← Адаб

Адаб · id 760

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

الحوائم: العطاش، وحكى يعقوب أن اللّماق يصلح في الأكل والشرب، قال ابن كيسان: هو الشيء اليسير من الطعام والشراب. لست رقاقا: أكلت خبزا مرقّقا، واللّوس: تتبع بقية الشيء الحلو في فمك. ابن سيده: لاس لوسا: تتبّع الحلاوة، فأكلها، وما ذاق لوسا ولا لواسا، أي ذواقا، ولا يلوس كذا، أي لا يتناوله. أو تخبرني: حتى تخبرني. أين مدبّ صباك، يريد أين ولدت فدببت صغيرا. مهبّ صباك: مجيء ريحك، وأراد أين بلدك. الصّعداء: التنفس بتوجّع وهي من فعل المهموم. استنزف الدمع: استفرغه بالبكاء حتى انقطع، ونزف وأنزفه: أفناه بالبكاء، واستنصت: أمرهم بالسكوت. *** [الرمل] مسقط الرّأس سروج ... وبها كنت أموج بلدة يوجد فيها ... كلّ شيء ويروج وردها من سلسبيل ... وصحاريها مروج وبنوها ومغان ... يهم نجوم وبروج حبّذا نفحة ريّا ... ها ومرآها البهيج وأزاهير رباها ... حين تنجاب الثّلوج من رآها قال مرسى ... جنّة الدّنيا سروج ولمن ينزاح عنها ... زفرات ونشيج مثل ما لاقيت مذ زح ... زحني عنها العلوج عبرة تهمي وشجو ... كلّما قرّ يهيج وهموم كلّ يوم ... خطبها خطب مريج ومساح في التّرجّي ... قاصرات الخطو عوج ليت يومي حمّ لمّا ... حمّ لي منها الخروج مسقط الرأس، يريد الموضع الذي سقط فيه رأسه عند ما ولد. أموج: أتصرّف وأتحرّك، والمائج: المضطرب. يروج: يتعجّل. وردها: ماؤها. السلسبيل: عين في

стр. 877

الجنة، والسلسبيل الخمر. والمروج: المواضع الخصبة. مغانيهم: منازلهم. والبروج: منازل القمر، وأراد أنهم في الحسن والرفعة كالنجوم، وأن دورهم في العلوّ والاستواء كالبروج. وسبقه الحلواني القيرواني إلى هذا التشبيه، فقال يتشوّق إلى القيروان بعد خرابها: [الخفيف] ليت شعري وليت حرف تمنّ ... ربّما علل الفؤاد السّقيما كيف يا قيروان حالك لمّا ... نثر البين سلكك المنظوما كنت أمّ البلاد شرقا وغربا ... فمحا الدهر وشيك المرقوما نحن أولادها ولكن عققنا ... بعد أن لم نطق بها أن نقيما دمن كانت البروج وكنّا ... أمرا في قبابها ونجوما وقال السريّ يتشوق إلى الموصل وكان بحلب: [الكامل] أمحلّ صبوتنا دعاء مشوق ... يرتاح منك إلى الهوى الموموق فمتى أزور قباب مشرفة الذّرا ... فأدور بين النّسر والعيّوق وأرى الصّوامع في غوارب أكمّها ... مثل الهوادج في غوارب نوق محمرة الجدران ينتح طيبها ... فكأنّها مبنيّة بخلوق حمرا تلوح خلالها بيض كما ... فصّلت بالكافور بين عقيق كلف تذكّر قبل ناهية النّهى ... ظلّين: ظلّ هوى وظلّ حديق فتفرّقت عبراته في خدّه ... إذ لا مجير له من التفريق وقال الثعالبي: ما نظرت إلى الصوامع مذ برزت من نيسابور إلا ذكرت بيته، فأرى الصوامع، واستأنفت العجب من حسن هذا التشبيه وبراعته. *** قوله: نفحة ريّاها، أي حركة رائحتها الطيبة. مرآها البهيج: منظرها الحسن، وأزاهير رباها: أنوار كداها، وهي جمع أزهار، وأزهار جمع زهر، وهو النّور. تنجاب: تزول. ثم قال: سروج هي الموضع الذي أرست به جنة الدنيا، أي ثبتت فيه فكأنه قال: جنة الدنيا هي سروج. وسروج هذه بلد بقري وعمارات، وهي من بلاد الجزيرة وكورها المشهورة، والجزيرة انقسمت قسمين: ديار ربيعة وديار مضر، وسروج من كور ديار مضر، وهي ثغرية إذا كان للمسلمين قوّة يملكونها، وإذا ضعفوا غلبهم الروم، عليها وهي كثيرة الثلج والبرد.

стр. 878

قوله: ينزاح: يبعد. النشيج: البكاء. والزفرة: تنفّس المهموم. زحزحني: نحّاني. تهمي: تسيل. شجو: حزن. قرّ: سكن. يهيج: يتحرك. خطبها: أمرها مريج: مختلط. مساع: مواضع تصرفه، ويكون المسعى مصدرا بمعنى السعي. قاصرات، أي قصيرة، وكذا استعمالها لأن فعلها قصر، واسم فاعلها فعيل مثل ظرف فهو ظريف. الخطو: جمع خطوة. عوج: معوجّة. يومي حمّ، أي يوم موتي قدّر، أراد: ليت أني مت ولا أرى خروجي منها. أنسى ﵁ قال النبي ﷺ : «لا يتمنّين أحدكم الموت لضرّ نزل به، فإن كان لا بدّ فاعلا، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي: وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرا لي» (١). جابر ﵁: أن النّبي ﷺ قال: «لا تمنّوا الموت فإن هول المطلع شديد، وإن من السعادة أن يطول عمر العبد، وأن يرزقه الله الإنابة» (٢) وفي معنى وصفه سروج وبكائه عليها، قال الحصريّ الأعمى يتشوق إلى القيروان: [البسيط] أيا سقى الله أرض القيروان حيا ... كأنه عبراتي المستهلّات فإنّما لذة الجنات تربتها ... مسكيّة وحصاها جوهريات أرض أريضة، أقطار مباركة ... لله فيها براهين وآيات وحدّثني الفقيه أبو عبد الله بن زرقون في بستانه بطريانة، أيام قراءتي عليه النّوادر والكامل، وكان ﵀ ذاكرا بالطريقة الأدبية، مع تميّزه بالطريقة الفقهيّة، فدارت بيني وبينه في إحدى العشيات أنواع من المذاكرات في فنون أدبيات، فاهتزّ ﵀، وهشّ، وأظهر السرور بي- وأنا يومئذ غلام ما بقل عذاري- فقال: لقد علمت أن بيني وبينك أخوّة، قلت: وكيف ذاك يا سيدي؟ فقال: إني ولدت ببلدك شريش؛ فزدت بالحديث غبطة، واستزدت منه، فقال لي: ومع ذلك فثمّ قصة مستظرفة: اعلم أني كنت اجتزت بشريش قافلا من العدوة، مع الفقيه أبي بكر عبد الله بن العربيّ ﵀. فلما صرنا في بطاحها، وبين كرماتها وجنانها، أخذ الفقيه أبو بكر يثني عليها بكلّ لسان، على كثرة ما رأى من البلدان، ويقول: إن الأشياء التي جمعت فيها لا تكاد تجتمع في بلدة، من كثرة الزّرع والضّرع والزيت والعصير والملح وغير ذلك، فقلت له: أعلمت أني ولدت بها؟ فقال لي أبو بكر: أتقول أنت الآن: [مجزوء الرمل] * مسقط الرأس شريش*

стр. 879

فقلت له مجيزا: [مجزوء الرمل] * وبها كنت أعيش* فقال أبو بكر: [مجزوء الرمل] * بلدة يوجد فيها* فقلت: [مجزوء الرمل] * كلّ شيء ويريش* فقال أبو بكر: [مجزوء الرمل] * وردها من سلسبيل* فقلت: [مجزوء الرمل] * وصحاريها عريش* ثم سرنا في طريقنا على قوافي السّروجية، فرددناها شريشية، وقطعنا بها الطريق ونحن لا نشعر، فكانت أسرّ عشيّة رأيت، بمجالسة مثل هذا الفاضل وسنّه قد نيّف على الثمانين بسنتين، يحدّثني عن ابن عربي وابن عبدون الكاتب ونظرائهم، في رياض كلّها نزهة على نهر إشبيليّة، وهي أمامنا على بهجتها وجمالها، مادحا لي ولبلدي، ليدخل عليّ بذلك المسرّة، نسأل الله أن يبلغه غاية السرور في دار البقاء. *** قال: فلمّا بيّن بلده، ووعيت ما أنشده. أيقنت أنّه علّامتنا أبو زيد، وإن كان الهرم قد أوثقه بقيد. فبادرت إلى مصافحته، واغتنمت مؤاكلته من صفحته، وظلت مدة مقامي بمصر أعشو إلى شواظه، وأحشو صدفتيّ من درّ الفاظه، إلى أن نعب بيننا غراب البين، ففارقته مفارقة الجفن للعين. *** قوله: وعيت، أي حفظت. علّامتنا: عالمنا المشهور بالعلم. أوثقه: ربطه وشدّه، وقد تقدّم هذا القبيل من الهرم في أخبار وأشعار حسان، مصافحته: معانقته ووضع كفّي على كفّه. ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «أيّما امرئ يصافح أخاه ليس في صدر واحد منهما على أخيه إحنة لم تتفرّق أيديهما حتى يغفر الله لهما ما مضى من ذنوبهما» (١).

стр. 880

الإحنة: الحقد. اغتنمت: حسبتها غنيمة. مؤاكلته: الأكل معه. ابن عمر ﵄: طعام السخيّ دواء، وطعام الشحيح داء. ظلت، أي دمت، قال تعالى: الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً [طه: ٩٧]، أي دمت عليه مقيما. قال سيبويه ﵀: أصله: ظللت. الليث: يقال: ظلّ نهاره صائما. ولا تقول العرب: ظلّ إلا لكلّ عمل بالنّهار، كما لا تقول: بات إلّا للعمل باللّيل. أعشو: أنظر ببصر ضعيف. شواظه. ناره، والشّواظ لهب النّار الّذي لا دخان فيه. صدفتيّ: أذني. نعب: صاح. البين: الفراق، والغراب إذا صاح عندهم تشاءموا به، وقد تقدّم ذلك. مفارقة الجفن للعين، أي مسرعا بقدر ما تفتح عينك.

