ودنا الفصح فالولائد ينظم ... ن سراعا أكلّة المرجان
فبكى حتى سالت الدموع على لحيته، ثم قال لي: وهذا لحسان أيضا، ثم أنشأ يقول: [الطويل]
تنصّرت الأشراف من أجل لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنّفني فيها لجاج ونخوة ... وبعت بها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أميّ لم تلدني وليتني ... رجعت إلى الأمر الذي قال لي عمر
ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة ... وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر
ويا ليت لي بالشأم أدنى معيشة ... أجالس قومي ذاهب السمع والبصر
ثم سألني عن حسان، أحيّ هو؟ قلت: نعم. ثم أمر بمال وكسوة ونوق موقورة برّا، وقال: أقرئه سلامي، وادفع له هذا إن وجدته حيّا، وإن وجدته ميّتا، فادفعه إلى أهله، وانحر الجمال على قبره.
قال: فلما قدمت على عمر أخبرته الخبر، فقال: هلّا ضمنت له الأمر، فإذا أسلم قضى الله علينا بحكمه! ثم بعثت إلى حسان، فأقبل وقد كفّ بصره، فلما دخل قال: يا أمير المؤمنين إني وجدت ريح آل جفنة، قال: نعم، هذا رجل أقبل من عنده قال: هات يا بن أخي ما بعث به إليّ معك؟ قلت: وما علمك؟ قال: إنه كريم من عصبة رجال كرام مدحتهم في الجاهليّة، فحلف ألّا يلقى أحدا يعرفني إلا أهدى إليّ معه شيئا. فدفعته إليه وأخبرته بأمره في الإبل، فقال: وددت أني كنت ميتا فنحرت على قبري، ثم أخذها وانصرف وهو يقول: [الكامل]
إنّ ابن جفنة من بقيّة معشر ... لم يغذهم آباؤهم باللّوم
لم ينسني بالشام إذ هو ربّها ... كلّا ولا متنصّرا بالروم
يعطي الجزيل، ولا يراه عنده ... إلا كبعض عطية المذموم
وأتيته يوما فقرّب مجلسي ... وسقي وروّاني من الخرطوم
وذكر أنّ رسول عمر لما أرسله إلى قيصر، قال: وأمرني أن أضمن لجبلة ما شرط، فلمّا قدمت القسطنطينية وجدت الناس منصرفين من جنازته، فعلمت أن الشقاء قد غلب عليه.
وحدّثت أن صاحب برطونة اليوم من ذرّيته. وذكر الثعالبيّ أنه وجد للصّابي فصلا من كتاب استظرفه جدّا، يذكر صلة وصلت إليه من الصاحب، وهو: وصل أطال الله بقاء سيدنا أبو العباس أحمد بن الحسين، وأبو محمد أحمد بن جعفر بن شعيب حاجّين، فعرّجا إليّ ملمّين، وعاجا عليّ مسلّمين، فحين عرفتهما، وقبل أن أردّ السلام عليهما مددت اليد إلى ما معهما، كما مدّها حسان بن ثابت إلى رسول جبلة بن الأيهم، ثقة منّي
стр. 842
بصلته، وشوقا إلى تكرمته، واعتمادا لإحسانه، وألفا لموارد إنعامه، وتيقّنا أن الخطرة مني على باله، مقرونة بالنّصيب من ماله، وأن ذكراه، مشفوعة بجدواه.
رجع ما انقطع. فيريد أنه لو خطب لهؤلاء القوم ابن أدهم على زهده وفضله، أو ابن الأيهم على ملوكيته وعزته لسوّوا بينهما في الصّداق اقتداء بالنبيّ ﷺ .
[المغالاة بالصدقات]
وجاء في الترمذيّ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لا تغالوا في صدقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة أو تقوى عند الله، لكان أولاهم بها نبيّالله ﷺ ، وما أعلم أنّ رسول الله ﷺ نكح شيئا من نسائه، على أكثر من اثنتي عشرة أوقية (١).
قال ابن عيينة: والأوقية عند أهل العلم أربعون درهما، واثنتا عشرة أوقية أربعمائة وثمانون درهما.
وفي غير الترمذي أن النبيّ ﷺ قال: «تياسروا في الصّداق» (٢) وكانت صدقات أزواج النبي ﷺ على عظم قدره، وعلو مرتبته اثنتي عشرة أوقية ونشّا، والنّشّ عشرون درهما، فذلك خمسمائة درهم.
وروي عن عمر ﵁: أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا لا تغالوا في صدقات النساء، فإنه لا يبلغني عن أحد أنه ساق أكثر من شيء ساقه رسول الله ﷺ ، أو سيق إليه إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال. فعرضت له امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، كتاب الله أحق أن يتّبع أو قولك؟ قال: كتاب الله تعالى. ثم قال: فيم ذلك؟
قالت: الله تعالى يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً [النساء: ٢٠]، فقال عمر ﵁: كلّ أحد أفقه من عمر! ثم رجع إلى المنبر، فقال: إني كنت نهيتكم عن أن تغالوا في صدقات النساء، فليفعل كلّ رجل منكم في ماله ما أحبّ (٣).
فرجع عمر عن اجتهاده إلى ما قامت عليه الحجة فأباحه للناس واستعمله في نفسه، فأصدق أم كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب ﵃ أربعين ألفا والقنطار ألف دينار ومائتا دينار؛ إلا أن المياسرة في الصداق أحبّ عند أهل العلم من المغالاة.
ومن الملح في صداق خمسمائة، ما حدّث به ابن أبي شيبة قال: كان حجاج جارنا، فسمعته يقول لأبيه: تزوجت أمي على خمسمائة درهم، وبقيت أنا لك ربحا، فقال له أبوه: من سخنة عين هذا الربح أخشى.
***
стр. 843
قوله: مهر: يقال: مهر المرأة يمهرها، وأمهرها: عيّن لها مهرا. لن تطالب بصداق، أي أن القصة ليس لها حقيقة. فليس ثمّ من يطالبك بصداق ولا طلاق.
حشدك: جمعك، وأصله مصدر، ثم استعمل لجماعة الناس. تفتق: تشق. رتق: غلق والسمع: الأذن.
***
قال الحارث بن همّام: فازدهاني بوصف الخطبة المتلوّة، دون الخطبة المجلوّة؛ حتى قلت له: قد وكلت إليك هذا الخطب؛ فدبّره تدبير من طبّ لمن حبّ. فنهض مهرولا، ثمّ عاد متهلّلا، وقال: أبشر بإعتاب الدّهر، واحتلاب الدّرّ؛ فقد ولّيت العقد، وأكفلت النّقد، وكأن قد ثمّ أخذ في مواعدة أهل الخان، واعداد حلواء الخوان. فلمّا مدّ اللّيل أطنابه، وأغلق كلّ ذي باب بابه، أذّن في الجماعة:
ألا احضروا في هذه السّاعة؛ فلم يبق فيهم إلّا من لبّى صوته، وحضر بيته. فلما اصطفّوا لديه، واجتمع الشاهد والمشهود عليه، جعل يرفع الاصطرلاب ويضعه، ويلحظ التّقويم ويدعه، إلى أن نعس القوم، وغشي النّوم، فقلت له: يا هذا ضع الفاس في الرّاس وخلّص الناس من النّعاس. فنظر نظرة في النّجوم، ثمّ انتشط من عقلة الوجوم، وأقسم بالطّور، والكتاب المسطور؛ لينكشفنّ سرّ هذا الأمر المستور، ولينتشرنّ ذكره إلى يوم النّشور. ثمّ إنّه جثا على ركبته، واسترعى الأسماع لخطبته.
***
ازدهاني: دعاني إلى الزهو، وهو العجب والكبر، أي أعجبت بوصفها، المتلوّة:
المقروءة، الخطبة: الزوجة المخطوبة. المجلوّة: التي كشف وجهها لينظر إليها. وكلت:
أسندت إليك، وجعلتك القائم. الخطب: الأمر.
طبّ: أصلح حال العليل. فيقول: دبّر هذا الأمر تدبير الطبيب أمر حبيبه إذا كان عليلا، وطبّه أي عناه، وقيل: معنى طبّ حذق بالشيء وجاد فيه ذهنه، والطّبّ: الحاذق بالأمر، فيكون معناه، دبّر أمري تدبير المميّز الحاذق أمر حبيبه.
قال ابن الأنباريّ: قولهم: من حبّ طبّ، أي من أحب حذق وفطن واحتال لمن يحب، والطّبّ في اللغة: الحذق والفطنة، ورجل طبيب وطبّ، إذا كانحاذقا، وسمّي الطّبيب لفطنته.
ومعنى حبّ أحبّ. وقال البصريون: لا يقال: حبّ يحبّ، وجاء عنهم: محبوب،
стр. 844
على فعل لا يتكلم به. الكسائي والفراء: يقال: حببت وأحببت، وحبّ في المثل يدلّ على صحته. والبصريون يقولون. حبّ إتباع لطبّ.
مهرولا: مسرعا. متهلّلا: مستبشرا. إعتاب: إرضاء. الدّرّ: اللّبن. ولّيت العقد، أي أعطيت النكاح، أي جعلني أبو الزوجة وليّا لها. أكفلت النقد، أي جعلت كفيلا على أخذه، والكفيل: الضامن، أو يكون معنى أكفلت: ضمن لي وأعطيت كفيلا. والنّقد:
المال الحاضر. وكأن قد، أي وكأن قد أحضر المال وتيسّر النكاح. الخوان: المائدة.
أذّن: صاح. لبى: أجاب وقال: لبيك. الأصطرلاب: آلة للمنجّمين يأخذون بها الأوقات. يلحظ: ينظر. التقويم: التعديل. غشي النوم: غطّى العيون وخمرها. ضع الفاس في الرأس، أي اقصد إلى عين الخبر، وهي كلمة تقال عند التوكيد في العزم على الأمر، ومعناه: اقطع ما تريده من الأمر وافعله.
والذي نظر نظرة في النجوم، هو إبراهيم ﵇، لأنه تفكر ما الذي يصرفهم عنه إذا كلّفوه الخروج معهم، فقال: إني سقيم. انتشط: انحلّ. والعقلة: ما ينشب فيها الإنسان فتعقله، ويقال: لفلان عقلة يعتقل بها الناس، وذلك إذا صارعهم عقل أرجلهم. والوجوم:
العبوس والحزن الشديد، أراد أنه كان في تقويمه طالع نحس، فكان معبّسا حزينا، فلما زالت ساعته ودخلت ساعة طالع سعد، استبشر وزال عبوسه، وإنما عقد هذا النكاح ليلا لأن قصده المكر، ولأنهم كانوا يختارون نكاح آخر النهار على أوله. قال بعض العلماء: ذهبوا في ذلك إلى اتّباع السنة في الفأل، فآثر الناس استقبال الليل بعقد النكاح، تيمّنا بما فيه من الهدوّ والاجتماع على صدر النهار، لما فيه من التفرق والانتشار، وذهبوا إلى تأويل القرآن لأن الله سمّى الليل في كتابه سَكَناً [الأنعام: ٩٦]، وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً [الفرقان: ٤٧] كما يستحبون النكاح يوم الجمعة للاجتماع، وقال الشاعر: [الوافر]
ويوم الجمعة التنعيم فيه ... وتزويج الرّجال من النساء
الطور: جبل موسى ﵇ الذي آنس من جانبه النّار وكلّمه الله عنده. سرّ هذا الأمر، أراد ما أضمره لهم من الخداع، أي أنه سينكشف ويتحدّث به إلى يوم القيامة.
جثا: يجثو جثوا: جلس على ركبتيه. استرعى: استدعى. الأسماع: الآذان، ويقال:
أرعني سمعك، أي اسمع مني، وأخل أذنيك لاستماع حديثي.
***
وقال: الحمد لله الملك المحمود، المالك الودود، مصوّر كلّ مولود، ومآل كلّ مطرود، ساطح المهاد، وموطّد الأطواد، ومرسل الأمطار، ومسهّل الأوطار، عالم الأسرار ومدركها، ومدمّر الأملاك ومهلكها، ومكوّر الدّهور ومكرّرها، ومورد الأمور ومصدرها. عمّ سماحه وكمل، وهطل ركامه وهمل، وطاوع السّؤل
стр. 845
والأمل. وأوسع المرمل والأرمل. أحمده حمدا ممدودا مداه، وأوحّده كما وحّده الأوّاه، وهو الله لا إله للأمم سواه، ولا صادع لما عدّله وسوّاه. أرسل محمدا علما للإسلام، وإماما للحكّام، ومسدّدا للرّعاع، ومعطّلا أحكام ودّ وسواع، أعلم وعلّم، وحكم وأحكم، وأصّل الأصول ومهّد، وأكّد الوعود وأوعد؛ واصل الله له الإكرام، وأودع روحه دار السّلام، ورحم آله وأهله الكرام؛ ما لمع آل، وملع رال، وطلع هلال، وسمع إهلال.
***
قوله: مآل، أي ملجأ. مطرود: منفيّ. ساطح: باسط. المهاد: الأرض. موطّد الأطواد: مثبّت الجبال. والأوطار: الحاجات. مدمّر الأملاك: أي مهلك الملوك، والأملاك: جمع ملك.
