المنسوبة إلى أمس- الفنجديهي: رأيت بخط الحريريّ النسبة إلى أمس إمسيّ، وهو من شاذ- النسب- ناشدته: حلّفته. أوافى: أجاء وأوتى. التلافي:
التدارك قبل فوته. معاذ الله، أي أستجير بالله ممّا ذكرت. أجهز: أتم عليه. مكلومي:
مجروحي، وفي أخبار عليّ ﵁ أنه ما أجهز على مكلوم قط. أخبر: أعلم.
كنه: حقيقة جاشي: نفسي، قاله ابن سيده: وقيل: الجأش القلب، وقيل: رباطته وشدّته عند الشيء يسمعه، ما يدري ما هو. وقيل: جاشي: روع قلبيو اضطرابه عند الفزع.
واستوحش من الشيء: لم يأنس به. انجاب: انقشع وزال. أطلعته طلعها، أخبرته سرها وعلوت طلع الأكمة، أي مكانا يطلع منه على ما حولها ويشرف عليه والقحة: صلابة الوجه، كأنه جعل منها برقعا على وجهه.
***
стр. 796
فنظر إليه نظر ليث العرّيسة، إلى الفريسة. ثمّ أشرع قبله الرّمح، وأقسم له بمن أنار الصّبح، لئن لم ينج منجى الذّباب، ويرض من الغنيمة بالإياب، ليوردنّ سنانه وريده، وليفجعنّ به وليده ووديده. فنبذ زمام الناقة وحاص، وأفلت وله حصاص، فقال لي أبو زيد: تسلّمها وتسنّمها، فإنها إحدى الحسنيين، وويل أهون من ويلين.
قال الحارث بن همام: فحرت بين لوم أبي زيد وشكره، وزنة نفعه بضرّه.
فكأنه نوجي بذات صدري، أو تكهّن ما خامر سرّي. فقابلني بوجه طليق، وأنشد بلسان ذليق: [مجزوء الرمل]
يا أخي الحامل ضيمي ... دون إخواني وقومي
إن يكن ساءك أمسي ... فلقد سرّك يومي
فاغتفر ذاك لهذا ... واطّرح شكري ولومي
ثم قال: أنا تئق؛ وأنت مئق، فكيف نتّفق! وولّي يفري أديم الأرض، ويركض طرفه أيّما ركض، فما عددت أن اقتعدت مطيّتي، وعدت لطيّتي، حتى وصلت إلى حلّتي، بعد اللتيّا والّتي.
***
العرّيسة: مأوى الأسد. والفريسة: الصيد يفترسه، أي يكسر عنقه، وهي أكيلة الأسد. أشرع: صوّب. أنار: نوّر. ينج منجى: يخلص مخلص، وشبه خلوصه بخلوص الذباب، لأنه يقع على الجسد أو الطعام فيتقذّر الإنسان بمقرّه فيشرده، وهو واجد عليه، فينجو الذباب، سالما بعد أذايته.
[مما قيل في الذباب والبعوض شعرا]
وأخذه من قول إبراهيم بن العباس الصولي لمحمد بن الزيات: [المتقارب]
كن كيف شئت وقل ما تشا ... وأبرق يمينا وأرعد شمالا
نجا بك قومك منجى الذباب ... حمته مقاذيره أن ينالا
وأخذه إبراهيم من قول الآخر: [السريع]
أسمعني عبد بني مسمع ... فصنت عنه النّفس والعرضا
ولم أجبه لاحتقاري له ... ومن يعضّ الكلب إن عضا!
ومن قول الآخر: [البسيط]
قوم إذا ما جنى جانيهم أمنوا ... للؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا
стр. 797
وهو كثير، وإنما اخترع إبراهيم لفظ الذباب.
وعرّض- أي بعض الأدباء- على صاحب له بمحضر جماعة شعرا، فجعل يعرض عن محاسن الشعر ويتتبع مواضع النقد حسدا، فقال له صاحب الشعر: أراك كالذباب تعرض عن المواضع السليمة وتتبع قروح الجسد.
وقال ابن الروميّ: [المجتث]
تأمّل العيب عيب ... ما بالذي قلت ريب
والشّعر كالشّعر فيه ... مع الشّيبة شيب
فليصفح الناس عنه ... فطعنهم فيه عيب
ومنكيات الذباب لابن آدم كثيرة، منها نزوله على الوجه عند النوم، فيلقى منه بلاء، أو في الصلاة فيصير أضرّ من إبليس للتشاغل، وأما إذا تساقط في الطعام فتنغيصه وتنفيره للطباع أضرار لا تخفى، وقد قدّمت آنفا في ذلك من الشعر شيئا، ولذلك تضرب العرب المثل فتقول: أجرأ من ذباب، لأنه ينزل على الأسد والأمير.