стр. 881

المقامة الحادية والثلاثون وهي الرّملية حكى الحارث بن همّام قال: كنت في عنفوان الشّباب، وريعان العيش اللّباب، أقلى الاكتنان بالغاب، وأهوى الاندلاق من القراب؛ لعلمي أنّ السّفر، ينفج السّفر، وينتج الظّفر، ومعاقرة الوطن تعقر الفطن، وتحقر من قطن، فأجلت قداح الاستشارة، واقتدحت زناد الاستخارة، ثم استجشت جأشا أثبت من الحجارة. وأصعدت إلى ساحل الشام للتّجارة، فلمّا خيّمت بالرّملة، وألقيت بها عصا الرّحلة، صادفت بها ركابا تعدّ للسّرى، ورحالا تشدّ إلى أمّ القرى. *** عنفوان وريعان، معناهما أول. اللباب: الخالص. أقلى: أبغض. الاكتنان: الاستتار والإقامة في الكنّ. والغاب: الشجر الملتفّ، وهو بيت الأسد، وأراد به بلدته، وأنه كان يكره الإقامة بها ويحبّ السفر. أهوى: أحبّ. الاندلاق: الخروج بسرعة وسهولة. والقراب: وعاء يجعل فيه السيف، وهو غمده. السّفر: جمع سفرة، وهي التي يجعل فيها الخبز ويضمّ عليها بحلق، وتستعمل في السّفر. ينفج: يكثر، أي تكثر المأكولات في السفر فتنفج به. ينتج: يولّد. الظّفر: الفوز بالحاجة. معاقرة الوطن: ملازمة بلد الإنسان. تعقر الفطن: تميت القلوب وتبلد الأذهان. قطن: سكن وأقام، فيريد أن الإقامة في بلدالإنسان تحقّر شأنه وتبلّد خاطره. [الوطن ومما قيل فيه شعرا] قال الشاعر: [الكامل] أنفق من الصّبر الجميل فإنه ... لم يخش فقرا منفق من صبره والمرء ليس ببالغ في أرضه ... كالصّقر ليس بصائد في وكره وأنشد الفنجديهيّ: [مجزوء الكامل]

стр. 882

نقّل ركابك في الفلا ... ودع العوالي والقصور فمحالفو أوطانهم ... أشباه سكّان القبور لولا التغرّب ما ارتقى ... درّ البحور إلى النّحور وقالوا: من لم يصاحب البرّ والفاجر، ولم يؤدبه الرخاء مرّة والشدة أخرى، ولم يخرج من الظّلّ إلى الشمس، فلا ترجه. وتقدم مثل هذا في التاسعة. وقال أبو العباس الأعمى: [البسيط] مللت حمص وملّتني فلو نطقت ... كما نطقت تلاحينا على قدر وسوّلت لي نفسي أن أفارقها ... والماء في المزن أصفى منه في الغدر أما اشتفت منّي الأيام في وطني ... حتى تضايق بي ما عزّ من وطري ولا قضت من سواد العين حاجتها ... حتى تكرّ على ما كان في السّفر وقال البحتريّ: [الطويل] وليس اغترابي من سجستان أنّني ... عدمت بها الإخوان والدّار والأهلا (١) ولكنّني مالي بها من مشاكل ... وإنّ الغريب الفرد من يعدم الشّكلا ولأبي الفتح البستي عفا الله عنه: [الكامل] ما أنصفت بغداد حين توحّشت ... لنزيلها وهي المحلّ الآنس (٢) لم يرع لي حقّ القرابة بحتر ... فيها ولا حقّ المروءة فارس وتعقّب عليه المعرّي في هذا فقال في أبي القاسم عليّ بن المحسّن التّنوخيّ القاضي: [البسيط] ذمّ الوليد ولم أذمم جواركم ... فقال ما أنصفت بغداد حيّيتا (٣) فإن لقيت وليدا والنوى قذف ... يوم القيامة لم أعدمه تبكيتا أحسنت ما شئت في تأنيس مغترب ... ولو بلغت المدى أحسنت ماشيتا وقال أبو الفتح البستيّ: [الطويل] وما غربة الإنسان في شقّة النّوى ... ولكنّها والله في عدم الشّكل وإني غريب بين بست وأهلها ... وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي

стр. 883

ولأبي بكر بن بقيّ: [البسيط] أقمت فيكم على الإقتار والعدم ... لو كنت حرّا أبيّ النّفس لم أقم فلا حديقتكم يجنى لها ثمر ... ولا سماؤكم تنهلّ بالدّيم أنا امرؤ إن نبت بي أرض أندلس ... جئت العراق فقامت لي على قدم ما العيش بالعلم الإحالة ضعفت ... وحرفة وكلت بالقعدد الهرم وللفقيه أبي محمد بن حزم: [الطويل] ولي حول أكناف العراق صبابة ... ولا غرو أن يستوحش الكلف الصّبّ فإن ينزل الرحمن رحلي بينهم ... فحينئذ يبدو التأسّف والكرب هنالك يدري أن للبعد قصة ... وأنّ كساد العلم آفته القرب *** قوله: أجلت، أي صرّفت. قداح: سهام. الاستشارة: مشاورة غيره في رأيه، وإجالة القداح تأتي في الثالثة والأربعين، واستعار هنا لمن يستشيره في أمر السفر قداحا، فإن وافق رأيه فكأنّه خرج له على السهم: «افعل» وإن خالفه فكأنه خرج عليه «لا تفعل». اقتدحت: ضربت. زناد: ما يكون فيه النار. الاستخارة: طلب الخيرة من الله تعالى. استجشت: حرّكت. جأشا: نفسا، وهي في سكونها عن السفر كالحجر فلا تتحرّك للسفر. أصعدت: طلعت. خيّمت: أقمت. الرّملة: بلدة بالشام، سمّتها العرب بالرّملة لمّا غلب عليها الرمل، وهي من كور فلسطين، بينها وبين بيت المقدس ثمانية عشر ميلا، وكانت لدّ مدينة فلسطين القديمة، فلما ولي الخلافة سليمان بن عبد الملك ابتنى مدينة الرّملة، وخرّب لدّ، ونقل أهل لدّ إليها، فصارت الرملة مدينة فلسطين. ألقيت: تركت. الرّحلة: الارتحال، وكني بإلقاء العصا عن الإقامة بعد أن تهيّأ. أم القرى: مكة. وكنا نوينا ترك ذكر مكة لشهرتها، ثم وجدنا شيخنا ابن جبير قد ذكر فيها أشياء قل من يضبطها، فأثبتناها إعلاما لمن أحبّ استطلاعها، وتبرّكا بذكر البيت الشريف أعزه الله تعالى. [مكة المكرمة] قال شيخنا: مكة بلد قد وضعها الله تعالى بين جبال محدقة بها، وهي في بطن واد، مدينة كبيرة مستطيلة لها ثلاثة أبواب: باب المعلّى يخرج منه إلى الجبّانة بالموضع الذي يعرف بالحجون عن يسار المارّ إليها جبل في أعلاه ثنيّة، عليها علم يشبه البرج منها إلى العمرة، وتعرف الثنيّة بكداء،

стр. 884

وهي التي جعلها حسّان موعد خيل الإسلام في قوله: [الوافر] * تثير النّقع موعدها كداء (١) * ومنها دخلت مكة يوم الفتح، قال رسول الله ﷺ : «ادخلوها من حيث قال حسان». والحجون هو الذي قال فيه الحارث بن مضاض: [الطويل] كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكّة سامر (٢) وعن يسار المارّ إليها جبل، وفي جبّانة الحجون مدفن جماعة من الصّحابة دثرت اليوم قبورهم، وفيها بقيّة علم ظاهر، وهو موضع خشبة عبد الله بن الزبير، كان في موضعه بناء مرتفع، فهدمه أهل الطائف غيرة منهم على ما كان يجدّد من لعنة الحجاج صاحبهم وعن يمينك إذا استقبلت الجبّانة مسجد في مسيل بين جبلين، وهو الذي بايعت الجنّ فيه النبيّ ﷺ ، وعلى باب الحجون طريق الطائف والعراق، والصّعود إلى عرفات، والباب بين الشرق والشمال مائلا إلى الشرق. الباب الثاني: باب السفلى إلى جهة الجنوب، عليه طريق اليمن، ومنه دخل خالد ابن الوليد، يوم الفتح. الباب الثالث: باب العمرة يعرف بالباب الزاهر، عليه طريق المدينة والشأم وجدّة، وهو غربيّ، ومنه يخرج إلى التّنعيم، وهو على فرسخ من مكة، وهو أقرب ميقات للمعتمرين، وطريقه حسن، فيه الآبار العذبة المسماة بالشّبيكة. وعلى ميل من مكة في طريق التّنعيم يلفى مسجد بإزائه حجر كالمصطبة، يعلوه حجر آخر مسند، فيه نقش داثر، يقال إن النبي ﷺ قعد عليه مستريحا عند مجيئه من العمرة، يمسح الناس خدودهم به تبرّكا. وبعده بغلوة على يسار الطريق قبر أبي لهب وامرأته، قد علاهما جبلان عظيمان من الصّخر لرجم الناس على قديم الدهر. وعلى قدر ميل يلفى الزاهر، وهو مبنيّ على جانبي الطريق، يحتوي على دار وبساتين لأحد المكيّين، وفيه مكان مستطيل، عليه كيزان الماء، ومراكن مملوءة، وهي القصاري للشرب والطّهور، وفيه منفعة كبيرة للمعتمرين. وعلى جانبي الطريق في الزاهر أربعة أجبال: جبلان، من هنا وجبلان من هنا،

стр. 885

يذكر أنها التي جعل إبراهيم ﵇ أجزاء الطير عليها، ثم دعاها عند قوله: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [البقرة: ٢٦]. وعند إجازتك بالزّاهر تمرّ بالوادي المعروف بذي طوى، كان ابن عمر ﵄ يغتسل فيه عند دخوله مكة، وفيه نزل النبيّ ﵊ عند دخوله، وفيه مسجد إبراهيم ﵇، وفيه آبار نعرف بالشّبيكة. ثم تخرج من الوادي إلى أعلام، وهي أحجار موضوعة بين الحلّ والحرم، كالأبراج المصفوفة، فداخلها إلى جهة مكة حرم، وهي كالأبراج، وآخذة من أعلى جبل، يعترض عن يمين الطريق في [التوجّه] إلى العمرة، وينشق الطريق إلى جبل عن يساره، وهما ميقات المعتمرين، [وفيها مساجد مبنية بالحجارة] وخارجها بنحو غلوتين مسجد عائشة ﵂. ومن جبال مكة جبال أبي قبيس، وهو على الحرم في الجهة الشرقية يقابل الحجر الأسود، في أعلاه مسجد عليه سطح يشرف على مكة، ويظهر حسنها وحسن الحرم واتساعه وجمال الكعبة، وهو مستودع الحجر الأسود من الطوفان، حتى أدّاه إلى إبراهيم ﵊، وفيه قبر آدم ﵇، وهو أحد أخشبي مكة، والأخشب الثاني المتصل بقعيقعان في الجهة الغربيّة، وفيه موقف النبي ﷺ ، عند انشقاق القمر. ومن جبالها حراء، على مقدار فرسخ، ومشرف على منى، وهو مرتفع في الهواء، كان متعبّد النبيّ ﷺ ، وهو الذي اهتزّ تحته، فقال: اسكن حراء، فما عليك إلا نبيّ وصدّيق وشهيدان، لعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄، وفيه نزلت أول آية من القرآن، وهو آخذ من المغرب إلى الشمال، وعلى طرفه الشماليّ جبّانة الحجون المتقدمة. ومن جبالها جبل ثور، وهو في الجهة اليمانية على فرسخ أو أزيد، وفيه الغار الذي أوى إليه النبيّ ﷺ ، وعلى مقربة من الغار قبة جبريل، وهي عمود منقطع من الجبال، قد قام شبه الذراع المرتفعة مقدار نصف القامة، وانبسط من أعلى شبه الكفّ، كأنّه قبّة مبسوطة، يستظلّ تحتها نحو العشرين رجلا، ومن مكة إلى منى نحو خمسة أميال. ومنى مدينة عظيمة الآثار واسعة الاختطاط، وقد خربت اليوم إلّا منازل يسيرة محدثة للنزول، كان الطريق إليها الميدان اتساعا وانفساحا. وأوّل ما يلقى المتوجّه إليها بقربها مسجد البيعة التي عقدها العباس للنبي ﷺ على الأنصار، ثم يفضي بها إلى جمرة العقبة، وهي أوّل منى وعليها مسجد، وبها علم منصوب شبه أعلام الحرم المذكورة، يجعله الرامي عن يمينه مستقبلا مكة، ويرمي بها سبع حصيات يوم النحر أثر طلوع الشمس، ثم ينحر أو يذبح، ويحلّق أو يقصّر، ومنى كلّها منحر، ويحلّ له كلّ الأشياء إلا النساء، وبعدها الجمرة الوسطى، وبها أيضا علم، وبين الجمرتين قدر غلوة، وبعدها بمقدار غلوة الجمرة الأولى التي ترمى وقت الزوال ثاني يوم النّحر بسبع حصيات، وفي