[التطير من الدنيا والزهد فيها]
وهذا كما قال عدي بن زيد: [الخفيف]
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر ... وان أم أين قبله سابور (١)
وبنو الأصفر الكرام ملوك الرّوم ... لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور
وتفكّر ربّ الخورنق إذ أش ... رف يوما وللهدى تذكير
لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور
ثم بعد القلاع والملك والإم ... رة وارتهم هناك القبور
ثم راحوا كأنهم قصب جفّ ... فألوت به الصّبا والدّبور
وقال الأسود بن يعفر: [الكامل]
ولقد علمت لو أنّ علمي نافعي ... أن السبيل سبيل ذي الأعواد (٢)
ماذا أؤمل بعد آل محرّق ... تركوا منازلهم وبعد إياد
стр. 846
جرت الرياح على محلّ ديارهم ... فكأنّهم كانوا على ميعاد
ولقد غنوا فيها بأكرم غنية ... في ظلّ ملك ثابت الأوتاد
فإذا النّعيم وكلّ ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاد
الأصمعيّ: أصيب في حفير حول الحيرة تابوت، فيه رجل عليه خفّان، وعند رأسه لوح فيه: أنا عبد المسيح بن حيان بن بقيلة. [الوافر]
حلبت الدهر أشطره حياتي ... ونلت من المنى فوق المزيد
وكافحت الأمور وكافحتني ... ولم أخضع لمعضلة كئود
وكدت أنال بالشّرف الثريا ... ولكن لا سبيل إلى الخلود
دخل أرطأة بن سهيّة على عبد الملك، فقال: كيف حالك؟ - وكان قد أسنّ- فقال: ضعف حالي، وقلّ مالي، وكثر منيّ ما كنت أحبّ أن يقلّ، وقلّ منّي ما كنت أحبّ أن يكثر، قال: فكيف أنت في شعرك؟ فقال: والله ما أغضب، ولا أطرب، ولا أرهب، وما الشعر إلا من نتائج هذه، على أنّي القائل: [الوافر]
رأيت المرء تأكله الليالي ... كأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبغي المنيّة حين تأتي ... على نفس ابن آدم من مزيد
وأعلم أنّها عمّا قليل ... ستوفي نذرها بأبي الوليد
فارتاع عبد الملك، ثم قال: بل توفي نذرها بك، ما لي ولك! قال: يا أمير المؤمنين لا ترع، فما عنيت إلّا نفسي، فقال: أما والله لتلمّنّ بي.
وأبو الوليد كنية لعبد الملك ولأرطأة.
***
والتكوير: إدخال الليل على النّهار والنّهار على الليل، وكوّرت الشيء رددته، ولويت بعضه على بعض. هطل وهمل، معناهما صبّ. الرّكام: السحاب المتراكم.
السّؤل: المطلوب. أوسع: أغنى. المرمل: الذي نفد زاده. الأرمل: الفقير، أو الذي ماتت زوجته، أو التي مات زوجها، يقال لها أرمل وأرملة، ومنع قوم أن يقال للفاقد زوجته: أرمل، وأجازه بعضهم.
مداه: غايته. الأوّاه: إبراهيم ﵇، وهو من التأوّه، وهو التوجّع والتحزّن والنطق بأوّاه أوّاه! صادع: مفسد، والصدع: الشقّ في زجاجة أو حائط. علما، أي إماما يهتدى به. مسدّدا: مصلحا. والرعاع: السقاط والضّعفة من الناس. ودّ وسواع: صنمان.
حكم: قضى. أحكم: أتقن. أصّل: ثبّت الأصول. مهّد: سوّى ووطّأ. الوعود: جمع وعد. أوعد: هدّد وخوّف. واصل: داوم. أودع روحه دار السلام: أدخلهالجنة. آل:
стр. 847
سراب. ملع: أسرع. رال: فرخ النعام. إهلال: رفع الصوت بالتلبية بمكة.
***
اعملوا رعاكم الله أصلح الأعمال، واسلكوا مسالك الحلال، واطّرحوا الحرام ودعوه، واسمعوا أمر الله وعوه، وصلوا الأرحام وراعوها، وعاصوا الأهواء واردعوها، وصاهروا لحم الصّلاح والورع؛ وصارموا رهط اللهو والطّمع.
ومصاهركم أطهر الأحرار مولدا، وأسراهم سؤددا، وأحلاهم موردا، وأصحّهم موعدا. وها هو أمّكم، وحلّ حرمكم، مملكا عروسكم المكرّمة، وماهرا لها كما مهر الرّسول أمّ سلمة، وهو أكرم صهر أودع الأولاد، وملّك ما أراد، وما سها مملكه ولا وهم؛ ولا وكس ملاحمه ولا وصم، أسأل الله لكم إحماد وصاله ودوام إسعاده، وألهم كلّا إصلاح حاله والإعداد لمعاده. وله الحمد السّرمد، والمدح لرسوله محمد.
***
اطّرحوا: اتركوا وارموا به. عوه: احفظوه. الأرحام: القرابات، الواحد رحم، والأرحام من النساء الواحد رحم، راعوها: احفظوها وحاموا عليها. الأهواء: دواعي النفس. اردعوها: كفّوها. صاهروا: ناكحوا. لحم: قرابات، ولحمة النسب: التحام القرابة وانضمامها. صارموا: قاطعوا. مصاهركم: ختنكم المتزوّج إليكم. أسراهم:
أشرفهم وأكثرهم مروءة، وقد سري فهو سريّ. أمّكم: قصدكم. حلّ: نزل. حرمكم:
بلدكم وموضعكم، الذي هو كالحرم في أمته. مملكا: متزوّجا، والإملاك: التزويج الذي تملك به المرأة.
قال ابن هشام: أمّ سلمة بنت أمية بن المغيرة، تزوّج بها رسول الله ﷺ قبل وقعة بدر في سنة اثنتين من التاريخ، واسمها هند بنت أمية زاد الركب بن المغيرة، وفي حديث أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ تزوج أمّ سلمة على متاع قيمته عشرة دراهم.
سها: أخطأ. مملكه: منكحه الذي أعطاه وليّته. وكس: غبن، ووهم في الحساب: غلط فيه، وملاحمه: أي مصاهره. وصم: عيب، والوصم: العيب، وأحمد الرجل احمادا، أي صار أمره إلى الحمد، أراد أنه من أهل الأحساب فلا ينقص من يصاهره. الإعداد للمعاد، أي الاستعداد لليوم الذي يعاد فيه إلى نشأته الأولى. السّرمد:
الدائم. والرسول: الذي يتابع أخبار الذي بعثه، أخذا من قولهم: جاءت الإبل أرسالا، أي متتابعة، ويثنّى رسولان، ويجمع رسل. ومنهم من يوحده في كل حال، قال الله تعالى: إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ [الأعراف: ١٠٤] وحده، لأنه في معنى الرسالة، وأنشد: [الطويل]
стр. 848
فأبلغ أبا بكر رسولا سريعة ... فما لك يا بن الحضرميّ وماليا (١)
قال الفراء ﵀ وحدّه اكتفاء بالرسول من الرسولين، وأنشد: [المتقارب]
ألكني إليها وخير الرسو ... ل أعلمهم بنواحي الخبر (٢)
أراد الرّسل، فاكتفى بالواحد عن الجمع.
***
[من خطب النكاح]
وإذ كملت الخطبة فلنسق من خطب النكاح ما يحسن بالوضع.
ومن مشاهير الخطب فيه خطبة أبي طالب في تزويج النبي ﷺ من خديجة ﵂ وهي:
الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وجعل لنا حرما آمنا وبيتا محجوجا، وجعلنا الحكام على الناس. ثم إن محمد بن عبد الله ابن أخي، ممّن لا يوازن فتى في قريش إلا رجح به برّا، وفضلا، وكرما وعقلا، ومجدا ونبلا، وإن كان في المال قلّ فإنما المال ظلّ زائل، وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك وما أحببتم من الصّداق فعليّ.
فهذه الخطبة من أفضل خطب الجاهلية.
وعن يحيى بن أكثم: أراد المأمون أن يزوج ابنته من عليّ الرضا، فقال: يا يحيى تكلم، فأجللت أن أقول: أنكحت؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت الحاكمالأكبر والإمام الأعظم، وأنت أولى بالكلام، فقال:
الحمد لله الذي تصاغرت الأمور بمشيئته، ولا إله إلا الله إقرارا بربوبيته، وصلى الله على سيدنا محمد عند ذكره وعترته. أما بعد، فإن الله سبحانه قد جعل النكاح دينا، ورضيه حكما، وأنزله وحيا، ليكون سببا للمناسلة وإني قد زوّجت ابنة المأمون من عليّ ابن موسى الرضا، وأمهرتها أربعمائة دينار، اقتداء بسنة رسول الله ﷺ ، وانتهاء إلى ما درج إليه السلف الصالح، والحمد لله رب العالمين.
وحضر المأمون إملاكا وهو أمير، فسأله من حضر أن يخطب، فقال: الحمد لله، والصلاة على المصطفى رسوله، وخير ما عمل به كتاب الله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ [النور: ٣٢]، ولو لم يكن في المناكحة آية منزّلة ولا
стр. 849
سنة متّبعة إلّا ما جعل الله في ذلك من تأليف البعيد، وبرّ القريب، لسارع إليه الموفّق المصيب، وبادر إليه العاقل اللبيب.
وفلان قد عرفتموه في نسب لم تجهلوه، خطب إليكم فتاتكم فلانة، وقد بذل لها من الصداق كذا، فشفّعوا شافعنا، وأنكوا خاطبنا، وقولوا خيرا تحمدوا عليه وتؤجروا فيه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وخطب رجل من بني أمية إلى عمر بن عبد العزيز أخته، فأطال، فقال عمر:
الحمد لله ذي الكبرياء، وصلّى الله على محمد خاتم الأنبياء، أما بعد فإن الرغبة منك دعت إلينا، وإن الرغبة منا فيك أجابت بنا، وقد أحسن بك ظنا من أودعك كريمته، واختارك ولم يختر عليك، وقد زوّجناك على كتاب الله تعالى، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
وكان الحسن البصريّ ﵀ يقول في خطبة النكاح بعد الحمد والثناء.
أما بعد فإن الله تعالى جمع لهذا النكاح الأرحام المنقطعة، والأنساب المفترقة، وجعل ذلك في سنة من دينه، ومنهاج من أمره، وقد خطب فلان إليكم، وعليه وعليكم من الله نعمة، وهو يبذل من الصدق كذا، فاستخيروا الله، وردوا خيرا، يرحمكم الله!
الأصمعي ﵀: كانوا يستحسنون من الخاطب أن يطيل ليدل على الرغبة، ومن المخطوب إليه الإنجاز ليدل على الإجابة.
***
فلمّا فرغ من خطبته البديعة النّظام، العريّة من الإعجام، عقد العقد على الخمس المئين، وقال لي: بالرّفاء والبنين. ثمّ أحضر الحلواء التي كان أعدّها، وأبدى الآبدة عندها. فأقبلت إقبال الجماعة عليها، وكدت أهوي بيدي إليها، فزجرني عن المؤاكلة، وأنهضني للمناولة؛ فو الله ما كان بأسرع من تصافح الأجفان، حتّى خرّ القوم للأذقان. فلمّا رأيتهم كأعجاز نخل خاوية، أو كصرعى بنت خابية؛ علمت إنّها لإحدى الكبر، وأمّ العبر؛ فقلت له: يا عديّ نفسه، وعبيد فلسه، أعددت للقوم حلوى، أم بلوى؟ فقال: لم أعد خبيص البنج، في صحاف الخلنج. فقلت: أقسم بمن أطلعها زهرا، وهدى بها السّارين طرّا؛ لقد جئت شيئا نكرا، وأبقيت لك في المخزيات ذكرا!
***
стр. 850
قوله: البديعة النظام: أي الغريبة التأليف. العريّة من الإعجام، أي العاطلة من النقط. الرّفاء: السكون والالتحام، ويدعى للمتزوّج، فيقال له بالرّفاء والبنين، أي بالاتفاق مع الزوجة ووجود البنين مما يكون منها، وهو من رفأت الثوب، إذا ضممت بعضه إلى بعض، ومن رفوت الرّجل إذا سكنته، قال أبو زيد ﵀: هو من المرافاة غير مهموز، وهي الموافقة.
تزوّج عقيل بن أبي طالب فقيل له: بالرّفاء والبنين، فقال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رفأ أحدكم أخاه فليقل: على الخير والبركة، بارك الله لك وبارك عليك» (١).
الآبدة: الداهية، وجاء بآبدة، أي بكلمة أو خصلة وحشية منكرة، واشتقاقه من الأوابد، وهي الوحش، وكذلك الآبد، يقال: أبد الشاعر، إذا أتى بالعويص في شعره، فمعنى أبدى الآبدة، أي أظهر الداهية التي يبقى ذكرها على الأبد. زجرني: نهاني.
أنهضني: أقامني وقدّمني. المناولة: إعطاء الطعام. تصافح الأجفان: غلقها وفتحها بسرعة، كقولك: طرفة العيون. خروا للأذقان، أي سقطوا على وجوههم، والذّقن مجمع اللّحيين يعبّر به عن الوجه، لأن العرب تسمّي الشيء ببعض ما فيه، وإذا خرّ على وجهه، فأقرب شيء إلى الأرض ذقنه، فخصّه بالذّكر لهذا، قال الله تعالى: يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً [الإسراء: ١٠٧] أعجاز: أصول. خاوية: فارغة متأكّلة، ويقال: خاوية ساقطة بالية. صرعى: قتلى، وأراد به السكارى، وبنت الخابية: هي الخمر، ومعنى الخابية التي تخبأ فيها الأشياء، مأخوذ من خبأت، فبنيت على ترك الهمز، ويقال: خبأت الشيء وخبّأته وخبّيته، وقرأت الشيء وقريته. إحدى الكبر: واحدة من الكبائر. أم العبر: أي أعظم الدواهي، وما يتّعظ به. لم أعد: لم أتجاوز. الخبيص: نوع من الحلواء. البنج:
نبات يسكر منه، وهو لبن الخشخاش البريّ المعروف بالأفيون. والخلنج: ضرب من الخشب. زهرا: مضيئة، يعني الكواكب. السارين: الماشين بالليل. طرّا: جمعا. نكرا:
منكرا. والمخزيات: جمع مخزية، وهي الخصلة الرديئة يختزي صاحبها متى ذكرت له، والخزي الهوان.
