وإنما اعتمد الشيخ أبو محمد الحريري في شرح الألفاظ التي ألغز بها على الوجه المعمّى؛ ولنشرح ما سوى ذلك مما اشتملت عليه إن شاء الله تعالى.
***
قال: ما تقول فيمن توضّأ ثمّ لمس ظهر نعله؟ قال: انتقض وضوءه بفعله (النّعل: الزّوجة).
قال: فإن توضّأ ثمّ أتكأه البرد؟ قال: يجدّد الوضوء من بعد (البرد: النوم).
قال: أيمسح المتوضّئ أنثييه؟ قال: قد ندب إليه، ولم يوجب عليه.
(الأنثيان: الأذنان).
قال: أيجوز الوضوء ممّا يقذفه الثّعبان؟ قال: وهل أنظف منه للعربان! (الثّعبان: جمع ثعب، وهو مسيل الوادي).
قال: أيستباح ماء الضّرير؟ قال: نعم، ويجتنب ماء البصير. (الضّرير: حرف الوادي. والبصير: الكلب).
قال: أيحلّ التّطوّف في الرّبيع؟ قال: يكره ذلك للحدث الشّنيع. (التّطوّف:
التّغوّط. والرّبيع: النّهر الصّغير).
***
قوله: لمسّ، جرّ أصابعه عليها. أتكأه: جعله متّكئا. يقذفه: يطرحه من بطنه.
والصّرير: الأعمى. والبصير: البصر.
والطّوف: مصدر طاف حول الشيء إذا دار به. والحدث: الغائط، وجعله شنيعا لأن الإنسان إذا فعله في الماء ظهر على وجه الماء فكانت به شنعة، واستقذر الماء فلم يستعمل، وإن كان مباحا استعماله.
***
قال: أيجب الغسل على من أمنى؟ قال: لا ولو ثنّى. (أمنى: نزل مني، ويقال منه: منى وأمنى وامتنى).
قال: فهل يجب على الجنب غسل فروته؟ قال: أجل وغسل إبرته (الفروة:
جلدة الرّأس، والإبرة: عظم المرفق).
قال: أيجب عليه غسل صحيفته؟ قال: نعم كغسل شفته (الصّحيفة: أسرّة الوجه).
стр. 912
قال: فإن أخلّ بغسل فأسه؟ قال: هو كما لو ألغى غسل رأسه (الفأس:
العظم المشرف على نقرة القفا).
قال: أيجوز الغسل في الجراب؟ قال: هو كالغسل في الجباب. (الجراب:
جوف البئر).
قال: فما نقول فيمن تيمّم ثم رأى روضا؟ قال: بطل تيمّمه فليتوضّأ (الرّوض هاهنا: جمع روضة، وهي الصّبابة تبقى في الحوض).
***
أخلّ: نقص. نقرة: حفرة. الرّوض: مواضع الغيث. والصّبابة: البقيّة.
***
قال: أيجوز أن يسجد الرّجل في العذرة؟ قال: نعم وليجانب القذرة (العذرة: فناء الدار).
قال: فهل له السّجود على الخلاف؟ قال: لا، ولا على أحد الأطراف.
(الخلاف: لكم).
قال: فإن سجد على شماله؟ قال: لا بأس بفعاله. (الشّمال: جمع شملة).
قال: فهل يجوز السّجود على الكراع؟ قال: نعم، دون الذّراع (الكراع: ما استطال من الحرّة، وهي أرض ذات حجارة سود).
قال: أيصلّي على رأس الكلب؟ قال: نعم، كسائر الهضب (رأس الكلب:
ثنيّة معروفة).
قال: أيجوز للدّارس حمل المصاحف؟ قال: لا، ولا حملها في الملاحف.
(الدّارس: الحائض).
قال: ما نقول فيمن صلّى وعانته بارزة؟ قال: صلاته جائزة. (العانة:
الجماعة من حمر الوحش).
***
والكراع: الرّجل، وكراع كلّ شيء طرفه. والحرّة: أرض فيها حجارة سود.
والهضب: جمع هضبة وهي الصخرة العظيمة، والكدية الصغيرة، وقيل: الهضبة الجبل
стр. 913
المنبسط على وجه الأرض، وقيل: الجبل الطويل المتّسع والجمع هضاب. ثنيّة: عقبة.
***
قال: فإن صلّى وعليه صوم؟ قال: يعيد ولو صلّى مائة يوم. (الصوم: ذرق النّعام).
قال: فإن حمل جروا وصلّى؟ قال: هو كما لو حمل باقلّي. (الجرو:
الصّغار من القثّاء والرّمان).
قال: أتصحّ صلاة حامل القروة؟ قال: لا، ولو صلّى فوق المروة (القروة:
ميلغة الكلب).
قال: فإن قطر على ثوب المصلّي نجو؟ قال يمضي في صلاته ولا غرو.
(النّجو: السّحاب الّذي قد هراق ماءه).
قال: أيجوز أن يؤمّ الرّجال مقنّع؟ قال: نعم، ويؤمّهم مدرّع. (المقنّع:
لابس المغفر، والمدرّع: لابس الدّرع).
قال: فإن أمّهم من في يده وقف؟ قال: يعيدون ولو أنّهم ألف (الوقف:
السّوار من العاج أو الذّبل، وأراد أنّه لا يجوز للرجال الائتمام بالنّساء).
الميلغة: ما يشرب فيه الكلب الماء، وهي من ولغ الكلب، إذا تناول الماء بلسانه والقروة: نقير من خشب تشرب منه الكلاب. والقثّاء: هو الفقّوس. والنّجو: هو الحدث لا غرو: لا عجب. والمقنّع: لابس القناع، يريد المرأة. والوقف: ما وقف وحبس من الأموال على المساكين والمساجد. والذّبل: جلد السّلحفاة البريّة، ويقال: إنها تعظم، فربّما يضع التاجر ليلا عليها حمله يظنّها صخرة فترتحل به، ويستعمل من الطّبق الذي عليها خلاخل للحشم والعبيد. والعاج عظم الفيل.
***
قال: فإن أمّهم من فخذه بادية؟ قال: صلاته وصلاتهم ماضية. (الفخذ:
العشيرة، وبادية، أي يسكنون البدو، واختار بعض أهل اللغة تسكين الخاء من هذه الفخذ، ليحصل الفرق بينها وبين العضو).