стр. 886

الوسطى بسبع، وفي جمرة العقبة بسبع، فتلك إحدى وعشرون حصاة، ويفعل ذلك في ثالث يوم النحر، فتلك اثنتان وأربعون حصاة، وسبع تقدّمت يوم النحر فتكمل تسع وأربعون حصاة. وفي أثر ذلك ينفضّ الحاجّ إلى مكة، وعند الجمرة الأولى يلفى مجرى الذّبيح ﵇، وفي موضع المجرى حجر ملصق بجدار فيه أثر قدم صغيرة، يقال إنها أثر قدمه، عند تحرّكه لان له الحجر إشفاقا، فيقبّله الناس ويلمسونه تبرّكا به. ومسجد الخيف آخر منّى، وهو متّسع الساحة، كأكبر ما يكون من الجوامع، وصومعته في رحبة المسجد، وله في القبلة أربع بلاطات، وهو مسجد مشهور البركة، ومن منى إلى المزدلفة نحو خمسة أميال، والمزدلفة تسمى المشعر الحرام وجمعا فلها ثلاثة أسماء. ووادي محسّر حدّ بين المزدلفة ومنى. والمزدلفة بسيط من الأرض فسيح حولها صهاريج للماء، وفي وسط البسيط حلق في وسطها قبّة، في أعلاها مسجد يصعد إليه على أدراج من جهتين، يزدحم الناس عليه للصلاة فيه عند مبيتهم بها، وبين المزدلفة وعرفات أزيد من خمسة أميال. وعرفات بسيط من الأرض [على] مدّ البصر، لو حشر الخلائق فيه لوسعهم، تحدق به جبال كثيرة. وفي آخر البسيط جبل الرّحمة، وهو موقف الناس، والعلمان قبله، فما أمامهما إلى عرفات جبل، وما دونهما حرم. وجبل الرحمة منقطع عن الجبال، قائم في البسيط، فهو كلّه حجارة. وكان صعب المرتقى، فأحدثوا فيه من أربع جهاته أدراجا وطيئة يصعد فيها بالدوابّ الموقرة. وفي أعلاه قبّة تنسب لأم سلمة ﵂، وفي وسطها مسجد يحدق به سطح فسيح السّاحة جميل المنظر، يزدحم الناس عليه للصلاة فيه، فيشرف منه على بسيط عرفات، وفي أسفله عن يسار القبلة دار عتيقة البنيان، فيها غرف، لها طيقان تنسب إلى آدم ﵊. وعن يسارها مسجد صغير. وبمقربة من العلمين مسجد إبراهيم ﵊، بقي منه الجدار القبلي يخطب فيه الخطيب يوم الوقفة، ثم يجمع بين الظهر والعصر، ثم يقف الناس بعد جمعهم الظّهر والعصر باكين داعين متضرّعين، حتى يغيب قرص الشمس، ثم يدفع الإمام المالكيّ بالناس بالنّفر دفعا ترتجّ منه الجبال، فيصلّون بمزدلفة المغرب والعشاء الآخرة، فيبيتون بها، والدنيا كلها شموع مسرجة، فإذا صلّوا الصبح غدوة النحر وقفوا داعين. ومزدلفة كلّها موقف إلا وادي محسّر، فإن فيه تقع الهرولة إلى منى، فإذا بلغوا منى رموا بها جمرة العقبة. ثم ينفر الناس إلى البيت المكرّم إلى طواف الإفاضة، وهو كمال الحجّ. وأما البيت المكرّم فهو قريب من التربيع، له أربعة أركان: ركن ينظر إلى الشرق

стр. 887

وفيه الحجر الأسود، ومنه ابتداء الطّواف. يبعد الطائف عنه قليلا، والبيت عن يساره، ثم يلفى بعد ذلك في طوافه الرّكن العراقيّ، وهو ناظر إلى الشمال. ثم الركن الشاميّ، وهو ناظر إلى المغرب، ثم الركن اليمانيّ، وهو ناظر إلى الجنوب، ثم يعود إلى ركن الحجر الأسود، وذلك شوط واحد. وباب البيت في السّفح الذي بين ركن الحجر والركن العراقيّ، وهو قريب من الحجر بعشرة أشبار، وما بين الحجر والباب يسمّى الملتزم، وهو موضع استجابة الدعاء، ويرتفع الباب من الأرض أحد عشر شبرا ونصفا، والباب من فضّة، مذهّب بديع الصّنعة، يستوقف الأبصار حسنا، وعضادتاه كذلك، وعلى رأسه لوح ذهب خالص إبريز في سعة نحو شبرين، وله نقّارتا فضة، كبيرتان يتعلّق عليهما قفل الباب، والباب ناظر إلى الشرق، وسعته ثمانية أشبار، وطوله ثلاثة عشر شبرا، وغلظ الحائط الذي ينطوي عليه الباب خمسة أشبار، وداخل البيت مفروش بالرخام المجزّع، وحيطانه كلّها رخام مجزّع، قد قام على ثلاثة أعمدة من السّاج، مفرطة الطول، بين كلّ عمود وعمود أربع خطا، ودائرة البيت كلّه من نصفه الأعلى مطليّ بالفضة المذهبة، يخيّل إليك أنها صفيحة ذهب لغلظها بالجوانب الأربع. وللبيت خمسة مصابيح، وعليها زجاج عراقيّ بديع النقش، أدرجت في وسط السقف، ومع كل ركن مضوأ، ويلفي الداخل من الباب عن يساره ركن الحجر الأسود وباب الرحمة، هو الذي يصعد عليه إلى السطح. والمقام حجر مغشّي بالفضة، ارتفاعه ثلاثة أشبار، وسعته شبران، أعلاه أوسع من أسفله، وآثار القدمين والأصابع فيه، صبّ لنا فيه ماء زمزم، فشربناه منه. ومن الباب إلى الركن العراقيّ حوض طوله اثنا عشر شبرا وعرضه خمسة أشبار، وارتفاعه شبر، هو علامة موضع المقام، وهو مصبّ ماءالبيت. وموضع المقام الذي يصلّى فيه ما بين الباب والركن العراقيّ، وموضع المقام قبّة حديد موضوعة إلى جانب قبّة زمزم ترفع في أشهر الحجّ، وتزال قبة الخشب، لأنها أجمل، لازدحام الناس. ومن ركن الحجر إلى الركن العراقيّ أربعة وخمسون شبرا، ومن الحجر الأسود إلى الأرض ستة أشبار، فالطويل يتطامن لتقبيله، والقصير يتطاول له. وموضع الطواف مفروش بحجارة مبسوطة كأنها الرخام: سود وحمر وبيض، تتّسع عن البيت مقدار تسع خطا، وسائر الحرم مفروش برمل أبيض، وطواف النساء في آخر الحجارة المفروشة. والحجر ستة أذرع وهو الذي تركته قريش من البيت، وعليه جدار دوره تسع وعشرون خطوة، وهي أربعة وسبعون شبرا من داخل الدويرة، ودور جداره كلّه مجزّع بديع الإلصاق من الرخام، وهو مفروش بالرخام الجزّع البديع التفاريع والتقاطيع، فمرآه عجيب.

стр. 888

والحرم له ثلاثمائة سوار من الرخام، وذرع الحرم في الطول أربعمائة ذراع، وفي العرض ثلاثمائة ذراع، فتكسيره ثمانية وأربعون مرجعا، وله تسع صوامع وتسعة عشر بابا، أكثرها مفتّح على الأبواب، منها باب الصفا، وهو مفتح على خمسة أبواب، وهو أكبرها، وعليه يخرج إلى السعي بين الصفا والمروة. وللصفا أربع عشرة درجة، وللمروة خمسة، وما بين الصفا والمروة ميل، وهو اليوم سوق جميل، يجمع الفواكه بمكّة وحوانيت الباعة يمين وشمال فلا يكاد الساعون يخلصون للسعي لكثرة الزحام. وقبّة بئر زمزم تقابل الحجر الأسود، منها إليه أربع وعشرون خطوة، وداخلها مفروش بالرخام الأبيض وتنور البئر في وسطها من رخام دوره أربعون شبرا، وارتفاعه أربعة أشبار ونصف، وغلظه شبر، وعمقه إحدى عشرة قامة، وعمق الماء سبع، وباب القبة ناظر إلى الشرق. ثم ذكر في البيت وما يتصل به من البئر من ذلك غرائب من صنع الرخام والنقوش وغير ذلك أشياء لا يسع كتابنا ذكرها، فلنقتصر على هذا القدر. *** فعصفت بي ريح الغرام، واهتاج لي شوق إلى البيت الحرام؛ فزممت ناقتي، ونبذت علقي وعلاقتي: [الوافر] وقلت للائمي أقصر فإنّي ... سأختار المقام على المقام وأنفق ما جمعت بأرض جمع ... وأسلو بالحطيم عن الحطام ثمّ انتظمت مع رفقة كنجوم اللّيل، لهم في السّير، جرية السّيل، وإلى الخير جري الخيل؛ فلم نزل بين إدلاج وتأويب، وإيجاف وتقريب، إلى أن حبتنا أيدي المطايا بالتّحفة، في إيصالنا إلى الجحفة؛ فحللناها متأهّبين للإحرام، متباشرين بإدراك المرام، فلم يك إلّا أن أنخنا بها الرّكائب، وحططنا الحقائب، حتّى طلع علينا من بين الهضاب، شخص ضاحي الإهاب؛ وهو ينادي: يا أهل ذا النادي، هلمّ إلى ما ينجي يوم التّنادي. فانخرط إليه الحجيج وانصلتوا، واحتفّوا به وأنصتوا. فلمّا رأى تأثّفهم حوله، واستعظامهم قوله، تسنّم إحدى الآكام، ثم تنحنح مستفتحا للكلام، وقال: *** قوله: عصفت، تحرّكت واشتدّت. الغرام: الشوق. اهتاج: تحرّك. زممت: شددت زمامها. نبذت: رميت. علقي: ما يتعلق به ويمسكه عن إرادته. علاقتي: ما

стр. 889

يتعلّق بقلبي. أقصر: كفّ. المقام: مقام إبراهيم ﵇. المقام: الإقامة. وجمع: اسم المزدلفة، سمّيت بذلك لاجتماع الناس فيها. الحطيم: حجر بمكة. الحطام: كسب الدنيا. انتظمت: ارتفقت. كنجوم الليل، أي هم أشراف وأهل أحساب. جرية: انصباب. الإدلاج: سير الليل. تأويب: سير النهار. إيجاف: إسراع. تقريب: جري متقارب. حبتنا: أوصلتنا وأعطتنا. التّحفة: الهديّة. إيصالنا: توصّلنا. الجحفة ميقات أهل الشأم ومصر والمغرب، وبينها وبين البحر ثمانية أميال. حللناها: نزلنا فيها. الإحرام: الدخول في الحرم. متباشرين: يبشّر بعضنا بعضا. بإدراك المرام: بلوغ الحاجة. أنخنا الركائب: بركنا الإبل بالأرض. حططنا الحقائب. أنزلنا الأحمال عن ظهورها. الهضاب: الكدى، واحدتها هضبة. ضاحي الإهاب: بارز الجلد، أي ثوبه خلق لا يستره. النّادي: المنزل. هلمّ، أي أقبلوا. يوم التّنادي، أي يوم البعث لاجتماع الناس فيه، أو لأنه ينادي للحساب. انخرط: اندفع بسرعة. الحجيج: اسم لجماعة الحجّاج. انصلتوا: خرجوا إليه مسرعين. احتفّوا: استداروا: وأنصتوا: سكتوا. تأثّفهم: اجتماعهم وثبوتهم حتى صاروا له كالأثافيّ للقدر. استطعامهم قوله: استدعاءهم كلامه. تسنم: ارتفع عليها، وأصل «تسنّم» ركب البعير، الآكام: الكدى. *** يا معشر الحجّاج، النّاسلين من الفجاج، أتعقلون ما تواجهون، وإلى من تتوجّهون! أم تدرون على من تقدمون، وعلام تقدمون! أتخالون أنّ الحجّ هو اختيار الرّواحل، وقطع المراحل، واتّخاذ المحامل، وإيقار الزّوامل! أم تظنّون أن النّسك هو نضو الأردان، وإنضاء الأبدان، ومفارقة الولدان، والتّنائي عن البلدان: كلّا والله، بل هو اجتناب الخطيّة، قبل اجتلاب المطيّة، وإخلاص النّيّة، في قصد تلك البنيّة، وإمحاض الطّاعة، عند وجدان الاستطاعة، وإصلاح المعاملات، أمام إعمال اليعملات! *** الناسلين: المسرعين. الفجاج: الطرق. وتعقلون: تفهمون. تواجهون: تستقبلون بوجوهكم، يريد البيت، إلى من تتوجهون: تقصدون. الرواحل: الإبل. المراحل: المواضع يرحل إليها وينزل فيها. المحامل: آلات من خشب يركب عليها، واحدها محمل، يقال: إن الحجّاج أوّل من أحدثها، ولذلك قال الشاعر: [الرجز]