***
ثمّ حرت فكرة في صيّور أمره، وخيفة من عدوى عرّه، حتى طارت نفسي شعاعا، وأرعدت فرائصي ارتياعا. فلمّا رأى استطارة فرقي، واستشاطة قلقي،
стр. 851
قال: ما هذا الفكر المرمض، والرّوع المومض؟ فإن يكن فكرك في أجلي، من أجلي؛ فأنا الآن أرتع وأطفر، وأقوي هذه البقعة منّي وأقفر، وكم مثلها فارقتها وهي تصفر؛ وإن يكن نظرا لنفسك، وحذرا من حبسك، فتناول فضالة الخبيص؛ وطب نفسا عن القميص؛ حتّى تأمن المستعدي والمعدي، ويتمهّد لك المقام بعدي؛ وإلا فالمفرّ المفرّ؛ قبل أن تسحب وتجرّ: ثم عمد لاستخراج ما في البيوت، من الأكياس والتخوت. وجعل يستخلص خالصة كلّ مخزون، ونخبة كلّ مذروع وموزون؛ حتى غادر ما ألغاه فخّه، كعظم استخرج مخّه.
***
صيّور: آمال ورجوع، أي ما يصير إليه أمره. عدوى عرّه، أي انتقال ضرره، والعرّ: الجرب، والعدوى انتقال المرض إلى الصحيح، ومعناه عند العرب: إذا كان الجرب بواحدة من الإبل سرى في غيرها، وفي الصحيح قال رسول الله ﷺ : «لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة، ولا يورد ممرض على مصحّ». فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل التي تكون في الرمل، كأنّها الظباء فيجيء البعير الأجرب فيدخل فيها فيجربها كلّها؟ وقال فمن أعدى الأوّل. وقال النابغة: [الطويل]
فلا تتركنّي بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطليّ به القار أجرب (١)
فأراد أنّه خاف أن يؤخذ بذنب السّروجيّ. شعاعا: متفرقة في كلّ جهة، يقال نفس شعاع، أي تفرقت همّتها، ورأي شعاع، أي متفرّق. والفرائص: جمع فريصة، وهي بضعة عند الكبد ترعد عند الفزع، قال امرؤ القيس: [الطويل]
* وترعد منهنّ الكلى والفريص* (٢)
ارتياعا: فزعا. استطاره فرقي: انتشار فزعي. واستشاطة: التهاب واحتراق.
المرمض: المحرق، وهو من لفظ الرّمضاء. والرّوع: الفزع. المومض: الذي يدع صاحبه مبهوتا شاخص البصر من شدته، وأومضت المرأة بعينها إذا برقت. الأجل،
стр. 852
بالتحريك: التأخير؟ وبتسكينها الجناية يقول: إن تفكّرت في تأخيري من الهرب بسبب جنايتي، فالآن أجمع أموالهم وأفرّ، قال الفنجديهيّ إن يكن فكرك في أجلي، أي في جنايتي، يقال: أجل الرّجل عليهم شرّا يأجل ويأجل أجلا أي جناية. وهيّجه من أجلي أي من جرّائي. أرتع: آكل أموالهم. أطفر: أفر هاربا، وطفر: وثب وسار مسرعا. أقوي. وأقفر: معناهما أخلي موضعي، وأقفر الرجل من أهله: انفرد عنهم وبقي وحده والدّار خلت وكذلك أقوت وقويت وأقفرت الأرض من الكلأ، ورأسه من الشعر، وجسده من اللّحم، وأقوى وأقفر لا يتعدّيان. تصفر: تصوت، وهذا عجز بيت لتأبّط شرّا، وصدره: [الطويل]
* فأبت إلى فهم وما كدت آئبا (١) *
تصفر، أي تنفخ ندما على فوتي، والنادم على الشيء يتابع النفخ، يقول: كم مثل هذه الخصلة فارقتها، وهي تصفر تندّما على ما فاتها. تناول: خذ. فضالة:
بقية. طب نفسا، عنه، أي لتكن نفسك طيبة على فقده، فإنّك إذا أكلت الخبيص، سكرت فجرّدتك فصرت في جملة من أكل ماله فتأمن بذلك. المستعدي: هو الشاكي. والمعدي: هو الحاكم، ويقال: استعديت الحاكم فأعداني، أي استعنته فأعانني. يتمهّد: يتوطّأ. المفرّ المفرّ: أي بادر الفرار، وتسحب، هو تجرّ.
الأكياس: أوعية الدراهم والدنانير. التّخوت: أوعية الثياب. يستخلص: يختار.
خالصة: خيار، وكذلك نخبة. مذروع: مكيل بالذّراع، يعني الثياب. موزون: يعني الجواهر وما في معناها ممّا يباع بالوزن، مثل العطريات وغيرها من شبهها. الفخّ: آلة للصيد يحسن أن يكنى به عن المكيدة.
***
فلمّا همّن ما اصطفاه ورزّم، وشمّر عن ذراعيه وتحزّم؛ أقبل عليّ إقبال من لبس الصّفاقة، وخلع الصداقة، وقال: هل لك في المصاحبة إلى البطيحة، لأزوّجك بأخرى مليحة. فأقسمت له بالذي جعله مباركا أينما كان، ولم يجعله ممّن خان في خان؛ إنّه لا قبل لي بنكاح حرّتين، ومعاشرة ضرّتين. ثم قلت له
стр. 853
قول المتطلّع بطباعه، الكائل له بصاعه: قد كفتني الأولى فخرا، فاطلب آخر للأخرى.
فتبسّم من كلامي، ودلف لالتزامي. فلويت عنه عذاري، وأبديت له ازوراري، فلمّا بصر بانقباضي، وتجلّى له إعراضي أنشد:
***
همّن: شدّه بالهميان وهو نوع من التّكة. اصطفاه: اختاره. رزّم: جعله رزمة، والرّزمة في كلام العرب: التي فيها ضروب من الثياب وأخلاط يقال: رازم الرجل في أكله، إذا أخلط بعضه ببعض، ورازمت علف الدّابة: خلطته، وقد يريد به ما شدّ على وسطه من المال بهميانه. الصفافة: صلابة الوجه. خلع: أزال.
البطيحة: قرية عامرة بقرب البصرة من جهة واسط، وبينها وبين البصرة وواسط جهة كبيرة، تعرف بالبطاح وتتوسطها البطيحة.
معاشرة ضرتين: مصاحبة زوجين. المتطبّع بطباعه: المتخلّق بخلقه. الكائل له بصاعه، أي الذي أعطاه من الهزل مثل ما أعطاه. دلف: أسرع. التزامي: معانقتي وضمي له. لوبت: عطفت، أي أعرضت عنه بوجهي. ازوراري: انقباضي. تجلّى: ظهر.
إعراضي: تركي إقبالي عليه. [مجزوء الكامل]
***
يا صارفا عنّي المودّ ... ة والزّمان له صروف
ومعنّفي في فضح من ... جاورت تعنيف العسوف
لا تلحني فيما أتي ... ت فإنّني بهم عروف
ولقد نزلت بهم فلم ... أرهم يراعون الضيوف
وبلوتهم فوجدتهم ... لمّا سبكتهم زيوف
ما فيهم إلّا مخي ... ف إن تمكّن أو مخوف
لا بالصفّي ولا الوفيّ ... ولا الحفي ولا العطوف
فوثبت فيهم وثبة الذّئ ... ب الضّريّ على الخروف
وتركتهم صرعى كأنّهم ... سقوا كأس الحتوف
وتحكّمت فيما اقتنو ... هـ يدي وهم رغم الأنوف
***
صارفا: منحنيا: المودّة: المحبّة. صروف: دفوع. معنّفي: موبخي ولائمي.
стр. 854
فضح: كشف. والعسوف: الآخذ بجهالة قبل التجربة. تلحني: تلمني. يراعون:
يحفظون حقوقهم. بلوتهم: خبرتهم، ومثله سبكتهم. زيوف: دراهم رديئة، يريد أنهم قوم لا خير فيهم. مخيف: مضرّ مفزع. إن تمكّن: ارتفع وكانت له مكانة. مخوف: لا يقدم عليه خوف ضرره. الصّفي الوفيّ. الصادق الود. الحفيّ: المكرم لصديقه المعتني به. العطوف: الرحيم. الضريّ: المعتاد الذي ضري أخذ الخرفان. صرعى: مطرحون على الأرض. والحتوف: جمع حتف وهو الهلاك. اقتنوه: اكتسبوه. رغم: إذلال.
***
[مجزوء الكامل]
ثمّ انثنيت بمغنم ... حلو المجاني والقطوف
ولطالما خلفت مك ... لوم الحشا خلفي يطوف
ووترت أرباب الأرا ... ئك والدّرانك والسّجوف
ولكم بلغت بحيلتي ... ما ليس يبلغ بالسيوف
ووقفت في هول ترا ... ع الأسد فيه من الوقوف
ولكم سفكت وكم فتك ... ت وكم هتكت حمى أنوف
وكم ارتكاض موبق ... لي في الذّنوب وكم خفوف
لكنّني أعددت حس ... ن الظّن بالمولى الرءوف
***
انثنيت، أي رجعت. المجاني: ما يجنى من الثمار. والقطوف: ما يقتطف منها، وهي جمع قطف وهو العنقود. خلّفت: تركت خلفي. مكلوم: مجروح. الحشى:
إسقاط الجوف. وترت: أخذت منهم ثأري وحقي. أرباب الأرائك: أصحاب الأسرّة.
والدرائك: البسط. السّجوف: جمع سجف، وهو الستر، والأرائك: جمع أريكة، والدّرانك واحدها درنوك. الهول: الأمر المفزع. تراع: تفزع، وفيه: متعلقه وقوف، يريد أن الأسد تفزع أن تقف في الهول الذي وقف فيه. سفكت: قتلت. فتكت: عتيت.
هتكت. قطعت. رحمي: ما يحمي ويمنع. أنوف: كثير الأنفة والحمية. ارتكاض: جري واضطراب وتحرّك. موبق: مهلك. خفوف: إسراع. الرءوف: الكثير الرفق والرحمة.
[الاعتراف بالذنب والطمع في رحمة الله]
قال ابن رشيق في معنى هذا الخروج بعد تعديد ذنوبه: [البسيط]
إذا أتى الله يوم الحشر في ظلل ... وجيء بالأمم الماضين والرسل
وحاسب الخلق من أحصى بقدرته ... أنفاسهم وتوفّاهم إلى أجل
стр. 855
ولم أجد في كتابي غير سيئة ... تسوءني وعسى الإسلام يسلم لي
رجوت رحمة ربّي وهي واسعة ... ورحمة الله أرجى لي من العمل
ولابن لنكك: [الوافر]
إذا خفق اللواء عليّ يوما ... وقد أخذ امرؤ القيس اللواء
رجوت الله لا أرجو سواه ... لعلّ الله يرحم من أساء
وقال ابن الزّقاق: [المجتث]
يا عالم السرّ مني ... اصفح بفضلك عنّي
منّيت نفسي بعفو ... مولاي منك ومنّي
وكان ظني جميلا ... فكن إذا عند ظنّي
وقال رسول الله ﷺ حاكيا عن الله تعالى: «أنا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي ما يشاء» (١).
توفي رجل على عهد رسول الله ﷺ ، وكان مسرفا على نفسه، فلما حضرته الوفاة رفع رأسه فإذا أبواه يبكيان عليه، فقال لهما: ما يبكيكما؟ قالا: نبكي لإسرافك على نفسك، قال: فلا تبكيا، فو الله ما يسرني أن الذي بيد الله من أمري بأيديكما. فأتى جبريل ﵇ النبيّ ﷺ فأخبره أن فتى توفّي اليوم، فأشهده فإنه من أهل الجنة، فاستكشف رسول الله ﷺ أبويه عن عمله، فقالا: ما علمنا عنده شيئا من خير إلا أنه قال عند الموت كذا.
قال: من هاهنا أتي حسن الظنّ بالله من أفضل العمل عنده (٢).
وعن أنس ﵁ قال النبي ﷺ : «لا يموتنّ أحدكم حتى يحسن ظنه بالله تعالى، فإن حسن الظنّ ثمن الجنة» (٣).
أبو هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: «حسن الظنّ من حسن العبادة» (٤).
стр. 856
وكان محمد بن نافع الواعظ صديقا لأبي نواس، قال: فلما بلغني موته أشفقت عليه، فرأيته في النوم، فقلت: أبا نواس، فقال: لات حين كناية! قلت: الحسن، قال:
نعم، قلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر الله لي، قلت: بأيّ شيء؟ قال: بتوبة تبتها قبل موتي، بأبيات قلتها، قلت: أين هي؟ قال. عند أهلي. فسرت إلى أمّه، فلما رأتني أجهشت بالبكاء، فقلت: إني رأيت كذا، فكأنها سكنت، وأخرجت إليّ كتبا مقطعة، فوجدت بخطه كأنه قريب: [الكامل]
يا ربّ إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأنّ عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الّذي يدعو ويرجو المجرم
أدعوك ربّ كما أمرت تضرّعا ... فإذا رددت يدي، فمن ذا يرحم!
