← Адаб

Адаб · id 760

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

في العيد زار، وكان يوم عروبة ... يا فرحتي بثلاثة الأعياد وكان المتوكل صاحب بطليوس ينتظر وفود أخيه عليه من شنتيرين يوم الجمعة، فأتاه يوم السبت، فلمّا تلقاه عانقه، وأنشد: [الوافر] تخيّرت اليهود السبت عيدا ... وقلنا في العروبة يوم عيد فلما أن طلعت السبت فينا ... أطلت لسان محتجّ اليهود وقال ابن الرومي: [الطويل] وحبّب يوم السّبت عندي أنني ... ينادمني فيه الذي أنا أحببت ومن عجب الأشياء أنّي مسلم ... حنيف ولكن خير أيامي السبت *** قوله: كابدت، أي قاسيت، سعيت وما ونيت: خرجت وما فترت، ويقال: ونى يني، أي ضعف، والونى الضعف والفتور والإعياء. ملكت قول عندي، يريد أن المسافر في الطريق لا يحسب ماله ملكا له حتى يدخل المدينة، لأنه متعرّض للهلاك في الطريق، فإذا دخل المدينة وحصل في بيته ملكه فصار «ملكت قول عندي» عبارة عن سلامة ماله وخلاصه من حوادث الأسفار نحو الغرق والنهب والغرق والغضب، أو يكون عبارة عن الحصول في البيت يقول: عندي كذا، أي في بيتي. عجت، أي ملت على الأثر، أي في الحين، ورجع على الأثر أي أتى مستعجلا، كأنه مشى على أثره في طريقه قبل غيره، فمعنى عجت إلى الحمام على الأثر، أي دخلته على الفور في الحال. وقد ذكرنا بابا أدبيا من الشعر في الحمام في الرابعة، ونذكر هنا فيه فنا آخر من الأدب. [مما قيل في الحمّام] قال عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : «ستفتح عليكم أرض الأعاجم، وتجدون فيها بيوتا يقال لها الحمامات، فلا يدخلها الرجل إلا بإزار، وامنعوا النساء أن يدخلنها إلا مريضة أو نفساء» (١). وروي أن عبيد بن قرط الأسديّ، دخل مع صاحبين له بلدا فيها حمام فأحب صاحباه دخوله فيها، فنهاهما عبيد، فأبيا إلا دخوله، فلما دخلاه رأيا فيه رجلا يتنوّر، أي يستعل النّورة فسألاه عنها. فأخبرهما بإذهابها الشّعر، فاستعملاها فلم يحسنا فأحرقتهما وأضرّت بهما فقال عبيد: [الكامل]

стр. 807

لعمري قد حذّرت قرطا وجاره ... ولا ينفع التحذير من ليس يحذر نهيتهما عن نورة أحرقتهما ... وحمام سوء ناره تتسعّر فما منهما إلا أتاني موقعا ... به أثر من مسها يتقشّر أحدّكما لم تعلما أنّ جارنا ... أبا الحسل بالبيداء لا يتنوّر ولم تعلما حمّامنا في بلادنا ... إذا جعل الحرباء في الجدب يحضر ورد أعرابيّ البصرة، فنزل على ابن عمّ له، فلما رأى البصريّ شعث الأعرابيّ، أراد أن ينظّفه، فقال له يوم جمعة: إنّ الناس يتطهّرون للجمعة، ويتنظّفون، ويلبسون أحسن الملابس، فتعال أدخلك الحمّام لتتنظّف من قشف السفر والبادية، وتتطهّر للصلاة، فدخل معه الحمام، فعند ما وطئ الأعرابيّ فرش أوّل بيت في الحمام، لم يحسن المشي عليها لشدة ملاستها فزلق، وسقط لوجهه، وصادفت جبهته حرف مدخل البيت، فشجّه شجّة منكرة فخرج مرعوبا وهو ينشد، ودماؤه تسيل: [الكامل] وقالوا تطهّر إنّه يوم جمعة ... فأبت من الحمّام غير مطهّر تزوّدت منه شجّة فوق حاجبي ... بغير جهاد بئسما كان متجري يقول لي الأعراب حين رأينني ... به لا بظبي بالصّريمة أعفر وما تعرف الأعراب مشيا بأرضها ... فكيف يبيت ذي رخام ومرمر وقال ابن سكّرة: دخلت حماما، فخرجت وقد سرق مداسي، فعدت إلى داري حافيا وأنا أقول: [الوافر] إليك أذمّ حمّام ابن موسى ... فإن فاق المنى طيبا وحرّا تكاثرت اللّصوص عليه حتى ... ليحفى من يطيف به ويعرى ولم أفقد به ثوبا ولكن ... دخلت محمدا وخرجت بشرا يريد بشرا الحافي، وكان من كبار الزهاد، ولزم المشي حافيا فلقّب به. *** وقوله: أمطت، أي أزلت. وعثاء السفر: شدته ومشقته، وفي الحديث: «اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب»، وأصله من الوعث، وهو الدّهس، أي الرمل الدقيق. وقيل: الوعث الرمل تغيب فيه القوائم، وقيل: هو الطريق الخشن الصعب. بالأثر، أي بالحديث المرويّ. وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «من اغتسل يوم جمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرّب بدنة، ومن راح في الثانية فكأنّما قرّب بقرة، ومن راح في الثالثة فكأنما قرّب كبشا، ومن راح في الرابعة

стр. 808

فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الخامسة فكأنّما قرّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر». *** ثمّ بادرت في هيئة الخاشع، إلى مسجدها الجامع، لألحق بمن يقرب من الإمام، ويقرّب أفصل الأنعام، فحظيت بأن جلّيت في الحلبة، وتخيرت المركز لاستماع الخطبة، ولم يزل النّاس يدخلون في دين الله أفواجا، ويردون فرادى وأزواجا؛ حتّى إذا اكتظّ الجامع بحفله، وأظلّ تساوي الشّخص وظلّه، برز الخطيب في أهبته، متهاديا خلف عصبته، فارتقى في منبر الدّعوة، إلى أن مثل بالدّروة؛ فسلّم مشيرا باليمين، ثم جلس حتّى ختم نظم التأذين. *** الأنعام: هي الإبل والبقر والغنم. وقال في الدرة: فرّقت العرب بين النعم والأنعام، فجعلت النّعم اسما للإبل خاصة وللماشية التي فيها الإبل، وتذكر وتؤنث، وجعلت الأنعام اسما لأنواع المواشي مثل الإبل والبقر والغنم. حظيت: سعدت. جلّيت: سبقت. والحلبة: جماعة الخيل، وأراد بها الناس المبادرين للصلاة، وأنه سبقهم. المركز: الموضع تنتظر فيه الصلاة. دين: طاعة. أفواجا: جماعات. يردون: يأتون الجامع. اكتظّ: امتلأ وضاق بأهله. حفله: اجتماع الناس فيه. أظل: دنا قرب. تساوي الشخص وظلّه، يريد حديث عمر ﵁: أن صلّ الظهر إذا صار ظلك مثلك. برز: خرج. أهبته: عدّته للصلاة. متهاديا: متمايلا لوقاره. عصبته: جماعة المؤذنين. ارتقى: طلع. مثل بالذروة: جلس بأعلى المنبر أو ظهر بأعلاه. والماثل: اللاطئ بالأرض أو القائم المنتصب، وهو من الأضداد، وسمي المنبر منبرا لارتفاعه وعلوّه من النبر، وهو ارتفاع الصوت، ونبر الرجل نبرة: تكلم بكلمة فيها علوّ، وأنشد أبو الحسن بن البراء: [الكامل] إني لأسمع نبرة من قولها ... فأكاد أن يغشى عليّ سرورا (١) مشيرا باليمين، مذهب الشافعي ﵁ أن الخطيب إذا جلس على المنبر، أشار إلى الناس بيمينه مسلّما من غير كلام. قال ابن عمر ﵄: انطلقت مع النبي ﷺ إلى مسجد قباء، فصلّى فيه، فخرج عليّ صهيب، فقلت: يا صهيب، كيف كان رسول الله ﷺ يردّ من يسلّم عليه؟ قال: يشير بيده (٢).

стр. 809

قوله: جلس، قال الخليل: يقال لمن كان قائما: اقعد، ولمن كان نائما أو ساجدا: اجلس، وهذا صحيح لأنّ القعود هو الانتقال من علو إلى سفل، ولهذا يقال لمن أصيب برجله: مقعد، والجلوس هو الانتقال من سفل إلى علو، ورجل جالس: آت نجدا، وهو المكان المرتفع. وذكره الحريري في الدرّة. ختم: أكمل. *** ثمّ قام وقال: الحمد لله الممدوح الأسماء، المحمود الآلاء، الواسع العطاء، المدعوّ لحسم اللأواء، مالك الأمم، ومصوّر الرّمم، وأهل السّماح والكرم، ومهلك عاد وإرم، أدرك كلّ سرّ علمه، ووسع كلّ مصرّ حلمه، وعمّ كلّ عالم طوله، وهد كلّ مارد حوله. أحمده حمد موحّد مسلم، وأدعوه دعاء مؤمّل مسلّم، وهو الله لا إله إلّا هو الواحد الأحد، العادل الصّمد، لا ولد له ولا والد، ولا ردء معه ولا مساعد، أرسل محمدا للإسلام ممهّدا، وللملّة موطّدا، ولأدلّة الرّسل مؤكّدا، وللأسود والأحمر مسدّدا. *** قوله: الآلاء، أي النعم الواسعة الكثيرة. حسم اللأواء: قطع الشدة. الرّمم: العظام البالية. مصورها: منشئ صورها، وأراد قوله تعالى: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام: ٦]، عاد وإرم: أمّتان قديمتان، وقيل: إرم قبيلة من عاد فيها مملكة عاد. وقيل إرم: اسم لقبائل كثيرة، كالعماليق وطسم وجديس هلكوا، وهم من ولد إرم ابن سام بن نوح، ومن لم يصرف إرم جعله اسما للقبيلة. وقال سابق البربريّ في ذهاب الأمم: [البسيط] وكيف يأمن ريب الدهر مرتهن ... بعدوة الدّهر إن الدهر عدّاء ألقى على الجيل من عاد كلاكله ... وقوم هود فهم هام وأصداء وقال أيضا: [البسيط] أين الملوك التي عن خطبها غفلت ... حتى سقاها بكأس الموت ساقيها غرّت زمانا بملك لا دوام له ... جهلا كما غرّ نفسا من يمنّيها وصبّحت قوم عاد في ديارهم ... بمقطع يوم عادتهم عواديها وتبّعا وثمود الحجر غادرهم ... ريب المنون رميما في مغانيها فكيف يبقى على الأحداث غابرنا ... كأننا قد أظلّتنا دواهيها وقال الإلبيريّ: [الكامل] أين الملوك وأين ما جمعوا وما ... ذخروه من ذهب المتاع الذاهب

стр. 810

ومن السوابغ والصّوارم والقنا ... ومن الصواهل: بدّن وشوازب كانت سوابقها تحمّل منهم ... أقمار أندية وأسد كتائب كانوا ليوث خفيّة لكنّهم ... سكنوا غياض أسنّة وقواضب قصفتهم ريح الرّدى ورمتهم ... كفّ المنون بكلّ سهم صائب قوله: مصرّ، أي مقيم على الذنب. والعالم: كل مخلوق، وأراد به الحيوان. طوله: فضله هدّ: أذلّ وأهلك، وهد البناء: كسره وهدمه. والمارد: العاتي وهو المبالغ في الطغيان والفساد والكثير الشرّ. حوله: قوته، مؤمّل: راج. مسلّم: مفوّض. الصمد، من أسماء الله تعالى والسيّد المطاع، والصمد: الذي لا يولد له، وقيل: الصمد الذي لا جوف له. وقال ابن الأنباريّ: أجمع أهل اللغة بلا خلاف على أنّ الصمد الذي ليس فوقه أحد، الذي يصمد إليه الناس في أمورهم، وأنشد لورقة بن نوفل: [البسيط] سبحان ذي العرش سبحانا يدوم له ... ربّ البرية فرد واحد صمد (١) وأنشد: [الطويل] * بعمرو بن مسعود وبالسيّد الصمد (٢) * وأنشد: [البسيط] * ولا رهينة إلا سيّد صمد* وأنشد: [البسيط] * خذها حذيف فأنت السيّد الصمد (٣) *