قال: فإن أمّهم الثور الأجمّ؟ قال: صلّ وخلاك ذمّ. (الثّور: السّيّد.
والأجمّ: الذي لا رمح معه).
стр. 914
قال: أيدخل القصر في صلاة الشّاهد؟ قال: لا، والغائب الشاهد. (صلاة الشّاهد: صلاة المغرب، سمّيت بذلك لإقامتها عند طلوع النجم، لأنّ النّجم يسمّى الشاهد).
قال: أيجوز للمعذور أن يفطر في شهر رمضان؟ قال: ما رخّص فيه إلّا للصّبيان. (المعذور: المختون، وهو أيضا المعذّر).
قال: فهل للمعرّس أن يأكل فيه؟ قال: نعم بملء فيه. (المعرّس: المسافر الّذي ينزل في آخر ليله ليستريح ثمّ يرتحل).
قال: فإن أفطر فيه العراة؟ قال: لا تنكر عليهم الولاة. (العراة: الّذين تأخذهم العرواء، وهي الحمّى برعدة).
***
قال: فإن أكل الصّائم بعد ما أصبح؟ قال: هو أحوط له وأصلح. (أصبح، أي استصبح بالمصباح).
قال: فإن عمد لأن أكل ليلا؟ قال: ليشمّر للقضاء ذيلا. (ذكر ابن دريد أنّ اللّيل فرخ الحبارى، وقال غيره: هو ولد الكروان).
قال: فإن أكل قبل أن تتوارى البيضاء؟ قال: يلزمه والله القضاء. (البيضاء من أسماء الشّمس).
قال: فإن استثار الصّائم الكيد؟ قال: أفطر ومن أحلّ الصّيد. (الكيد:
القيء. واستثاره، أي استدعاه).
قال: أله أن يفطر بإلحاح الطّابخ؟ قال: نعم لا بطاهي المطابخ. (الطّابخ:
الحمّى الصّالب).
قال: فإن ضحكت المرأة في صومها؟ قال: بطل صوم يومها. (ضحكت هاهنا، أي حاضت، ومنه قوله تعالى: فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ [هود: ٧١].
قال: فإن ظهر الجدريّ على ضرّتها؟ قال: تفطر إن آذن بمضرّتها. (الضّرّة:
أصل الإبهام، وأصل الثّدي أيضا).
الطّاهي: طابخ اللّحم. والصّالب: الحمّى لا ترعد، وإلحاحها: ملازمتها.
стр. 915
الجدريّ: قروح صغار تخرج على الصبيان. وضرّتها: شريكتها في زوجها.
***
قال: ما يجب في مالة مصباح؟ قال: حقّتان يا صاح. (المصباح: النّاقة التي تصبح في المبرك).
قال: فإن ملك عشر خناجر؟ قال: يخرج شاتين ولا يشاجر. (الخناجر:
النّوق الغزار الدّرّ، واحدتها خنجر وخنجور).
قال: فإن سمح للسّاعي بحميمته؟ قال: يا بشرى له يوم قيامته. (السّاعي:
جابي الصّدقة، والحميمة: خيار المال).
قال: أيستحقّ حملة الأوزار من الزّكاة جزّا؟ قال: نعم إذا كانوا غزّى.
(الأوزار: السّلاح. وغزّى: جمع غاز).
قال: أيجوز للحاجّ أن يعتمر؟ قال: لا، ولا أن يختمر. (الاعتمار: لبس العمارة، وهي العمامة، والاختمار: لبس الخمار).
قال: فهل له أن يقتل الشّجاع؟ قال: نعم، كما يقتل السّباع. (الشّجاع:
الحيّة).
***
الحقّة: التي استحقّت أن يركب عليها. والخناجر: نوع من السّكاكين الكبار.
ويشاجر: يخالف. والجابي: الجامع للصدقة، ومنه الجباية.
والأوزار: أثقال الذنوب. والغزّي: هؤلاء الرّماة بالنشّاب. ويعتمر: يحجّ بعمرة.
ويختمر: يستعمل الخبز المختمر.
***
قال: فإن قتل زمّارة في الحرم؟ قال: عليه بدنة من النّعم. (الزّمّارة: النّعامة واسم صوتها الزّمّار).
قال: فإن رمى ساق حرّ فجدّله؟ قال: يخرج شاة بدله. (ساق حرّ: ذكر القماري).
قال: فإن قتل أمّ عوف بعد الإحرام؟ قال يتصدّق بقبضة من طعام. (أم عوف: الجرادة).
стр. 916
قال: أيجب على الحاجّ استصحاب القارب؟ قال: نعم، ليسوقهم إلى المشارب. (القارب: طالب الماء باللّيل).
قال: ما تقول في الحرام بعد السّبت؟ قال: قد حلّ في ذلك الوقت.
(الحرام: المحرّم، والسّبت: حلق الرّأس. وحلّ، من تحليل الحجّ).
قال: ما تقول في بيع الكميت؟ قال: حرام كبيع الميت. (الكميت:
الخمر).
***
والزّمارة: المرأة تضرب بالمزمار. والبدنة الناقة، سمّيت بذلك لضخامتها وبدن الرّجل ضخم. جدّله: قتله وطرحه على الجدالة، وهي الأرض. ومن أبيات اللّغز في الجرادة:
وما صفراء تكنى أمّ عوف ... كأنّ سويقتيها منجلان
والقارب: السفينة الصغيرة. والكميت: الفرس الأسود العرف والذّنب. والكمتة:
حمرة تضرب إلى السواد.
***
قال: أيجوز بيع الخلّ بلحم الجمل؟ قال: ولا بلحم الحمل. (الخلّ ابن المخاض، ولا يحلّ بيع اللّحم بالحيوان، سواء كان من جنسه أو من غير جنسه).
قال: أيحلّ بيع الهديّة؟ قال: لا ولا بيع السّبيّة. (الهديّة، بالتّشديد: ما يهدى إلى الكعبة، ويقال فيها هدية، بتسكين الدّال وتخفيف الياء. والسبيّة:
الخمر).