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل ظنّي، ثم إني مسلم
وإنما قال: «لات حين كناية» لأنّ العرب لا تكني الميت إنما تدعوه باسمه، قال الراجز: [الرجز]
وقام نسوة بجنب حفرتي ... بنات أختي وبنات إخوتي
* يدعون باسمي وتناسوا كنيتي*
وقال آخر: [الطويل]
فقد جعلت تدعى كلاب بن جعفر ... بأسمائها لأبا لكنى لا تجيبها
***
قال: فلمّا انتهى إلى هذا البيت لجّ في الاستعبار، وألظّ بالاستغفار، حتّى استمال هوى قلبي المنحرف، ورجوت له ما يرجى للمقترف المعترف. ثمّ إنّه غيّض دمعه المنهلّ، وتأبّط جرابه وانسلّ، وقال لابنه: احتمل الباقي، والله الواقي.
قال المخبر بهذه الحكاية: فلمّا رأيت انسياب الحيّة والحييّة، وانتهاء الدّاء إلى الكيّة، علمت أن تريّثي بالخان، مجلبة للهوان، فضممت رحيلي، وجمعت للرّحلة ذيلي، وبت ليلتي أسري إلى الطّيب، وأحتسب الله على الخطيب.
***
قوله: لجّ في الاستعبار، أي أكثر في البكاء. ألظّ: ألحّ، وألظّ به: دار عليه.
استمال: استعطف وأماله إليه. المنحرف: المائل عنه. المقترف: المكتسب الإثم، ويقال: قرف فلان فلانا، إذا ألصق به عيبا وكسبه ذنبا، واقترف فلان ذنبا، أي اكتسبه وألصقه بنفسه. المقترف: المقرّ بذنبه.
стр. 857
أبو هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ : «إن لله ملائكة يترحّمون على المقرّين على أنفسهم بالذّنوب».
وروى أبو ذرّ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: «ابن آدم إنك إن يبلغ ذنبك عنان السماء، ثم تستغفرني أغفر لك ولا أبالي» (١). غيّض: جفّف وغيّب، من غيض الماء إذا انتقص وجفّ. المنهلّ: السائل. تأبط: أي جعله تحت إبطه. انسلّ: خرج مخفيا نفسه متحرزا أن يراه أحد. انسياب: مشي لا يحسّ به. الحيّة: يعني الشيخ، وسماه حية لإذايته أهل الخان بالبنج: فجعله كسم الحية فيمن ألقته، ويقال أيضا في تصغير الحية حويّة، وأصلها الواو لأنها من تحوّت أي تلوّت، وقيل: هي من الحياة لطول عمرها.
انتهاء الداء إلى الكيّة: مثل يضرب لانتهاء الداء إلى أقصاه، تقول العرب: آخر الطبّ الكي، تريد أنّ المريض يعالج بكلّ دواء فلا يوافقه فإذا عولج بالكي لم يبق بعده دواء، وإلا فهو الموت، فيريد أنه إن أقام بعدهما انتهى إلى هوان وعذاب. وتريّثي: تثبطي، وتريّث بالمكان: أطال الجلوس فيه، مجلبة، أي سبب جلبه وسوقه رحيله: يريد متاعه وصغّره لفقره وقلّة ما عنده، ورحل الإنسان ماله ومتاعه في السفر، أسري: أمشي بالليل.
الطيّب: قرية بالعراق بمقبرة واسط بينها وبين البطيحة المتقدمة، وسميت الطّيب لطيب هوائها وخصبها.
احتسب: أدعو وأقول: حسيبه الله، ومجازيه على قبيح أفعاله، والاحتساب طلب الأجر، فمعنى أحتسب الله على الخطيب، طلب إلى الله تعالى الثواب بإنكاري على الخطيب، والله تعالى ربّي عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 858
المقامة الثلاثون وهي الصّوريّة
حكى الحارث بن همّام، قال: ارتحلت من مدينة المنصور، إلى بلدة صور؛ فلمّا حصلت بها ذا رفعة وخفض، ومالك رفع وخفض؛ تقت إلى مصر توقان السقيم إلى الأساة، والكريم إلى المواساة؛ فرفضت علائق الاستقامة، ونفضت علائق الإقامة، واعروريت ظهر ابن النّعامة، وأجفلت نحوهاإجفال النّعامة. فلمّا دخلتها بعد معاناة الأين، ومداناة الحين، كلف بها كلفت النّشوان بالاصطباح، والحيران بتنفّس الصّباح.
***
[أبو جعفر المنصور]
قوله: مدينة المنصور، هي بغداد، والمنصور هو أمير المؤمنين أبو جعفر بن محمد ابن عليّ بن عبد الله بن عباس، استخلف بعد أخيه السفاح، وبويع له يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين ومائة. وهو ابن إحدى وأربعين سنة وعشرة أشهر، وكان حاجّا وقت وفاة السفاح، فعقد له البيعة عمّه موسى بن عليّ بن عبد الله بالأنبار، وورد الخبر على المنصور في أربعة عشر يوما.
وقد بشّر به النبي ﷺ ، ونظر إلى عمه العباس، فقال: هذا عمي أبو الخلفاء الأربعين أجود قريش كفّا، ومن ولده السّفاح والمنصور والمهدي.
وقال المنصور: رأيت في المنام كأني في المسجد الحرام، فنودي: أين عبد الله؟
فقمت أنا عبد الله بن يحيى نستبق، حتى وصلنا إلى الدرجة العليا، فجلس هو وأخذ بيدي، فأصعدت، وأدخلت الكعبة، فإذا رسول الله ﷺ جالس ومعه أبو بكر وعمر وبلال. قال. فأقعدني وأوصاني بأمّته، عممني، فكان كورها ثلاثا وعشرين كورا، وقال:
خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة.
وقال المنصور: الخليفة لا يصلحه إلا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة، والرعيّة لا يصلحها إلّا العدل، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه.
стр. 859
وولد المنصور في سنة خمس وتسعين في اليوم الذي مات فيه الحجاج، ومات بمكة ببئر ميمون لستّ خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة.
***
[مدينة صور]
صور: مدينة بالشأم، بينها وبين دمشق ثلاثون فرسخا.
وقال شيخنا ابن جبير: مدينة صور يضرب بها المثل في الحصانة، لا تلقي لطالبها بيد طاعة ولا استكانة، قد أعدّها الإفرنج مفزعا لحادثة زمانهم، وجعلوها مثابة لأمانهم.
وحصانتها ومناعتها أعجب ما يحدّث به، وذلك أنّها راجعة إلى بابين، أحدهما في البر والثاني في البحر، والبحر يحيط بها إلا من جهة واحدة، فالبري يفضي إليها بعد ولوج ثلاث أبواب أو أربعة، كلها في ستائر مشيدة محيطة بالباب، والبحريّ يدخل إليه بين برجين مشيّدين إلى مرسى له، ليس في البلاد أعجب منه وصفا، يحيط به سور المدينة من ثلاثة جوانب، ويحدق به من جانب آخر جدار معقود بالجصّ، والسفن تدخل تحت السّور وترسي فيه، ويعترض من البرجين المذكورين سلسلة عظيمة معقودة تمنع عند اعتراضها الداخل والخارج، ولا مجال للمراكب إلا عند إزالتها، وعلى الباب حرّاس، لا يدخل الداخل ولا يخرج إلا على أعينهم، فشأن هذا المرسى شأن عظيم، وعند الباب البرّي عين معينة، تنحدر إليها على أدراج، والآبار والجباب بها كثيرة، لا تخلو دار منها، ولا بساتين بها إنما تجلب لها الفواكه من أقطارها التي بالقرب منها.
ولها أعملة متصلة، والجبال بالقرب منها معمورة بالضياع، ومنها تجيء الثمرات إليها، وللمسلمين الباقين بها مسجدان.
وأعلمني أحد أشياخنا أنها أخذت من أيديهم سنة ثمان عشرة وخمسمائة بعد محاصرة طويلة، وبها كانت دار الصنعة ومنها تخرج مراكب المسلمين للغزو.
***
قوله: ذا رفعة، أي عزّة ومكانة، خفض: طيب عيش، ومعنى مالك رفع وخفض، أي صاحب أحمال ترفع على الإبل في السفر وتحطّ عنها للنزول، ويريد أنه ذو قدرة وتمكّن يخفض ويرفع من أراد، قوله: تقت، أي اشتقت.
[مصر]
مصر: قال الهمذاني: سميت بمصر بن هرمس بن هروس جدّ الإسكندر.
وقال أهل اللغة: المصر الحدّ فسمّيت مصر لأنها حد بين المشرق والمغرب. ابن دريد كل بلد عظيم مصر، نحو البصرة والكوفة.
طول مصر من الشّجرتين اللتين بين أمج والعريش إلى أسوان، وعرضها من برقة
стр. 860
إلى أيلة، فهى مسيرة أربعين ليلة. وافتتحت كلها في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، على يدي عمرو بن العاص بن وائل السهميّ.
ولما افتتحت مصر، أتى أهلها إلى عمرو، فقالوا له: أيها الأمير، إن لنيلنا هذا سنّة لا يجري إلا بها، فقال لهم: ما ذاك؟ فقالوا له: إذا كان اثنتا عشرة ليلة تخلو من بئونة من أشهر العجم، عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أبويها، وحملنا عليها من الحلي والحلل أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في النيل. فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما قبله. فأقاموا بؤونة وأبيب ومسرى- وهي أسماء ثلاثة أشهر للقبط- لا يجري النيل فيها لا قليلا ولا كثيرا، حتى همّوا بالجلاء منها. فلما رأى ذلك عمرو بن العاص كتب بذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁. فكتب عمر بطاقة، وكتب إلى عمرو: إني بعثت إليك بطاقة فألقها في النيل. فأخذ عمرو البطاقة فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أمّا بعد، فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار، هو الذي يجريك، فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك. فألقى البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بيوم وقد تهيّأ أهل مصر للجلاء، فلمّا ألقى البطاقة في النيل أصبحوا يوم الصليب. وقد أجراه الله تعالى ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة، فقطع الله تعالى تلك السنة السوء من أهل مصر.
قال ابن جبير: ومدينة مصر كبيرة عامرة، مختلفة الأسواق من المدن التي سارت بأوصافها الرّفاق، وهي على شط النيل، وعلى النيل في مقابلتها قرية كبيرة الشأن، كثيرة البنيان، تعرف بالجيزة، وتعترض بينهما جزيرة فيها مساكن حسان وعلاليّ مشرفة، وهي مجتمع لهو أهل مصر ومنتزههم، وبينها وبين مصر خليج يذهب بطولها نحو الميل، ولا مخرج له. وبالجزيرة جامع يخطب فيه.
[مقياس النيل]
ويتصل بهذا الجامع المقياس الذي يعتبر فيه قدر زيادة فيض النيل كل سنة، وابتداؤه من شهر بئونة، ومعظم انتهائه أغشت وآخرها أول أكتوبر.
والمقياس: عمود رخام سمّر في موضع ينحصر فيه الماء عند انتهائه إليه، وهو مفصّل على اثنتين وعشرين ذراعا، وكل ذراع مفصلة على أربعة وعشرين قسما أقساما متساوية تعرف بالأصابع، فإذا استوى الماء تسع عشرة ذراعا في الفيض، فهي الغاية عندهم في طيب العام، وربما كان الماء فيها كثيرا لعموم الفيض، والمتوسط ما استوى سبع عشرة ذراعا وهو أحسن ممّا زاد عليه.
والذي يستحق به السلطان خراجه ست عشرة ذراعا فصاعدا، وعليها تعطى البشارة للذي يراقب الزيادة في كلّ يوم، ويعلم بها مياومة، وإن قصر عن ست عشرة فلا يجيء
стр. 861
لذلك السلطان في ذلك العام، ولا خراج إلا ما يعوّل عليه، وبقرية الجيزة يوم الأحد سوق عظيمة يتحدث بها.
[الأهرام]
وعلى نحو سبعة أميال في الصحراء التي يفضى منها إلى الإسكندرية، الأهرام القديمة، المعجزة البناء الغريبة المنظر، المربّعة الشكل، كأنها القباب المضروبة قد قامت في جو السماء، لا سيما الاثنان منها في سعة الواحد منهما من ركنه إلى ركنه ثلاثمائة خطوة، وست وستون خطوة محدّدة الأطراف في رأي العين، وربما أمكن الصعود إليها على خطر ومشقة، فتلفى أطرافها المحددة كأوسع ما يكون من الرحاب، قد أقيمت من الصخور العظام المنحوتة وركّبت تركيبا بديع الإلصاق، يكاد يعجز أهل الأرض نقض بنيانها.
[بعض معالم مصر]
وبمصر أيضا المسجد المنسوب إلى عمرو بن العاص، وبها الجبّانة المعروفة بالقرافة، وهي من عجائب الدنيا، لما تحتوي عليه من مشاهد الأنبياء، وأهل البيت والصالحين والعلماء وذوي الكرامات من أهل الزّهد.
وبها قبر آسية امرأة فرعون، وبها مساجد معمورة بالليل والنهار، يبيت بها الصالحون.
وبها قبر الشافعيّ محمد بن إدريس الإمام ﵁، وهو من المشاهد العظيمة احتفالا واتساعا.