ونذكر هنا ما هو أشدّ أذاية منه وهو البعوض، ولولا أنّ أيامه قلائل لأخلى البلاد، قال ابن رشيق يتشكّاه: [الكامل]
يا ربّ لا أقوى على دفع الأذى ... وبك استعنت على الضعيف الموذي
ما لي بعثت إليّ ألف بعوضة ... وبعثت واحدة إلى نمروذ!
وقال ابن شرف: [الكامل]
لك منزل كملت بشارته لنا ... للهو لكن تحت ذاك حديث
غنّى الذباب وظلّ يزمر حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث
وقال آخر: [مخلع البسيط]
ليل البراغيث والبعوض ... ليل طويل بلا غموض
فذاك ينزو بغير رقص ... وذا يغنّي بلا عروض
وقوله: ويرضي من الغنيمة بالإياب، منقول من قول امرئ القيس، وقد طوّفت ... (١) البيت. وهو مشهور. يوردنّ: يدخلنّ. وريده: صفحة عنقه، والوريدان:
стр. 798
العرقان يجري فيهما النّفس، وهما في مقدّم العنق، وفجعته المصيبة فجعا: أوجعته فهو فجيع ومفجوع، وموت فاجع، والفجيعة: الرزيّة الموجعة. يفجعنّ: يحزننّ. وليده:
ابنه. وديده: صاحبه. نبذ: رمى. حاص مال إلى الهرب، ويقال: حاص يحيص حيصا، إذا عدل، ومنه ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم: ٢١]، أي من ملجأ ومحيد. تسلّمها:
خذها. تسنّمها: اركب سنامها. إحدى الحسنيين، أي المسرتين، ولو رجع له الفرس لكملتا له، فالناقة إحداهما. بذات صدري: علم بحاجة نفسي وبحقيقة ما أضمرته في صدري. تكهن: علم. خامر: خالط. طليق: مستبشر. ذليق: حديد. ضيمي: ذلّي وضرّي. ساءك: أحزنك. اطّرح: اترك، وقد أعاد هذا في السابعة والثلاثين فقال: وهبها لا خطأ ولا إصابة.
وسأل الحطيئة عتيبة النهّاس العجليّ فردّه، فقال له قومه: عرّضتنا ونفسك للشر، هذا الحطيئة، وهو هاجينا أخبث هجاء، فقال: ردّوه، فردّوه، فقال: كتمتننا نفسك ولك عندنا ما يسرّك، ثم قال له: من أشعر الناس؟ فقال: الذي يقول: [الطويل]
ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتّق الشتم يشتم (١)
فقال: له: وهذه من مقدمات أفاعيك. ثم قال لوكيله: اذهب به إلى السوق فابتع له كلّ ما أحبّ، فعرض عليه الخزّ ورقيق الثياب، فعرض هو إلى الأكسية الغلاظ فاشترى له ما أراد، فرجع إلى عتيبة، فقال له اسمع: [الطويل]
سئلت فلم تبخل ولم تعط طائلا ... فسيان لا ذمّ عليك ولا حمد (٢)
وأنت امرؤ لا الجود منه سجيّة ... فتعطي وقد يعدي على النّائل الوجد
وامتدح أبو تمام إبراهيم بن المهديّ، فوجده عليلا، فقبل منه المدحة وأناله ما يصلحه، وقال له: عسى أن أقوم من مرضي فأكافئك، فأقام شهرا ثم كتب له: [المنسرح]
إنّ حراما قبول مدحتنا ... وترك ما نرتجي من الصّفد
كما الدنانير والدراهم في ال ... بيع حرام إلّا يدا بيد
فقال لحاجبه: أعطه ثلاثين ألفا، وجئني بدواة، فكتب إليه: [الطويل]
عاجلتنا فأتاك عاجل برّنا ... قلّا ولو أمهلتنا لم نقلل
فخذ القليل وكن كأنك لم تقل ... ونكون نحن كأنّنا لم نفعل
وقال الخوارزمي: [الوافر]
ولمّا أن رأيت ابني وليد ... وبينهما اختلاف في الفعال
стр. 799
وهبت قبيح ذا لجميل هذا ... وأسلمت العواقب للّيالي
إذا اليد أحسنت منها يمين ... تسوّغنا لها ذنب الشّمال
قوله يفري: أي يقطع. أديم الأرض: وجهها. يركض طرفه: يجري فرسه. أيّما، صفة لمصدر محذوف، وفيه معنى التعجب من كثرة جريه، تقديره: يركض ركضا، أيّ ركض. اقتعدت: ركبت القعود، وتقدمت في الأولى ما عدوت: ما جاوزت، أي ما عملت شيئا قبل القعود على الناقة. حلّتي: موضعي الذي هو سكني ونزولي. وحلّ.