стр. 811

قوله: ردء: معين وأردأتك على الأمر: أعنتك. مساعد: موافق لمراده. ممهدا: باسطا. والملّة: الدين. الأحمر، أراد به الأبيض وأراد لكلّ الناس، وقيل: الأحمر العجم مثل الروم والفرس، لأنهم بيض تعلوهم حمرة، والأسودالعرب، لأنهم لسكناهم الصحارى تغلب السمرة على ألوانهم. *** وصل الأرحام، وعلّم الأحكام، ووسم الحلال والحرام، ورسم الإحلال والإحرام، كرّم الله محلّه، وكمّل الصلاة والسّلام له، ورحم آله الكرماء، وأهله الرّحماء، ما همر ركام، وهدر حمام، وسرح سوام، وسطا حسام. اعملوا رحمكم الله عمل الصّلحاء، واكدحوا لمعادكم كدح الأصحّاء، واردعوا أهواءكم ردع الأعداء، وأعدّوا للرحلة إعداد السّعداء، وادّرعوا حلل الورع، وداووا علل الطمع، وسوّوا أود العمل، وعاصوا وساوس الأمل، وصوّروا لأوهامكم حئول الأحوال، وحلول الأهوال، ومساورة الأعلال، ومصارمة المآل والآل. *** الأرحام في الأصل: الفروج، ثم يكنى بها عن القرابات للّذين بينهم رحم. وسم: بيّن، وجعل له علامة، والسّمة: العلامة. رسم: كتب وبيّن وأصل الرسم الأثر، ورسمت الشيء: أثرت به أثرا. الإحلال: الدخول في الحلّ. الإحرام: الدخول في الحرم، وأراد أنه علم موضع الحلّ والحرم. آله: أهله. همر ركام: انصبّ سحاب. هدر: صوّت. وسرح: تفرّق في المرعى، سوام إبل راعية. ساط: اهتزّ ليقطع. اكدحوا: اعملوا، والكدح عمل الإنسان من خير وشرّ، واكتسابه للدنيا والآخرة. لمعادكم، أي ليوم بعثكم، والمعاد المرجع. الأصحّاء: جمع صحيح. اردعوا: كفّوا. ادّرعوا: البسوا الخوف. أود: اعوجاج. وساوس الأمل: أحاديث الطمع والرجاء. أوهامكم: نفوسكم. حئول: تغير. حلول: نزول. الأهوال: المخاوف. مساورة: مواثبة. الإعلال: الإصابة بعلّة، مصارمة: مقاطعة. الآل: الأهل والقرابة. *** وادّكروا الحمام وسكرة مصرعه، والرّمس وهول مطلعه، واللّحد ووحدة مودعه، والملك وروعة سؤاله ومطلعه. والمحوا الدّهر ولؤم كرّه، وسوء محاله

стр. 812

ومكره. كم طمس معلما، وأمرّ مطعما، وطحطح عرمرما، ودمّر ملكا مكرّما. *** ادّكروا الحمام: اذكروا الموت. الرّمس: تراب القبر. هول مطلعه: خوف ما يراه الإنسان فيه. اللّحد: الحفيرة في جانب القبر. مودعه: المجعول فيه، كأنه وديعة فيه. الملك: منكر ونكير، اللذان يفتنان الناس في قبورهم. روعة: تقريع وتخويف. المطلع: المأتي. قال الجوهريّ، رحمه الله تعالى: يقال: أين مطلع هذا الأمر؟ أي مأتاه، وهو موضع الاطّلاع من إشراف إلى انحدار، وجاء هو المطلع في الحديث، حدّث واثلة بن الأسقع وغيره قالوا: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: «يا أيها الناس، اذكروا الموت وهول مطلعه وما تقدمون عليه من أعمالكم، فإنما أنتم عابرو سبيل إلى دار الخلود. ازهدوا في دنيانا قصة غير زائدة، مفرقة غير مجمعة، وارغبوا في دار لا تخرب قصورها ولا يبلى سرورها، ولا يموت ساكنها. أعمار أهل الجنة: أبناء ثلاث وثلاثين سنة، مكحّلون يأكلون ويشربون، لا يخرج من أجوافهم شيء إلا يعرقون، عرقهم ذلك ومسك، فلم أر مثل الجنة، نام طالبها، ولم أر مثل النار، نام هاربها». وقال ابن سكّرة: [الطويل] محمّد ما أعددت للترب والبلى ... وللملكين الواقفين على القبر وأنت مصرّ لا تراجع توبة ... ولا ترعوي عما يذمّ من الأمر سيأتيك يوم لا تحاول دفعه ... فقدّم له زادا إلى البعث والحشر وتقدّم الباب موفّى حقه في الحادية عشر. [الأمل والطمع ومما قيل فيه شعرا] نذكر هنا بعض ما قيل في الأمل والطمع المانعين للناس من أعمال البر قال أبو العتاهية: [الهزج] تعلقت بآمال ... طوال أيّ آمال (١) فأقبلت على الدهر ... ملحّا أيّ إقبال أيا هذا تجهز ل ... فراق الأهل والمال فلا بدّ من الموت ... على حال من الحال وقال أبو تمام: [الطويل] أتأمل في الدنيا تجدّ وتعمر ... وأنت غدا فيها تموت وتقبر (٢)

стр. 813

تلقّح آمالا وترجو نتاجها ... وعمرك مما قد ترجّيه أقصر وهذا صباح اليوم ينعاك ضوأه ... وليلته تنعاك لو كنت تشعر تحوم على إدراك ما قد كفيته ... وتقبل بالآمال فيها وتدبر رزقك لا يعدوك إمّا معجّل ... على حاله يوما وإمّا مؤخّر وقال محمود الوراق: [المنسرح] علام يسعى الحريص في طل ... ب الرزق بطول الرواح والدّلج يا قارع الباب ربّ مجتهد ... قد أدمن القرع ثم لم يلج فاطو على الهمّ كفّ مصطبر ... فآخر الهم أوّل الفرج وقال عبد الصمد بن المعذّل: [المتقارب] وأعلم أنّ بنات الرجا ... تحلّ العزيز محلّ الذليل وأن ليس مستغنيا بالكث ... ير من ليس مستغنيا بالقليل قوله: المحوا: انظروا. كرّه: رجوعه. محاله: شدّته ومعاداته وخداعه. طمس: محا وأذهب. معلما: موضعا مرتفعا، تعلم به الجهة التي هو فيها. طحطح: أهلك وفرّق. عرمرما: جيشا كبيرا. دمّر: أهلك، والدمار: الهلاك. [الدهر وما قيل فيه] ونذكر بعض من ذمّ الدهر من ملوك الإسلام. من ذلك أنّ سليمان بن عبد الملك لبس في يوم الجمعة لباسا شهر به، ودعا بتخت فيه عمائم، وبيده مرآة، فلم يزل يعتمّ بواحدة بعد أخرى، وأرخى سدولها، وأخذ بيده مخصرة، واعتلى منبره ناظرا في عطفيه، وجمع حشمه، وقال: أنا الملك الشاب، السيد الحبحاب، الكريم الوهاب. فتمثّلت له إحدى جواريه، فقال: كيف ترين أمير المؤمنين؟ فقالت: أراه منى النفس وقرّة العين، لولا ما قال الشاعر: [الخفيف] أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان أنت خلو من العيوب ومما ... يكره الناس غير أنك فاني فدمعت عيناه، وخرج على الناس باكيا، فلما فرغ من صلاته رجع ودعا الجارية، وقال لها: ما حملك على ما قلت؟ قالت: والله ما رأيتك ولا دخلت عليك. فأكبر ذلك، ودعا بقية جواريه فصدّقنها على ذلك، فراعه ذلك ولم يبق إلا مديدة حتى مات. الفضل بن الربيع، قال: كنت مع المنصور في السفر الذي مات فيه، فنزلنا بعض المنازل، فدعا بي وهو في قبّته إلى حائط، وقال: ألم أنهكم أن تدعواالعامة تدخل هذه

стр. 814

المنازل: فيكتبون فيها ما لا خير فيه، قلت: وما هو؟ قال: ألا ترى ما على الحائط مكتوبا: [الطويل] أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت ... سنوك، وأمر الله لا بدّ نازل أبا جعفر، هل كاهن أو منجّم ... يردّ قضاء الله أم أنت جاهل؟ فقلت: والله ما على الحائط شيء، وإنه لنقيّ أبيض، قال: والله، قلت: والله. قال: إنها والله نفسي نعت إليّ الرحيل، بادر بي إلى حرم الله وأمنه هاربا من ذنوبي وإسرافي على نفسي، فرحلنا، وثقل حتى بلغ بئر ميمون، فقلت له: قد دخلت الحرم، قال: الحمد لله، وقبض من يومه، ولمّا حضرته الوفاة، قال: هذا هو السلطان، لا سلطان من يموت. عليّ بن يقطين، قال: لمّا كنا مع المهديّ بماسبذان، قال لي: أصبحت جائعا فائتني بأرغفة ولحم بارد، فأكل ونام في البهو، فما استيقظ إلا لبكائه، فبادرنا فقال: أما رأيتم ما رأيت، وقف عليّ رجل لو كان في ألف ما خفي عليّ، فقال: [الطويل] كأنّي بهذا القصر قد باد أهله ... وأوحش منه ربعه ومنازله وصار عميد الملك من بعد بهجة ... إلى قبره تحثى عليه جنادله فلم يبق إلا ذكره وحديثه ... ينادى عليه معولات حلائله فما أتت عليه عشرة أيام حتى توفّي. قال الأصمعيّ: دخلت على الرشيد يوما، وهو ينظر في كتاب، ودموعه تنحدر على خده، فالتفت وقال: اجلس، أرأيت ما كان منّي؟ قلت: نعم، قال: أما إنه لو كان من أمر الدنيا ما رأيت هذا، ثم رمى إليّ به، فإذا فيه مكتوب لأبي العتاهية: [الكامل] يا مؤثر الدنيا بلذّتها ... والمستعدّ لمن يفاخره (١) نل ما بدا لك أن تنال من ال ... دّنيا فإنّ الموت آخره هل أنت معتبر بمن خربت ... منه غداة قضى عساكره وبمن خلت منه أسرّته ... وبمن خلت منه منابره أين الملوك وأين غيرهم ... صاروا مصيرا أنت صائره ثم قال: كأنّي أخاطب بهذا دون كلّ الناس، فلم يلبث إلا قليلا حتى مات. ولمّا رجع المأمون من غزوته التي افتتح فيها أربعة عشر حصنا نزل على عين تعرف بالعشيرة، ينتظر رجوع رسله من الحصون، فأعجبه برد مائها وصفاؤه، وحسن

стр. 815

بياضه وكثرة الخضرة والخصب بالموضع، وجلس على خشب بسط له على الماء، وطرح فيه درهم، فقرأ كتابته في قرار الماء لصفائه، ولم يقدر أحد يدخل الماء لشدّة برده، فلاحت سمكة نحو الذراع، كأنها سبيكة فضة، فنزل بعض الفرّاشين فأخذها، فاضطربت في يده وتململت، ووقعت في الماء، فنضح منه على صدر المأمون، ثم أخذها ووضعها بين يديه في منديل، تضطرب، فأمر بأن تقلى الساعة، فأخذته رعدة من ساعته، ولم يقدر يتحرّك، فغطّي باللحف، وهو يرتعد، ويصيح: البرد، فأتي بالسمكة فلم يقدر عليها، وسال على جسمه عرق كالرّب لم يعرفه الأطباء، فلما ثقل قال: أخرجوني أنظر إلى عسكري، وأنظر إلى مالي وملكي، وذلك ليلا، فأشرف على الجيش وانتشاره ونيرانه: فقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه، فلما ثقل رنا بطرفه نحو السماء، وقد امتلأت عيناه دموعا، فقال: يا من لا يموت ارحم من يموت، وقضي عليه من ساعته. وكان كثيرا ما ينشد: [المتقارب] ومن لم يزل غرضا للمنو ... ن تتركه ذات يوم عميدا وإن أخطأت مرة نفسه ... فيوشك مخطئها أن يعودا فبينا يحيد وتخطئنه ... قصدن فأعجلنه أن يحيدا وذكر أبو المواريث قاضي نصيبين، أنه رأى في المنام ليلة قائلا، يقول: [البسيط] يا نائم الليل في جثمان يقظان ... ما بال عينيك لا تبكي بتهتان إن الليالي لم تحسن إلى أحد ... إلا أساءت إليه بعد إحسان هلا رأيت صروف الدهر ما فعلت ... بالهاشميّ وبالفتح بن خاقان - يعني المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان- قال: فأتى البريد بقتلهما في تلك الليلة. وقال سابق البربريّ: [البسيط] وربّ أغيد ساجي الطّرف معتصب ... بالتاج نيرانه للحرب تستعر يظلّ مفترش الدّيباج محتجبا ... إليه تبنى قباب الملك والحجر قد غادرته المنايا فهو مستلب ... مجندل ترب الخدّين منعفر *** همّه سكّ المسامع، وسحّ المدامع، وإكداء المطامع، وإرداء المسمع والسّامع عمّ حكمه الملوك والرّعاع، والمسود والمطاع، والمحسود والحسّاد، والأساود والآساد، ما موّل إلّا مال، وعكس الآمال، وما وصل إلّا وصال،

стр. 816

وكلم الأوصال، ولا سرّ إلا وساء، ولؤم وأساء، ولا أصحّ إلّا ولّد الدّاء، وروّع الأودّاء. الله الله، رعاكم الله! إلام مداومة اللهو، وموصلة السّهو، وطول الإصرار، وحمل الآصار، واطّراح كلام الحكماء، ومعاصاة إله السّماء! *** همّه: مراده. سك المسامع: قطع الآذان، وقد سك أذنه، إذا استأصلها بالقطع، والمقطوع الأذن، يقال له: أسكّ، وسككت الشيء فاستكّ، أي سددته فانسدّ. سحّ: صبّ. إكداء: قطع ومنع. إرداء: إهلاك. الرعاع: سقط الناس. المسود: من ليس بسيّد. المطاع: الذي يقول ما أراد فيطاع ولا يعصى، الأساود: الحيّات. والآساد: جمع أسد. موّل: أعطى مالا. مال: انحرف وخرج عن طريقه. عكس: قلب. الآمال: جمع أمل وهو الرجاء، وقال مسلم بن الوليد: [البسيط] الدّهر آخذ ما أعطى مكدّر ما ... أصفى ومفسد ما أهوى له بيد فلا يغرّنك من دهر عطيّته ... فليس يترك ما أعطى على أحد وقال أبو تمام: [الطويل] أقول لنفسي حين مالت بصفوها ... إلى خطرات قد نتجن أمانيا (١) فهبني من الدنيا ظفرت بكلّ ما ... تمنّيت أو أعطيت فوق منائيا أليس اللّيالي غاصباتي مهجتي ... كما غصبت قبلي القرون الخواليا قوله: صال: صاح وهدر. كلم: جرح. الأوصال: المفاصل، وهو موصّل عظم عضو في عضو. لؤم: صار لئيما. روّع الأودّاء: أفزع الأحباب. السّهو: الغلط. الإصرار: الإقامة على الذنب. الآصار: الأثقال، يريد إثقال الذنوب. اطّراح: ترك ورمي. *** أما الهرم حصادكم، والمدر مهادكم! أما الحمام مدرككم، والصّراط مسلككم. أما السّاعة موعدكم، والسّاهرة موردكم! أما أهوال الطّامّة لكم مرصدة! أما دار العصاة الحطمة المؤصدة، حارسهم مالك، ورواؤهم حالك، وطعامهم السّموم، وهواؤهم السّموم. لا مال أسعدهم ولا ولد، ولا عدد حماهم ولا عدد.