قال: ما تقول في بيع العقيقة؟ قال: محظور على الحقيقة. (العقيقة: ما يذبح على المولود في اليوم السّابع من ولادته).
قال: أيجوز بيع الدّاعي، على الرّاعي؟ قال: لا، ولا على السّاعي.
(الدّاعي: بقية اللّبن في الضّرع، والسّاعي: جابي الصّدقة).
قال: أيباع الصقر بالتّمر؟ قال: لا، ومالك الخلق والأمر. (الصّقر:
الدّبس).
стр. 917
قال: أيشتري المسلم سلب المسلمات؟ قال: نعم، ويورث عنه إذا مات.
(السّلب: لحاء الشّجر، وهو أيضا خوض الثّمام).
***
والحمل: الخروف. والعقيقة: خرزة حمراء. محظور: ممنوع. والصّقر: من جوارح الطير. الدّبس: عسل التّمر. خوص: ورق. الثّمام: شجر ضعيف ورقه كورق الدّوم مزدوجة.
***
قال: فهل يجوز أن يبتاع الشّافع؟ قال: ما لجوازه من دافع (الشافع: الشاة الّتي يتبعها سخلها).
قال: أيباع الإبريق على بني الأصفر؟ قال: يكره كبيع المغفر. (الإبريق:
السّيف الصّقيل الكثير الماء. وبنو الأصفر: الرّوم).
قال: أيجوز أن يبيع الرّجل صيفيّه؟ قال: لا، ولكن ليبع صفيّه. (الصيفيّ:
الولد على الكبر، والصّفي: الناقة الغزيرة الدّرّ).
قال: فإن اشترى عبدا فبان بأمّه جراح؟ قال: ما في ردّه من جناح. (الأمّ:
مجتمع الدّماغ).
قال: أتثبت الشّفعة للشريك في الصحراء؟ قال: لا، ولا للشريك في الصّفراء. (الصّحراء: الأتان التي يمازج بياضها غبرة والصّفراء: النّاقة).
قال: أيحلّ أن يحمى ماء البئر والخلا! قال: إن كان في الفلا فلا. (يحمى:
يمنع. والخلا: الكلأ).
***
الإبريق: آنية الخمر. الصّيفيّ: ما ولد في زمن الصيف. والصّفيّ: الصاحب الخالص. والدّرّ: اللبن. وبان: ظهر. وجناح: إثم. والأتان: الأنثى من الحمير.
***
قال: ما تقول في ميتة الكافر؟ قال: حلّ للمقيم والمسافر. (الكافر: البحر، وميتته، السّمك الطّافي فوق مائه).
قال: أيجوز أن يضحّي بالحول؟ قال: هو أجدر بالقبول. (الحول: جمع حائل).
стр. 918
قال: فهل يضحّي بالطّالق؟ قال: نعم، ويقرى منها الطارق. (الطالق: الناقة ترسل ترعى حيث شاءت).
قال: فإن ضحّى قبل ظهور الغزالة؟ قال: شاة لحم بلا محالة. (الغزالة:
الشمس). قال بعضهم: يقال: طلعت الغزالة. ولا يقال: غربت، وضدّها الجونة، تسمّى بها عند مغيبها، لأنها تسودّ حين تغيب، كما قال الشاعر: [الرجز]
* تبادر الجونة أن تغيبا (١) *
قال: أيحلّ التّكسّب بالطّرق؟ قال هو كالقمار بلا فرق. (الطّرق: الضّرب بالحصى، وهو من أفعال الكهنة).
قال: أيسلّم القائم على القاعد؟ قال: محظور فيما بين الأباعد. (القاعد:
التي قعدت عن الحيض أو عن الأزواج).
***
والطّافي: المرتفع على وجه الماء. والحول: جمع أحول وحولاء. أجدر: أحق.
والطّرق: السّير بالليل. محظور: ممنوع.
***
قال: أينام العاقل تحت الرّقيع؟ قال: أحبب به في البقيع. (الرّقيع: السّماء، وعنى بالبقيع المدينة).
قال: أيمنع الذّمّي من قتل العجوز؟ قال: معارضته في العجوز لا تجوز.
(العجوز: الخمر. وقتلها: مزجها).
قال: أيجوز أن ينتقل الرّجل عن عمارة أبيه؟ قال: ما جوّز لخامل ولا نبيه.
(العمارة: القبيلة).
قال: ما تقول في التهوّد؟ قال: هو مفتاح التزهّد. (التّهوّد: التّوبة، ومنه قوله تعالى: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ [الأعراف: ١٥٦].
стр. 919
قال: ما تقول في صبر البليّة؟ قال: أعظم به من خطيّة. (الصّبر: الحبس.
والبليّة: الناقة تحبس عند قبر صاحبها، فلا تسقى ولا تعلف إلى أن تموت، وكانت الجاهلية تزعم أنّ صاحبها يحشر عليها).
قال: أيحلّ ضرب السّفير؟ قال: نعم، والحمل على المستشير. (السّفير: ما تساقط من ورق الشجر. والمستشير: الجمل السّمين، وهو أيضا الجمل الّذي يعرف اللّاقح من الحائل).
***
والرّقيع: الأحمق الذي يتخرّق عليه رأيه حتى يحتاج إلى أن يرقّع، ثم كثر حتى صار الرّقيع الماجن القليل الحياء، فأراد: أيرقد عاقل تحت رقيع؟ فقال: ما أحسن ذلك، إذا كان في البقيع؛ هذا معناه في الظاهر، وما قصد به قد فسره. والبقيع في الأصل: كلّ موضع فيه أصول أشجار مختلفة. التّهوّد: الدّخول في دين اليهوديّة. عمارة أبيه: ما كان أبوه يعمره من دار يسكنها ومال يعمره السّفير: الرسول. المستشير: المسترشد الذي يستشيرك في أموره والحمل عليه إهانته وظلمه. اللّاقح: الحامل بالولد، والحائل:
ضدّهما.
***
قال: أيعزّر الرّجل أباه؟ قال: يفعله البرّ ولا يأباه. (التّعزير: التّعظيم والنّصرة والتوقير).
قال: ما تقول فيمن أفقر أخاه؟ قال: حبّذا ما توخّاه. (أفقره: أعاره ناقة يركب فقارها).