стр. 890

أوّل عبد صنع المحاملا ... أخزاه ربّي عاجلا وآجلا (١) قوله: لزوامل: جمع زاملة، وهي البعير وغيره من الدوابّ يحمل عليها الطعام. وإيقارها: رفع الأوقار عليها، وهي الأحمال، والوقر: الحمل. النسك: التعبّد، نضو الأردان، تجريد المخيط من الثياب. التنائي: التباعد. اجتناب بعد، واجتنبته: بعدت عنه وتركته. الخطيّة: الذنب؛ يريد أن أوّل ما يجب على الحجاج أن يقدّموا التوبة. والبنيّة، هي الكعبة. إمحاض: إخلاص. وجدان: إصابة. الاستطاعة: القدرة على الشيء، وهي شرط وجوب الحج. المعاملات: الأفعال التي يتعامل بها الناس بينهم من المبايعات وغيرها، وأراد إصلاح فعل العبد بينه وبين ربه. إعمال اليعملات: استعمال الإبل للمشي، واليعملة: الناقة تعمل كثيرا في المشي. *** فو الّذي شرع المناسك للنّاسك، وأرشد السّالك في اللّيل الحالك، ما ينقي الاغتسال بالذّنوب، من الانغماس في الذّنوب، ولا تعدل تعرية الأجسام، بتعبئة الأجرام، ولا تغني لبسة الإحرام، عن المتلبّس بالحرام، ولا ينفع الاضطباع بالإزار، مع الاضطلاع بالأوزار، ولا يجدي التّقرّب بالحلق، مع التّقلّب في ظلم الخلق، ولا يرحض التّنسّك في التّقصير، درن التّمسّك بالتّقصير، ولا يسعد بعرفة، غير أهل المعرفة، ولا يزكو بالخيف، من يرغب في الحيف، ولا يشهد المقام، إلّا من استقام، ولا يحظى بقبول الحجّة، من زاغ عن المحجّة، فرحم الله امرأ صفا، قبل مسعاه إلى الصّفا، وورد شريعة الرّضا، قبل شروعه على الأضا، ونزع عن تلبيسه، قبل نزع ملبوسه، وفاض بمعروفه، قبل الإفاضة من تعريفه. ثمّ رفع عقيرته بصوت أسمع الصّمّ، وكاد يزعزع الجبال الشّمّ. *** شرع: فرض. المناسك: مواضع الذبح والنّحر، والنّاسك: الذي يأتي بنسك، وهو ما يذبح أو ينحر في الحرم. أرشد السالك: على الطريق للمشي فيها. الحالك: الشديد السّواد. الذّنوب: الدّلو. الانغماس: الغطس، يريد أن التطهّر لا يزيل الذّنوب. وما أحسن قول الحلوانيّ في غلام وسيم أراد النهوض للحج: [المنسرح]

стр. 891

يا طالب الحجّ وهو ذو صغر ... عجلت فاستأنه إلى الكبر إن كنت تبغي مثوبة فعسى ... تحمل لي قبلة إلى الحجر وإن رميت الجمار فارم بها ... كلّ فؤاد عليك لم يطر فقال دعني وزمزما فعسى ... أغسل عن وجنتي دم البشر قوله: تعدل، أي تقاوم وتساوي. الأجرام: الأجسام، واحدها جرم. تعبئة الأجرام: تحمّل أعباء الذنوب. لبسة: هيئة اللباس. التلبّس: التعلّق والاختلاط. الاضطباع: الاشتمال والالتحاف، واضطبع الرجل بثوبه، إذا أدخله تحت عضده الأيمن وألقاه على منكبه الأيسر، والاضطلاع: القيام بها. والأوزار: أثقال الذنوب. يجدي: ينفع. يرحض: يغسل. التقصير: الأخذ من الشّعر. درن: وسخ. التمسّك: التعلق. التقصير: التضييع، وترك الاجتهاد، عرفة: يوم من أيام الحج، سمّيت بذلك لأن آدم ﵇ لما أهبط من الجنة، نزل بالهند، وحوّاء بجدّة فالتقيا بعرفة، فسمّي موضع التقائهما ويوم التقائهما عرفة، وقيل: هي من العرف وهو الصّبر، ورجل عارف، أي صابر، فسمّي الموضع عرفة لصبر الناس على القيام به للدعاء. وقيل: هي من العرف، وهو الرّيح الطّيّبة، لأنها طيّبة بنسبتها إلى منى لما بمنى من أقذار الفروث والدماء لأن بمنى ينحر الهدي. يزكو: يكون ناميا، والزكاء: النماء والصلاح. والخيف: موضع بمكة سمي بالخيف، وهو ما ارتفع من الأرض عن موضع السّيل، وانحدر عن غلظ الجبل. والحيف: الظلم. يحظى: يسعد ويظفر. زاغ: مال وخرج. المحجّة: الطريق المستقيم. صفا: خلص قلبه. مسعاه: سعيه وجريه. الصفا: صخرة بمكة. ورد: دخل. شريعة الرّضا: طريقة الخير، والشريعة في النهر والغدير: الطريق. يهبط عليه إلى الماء، وبه سمّيت شريعة الدين لأنه طريق موصّل إلى الله تعالى، فورد الشريعة، دخل فيها، ووصل إلى الماء، وشرعت الدوابّ في الماء: دخلت فيه. الأضا: الغدران. نزع: زال وكفّ. تلبيسه: تخليطه، والإفاضة: آخر الطواف. تعريفه: وقوفه بعرفة. عقيرته: كناية عن صوته يزعزع: يحرّك. الشمّ: المرتفعة. *** وأنشد: [البسيط] ما الحجّ سيرك تأويبا وإدلاجا ... ولا اعتيامك أجمالا وأحداجا الحجّ أن تقصد البيت الحرام على ... تجريدك الحجّ لا تقضي به حاجا وتمتطي كاهل الإنصاف متّخذا ... ردع الهوى هاديا والحقّ منهاجا وأن تواسي ما أوتيت مقدرة ... من مدّ كفّا إلى جدواك محتاجا فهذه إن حوتها حجّة كملت ... وإن خلا الحجّ منها كان إخداجا

стр. 892

حسب المرائين غبنا أنّهم غرسوا ... وما جنوا ولقوا كدّا وإزعاجا وأنّهم حرموا حرزا ومحمدة ... وألحموا عرضهم من عاب أو هاجى أخيّ فابغ بما تبديه من قرب ... وجه المهيمن ولّاجا وخراجا فليس تخفى على الرّحمن خافية ... إن أخلص العبد في الطاعات أوداجي وبادر الموت بالحسنى تقدّمها ... فما ينهنه داعي الموت إن فاجا واقن التّواضع خلقا لا تزايله ... عنك الليالي ولو ألبسنك التاجا ولا تشم كلّ خال لاح بارقه ... ولو تراءى هتون السّكب ثجّاجا ما كلّ داع بأهل أن يصاخ له ... كم قد أصمّ بنعي بعض من ناجى وما اللّبيب سوى من بات مقتنعا ... ببلغة تدرج الأيّام إدراجا فكلّ كثر إلى قلّ مغبّته ... وكلّ ناز إلى لين وإن هاجا *** اعتيامك: اختيارك. أحداجا: جمع حدج، وهو ما يجعل على ظهر البعير، يركب عليه. حاجا: جمع حاجة. تمتطي: تركب. كاهل: مقدّم الظهر. ردع: كفّ وردّ، هاديا: دليلا. منهاجا: طريقا. تواسي: تعطي. جدواك: عطيتك. حوتها: جمعتها. إخداجا: نقصانا. المرائين: المظهرين الخير، وهم على خلافه. وحسب، بمعنى يكفي. كدّا: عجلة وشدّة. الإزعاج: ضد السكون والقرار، وأزعجته: لم تدعه يستقرّ. حرزا: تحصيل، وأحرزه: جعله تحت حرز. ألحموه: أمكنوه من لحمه. العرض: ما يسبّ من الرجل أو يمدح. هاجى: شاتم وسابّ. [الرياء والمراءون] ومما قيل في الرياء: قال رسول الله ﷺ : «إيّاكم والشّرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء» (١). وقال ﷺ : «لا رياء ولا سمعة من يسمع يسمّع الله به» (٢). وقال ﷺ : «من أسرّ سريرة ألبسه الله رداءها؛ إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ». وقال: «من أصلح سريرته، أصلح الله علانيته». وقال الشاعر: [الرمل]

стр. 893

وإذا أظهرت شيئا حسنا ... فليكن أحسن منه ما تسر فمسرّ الخير موسوم به ... ومسرّ الشرّ موسوم بشر وقال يحيى بن أكثم: [الطويل] يقول لي القاضي معاذ مشاورا ... وولّى امرأ فيما يرى من ذوي الفضل بعيشك ماذا تحسب المرء فاعلا ... فقلت وماذا يفعل الذئب في النّحل! يدقّ خلاياها ويأكل شهدها ... ويترك للزّبّال ما كان من فضل وأنشد الفرزدق: [الوافر] رئيس السوق محمود السّجايا ... يقصّر عن مدائحه البليغ نسمّيه بيحيى وهو ميت ... كما أن السليم هو اللديغ يعاف الورد إن ظمئت حشاه ... وفي مال اليتيم له ولوغ وللأبيض في الفقهاء المرائين: أهل الرياء لبستم ناموسكم ... كالذئب يدلج في الظلام العاتم فملكتم الدنيا بمذهب مالك ... وقسمتم الأموال بابن القاسم وركبتم شهب البغال بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم في العالم وله في نحوه أيضا: [الكامل] قل للإمام سنا الأئمة مالك ... نور العيون ونزهة الأسماع لله درّك من همام ماجد ... قد كنت راعينا فنعم الرّاعي فمضيت محمود النّقيبة طاهرا ... وتركتنا قنصا لشرّ سباع أكلوا بك الدنيا وأنت بمعزل ... طاوي الحشى متكفّت الأضلاع تشكوك دنيا لم تزل بك برّة ... ماذا رفعت بها من الأوضاع! وفي الإسرائيليات: جاءت عصفورة، فوقفت على فخّ، فقالت له: ما لي أراك منحنيا؟ قال: لكثرة صلاتي انحنيت، قالت: فما لي أراك بادية عظامك؟ قال: لكثرة صيامي بدت عظامي، قالت: فما هذا الصوف عليك؟ قال: لزهادتي لبست الصوف، قالت: فما هذه الحبّة في يدك؟ قال: قربان إن مرّ بي مسكين ناولته إيّاها، قالت: فإني مسكينة، قال: خذيها فقبضت على الحبة، فإذا الفخ في عنقها، فصاحت: قعي قعي. تفسيره: لا غرني مراء بعدك أبدا. قال الشاعر: [مخلع البسيط] نعوذ بالله من أناس ... تشيّخوا قبل أن يشيخوا

стр. 894

تقوّسوا وانحنوا رياء ... فاحذرهم إنّهم فخوخ وكان صائد يصيد العصافير في يوم بارد، فكان يذبحها والدموع تسيل، فقال عصفور لصاحبه: لا بأس عليك من الرجل، أما تراه يبكي! فقال له الآخر: لا تنظر دموعه، وانظر ما تصنع يداه. وراءى بعضهم ثم هتك الله ستره، فقال: [السريع] بينا أنا في توبتي مقبلا ... قد شبّهوني بابن دوّاد وقد حملت العلم مستظهرا ... وحدّثوا عني بإسناد إذ خطر الشيطان بي خطرة ... نكست منها في أبي جاد ابن دوّاد: عابد بمكة. صلّى رجل مراء فقيل له: ما أحسن صلاتك! قال: ومع ذلك فإني صائم. وقال طاهر بن الحسين لأبي عبد الله المروزيّ: كم لك منذ نزلت العراق؟ قال: منذ عشرين سنة، وأنا أصوم الدهر منذ ثلاثين سنة، قال: يا أبا عبد الله سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين. وأمر عمر لرجل بكيس، فقال: آخذ الخيط؟ فقال عمر: ضع الكيس. وكتب رجل عند الحسين كتابا فقال: أتجعلني في حلّ من تراب الحائط؟ فقال: يا أخي بلّ ورعك لا يتكسّر. وأخبارهم كثيرة. *** قوله: ابغ أي اطلب: القرب: أفعال البرّ التي تقرب من الله تعالى، واحدها قربة. ولّاجا وخرّاجا، أي كيف تصرّف فيها. داجي: ساتر العداوة ونافق. الحسنى: اسم للفعل الحسن، وتكون الحسنى مؤنثة الأحسن فتلزمها اللام، كالكبرى والأكبر وبابه، وتكون الحسنى كالبشرى والرّجعى. ينهنه يزجر ويكفّ. فاجى: جاء بغتة، ولبعضهم: [المتقارب] وهل نحن إلا مرامي السّهام ... ويحفزها نابل دائب طرائد تطلبنا النائبات ... ولا بدّ أن يدرك الطالب حبائل للدّهر مبثوثة ... يردّ إلى جذبها الهارب وقال آخر في معناه: [الوافر] تحاربنا جنود لا تجارى ... ولا تلقي بآساد الحروب تفوّق أسهما عن ظهر غيب ... وما أغراضها غير القلوب