стр. 817

ألا رحم الله امرأ ملك هواه، وأمّ مسالك هداه، وأحكم طاعة مولاه، وكدّ وكدح لروح مأواه، وعمل ما دام العمر مطاوعا، والدّهر موادعا، والصّحة كاملة، والسّلامة حاصلة، وإلّا دهمه عدم المرام، وحصر الكلام، وإلمام الآلام، وحموم الحمام، وهدوء الحواس، ومراس الأرماس. *** مسلككم: طريقكم. السّاهرة: وجه الأرض، وقيل الأرض البيضاء. المورد: موضع الماء الذي يرده الناس والبهائم، ولا غناء لأحد عن قصد الماء، فجعل الساهرة موردا على هذا المعنى. أهوال الطّامّة: مخاوف القيامة وما فيها من الهول والخوف، وأصابت الناس طامّة أي داهية وأمر عظيم، وقد طمّ الأمر، إذا عظم وجاوز الحدّ. مؤصدة: معدّة ينتظرون بها والحطمة: التي تحطم الناس، أي تكسرهم، يعني جهنم أعاذنا الله منها، وهو اسم علم من أسماء جهنم دخلته اللام إيذانا بالصفة. المؤصدة: المغلقة. رواؤهم: منظرهم الحسن. حالك: أسود. السّموم: جمع سمّ. والسّموم: الريح الحارة. أمّ: قصد. أحكم: أتقن. كدح: عمل. روح مأواه: راحة مسكنه. موادعا: متاركا ومصالحا. قال ابن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ لرجل يعظه «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك». دهمه: غشيه وأتاه فجأة، ودهمه يدهمه لغة. المرام: المطلب. حصر: حبس. إلمام: نزول. الآلام: الأسقام. حموم الحمام: دنوّ الموت. هدوّ: سكون. الحواس: الإدراكات، وهي التي يحسّ بها الإنسان الأشياء ويدركها وهي خمسة: العين يدرك بها النظر، والأنف والأذن يدرك بها الشم، والسّمع واللسان واليد يدرك بهما الذوق، واللّمس، فيريد أن هذه الجوارح تسكن بالموت ولا تتحرّك. [مما قيل في دنو الأجل وعجز الطب حياله] وننشد هنا أبياتا لها بالموضع بعض تعلّق، ونذكر فيها الأطباء الذين لا حيلة لهم في الموت، قال عدي بن زيد: [الخفيف] أين أهل الديار من قوم نوح ... ثم عاد من بعدهم وثمود (١) بينما هم على الأسرّة والأنم ... اط أفضت إلى التّراب الخدود والأطباء بعدهم لحقوهم ... ضلّ عنهم سعوطهم واللدود

стр. 818

وصحيح أضحى يعود مريضا ... وهو أدنى للموت ممن يعود وقال الخليل بن أحمد: [المتقارب] فكن مستعدّا لداعي الفناء ... فإن الذي هو آت قريب وقبلك داوى المريض الطبيب ... فعاش المريض ومات الطبيب ولابن الروميّ- وفصده بعض الأطباء، فزعم أن الفصد زاد في علّته، فقال: [الكامل] غلط الطبيب عليّ غلطة مورد ... عجزت موارده عن الإصدار والنّاس يلحون الطبيب وإنّما ... غلط الطبيب إصابة المقدار وقال غيره: [السريع] قد قلت لما قال لي قائل ... قد صار نعمان إلى رمسه فأين ما يذكر من طبّه ... وحذقه بالماء مع جسّه! هيهات لا يدفع عن غيره ... من كان لا يدفع عن نفسه ومنه قول الآخر: [الطويل] أقول لنعمان وقد ساق طبّه ... نفوسا نفيسات إلى باطن الأرض أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض (١) ويحكى أن القاضي ابن منظور بلغه أن أبا العلاء بن زهر مرض فضحك، وقال: فأين طبّه؟ فبلغت أبا العلاء فقال: [الكامل] قالوا ابن منظور تبسّم هازئا ... لمّا مرضت فقلت يعثر من مشى قد كان جالينوس يمرض دائما ... فمن الإمام المرتضى قبل الرّشا وقال المتنبي: [السريع] لا بدّ للإنسان من ضجعة ... لا تقلب الإنسان عن جنبه (٢) ينسى بها ما مرّ من عجبه ... وما أذاق الموت من كربه نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف ما لا بدّ من شربه تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمان هي من كسبه

стр. 819

فهذه الأرواح من جوّه ... وهذه الأجساد من تربه يموت راعي الضأن في جهله ... موتة جالينوس في طبّه أصيب الجرمي في عينيه فقال: [الرمل] إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فبعض الشيء من بعض قريب يمنّيني الطبيب شفاء عيني ... وما غير الإله لها طبيب *** قوله: مراس، أصله معالجة الشيء الشديد، وكل شيء التصق بشيء واحتكّ به فقد مارسه. ومرست الدواء بالماء: دلكته. والأرماس: القبور، واحدها رمس، فيريد بها ما يلقاه الإنسان في قبره من الدواهي، وتقدّمت في الحادية عشر، ويروى: الأمراس: جمع مرس، وهو حبل من ليف يفتل على ثلاثة. مراسه: جريانه على البكرة، فالبكرة تأكل قوته كلّ يوم فتقطعه، كما أن الأيام تأكل قوة ابن آدم فتقطعه، فإذا مات أكل بدنه القبر. *** واها لها حسرة ألمها مؤكّد، وأمدها سرمد، وممارسها مكمد، ما لولهه حاسم، ولا لسدمه راحم؛ ولا ممّا عراه عاصم، الهمكم الله أحمد الإلهام، وردّاكم رداء الإكرام، وأحلّكم دار السّلام، وأسأله الرّحمة لكم ولأهل ملّة الإسلام، وهو أسمح الكرام، والمسلّم والسّلام. *** آها: كلمة توجع. حسرة: فجيعة، والهاء في «لها» كناية عن الحسرة أضمرها بشريطة التفسير، أي ما أعظمها من حسرة، آها، أي تأوّها. ألمها مؤكد، أي وجعها شديد متتابع. سرمد: دائم. ممارسها: معالجها ومخالطها. مكمد: مهموم محزون. ولهه: حزنه. حاسم: مزيل قاطع. سدمه: حيرته، عراه: قصده. عاصم: مانع. ألهمكم: ذكّركم ونبّهكم. أحلّكم: أنزلكم. دار السلام: الجنة، من دخلها سلم من العذاب وبقي في سلامة. ملة: دين. أسمح: أكرم. السلام: الذي هو من أسماء الله ، ومعناه المسلم لعبده أو هو على حذف المضاف، ومعناه ذو السلام، أي صاحب السّلام، ويحتمل أن يريد به اللفظةالتي يقطع بها الكلام، كما تقول لمن تقطع كلامه: والسلام، أي لا زيادة عندي على هذا، أو أردت: والسلام عليكم. فحذفت اختصارا. وفي تأويل «السلام عليكم» وجهان: أحدهما أنه اسم الله بمعنى «الله تعالى

стр. 820

عليكم»، أي على حفظكم، أو بمعنى السلامة عليكم، فالسلام جمع سلامة. قال ابن الأنباريّ: السلام في كلام العرب على أربعة أقسام: السلام التسليم، تقول: سلّمت سلاما، والسلام الله تعالى، والسلام جمع سلامة، والسلام شجر عظام واحدها سلامة قال الأخطل: [الطويل] ورابية السكران قفر فما بها ... لهم شبح إلّا سلام وحرمل (١) *** قال الحارث بن همّام: فلمّا رأيت الخطبة نخبة بلا سقط، وعروسا بغير نقط، دعاني الإعجاب بنمطها العجيب، إلى استجلاء وجه الخطيب، فأخذت أتوسّمه جدّا، وأقلّب الطّرف فيه مجدّا، إلى أن وضح لي بصدق العلامات، أنّه شيخنا صاحب المقامات، ولم يكن بدّ من الصّمت، في ذلك الوقت؛ فأمسكت حتّى تحلّل من الفرض، وحلّ الانتشار في الأرض، ثمّ واجهت تلقاءه، وابتدرت لقاءه. فلمّا لحظني خفّ في القيام، وأحفى في الإكرام؛ ثمّ استصحبني إلى داره، وأودعني خصائص أسراره، وحين انتشر جناح الظّلام، وحان ميقات الأنام، أحضر أباريق المدام، معكومة بالفدام فقلت: أتحسوها أمام النّوم؛ وأنت إمام القوم! فقال: مه؛ أنا بالنّهار خطيب، وبالليل أطيب، فقلت: والله ما أدري: أأعجب من تسلّيك عن أناسك، ومسقط راسك، أم من خطابتك مع أدناسك ومدار كاسك. *** نخبة: مختارة. سقط: لفظ رديء. استجلاء: نظر. أتوسمه: أنظر سمته، أي علامته التي يعرف بها. جدّا: كثيرا. مجدّا: مجتهدا. وضح: تبيّن. ذو المقامات: صاحب المجالس. البدّ: الفرار، قال الفراء رحمه الله تعالى: يقال: لا بدّ اليوم من قضاء حاجتي، أي لا فرار، ويقال: ليس لهذا الأمر بدّ، أي لا محالة. الصمت: السكوت والإنصات لاستماع الخطبة فرض عند الشافعي ﵁ لقوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا [الأعراف: ٢٤١] أي لاستماع الخطبة. وقال جماعة من المفسرين: إنه إنما نزلت الآية في السكوت لاستماع الخطبة.

стр. 821

أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب: أنصت فقد لغوت» (١). أبو هريرة وأبو سعيد، أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: «من خرج إلى الجمعة وعليه الوقار، ثم رجع، ثم أنصت إلى أن جلس الإمام، فلم يتكلم حتى ينزل، ثم صلّى الجمعة غفر الله له ما بينه وبين الجمعة التي تليها» (٢). تحلل من الفرض: تخلص من الصلاة. الانتشار: انحلال الجموع من الصلاة وانبساطهم على الأرض. ميقاته: وقته. معكومة: مشدودة، وعكمت البعير شددت فمه، والوعاء: شددت رأسه. الفدام: خرقة يشدّ بها فم الإبريق ليصغّي ما فيه. تحسوها: تشربها. وأنت إمام القوم: توبيخ له على قبح فعله مع الفضل الذي سبق له، والعيب الكبير يصغر في حق أهل الريب، كما أنّ الصغير يعظم في حق أهل المروءات، وقال المتنبي في المعنى وإن كان من غير الباب: [الطويل] وما يوجع الحرمان من كفّ حازم ... كما يوجع الحرمان من كف رازق (٣) وقال المخزومي: [البسيط] والعيب في الجاهل المغمور مغمور ... وعيب ذي الشّرف المذكور مذكور كفوفة الظّفر تخفى من حقارتها ... ومثلها في سواد العين مشهور وقال إبراهيم بن المهديّ: [الكامل] لولا الحياء وأنني مشهور ... والعيب بالرجل الكبير كبير لحللت منزلة الذي يحتلّه ... ولكان منزلنا هو المهجور مه: اسكت، ومعنى قوله: أنا بالنهار خطيب، وبالليل أطيب، مما وقع في كتاب مفتاح السرور والأفراح، حكاية عن بعضهم أنه قال: رأيت قاصّا يقص غداة يوم، ثم رأيته بالعشيّ في حانة والقدح في يده، فقلت: ما هذا؟ فقال: أنا بالغداة قاصّ، وبالعشيّ عاص.