نزل.
تفسير ما أودع هذه المقامة من الألفاظ اللغوية والأمثال العربية
قوله: «ريّق زماني ورائقه» يعني أوله، وقد يخفف فيقال «ريق».
وقوله: «آخذ أخذ نفوسهم الأبيّة»، يعني أقتدي بهم، يقال: أخذه، بكسر الهمزة وفتحها.
والهجمة، نحو المائة من الإبل.
والثلّة: القطيع من الغنم.
والراغية: الإبل. والثاغية: الشاء، ومنه قولهم: ما له راغية ولا ثاغية، أي لا ناقة له ولا شاء.
وقوله: «أرداف أقيال»، أي يخلفون الملوك إذا غابوا.
وقوله: «أبناء أقوال»، أي فصحاء، يقال للمنطيق: إنه ابن أقوال.
وقوله: «فتدثّرت فرسا محضارا»، التدثّر: الوثوب على ظهر الفرس، والمحضار والمحضير: الشديد العدو، مأخوذ من الحضر، وهو العدو.
وقوله: «أقتري كلّ شجراء مرداء» الاقتراء: تتبّع الأرض. والشجراء: ذات الشجر، والمراد الخالية من النبات، ومنه اشتقاق الأمرد، لخلوّ وجهه من الشّعر.
وقوله: «حيعل الدّاعي إلى صلاته»، يعني قول المؤذن: حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، والمصدر منه الحيعلة، ومثله من المصادر الهيللة والحمدلة. والحوقلة والبسملة والحسبلة والسّبحلة والجعلفة؛ فالهيللة حكاية قول: لا إله إلّا الله. والحمدلة: حكاية قول: الحمد لله. والحسبلة حكاية قول: حسبنا الله، والسبحلة حكاية قول: سبحان الله.
والجعلفة حكاية قول: «جعلت فداك».
وقوله: «فنزلت عن متن الرّكوبة»، يعني المركوبة، يقال: ناقة ركوب وركوبة وحلوب وحلوبة، وقد قرئ: «فمنها ركوبتهم».
стр. 800
والصّهوة: مقعد الفارس. والشّحوة: الخطوة. والجزع: قطع الوادي عرضا.
وقوله: «صكّة عميّ» يعني قائم الظهيرة، وقد اختلف في أصله، فقيل: كان عميّ رجلا مغوارا، فغزا أقواما عند قائم الظهيرة، وصكّهم صكّة شديدة، فصار مثلا لكل من جاء ذلك الوقت، وقيل: المراد به الظّبي، لأنه يسدر في الهواجر، ويذهب بصره، فيصطلك، وكذلك الحية، واصطكاك الظبي بما يستقبله كاصطكاك الأعمى، ثم صغّر الأعمى تصغير الترخيم، فقيل: عميّ؛ كما صغّروا أسود وأزهر، فقالوا: سويد وزهير.
وقوله: «وكان يوما أطول من ظلّ القناة»، يوصف اليوم الطويل بظلّ القناة، كما يوصف اليوم القصير بإبهام القطاة، والعرب تزعم أنّ ظل الرّمح أطول ظلّ، ومنه قول شبرمة بن الطفيل: [الطويل]
ويوم كظلّ الرمح قصّر طوله ... دم الزقّ عنا واصطفاق المزاهر (١)
وقوله: «أحرّ من دمع المقلات» المقلات هي المرأة التي لا يعيش لها ولد، فدمعها أبدا حارّ لحزنها، لأنه يقال: إن دمعة الحزن حارة ودمعة السرور باردة، ولهذا قيل للمدعوّ له: أقرّ الله عينه، مأخوذ من القرّ وهو البرد، وقيل للمدعوّ عليه: أسخن الله عينه، مأخوذ من السّخنة، وهي الحرارة، وقيل: إن إقرار العين مأخوذ من القرار؛ فكأنه دعا له أن يرزق ما يقرّ عينه حتى لا تطمح إلى ما لغيره. وكانت الجاهلية تزعم أن: إن المقلات إذا وطئت على قتيل شريف عاش ولدها، ولهذا أشار بشر بن أبي خازم في قوله: [الطويل]
تظلّ مقاليت النساء يطأنه ... يقلن: ألا يلقى على المرء مئزر (٢)
وقوله: «علقت بي شعوب» يعني المنية، ولا يدخل هذا الاسم أداة التعريف، مثل دجلة وعرفة.
وقوله: «لأغور تحتها إلى المغيربان»، التقدير: النزول إلى القائلة؛ كما أن التعريس: النّزول آخر الليل للتهويم أو الاستراحة.