стр. 895

فأنّي باحتراس من جنود ... مؤيدة تمدّ من الغيوب وقال ابن جبلة: [الكامل] وأرى اللّيالي ما طوت من شرّتي ... زادته في عظتي وفي إفهامي وعلمت أنّ المرء من سنن الردى ... حيث الرميّة من سهام الرامي قوله: اقن، أي اكتسب والتزم. خلقا: طبيعة. وقال ﷺ : «من تواضع لله رفعه الله» (١). وقالت الحكماء: كلّ ذي نعمة محسود عليها إلا المتواضع. وقال عبد الملك: أفضل الرجال من تواضع عن رفعة، وعفا عن قدرة، أنصف عن قوّة. وقال رجل لبكر بن عبد الله: علّمني التواضع، فقال له: إذا رأيت من وأكبر منك فقل: سبقني إلى الإسلام والعمل الصالح فهو خير مني، وإذا رأيت هو أصغر منك، فقل: سبقته إلى الذّنوب فهو خير مني. وقال أبو العتاهية: [البسيط] يا من تشرّف بالدنيا ولذّتها ... ليس التشرّف رفع الطّين بالطّين (٢) إذا رأيت شريف القوم كلّهم ... فانظر إلى ملك في زيّ مسكين وقال أبو الفتح البستيّ: [البسيط] من شاء عيشا رغيدا يستفيد به ... في دينه ثمّ في دنياه إقبالا فلينظرنّ إلى من فوقه أدبا ... ولينظرن إلى من دونه مالا قوله: لا تشم، أي لا تنظر. خال: سحاب. لاح بارقه، ظهر برقه: تراءى: تظاهر. هتون: كثير الماء. السّكب: الصّبّ ثجاجا: صبّابا، ثج الماء يثج نجا وثججته أنا. يصاخ: يسمع. أصمّ: كسب الصمم. والنّعيّ: الخبر بالموت. ناجى: حدّث. اللبيب: العاقل. بلغة: قوت يوم. تدرج تطوي. كثر: كثرة. قلّ: قلة. مغبّته: عاقبته وآخره ناز: مرتفع، ونزا الفحل ينزو نزوا: قفز على الأنثى. لين: فتور. هاج: اضطرب، ويروى: «وكل ناز إلى لين» وهو الصحيح، أخذه من المثل: فلان ينزو ويلين، يقول: لا ننخدع بما يكون له ظهور في ملبسه وهيئته، فقد يخيب ظنك وتقلّ فائدته، أو يكون مضرّا لا نفّاعا كما قد ينادي بك، فتظنّ النداء لمنفعة، فإذا سمعته فاجأك بمصيبة. وأخذ لفظ «كم قد أصمّ بنعي» من قول أبي تمام: [الطويل].

стр. 896

أصمّ بك الناعي وإن كان أسمعا ... فأصبح مغني الجود بعدك بلقعا (١) والسابق إلى هذا المعنى جزو بن ضرار، أخو الشماخ بقوله: [الطويل] أتاني فلم أسرر به حين جاءني ... حديث بأعلى القبّتين عجيب (٢) تصاممته حتّى أتاني بقينة ... وأفرغ منه مخطئ ومصيب وقال المتنبي: [البسيط] طوى الجزيرة لمّا جاءني خبر ... فزعت منه بآمالي إلى الكذب (٣) حتى إذا لم يدع لي صدقه خبرا ... شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي أشار بعد ذلك بالبيتين إلى القناعة، وأن كثير الدنيا مصيره إلى قليل، وقد تقدم أمثال هذا. وقال أبو تمام: [الخفيف] يا قليل البقاء في هذه الدا ... ر إلى كم يغرّك التسويف (٤) عجبا لامرئ يذلّ لذي الما ... ل، ويكفيه كلّ يوم رغيف ولابن عمران: [الكامل] عجبا لنا نبغي الغنى والفقر في ... نيل الغنى لو صحّت الألباب فيما يبلّغني المحلّ كفاية ... والفضل فيه تكاثر وحساب *** قال الرّاوي: فلمّا ألقح عقم الأفهام، بسحر الكلام، استروحت ريح أبي زيد، وماد بي الارتياح إليه أيّ ميد، فمكثت حتّى استوعب نثّ حكمته، وانحدر من أكمته. ثمّ دلفت إليه، لأتصفّح صفحات محيّاه، وأستشفّ جوهر حلاه؛ فإذا هو الضّالة الّتي أنشدها، وناظم القلائد الّتي أنشدها، فعانقته عناق اللّام للألف،

стр. 897

ونزّلته منزلة البرء عند الدّنف. وسألته أن يلازمني فأبى، أو يزاملني فنبا، وقال: آليت في حجّتي هذه ألّا أحتقب ولا أعتقب، ولا أكتسب ولا أنتسب، ولا أرتفق ولا أرافق، ولا أوافق من ينافق. ثم ذهب يهرول، وغادرني أولول. فلم أزل أقريه نظري، وأودّ لو يمشي على ناظري، حتّى توقّل أحد الأطواد، ووقف للحجيج بالمرصاد. فلمّا شاهد إيضاع الرّكبان في الكثبان، وقّع بالبنان على البنان. *** قوله: فلما أقلح عقم الأفهام، أي جعل العقيم منها حاملا بالعلم والفهم. استروحت: شممت فوجدت رائحته. ماد: مال. الارتياح: الطّرب. مكثت: أقمت. أستوعب: أستوفي: نثّ: نشر. أكمته: كديته (١). دلفت: أسرعت. أتصفّح: أنظر. صفحات محيّاه: جهات وجهه. أستشفّ: أبالغ النظر فيها. جوهر حلاه: خلقة صفاته. أنشدها: أطلبها. القلائد: جمع قلادة، وهي ما يجعل في العنق من سلوك الجوهر وغيرها، ومنه تقليد البدن بمكة، وتقلّدت بالسيف: جعلته في عنقي، وقلّدتك الأمر: جعلته في عنقك، وناظم القلائد: جاعلها في خيطها، ويعني بالقلائد ما نثر من وعظه، وأنشده من شعره- وصدق لعمري إنّ كلامه المنظوم والمنثور أبهى من القلائد في أعناق الخرائد. وقوله: عناق اللام للألف، أمّا بخط المغرب فلا معانقة بينهما إلا في الطرفين، وربما وقعت في بعض هذا الخطّ كالصليب، وفي بعضه لا التقاء بينهما البتّة، وإنما يريد صورة لام ألف بالخطّ الكوفيّ، وهما بذلك الخط متعانقان متلازمان من الأعلى إلى الأسفل. وأخذ اللفظ من قول بكر بن خارجة: [البسيط] يا من إذا قرأ الإنجيل ظلّ له ... قلب الحنيف عن الإسلام منصرفا رأيت شخصك في نومي يعانقني ... كما تعانق لام الكاتب الألفا [العناق ومما قيل فيه شعرا] ونذكر هنا ما يستحسن في العناق، قال البحتريّ: [الرجز] تلك نعم لو أنعمت بوصال ... لشكرنا في الوصل إنعام «نعم» (٢)

стр. 898

نسيت موقف الجمار وشخصا ... نا كشخص، أرمي الجمار وترمي وقال أيضا: [المتقارب] ولم أنس ليلتنا في العنا ... ق لفّ الصّبا بقضيب قضيبا (١) كما مرّت الريح في سيرها ... فطورا خفوقا، وطورا هبوبا وقال ابن المعتز: [السريع] كأنما عانقت ريحانة ... تنفّست في ليلها البارد (٢) فلو ترانا في قميص الدّجى ... حسبتنا من جسد واحد وقال عليّ بن الجهم: [الطويل] سقى الله ليلا ضمنا بعد هجعة ... وأدنى فؤادا من فؤاد معذّب (٣) فبتنا جميعا لو تراق زجاجة ... من الماء فيما بيننا لم تسرّب وقال ابن عبدوس الفاسي: سرت يوما إلى ابن الجهم، فأنشدني البيتين في العناق، فاقتدح زندي لإيراد مثله، فقلت: [البسيط] لا والمنازل من نجد وليلتنا ... بعيد إذ جسدانا بيننا جسد كم رام فينا الكرى مع لطف مسلكه ... نوما فما انفكّ لا خدّ ولا عضد ما أنصفوني، دعوني فاستجبت لهم ... حتى إذا قرّبوني منهم بعدوا أخذ هذا البيت من قول الآخر: [البسيط] أشكو الذين أذاقوني مودّتهم ... حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا (٤) وقال أبو نواس: [الطويل] لبسنا رداء الليل والليل راضع ... إلى أن تردّى رأسه بمشيب وبتنا كغصني بانة عصفتهما ... مع الصّبح ريحا شمال وجنوب إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه ... مبادي نصول في عذار خضيب فيا ليل قد فارقت غير مذمّم ... ويا صبح قد أصبحت غير حبيب قال صالح بن موسى: [السريع] لي سيّد ما مثله سيّد ... تصدّت الحمّى له فاشتكى

стр. 899

عانقته عند موافاتها ... والأفق بالليل قد احلولكا فجاءت الحمّى لعاداتها ... فلم تجد ما بيننا مسلكا ولابن الرومي: [الرمل] طالما التفّت إلى الصب ... ح لنا ساق بساق في نقاب من وداد ... ولئام من عناق وقال أيضا: [الطويل] أعناقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق تدان! وألثم فاها كي تموت حرارتي ... فيشتدّ ما ألقى من الهيمان كأنّ فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن يرى الروحان ممتزجان وقال ابن المعتز: [الكامل] يا ربّ فتيان صحبتهم ... لا يرفعون لسلوة قلبا لو تستطيع قلوبهم نفذت ... أجسامهم فتعانقت حبّا وقال ابن رشيق: [الكامل] ومهفهف يحميه عن نظر الورى ... غيران سكنى الموت تحت قبابه فلثمت خدّا منه ضرّم لوعتي ... وجعلت أطفئ حرّها برضابه وضممته للصّدر حتى استوهبت ... مني ثيابي بعض طيب ثيابه فكأنّ قلبي من وراء ضلوعه ... طربا يخبّر قلبه عمّا به وقال ابن لبّال: [الكامل] ما كنت أحسب قبل رؤية وجهه ... أن البدور تدور في الأغصان غازلته حتى بدا لي ثغره ... فحسبته درّا على مرجان كم ليلة عانقته فكأنّما ... عانقت من عطفيه غصن البان يطغى ويلعب عند عقد سواعدي ... كالمهر يلعب عند ثني عنان وقال آخر: [البسيط] مشتاقة طرقت في الليل مشتاقا ... أهلا بمن لم تخن عهدا وميثاقا يا زائرا زار من قرب على بعد ... آنست مستوحشا لأذقت ما ذاقا يا ليل عرّج على إلفين قد جعلا ... عقد السّواعد للأعناق أطواقا وقال ابن الزقّاق: [الطويل] ومرتجّة الأعطاف أمّا قوامها ... فلدن، وأما ردفها فرداح