والمشهد العظيم الشأن الذي بالقاهرة، حيث رأس سيدنا الحسين بن عليّ ﵄، هو في تابوت من فضّة مدفون، قد بني عليه بنيان يقصر الوصف عنه، مجلّل بأنواع الدّيباج، محفوف بأمثال العمد الكبار، شمعا أبيض أكثرها موضوع في أتوار الفضة، وحفّ أعلاه كلّه بأمثال التفافيح ذهبا في مصنع شبه الروضة، يبهر الأبصار حسنا وجمالا، وفيه من أنواع الرّخام المجزّع الغريب الصنعة، البديع، الترصيع، ما لا يتخيله المتخيلون، والمدخل إليها على مسجد على مثالها في التأنق، حيطانه كلّها رخام، وأغرب ما فيه حجر موضوع في الجدار الذي يستقبله الداخل، شديد السواد والبصيص يصف الأشخاص كلها كأنه المرآة الهندية، ولتزاحم الناس على القبر انكبابهم عليه وتمسّحهم به وبالكسوة التي عليه مرأى هائل.
وأخبار مصر كثيرة فلنقتصر على هذه النبذة.
***
الأساة: الأطباء، المواساة: أن يجعلك أسوة نفسه في ماله فيقاسمك فيه. رفضت:
стр. 862
تركت. علائق: أسباب تتعلق به فتحبسه. نفضت: أزلت واطّرحت، ونفضت ثوبي من الغبار: أزلته عنه. عوائق: موانع. وهي ما يصرف الإنسان عن وجهه الذي يمرّ فيه ويريده، اعروريت: ركبته عريا.
ابن النعامة: الطريق، وقيل صدر القدم قال عنترة: [الكامل]
وابن النعامة عند ذلك مركبي (١)
وقيل: ابن النعامة الساق، وقيل: عرق في الرّجل وقيل الفرس الفارة. أجفلت:
أسرعت. النعامة: واحدة النعام. معاناة: مقاساة. الأين: الفتور من التّعب مداناة الحين:
مقاربة الهلاك. كلفت بها، أي أحببتها وولعت بها. النّشوان: السكران، يريد أنه فرح فرح السكران، إذا أصبح للشراب، وهو الاصطباح والمهموم بالليل إذا طلع ضوء النهار انجلى همه، فجعل بياض الفجر. تنفّس أي انتشر في الظلام.
فبينما أنا يوما بها أطوف، وتحتي فرس قطوف؛ إذ رأيت على جرد من الخيل، عصبة كمصابيح اللّيل؛ فسألت لانتجاع النّزهة، عن العصبة والوجهة؛ فقيل: أمّا القوم فشهود، وأما المقصد فإملاك مشهود؛ فحدتني ميعة النّشاط، على أن سرت مع الفرّاط؛ لأفوز بحلاوة اللّقاط، وأحوز حلواء السّماط: فأفضينا بعد مكابدة العناء، إلى دار رفيعة البناء، وسيعة الفناء، تشهد لبانيها بالثراء والسّناء.
فلمّا نزلنا عن صهوات الخيول، وقدّمنا الأقدام للدّخول، رأيت دهليزها مجللا بأطمار مخرّقة، ومكلّلا بمخارف معلّقة، وهناك شخص على قطيفة، فوق دكّة لطيفة.
***
قطوف: متقارب الخطو، كأنه يقطف خطوه، أي يقطعه. جرد: ملس، والأجرد:
القصير الشعر. عصبة: جماعة. مصابيح: سرج، ويريد بها النجوم. قوله: الوجهة كالجهة، وهو كلّ موضع استقبلته وقصدته وتوجّهت إليه. إملاك: نكاح، وأملك الرجل إملاكا: تزوج، وأملكه غيره: زوّجه. وشهدنا إملاكه، أي عرسه.
стр. 863
ابن عمر ﵄، قال النبي ﷺ : «من شهد إملاك امرئ مسلم، فكأنّما صام يوما في سبيل الله واليوم بسبعمائة» (١) مشهود: أي محضور. حدتني.
ساقتني. ميعة: حدّة ونشاط، والميعة أوّل الشباب، وأوّل جري الفرس، وميعة كلّ شيء معظمه. والفرّاط: السبّاق المتقدّمون، الواحد فارط. اللّقاط: ما يلتقط من العرس مما ينثر فيه للحاضرين، نحو الكعك والخبيص، وما ينثر فيه يسمى نثرا، وكان نثار العرب في عرسهم التمر. أحوز: أحصل. السّماط: السوق التي جوانبها صفّان متقابلان، والسماط أيضا أن يصطفّ العسكر صفّين متقابلين، والسماط في الطعام: أن تلصق مائدة بأخرى، ويجلس الناس عليها صفين متقابلين، والسماط الصفّ منه، ومنه سمط الجوهر، ومنه الشّعر المسمط، وهو الذي أبياته مفصلة على أجزاء متقابلة، وقد نبّهنا عليه في الحادية عشرة. مكابدة: مقاساة، وهي من الكبد كأنّ الكبد يتعب بها. والعناء: التعب. رفيعة البناء، قال النبيّ ﷺ : «إذا أراد الله بعبد هوانا أنفق ماله في البناء» (٢).
قال النبي ﷺ : «من بنى بناء في غير ظلم ولا اعتداء، أو غرس غرسا في غير ظلم ولا اعتداء؛ فإن أجره جار ما انتفع به أحد من خلق الرحمن» (٣).
وقال بعض الحكماء: إذا أيسر الرجل ابتلي بثلاثة أشياء: صديقه القديم يجفوه، وامرأته يتزوّج عليها، وداره يهدمها ويبنيها.
وعلى قوله: أما القوم فشهود، جاء فيهم حديث ابن عباس ﵄، قال:
قال رسول الله ﷺ : «أكرموا الشهود، فإنّ الله يستخرج بهم الحقوق، ويدفع بهم الظلم».
قوله وسيعة، أي واسعة، والفناء: الساحة، وهي ما حول الدار. الثراء: كثرة المال. السناء: الشرف والرفعة. صهوات: ظهور. دهليز: مدخل الدار، الذي تسميه عامتنا الأسطوان، والأسطوان عند العرب: السواري، واحدها أسطوانة: وأنشد أبو موسى الحامض في نوادره وذكر الدّهليز فقال: [السريع]
أويت في الدهليز مذ أربع ... ولم أكن آوي الدهاليزا
خبزي من السوق وشعري لكم ... تلك لعمري قسمة ضيزى
مجلّلا: مغطّى. أطمار: ثياب خلقة. مكلّلا: محلقا. مخارف: قفيف أو نعاليق للغرباء، يجعلون فيها ما يأخذونه من الصدقة، والمخارف عند العرب: جمع مخرف،
стр. 864
وهي قفيفة تشبه الزّنبيل، يخترف فيها الرّطب، أي يجتنى فيها. قطيفة: نوع من البسط.
دكّة: هي الدكان.
***
فرابني عنوان الصّحيفة، ومرأى هذه البدعة الطّريفة، ودعاني التّطيّر بتلك المناحس، إلى أن عمدت لذلك الجالس؛ فعزمت عليه بمصرّف الأقدار، ليعرّفني من ربّ هذه الدار، فقال: ليس لها مالك معيّن، ولا صاحب مبيّن، إنما هي مصطبة المقيّفين والمدروزين، ووليجة المشقشقين والمجلوزين. فقلت في نفسي:
إنا لله على ضلّة المسعى، وإمحال المرعى؛ وهممت في الحال بالرّجعى، لكنّي استهجنت العود من فوري، والقهقرة دون غيري، فولجت الدّار متجرّعا الغصص، كما يلج العصفور القفص، فإذا فيها أرائك منقوشة، وطنافس مفروشة، ونمارق مصفوفة، وسجوف مرصوفة، وقد أقبل المملك يميس في بردته، ويتبهنس بين حفدته، فحين جلس كأنّه ابن ماء السّماء، نادى مناد من قبل الأحماء: وحرمة ساسان، أستاذ الأستاذين، وقدوة الشحّاذين، لا عقد هذا العقد المبجّل، في هذا اليوم الأغرّ المحجّل، إلّا الذي جال وجاب، وشبّ في الكدية وشاب.
***
رابني: شككني وخوّفني. عنوان: دليل. الصحيفة: الكتاب، أراد تطيّرت بتلك المخارف، وأراد أنها دار خيبة وحرمان. وكان ابن همام في هذه القصة طفيليّا على ما وصف به نفسه من الرفاهية، وربما يتولّع أهل الظرف والأدب بمثل هذا، فقد حكينا عن إبراهيم بن المهديّ وإسحاقالموصليّ مثل هذا في أخبار الطفيليين على منادمتهما للخلفاء وكثرة أموالهما.
البدعة: الشيء المبدع الذي لم يفعل قبله مثله. والطريفة: الغريبة المستظرفة.
التطيّر: التشاؤم. المناحس: جمع منحوس وهو الذي لا يفارقه النحس، وأراد به المخارق والأطمار التي قدم. مصرّف الأقدار: هو الله تعالى. ربّ الدار: مالكها أو الناظر في إصلاحها ما ذكره ممّا لا يفهم له معنى فهو بسطة المكدين. وقيل المقيفون جمع مقيف، وهو الذي يقفو آثار الناس، أي يتبعهم يطلب لهم شيئا، ويدعو لهم.
والمدروزين: المكدين، ودروزة كلمة أعجمية معناها الكدية. والمشقشق: الذي يحاكي أصوات الطيور فتجتمع إليه فيصطادها. والمجلوز والجلواز: الشرطيّ الذي يتصرّف حول السلطان.
قوله: وليجة، أي مدخل، والوليجة: الموضع الذي يلج الإنسان فيه، أي يدخله
стр. 865
أو كهف يستتر فيه. القهقرة: الرجوع إلى خلف. ضلّة: ضلاله. المسعى: المشي بعجلة، أراد أنّ مشيه كان لغير فائدة. إمحال: يبوسة وجفوف. فوري: حيني من قبل أن أسكن. الغصص: جمع غصّة، وهي ما يختنق بها، وتجرّعها صعب. أرائك. سرر مزيّنة. طنافس: بسط. ونمارق: مخادّ. سجوف: ستور. مرصوفة: مضمومة ملتصقة، وجعل البيت بهذه الأمتعة الكثيرة لأنه بيت عرس، فهي تستعدّ له، وإن كان قد رأى في دهليزه مرقّعات تدلّ على فقر، فإن الغرباء في البلاد يعلّقون مرقّعاتهم في دهليز الفندق، وبيته في غاية الرفاهية، والدار المذكورة، إنما كانت فندقا للفقراء الغرباء والمكدين.
والجالس في دهاليزها: خادم الفندق، وحين سأله عنها أخبره أنها ليس لها ربّ معيّن، إنما هي دار المكدين والمحارفين. وقيل لأحد المكدين: أتبيع مرقّعتك؟ فقال: هل رأيت صائدا يبيع شبكته!
المملك: العروس. يميس: يتبختر ويتبهنس، مثله في المعنى. حفدته: خدمه وأتباعه. ويقال: حفد العبد يحفد حفدا، إذا خدم. وفي الدعاء: «وإليك نسعى ونحفد»، أي نخدمك ونعمل لك، وقال الشاعر: [الكامل]
حفد الولائد بينهنّ وأسلمت ... بأكفّهنّ أزمّة الأجمال (١)
أبو عبيدة، يقال: حفد يحفد، وأحفد يحفد، وفسّر طاوس قوله تعالى: بَنِينَ وَحَفَدَةً [النحل: ٧٢]، أي خدما، فهو مطابق للغة، وفسّره ابن مسعود ﵁ بالأختان، وهو مطابق لما في المقامة، لأن المكدين لا خدم لهم. وقال الفراء ﵀: الحفدة: جمع حافد، ككامل وكملة.
[المنذر ابن ماء السماء]
ابن السماء، الجوهريّ: ماء السماء لقب عامر بن حارثة الأزدي أبو عمرو مزيقياء، الذي خرج من اليمن لما أحسّ بسيل العرم، وسمّي ماء السماء، لأنه كان إذا أجدب قومه ما نهم، أي كفاهم مئونتهم، حتى يأتيهم الخصب، فكأنه خلف من ماء السماء. وقيل لولده: بنو ماء السماء، وهم ملوك الشأم، والعرب تسمّي أيضا بني ماء السماء، لأنّهم يعيشون بماء السماء، قال الأزهريّ ﵀: السّماوة ماء بالبادية، وكان اسم أمّ المنذر ماء السماء، فسمّته العرب ابن ماء السماء.
وهو المنذر بن امرئ القيس بن عمرو بن عديّ، وأمه ماء السماء، وهي امرأة من النّمر بن قاسط، سمّيت بذلك لجمالها. ولما ملك كسرى الذي اسمه قباذ بن فيروز، خرج في أيامه رجل يقال له مزدك، فدعا الناس إلى الزندقة وإباحة الحرم، وألّا يمنع أحد
стр. 866
أخاه ما يريده. فدعا قباذ المنذر ليدخل في هذا المذهب، فأنف، وأبى المنذر هذا الفعل الخسيس، فطرده قباذ من مملكته، ونفاه عن الحيرة. ودعا الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار، فأجابه. وكان الحارث شديد الملك، فشدّد له ملكه، وكانت أم أنوشروان بين يدي قباذ يوما، فدخل عليهمزدك، فلما رآها قال لقباذ: ادفعها إليّ لأقضي حاجتي منها. قال له قباذ. دونكها، فوثب إليه أنوشروان، فلم يزل يسأله أن يهب له أمّه حتى قبّل رجليه، فتركها له. فلما هلك قباذ: وتولّى أنوشروان، وجلس في مجلسه أقبل المنذر إليه، وأذن للناس، فدخل عليه مزدك، ودخل عليه المنذر، فقال أنوشروان: كنت أتمنّى أمنيّتين، أرجو أن يكون الله تعالى قد جمعهما لي، فقال مزدك: وما هما أيها الملك؟
قال: تمنّيت أن أملك فاستعمل هذا الرجل الشريف- يعني المنذر- وأن أقتل هؤلاء الزنادقة، فقال له مزدك: أو تستطيع أن تقتل الناس كلّهم؟ فقال: إنك لها هنا يا بن الزانية! والله ما ذهب نتن ريح جوربك من أنفي، مذ قبّلت رجليك إلى يومي هذا، وأمر به، فقتل وصلب. وقتل في ضحوة واحدة من الزنادقة مائة ألف، وصلبهم، وطلب الحارث، فخرج هاربا بجميع ما معه، وأخذ المنذر في طلبهم، فأخذ من بني آكل المرار ثمانية وأربعين رجلا، فضرب رقابهم وألحّ في طلب امرئ القيس، فلحق بالسموأل.