قال: فإن أعرى ولده؟ قال: يا حسن ما اعتمده! (أعراه: أعطاه ثمرة نخلة عاما).
قال: فإن أصلى مملوكه النّار؟ قال: لا إثم عليه ولا عار. (المملوك:
العجين الذي قد أجيد عجنه حتّى قوي).
قال: أيجوز للمرأة أن تصرم بعلها؟ قال: ما حظر أحد فعلها. (البعل:
النّخل الذي يشرب بعروقه من الأرض).
قال: فهل تؤدّب المرأة على الخجل؟ قل: أجل. (الخجل: سوء احتمال
стр. 920
الغنى، ومنه قوله ﷺ للنساء: «إنّكن إذا جعتنّ دقعتنّ، وإذا شبعتنّ خجلتنّ») (١).
قال: ما تقول فيمن نحت أثلة أخيه؟ قال: أثم ولو أذن له فيه. (نحت أثلته، إذا اغتابه وقدح في عرضه).
***
يعزّر: يؤدّب، والتّعزيز: ضرب دون الحدّ. والبرّ: المكرم لأبيه. توخاه:
قصده، وكذلك اعتمده. أصلاه: جعله فيها. تصرّم: تقطع وتباعد، وأصل الصّرم القطع. بعلها زوجها. حظر: منع. الخجل: الاستحياء. وأراد بسوء احتمال الغنى، أن تكون مبذّرة لمالها سفيهة، فكأنّ الغنى لمّا أتاها لم تحتمله فأفسدته نحت: نجر.
أثلة: شجرة.
***
قال: أيحجر الحاكم على صاحب الثّور؟ قال: نعم، ليأمن غائلة الجور.
(الثّور: الجنون).
قال: فهل له أن يضرب على يد اليتيم؟ قال: نعم، إلى أن يستقيم. (يقال:
ضرب على يده، إذا حجر عليه).
قال: فهل يجوز أن يتّخذ له ربضا؟ قال: لا، ولو كان له رضا. (الرّبض:
الزوجة).
قال: فمتى يبيع بدن السّفيه؟ قال حين يرى له الحظّ فيه. (البدن: الدّرع القصيرة).
قال: فهل يجوز أن يبتاع له حشّا؟ قال: نعم، إذا لم يكن مغشى. (الحشّ:
النخل المجتمع).
قال: أيجوز أن يكون الحاكم ظالما؟ قال: نعم، إذا كان عالما. (الظّالم:
الذي يشرب اللبن قبل أن يروّب ويخرج زبده).
قال: أيستقضى من ليست له بصيرة؟ قال: نعم، إذا حسنت منه السّيرة.
(البصيرة: التّرس).
стр. 921
قال: فإن تعرى من العقل؟ قال: ذاك عنوان الفضل. (العقل: ضرب من الوشي).
***
غائلة: ضرر. الرّبض: بقاع من الأرض تباع وتشترى. الحشّ: الكنيف. مغشى:
يغشاه الناس ويدخلونه. البصيرة: اليقين والنّظر السديد. السّير: العادة. عنوان: دليل وعلامة.
***
قال: فإن كان له زهو جبّار؟ قال: لا إنكار عليه ولا إكبار. (الزهو: البسر المتلوّن. والجبّار: النخل الذي فات اليد وضدّه القاعد).
قال: أيجوز أن يكون الشّاهد مريبا؟ قال: نعم، إذا كان أريبا. (المريب:
الّذي يكثر عنده اللبن الرائب).
قال: فإن بان أنّه لاط؟ قال: هو كما لو خاط. (لاط الحوض، إذا طيّنه).
قال: فإن عثر على أنه غربل؟ قال: تردّ شهادته ولا تقبل. (غربل، أي قتل)، ومنه قول الراجز: [الرجز]
* ترى الملوك حوله مغربله (١) *
قال: فإن وضح أنّه مائن؟ قال: هو وصف له زائن. (المائن هاهنا: الذي يعول ويكفي المئونة، من مان يمون، لا من مان يمين).
قال: ما يجب على عابد الحق؟ قال: يحلّف بإله الخلق. (العابد هاهنا:
الجاحد: والحقّ: الدّين).
قال: ما تقول فيمن فقأ عين بلبل عامدا؟ قال: تفقأ عينه قولا واحدا.
(البلبل: الرّجل الخفيف).
قال: فإن جرح قطاة امرأة فماتت؟ قال: النّفس بالنفس إذا فاتت. (القطة: ما بين الوركين).
***
стр. 922
والزّهو: التكبّر والإعجاب. الأريب: العاقل. لاط: عمل عمل قوم لوط. وضح:
تبين. مائن: كاذب. القطاة: نوع من الحمام، وفقأ العين: أخرجها والبلبل، طائر.
***
قال: فإن ألقت الحامل حشيشا من ضربه؟ قال: ليكفر بالأعناق عن ذنبه.
(الحشيش: الجنين الملقى ميتا).
قال: ما يجب على المختفي في الشرع؟ قال: القطع لإقامة الرّدع. (المختفي:
نبّاش القبور).
قال: فما يصنع بمن سرق أساود الدار؟ قال: يقطع إن ساوين ربع دينار.
(الأساود: الآلات المستعملة كالإجّانة والقدر: الجفنة).
قال: فإن سرق ثمينا من ذهب؟ قال: لا قطع كما لو غصب. (الثمين:
الثّمن، كما يقال في النصف: نصيف، وفي السّدس سديس).
قال: فإن بان على المرآة السّرق؟ قال: لا حرج عليها ولا فرق (السّرق:
الحرير الأبيض).
قال: أينعقد نكاح لم يشهده القواري؟ قال: لا والخالق الباري. (القواري:
الشهود لأنهم يقرون أي الأشياء، أو يتّبعونها).
قال: ما تقول في عريس باتت بليلة حرّة، ثم ردّت في حافرتها بسحرة؟
قال: يجب لها نصف الصّداق، ولا تلزمها عدّة الطلاق.
(يقال: باتت العروس بليلة حرّة، إذا امتنعت على زوجها؛ فإن افتضّها قيل: باتت بليلة شيباء. والرّد في الحافرة بمعنى الرجوع في الطريق الأوّل، وكنى به عن طلاقها قبل وردها إلى أهلها).