والمغيربان، تصغير المغرب، وكان قياس تصغيره المغيرب، إلّا أنّ العرب ألحقت آخره ألفا ونونا على طريق الشذوذ.
وقوله: «مضطغنا أهبة تجوابه»، الاضطغان: أن يحمل الشيء تحت حضنه، والاضطبان أن يحمله تحت ضبنه، والضّبن: ما بين الإبط والكشح، وكلاهما متقارب.
стр. 801
ويقال: أول مراتب الحمل الإبط ثم الضّبن، وهو أسفل الإبط ثم الحضن، وهو عند الجنب.
والتجواب مصدر جاب، وجميع المصادر التي جاءت على «تفعال» هي بفتح التاء إلّا قولهم: تبيان وتلقاء لا غير، وزاد بعضهم: تيصال.
وقوله: «عجري وبجري» يريد به جميع أمري الظاهر والباطن، وأصل العجر العقد الناتئة في العصب، والبجر: العقد الناتئة في البطن.
وقوله: «ولم يقل إيها» أي لم يأمرني بالكفّ، يقال: للمستزاد: إيه. وللمستنكف:
إيها.
وقوله: «لأمر ما جدع قصير أنفه»، قصير هو مولى جذيمة الأبرش، وكان جدع أنفه بيده حين قتلت الزباء مولاه، ثم أتاها وأوهمها أن عمرو بن عديّ ابن أخت جذيمة، هو الذي جدع أنفه اتهاما له بأنّه غشّ خاله جذيمة إذ أشار عليه بقصدها، فحظي بهذا القول عندها حتّى جهزته مرارا إلى العراق؛ فكان يأتيه بالطّرف منه إلى أن استصحب في آخر نوبة الرجال في الصناديق، وتوصّل إلى قتلها، والأخذ بثأر مولاه منها. وقصته مشهورة.
وقوله: «ولو كان ابن بوحك» يعني ولد الصّلب، إشارة إلى أنه ولد في باحة الدار؛ وهي عرّصتها، وجمعها بوح. وقيل: إن البوح من أسماء الذكر.
وقوله: «في شهري ناجر» هما شهرا الحرّ، وقيل: إنها حزيران وتمّوز. وأنكر ابن دريد هذا القول، وقال: هما طلوع نجمين.
وقوله: «بت بليلة نابغية» أومأ به إلى قول النابغة: [الطويل]
فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة ... من الرّقش في أنيابها السمّ ناقع (١)
وقوله: «فألمعت إليه بثوبي» يعني أشرت إليه، يقال منه: ألمع ولمع بمعنى.
وقوله: «يلدع ويصيء»، هذا مثل يضرب لمن يظلم ويشكو، يقال: صاءت العقرب تصيء صيئا وصيئا بفتح الصاد وكسرها؛ إذا صوّتت، وكذلك الفرخ، وما أحسن قول ابن الرومي في هذا المعنى: [البسيط]
تشكي المحبّ وتشكو وهي ظالمة ... كالقوس تصمي الرّمايا وهي مرنان
стр. 802
وقوله: «ينزو ويلين»؛ هذا مثل يضرب لمن يتعزز ثمّ يذلّ، ويقال: إن أصله أن الجدي ينزو وهو صغير فإذا كبر لان.
وقوله: «لابسا جلد النمر»، هذا مثل يضرب للمتّقح الجريء، لأن النمر أجرأ سبع وأقله احتمالا للضيم، ومن هذا اشتقاق قولهم: تنمّر، أي صار مثل النّمر.
وقوله: «فألحق بالقارظين» الأصل في القارظ الذي يجني القرظ، وهو النبات المدبوغ به؛ والقارظان المشار إليهما أحدهما من عنزة والآخر من النّمر بن قاسط، خرجا يجنيان القرظ فلم يرجعا، ولا عرف لهما خبر، فضرب بهما المثل لكل غائب لا يرجى إيابه، وإليهما أشار أبو ذؤيب في قوله: [الطويل]
وحتّى يثوب القارظان كلاهما ... وينشر في القتلى كليب لوائل (١)
وقوله: «حروري بسمومي»، الحرور: الرّيح الحارة ليلا، والسّموم: الريح الحارة نهارا، وقد يقام أحدهما مقام الآخر مجازا. وقال بعضهم: الحرور يكون ليلا ونهارا، والسموم يختصّ بالنهار.
وقوله: «ليث عريسة» يعني مأوى السبع، ويقال فيه. عرّيس وعرّيسة بإثبات الهاء وحذفها، كما يقال: غاب وغابة وعرين وعرينة. فأمّا الغيل والخيس فلم يلحقوا بهما الهاء.