стр. 822

ومن ذلك ما كتب به يحيى بن خالد لابنه الفضل حين بعث فيه أهل خراسان كتابا إلى الرشيد: إنه مستغل بالصيد وإدمان اللذات؛ فرمى به إلى يحيى وقال: يا أبت اكتب إليه بما يردعه، فكتب على ظهر الكتاب: حفظك الله يا بنيّ، وأمتع بك. فقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه من التّشاغل بالصيد وإدمان اللذات، فعاود ما هو أليق بك وأزين لك، فإنه من عاد إلى ما يزينه، وترك ما يشينه، لم يعرفه أهل دهره إلا به. وقد قلت أبياتا فالتزمها، وإن جاوزتها عزلتك عن سخط، ولم أكلمك حولا، وكتب إليه: [السريع] انصب نهارا في طلاب العلا ... واصبر على فقد لقاء الحبيب حتى إذا الليل أتى مقبلا ... واستترت فيه عيون الرقيب فباشر الليل بما تشتهي ... فإنّما الليل نهار الأريب كم من فتى تحسبه ناسكا ... قد لقي الليل بأمر عجيب ألقى عليه الليل أثوابه ... فبات في لهو وعيش خصيب ولذة الأحمق مشهورة ... يرصدها كلّ حسود رقيب فامتثل ما فيها حتى عزل عنها. وقال الحلواني في ضده: [الكامل] أنت الّذي قسم الزمان لنفسه ... قسمين بين رئاسة ومتاب أعطى لمرتبة العلاء نهاره ... منها وجنح اللّيل للمحراب وقال الفنجديهي في قوله: أنا بالنهار خطيب وبالليل أطيب، معناه أنا صالح المنظر، فاسد المخبر، أنظر في مرآة المراءات، وأسّر مساواة المساءات، وأديم المناجاة جلوة، وأقيم المداجاة خلوة، آمر الناس بالرّشاد، وأنا أتوسّد وسادة الفساد. وقال ابن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ : «من أحسن الصلاة حين يراه الناس، ثم أساءها حين يخلو، فتلك استهانة يستهين بها ربه». قوله: تسليك عن أناسك، أي اشتغالك عن أهلك وبلدك، وهو مسقط رأسه، أي الموضع الذي سقط فيه رأسه عند ولادته. خطابتك: فصاحتك في خطبتك. إدناسك: عيبك وتلطيخ عرضك. مدار: دورانه في أيدي الشاربين. *** فأشاح بوجهه عنّي، وقال: اسمع منّي: [المنسرح] لا تبك إلفا نأى ولا دارا ... ودر مع الدّهر كيفما دارا واتّخذ النّاس كلّهم سكنا ... ومثّل الأرض كلّها دارا

стр. 823

واصبر على خلق من تعاشره ... وداره فاللّبيب من دارى ولا تضع فرصة السّرور فما ... تدري: أيوما تعيش أم دارا واعلم بأنّ المنون جائلة ... وقد أدارت على الورى دارا وأقسمت لا تزال قانصة ... ما كرّ عصر المحيا وما دارا فكيف ترجى النّجاة من شرك ... لم ينج منه كسرى ولا دارا *** أشاح: نحّى معرضا، وأشاح في الأمر: صمم عليه. إلفا: صاحبا. نأى: بعد، يقول له جوابا للومة: لا تبك صاحبا بعد عنك، ولا منزلا تغرّبت عنه، وتقلّب مع الدهر كما يتقلب مع أهله. ودر، من الدوران سكنا: أهلا وإلفا تسكن إليه. ومثّل الأرض كلها دارا، أي بلدا، والدار البلد في قوله تعالى: فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ [العنكبوت: ٣٧] تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ [هود: ٦٥] داره: لاينه وسايسه. اللبيب: العاقل دارى: أحسن مخالطة الناس، وأصلها الخداع، تقول العرب: دريت الصيد أدريه دريا، وداريته أداريه مداراة، والدرية بعير يقعد عنده الصائد، يستتر به فيجيء الصيد فيأنس بالبعير، فيرميه من قرب. وكان الحسن يقول: المداراة تستحلب مودة القلوب فتخدعهم في عقولهم. وفي الحديث: «أحبّ الناس تحبّبا إلى الله أكثرهم تحبّبا إلى الناس» وفيه: «إذا أحب الله عبدا حبّبه إلى الناس». وقال ابن عبد ربه: [الكامل] وجه عليه من الحياء مهابة ... ومحبّة تجري مع الأنفاس وإذا أحبّ الله يوما عبده ... ألقى عليه محبة للناس كتب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى سعد بن أبي وقاص: إن الله، إذا أحبّ عبدا حبّبه إلى الناس، واعتبر منزلتك من الله بمنزلتك من الناس، واعلم أنّ مالك من الله بمنزلة ما للناس عندك. وقال بعضهم: أتيت الخليل فوجدته على طنفسة صغيرة، فوسّع لي، فكرهت أن أضيّق عليه فتأخرت، فأخذ بعضدي، وقدّمني إلى نفسه، وقال: لا يضيق سمّ الخياط بمتحابين ولا تسع الأرض متباغضين، أخذه ابن عبد ربه فقال: [البسيط] صل من هويت وإن أبدى مباغضة ... فأطيب العيش وصل بين إلفين واقطع حبائل خدن لا تلائمه ... فقلّما تسع الدنيا بغيضين ولأبي محمد بن أبي الوليد المالقي: [البسيط]

стр. 824

صيّر فؤادك للمحبوب منزلة ... سمّ الخياط مجال للمحبّين ولا تسامح بغيضا في معاشرة ... فقلّما تسع الدنيا بغيضين ولابن الزقاق [الطويل] ألا ادن وإن ضاق الندىّ فإنه ... رحيب بودّ ضمّنته الأضالع يضيق الفضا عن صاحبين تباغضا ... وسمّ خياط بالحبيبين واسع وقال التهامي: [المنسرح] بين المحبّين مجلس واسع ... والودّ حال يقرّب الشاسع والبيت إن ضاق عن ثمانية ... متّسع بالوداد للتاسع فرصة: نهزة وغنيمة. دارا: دهرا وقال السّريّ: [البسيط] قم فانتصف من صروف الدّهر والنّوب ... واجمع بكأسك بين اللهو والطرب واخلع عذارك واشرب قهوة مزجت ... بقهوة الفلج المعسول والشّنب توّج بكأسك قبل الحادثات يدي ... فالكأس تاج يد المثري من الأدب جائلة: دائرة [كسرى] كسرى، اسم ملك الفرس، وكسرى ملك الموت أنو شروان بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام، الملك العادل، ملك العرب والعجم، كان موصوفا بالعدل، معروفا بحسن الرعاية والفضل، وشهرته في كتب الآداب مغنية في ذكره عن الإطناب. قيل: كان مولد نبينا محمد ﷺ لاثنتين وأربعين سنة مضت من ملكه، وملك تسعا وأربعين سنة. وكسرى أبرويز بن هرمز أنو شروان، كان ملكا شديد البطش، نافذ الرأي، قد بلغ من الظّفر ومسالمة الدهر حدا لم يبلغه ملك من الملوك، كان ملكه ثماني وثلاثين سنة. وفي سنة ثلاثين من ملكه بعث نبينا ﷺ . وحدّث خالد بن ربوة- وكان رأسا في المجوس، فأسلم- قال: كان كسرى إذا ركب ركب معه رجلان، فيقولان له ساعتئذ: أنت عبد ولست بربّ، فيشير برأسه أن نعم، فركب يوما، فقالا ذلك له فلم يشر برأسه، فشكواه إلى صاحب الشرطة، فركب ليعاتبه. وكان كسرى قد نام فلما وقع صوت حوافر الدوابّ في أذنه استيقظ، فدخل عليه صاحب الشرطة، فقال: أيقظتموني، إني رأيت كأنه رقي بي فوق سبع سماوات، فوقفت بين يدي الله تعالى، وإذا رجل بين يديه، عليه إزار ورداء، فقال لي: سلّم مفاتيح خزائن الأرض إلى هذا، ألست المأمور بكذا فلم تفعل! وإني أردت أن أقولها فاستردّها منه فأيقظتموني. وصاحب الإزار والرداء هو نبينا محمد ﷺ .

стр. 825

وبعث له رسول الله ﷺ عبد الله بن حذافة بن قيس، وكتب له: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله النبيّ إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتّبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أدعوك بدعاية الله فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيّا ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك. فلما قرأ الكتاب شقّه، وقال: يكتب إليّ بهذا وهو عبدي! فبلغ الخبر رسول الله ﷺ فقال: «مزّقه مزّق الله ملكه» أو قال: «اللهم مزّقهم كل ممزّق» (١). ثم كتب كسرى إلى باذان، وهو على اليمين: أن أبعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين جلدين يأتياني به. فبعث باذان قهرمانه- وكان كاتبا حاسبا، وهو بابومة، وبعث معه برجل من الفرس، وكتب معهما إلى رسول الله ﷺ ، يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى، وقال لبابومة: ويلك! انظر من الرجل، وكلّمه، وائتني بخبره. فخرجا حتى قدما الطائف، فسألا عنه فقالوا: هو بالمدينة، واستبشر أهل الطائف، وقالوا: نصب له كسرى، كفيتم الرجل، فخرجا حتى قدم المدينة على رسول الله ﷺ فكلّمه بابومة وقال: إنّ شاهنشاه ملك الملوك كسرى كتب إلى باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثني إليك لتنطلق معي، فإن فعلت كتبت فيك إلى ملك الملوك بكتاب ينفعك، ويكفّ عنك به، وإن أبيت فهو من قد علمت، وهو مهلكك ومهلك قومك، ومخرّب بلادك. فقال لهما: ارجعا حتى تأتياني غدا. وأتى رسول الله ﷺ الخبر أن الله تعالى قد سلّط على كسرى ابنه شيرويه، فقتله في ليلة كذا في شهر كذا، بعد ما مضى من الليل كذا سلّط الله عليه ابنه، فقتله. فقالا: هل تدري ما تقول؟ فإنا قد خفنا منك ما هو أيسر من هذا، أفنكتب به عنك ونخبر الملك؟ قال: نعم، أخبراه ذلك عني وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى، وقولا له: إن أسلمت أعطيتك الناس تحت يدك، وملّكتك على قومك من الأبناء. فخرجا من عنده حتى قدما على باذان، فأخبراه الخبر، فقال: والله ما هذا بكلام ملك، وإني لأرى الرجل نبيّا، فإن كان ما قال حقا، فهو نبيّ مرسل، فإن لم يكن فسأرى فيه رأيا. فلم يلبث أن قدم عليه كتاب شيرويه، وفيه: أمّا بعد، فإني قد قتلت كسرى ولم أقتله إلا غضبا لفارس، ممّا كان استحلّ من قتل أشرافهم؛ فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممّن قبلك، وانظر إلى الرجل الذي كتب لك فيه، فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه، فقال باذان: إنّ هذا الرجل لرسول الله ﷺ ، فأسلم وأسلمت الأبناء من فارس.

стр. 826

وكسرى أنوشروان هو الذي بنى سور الأبواب وهو من عجائب الدنيا فلما بناه هادته الملوك وكاتبته. وهو الذي افتتح كثيرا من بلاد الشأم الرومية، ونقل منها الرخام إلى العراق. وقيل: إن النبي ﷺ ولد لاثنتين وعشرين سنة من ملكه، وقيل: إنه ولد في آخر ملكه كما قدّمنا. ثم ولي من بعده ابنه هرمز، وكان مضعّفا، غزته الملوك وطمعت فيه، ثم خلعته الفرس، وسملت عينيه. وعقد الملك لابنه أبرويز في حياته، فبعد حروب شديدة اجتمع لأبرويز أمره، وكان وزيره بزرجمهر أكثر الفرس حكما ومواعظ. وفي ملكه كانت وقعة ذي قار بين بكر بن وائل، والهرمز صاحب أبرويز، لأربعين سنة لمولد النبي ﷺ . وقيل إنها كانت في غزوة بدر- وقال النبيّ ﷺ : «هذا يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصرت». وكان على مربط أبرويز خمسون ألف دابّة وألف فيل، فخرج في أحد أعياده، وقد صفّت له الجيوش وأحدقت به مائة ألف فارس دون الرجّالة، وصفّت له الفيلة، فلما بصرت به سجدت له، فما رفعت رءوسها حتى رفعت خراطيمها بالمحاجن، فأعلم بذلك وقال: وددت أنها فارسية، ولم تكن هندية، انظروا إلى أدبها من بين سائر الدواب. ثم هدم الله تعالى هذا الملك العظيم بالإسلام، قال الألبيري: [الكامل] فطف البلاد لكي ترى آثار من ... قد كان يعمرها من الأقيال عصفت بهم ريح الرّدى فذرتهم ... ذرو الرياح الهوج حقف رمال فتقطعت أسبابهم وتمزّقت ... ولطالما كانوا كنظم لآلي قيل لأبرويز- وكان حكيما: ما شهوة ساعة؟ قال: الجماع، قيل: فما شهوة يوم؟ قال: دخول الحمام، قيل: فما شهوة جمعة؟ قال: غسل الثياب، قيل: فما شهوة شهر؟ قال: تجديد الثياب، قيل فما شهوة سنة؟ قال: تزوج الأبكار قيل: فما شهوة الأبد؟ قال: أمّا في الدنيا فمشاهدة الإخوان، وأما في الآخرة فنعيم الجنة. ونظر إلى قذاة في طعام، فدعا الطباخ فقال: ما هذا؟ فقال: حاولته بالليل في وقت لم يكن فيه ماء معين، فأمر بضرب عنقه، فغضب الطباخ؛ وقال: يا بن الأشتوربان- تفسيره يا بن سائس الدواب- فعفا عنه، وقال: إنا معشر الملوك نعاقب في الصغير، ونعفو عن الكبير. [دارا بن بهمن] وأما دارا بن بهمن، وهو آخر ملوك الفرس الأول، فإنه كان ضخم الملك، ذا قدرة ومكانة، وهو الذي بنى بأرض الجزيرة مدينة دارابجرد، وكانت جنده ستمائة