стр. 900

سريت فبات اللّيل من قصر بها ... يطير وما غير السرور جناح وبتّ وقد زارت بأنعم ليلة ... يعانقني حتى الصّباح صباح على عاتقي من ساعديها خمائل ... وفي خصرها من ساعديّ وشاح ونظير هذا قول برهون الغرناطيّ: [البسيط] لله درّ ليال ما أحيسنها ... وما أحيسن منها ليلة الأحد لو كنت حاضرنا فيها وقد غفلت ... عين الرقيب فلم تنظر إلى أحد أبصرت شمس الضّحي في ساعدي قمر ... ريم موسّدة في ساعدي أسد وقال ابن قاضي ميلة: [الكامل] حيث التقى أسد العرين وظبية ... تحت اللحاف وصارم وسوار قالت أرى بيني وبينك ثالثا ... ولقد عهدتك للدخيل تغار أأمنت نشر حديثنا فأجبتها ... هذا الذي تطوى له الأسرار أخذ هذا من قول امرئ القيس: [الطويل] تجافى عن المأثور بيني وبينها ... وتدني عليّ السّابريّ المضلّعا (١) يعني بالمأثور السيف. قوله: الدّنف: المريض. يزاملني: يرادفني، والزّميل: الرّديف نبا. ارتفع وامتنع. أحتقب: أركب موضع الحقيبة، وهي ما يعلّق خلف الراكب، فيريد أنه حلف ألّا يكون رديفا، ويريد باحتقب أتّخذ حقيبة للزّاد، يريد أنه لا يحمل زادا اتكالا على ما عند الله تعالى. أعتقب: أركب عقبة يعني نوبة، وهما يعتقبان ويتعاقبان، إذا ركب أحدهما فجاء الآخر فكان مكانه، والاعتقاب: ركوب واحد ونزول آخر. ولحاتم في المعنى: [الطويل] وما أنا بالساعي بفضل زمامها ... لتشرب ماء الحوض قبل الركائب (٢) وما أنا بالطّاوي حقيبة رحلها ... لأبعثها خفا وأنزل صاحبي إذا كنت ربّا للقلوص فلا تدع ... رفيقك يمشي حلفها غير راكب أنخها فأردفه فإن حملتكما ... فذاك وإن كان العقاب فعاقب

стр. 901

أرتفق: أستعين أرافق: أطلب رفيقا. يهرول: يسرع المشي. غادرني: تركني أولول: أصيح: يا ويلي. أقريه: أتبعه. توقّل: صعد. الأطواد: الجبال. بالمرصاد: بمضيق الطريق بحيث يرتصد فيه جميع الناس، والمرصد والمرصاد عند العرب الطريق. إيضاع: سرعة، وقد أوضع في سيره: أسرع كأنه يهتزّ ويركض. الكثبان: أكداس الرمل. رقع: ضرب بالبنان على البنان، أي صفّق بيديه، وقد تطلق البنان مرادا بها اليد، قال الله تعالى: وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [الأنفال: ١٢]، أي الأيدي والأرجل. وأنشد الفنجديهيّ: [الوافر] أقاموا الدّيدبان على يفاع ... وقالوا لا تنم للدّيدبان إذا أبصرت ضيفا من بعيد ... فوقّع بالبنان على البنان ثراهم خشية الأضياف خرسا ... يقيمون الصلاة بلا أذان *** واندفع ينشد: [الخفيف] ليس من زار راكبا ... مثل ساع على القدم لا ولا خادم أطا ... ع كعاص من الخدم كيف يا قوم يستوي ... سعي بان ومن هدم سيقيم المفرّطو ... ن غدا مأتم النّدم ويقول الذي تقرّ ... ب: طوبى لمن خدم ويك يا نفس قدّمي ... صالحا عند ذي القدم وازدري زخرف الحي ... اة فوجدانه عدم واذكري مصرع الحما ... م إذا خطبه صدم واندبي فعلك القبي ... ح وسحّي له بدم واد بغيه بتوبة ... قبل أن يحلم الأدم فعسى الله أن يق ... يك السّعير الّذي احتدم يوم لا عثرة تقا ... ل ولا ينفع السّدم *** قوله: ليس من زار راكبا ... البيت. يريد أن ثواب الماشي في الحجّ أكثر من ثواب الراكب. وقال ابن عباس لبنيه: اخرجوا من مكّة مشاة، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ للحاجّ الراكب بكلّ خطوة تخطوها راحلته سبعين حسنة، وللماشي بكل خطوة

стр. 902

سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، قالوا: يا رسول الله، وما حسنات الحرم؟ قال: الحسنة منها بمائة ألف». وقوله: سعى بان ومن هدم، من قول بشار: [الطويل] متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وآخر يهدم المفرّطون: المقصّرون. مأتم: مناحة. ويك: تعجّب. ازدري: احتقري. زخرف: زينة. وجدان، مصدر وجدت الشيء. اندبي: أبكي. الحمام: الموت. مصرعه: طرحه للميت بالأرض. خطبة: أمره الشديد. صدم: ضرب، والصّدم: ضرب الشيء الصّلب بمثله، وأراد أنه أصاب، من قولهم: صدمهم أمر، أي أصابهم. سحّي: صبّي. يحلم: يتثقب. الأدم: الجلد، وهو مثل يضرب للشيء يفوت، قال الشاعر: [الوافر] * كدابغة وقد حلم الأديم (١) * السّعير: النار المتّقدة. احتدم: التهب واشتد اتّقاده. السّدم: همّ مع ندم. *** ثمّ إنّه أغمد عضب لسانه، وانطلق لشأنه، فما زلت في كلّ مورد نرده، ومعرّس نتوسّده، أتفقّده فأفقده، وأستنجد بمن ينشده فلا يجده، حتّى خلت أن الجنّ اختطفته، أو الأرض اقتطفته، فما كابدت في الغربة، كهذه الكربة، ولا منيت في سفرة، بمثلها من زفرة. *** عضب: حدّ، وأراد بإغماده سكوته. لشأنه: لأمره. مورد: موضع الماء. نرده: نقصده. معرّس: موضع النزول بالسّحر للاستراحة. نتوسّده: ننزل فيه. أتفقّده: أطلبه، والتفقّد طلب المفقود، قال الله تعالى: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ [النمل: ٢٠]، طلبه بعد ما فقده. أستنجد: أستعين. ينشده: يطلبه. اختطفته: أخذته، بسرعة. اقتطفته: اقتطعته. كابدت: قاسيت. الكربة: الهمّ. منيت: بليت. زفرة: تنفّس المهموم. ولأبي طالب الرّقّيّ في غلام محرم: [الطويل] ومشتمل عطفي عفاف وفتنة ... يرى قتل من يهوى إلى النسك مسلكا

стр. 903

جنى اللحظ من خدّيه وردا مكفورا ... ومن عارضيه ياسمينا ممسّكا فيا رائحا منه بأوفر فتنة ... تجهّز لعام بعد هذا لعلكا وقال صالح بن موسى: [السريع] عشقت صوفيّا له شاهد ... يقيم عذري عند عذّالي قد عبد الله بأحواله ... فليته ينظر في حالي

стр. 904

المقامة الثانية والثلاثون وتعرف بالطيبيّة حكى الحارث بن همام، قال: أجمعت حين قضيت مناسك الحجّ، وأقمت وظائف العجّ والثّجّ، أن أقصد طيبة، مع رفقة من بني شيبة؛ لأزور قبر المصطفى، وأخرج من قبيل من حجّ وجفا، فأرجف بأنّ المسالك شاغرة، وعرب الحرمين متشاجرة، فحرت بين إشفاق يثبّطني، وأشواق تنشّطني؛ إلى أن ألقي في روعي الاستسلام، وتغليب زيارة قبره ﵇ فأعتمت القعدة، وأعددت العدّة، وسرت والرّفقة، لا نلوي على عرجة، ولأنني في تأويب ولا دلجة، حتّى وافينا بني حرب، وقد آبوا من حرب، فأزمعنا أن نقضّي ظلّ اليوم، في حلّة القوم. *** أجمعت: عزمت عليه كأنه جمع نفسه له. ومناسك الحج: متعبّداته. وظائف: لوازم، والوظيفة: النصيب الذي يلزمك عزمه. العجّ: رفع الصوت بالتّلبية، وكانوا في الجاهلية إذا أتمّوا حجّهم يتفاخرون بمآثر آبائهم، فأمروا بالثناء على الله تعالى. والثّجّ: إراقة الدماء، وعجّ يعجّ عجّا وعجيجا: رفع صوته، وثججت الدمع، أثجّه: أسلته، وهو لازم ومتعدّ. وسئل رسول الله ﷺ عن أفضل الأعمال فقال: «العجّ والثّج» (١). طيبة: مدينة النبي ﷺ . بنو شيبة: حجبة البيت، وشيبة هو عبد المطلب، وسمّي بذلك، لأنه نشأ بالمدينة عند أخواله صغيرا، فلما مات أبوه هاشم ذهب إليه المطلب، فأتى به فرآه معه أهل مكة فقالوا: ما هو إلا عبد اشتراه، فغلب عليه عبد المطلب. جفا أراد به قول النبي ﷺ : «من حجّ البيت ولم يزرني، فقد جفاني، ومن زارني بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي». وقال رسول الله ﷺ : «من جاءني زائرا لا يهمّه إلا زيارتي كان حقّا على الله أن

стр. 905

أكون له شفيعا يوم القيامة» (١). وفي رواية: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» (٢). وأرجف الرّجل: خاض في الفتنة والأخبار المسيئة. وشغر الطريق: خلا من حماته والمدينة خلت من حماتها، وبلد شاغر، بعيد من القاضي والسلطان، فلا يمتنع من غارة أحد، والشّغر: التفرقة، ومنه: خرجوا شغر بغر، أي تفرّقوا، وشغر عن بلده شغرا وشغارا، إذا طرحوه ونفوه، واشتغرت الحرب بينهم: اتّسعت وعظمت، وامرأة شاغرة، إذا رفعت رجليها لكلّ من نكحها، والمعنى أنّ المسالك شاغرة، أي أنّ الطرق مضطربة خالية من حماتها. الحرمين: مكة والمدينة. متشاجرة؛ مختلفة. إشفاق: خوف. يثبّطني: يحبسني. تنشّطني: تحرّضني. روعي: نفسي. الاستسلام: الانقياد لأمر الله تعالى. أعتمت: اخترت. القعدة: الراحلة المتّخذة للركوب. تلوي: تعطف. عرجة: شيء يشغل ليعرج عليه. نني: نفتر، وتأويب ودلجة: مشي النّهار والسّحر، والدّلجة، بضم الدال: الاسم من الإدلاج، وهو سير جميع الليل، والتأويب: سير النهار أجمع، والدّلجة؛ بفتح الدال من الإدلاج بوزن الافتعال؛ وهو أن يسير من آخر الليل. يعقوب: خرجنا بدلجة ودلجة: إذا خرجوا في آخر الليل. وافينا: وصلنا. آبوا: رجعوا. أزمعنا: عزمنا. نقضّي: نتمّ، أراد عزمنا على أن ننزل ونتمّ بقية يومنا عندهم، وظلّ الشيء إنما يبقى ببقائه. والحلّة. النزول، والقوم: اسم للجمع، والحلّة هيئة الحلول، والحلّة مجلس القوم ومجتمعهم، لأنّهم يحلّونه، والجمع حلال، والحلّة جماعة بيوت الناس. *** وبينما نحن نتخيّر المناخ، ونرود الورد النّقاخ، إذا رأيناهم يركضون، كأنّهم إلى نصب يوفضون، فرابنا انثيالهم، وسألنا ما بالهم؟ فقيل: قد حضر ناديهم فقيه العرب؛ فإهراعهم لهذا السّبب؛ فقلت لرفقتي: ألا نشهد مجمع الحيّ، لنتبيّن الرّشد من الغيّ! فقالوا: لقد أسمعت إذ دعوت، ونصحت وما ألوت. *** المناخ: موضع النزول. نرود: نطلب. الورد النّقاخ: الماء البارد العذب، وأنشد أبو عليّ: [الوافر] تركت النّبيذ لأهل النبيذ ... وأصبحت أشرب عذبا نقاخا سمّي نقاخا، لأنه ينقخ الفؤاد ببرده، أي يكسره. يركضون: يجرون مسرعين. نصب: صنم، كانوا في الجاهلية ينصبونه، ويذبحون عليه لأوثانهم، وجمعه أنصاب،