وقوله: «أفلت وله حصاص» هذا المثل يضرب لمن نجا من هلكة أشفى عليها بعد ما كاد يهوي فيها. والحصاص: العدو، وقيل إنه الضراط.
وقوله: «ويل أهون من ويلين»، هذا المثل يضرب تسلية لمن ناله بعض المكروه، ومثله قول الراجز: [الطويل]
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض (٢)
وقوله: «أنا نئق، وأنت مئق، فكيف نتفق»، هذا المثل يضرب للمتنافيين في الخلق؛ فإنّ التّئق هو الممتلئ غيظا؛ مأخوذ من قولهم: أتأقت الإناء؛ إذا ملأته. والمئق هو الباكي؛ فكأن التئق ينزع إلى الشر لغيظه، والمئق يضيق ذرعا باحتماله، ومثله قول بعضهم: أنا كلف، وأنت صلف، فكيف نأتلف!
وقوله: «لطيّتي» يعني لقصدي ووجهتي، وقد يقال فيها: طية، بالتخفيف.
стр. 803
وقوله: «بعد اللّتيّا والتي» اللّتيا تصغير الّتي، وهو على غير قياس التصغير المطرد؛ لأنّ القياس أن يضمّ أول الاسم إذا صغّر، وقد أقرّ هذا الاسم على فتحته الأصلية عند تصغيره، إلّا أنّ العرب عوّضته عن ضمّ أوله، بأن زادت ألفا في آخره، وأجرت أسماء الإشارة عند تصغيرها على حكمه، فقالت في تصغير الذي والّتي: اللّذيا واللّتيا؛ تصغير ذا وذاك. وقد اختلف في معنى قولهم: بعد اللتيا والتي، فقيل: هما من أسماء الداهية.
وقيل: المراد بهما بعض صغير المكروه وكبيره.
стр. 804
المقامة الثامنة والعشرون وهي ال سّمرقند يّة
حدّث الحارث بن همام قال: استبضعت في بعض أسفاري القند، وقصدت به سمرقند؛ وكنت يومئذ قويم الشّطاط، جموم النّشاط، أرمي عن قوس المراح، إلى غرض الأفراح، وأستعين بماء الشّباب، على ملامح السّراب، فوافيتها بكرة عروبة، بعد أن كابدت الصّعوبة، فسعيت وما ونيت، إلى أن حصل البيت. فلمّا نقلت إليه قندي، وملكت قول عندي، عجت إلى الحمّام على الأثر، فأمطت عنّي وعثاء السّفر، وأخذت في غسل الجمعة على الأثر.
***
استبضعت: اتخذت بضاعة. القند. عسل السكر.
[سمرقند]
وسمرقند: بلد عظيم من بلاد خراسان، غزاها ملك من ملوك اليمن اسمه شمر، فملكها وهدمها فسمّيت شمركند، بمعنى خرابة شمر، ثم عرّبت فقيل: سمرقند، وأهلها السّغد. وفي رواية أنه لما انتهى إلى السّغد قاتلهم أياما تحوّلوا إلى مدينتهم فحاصرهم حولا حتى افتتحها عنوة، فقتل منهم وسبا وهدمها، ثم ثاب له رأي، فأمر ببنائها، فبنيت خيرا مما كانت، ثم أمر بصخرة فبنيت عند بابها، وكتب عليها: هذا بناء ملك العرب لا العجم، شمر الملك الأشمّ. ووحد في سورها لوح من نحاس فيه كتاب، وهو: «هذا ما أمر ببنائه شمر»، وقد تقدّم أن فرغانة من أعمالها التي هي آخر خراسان، وبين سمرقند وبغداد ستة أشهر، وتقدم أن مدينة سمرقند من أحسن بلاد الله تعالى، ولما أشرف قتيبة ابن مسلم عليها، فرأى ما أدهشه لإفراط حسنها. قال: كأنها السماء في الخضرة، وكأنّ قصورها النجوم والزهرة، وكأن أنهارها المجرّة.
***
قوله: قويم الشّطاط، أي معتدل القامة: جموم النّشاط، أي كثير القوة والخفة.
والمراح: النشاط. والأفراح: جمع فرح، وماء الشباب: نضارة الفتوّة ونعمة الصبا.
ملامح السراب: مواضع يلمح السراب فيها، أي يلمع ويظهر، فأراد أنه استعان بقوّة فتوّته على قطع الصحراء. وافيتها: أتيتها.