***
الحشيش: نبات يابس: الرّدع: الكفّ والمنع. الأساود: الحيات. الثّمين: الرفيع الثمن.
القواري: طيور خضر، وقد بين هو أنه أراد بالقواري الشّهود، ويقال: المسلمون قواري الله في الأرض أي شهوده، وقال جرير: [الكامل]
* المسلمون لما أقول قواري (١) *
стр. 923
وباتت العروس بليلة شيباء، إذا غشيها زوجها.
الفنجديهي: رأيت: بخط الحريري رحمه الله تعالى: [الخفيف]
طيّبوها ولم أطيّب بطيب ... ربّ منع ألذّ من إعطاء
بتّ في درعها وباتت ضجيعي ... في بصير وليلة شيباء
البصير هنا: قطعة من دم:
وقد أتينا على ما في هذه المسائل من الغريب في الظاهر، وأمّا ما قصده من المعمّى فهو مفسّر في الأصل، وقد أحسن أبو محمد في هذه الفتاوى وبلغ منه الاقتدار والاتساع فوق المراد، وإن كان لا يوصف فيها الابتداع، فقد أحسن في الاتّباع.
[الملاحن والمعاريض]
والسابق إلى هذا المعنى أبو بكر بن دريد رحمه الله تعالى في كتاب سمّاه بالملاحن، وهي من اللّحن، وهو أن تورّي بلفظ عن لفظ.
ثم تمم تلك الأغراض وحسّنها أحمد بن عبيد الله في كتاب سمّاه بالمنقذ.
وفائدة حفظ هذه الأغراض أن يخوّف الرجل أو يروّعه أمير ظالم أو مسلّط غاشم، فيتخلّص منه بهذه المعاريض. فأما أن يقطع بها حقّ مسلم فلا سبيل إليها، ومعتمدهم فيها حديث عمران بن حصين أنّ النبي ﷺ ، قال: «إن في المعاريض مندوحة عن الكذب» (١).
وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁: «عجيب لمن يحسن المعاريض كيف يكذب، ولمن لاحن النّاس كيف لا يعرف جوامع الكلم! » (٢).
وقول النبيّ ﷺ لطلائع المشركين حين لقوه في نفر من أصحابه، فقالوا: ممّن أنتم؟
قالوا: من ماء، فتركوهم، وأراد فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ [الطارق: ٦].
وقوله ﷺ في مزاحه لإحدى عماته «إن الجنة لا تدخلها عجوز»، فلمّا جزعت قال لها «إن الله تعالى يخلقهم يود القيامة أبكارا».
وقال لامرأة: «ما فعل زوجك الذي في عينيه بياض»؟ فلمّا جزعت قال: لها: «أوليس في كلّ عين بياض»؟
وقال له رجل: احملني، قال: ما عندي إلا ولد الناقة، فقال: وما أصنع بولد الناقة؟ فقال ﷺ : «وهل الإبل إلا من النّوق! ».
فاستجيزت المعاريض على هذا النحو من المزاح أو التخويف.
стр. 924
ومن ذلك أنّ بعض العرب أدخل على الواثق، وكان يقول بخلق القرآن ويعاقب من خالفة، فقال له، ما تقول في القرآن، فتصامم عليه، فأعاد السؤال، فقال: من تعني يا أمير المؤمنين؟ فقال: إيّاك أعني، فقال: مخلوق- يعني نفسه، وتخلّص منه.
وقال لآخر من الصالحين: ما تقول في القرآن؟ فأخرج يده، وجعل يعدّ أصابعه، ويقول: التّوراة والإنجيل والقرآن هؤلاء الثلاثة مخلوقة. فعنى أصابعه، وتخلص منه.
وتعذّر على رجل لقاء المأمون في ظلامة، فصاح على بابه: أنا أحمد النبيّ المبعوث.
فأدخل إليه، وأعلم أنه تنبّأ فقال له: ما تقول؟ فذكر ظلامته، فقال: له ما تقول فيما حكي عنك؟ فقال: وما هو؟ ذكروا أنّك تقول إنّك نبي، فقال: معاذ الله، إنّما قلت: أنا أحمد النبيّ المبعوث، أفأنت يا أمير المؤمنين ممن لا يحمده؟ فاستظرفه، وأمر بإنصافه.
وخرج شريح القاضي من عند زياد، وتركه يجود بنفسه، فسأله الناس عن حاله، فقال: تركته يأمر وينهى، فجزعوا لسلامته، فما راعهم إلا صياح النّائحات عليه. فسئل شريح عن قوله، فقال: تركته يأمر بالوصيّة، وينهى عن البكاء.
وسئل ابن شبرمة عن رجل ليستعمل، فقال: إن له شرفا وقدما وبيتا. فنظروا فإذا هو ساقط سفلة، فقيل له في ذلك، فقال: شرفه أذناه، وبيته الّذي يأوي إليه وقدمه الذي يمشي عليه.
وقال صاحب المنقذ:
إذا حلفت بالأيمان اللازمة لك، فانو بالأيمان الأيدي، قال تعالى: عَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ [الأعراف: ١٧]. فإن قلت: كلّ امرأة طالق فاعن الطّالق من الإبل، وهي التي يطلّقها الراعي، والطّالق الّتي يحمل عليها عقالها.
فإن قيل: احلف بظهار امرأتك كظهر أمّك، فاعن بالظّهر ما يركب من الخيل والبغال والحمير، ولا جناح عليه في ركوب دوابّ أمه.
فإن قال: احلف بمالك على المسلمين صدقة، فاعن ما لك على المساكين من دين، وليس لك عليهم شيء.
فإن أحلفك بأنّ كلّ مملوك لك حرّ. فالمملوك: الدّقيق الملتوت بالماء أو الزيت أو السمن.
فإن قال: كلّ غلام لك حرّ. فالحرّ: الحيّة الذّكر، والحرّ من الرمل الّذي ما وطئ، والحرّ: ذكر الحمام، قال حميد. [الطويل]
* دعت ساق حرّ ترحة وترنّما (١) *
стр. 925
فإن أحلفك بأنّ كل جارية لك حرّة، فالجارية السفينة، والريح والشمس.