وتمام القصة في الثالثة والعشرين.
***
قوله: الأحماء، أي الأختان. ساسان: شيخ المكدين، قال الفنجديهيّ: ساسان هو أستاذ المكدين ومقدّمهم، وواضع طرائقهم ومعلّمهم. قال أبو الفتح إسماعيل بن الفضل ابن الإخشيد السراج المكدي في كتابه: حدثنا أبو بكر البطايرني المكدي، حدّثنا محمد ابن علي بن أحمد الفقيه المكدي، حدثنا مليك بن صالح المكدي، قال: سمعت طرارة المكدي، قال: قال ساسان: ألا أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؟ قلت: بلى، قال: هي الكدية.
وقوله: أستاذ الأستاذين، حدّث أحمد بن الحسن، قال: كنت عند أبي الحسن بن أبي الفضل، فدخل رجل فذكر أنه شاعر، فقال: الشعراء ثلاثة: شاعر وشعرور وشعرة، فأما الشاعر فالمفلق، والشّعرور المستملح، والشعرة المستثقل لرداءة شعره. والأستاذون ثلاثة: أستاذ في الدين كالعلماء والفضلاء، وأستاذ في الدنيا كالوزراء والعمال والولاة، وأستاذ لا دين عنده يتعلّم منه ولا دنيا ينتفع بها، كالحجام، يسمى أستاذا والبنّاء والملاح، وبنو ساسان: ملوك الفرس.
قدوة: مقدّم. الشحاذين: المكدين والشّحّاذ: الملحّ في المسألة، وشحذت السيف بالغت في صقالته. المبجّل: المعظّم، يقال: بجّلته تبجيلا، أي عظمته تعظيما، مأخوذ من البجيل والبجال، وهو الرجل الضخم، وفي الحديث: «أصبتم خيرا تجبيلا»، أي كثيرا
стр. 867
ضخما. الأغرّ: المشهور لحسنه. المحجّل: الأبيض. شب: ترعرع ونشأ.
فأعجب رهط الصّهر ما أشاروا إليه، وأذنوا في إحضار المنصوص عليه، فبرز حينئذ شيخ قد أمال الملوان قامته، ونوّر الفتيان ثغامته، فتباشرت الجماعة بإقباله، وتبادرت إلى استقباله، فلمّا جلس على زربيّته، وسكنت الضوضاء لهيبته، ازدلف إلى مسنده، ومسح سبلته بيده، ثم قال: الحمد لله المبتدئ بالإفضال، المبتدع للنّوال، المتقرّب إليه بالسؤال، المؤمّل لتحقيق الآمال، الّذي شرع الزّكاة في الأموال، وزجر عن نهر السّؤّال، وندب إلى مواساة المضطر، وأمر بإطعام القانع والمعترّ، ووصف عباده المقرّبين، في كتابه المبين، فقال وهو أصدق القائلين: وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات: ١٩].
أحمده على ما رزق من طعمة هنيّة، وأعوذ به من استماع دعوة بلا نيّة.
وأشهد ألّا إله إلّا الله وحده لا شريك له، إلها يجزي المتصدّقين والمتصدّقات، ويمحق الرّبا ويربي الصدقات ...
***
الملوان والفتيان: الليل والنهار. وثغامته: شعرته. نوّرها: بيّضها. والثّغام: نبت أبيض، وهو ضرب من البهمى، منابته الجبال، إذا يبس ابيضّ بياضا شديدا.
أبو حنيفة: تنبت الثغامة خيوطا طوالا دقاقا من أصل واحد، فإذا جفّت ابيضّت كلها، وإذا أمحل الثغام، كان أشدّ بياضا، ويشبّه به الشيب، قال المرار الفقعسيّ:
[الكامل]
أعلاقة أمّ الوليد بعد ما ... أفنان رأسك كالثّغام المخلس (١)
وقال حسان ﵁: [الكامل]
إمّا نرى رأسي تغيّر لونه ... شمطا فأصبح كالثّغام المحول (٢)
стр. 868
والثّغام: مرعى، وتعلفه الخيل، وقال بشر وذكر الخيل: [الوافر]
فباتت ليلة وأديم يوم ... على البهمى يجزّ لها الثّغاما (١)
قوله: زر بيته: طنفسته، والجمع الزّرابي، وقيل هي الوسائد، وقيل الثياب الموشاة. والضّوضاء: الأصوات. ازدلف: قرب. مسنده: موضع إسناده. سبلته:
لحيته، وقيل شاربه.
وهذه الخطبة التي ذكر، ليس فيها لفظ إلا وهو يتضمّن إشارة للكدية.
قوله: المبتدع، أي الفاعل له قبل أن يفعل. النّوال: العطاء. المؤمّل: المرجوّ.
شرع: فرض: ونهر السؤال، من قوله تعالى: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى: ١٠]، وقال ابن عمران: [الكامل]
إنّ ابن آدم حين يلحف سائل ... ينقد من حنق عليه فينهره
والله إن يقصده عبد ملحف ... بسؤاله يدنيه منه ويشكره
فسل الإله ولذ به لا تنسه ... فالله يذكر عبده إذ يذكره
وقال أيضا: [الرجز]
سؤالنا دعاؤنا للجنّه ... لهم علينا بالقبول منّه
من سال منهم ويك أعطينه ... ولو بتمرة فواسينّه
أو أجمل الردّ لا تنهرنّه ... وإن يكن يلحف فاعذرنّه
* وادع له الله وصبّرنّه*
قوله: ندب: أي دعا وحرّض. المضطر: الشديد الحاجة. القانع: المتذلل عند السؤال. والمعترّ: المتعرّض للمعروف. والمحروم: الذي لا يسأل أحدا شيئا وهو محتاج. طعمة هنيّة: الكدية، لأنّ فائدتها تحصل بلا تحمّل تكلّف ولا مشقة. دعوة بلا نيّة: قولك للسائل: الله يعطيك ووسّع الله عليك ونحوه، وأنشدوا فيهم: [مجزوء الرمل]
ورجال ونساء ... وبنات وبنونا
وإذا يدعى لهم يو ... ما تراهم يغضبونا
وقال آخر: [الطويل]
ألم ترني أبغضت ليلى وذكرها ... كما أبغض المسكين دعوة سائله
لأن السائل لا يطلب من المسئول الدعاء، إنما يطلب ما يشبع الأمعاء.
ومما يستظرف من هذا ما حكى الأصمعيّ. قال: مرّ بي أعرابيّ سائلا، فقلت له:
стр. 869
كيف حالك؟ قال: أسأل الناس إلحافا فيعطوني كرها، فلا يؤجرون على ما يعطوني، ولا يبارك لي فيما آخذ، والعمر بين ذلك فان، والأجل قريب والأمل بعيد.
سأل أعرابي رجلا يكنى أبا عمرو عند داره، فقال: يرزقك الله، فعاد إليه يوما آخر فقال بمثل ما قال أمس وتنحنح، ففلتت منه ضرطة، فقال الأعرابيّ: [الرجز]
إن أبا عمرو لمكبوس الوسط ... إذا سألناه تمطّى وضرط
* إعطاؤه: يرزقك الله فقط*
قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، أي أعلم وأبين، ومنه: شهد الله، أي أعلم وبيّن أنه لا إله إلّا هو، ومنه: شهد الشاهد عند الحاكم، أي بيّن له ما عنده وأعلمه الخبر.
يمحق: يزيل ويستأصل. الربا: الحرام وأصله الزيادة. ويربي: يزيد ويكثر، أي يضعفها له.
***
وأشهد أنّ محمدا عبده الرّحيم، ورسوله الكريم، ابتعثه لينسخ الظّلمة بالضّياء، وينتصف للفقراء من الأغنياء، فرفق ﷺ بالمسكين، وخفض جناحه للمستكين، وفرض الحقوق في أموال المثرين، وبيّن ما يجب للمقلّين على المكثرين، صلّى الله عليه صلاة تحظيه بالزّلفة، وعلى أصفيائه أهل الصّفة. أما بعد: فإن الله تعالى شرع النّكاح لتتعفّفوا، وسنّ التّناسل لكي تتضاعفوا، فقال سبحانه: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا [الحجرات: ١٣] وهذا أبو الدّرّاج، ولّاج ابن خرّاج، ذو الوجه الوقاح، والإفك الصّراح، والهرير والصّياح، والإبرام والإلحاح، يخطب سليطة أهلها، وشريطة بعلها؛ قنبس بنت أبي العنبس، لما بلغه من التحافها بإلحافها، وإسرافها في إسفافها، وانكماشها على معاشها، وانتعاشها عند هراشها. وقد بذل من الصّداق شلّاقا وعكّازا، وصقاعا وكرّازا، فأنكحوه إنكاح مثله، وصلوا حبلكم بحبله، وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [الإسراء: ٢٤].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وأسأله أن يكثر في المصاطب نسلكم، ويحرس من المعاطب شملكم.
***
ينسخ: يزيل. المسكين: الضعيف الذليل. وخفض جناحه: ألان جانبه، فهو مثل للإشفاق والحنان، وأصله أنّ الطائر إنما يخفض جناحه على فراخه، ويلحفها به شفقة
стр. 870
عليها، قال الله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء: ٢٤].
واستكان: خضع وذلّ، وهو استفعل من كان، أصله استكون، نقلت حركة الواو إلى الكاف، فانقلبت الفاء لتحرّكها في الحكم وانفتاح ما قبلها فهي في الأصل كاستقام وبابه، أو يكون افتعل من السكون لأن الخاضع يقلّل الكلام، وأصله استكن، فوصلت فتحة الكاف بألف كقوله: [الرجز]
* قلت وقد جرت على الكلكال* (١)
أراد الكلكل، وقال تعالى: فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ [المؤمنين: ٧٦]
وأنشد أبو علي: [البسيط]
* فما استكان لما لاقى ولا خضعا
قوله: المثرين: الأغنياء. الزلفة: القربة، يقرّب بها إلى الله تعالى. أصفيائه:
أحبابه.
الصّفّة: تشبه: القبلة، والصّفّة كالسقيفة، وكان أصحاب رسول الله ﷺ الغرباء يظعنون إليه من الجهات، وليس عندهم شيء، فيسكنون سقائف المسجد، فكان رسول الله ﷺ يحرّض الناس على الصّدقة عليهم، وكان يجلس لهم، فيعلّمهم القرآن. وخصّهم الحريريّ بالذّكر لأنّ لهم حالة يشبهون بها المكدين؛ من لباس الخلقان، والعيش من صدقات الناس؛ فهم يتأسّون بأهل الصّفة، ويجعلونهم حجّة على من زجرهم.
ومما يحسن أن ينشد في هذا المعنى قول ابن عمران: [البسيط]
السائلون عيال الله والمال للّ ... هـ فابذله فيهم خاب من لؤما
فجد على ثقة بالله من خلف ... يا ويح من كان للرحمن متّهما!
واحذر من الردّ إن الله يمقته ... من غير عذر وشؤم الشحّ قد علما
الشعوب: جمع شعب، وهو أكبر من القبيلة. الدرّاج، كناه بذلك لكثرة حركته.
ولّاج: كثير الولوج على الناس للكدية. خرّاج: كثير الخروج في طلب رزقه، والولّاج:
الخرّاج الّذي يحسن الدخول في أموره والخروج منها، ويقال: فلان ولّاج خراج، إذا كان متصرّفا في أموره نفّاعا لأوليائه، ضرّارا لأعدائه. والإفك: سوء الكذب. الصّراح:
الظاهر البيّن، يريد أنه إذا وصف حالته في كديته لا يتكلّم إلا بالكذب. الهرير: كثرة
стр. 871
الصياح والشرّ، وهرير الكلب: صوته دون نباحه من قلّة صبره على البرد. والإبرام:
الإثقال والإضجار، يريد أنه يوالي الصياح على من يكديهم ويثقل عليهم بالعتب على ترك الصّدفة حتى يفتدوا منه. والإلحاح: المداومة والإكثار من السؤال.
وقدم الحطيئة المدينة في سنة مجدبة، فمشى أشرافها بعضهم لبعض، خوفا من لسانه، وقالوا: قدم علينا هذا الرجل، وهو يأتي الشريف منّا، فإن أعطاه جهد نفسه، وإن حرمه هجاه، فجمعوا له بينهم أربعمائة دينار فأتوه، فقالوا: هذه صلة آل فلان، وهذه صلة آل فلان، فأخذها، وظنوا أنهم قد كفوه المسألة، فإذا هو يوم الجمعة قد استقبل وهو يقول: من يحملني على بغلين كفاه الله كيّة النار.