стр. 805
[يوم عروبة]
عروبة، اسم يوم الجمعة، سمّي بذلك لحسنه حيث كان موسما، وهو من قولهم: جارية عروب أي حسناء، وكانت العرب تسمّي أيام الأسبوع بأسماء يجمعها بيتان وهما: [الوافر]
أؤمل أن أعيش وأنّ يومي ... بأوّل أو بأهون أو جبار (١)
أو التّالي دبار فإن أفته ... فمؤنس أو عروبة أو شيار
وعروبة من الأسماء التي تدخلها الألف واللام مرّة وتسقط منها أخرى، قال الشاعر: [الكامل]
* يوم كيوم عروبة المتطاول (٢) *
وقال آخر: [البسيط]
* يوم العروبة أورادا بأوراد (٣) *
وحكوا أن سيبويه، كان في حلقة بالبصرة فتذاكروا شيئا من حديث قتادة، فذكر سيبويه حديثا غريبا، وقال: لم يرو هذا إلّا سعيد بن أبي العروبة، فقال له بعض الفضلاء: ما هاتان الزيادتان؟ - يعني الألف واللام في العروبة- فقال سيبويه: هكذا ينبغي أن يقال، لأن العروبة هي يوم الجمعة، فمن قال: عروبة فقد أخطأ. قال محمد بن سلّام: فذكرت ذلك ليونس بن حبيب، فقال: أصاب: سيبويه لله درّه.
وسمّي يوم الجمعة لما جاء في حديث سلمان قال: قال رسول الله ﷺ : «لم سمّي يوم الجمعة؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: لأن فيه جمع أبوك آدم» (٤). وقال بعضهم فذكر عروبة: [الكامل]
стр. 806
في العيد زار، وكان يوم عروبة ... يا فرحتي بثلاثة الأعياد
وكان المتوكل صاحب بطليوس ينتظر وفود أخيه عليه من شنتيرين يوم الجمعة، فأتاه يوم السبت، فلمّا تلقاه عانقه، وأنشد: [الوافر]
تخيّرت اليهود السبت عيدا ... وقلنا في العروبة يوم عيد
فلما أن طلعت السبت فينا ... أطلت لسان محتجّ اليهود
وقال ابن الرومي: [الطويل]
وحبّب يوم السّبت عندي أنني ... ينادمني فيه الذي أنا أحببت
ومن عجب الأشياء أنّي مسلم ... حنيف ولكن خير أيامي السبت
***
قوله: كابدت، أي قاسيت، سعيت وما ونيت: خرجت وما فترت، ويقال: ونى يني، أي ضعف، والونى الضعف والفتور والإعياء. ملكت قول عندي، يريد أن المسافر في الطريق لا يحسب ماله ملكا له حتى يدخل المدينة، لأنه متعرّض للهلاك في الطريق، فإذا دخل المدينة وحصل في بيته ملكه فصار «ملكت قول عندي» عبارة عن سلامة ماله وخلاصه من حوادث الأسفار نحو الغرق والنهب والغرق والغضب، أو يكون عبارة عن الحصول في البيت يقول: عندي كذا، أي في بيتي.
عجت، أي ملت على الأثر، أي في الحين، ورجع على الأثر أي أتى مستعجلا، كأنه مشى على أثره في طريقه قبل غيره، فمعنى عجت إلى الحمام على الأثر، أي دخلته على الفور في الحال. وقد ذكرنا بابا أدبيا من الشعر في الحمام في الرابعة، ونذكر هنا فيه فنا آخر من الأدب.
[مما قيل في الحمّام]
قال عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : «ستفتح عليكم أرض الأعاجم، وتجدون فيها بيوتا يقال لها الحمامات، فلا يدخلها الرجل إلا بإزار، وامنعوا النساء أن يدخلنها إلا مريضة أو نفساء» (١).