стр. 827

ألف، ولقبه الإسكندر بالجزيرة، فدارت بينهم الحروب أربعين يوما، وخندق دارا على عسكره خمس خنادق، وجعل على كلّ خندق اثني عشر ألف رجل، وكانت النوبة لا تصيب الرجل إلا يوما في كل خمسة أيام، فوجد الإسكندر من ذلك وجدا شديدا، فبعث إلى دارا: إنّا كدنا نتفانى، ورأيت رأيا فيه البقاء لنا ولك، وذلك أن تفرج لي، فأخرق صفّك خرقا إلى جانب بلادك وأرجع إلى بلادي، فإنا لا نرى الفرار من الزحف، وهو عار لا يغسل. فأجابه دارا: لا سبيل إلى ذلك. فلما رأى الإسكندر ذلك وضع البرنس، وحسر عن رأسه، وقال: يا معشر الروم، هذا هو العجز والذلّ عن الانتصار، هل فيكم من يحتال لي في هذا الأمر، وله نصف مال الروم والعجم، ونصف ما في بيوت الأموال؟ فقد أدركتني الحمية. فبلغ الخبر إلى صاحب حرس دارا فقال: أنا أفعل ذلك وآخذ مالا عظيما. فلما التحم القتال حمل على دارا فطعنه بحربة في ظهره، فوقع على الأرض وانهزم عسكر دارا. فجاء الإسكندر ووضع رأس دارا في حجره، ومسح التراب عن وجهه، وقبّله وبكى، وقال: الحمد لله الذي لم يجعل قتلك على يدي، ولا على يد أحد من جندي؛ فسل ما بدا لك أقضه، فقال له دارا: من حاجتي عندك ألّا تخرب بيوت النيران، وأن تنصفني من قاتلي قبل موتي، فإنه إن بقي عندك سيكفر معروفك، كما كفر معروفي. فقال له الإسكندر: حاجتي عندك أن تزوّجني بنتك روشنك، فقال دارا: على أن تجعل الملك من بعدك لولدك منها، فأجابه إلى ذلك وزوّجه ابنته، وأخذ الإسكندر قاتله وقطعه أربع قطع، واستولى على جميع مملكته. وملك دارا أربع عشرة سنة، وقيل: ست سنين، وقسم الإسكندر غنائم عسكره في ثلاثين يوما. وشاور الإسكندر معلمه أرسطاطاليس في أن يقتل من بقي من الفرس، فقال له: لا تفعل، ولكن ولّ على كلّ جهة شريفا من أهلها فيتنافسون، فلا يجمعهم ملك أبدا، ففعل فهم ملوك الطوائف، حتى انتزع اردشير منهم الملك، وقال: إنّ كلمة فرقتنا خمسمائة سنة وتسع عشرة سنة- يعني كلمة أرسطاطاليس- لكلمة بالغة. وملوك الفرس الأول ستة عشر ملكا، وملوك الفرس الثواني اثنان وثلاثون، منهم امرأتان. وملك بعد أردشير سابور، وهو من عظمائهم، ففتح الحصون ومدن المدن، وبنى الإيوان وهو بالجانب الشرقيّ من المدائن، وهو من عجائب البنيان، وعجائب الفرس كثيرة، وفي هذه النبذة غنية توافق ما شرطنا. *** قال: فلمّا اعتورتنا الكئوس، وطربت النّفوس، جرّعني اليمين الغموس، على أن أحفظ عليه النّاموس. فاتّبعت مرامه، ورعيت ذمامه، ونزّلته بين الملاء منزلة الفضيل، وسدلت الذّيل على مخازي اللّيل، ولم يزل ذلك دابه ودابي، إلى

стр. 828

أن تهيّأ إيابي. فودّعته وهو مصرّ على التّدليس، ومسرّ حسو الخندريس. *** قوله: اعتورتنا، أي قصدتنا ودارت علينا. الغموس: الشديدة، وهي في الجاهلية التي تغمس صاحبها في العار، وفي الإسلام تغمس صاحبها في الأوزار، والغمس ارتباط الشيء في ماء، أو صبغ حتى اللقمة في الخلّ. والغموس قيل إنها اليمين التي يقطع بها الرجل حق غيره فيحلف كاذبا. الليث ﵀: هي اليمين التي لا استثناء فيها، وفي الحديث: «اليمين الغموس تدع الديار بلاقع» (١)، أي قفرا فارغة من كلّ رزق. والناموس: إظهار فعل الخير، وتنامس الرجل إذا ظهر بما لا يعتقد، وأصل النّمس الستر، وكلّ شيء سترت به شيئا فهو ناموس له، وناموس الرجل صاحب سره، ويقال: لصاحب سرّ الخير ناموس ولصاحب سر الشر جاسوس. قال أبو عبيدة: هما بمعنى. غيره: الناموس: صاحب سر الملك، وقد نمس ينمس نمسا، ونامسته منامسة. مرامه: مطلبه ومراده. رعيت ذمامه: حفظت حقّه، وما بيني وبينه مما يجب أن يراعى. الملأ: الجماعة. [الفضيل بن عياض] الفضيل: هو ابن عياض التميميّ، كنيته أبو عليّ، وهو ممّن شهر بالزهد والخير، وهو من رجال رسالة القشيري، قال صاحبها أبو علي: خراساني من ناحية مرو، ولد بسمرقند، ومات في الحرم سنة سبع وثمانين ومائتين. وكان شاطرا يقطع الطريق، وسبب توبته أنه عشق جارية فبينما هو ذات يوم يرتقي الجدار إليها، إذ سمع تاليا يتلو: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد: ١٦]، فقال: يا رب قد آن، فرجع فأوى إلى خربة، فإذا فيها رفقة فقال بعضهم: نرتحل، وقال بعضهم: حتىنصبح، فإن فضيلا في الطريق فيقطع علينا، فأمّنهم وسار معهم حتى بلغوا، وجاور الحرم. قال الفضيل: إذا أحبّ الله عبدا أكثر همّه، وإذا أبغض عبدا وسّع عليه دنياه. وقال: الكامل المروءة من برّ والديه، وأصلح ماله، وأنفق ماله وأنفق من فضله، وأكرم إخوانه، وحسّن خلقه، ولزم بيته.

стр. 829

وقال: إذا رأيت الليل مقبلا فرحت، وقلت: أخلو بربي، وإذا أبصرت الصبح استرجعت كراهة أن يجيء من يشغلني. واطلع عليه بعض إخوانه من كوّة ولحيته تقطر دموعا، فقال: يا هؤلاء، ليس هذا زمن حديث إنما هو زمن: احفظ لسانك، وعالج قلبك، واخف مكانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر. وقال: لو أنّ الدنيا بحذافيرها عرضت عليّ لا أحاسب بها لكنت أتقذّرها كما يتقذّر أحدكم الجيفة إذا مرّ بها أن تصيب ثيابه. وقال: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس هو الشرك. قال أبو عليّ سليمان الدارانيّ: صحبت الفضيل ثلاثين سنة، ما رأيته ضاحكا ولا متبسّما إلا يوم مات ابنه عليّ، فقلت له في ذلك، فقال: إن الله تعالى إذا أحبّ امرأ ابتلاه. وقال: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق حماري. وأخباره كثيرة، وهذه اللمعة دالة عليها. قوله: سدلت، أي أرخيت. مخازي: قبائح، وما يخزى عليها فاعلها لو اطّلع على فعله. دأبه ودأبي: عادته وعادتي. إيابي: رجوعي. مصر: مقيم. التدليس: تلبيس الأمر وكتمان العيب. ويشبه عذل ابن همام السروجي في شرب الخمر ثم مساعدته إياه بعد لومه وشربه معه، قول ابن أبي ربيعة، وهو أحسن ما قيل في المساعدة: [الوافر] وخلّ كنت عين النصح منه ... إذا نظرت ومستمعا سميعا (١) أطاف بغيّة فنهيت عنها ... وقلت له: أرى أمرا شنيعا أردت رشاده جهدي فلمّا ... أبى وعصى أتيناها جميعا وقال أعرابي: [الطويل] وكنت إذا علقت حبال قوم ... صحبتهم وشيمتي الوفاء فأحسن حين يحسن محسنوهم ... وأجتنب الإساءة إن أساءوا أشاء سوى مشيئتهم فآتي ... مشيئتهم وأترك ما أشاء

стр. 830

المقامة التاسعة والعشرون وهي ال واسط يّة حكى الحارث بن همّام قال: ألجأني حكم دهر قاسط، إلى أن أنتجع أرض واسط، فقصدتها وأنا لا أعرف بها سكنا، ولا أملك فيها مسكنا. ولمّا حللتها حلول الحوت بالبيداء، والشّعرة البيضاء في اللّمّة السوداء، قادني الحظّ النّاقص، والجدّ الناكص، إلى خان ينزله شذّاذ الآفاق، وأخلاط الرّفاق، وهو لنظافة مكانه، وظرافة سكّانه، يرغّب الغريب في إيطانه، وينسيه هوى أوطانه فاستفردت منه بحجرة، ولم أنافس في أجرة، فما كانإلّا كلمح طرف، أو خطّ حرف؛ حتّى سمعت جاري بيت بيت، يقول لنزيله في البيت: *** ألجأني: اضطرني. قاسط: جائر. أنتجع: أقصد لطلب الرزق. [واسط] واسط: بلد معروف بناه الحجاج وسط المسافة التي بين البصرة والكوفة، منها إلى كل واحدة منهما خمسون فرسخا، وسكنه، ومات فيه. قال اليعقوبيّ: واسط مدينتان على حافتي دجلة، فالمدينة القديمة التي هي: منازل الدهاقين هي الشرقية من دجلة، وهي مدينة كسكر وابتنى الحجاج مدينة في الجانب الغربيّ، وجعل بينهما جسرا من السفن، وبنى بها قصره والقبة الخضراء التي يقال لها خضراء واسط والمسجد الجامع، وعليها سور، ونزلتها الولاة بعد الحجاج. وهي بين البصرة والكوفة والأهواز متوسطة، فسمّيت واسط بذلك. قال الطبريّ خرج الحجاج يرتاد منزلا لأهل الشام، فأمعن حتى نزل أطراف كسكر، فبينما هو كذلك؛ إذ هو براهب قد أقبل على أتان له، فعبر دجلة، فلما كان بموضع واسط، تفاجّت الأتان فبالت، فنزل الراهب فاحتفر ذلك البول وحمله حتى رمى به دجلة، وذلك بعين الحجاج، فقال: عليّ به، فلما أتاه قال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: إنا نجد في كتبنا أنه يبنى في هذا الموضع مسجد يعبد الله فيه ما دام أحد في

стр. 831

الأرض يوحّده، فاختط الحجاج مدينة واسط، وبنى المسجد في ذلك الموضع، وذلك سنة ثلاث وثمانين. *** قوله. سكنا، أي صاحبا يسكن إليه ويؤنس به، والمسكن: المنزل الذي يسكن فيه. البيداء: الصحراء، أراد أنه غريب ليس له صاحب ولا منزل كالحوت في الصحراء. واللمّة: الجمّة من الشعر تلمّ بالمنكب. قادني: ساقني. الحظ: النصيب. والجدّ: السعد. الناكص: الراجع إلى خلفه، يريد أنّ سعده يمشي إلى جهة خلف، ونكص ينكص: رجع القهقرى. خان: فندق. والشذّاذ: الغرباء الذين شذّوا عن أوطانهم، أي فروا منها وبعدوا، والشّذّاذ التفرق، وكلمة شاذة: مفترقة من جنسها، وشذّ الرجل: انفرد عن أصحابه. والآفاق: النواحي. أخلاط الرفاق: من لا يتخصص منهم ولا يتعين. إبطانه: سكناه. هوى أوطانه: حب بلاده. استفردت: سكنتها منفردا. والحجرة: البيت، أنافس: أغال، من قولهم: نفست عليه بالشيء، إذا ضننت به، ولم تحبّ أن يصير إليه. لمح الطرف: نظر العين. بيت بيت، أي بيته ملاصق بيتي، وهما اسمان جعلا كاسم واحد، وبنيا على الفتح. نزيله: النازل معه. *** قم يا بنيّ، لا قعد جدّك، ولا قام ضدّك، واستصحب ذا الوجه البدريّ، واللّون الدّرّي، والأصل النقيّ، والجسم الشقيّ، الّذي قبض ونشر، وسجن وشهر، وسقي وفطم، وأدخل النّار بعد ما لطم ثم اركض إلى السّوق، ركض المشوق، فقايض به اللاقح الملقح، المفسد المصلح، المكمد المفرّح، المعنّى المروّح، ذا الزّفير المحرق، والجنين المشرق، واللّفظ المقنع، والنّبل الممتع، الّذي إذا طرق، رعد وبرق، وباح بالحرق، ونفث في الخرق. *** جدك: سعدك. ضدّك: عدوك المخالف لك. البدريّ: الأبيض المستدير كالبدر، يريد الرغيف، شبّهه بالبدر في بياضه واستدارته. وقال ابن الرومي: مررت بخباز يبسط الرّقاق كأسرع من رجوع الطرف، ما بين أن ترى العجين في يده كالكرة حتى يندحي فيصير كالقمر، إلا مقدار لحظة، فشبّهت سرعة انبساطها، بسرعة الدائرة في الماء يقذف فيه بالحجر فقلت: [البسيط] ما أنس لا أنس خبّازا مررت به ... يدحو الرّقاق كوشك اللمح بالبصر ما بين رؤيتها في كفّه كرة ... وبين رؤيتها قوراء كالقمر