السّليطة: الحديدة اللسان، وقد سلطت فهي سليطة. شريطة: موافقة بعلها، أي زوجها، أي جاءت على شرط زوجها، فهي مثله في خصالها كلّها. قنبس: اسمها، وهو من القبس، وهي الشعلة، كأنها لحدّتها شعلة نار تحرق ما مرّت به. عنبس: من العبوس، ونونه ونون قنبس زائدتان. التحافها: ارتدائها والتوائها فيه. إلحافها: إلحاحها في السؤال. إسفافها: تساقطها على ما تجمع من الناس، والإسفاف: التّتبع لمداق الأمور، والإسفاف: الدخول في الأمر الدنيء، وقد أسفّ: تعرّض للأمر الدنيء.
انكماشها: انحفازها واجتهادها. انتعاشها: قيامها وارتفاعها. هراشها: مشارّتها لقرابتها، والمهارشة أصلها للكلاب، وهي أن يترافع الكلبان ويتنابحا، ويعضّ كل واحد صاحبه، فجعل مدافعتها عند الشرّ لأقرانها ومضارتها كالهراش للكلاب، ولا تكمل عندهم نجابتها، حتى تفوق أقرانها في الشرّ والسبّ بالقبائح وضرب الكفّ على ذلك، وإلا فهي ناقصة. بذل: أعطى. شلّاقا: ثوب مرقع، وليس بعربيّ، وقيل هو شبه المخلاة، وقيل هو خريطة تجعل فيها كسر الخبز. عكّازا: عصا تقرع بها الأبواب، وتضرب بها الكلاب. صقاعا: خرقة بالية تجعلها على رأسها. كرّازا: إناء تعلّقه في ذراعها، تجعل فيه الصدقة. وقيل: الكرّاز إناء لشرب الماء، وتسمّيه عامتنا الكرازة، فكان صداق هذه المرأة ثوبا مرقّعا تلبسه للكدية. وخرقة بالية لرأسها وعصا تقرع بها الأبواب، وإناء إما أن تجعل فيه ما يدقّ من الصدقة أو تجعل فيه ماء لشربها عند طوافها للكدية، والكرّاز هو الخرج، والكرّاز: كبش يحمل عليه الراعي أداته. عيلة: فقرا. شملكم: عددكم.
المعاطب: المهالك.
وخطّأ أبو محمد في الدرة من يذهب من الخواصّ بالعيلة إلى العيال، وقال: إنما العيلة الفقر، بدليل قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً [التوبة: ٢٨] وتصريف الفعل منه عال يعيل فهو عائل، والجمع عالة، وفي التنزيل العزيز: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى [الضحى: ٨]، وفي الحديث: «لأن تدع ورثتك أغنياءخير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس». وأما الذين يعالون فيهم عيال، واحدهم عيّل كجيّد وجياد، وجمع عيال على
стр. 872
عيائل كركاب وركائب، وأعال فهو معيل: كثر عياله، وعالهم يعولهم. وفي الحديث:
«ابدأ بمن تعول»، ومن كلام العرب: والله لقد علت حتى علت أي صنت عيالي حتى افتقرت. وأما قوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا [النساء: ٨] فمعناه ألّا تجوروا.
وقال بعض العرب لحاكم حكم عليه بما لم يوافقه: والله لقد علت عليّ في الحكم، أي جرت، ومن فسّر في الآية تَعُولُوا أنّ معناه تكثر عيالكم فقد وهم.
***
[عهد الصابي في التطفيل]
وإذ فرغنا من تفسير هذه الخطبة الهزلية، وقد قدّمنا أن ابن همام في هذه المقامة طفيليّ، فنذكر هنا العهد الذي كتب الصابي بأمر معز الدولة لمحمّد بن فريعة الطفيليّ ببغداد، وقد استخلفه على التطفيل؛ فإن هذا العهد يوافق خطبة المقامة في كثير من أغراضها.
وذلك عهد عهده محمد بن عبد الرحمن إلى الفضل بن النعمان، حين استخلفه على سنّته، واستنابه على حياطة رسومه وسنته؛ من التطفيل على أهل مدينة السلام، وما يتصل بها من أرباضها وأكنافها، وما يجري معها من سوادها وبياضها وأطرافها، لما توسّمه فيه من قلة الحياء، وشدّة اللقاء، وكثرة اللقم، وجودة الهضم.
وأمره أن يتوسّم اسم التطفيل ومعناه، ويعرف مغزاه ومنحاه ويتصفّحه تصفّح الباحث عن حظه بمجهوده، غير القائل فيه بتسليمه وتقليده، فإنّ كثيرا من الناس قد نسب صاحبه للشّره والنّهم، وحمله على الجشع والقرم، فمنهم من غلط في استدلاله، فأساء في مقاله، ومنهم من شحّ بماله، فدفع عنه باحتياله، وكلا الفريقين مذموم، وجميعهما مليم ملوم، ولا يتعلقان بعذر واضح، ولا يتعرّيان من لباس فاضح. وقد عرفت يا أخي بالتطفيل، ولا عار فيه عند ذوي التحصيل، لأن التطفيل مشتق من الطّفل، وهو وقت المساء وأوان العشاء، فلما كثر استعمل في صدر النهار وعجزه، وأوله وآخره، كما قيل:
القمران للشمس والقمر، وكما قيل العمران لأبي بكر وعمر.
وأمره أن يعتمد موائد الكبراء والعظماء بعراياه، ويبسط الأمر بسراياه، فإنه يظفر من إرادته بالغنيمة الباردة، ويصل بها إلى الغريبة الشاردة. فيجد بها من ظرائف الألوان، الملذّذة للسان، وبدائع الطعوم، السائغة في الحلقوم، ما لا يجده عند غيرهم، ولا يناله إلا لديهم، لحذق صناعتهم وجودة أدواتهم، وخصب ناديهم، وكثرة ذات أيديهم؛ والله يوفر من ذلك حظّنا، ويسدّد نحوه لحظنا، ويوضّح عليه دليلنا، ويسهّل إليه سبيلنا.
وأمره أن يجتلب التّكرمة ممن يحصل منهم ودّه، ويستدعي بالتلطف نائله ورفده، وكثيرا ما يتّفق ذلك للمداخلين، ويتيسر للمتوصّلين.
стр. 873
وأمره أن يصادق قهارمة الدور ومدبّريها، ويرافق وكلاء المطابخ ومديريها، فإنهم يملكون من أصحابهم أزمّة مطاعمهم ومشاربهم.
وأمره أن يتعهد أسواق المتسوّقين ومواسم المتبايعين؛ فإذا رأى وظيفة قد زيد فيها، أو أطعمة قد احتشد منها، أتبعها إلى القصد بها، وشيّعها إلى المنزل الحاوي لها، واستعلم ميقات الدعوة، ومن يحضرها من أهل اليسار والثروة.
وأمره أن يجتنب مجامع العوامّ المقلين، ومحافل الرّعاع المقتّرين، وألّا ينقل إليها قدما، ولا يغفر لمآكلها فما، فإنها عصابة تجتمع على مضض النّفوس والأحوال. وقلة الأحلام والأموال، وفي التطفيل عليها إحجاف بها يؤلم وإزراء بمروءة التطفيل يثلم.
وأمره أن يحوز الخوان إذا حصل، والطعام إذا نقل، حتى يعرف بالحدس والتخمين عدد الألوان في الكثرة والقلة، وافتنانها في الطّيب واللذة، فيقدّر لنفسه أن يشبع مع آخرها، وينتهي عند انتهائها، فلا يفوته نصيب من كثيرها وقليلها، ولا يخطئه الحظّ من دقيقها وجليلها. ومتى أحسّ بنقلة الطعام وحجره، أمعن في أوّله إمعان الكيّس في سعيه، والرشيد في أمره، فإنه إذا فعل ذلك سلم من عواقب الأغمار الذين يكفون طرفا، ويقلّون تأدبا، ويظنون أن المائدة تبلغهم إلى آخر حاجتهم، وتنتهي بهم إلى حدّ غايتهم، فلا يلبثون أن يخجلوا خجلة الوامق الراغب، وينقلبوا بحسرةالراهق الخائب.
وأمره أن يروض نفسه، ويغالط حسّه، ويضرب عن كثير مما يلحقه صفحا، ويطوي دونه كشحا، ويستحسن الصّمم عن الفحشاء، ويغمض عن اللقمة الخشناء، وإن أتته الوكزة في حلقه، صبر عليها لأجل الوصول إلى حقه، وإن وقعت الصفعة في رأسه، عضّ عليها بمواقع أضراسه، وإن لقيه لاق بالجفاء، قابله باللطف والصفاء، إذا كان ولج الأبواب، وخالط الأصحاب، وجلس مع الحضور، واختلط بالجمهور، فلا بد أن يلقاه المنكر لأمره، ويمرّ به المستغرب لوجهه، فإن كان حرّا حسنا أمسك وتذمّم، وإن كان فظّا غليظا همهم وتكلّم. وأن يستعمل مع المخاطب له الملاينة، وأن يجتنب عند ذلك المخاشنة ليردّ غيظه ويقلّ حده، ويكفّ غربه ويأمن سعيه. وأمره أن يتعهد الجوارشات المعدّة للعدد، والمقويّة للمعد، المشهية للطعام، المسهلة سبيل الانهضام، وأن يكون في اتخاذها كالكاتب الذي يخطّ أقلامه، والفارس الذي يصقل حسامه.
وأمره إذا غشي أبواب الملوك وأهل السلطان، أن يصانع البوّاب والحجاب ويخدم القوّاد والكتّاب، فإذا دخل السواد الأعظم، توسط الجمع لا يتأخّر ولا يتقدّم، بعد أن يجمل ثيابه، ويحسّن كلامه وجوابه، فطعام الأمراء تدعى إليه الحفلاء احتفالا، ويتكفّل بالوفود على العموم اكتفالا.
فهذا العهد مطابق لأحوال هذه المقامة.
стр. 874
[من الخطب الهزلية]
ومما يتصل بخطبة المقامة من الخطب الهزلية ما حدّثوا:
أن رجلا خطب إلى قوم، وجاء يخطب، فاستفتح خطبة النكاح بحمد الله فأطال، ثم ذكر خلق السموات والأرض واقتصر، ثم ذكر القرون حتى ضجر من حضر، ثم التفت إلى الخاطب فقال: ما اسمك أعزك الله؟ فقال: والله قد نسيت اسمي من طول خطبتك، وهي طالق ثلاثا إن تزوّجتها بهذه الخطبة. فضحك القوم وعقدوا له في مجلس آخر.
أنكح خالد بن صفوان عبده أمته، فقال له العبد: لو دعوت الناس فخطبت. قال:
ادعهم أنت، فدعاهم، فلمّا اجتمعوا تكلّم خالد، فقال: إن الله أعظم وأجلّ من أن يذكر في نكاح هذين الكلبين، وأنا أشهدكم أني قد زوّجت هذه الزانية من هذا ابن الزانية.
خطب مصعب بن حيّان خطبة نكاح، فحصر فقال: لقّنوا موتاكم «لا إله إلا الله».
فقالت له الجارية: عجّل الله موتك، ألهذا دعوناك! .
خطب ثقيل في تزويج فأطال، فقام واحد من القوم، وقال: إذا فرغ الثقيل، بارك الله لكم، فإن عليّ شغلا أريد المبادرة فيه. وخطب رجل امرأة، فجعل يخطب وينعظ، فضرب رأس ذكره بيده وقال: مه! إليك يساق الحديث.
***
فلمّا فرغ الشيخ من خطبته، وأبرم للختن عقد خطبته، تساقط من النّثار ما استغرق حدّ الإكثار، وأغرى الشّحيح بالإيثار. ثم نهض الشيخ يسحب ذلاذله، ويقدم أراذله.
قال الحارث بن همّام: فتبعته لأنظر عرجة القوم، وأكمل بهجة اليوم. فعاج بهم إلى سماط زيّنته طهاته، وتناصفت في الحسن جهاته. فحين ربع كلّ شخص في ربضته، وطفق يرتع في روضته، انسللت من الصّف؛ وفررت من الزّحف فحانت من الشيخ لفتة إليّ، ونظرة هجم بها طرفه عليّ، فقال: إلى أين يا برم؟
هلّا عاشرت معاشرة من فيه كرم! فقلت: والّذي خلقها طباقا، وطبّقها إشراقا لا ذقت لماقا، ولا لست رقاقا، أو تخبرني: أين مدبّ صباك، ومن أين مهبّ صباك؟
فتنفّس الصّعداء مرارا، وأرسل البكاء مدرارا، حتّى إذا استنزف الدّمع، استنصت الجمع، وقال لي: أرعني السّمع.
***
قوله: أبرم، أي أحكم وسدّد والختن: وليّ الزوجة مثل الأب والأخ وابن العم،
стр. 875
فهم الأختان، وكل شيء من قبل الزوج، فهم الأحماء، واحدهم حما مثل قفا، وحمو مثل أبو، وحمد مهموز، والأصهار تجمعهم.