وروي أن عبيد بن قرط الأسديّ، دخل مع صاحبين له بلدا فيها حمام فأحب صاحباه دخوله فيها، فنهاهما عبيد، فأبيا إلا دخوله، فلما دخلاه رأيا فيه رجلا يتنوّر، أي يستعل النّورة فسألاه عنها. فأخبرهما بإذهابها الشّعر، فاستعملاها فلم يحسنا فأحرقتهما وأضرّت بهما فقال عبيد: [الكامل]
стр. 807
لعمري قد حذّرت قرطا وجاره ... ولا ينفع التحذير من ليس يحذر
نهيتهما عن نورة أحرقتهما ... وحمام سوء ناره تتسعّر
فما منهما إلا أتاني موقعا ... به أثر من مسها يتقشّر
أحدّكما لم تعلما أنّ جارنا ... أبا الحسل بالبيداء لا يتنوّر
ولم تعلما حمّامنا في بلادنا ... إذا جعل الحرباء في الجدب يحضر
ورد أعرابيّ البصرة، فنزل على ابن عمّ له، فلما رأى البصريّ شعث الأعرابيّ، أراد أن ينظّفه، فقال له يوم جمعة: إنّ الناس يتطهّرون للجمعة، ويتنظّفون، ويلبسون أحسن الملابس، فتعال أدخلك الحمّام لتتنظّف من قشف السفر والبادية، وتتطهّر للصلاة، فدخل معه الحمام، فعند ما وطئ الأعرابيّ فرش أوّل بيت في الحمام، لم يحسن المشي عليها لشدة ملاستها فزلق، وسقط لوجهه، وصادفت جبهته حرف مدخل البيت، فشجّه شجّة منكرة فخرج مرعوبا وهو ينشد، ودماؤه تسيل: [الكامل]
وقالوا تطهّر إنّه يوم جمعة ... فأبت من الحمّام غير مطهّر
تزوّدت منه شجّة فوق حاجبي ... بغير جهاد بئسما كان متجري
يقول لي الأعراب حين رأينني ... به لا بظبي بالصّريمة أعفر
وما تعرف الأعراب مشيا بأرضها ... فكيف يبيت ذي رخام ومرمر
وقال ابن سكّرة: دخلت حماما، فخرجت وقد سرق مداسي، فعدت إلى داري حافيا وأنا أقول: [الوافر]
إليك أذمّ حمّام ابن موسى ... فإن فاق المنى طيبا وحرّا
تكاثرت اللّصوص عليه حتى ... ليحفى من يطيف به ويعرى
ولم أفقد به ثوبا ولكن ... دخلت محمدا وخرجت بشرا
يريد بشرا الحافي، وكان من كبار الزهاد، ولزم المشي حافيا فلقّب به.
***
وقوله: أمطت، أي أزلت. وعثاء السفر: شدته ومشقته، وفي الحديث: «اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب»، وأصله من الوعث، وهو الدّهس، أي الرمل الدقيق. وقيل: الوعث الرمل تغيب فيه القوائم، وقيل: هو الطريق الخشن الصعب.
بالأثر، أي بالحديث المرويّ. وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «من اغتسل يوم جمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرّب بدنة، ومن راح في الثانية فكأنّما قرّب بقرة، ومن راح في الثالثة فكأنما قرّب كبشا، ومن راح في الرابعة
стр. 808
فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الخامسة فكأنّما قرّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر».
***
ثمّ بادرت في هيئة الخاشع، إلى مسجدها الجامع، لألحق بمن يقرب من الإمام، ويقرّب أفصل الأنعام، فحظيت بأن جلّيت في الحلبة، وتخيرت المركز لاستماع الخطبة، ولم يزل النّاس يدخلون في دين الله أفواجا، ويردون فرادى وأزواجا؛ حتّى إذا اكتظّ الجامع بحفله، وأظلّ تساوي الشّخص وظلّه، برز الخطيب في أهبته، متهاديا خلف عصبته، فارتقى في منبر الدّعوة، إلى أن مثل بالدّروة؛ فسلّم مشيرا باليمين، ثم جلس حتّى ختم نظم التأذين.
***
الأنعام: هي الإبل والبقر والغنم. وقال في الدرة: فرّقت العرب بين النعم والأنعام، فجعلت النّعم اسما للإبل خاصة وللماشية التي فيها الإبل، وتذكر وتؤنث، وجعلت الأنعام اسما لأنواع المواشي مثل الإبل والبقر والغنم. حظيت: سعدت.
جلّيت: سبقت. والحلبة: جماعة الخيل، وأراد بها الناس المبادرين للصلاة، وأنه سبقهم. المركز: الموضع تنتظر فيه الصلاة. دين: طاعة. أفواجا: جماعات. يردون:
يأتون الجامع. اكتظّ: امتلأ وضاق بأهله. حفله: اجتماع الناس فيه. أظل: دنا قرب.
تساوي الشخص وظلّه، يريد حديث عمر ﵁: أن صلّ الظهر إذا صار ظلك مثلك. برز: خرج. أهبته: عدّته للصلاة. متهاديا: متمايلا لوقاره. عصبته: جماعة المؤذنين. ارتقى: طلع. مثل بالذروة: جلس بأعلى المنبر أو ظهر بأعلاه. والماثل:
اللاطئ بالأرض أو القائم المنتصب، وهو من الأضداد، وسمي المنبر منبرا لارتفاعه وعلوّه من النبر، وهو ارتفاع الصوت، ونبر الرجل نبرة: تكلم بكلمة فيها علوّ، وأنشد أبو الحسن بن البراء: [الكامل]
إني لأسمع نبرة من قولها ... فأكاد أن يغشى عليّ سرورا (١)
مشيرا باليمين، مذهب الشافعي ﵁ أن الخطيب إذا جلس على المنبر، أشار إلى الناس بيمينه مسلّما من غير كلام. قال ابن عمر ﵄: انطلقت مع النبي ﷺ إلى مسجد قباء، فصلّى فيه، فخرج عليّ صهيب، فقلت: يا صهيب، كيف كان رسول الله ﷺ يردّ من يسلّم عليه؟ قال: يشير بيده (٢).