فإن قال: احلف وإلا كلّ أمة لك حرّة، فالحرّة الأذن، والحرّة السحابة الغزيرة المطر.
فإن أحلفك: وإلا فما لك حبس، فحبس بلد معروف، قال ابن حلّزة: [الكامل]
* لمن الديار عفون بالحبس (١) *
فإن قال: وإلّا فهو كافر. فالكافر الليل، أو البحر أو الزرّاع للبذر، قال الله تعالى:
أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ [الحديد: ٢٠]، وأصله الساتر.
وتقول: كلّ امرأة تزوّجتها فقد طلّقتها بتاتا. فتزوّجت اتخذت زوجا من النبات أي لونا، وقال الله تعالى: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ق: ٧]. وقال تعالى:
فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى [طه: ٣]، وطلّقتها ألبستها الطلق، وهو قبة من جلود والنبات: الزاد.
وتقول: ما تطيّبت ولا تمسّكت. فتطيّبت أتيت الطّيب، وهو بلد بين واسط والسوس، أو طيبة مدينة النبي ﷺ . وتمسّكت: لبست مسكا وهو الجلد، أو تفعّلت من الامتساك.
وتقول: ما له قبلي درهم ولا دينار. فدرهم قبيلة من ربيعة، لهم خطّة في البصرة، ودينار اسم رجل معروف.
وما له قبلي ثوب ولا شقّة ولا قميص. الثّوب: الرجوع، من ثاب يثوب، والشقّة:
البعد. والقميص: غشاء القلب.
وما له قبلي شيء بوجه من الوجوه، ولا بسبب من الأسباب. الشيّ: مصدر شويت اللحم. والوجوه صور مختلفة من التّصاوير. والوجه: المقصد، والجمع وجوه، والأسباب: الحبال.
وما أوصيت إليه، وما أوصى إليّ. أوصى دخل في الواصي، وهو بيت متّصل بعضه ببعض.
стр. 926
ولا أعلم له دارا ولا عقارا؛ فدارا: بلد معروف بالجزيرة، قال الشاعر: [مجزوء الرمل]
ولقد قلت لرجلي ... بين حرّان ودارا
اصبري يا رجل حتّى ... يرزق الله حمارا
والعقار: النّخل:
ولا أعرف للمرأة بعلا ولا وليّا. فالبعل: النخل أو الشجر، يشرب بماء السحاب، والوليّ: يلي الوسميّ.
وتقول: ما اشتريت لفلانة ضرّتك قميصا، ولا إزارا ولا رداء، ولا قناعا ولا غلالة، ولا حلّيتها خاتما ولا خلخالا ولا طوقا ولا سوارا؛ ولا قرّطتها ولا شنّفتها ولا كسوتها، ولا جلست مع قينة ولا مغنّية ولا ضاربة بعود ولا بطبل ولا رباب، ولا سمعت زمّارة ولا ذقت نبيذا فالقميص غشاء القلب، والرّداء السيف أو الدّين أو الغطاء، والإزار:
قبل المرأة أو جسم الرجل، قال الشاعر: [الوافر]
* فدى لك من أخي ثقة إزار (١) *
والإزار: العفاف، والقناع: جمع قنع، وهو طبق يجعل عليه الفاكهة. وفي الحديث: إنّ الربيع ابنة معوذ أتت النبيّ ﷺ بقناع من رطب وآخر من زغب فأكل منه (٢)، والزّغب: القثّاء. والغلالة: مسمار من مسامير الدّروع؛ قال: [الطويل]
* فهنّ وضاء صافيات الغلائل (٣) *
والغلالة: الجماعة من الناس، والخاتم: شعرات بيض في قوائم الفرس. والسّوار مصدر ساورت الرّجل. والخلخال: الرّمل الجريش. والطّوق: المصدر من الطاقة،
стр. 927
وقرّطتها من القرط، وهو العلف الرّطب تأكله الدّواب، فإذا يبس فهو القتّ. وشنّفتها جعلتها مشنفة أي مبغضة، من شنفت الرّجل، إذا أبغضته. وكسوتها: ضربت كساها، وهو جانبها، وجانب كلّ شيء كساه والجمع أكساه، والقينة: هزمة بين الوركين وعجب الذّنب من الفرس، والعود الذي يتبخّر به، والزّمارة: الفاجرة، ومنه نهى النبي ﷺ عن كسب الزمّارة (١)، والزّمّارة: الغلّ، وفي خبر الحجاج: أتى سعيد بن جبير وفي عنقه الزّمارة، أي ساجور، والطبل: السّلة التي يجعل فيها الطعام، والطّبل: الخراج.
والمغنّية: ناقة تضرب بنابها، والرّباب: سحاب متراكب قريب من الأرض. والنّبيذ: ما نبذته النعام أو الحمير بأرجلها من الحصى.
وتقول: ما لي مركوب وما بعت عبدا، وقد افتقرت حتى ما في ملكي نفقة يوم مالي، بمعنى ملكي، ومركوب: ضربت ركبته، وثنيّة بالحجاز. وعبد: جبل من جبال طيّئ. وافتقر: اشتدّ فقاره أو كسر فقار جدي أو حمل، والملك: الحجة.
وتقول: ما أضعت عملك ولا قصّرت ولا أهملت ولا فرّطت ولا سامحت أحدا، ولا تركت واجبا، ولا ارتفقت بحبّه، ولا أبقيت غاية في مناصحتك. أضعت: كثرت ضياعي. وفرّطت: بعثت فارطا، وهو طالب الماء، وقصرت: بنيت قصرا. وأهملت:
كثرت هواملي، وهي الإبل السارحة في المرعى بلا راع. وسامحت: نظرت أيّنا أكرم.
والواجب: السّاقط، وارتفقت: نمت على مرفقي، والغاية: راية الحمار.
وتقول: ما شتمت له أبي ولا عمّا ولا عمّة، ولا خالا ولا خالة، ولا صحبته، ولا شاهدته ولا راسلته، ولا شاربته، ولا نادمته، ولا رأيته منذ دهر.