والخطبة: مراسلة المرأة للزواج. والنّثار: ما نثر عليه من الدراهم، وقد نثرت الشيء نثرا إذا رميت به متفرقا، وأصحاب الزوج تدخلهم حميّة عند ذلك فينثر كلّ واحد منهم من الدراهم ما أمكنه، فتجمع ويشترى منها أنواع الأطعمة، ولذلك قال: أغرى الشحيح بالإيثار: أي حرّضه على أن يتكرّم. واستغرق: جاوز. وحدّث ابن قتيبة عن أبي عثمان، قال: مررت بمحضر قد اجتمع فيه خلق كثيرون، فسألت بعضهم: ما جمعهم؟
فقال: هذا سيّد الحي تزوج منا فتاة، فتكلّم الشيخ فقال: الحمد لله ﷺ أما بعد؛ فإن الله جعل المناكحة- التي رضيها فعلا، وأنزلها وحيا- سبب المناسلة، وإن فلانا ذكر فلانة، وبذل لها من الصّداق كذا، وقد زوّجته إياها، وأوصيته بوصية الله فيها، ثم قال: هاتوا نثاركم، فقلبت على رءوسنا غرائر التمر.
قوله: ذلاذله، أي أطراف ثوبه، والذلذل: ما يلي الأرض من أسفل القميص، أراذله: جمع أرذل، وهو الدنيء، والرّذل والمرذل والرّذيل: الدّون. والعرجة: التعريج، ويقال: ما عليه عرجة ولا تعريج، أي إقامة. وبهجة الشيء: حسنه ونضارته. وعاج:
مال. والسّماط: كلّ مستو على نسق، وصفّ الناس سماط وأراد به المائدة. والطّهاة:
الطبّاخون من النّاس. تناصفت: اعتدلت، وأنصف كلّ جزء منها صاحبه، والتناصف:
اعتدال الحسن. ربع: جلس، يقال: ربعت بالمكان: أقمت به، وربعت الحجر: رفعته باليد، لأنظر شدتي. وربع: وقف وتحبس. ربضته: موضعه الذي يقعد فيه، والرّبضة:
القطعة الغليظة من الثّريد. يرتع: يأكل، وفلان يرتع، أي هو مخصب لا يعدم شيئا يريده. الروضة: موضع العشب، وأراد بها ما بين أيديهم من الطعام. الزّحف: الضرب والوثوب إلى الشّرّ، وأراد أنه لما جلس كلّ انسان أن يأكل خشي هو إن جلس للأكل أن يغرم ويشتهر بأنه طفيليّ، فيحتاج أن يتدافع، وأن يتواثب مع صاحب الحانوت في ثمن ما أكل، ففرّ من ذلك. والزحف: مشي الأعمى. لفتة: نظرة بالتواء، كأنه يلوي عنقه فينظر، ولفت إليه لفتا والتفت: صرف وجهه إليه. وهجم: دخل عليه بغتة. برم: بخيل، وهو الذي لا يدخل مع القوم فيما دخلوا فيه من المغرم. والمعاشرة: ترك المخالفة في الصحبة. طباقا: جمع طبق، أي هي طبق فوق طبق، يعني السماء. وطبّقها: ملأها وعمّها، يقال: طبّق الغيم تطبيقا إذا أصاب بمطره جميع الأرض. إشراقا: نورا وضوءا.
لماقا، الأصمعي ﵀: هو ما يشرب، فإن أردت نفيه، قلت: ما ذقت لماقا، وأنشد: [الوافر]
كبرق لاح يعجب من رآه ... ولا يشفي الحوائم من لماق (١)
стр. 876
الحوائم: العطاش، وحكى يعقوب أن اللّماق يصلح في الأكل والشرب، قال ابن كيسان: هو الشيء اليسير من الطعام والشراب.
لست رقاقا: أكلت خبزا مرقّقا، واللّوس: تتبع بقية الشيء الحلو في فمك. ابن سيده: لاس لوسا: تتبّع الحلاوة، فأكلها، وما ذاق لوسا ولا لواسا، أي ذواقا، ولا يلوس كذا، أي لا يتناوله.
أو تخبرني: حتى تخبرني. أين مدبّ صباك، يريد أين ولدت فدببت صغيرا. مهبّ صباك: مجيء ريحك، وأراد أين بلدك. الصّعداء: التنفس بتوجّع وهي من فعل المهموم. استنزف الدمع: استفرغه بالبكاء حتى انقطع، ونزف وأنزفه: أفناه بالبكاء، واستنصت: أمرهم بالسكوت.
***
[الرمل]
مسقط الرّأس سروج ... وبها كنت أموج
بلدة يوجد فيها ... كلّ شيء ويروج
وردها من سلسبيل ... وصحاريها مروج
وبنوها ومغان ... يهم نجوم وبروج
حبّذا نفحة ريّا ... ها ومرآها البهيج
وأزاهير رباها ... حين تنجاب الثّلوج
من رآها قال مرسى ... جنّة الدّنيا سروج
ولمن ينزاح عنها ... زفرات ونشيج
مثل ما لاقيت مذ زح ... زحني عنها العلوج
عبرة تهمي وشجو ... كلّما قرّ يهيج
وهموم كلّ يوم ... خطبها خطب مريج
ومساح في التّرجّي ... قاصرات الخطو عوج
ليت يومي حمّ لمّا ... حمّ لي منها الخروج
مسقط الرأس، يريد الموضع الذي سقط فيه رأسه عند ما ولد. أموج: أتصرّف وأتحرّك، والمائج: المضطرب. يروج: يتعجّل. وردها: ماؤها. السلسبيل: عين في
стр. 877
الجنة، والسلسبيل الخمر. والمروج: المواضع الخصبة. مغانيهم: منازلهم. والبروج:
منازل القمر، وأراد أنهم في الحسن والرفعة كالنجوم، وأن دورهم في العلوّ والاستواء كالبروج.
وسبقه الحلواني القيرواني إلى هذا التشبيه، فقال يتشوّق إلى القيروان بعد خرابها:
[الخفيف]
ليت شعري وليت حرف تمنّ ... ربّما علل الفؤاد السّقيما
كيف يا قيروان حالك لمّا ... نثر البين سلكك المنظوما
كنت أمّ البلاد شرقا وغربا ... فمحا الدهر وشيك المرقوما
نحن أولادها ولكن عققنا ... بعد أن لم نطق بها أن نقيما
دمن كانت البروج وكنّا ... أمرا في قبابها ونجوما
وقال السريّ يتشوق إلى الموصل وكان بحلب: [الكامل]
أمحلّ صبوتنا دعاء مشوق ... يرتاح منك إلى الهوى الموموق
فمتى أزور قباب مشرفة الذّرا ... فأدور بين النّسر والعيّوق
وأرى الصّوامع في غوارب أكمّها ... مثل الهوادج في غوارب نوق
محمرة الجدران ينتح طيبها ... فكأنّها مبنيّة بخلوق
حمرا تلوح خلالها بيض كما ... فصّلت بالكافور بين عقيق
كلف تذكّر قبل ناهية النّهى ... ظلّين: ظلّ هوى وظلّ حديق
فتفرّقت عبراته في خدّه ... إذ لا مجير له من التفريق
وقال الثعالبي: ما نظرت إلى الصوامع مذ برزت من نيسابور إلا ذكرت بيته، فأرى الصوامع، واستأنفت العجب من حسن هذا التشبيه وبراعته.
***
قوله: نفحة ريّاها، أي حركة رائحتها الطيبة. مرآها البهيج: منظرها الحسن، وأزاهير رباها: أنوار كداها، وهي جمع أزهار، وأزهار جمع زهر، وهو النّور. تنجاب:
تزول.
ثم قال: سروج هي الموضع الذي أرست به جنة الدنيا، أي ثبتت فيه فكأنه قال:
جنة الدنيا هي سروج. وسروج هذه بلد بقري وعمارات، وهي من بلاد الجزيرة وكورها المشهورة، والجزيرة انقسمت قسمين: ديار ربيعة وديار مضر، وسروج من كور ديار مضر، وهي ثغرية إذا كان للمسلمين قوّة يملكونها، وإذا ضعفوا غلبهم الروم، عليها وهي كثيرة الثلج والبرد.
стр. 878
قوله: ينزاح: يبعد. النشيج: البكاء. والزفرة: تنفّس المهموم. زحزحني: نحّاني.
تهمي: تسيل. شجو: حزن. قرّ: سكن. يهيج: يتحرك. خطبها: أمرها مريج: مختلط.
مساع: مواضع تصرفه، ويكون المسعى مصدرا بمعنى السعي. قاصرات، أي قصيرة، وكذا استعمالها لأن فعلها قصر، واسم فاعلها فعيل مثل ظرف فهو ظريف. الخطو: جمع خطوة. عوج: معوجّة. يومي حمّ، أي يوم موتي قدّر، أراد: ليت أني مت ولا أرى خروجي منها.
أنسى ﵁ قال النبي ﷺ : «لا يتمنّين أحدكم الموت لضرّ نزل به، فإن كان لا بدّ فاعلا، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي: وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرا لي» (١).
جابر ﵁: أن النّبي ﷺ قال: «لا تمنّوا الموت فإن هول المطلع شديد، وإن من السعادة أن يطول عمر العبد، وأن يرزقه الله الإنابة» (٢) وفي معنى وصفه سروج وبكائه عليها، قال الحصريّ الأعمى يتشوق إلى القيروان: [البسيط]
أيا سقى الله أرض القيروان حيا ... كأنه عبراتي المستهلّات
فإنّما لذة الجنات تربتها ... مسكيّة وحصاها جوهريات
أرض أريضة، أقطار مباركة ... لله فيها براهين وآيات
وحدّثني الفقيه أبو عبد الله بن زرقون في بستانه بطريانة، أيام قراءتي عليه النّوادر والكامل، وكان ﵀ ذاكرا بالطريقة الأدبية، مع تميّزه بالطريقة الفقهيّة، فدارت بيني وبينه في إحدى العشيات أنواع من المذاكرات في فنون أدبيات، فاهتزّ ﵀، وهشّ، وأظهر السرور بي- وأنا يومئذ غلام ما بقل عذاري- فقال: لقد علمت أن بيني وبينك أخوّة، قلت: وكيف ذاك يا سيدي؟ فقال: إني ولدت ببلدك شريش؛ فزدت بالحديث غبطة، واستزدت منه، فقال لي: ومع ذلك فثمّ قصة مستظرفة:
اعلم أني كنت اجتزت بشريش قافلا من العدوة، مع الفقيه أبي بكر عبد الله بن العربيّ ﵀. فلما صرنا في بطاحها، وبين كرماتها وجنانها، أخذ الفقيه أبو بكر يثني عليها بكلّ لسان، على كثرة ما رأى من البلدان، ويقول: إن الأشياء التي جمعت فيها لا تكاد تجتمع في بلدة، من كثرة الزّرع والضّرع والزيت والعصير والملح وغير ذلك، فقلت له: أعلمت أني ولدت بها؟ فقال لي أبو بكر: أتقول أنت الآن: [مجزوء الرمل]
* مسقط الرأس شريش*
стр. 879
فقلت له مجيزا: [مجزوء الرمل]
* وبها كنت أعيش*
فقال أبو بكر: [مجزوء الرمل]
* بلدة يوجد فيها*
فقلت: [مجزوء الرمل]
* كلّ شيء ويريش*
فقال أبو بكر: [مجزوء الرمل]
* وردها من سلسبيل*
فقلت: [مجزوء الرمل]
* وصحاريها عريش*
ثم سرنا في طريقنا على قوافي السّروجية، فرددناها شريشية، وقطعنا بها الطريق ونحن لا نشعر، فكانت أسرّ عشيّة رأيت، بمجالسة مثل هذا الفاضل وسنّه قد نيّف على الثمانين بسنتين، يحدّثني عن ابن عربي وابن عبدون الكاتب ونظرائهم، في رياض كلّها نزهة على نهر إشبيليّة، وهي أمامنا على بهجتها وجمالها، مادحا لي ولبلدي، ليدخل عليّ بذلك المسرّة، نسأل الله أن يبلغه غاية السرور في دار البقاء.
***
قال: فلمّا بيّن بلده، ووعيت ما أنشده. أيقنت أنّه علّامتنا أبو زيد، وإن كان الهرم قد أوثقه بقيد. فبادرت إلى مصافحته، واغتنمت مؤاكلته من صفحته، وظلت مدة مقامي بمصر أعشو إلى شواظه، وأحشو صدفتيّ من درّ الفاظه، إلى أن نعب بيننا غراب البين، ففارقته مفارقة الجفن للعين.
***
قوله: وعيت، أي حفظت. علّامتنا: عالمنا المشهور بالعلم. أوثقه: ربطه وشدّه، وقد تقدّم هذا القبيل من الهرم في أخبار وأشعار حسان، مصافحته: معانقته ووضع كفّي على كفّه.
ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «أيّما امرئ يصافح أخاه ليس في صدر واحد منهما على أخيه إحنة لم تتفرّق أيديهما حتى يغفر الله لهما ما مضى من ذنوبهما» (١).
стр. 880
الإحنة: الحقد.
اغتنمت: حسبتها غنيمة. مؤاكلته: الأكل معه.
ابن عمر ﵄: طعام السخيّ دواء، وطعام الشحيح داء.
ظلت، أي دمت، قال تعالى: الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً [طه: ٩٧]، أي دمت عليه مقيما. قال سيبويه ﵀: أصله: ظللت. الليث: يقال: ظلّ نهاره صائما. ولا تقول العرب: ظلّ إلا لكلّ عمل بالنّهار، كما لا تقول: بات إلّا للعمل باللّيل. أعشو:
أنظر ببصر ضعيف. شواظه. ناره، والشّواظ لهب النّار الّذي لا دخان فيه. صدفتيّ:
أذني. نعب: صاح. البين: الفراق، والغراب إذا صاح عندهم تشاءموا به، وقد تقدّم ذلك. مفارقة الجفن للعين، أي مسرعا بقدر ما تفتح عينك.