стр. 906

والنّصب: الشرّ، قال الله تعالى: بِنُصْبٍ وَعَذابٍ [ص: ٤١]. يوفضون: يسرعون. إهراعهم: إسراعهم، وأهرع: أسرع فزعا مرتعدا. ويهرعون: يستحثّون. ألوت: قصرت. ثمّ نهضنا نتّبع الهادي، ونؤمّ النّادي، حتّى إذا أظللنا عليه، واستشرفنا الفقيه المنهود إليه، ألفيته أبا زيد ذا الشّقر والبقر، والقواقر والفقر، وقد اعتمّ القفداء، واشتمل الصّمّاء، وقعد القرفصاء، وأعيان الحيّ به محتفّون، وأخلاطهم عليه ملتفّون، وهو يقول: سلوني عن المعضلات، واستوضحوا منّي المشكلات، فو الّذي فطر السّماء، وعلّم آدم الأسماء، إنّي لفقيه العرب العرباء، وأعلم من تحت الجرباء. فصمد له فتى فتيق اللّسان، جريء الجنان، وقال: إنّي حاضرت فقهاء الدّنيا، حتّى انتخلت منهم مائة فتيا، فإن كنت ممّن يرغب عن بنات غير، ويرغب منّا في مير، فاستمع وأجب، لتقابل بما يجب، فقال: الله أكبر، سيبين المخبر، وينكشف المضمر، فاصدع بما تؤمر. *** الهادئ: الدليل. نؤمّ: نقصد. النادي: مجتمع القوم. أظللنا: قربنا منه ودنونا وأشرفنا عليه. استشرفنا: نظرنا وتأمّلنا، والاستشراف: أن تضع يدك على حاجبك من الشمس إذا أردت النّظر إلى شيء يبعد منك. المنهود: المقصود، ونهدت إليه ونهضت بمعنى، ونهد ينهد نهدا، أي شخص ونهض. وقيل: أكثر ما يستعمل هذا في الحرب، يقال: نهد إلى العدوّ، إذا نهض ليقاتله. ألفيته: وجدته. ذا الشّقر والبقر: صاحب الدواهي، يقال: جاءنا بالشّقر والبقر، إذا جاء بالكذب المستفظع، وجاء بالشّقارى والبقّارى، أي بالكذب. والفواقر: قواصم الظّهر، يراد بها الدواهي، والفاقرة: الكاسرة للفقار، وهو عظم الصّلب. والفقر في النثر، مثل القوافي في الشعر. القفداء، بالقاف قبل الفاء: أن يلفّ عمامته على رأسه ولا يرسل منها شيئا. ابن سيده: القفداء: والقفد، إذا لوى عمامته على رأسه، ولم يسدلها، قال الأزهريّ رحمه الله تعالى: العمّة القفداء معروفة، وهي الميلاء، والسنّة أن يتعمّمو يسدل خلف ظهره. ابن عمر ﵄. كان النبي ﷺ إذا تعمّم سدل عمامته بين كتفيه (١). والصّمّاء: أن تجلّل نفسك بالثوب غير المخيط، ولا ترفع شيئا من جوانبه، فتكون فيه فرجة تخرج منها اليد، وإنما نهى عن ذلك مخافة أن تصيبه شدّة في تلك الحالة، وهو لا يقدر على إخراج يده، فيدفعها فيهلك.

стр. 907

وقال الفنجديهيّ: رأيت بخط الحريريّ: اشتمل الصّمّاء، أي التحف بثوب جلّل جسده، وقيل لها صمّاء لأنها لا منفذ فيها كالصخرة الصماء، التي لا صدع فيها ولا خرق، وهي عند الفقهاء أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه، فتبدو عورته، فنهي عن ذلك. وقال الأزهريّ: هذا أصحّ الكلام، والفقهاء أعلم بتأويل هذا. والقرفصاء: أن يقعد على إليتيه، وينصب ساقيه، ويلصق فخذيه ببطنه ويحتبي بيديه فيضعهما على ساقيه، قاله أبو عبيد. وقيل: هي جلسة المحتبي، ثم يرفع فخذيه وركبتيه إلى صدره، ويدير يديه على ساقيه، ويشدّهما، فإذا فعلت ذلك بالرجل وشدّدت يديك عليه، فقد قرفصته. الفنجديهي: رأيت بخط الحريريّ: معناه أن يحتبي بيديه، قال أبو أمامة: كان النبيّ ﷺ يجلس القرفصاء فيضع يده اليمنى على الشمال عند المفصل (١). وتقرفص الرّجل، إذا جمع يديه وانضمّ من جرب أو قروح به. أعيان: أشراف. محتفّون: محلّقون، والمنزل محفوف بالناس إذا اجتمعوا بحفافيه، أي بجانبيه. والأخلاط: الدّون من الناس. والمعضلات: الغامضات من الكلام الصّعب. واستوضحوا، أي طلبوا منّي إيضاحها، أي بيانها. فطر: خلق، وفطر الله الخلق ابتدأ خلقهم، قال ابن عباس: ما كنت أدري ما فاطر السموات والأرض حتى احتكم إليّ أعرابيّان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأتها، وقال الله تعالى: إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [هود: ٥١] أي خلقني. ويتفطّرن: يتشقّقن، وانفطرت: تشقّقت. وعلّم آدم الأسماء كلّها، أي علمه أسماء كل شيء من المخلوقات. وفقيه العرب، أي عالمهم، وقال تعالى: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ [التوبة: ٢٢] أي ليكونوا علماء به، وكلّ عالم بشيء فهو فقيه فيه، ويقال: فقهت عنك، أي فهمت، وفقهت فقها، أي صرت فقيها، وهو الحاذق بما يعلمه، وفقهت الرجل: غلبته في الفقه، العرباء: الخالصة، وهذا الادّعاء الذي يدعى الآن يسمى انتحال العلم. وقال بعض الحكماء: لا ينبغي لأحد أن ينتحل العلم. وقال مقاتل بن سليمان يوما، وقد دخلته أبّهة العلم: سلوني عمّا تحت العرش إلى أسفل الثرى، فقال له رجل: ما نسألك عن شيء من ذلك، إنّما نسألك عما معك في الأرض، أخبرني عن كلب أهل الكهف ما كان لونه؟ فأفحمه. ولما شهرت تآليف ابن قتيبة، ولحظ بعين العالم المتفنّن، صعد المنبر، وقد غصّ المحفل واعتلى، تبريزا على علماء وقته، مع فضل جاه اشتمل به من السلطان، فقال:

стр. 908

ليسألني من شاء عمّا شاء، فقام إليه أحد الأغفال، فقال له: ما الفتيل والقطمير؟ فلم يحر جوابا، وأفحمه ونزل خجلا، وانصرف إلى منزله كسلا. فلما نظر اللفظتين وجد نفسه أذكر الناس بهما، وهذا من عقاب العجب. ورأيت في بعض الأخبار أنّ ابن قتيبة سئل عن حرف لغة فلم يعلمه وقت السؤال- وكان أبيض مشربا بحمرة- فلما وجد الحرف غلبت الحمرة على وجهه، حتى طفئ أسفا على فوت الحرف وقت الحاجة، ولعله كان ما قدّمنا في الحكاية. وقال قتادة: ما سمعت قطّ شيئا إلا حفظته، ولا حفظت قطّ شيئا فنسيته. ثم قال: يا غلام هات نعلي، فقال: هما في رجليك، ففضحه الله. وقال قتادة: حفظت ما لم يحفظ أحد قطّ، ونسيت ما لم ينس أحد قطّ، حفظت القرآن في سبعة أشهر، وقبضت على لحيتي، وأنا أريد أن أقطع ما تحت يدي، فقطعت ما فوقها. وكان بشريش رجل من أهل الدين والورع، وحجّ في أيام أبي حامد وصحبه، ففاتت صلاة الصبح يوما لأحد أصحابه، فلامه على ذلك، فاعتذر له صاحبه فلم يعذره. ثم قال له على معنى الترغيب: كملت لي اليوم عشرون سنة، ما فاتتني صلاة الصبح في جماعة، فلمّا كان في اليوم الثاني أدرك الحاج من صلاة الصبح ركعة واحدة، فلما لقيه صاحبه بعد الصلاة قال له: هذا كما رأيت. وإنما ذكرت عملك على معنى التبصرة والإرشاد، فلو ذكرته على غير ذلك لفاتتك، وإذا كان موسى كليم الله قد عاتبه الله على الانتحال، حين سئل: أيّ الناس اليوم أعلم؟ قال: أنّا، وابتلي بالسفر حتى لقي الخضر، وجلس إليه راغبا في أن يعلّمه، والخضر لا ينبسط له في التعليم، ونقر عصفور في البحر، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك في علم الله تعالى، إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. وروي عن عبد الملك بن حبيب من طريق وهب بن منبّه: أنّ الله تعالى قال لموسى ﵇: أتدري لم كلّمتك؟ قال: لا يا ربّ، قال: إني اطّلعت على قلوب العباد فلم أر فيها قلبا أشدّ تواضعا من قلبك، قال المنجم: [السريع] لكل شيء في الورى آفة ... وآفة المرء من الكبر وقال آخر: [الكامل] الكبر يأس والتواضع رفعة ... والمزح والضحك الكثير سقوط والحرص فقر والقناعة رفعة ... واليأس من روح الإله قنوط فينبغي لكل عاقل أن يقول: ما أمر الله تعالى رسوله ﷺ بقوله: رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه: ١١٤]، ولا يرى لنفسه حظّا، ويشكر الله تعالى على ما أعطاه فهو بالأدب أليق، وبالشرع أوفق.

стр. 909

ومن سخيف الشعر في الانتحال: [الطويل] وما عنّ لي من غامض العلم غامض ... مدى الدّهر إلّا بتّ منه على علم وقال عديّ بن الرّقاع: [الكامل] وعلمت حتى ما أشاور عالما ... عن علم واحدة لكي أزدادها (١) وسمعه كثيّر ينشده الوليد بن عبد الملك، فقال له: كذبت وربّ البيت الحرام، فليمتحنك أمير المؤمنين في صغار الأمور دون كبارها، حتى يتبيّن جهلك، وما كنت قطّ أحمق منك اليوم حين تظنّ هذا في نفسك. وقال أبو موسى المنجم: ما أحد تمنّيت أن أراه، فلمّا رأيته أمرت بصفعه إلا عديّا، فقيل له: ولم ذلك؟ قال: لقوله هذا البيت، كنت أعرض عليه أصناف العلوم، فكلمّا مرّ عليه بشيء لا يحسنه أمرت بصفعه. قوله: وأعلم من تحت الجرباء: سمّيت السماء جرباء، لأن النجوم فيها كالجرب في البدن. وقال ابن الروميّ في غلام يهواه وخرج عليه جدريّ، وأشار إلى جرب السماء: [الوافر] وقالوا شأنه الجدريّ فانظر ... إلى وجه به أثر الكلوم فقلت: ملاحة نثرت عليه ... وما حسن السّماء بلا نجوم! وقال أبو بكر بن السراج في الفتح بن مسروق البلخيّ، وقيل: قالهما في ابن ياسر المغنّي، وكان من أحسن الناس وجها: [السريع] لي قمر جدر لمّا استوى ... فزاده حسنا وزادت الهموم كأنّما غنّى لشمس الضحى ... فنقّطته طربا بالنجوم وقال آخر: [البسيط] كأن آثار تجدير بوجنته ... عشر معوّرة في صحف ورّاق *** وقال ذو الوزارتين أبو الوليد بن زيدون: قال لي اعتلّ من هويت حسود ... قلت أنت العليل ويحك، لا هو ما الّذي تنقمون من بثرات ... ضاعفت حسنه وزانت حلاه وجهه- في الصّفاء والرقة- الماء ... ء، فلا غرو أن حباب علاه

стр. 910

قوله: صمد، أي قصد. فتيق: طليق. جريء الجنان: ماضي القلب قويّه. انتخلت: اخترت. الفتيا: لغة في الفتوى، وهما اسمان يوضعان موضع الإفتاء، تقول: إفتاء وفتيا وفتوى. بنات غير، كناية عن الكذب. الفنجديهيّ. رأيت بخط الحريريّ: بنات الغير: الكذب. الفرّاء: يقال للرجل، أبو بنات عبر، وهو الباطن بعين مهملة وباء منقوطة، واحدة. مير: رزق وصلة، وأصله جلب الطعام للأكل. الله أكبر: حكى أهل اللغة أنّ معناه كبير، وقال الفرزدق: [الكامل] إنّ الّذي سمك السّماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعزّ وأطول (١) أي عزيزة طويلة: قال معن بن أوس: [الطويل] لعمرك ما أدري وإنّي لأوجل ... على أيّنا تعدو المنيّة أوّل (٢) أي لوجل، وقال النّحويون: الكسائي والفراء وهشام معناه: أكبر من كل شيء، فحذفت من لأنّ أفعل خبر، كقولك: أبوك أفضل وأعقل، أي من غيره، ولو كان اسما لم يحذف منه شيء، ألا ترى أن من قال: أخوك أفضل لم يقل إن أفضل أخوك، فحذفت «من» في الخبر، لأن الخبر يدلّ على أشياء غير موجودة في اللّفظ، نحو أخوك قام، فيدلّ على المصدر والزمان والمكان والاسم لا يحذف منه شيء يدلّ عليه. والمخبر، مصدر خبرت خبرة ومخبرا، إذا جرّبته، فأراد: سيتبيّن لك بالتجربة ما ادّعيته من العلوم، وينكشف لك ما أضمرته منها. اصدع: تكلّم وأظهر، وصدعت بالحق تكلّمت به جهارا، وقوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: ٩٤] أي أظهر دينك.