أبى: داء يأخذ المعزى، قال: [الطويل]
* أبى لا إخال الضّأن منه نواجيا (٢) *
وعمّ: قطعة من الناس، وقرية بالشام، والعمّة النخلة، قال ﷺ : «نعمت العمّة لكم النخلة» (٣)، وقيل لها عمّة لأنها خلقت من بقية طينة آدم ﵇. والخال:
السحاب، والخال من البرود، والخال من الخيلان، والخالة: جمع خال من الكبر.
وصحبته: منعته؛ قال تعالى: وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ [الأنبياء: ٤٣]، أي يمنعون.
وشاهدته: أكلت معه الشّهد، وراسلته: شربت معه الرّسل، وهو اللبن، وشاربته من
стр. 928
الشوارب، ونادمته من النّدم، ورأيته: ضربت رئته، ودهر: قبيلة من إياد.
وتقول: ما كتبت له حرفا، ولا خططت له بقلم، ولا شتمته ولا هجوته، ولا افتريت عليه، ولا أعرف عليه سوءا. الحرف الناقة المضمرة، والقلم: القدح، قال الله تعالى: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ [آل عمران: ٤٤]، يعني قداح الميسر. والشّتم: قبح الوجه، وهجوته: أزلت نعمته، وهو الهجى مقصور، وافتريت: لبست الفرو، والسّوء:
البرص.
وتقول: رأيته في السّوق متوفّى مقبورا، وما أخذ دواء ولا معجونا. فالسوق:
أصول الشجر وأعناقها. متوفّى دائما. مقبورا: مبخّرا بالعود الهنديّ الذي فيه قبر، أي رخاوة. والدواء والدّاوية: جلدة اللبن، والمعجون: المضروب على عجانه.
وتقول: هو مجنون مصاب، قد غلّ مرارا، فما اعتذرت له، ولا تنصّلت، لأنه ليس من الأجواد، ولا الشّجعان الذين يقدح في أنسابهم. المجنون: المستور. مصاب:
مجدّر من صاب يصوب، وغلّ من الغلّة، واعتذر وتنصّل؟ اتخذ عذارا ونصلا.
والأجواد: العطاش. والشّجعان: الحيّات، والأنساب: أسنان المشط.
وتقول: رأيت الجيش بالثّغر، والفارس في الفوارس، فما أفضّل عليه أحدا من العرب والعجم. الجيش: الغليان، والثّغر: شجر له شوك، والفارس: الحسن الفراسة، والفوارس: كثبان رمل، والعرب: فساد المعدة، وعربت معدته. والعجم: النّوى.
وما أكلت دابتي شعيرا. الشعير: جمع شعيرة، وهو مسمار من الفضّة في قائم السّيف.
والباب متسع وفيه تأنّس لما ذكره أبو محمد.
***
ومن المعاريض، أن الحجاج لما أخرج ابن القبعثري من سجنه قال له: سمنت يا غضبان، قال: القيد والرّتعة (١)، والخفض والدعة، ومن يكن ضيف الأمير يسمن، قال:
لأحملنّك على الأدهم قال: مثل الأمير يحمل على الأدهم والورد والكميت. قال: إنه حديد، قال: لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا، قال: اضربوا به الأرض، قال:
مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ [طه: ٥٥] قال: جرّوة، قال: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: ٤١]، قال: احملوه على الأيدي فلما حمل قال: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا [الزخرف: ١٣]، فضحك الحجاج وقال: غلبنا هذا الخبيث، خلّوه إلى صفحي عنه، قال: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ [الزخرف: ٨٩].
وقال خالد بن الوليد لعبد المسيح بن عمرو الغسّاني- وهو ابن ثلاثمائة وخمسين
стр. 929
سنة- من أين أقصى أثرك؟ قال: من صلب أبي، قال: من أين خرجت؟ قال: من بطن أمي، قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض، قال: فقيم أنت؟ قال: في ثيابي، قال:
أتعقل لا عقلت! قال: إي والله وأقيّد، قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد، قال:
فما سنّك؟ قال: عظم، قال: ما تزيدني مسألتك إلّا عيّا، قال: ما أجبتك إلا عن مسألتك.
الربيع بن عبد الرحمن، قلت لأعرابيّ: أتهمز إسرائيل؟ قال: إني إذا لرجل سوء؛ أراد قوله: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم: ١١]، قلت: أتجرّ فلسطين؟ قال: إني إذا لقويّ! .
خلف الأحمر: قلت لأعرابيّ: ألقي عليك بيتا؟ قال: على نفسك فألقه.
قيل لأعرابي: أتهمز الفأرة؟ قال: الهرّ يهمزها.
ودخل رجل من محارب قيس على عبد الله بن يزيد الهلالي عامل إرمينية، وقد بات على قرب من غدير فيه ضفادع، فقال عبد الله: ما تركتنا شيوخ محارب ننام في هذه الليلة لشدة أصواتها. فقال المحاربيّ: أصلح الله الأمير إنها أضلّت برقعا، فهي في بغائه.
أراد الهلاليّ قول الأخطل: [الطويل]
تنقّ بلا شيء شيوخ محارب ... وما خلتها كانت تريش ولا تبري (١)
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حيّة البحر
وأراد المحاربيّ قول الآخر: [الخفيف]
لكلّ هلاليّ من اللؤم برقع ... ولابن هلال برقع وقميص
وهذا النحو من التعريض كثير.
وقال أبو الحسن بن سراج رحمه الله تعالى: [السريع]
يا ضرّة الشمس التي أشرقت ... قد أشرقت حجّة مشتاقك
لحظك أو خصرك قد ضمنا ... ما ضمنت عهدة ميثاقك
ثأر الهوى يطلبه ثائر ... مصرعه ما بين أحداقك
لا تدخري أنفس صوت فقد ... يرغب في أنفس أعلاقك
رفقا بمن ملّكته في الهوى ... فإنه آخر عشّاقك
فأنفس أعلاق المرأة معلوم، والظّرف كلّه في قوله: «فإنه آخر عشّاقك» يعرّض أنها أسنّت فلا عاشق لها من بعده. والقينة: التيّ داعبها ومازحها تفهم ما خوطبت به، لأنها
стр. 930
تلميذة ولّادة بنت المكتفي، وولّادة شاعرة بارعة التّندير، فمن تندّرها قولها في ذي الوزارتين ابن زيدون عاشقها تعرّض له بشيء كان يزنّ به: [السريع]
ما لابن زيدون على فضله ... يغتابني ظلما ولا ذنب لي
يلحظني شزرا إذا جئته ... كأنّما جئت لأخصي علي
وعليّ صبيّه، وكان يمزح معه.