стр. 832

إلا بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر *** [الغلمان وما قيل فيهم شعرا] ويتعلق بهذا ما قيل من الشعر فيمن ليس له نباهة من الغلمان: كان ابن وضاح جالسا مع جملة من الأدباء، فمرّ بهم غلام نظيف يبيع الخبز، فلم يتّجه لأحد فيه شيء إلّا ابن وضاح، فإنه قال: [المجتث] خابز الخبز ظريف ... عذبت فيه الحتوف خامل الأنساب لكن ... هو في الحسن شريف خصره أهيف شخت ... وكذا الغزلان هيف من يخاصم مقلتيه ... حكّمت فيه السيوف ونظر إدريس بن اليماني إلى غلام وسيم بالحمّام عليه أسمال، فقال: [الطويل] توشّح بالظلماء وهو صباح ... وأمرض بالأجفان وهي صحاح وظلّ فؤادي طائرا عن جوانحي ... وليس له إلّا الغرام جناح قضيب صباح في وشاح دجنّة ... ألا ليتني تحت الوشاح وشاح ولا عجب أن أفسدتني جفونه ... فكلّ فساد في هواه صلاح وقال الرّصافي: [الطويل] يقولون لي يوما وقد مرّ ضاربا ... بمعوله ضرب المرجّم بالغيب تعلّم صفّارا فقلت: استعارها ... غدّاة رنا من صبغة العاشق الصّبّ يعود النحاس الأحمر التّبر عسجدا ... بكفّيه عند السبك والمدّ والضّرب فحمرته مشتقة من حيائه ... وصفرته مما يخاف من العتب قوله الدريّ: الأبيض الذي يشبه الدّرّ في لونه، ويقال: كوكب درّيّ منسوب إلى الدرّ، مشبّها به لصفائه وحسنه، بضمّ الدال وتشديد الياء، ودري بالضم والهمز، ودريء بكسر الدال مع الياء ومع الهمزة، ودرّيء بالفتح والهمز، فمن كسر وهمز فهو فعيل، من درأ الكوكب، إذا جرى في أفق السماء، ومن كسر بلا همز فلأجل الياء بعد الراء، ومن ضم وهمز فخطّأه الفراء، قال: فعيل ليس في أبنية العرب، وأثبته سيبويه. قال أبو عبيدة: أصله دروى مثيل سبوح، فجعلوا الواو ياء، وجعلوا الضمة قبلها كسرة، ومثله عتوّ وعتيّ. قوله: الأصل النقيّ، يعني القمح الذي صنع منه كان نقيّا من الزبل وغيره. وشقاء جسمه، قد فسّر في التاسعة عشر، وهو الآن يبيّن بعض شقائه، فقبض ونشر. وقت العجن،

стр. 833

أو وقت الخبز، لأنه يقطع قبضة ثم يبسط للخبز. سجن: خزن قمحه في المخازن. وشهر: أبرز منها للسوق وشهر على الناس، أو يكون سجنه الفرن، وشهرته البيع في السوق، أو عند ما يطاف به على الأسواق: وقال المعريّ يلغز في القمح: [الطويل] وسمراء في بيض الحسان شريتها ... بصفر من العين الشّبيهة بالشمس وقد غيّبت في الخدر عصرا مصونة ... محجبة عن أعين الجن والإنس فلمّا بدت عنه بدت سيمة النّوى ... عليها ولم تجزع لحادثة الأمس فأهلا بأنثى لم تردّ يد لامس ... بسوء ولا أبدت نفارا من اللّمس سقي: جعل الماء عليه للعجين. فطم: قطع عنه الماء. لطم: سوّي بالكفّ، وعامتنا تشدّد الطاء. اركض: اسرع. المشوق: الكثير الشوق، وشاقك الشيء يشوقك، إذا هاجك. قائض: عاوض، وقايضت الرجل فعلت معه ما يفعل معك. اللّاقح في الأصل: الناقة يعلوها الفحل، فتحمل منه ولقحت: حملت، والملقّح: الفحل يعلوها عند السفاد، وقد بيّن أنه يريد حجر الزند، جعل لاقحا لأنه حامل بالنار، وملقحا لأنّ به تخرج النار من الزند، فكأنه ألقحه بالنار، أي جعلها فيه. والزّند أيضا لاقح ملقح، لأن النار لا توجد في واحد منهما على انفراده، والنار تصلح في موضع وتفسد في آخر؛ فلذلك وصفه بهما. والمعنى: المتعب بإحراقه. المروّح: المدخل الراحة بإصلاحه، وإن جعله للزند، فمعناه إذا شحّ، ومروّح إذا أورى، ونحوه. المكمد، أيالمحزن. المفرّح: ضدّه. والزّفير. التّنفس، وزفرة الحجر هي النار، وهي تحرق كلّ ما تعلّقت به، وهو الجنين، أي المستور في الحجر، فإذا ظهر أشرق وأضاء. واللفظ: صوت الحجر في الزّند، فإذا أبدى النار أقنعك واكتفيت به. وهو نيله، أي عطاؤه. والممتع: الكثير وقليل النار كثير، وقد قال الأعرابيّ: إنّ السّقط يحرق الدوحة، أراد ما يسقط من الزّند من النار الضعيفة يحرق الشجر الكثير الملتف. طرق: ضرب. رعد: صوّت. برق: لمعت ناره. باح: أظهر ما يسرّ فيه. الحرق: التهاب القلب بالهمّ، فكنى به عمّا في الحجر من النار. نفث: بزق. الخرق: التي تسقط فيها نار الزند؛ وهذه ألفاظ كلّها متقاربة، بعضها يفسّر بعضا، لأنها من مليح الكلام. *** قال: فلمّا قرّت شقشقة الهادر، ولم يبق إلّا صدر الصّادر، برز فتى يميس، وما معه أنيس، فرأيتها عضلة تلعب بالعقول، وتغري بالدّخول في الفضول، فانطلقت في أثر الغلام، لأخبر فحوى الكلام، فلم يزل يسعى سعي العفاريت، ويتفقّد نضائد الحوانيت، حتّى انتهى عند الرّواح، إلى حجارة القدّاح. فناول بائعها رغيفا، وتناول منه حجرا لطيفا. فعجبت من فطانة المرسل والمرسل، وعلمت أنّها

стр. 834

سروجية وإن لم أسأل، وما كذّبت أن بادرت إلى الخان؛ منطلق العنان؛ لأنظر كنه فهمي، وهل قرطس في التّكهّن سهمي؛ فإذا أنا في الفراسة قارس، وأبو زيد بوصيد الخان جالس. فتهادينا بشرى الالتقاء، وتقارضنا تحية الأصدقاء. *** قرّت: سكنت. الهادر: الفحل. وشقشقته: ما يخرج من لهاته. وتقدّمت في الأولى، ويزعمون أنها لا توجد عند نحر الفحل، وكذلك بيضه لا يوجد، قال: وأنشد بشر بن المعتمر: [السريع] خصيته تطلّ من حظمه ... عند حدوث الذّبح والنّحر ما إن يرى الراءون من بعدها ... شقشقة مائلة الهدر وأراد به: سكت المتكلّم. صدر الصادر: خروج الخارج من الماء بعد شربه. برز: خرج. يميس: يتبختر ويتثنى. عضلة: داهية وأمر صعب. تغري: تحرّض وتلصق. فحوى: معنى. يسعي: يجري. العفاريت: شرّ الشياطين وأدهاها. نضائد: ما جعل شيئا على شيء. الرّواح: العشيّ. القدّاح: حجر الزند تقدح النار منه. ناول: أعطى. لطيفا: دقيقا. فطانة: ذكاء. وما كذّبت، أي ما خيّبت. منطلق العنان: مسيّب حيث شاء. كنه: حقيقة. قرطس: أصاب الغرض مرة بعد أخرى، والقرطاس يجعل غرضا، فإذا توالى ضربه قيل: قرطس. والتكهن: الحديث بما يكون. والفراسة: النظر بالظّن. وصيد الخان: فناء الفندق، وقيل بابه، من أوصدت الباب، أغلقته، وقيل: عتبة بابه. تهادينا: أهديته وأهداني. البشرى: السرور، أي فرح كل واحد منا بصاحبه. فتهادينا البشرى: تقارضنا: اندفعنا بالسّلام، يريد حالة الصديقين إذا التقيا بعد سفر، فيبالغ كلّ واحد منهما في سلام صاحبه ويتابعه. والتحية: السلام، ومنه التحيات لله، ومنه قوله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها [النساء: ٨٦]، أي سلّم عليكم. وقيل: التحية: الملك، وكان الملك يحيّا بأنعم صباحا، وأبيت اللعن، وقيل: معناه البقاء لله، وقال زهير بن جناب: [الكامل] من كلّ ما نال الفتي قد نلته ... إلا التحية من إله قادر أي البقاء. ثمّ قال: ما الّذي نابك، حتّى زايلت جنابك؟ فقلت: دهر هاض، وجور فاض. فقال: والّذي أنزل المطر من الغمام، وأخرج الثّمر من الأكمام؛ لقد فسد الزّمان، وعمّ العدوان، وعدم المعوان، والله المستعان؛ فكيف أفلتّ، وعلى أيّ وصفيك أجفلت! فقلت: اتخذت اللّيل قميصا، وأدلجت فيه خميصا. فأطرق

стр. 835

ينكت في الأرض، ويفكّر في ارتياد القرض والفرض. ثمّ اهتزّ هزّة من أكثبه قنص، أو بدت له فرص، وقال: قد علق بقلبي أن تصاهر من يأسوجراحك، ويريش جناحك، فقلت: وكيف أجمع بين غلّ وقلّ، ومن الّذي يرغب في ضلّ ابن ضلّ! فقال: أنا المشير بك وإليك، والوكيل لك وعليك، مع أنّ دين القوم جبر الكسير، وفكّ الأسير، واحترام العشير، واستنصاح المشير؛ إلّا أنهم لو خطب إليهم إبراهيم بن أدهم، أو جبلة بن الأيهم؛ لما زوّجوه إلّا على خمسمائة درهم، اقتداء بما مهر الرسول ﷺ زوجاته، وعقد به أنكحة بناته؛ على أنّك لن تطالب بصداق، ولا تلجأ إلى طلاق. ثمّ إنّي سأخطب في موقف عقدك، ومجمع حشدك، خطبة لم تفتق رتق سمع، ولا خطب بمثلها في جمع. *** نابك: نزل بك. جنابك: بلدك وناحيتك، والجناب: فناء الدار. هاض: كسر. فاض: كثر. الغمام: السحاب. والثمر: الثمار. وأكمامها: ما يكون فيها ثمرها، وكل ما وارى شيئا فهو كمام له وكمّ. عمّ: شمل. العدوان: الفساد. المعوان: ما يستعان به. وقال الشاعر: [الكامل] لله درّ أبيك أيّ زمان ... أصبحت فيه وأيّ أهل زمان كلّ يدانيك المحبة جاهلا ... يعطي ويأخذ منك بالميزان فإذا رأى رجحان حبّة خردل ... مالت مودّته مع الرجحان وقال ابن لنكك: [المنسرح] نحن مع الدهر في أعاجيب ... فنسأل الله صبر أيوب أقفرت الأرض من محاسنها ... فابك عليها بكاء يعقوب وصفيك: حاليك من الخير والشرّ، وهي حالة السفر. أجفلت: هربت مسرعا، والإجفال: الهروب، ثم قال: مشيت في ظلام الليل، فصار لي كالقميص. ادّلجت: مشيت في السحر. خميصا: جائعا. أطرق: أمال رأسه ساكنا. ينكت: يخطّ في الأرض. ارتياد: طلب. الفرض من العطية؛ ما فرضت على نفسك عطاءه، على ألا تجازى عليه. والقرض: ما أعطي من غير فرض. قال الحريريّ: القرض بالقاف: ما يستعاد عوضه، والفرض بالفاء: ما لا عوض فيه، وأنشد في الدرّة لأبي عبد الله النّمريّ يرثي أبا عبد الله الأزديّ: [الوافر] مضى الأزديّ والنّمريّ يمضي ... وبعض الشّكل مقرون ببعض

стр. 836

أخي والمجتني ثمرات ودّي ... وإن لم يجزني قرضي وبرضي وكانت بيننا أبدا هنات ... توفّر عرضه فيها وعرضي وما هانت رجال الأزد بعدي ... وإن لم تدن أرضهم من ارضي الهنات: كناية عن المنكرات، فأراد أنه أمال رأسه إلى الأرض مفكرا، وجعل يخط فيها بيده أو بعود، وهو فعل المهموم الكثير الفكر، كما قال امرؤ القيس: [الطويل] ظللت ردائي فوق رأسي قاعدا ... أعدّ الحصى ما تنقضي عبراتي (١) فلم يرد أنه يعدّها ليعلم كم فيها، وحاله من البكاء والحيرة تنفي الثبات على العدد، وإنما أراد أنه كان يعبث فيها بيده اشتغالا، وفي قلبه من الهمّ ما غلب على الصبر، وقد بالغ ذو الرمّة في بيان هذا المعنى بقوله: [الطويل] عشيّة ما لي همّة غير أنّني ... بلقط الحصى والخطّ في الدار مولع (٢) أخطّ وأمحو تارة وأعيده ... بكفّي والغربان في الدّار وقّع وقال ابن جعيل في ذلك: [الكامل] لا ينكتون الأرض عند سؤالهم ... لتطلّب العلّات بالعيدان بل يبسطون وجوههم فترى لهم ... عند السؤال كأحسن الألوان وقال الشريف الرضيّ فأحسن: [الكامل] تفري أنامله التراب تعللا ... وأناملي في سنّي المقروع (٣) قوله: أكثبه، أي دنا منه. قنص: صيد. فرص: جمع فرصة، وهي كالغنيمة. يأسو: يطبّ. يريش: يجعل عليه الريش. الغلّ: الزوجة هنا. وقالت عائشة ﵂: إنما النساء أغلال فلينظر أحدكم غلّا يجعل في عنقه. وتقول العرب للمرأة السيّئة الخلق: غلّ قمل. وعوتب الكسائي في ترك التزوّج فقال: وجدت معاناة العفّة أيسر من معاناة العيال. القلّ: القلة وضلّ ابن ضلّ: مجهول لا يعرف، وفلان ضلّ إذا كان مجهولا متمكنا في الضلال. المشير بك وإليك، يقال: أشار به إذا رفعه وأشار النار وأشار بها وتشوّرها، أي رفعها، فمعنى أنا المشير بك، أي أرفع قدرك، وأعظم منزلتك، أي أثني عليك بخير