стр. 911

وإنما اعتمد الشيخ أبو محمد الحريري في شرح الألفاظ التي ألغز بها على الوجه المعمّى؛ ولنشرح ما سوى ذلك مما اشتملت عليه إن شاء الله تعالى. *** قال: ما تقول فيمن توضّأ ثمّ لمس ظهر نعله؟ قال: انتقض وضوءه بفعله (النّعل: الزّوجة). قال: فإن توضّأ ثمّ أتكأه البرد؟ قال: يجدّد الوضوء من بعد (البرد: النوم). قال: أيمسح المتوضّئ أنثييه؟ قال: قد ندب إليه، ولم يوجب عليه. (الأنثيان: الأذنان). قال: أيجوز الوضوء ممّا يقذفه الثّعبان؟ قال: وهل أنظف منه للعربان! (الثّعبان: جمع ثعب، وهو مسيل الوادي). قال: أيستباح ماء الضّرير؟ قال: نعم، ويجتنب ماء البصير. (الضّرير: حرف الوادي. والبصير: الكلب). قال: أيحلّ التّطوّف في الرّبيع؟ قال: يكره ذلك للحدث الشّنيع. (التّطوّف: التّغوّط. والرّبيع: النّهر الصّغير). *** قوله: لمسّ، جرّ أصابعه عليها. أتكأه: جعله متّكئا. يقذفه: يطرحه من بطنه. والصّرير: الأعمى. والبصير: البصر. والطّوف: مصدر طاف حول الشيء إذا دار به. والحدث: الغائط، وجعله شنيعا لأن الإنسان إذا فعله في الماء ظهر على وجه الماء فكانت به شنعة، واستقذر الماء فلم يستعمل، وإن كان مباحا استعماله. *** قال: أيجب الغسل على من أمنى؟ قال: لا ولو ثنّى. (أمنى: نزل مني، ويقال منه: منى وأمنى وامتنى). قال: فهل يجب على الجنب غسل فروته؟ قال: أجل وغسل إبرته (الفروة: جلدة الرّأس، والإبرة: عظم المرفق). قال: أيجب عليه غسل صحيفته؟ قال: نعم كغسل شفته (الصّحيفة: أسرّة الوجه).

стр. 912

قال: فإن أخلّ بغسل فأسه؟ قال: هو كما لو ألغى غسل رأسه (الفأس: العظم المشرف على نقرة القفا). قال: أيجوز الغسل في الجراب؟ قال: هو كالغسل في الجباب. (الجراب: جوف البئر). قال: فما نقول فيمن تيمّم ثم رأى روضا؟ قال: بطل تيمّمه فليتوضّأ (الرّوض هاهنا: جمع روضة، وهي الصّبابة تبقى في الحوض). *** أخلّ: نقص. نقرة: حفرة. الرّوض: مواضع الغيث. والصّبابة: البقيّة. *** قال: أيجوز أن يسجد الرّجل في العذرة؟ قال: نعم وليجانب القذرة (العذرة: فناء الدار). قال: فهل له السّجود على الخلاف؟ قال: لا، ولا على أحد الأطراف. (الخلاف: لكم). قال: فإن سجد على شماله؟ قال: لا بأس بفعاله. (الشّمال: جمع شملة). قال: فهل يجوز السّجود على الكراع؟ قال: نعم، دون الذّراع (الكراع: ما استطال من الحرّة، وهي أرض ذات حجارة سود). قال: أيصلّي على رأس الكلب؟ قال: نعم، كسائر الهضب (رأس الكلب: ثنيّة معروفة). قال: أيجوز للدّارس حمل المصاحف؟ قال: لا، ولا حملها في الملاحف. (الدّارس: الحائض). قال: ما نقول فيمن صلّى وعانته بارزة؟ قال: صلاته جائزة. (العانة: الجماعة من حمر الوحش). *** والكراع: الرّجل، وكراع كلّ شيء طرفه. والحرّة: أرض فيها حجارة سود. والهضب: جمع هضبة وهي الصخرة العظيمة، والكدية الصغيرة، وقيل: الهضبة الجبل

стр. 913

المنبسط على وجه الأرض، وقيل: الجبل الطويل المتّسع والجمع هضاب. ثنيّة: عقبة. *** قال: فإن صلّى وعليه صوم؟ قال: يعيد ولو صلّى مائة يوم. (الصوم: ذرق النّعام). قال: فإن حمل جروا وصلّى؟ قال: هو كما لو حمل باقلّي. (الجرو: الصّغار من القثّاء والرّمان). قال: أتصحّ صلاة حامل القروة؟ قال: لا، ولو صلّى فوق المروة (القروة: ميلغة الكلب). قال: فإن قطر على ثوب المصلّي نجو؟ قال يمضي في صلاته ولا غرو. (النّجو: السّحاب الّذي قد هراق ماءه). قال: أيجوز أن يؤمّ الرّجال مقنّع؟ قال: نعم، ويؤمّهم مدرّع. (المقنّع: لابس المغفر، والمدرّع: لابس الدّرع). قال: فإن أمّهم من في يده وقف؟ قال: يعيدون ولو أنّهم ألف (الوقف: السّوار من العاج أو الذّبل، وأراد أنّه لا يجوز للرجال الائتمام بالنّساء). الميلغة: ما يشرب فيه الكلب الماء، وهي من ولغ الكلب، إذا تناول الماء بلسانه والقروة: نقير من خشب تشرب منه الكلاب. والقثّاء: هو الفقّوس. والنّجو: هو الحدث لا غرو: لا عجب. والمقنّع: لابس القناع، يريد المرأة. والوقف: ما وقف وحبس من الأموال على المساكين والمساجد. والذّبل: جلد السّلحفاة البريّة، ويقال: إنها تعظم، فربّما يضع التاجر ليلا عليها حمله يظنّها صخرة فترتحل به، ويستعمل من الطّبق الذي عليها خلاخل للحشم والعبيد. والعاج عظم الفيل. *** قال: فإن أمّهم من فخذه بادية؟ قال: صلاته وصلاتهم ماضية. (الفخذ: العشيرة، وبادية، أي يسكنون البدو، واختار بعض أهل اللغة تسكين الخاء من هذه الفخذ، ليحصل الفرق بينها وبين العضو). قال: فإن أمّهم الثور الأجمّ؟ قال: صلّ وخلاك ذمّ. (الثّور: السّيّد. والأجمّ: الذي لا رمح معه).

стр. 914

قال: أيدخل القصر في صلاة الشّاهد؟ قال: لا، والغائب الشاهد. (صلاة الشّاهد: صلاة المغرب، سمّيت بذلك لإقامتها عند طلوع النجم، لأنّ النّجم يسمّى الشاهد). قال: أيجوز للمعذور أن يفطر في شهر رمضان؟ قال: ما رخّص فيه إلّا للصّبيان. (المعذور: المختون، وهو أيضا المعذّر). قال: فهل للمعرّس أن يأكل فيه؟ قال: نعم بملء فيه. (المعرّس: المسافر الّذي ينزل في آخر ليله ليستريح ثمّ يرتحل). قال: فإن أفطر فيه العراة؟ قال: لا تنكر عليهم الولاة. (العراة: الّذين تأخذهم العرواء، وهي الحمّى برعدة). *** قال: فإن أكل الصّائم بعد ما أصبح؟ قال: هو أحوط له وأصلح. (أصبح، أي استصبح بالمصباح). قال: فإن عمد لأن أكل ليلا؟ قال: ليشمّر للقضاء ذيلا. (ذكر ابن دريد أنّ اللّيل فرخ الحبارى، وقال غيره: هو ولد الكروان). قال: فإن أكل قبل أن تتوارى البيضاء؟ قال: يلزمه والله القضاء. (البيضاء من أسماء الشّمس). قال: فإن استثار الصّائم الكيد؟ قال: أفطر ومن أحلّ الصّيد. (الكيد: القيء. واستثاره، أي استدعاه). قال: أله أن يفطر بإلحاح الطّابخ؟ قال: نعم لا بطاهي المطابخ. (الطّابخ: الحمّى الصّالب). قال: فإن ضحكت المرأة في صومها؟ قال: بطل صوم يومها. (ضحكت هاهنا، أي حاضت، ومنه قوله تعالى: فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ [هود: ٧١]. قال: فإن ظهر الجدريّ على ضرّتها؟ قال: تفطر إن آذن بمضرّتها. (الضّرّة: أصل الإبهام، وأصل الثّدي أيضا). الطّاهي: طابخ اللّحم. والصّالب: الحمّى لا ترعد، وإلحاحها: ملازمتها.

стр. 915

الجدريّ: قروح صغار تخرج على الصبيان. وضرّتها: شريكتها في زوجها. *** قال: ما يجب في مالة مصباح؟ قال: حقّتان يا صاح. (المصباح: النّاقة التي تصبح في المبرك). قال: فإن ملك عشر خناجر؟ قال: يخرج شاتين ولا يشاجر. (الخناجر: النّوق الغزار الدّرّ، واحدتها خنجر وخنجور). قال: فإن سمح للسّاعي بحميمته؟ قال: يا بشرى له يوم قيامته. (السّاعي: جابي الصّدقة، والحميمة: خيار المال). قال: أيستحقّ حملة الأوزار من الزّكاة جزّا؟ قال: نعم إذا كانوا غزّى. (الأوزار: السّلاح. وغزّى: جمع غاز). قال: أيجوز للحاجّ أن يعتمر؟ قال: لا، ولا أن يختمر. (الاعتمار: لبس العمارة، وهي العمامة، والاختمار: لبس الخمار). قال: فهل له أن يقتل الشّجاع؟ قال: نعم، كما يقتل السّباع. (الشّجاع: الحيّة). *** الحقّة: التي استحقّت أن يركب عليها. والخناجر: نوع من السّكاكين الكبار. ويشاجر: يخالف. والجابي: الجامع للصدقة، ومنه الجباية. والأوزار: أثقال الذنوب. والغزّي: هؤلاء الرّماة بالنشّاب. ويعتمر: يحجّ بعمرة. ويختمر: يستعمل الخبز المختمر. *** قال: فإن قتل زمّارة في الحرم؟ قال: عليه بدنة من النّعم. (الزّمّارة: النّعامة واسم صوتها الزّمّار). قال: فإن رمى ساق حرّ فجدّله؟ قال: يخرج شاة بدله. (ساق حرّ: ذكر القماري). قال: فإن قتل أمّ عوف بعد الإحرام؟ قال يتصدّق بقبضة من طعام. (أم عوف: الجرادة).
следующие страницы →