стр. 809
قوله: جلس، قال الخليل: يقال لمن كان قائما: اقعد، ولمن كان نائما أو ساجدا:
اجلس، وهذا صحيح لأنّ القعود هو الانتقال من علو إلى سفل، ولهذا يقال لمن أصيب برجله: مقعد، والجلوس هو الانتقال من سفل إلى علو، ورجل جالس: آت نجدا، وهو المكان المرتفع. وذكره الحريري في الدرّة. ختم: أكمل.
***
ثمّ قام وقال: الحمد لله الممدوح الأسماء، المحمود الآلاء، الواسع العطاء، المدعوّ لحسم اللأواء، مالك الأمم، ومصوّر الرّمم، وأهل السّماح والكرم، ومهلك عاد وإرم، أدرك كلّ سرّ علمه، ووسع كلّ مصرّ حلمه، وعمّ كلّ عالم طوله، وهد كلّ مارد حوله. أحمده حمد موحّد مسلم، وأدعوه دعاء مؤمّل مسلّم، وهو الله لا إله إلّا هو الواحد الأحد، العادل الصّمد، لا ولد له ولا والد، ولا ردء معه ولا مساعد، أرسل محمدا للإسلام ممهّدا، وللملّة موطّدا، ولأدلّة الرّسل مؤكّدا، وللأسود والأحمر مسدّدا.
***
قوله: الآلاء، أي النعم الواسعة الكثيرة. حسم اللأواء: قطع الشدة. الرّمم:
العظام البالية. مصورها: منشئ صورها، وأراد قوله تعالى: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام: ٦]، عاد وإرم: أمّتان قديمتان، وقيل: إرم قبيلة من عاد فيها مملكة عاد. وقيل إرم: اسم لقبائل كثيرة، كالعماليق وطسم وجديس هلكوا، وهم من ولد إرم ابن سام بن نوح، ومن لم يصرف إرم جعله اسما للقبيلة. وقال سابق البربريّ في ذهاب الأمم: [البسيط]
وكيف يأمن ريب الدهر مرتهن ... بعدوة الدّهر إن الدهر عدّاء
ألقى على الجيل من عاد كلاكله ... وقوم هود فهم هام وأصداء
وقال أيضا: [البسيط]
أين الملوك التي عن خطبها غفلت ... حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
غرّت زمانا بملك لا دوام له ... جهلا كما غرّ نفسا من يمنّيها
وصبّحت قوم عاد في ديارهم ... بمقطع يوم عادتهم عواديها
وتبّعا وثمود الحجر غادرهم ... ريب المنون رميما في مغانيها
فكيف يبقى على الأحداث غابرنا ... كأننا قد أظلّتنا دواهيها
وقال الإلبيريّ: [الكامل]
أين الملوك وأين ما جمعوا وما ... ذخروه من ذهب المتاع الذاهب
стр. 810
ومن السوابغ والصّوارم والقنا ... ومن الصواهل: بدّن وشوازب
كانت سوابقها تحمّل منهم ... أقمار أندية وأسد كتائب
كانوا ليوث خفيّة لكنّهم ... سكنوا غياض أسنّة وقواضب
قصفتهم ريح الرّدى ورمتهم ... كفّ المنون بكلّ سهم صائب
قوله: مصرّ، أي مقيم على الذنب. والعالم: كل مخلوق، وأراد به الحيوان.
طوله: فضله هدّ: أذلّ وأهلك، وهد البناء: كسره وهدمه. والمارد: العاتي وهو المبالغ في الطغيان والفساد والكثير الشرّ. حوله: قوته، مؤمّل: راج. مسلّم: مفوّض. الصمد، من أسماء الله تعالى والسيّد المطاع، والصمد: الذي لا يولد له، وقيل: الصمد الذي لا جوف له.
وقال ابن الأنباريّ: أجمع أهل اللغة بلا خلاف على أنّ الصمد الذي ليس فوقه أحد، الذي يصمد إليه الناس في أمورهم، وأنشد لورقة بن نوفل: [البسيط]
سبحان ذي العرش سبحانا يدوم له ... ربّ البرية فرد واحد صمد (١)
وأنشد: [الطويل]
* بعمرو بن مسعود وبالسيّد الصمد (٢) *
وأنشد: [البسيط]
* ولا رهينة إلا سيّد صمد*
وأنشد: [البسيط]
* خذها حذيف فأنت السيّد الصمد (٣) *