стр. 837

في غيبتك عند إصهارك، والمشير إليك إذا حضرت، أشرت إليك أن تتزوّج فيهم إذا رأيتهم أكفاءك. والوكيل لك عليهم حتى يزوّجوك، والوكيل عليك، لتمتثل ما آمرك به من الزواج فيهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. قيل فيه: الكافي هو، قال الفراء: يكون المعنى: كافينا الله ونعم الكافي، كقولك: رازقنا الله ونعم الرازق. ابن الأنباريّ وهو أحسن في اللفظ من قولك: كافينا الله ونعم الوكيل. دينهم: عاداتهم. جبر: إصلاح. فكّ: حلّ. احترام: إعزاز وتقريب، وهو افتعال من الحرمة، أي يجعلونه في حرمتهم، العشير: الصاحب. استنصاح المشير، أي من أشار عليهم بشيء رأوه ناصحا. [إبراهيم بن أدهم] إبراهيم بن أدهم، هو من شيوخ الصوفية، وهو من رجال رسالة القشيريّ، قال صاحبها: فمنهم أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم بن منصور بن إسحاق البلخيّ من كورة بلخ، من أبناء الملوك. وحدث إبراهيم بن بشار، قال: صحبت إبراهيم بن أدهم بن منصور بن إسحاق البلخيّ بالشام، فقالت له: يا أبا إسحاق، خبّرني عن بدء أمرك كيف كان؟ فقال: كان أبي من ملوك خراسان، وكنت شابّا، فركبت يوما على دابّة ومعي كلب، وخرجت إلى الصيد فأثرت ثعلبا، فبينا أنا في طلبه، إذ هتف بي هاتف: ألهذا خلقت أم بهذا أمرت؟ ففزعت ووقفت، ثم عدت فركضت الثانية، ففعل مثل ذلك ثلاث مرّات، ثم هتف بي من قربوس السرج: لا والله ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت. قال: فنزلت وصادفت راعيا لأبي، فأخذت منه جبّة من صوف، فلبستها وأعطيته الفرس، وما كان معي. ثم دخلت البادية متوجّها إلى مكة، فبينا أنا يوما في مسيري إذا برجل يسير، وليس معه إناء ولا زاد، فلمّا أمسى وصلّى المغرب حرّك شفتيه بكلام لا أفهمه، وإذا أنا بإناء فيه طعام وإناء فيه شراب، فأكلت وشربت، وكنت على ذلك معه أياما، وعلّمني اسم الله الأعظم، ثم غاب عني، وبقيت وحدي أنا ذات يوم مستوحش من الوحدة، دعوت الله فإذا أنا بشخص آخذ بحجزتي، فقال لي: سل تعط، فراعني صوته، فقال: لا روعة عليك ولا بأس، أنا أخوك الخضر إنّ أخي داود علّمكاسم الله الأعظم فلا تدع على أحد بينك وبينه شحناء فتهلكه، ولكن ادع الله به أن يقوّي ضعفك، ويؤنس وحشتك، وتجدّد به في كلّ يوم نيّتك ورغبتك، ثم تركني وانصرف. وصحبه سفيان الثوريّ والفضيل بن عياض ودخل الشأم ومات بها. وكان يأكل من عمل يده، مثل الحصاد وحفظ البساتين. وكان كبير الشأن في الورع، وقال: أطب مطعمك ولا عليك، ألّا تقوم بالليل ولا تصوم بالنهار.

стр. 838

وكان عامة دعائه: اللهم انقلني من ذلّ معصيتك إلى عز طاعتك. وقال لرجل في الطّواف: اعلم أنك لا تنال درجة الصالحين حتى تجوز ستّ عقبات، وهي أن تغلق باب النعمة وتفتح باب الشدة، وتغلق باب العزّ وتفتح باب الذلّ، وتغلق باب الراحة وتفتح باب الجهد، وتغلق باب النوم وتفتح باب السهر، وتغلق باب الغنى وتفتح باب الفقر، وتغلق باب الأمن وتفتح باب الاستعداد للموت. وقال محمد بن المبارك الصوريّ: كنت مع إبراهيم بن أدهم في طريق بيت المقدس، فنزلنا وقت القيلولة تحت شجرة رمّان، فصلّينا ركعات، فسمعت صوتا من أصل الرمان: يا أبا إسحاق، أكرمنا بأن تأكل منا شيئا، فطأطأ رأسه فقال ذلك ثلاث مرات، ثم قال: يا محمد، كن شفيعا إليه ليتناول منّا شيئا، فقلت: يا أبا إسحاق، لقد سمعت، فقام وأخذ رمانتين، فأكل واحدة وناولني الأخرى، فأكلتها وهي حامضة، وكانت قصيرة، فلمّا رجعنا مررنا بها وهي شجرة عالية ورمّانها حلو، وهي تثمر في كلّ عام مرتين، وسمّوها رمانة العابدين. وركب إبراهيم في مركب، فهاجت ريح شديدة، فلفّ إبراهيم رأسه بعباءة وطرح نفسه مع الناس، فسمعوا صوتا من البحر يقول: لا تخافوا ففيكم إبراهيم بن أدهم، وصاح الناس في المركب: أين إبراهيم بن أدهم؟ ثم سكنت الريح، فخرج وما عرفوه. قال له رجل: من أين كسبك؟ فقال: [الطويل] نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى، ولا ما نرقّع وأخباره في كتب التصوّف كثيرة تطول [جبلة بن الأيهم] وأما جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث الأوسط بن ثعلبة بن الحارث الأكبر بن عمرو بن جفنة، وفي نسبه اختلاف. وهو آخر ملوك غسان، وكان طوله اثني عشر شبرا، فإذا ركب مسح الأرض بقدميه. ولما أراد أن يسلم كتب إلى عمر ليستأذنه في القدوم عليه، فسرّ بذلك وكتب إليه: أن أقدم، فلك ما لنا وعليك ما علينا، فخرج في مائة فارس من عكّ وجفنة، فلما دنا إلى المدينة ألبسهم ثياب الوشي المنسوجة بالذهب الأحمر والحرير الأصفر، وجلل الخيل بجلال الديباج، وطوّقها أطواق الذهب والفضة، ولبس تاجه وفيه قرطا مارية، فلم يبق في المدينة إلا من خرج إليه، وفرح المسلمون بقدومه وإسلامه. ثم حضر الموسم مع عمر، فبينما هو يطوف بالبيت إذ وطئ على إزاره رجل من فزارة فحلّه، فالتفت إليه جبلة مغضبا، فلطمه فهشم أنفه، فاستعدى عليه الفزاريّ عمر،

стр. 839

فقال: ما دعاك إلى أن لطمت أخاك؟ فقال: إنه وطئ إزاري، ولولا حرمة هذا البيت لأخذت الذي فيه عيناه، فقال له عمر: أمّا أنت فقد أقررت، فإما أن ترضيه وإما أن أقيده منك، قال: أتقيده مني، وهو رجل سوقة! قال: قد شملك وإياه الإسلام، فما تفضله إلا بالعافية، قال: قد رجوت أن أكون في الإسلام أعزّ مني في الجاهلية، فقال: هو ذاك، قال: إذا أتنصّر. قال: إن تنصّرت ضربت عنقك. واجتمع وفد فزارة ووفد جبلة، وكادت تكون فتنة، فقال جبلة: أنظرني إلى غد يا أمير المؤمنين. قال: ذلك إليك. فلما كان في جنح الليل خرج في أصحابه إلى القسطنطينية فتنصّر، وأعظم هرقل قدومه وسرّ به وأقطع له الأموال والرّباع، فلما بعث عمر رضيالله عنه رسوله إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام فأجابه إلى المصالحة، ثم قال للرسول: أرأيت ابن عمّك الذي أتانا راغبا في ديننا؟ يعني جبلة، قال: لا. قال: القه ثم ائتني وخذ الجواب. فذهب فوجد على باب جبلة من الجمع والحجاب والبهجة مثل ما على باب قيصر. قال: فتلطّفت في الأذن حتى دخلت عليه: فرأيت رجلا أصهب اللحية فأنكرته، فإذا هو قد دعا بسحالة الذهب فذرّها على لحيته، حتى عاد أصهب، وهو قاعد على سرير من قوارير. فلما عرفني رفعني معه على السّرير، وجعل يسائلني عن المسلمين، فقلت: قد أضعفوا أضعافا على ما تعرف، وسأل عن عمر ﵁، فقلت: بخير حال، فاغتمّ بسلامة عمر، فانحدرت عن السرير فقال: لم تأبى الكرامة؟ فقلت: إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا، قال: نعم ﷺ ، ولكن نقّ قلبك من الدّنس ولا تبال علام قعدت، فطمعت فيه عند صلاته على النبيّ ﷺ فقالت: ويحك يا جبلة ألا تسلم! وقد عرفت الإسلام وفضله؟ قال: أبعد ما كان مني! قلت: نعم، قد فعل رجل من فزارة أكثر ممّا فعلت، ارتدّ وضرب أوجه المسلمين بالسيف ثم أسلم، وقبل منه وخلّفته بالمدينة مسلما. قال: زدني من هذا، إن كنت تضمن لي أن يزوّجني عمر ابنته ويولّيني الأمر من بعده، رجعت إلى الإسلام. فضمنت له التزويج، ولم أضمن الخلافة. فأومأ إلى وصيف بين يديه، فذهب مسرعا فإذا موائد الذهب قد نصبت بصحائف الفضة، فقال لي: كل، فقبضت يدي، وقلت: إن رسول الله ﷺ نهى عن الأكل في آنية الذهب والفضة، فقال: نعم ﷺ ، ولكن نقّ قلبك، وكل فيما أحببت. فأكل في الذهب والفضة، وأكلت في الخلنج. ثم جيء بطشت من الذهب، فغسل يديه فيها، وغسلت في الصّفر. ثم أومأ إلى خادم عن يمينه، فذهب مسرعا، فسمعت حسّا، فإذا خدم معهم كراسيّ مرصعة بالجواهر، فوضع عشرة عن يمينه وعشرة عن يساره. وإذا عشر جوار في الشعور، عليهنّ ثياب الوشي، مكسّرات في الحلي، فقعدن عن يمينه، وقعد مثلهن عن يساره، وإذا بجارية قد خرجت كالشمس حسنا، وعلى رأسها تاج عليه

стр. 840

طائر، وفي يدها اليمنى جام، وفيه مسك وعنبر فتيت، وفي يدها اليسرى جام فيه الورد، فصفرت للطائر، فوقع في جام ماء الورد، فاضطرب فيه، ثم وقع في جام المسك، فتمرّغ فيه، ثم طار فوقع على صليب في تاج جبلة، فرفرف حتى نفض إما في ريشه عليه، وضحك جبلة من شدة السرور ثم قال للجواري اللّاتي عن يمينه: بالله أضحكننا فاندفعن يغنين، تخفق عيدانهنّ يقلن: [الكامل] لله درّ عصابة نادمتهم ... يوما يحلّق في الزمان الأوّل (١) يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفّق بالرحيق السلسل أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل يغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل بيض الوجوه نقيّة أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطّراز الأول فضحك ثم قال: أتدري من قائل هذا؟ قلت: لا، قال: حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ : ثمّ قال للاتي عن يساره: بالله أبكيننا، فاندفعن بعيدانهنّ يغنّين: [الخفيف] لمن الدار أقفرت بعمان ... بين أعلى اليرموك والصّمّان (٢) ذاك مغنى لآل جفنة في الدّه ... ر وحقّ تعاقب الأزمان قد أراني هناك دهرا مكينا ... عند ذي التاج مجلسي ومكاني ثكلت أمّهم وقد ثكلتهم ... يوم حلّوا بحارث الجولان

стр. 841

ودنا الفصح فالولائد ينظم ... ن سراعا أكلّة المرجان فبكى حتى سالت الدموع على لحيته، ثم قال لي: وهذا لحسان أيضا، ثم أنشأ يقول: [الطويل] تنصّرت الأشراف من أجل لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر تكنّفني فيها لجاج ونخوة ... وبعت بها العين الصحيحة بالعور فيا ليت أميّ لم تلدني وليتني ... رجعت إلى الأمر الذي قال لي عمر ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة ... وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر ويا ليت لي بالشأم أدنى معيشة ... أجالس قومي ذاهب السمع والبصر ثم سألني عن حسان، أحيّ هو؟ قلت: نعم. ثم أمر بمال وكسوة ونوق موقورة برّا، وقال: أقرئه سلامي، وادفع له هذا إن وجدته حيّا، وإن وجدته ميّتا، فادفعه إلى أهله، وانحر الجمال على قبره. قال: فلما قدمت على عمر أخبرته الخبر، فقال: هلّا ضمنت له الأمر، فإذا أسلم قضى الله علينا بحكمه! ثم بعثت إلى حسان، فأقبل وقد كفّ بصره، فلما دخل قال: يا أمير المؤمنين إني وجدت ريح آل جفنة، قال: نعم، هذا رجل أقبل من عنده قال: هات يا بن أخي ما بعث به إليّ معك؟ قلت: وما علمك؟ قال: إنه كريم من عصبة رجال كرام مدحتهم في الجاهليّة، فحلف ألّا يلقى أحدا يعرفني إلا أهدى إليّ معه شيئا. فدفعته إليه وأخبرته بأمره في الإبل، فقال: وددت أني كنت ميتا فنحرت على قبري، ثم أخذها وانصرف وهو يقول: [الكامل] إنّ ابن جفنة من بقيّة معشر ... لم يغذهم آباؤهم باللّوم لم ينسني بالشام إذ هو ربّها ... كلّا ولا متنصّرا بالروم يعطي الجزيل، ولا يراه عنده ... إلا كبعض عطية المذموم وأتيته يوما فقرّب مجلسي ... وسقي وروّاني من الخرطوم وذكر أنّ رسول عمر لما أرسله إلى قيصر، قال: وأمرني أن أضمن لجبلة ما شرط، فلمّا قدمت القسطنطينية وجدت الناس منصرفين من جنازته، فعلمت أن الشقاء قد غلب عليه. وحدّثت أن صاحب برطونة اليوم من ذرّيته. وذكر الثعالبيّ أنه وجد للصّابي فصلا من كتاب استظرفه جدّا، يذكر صلة وصلت إليه من الصاحب، وهو: وصل أطال الله بقاء سيدنا أبو العباس أحمد بن الحسين، وأبو محمد أحمد بن جعفر بن شعيب حاجّين، فعرّجا إليّ ملمّين، وعاجا عليّ مسلّمين، فحين عرفتهما، وقبل أن أردّ السلام عليهما مددت اليد إلى ما معهما، كما مدّها حسان بن ثابت إلى رسول جبلة بن الأيهم، ثقة منّي

стр. 842

بصلته، وشوقا إلى تكرمته، واعتمادا لإحسانه، وألفا لموارد إنعامه، وتيقّنا أن الخطرة مني على باله، مقرونة بالنّصيب من ماله، وأن ذكراه، مشفوعة بجدواه. رجع ما انقطع. فيريد أنه لو خطب لهؤلاء القوم ابن أدهم على زهده وفضله، أو ابن الأيهم على ملوكيته وعزته لسوّوا بينهما في الصّداق اقتداء بالنبيّ ﷺ . [المغالاة بالصدقات] وجاء في الترمذيّ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لا تغالوا في صدقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة أو تقوى عند الله، لكان أولاهم بها نبيّالله ﷺ ، وما أعلم أنّ رسول الله ﷺ نكح شيئا من نسائه، على أكثر من اثنتي عشرة أوقية (١). قال ابن عيينة: والأوقية عند أهل العلم أربعون درهما، واثنتا عشرة أوقية أربعمائة وثمانون درهما. وفي غير الترمذي أن النبيّ ﷺ قال: «تياسروا في الصّداق» (٢) وكانت صدقات أزواج النبي ﷺ على عظم قدره، وعلو مرتبته اثنتي عشرة أوقية ونشّا، والنّشّ عشرون درهما، فذلك خمسمائة درهم. وروي عن عمر ﵁: أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا لا تغالوا في صدقات النساء، فإنه لا يبلغني عن أحد أنه ساق أكثر من شيء ساقه رسول الله ﷺ ، أو سيق إليه إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال. فعرضت له امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، كتاب الله أحق أن يتّبع أو قولك؟ قال: كتاب الله تعالى. ثم قال: فيم ذلك؟ قالت: الله تعالى يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً [النساء: ٢٠]، فقال عمر ﵁: كلّ أحد أفقه من عمر! ثم رجع إلى المنبر، فقال: إني كنت نهيتكم عن أن تغالوا في صدقات النساء، فليفعل كلّ رجل منكم في ماله ما أحبّ (٣). فرجع عمر عن اجتهاده إلى ما قامت عليه الحجة فأباحه للناس واستعمله في نفسه، فأصدق أم كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب ﵃ أربعين ألفا والقنطار ألف دينار ومائتا دينار؛ إلا أن المياسرة في الصداق أحبّ عند أهل العلم من المغالاة. ومن الملح في صداق خمسمائة، ما حدّث به ابن أبي شيبة قال: كان حجاج جارنا، فسمعته يقول لأبيه: تزوجت أمي على خمسمائة درهم، وبقيت أنا لك ربحا، فقال له أبوه: من سخنة عين هذا الربح أخشى. ***

стр. 843

قوله: مهر: يقال: مهر المرأة يمهرها، وأمهرها: عيّن لها مهرا. لن تطالب بصداق، أي أن القصة ليس لها حقيقة. فليس ثمّ من يطالبك بصداق ولا طلاق. حشدك: جمعك، وأصله مصدر، ثم استعمل لجماعة الناس. تفتق: تشق. رتق: غلق والسمع: الأذن. *** قال الحارث بن همّام: فازدهاني بوصف الخطبة المتلوّة، دون الخطبة المجلوّة؛ حتى قلت له: قد وكلت إليك هذا الخطب؛ فدبّره تدبير من طبّ لمن حبّ. فنهض مهرولا، ثمّ عاد متهلّلا، وقال: أبشر بإعتاب الدّهر، واحتلاب الدّرّ؛ فقد ولّيت العقد، وأكفلت النّقد، وكأن قد ثمّ أخذ في مواعدة أهل الخان، واعداد حلواء الخوان. فلمّا مدّ اللّيل أطنابه، وأغلق كلّ ذي باب بابه، أذّن في الجماعة: ألا احضروا في هذه السّاعة؛ فلم يبق فيهم إلّا من لبّى صوته، وحضر بيته. فلما اصطفّوا لديه، واجتمع الشاهد والمشهود عليه، جعل يرفع الاصطرلاب ويضعه، ويلحظ التّقويم ويدعه، إلى أن نعس القوم، وغشي النّوم، فقلت له: يا هذا ضع الفاس في الرّاس وخلّص الناس من النّعاس. فنظر نظرة في النّجوم، ثمّ انتشط من عقلة الوجوم، وأقسم بالطّور، والكتاب المسطور؛ لينكشفنّ سرّ هذا الأمر المستور، ولينتشرنّ ذكره إلى يوم النّشور. ثمّ إنّه جثا على ركبته، واسترعى الأسماع لخطبته. *** ازدهاني: دعاني إلى الزهو، وهو العجب والكبر، أي أعجبت بوصفها، المتلوّة: المقروءة، الخطبة: الزوجة المخطوبة. المجلوّة: التي كشف وجهها لينظر إليها. وكلت: أسندت إليك، وجعلتك القائم. الخطب: الأمر. طبّ: أصلح حال العليل. فيقول: دبّر هذا الأمر تدبير الطبيب أمر حبيبه إذا كان عليلا، وطبّه أي عناه، وقيل: معنى طبّ حذق بالشيء وجاد فيه ذهنه، والطّبّ: الحاذق بالأمر، فيكون معناه، دبّر أمري تدبير المميّز الحاذق أمر حبيبه. قال ابن الأنباريّ: قولهم: من حبّ طبّ، أي من أحب حذق وفطن واحتال لمن يحب، والطّبّ في اللغة: الحذق والفطنة، ورجل طبيب وطبّ، إذا كانحاذقا، وسمّي الطّبيب لفطنته. ومعنى حبّ أحبّ. وقال البصريون: لا يقال: حبّ يحبّ، وجاء عنهم: محبوب،

стр. 844

على فعل لا يتكلم به. الكسائي والفراء: يقال: حببت وأحببت، وحبّ في المثل يدلّ على صحته. والبصريون يقولون. حبّ إتباع لطبّ. مهرولا: مسرعا. متهلّلا: مستبشرا. إعتاب: إرضاء. الدّرّ: اللّبن. ولّيت العقد، أي أعطيت النكاح، أي جعلني أبو الزوجة وليّا لها. أكفلت النقد، أي جعلت كفيلا على أخذه، والكفيل: الضامن، أو يكون معنى أكفلت: ضمن لي وأعطيت كفيلا. والنّقد: المال الحاضر. وكأن قد، أي وكأن قد أحضر المال وتيسّر النكاح. الخوان: المائدة. أذّن: صاح. لبى: أجاب وقال: لبيك. الأصطرلاب: آلة للمنجّمين يأخذون بها الأوقات. يلحظ: ينظر. التقويم: التعديل. غشي النوم: غطّى العيون وخمرها. ضع الفاس في الرأس، أي اقصد إلى عين الخبر، وهي كلمة تقال عند التوكيد في العزم على الأمر، ومعناه: اقطع ما تريده من الأمر وافعله. والذي نظر نظرة في النجوم، هو إبراهيم ﵇، لأنه تفكر ما الذي يصرفهم عنه إذا كلّفوه الخروج معهم، فقال: إني سقيم. انتشط: انحلّ. والعقلة: ما ينشب فيها الإنسان فتعقله، ويقال: لفلان عقلة يعتقل بها الناس، وذلك إذا صارعهم عقل أرجلهم. والوجوم: العبوس والحزن الشديد، أراد أنه كان في تقويمه طالع نحس، فكان معبّسا حزينا، فلما زالت ساعته ودخلت ساعة طالع سعد، استبشر وزال عبوسه، وإنما عقد هذا النكاح ليلا لأن قصده المكر، ولأنهم كانوا يختارون نكاح آخر النهار على أوله. قال بعض العلماء: ذهبوا في ذلك إلى اتّباع السنة في الفأل، فآثر الناس استقبال الليل بعقد النكاح، تيمّنا بما فيه من الهدوّ والاجتماع على صدر النهار، لما فيه من التفرق والانتشار، وذهبوا إلى تأويل القرآن لأن الله سمّى الليل في كتابه سَكَناً [الأنعام: ٩٦]، وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً [الفرقان: ٤٧] كما يستحبون النكاح يوم الجمعة للاجتماع، وقال الشاعر: [الوافر] ويوم الجمعة التنعيم فيه ... وتزويج الرّجال من النساء الطور: جبل موسى ﵇ الذي آنس من جانبه النّار وكلّمه الله عنده. سرّ هذا الأمر، أراد ما أضمره لهم من الخداع، أي أنه سينكشف ويتحدّث به إلى يوم القيامة. جثا: يجثو جثوا: جلس على ركبتيه. استرعى: استدعى. الأسماع: الآذان، ويقال: أرعني سمعك، أي اسمع مني، وأخل أذنيك لاستماع حديثي. *** وقال: الحمد لله الملك المحمود، المالك الودود، مصوّر كلّ مولود، ومآل كلّ مطرود، ساطح المهاد، وموطّد الأطواد، ومرسل الأمطار، ومسهّل الأوطار، عالم الأسرار ومدركها، ومدمّر الأملاك ومهلكها، ومكوّر الدّهور ومكرّرها، ومورد الأمور ومصدرها. عمّ سماحه وكمل، وهطل ركامه وهمل، وطاوع السّؤل

стр. 845

والأمل. وأوسع المرمل والأرمل. أحمده حمدا ممدودا مداه، وأوحّده كما وحّده الأوّاه، وهو الله لا إله للأمم سواه، ولا صادع لما عدّله وسوّاه. أرسل محمدا علما للإسلام، وإماما للحكّام، ومسدّدا للرّعاع، ومعطّلا أحكام ودّ وسواع، أعلم وعلّم، وحكم وأحكم، وأصّل الأصول ومهّد، وأكّد الوعود وأوعد؛ واصل الله له الإكرام، وأودع روحه دار السّلام، ورحم آله وأهله الكرام؛ ما لمع آل، وملع رال، وطلع هلال، وسمع إهلال. *** قوله: مآل، أي ملجأ. مطرود: منفيّ. ساطح: باسط. المهاد: الأرض. موطّد الأطواد: مثبّت الجبال. والأوطار: الحاجات. مدمّر الأملاك: أي مهلك الملوك، والأملاك: جمع ملك. [التطير من الدنيا والزهد فيها] وهذا كما قال عدي بن زيد: [الخفيف] أين كسرى كسرى الملوك أنوشر ... وان أم أين قبله سابور (١) وبنو الأصفر الكرام ملوك الرّوم ... لم يبق منهم مذكور وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور وتفكّر ربّ الخورنق إذ أش ... رف يوما وللهدى تذكير لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور ثم بعد القلاع والملك والإم ... رة وارتهم هناك القبور ثم راحوا كأنهم قصب جفّ ... فألوت به الصّبا والدّبور وقال الأسود بن يعفر: [الكامل] ولقد علمت لو أنّ علمي نافعي ... أن السبيل سبيل ذي الأعواد (٢) ماذا أؤمل بعد آل محرّق ... تركوا منازلهم وبعد إياد
следующие страницы →