***
فقال له السّائل: لله درّك من بحر لا يغضغضه الماتح، وحبر لا يبلغ مدحه المادح؛ ثمّ أطرق إطراق الحييّ، وأرمّ إرمام العييّ فقال له أبو زيد: إيه يا فتى! فإلى متى وإلى متى! فقال: إيه لم يبق في كنانتي مرماة، ولا بعد إشراق صبحك مماراة؛ فبالله أيّ ابن أرض أنت؟ فما أحسن ما أبنت! فأنشد بلسان ذلق، وصوت صهصلق: [مجزوء الوافر]
أنا في العالم مثله ... ولأهل العلم قبله
غير أني كلّ يوم ... بين تعريس ورحله
والغريب الدار لو ح ... لّ بطوبى لم تطب له
ثمّ قال: اللهمّ كما جعلتنا ممن هدي ويهدي، فاجعلهم ممّن يهتدي ويهدي.
فساق إليه القوم ذودا مع قينة، وسألوه أين يزورهم الفينة بعد الفينة. فنهض يمنّيهم العود، ويزجّي الأمة والذّود.
***
قوله: يغضغضه: ينقصه. الماتح: المستقي من أعلى البئر، والمائح، بالياء من قعرها. حبر: عالم. أطرق: أمال رأسه ساكتا. وأرمّ: سكت. العييّ: الذي إن كلّمته لم يحسن ردّ جوابه. إيه: بمعنى زدني من سؤالك.
ابن السريّ: إذا قلت: «إيه يا رجل»، فإنما تأمره أن يزيدك من الحديث المعهود بينكما، كأنك قلت: هات الحديث، وإن قلت إيه: بالتنوين، فكأنك قلت: هات حديثا ما، فإلى متى سكوتك؟ مرماة: سهم يرمي به السّبق، وقيل: هو سهم مدوّر النّصل. بعد إشراق صبحك، أي بعد ظهور فضلك. وإشراق ضوء. مماراة: شك. أبنت: بيّنت.
ذلق: حديد. صهصلق: شديد. مثلة: مغيّر الخلق، فهي «فعلة» من المثل، ويقال المثلة والمثل بمعنى.
***
стр. 931
[قباح الوجوه]
ونذكر على قوله: «أنا في العالم مثلة»، فصلا في ذكر قباح الوجوه من العلماء وغيرهم.
فمنهم الجاحظ، وأراد المتوكل أن يعلّم بنيه الثلاثة ولاة عهده، فأدخل عليهم، فارتاعوا من قبح وجهه، فأخرج عنهم بعنف.
وحكى المسعوديّ: أنّ الجاحظ قال: ذكرت للمتوكّل لتعليم بعض ولده، فلما رآني استبشع منظري، فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني.
وقال الحمدونيّ: [الكامل]
لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا ... لرأيته في دون قبح الجاحظ
رجل ينوب عن الجحيم بوجهه ... وهو العدوّ لكلّ عين لاحظ
قال الأصمعيّ ﵀: دخلت يوما على جعفر بن يحيى، فقال لي: هل لك يا أصمعيّ من زوجة؟ قلت: لا، قال: فجارية؟ قلت: للمهنة، قال: فهل لك أن أهب لك جارية نظيفة؟ ، قلت: إني لمحتاج إلى ذلك. فأمر بجارية فأخرجت وهي في غاية الحسن والجمال والهيئة والظّرف، فقال لها: قد وهبتك لهذا، وقال لي: خذ هذه، فشكرته، وبكت الجارية، وقالت: يا سيّدي، أتدفعني لهذا الشيخ مع ما أرى من سماحتك وقبح منظره! وجزعت جزعا شديدا، فقال لي: يا أصمعيّ، هل لك أن أعوّضك منها ألف دينار؟ فقلت: ما أكره ذلك، فأمر لي بها، ودخلت الجارية، فقال لي: يا أصمعيّ، أنكرت عليها شيئا، فأردت عقوبتها بك، ثم رحمتها منك، فقلت: أيّها الأمير، أفلا أعلمتني قبل ذلك، فإنّي لم آتك حتى سرّحت لحيتي، وأصلحت وجهي وعمّتي، فلو عرفت الخبر لسرت على هيئتي وخلقتي، فو الله لو رأتني كذلك ما عاودت شيئا تنكره أبدا.
وما ضرّ من ذكرنا قبحهم مع العلم الذي زيّنهم الله به، وكذا ينبغي لمن خلق قبيح الصورة أن يستعمل لها الأخلاق الحسان، والأفعال الحسان، لئلّا يجمع بين قبيحين.
كان الأويقص المخزوميّ أقبح الناس خلقة، وما روي مثله في العفاف والزهد.
وكان قاضي مكة، فقال يوما لجلسائه: قالت لي أمّي: يا بنيّ إنك خلقت خلقة لا تصلح معها لمجالسة الفتيان في بيوت القيان، فعليك بالدّين، فإنّ الله تعالى يرفع به الخسيسة، ويتمّ به النقيصة. فنفعني الله بكلامها، فولّيت القضاء.
وروي أن أمّ مالك بن أنس أوصته بمثل هذه الوصية، حين أراد أن يتعلّم الغناء في حداثته، فتكره وتعلّم العلم، فذهب به حيث بلغ.
وكان عطاء بن أبي رباح أعور أسود أفطس أشلّ أعرج، ثم عمي. وأمّه سوداء
стр. 932
تسمّى بركة، وقيل لأهل مكة بعد موته: كيف كان عطاء بن أبي رباح فيكم؟ قالوا: كان مثل العافية التي لا يعرف فضلها حتى تفقد.
وكان في خلقة أبان بن عثمان كلّ عيب، وكان يضرب بعيوبه المثل في المدينة.
كان معن بن زائدة أمير اليمن يوما جالسا إذ أتته امرأة من بني سهم، ومعها ابن صغير يتبعها، ويطأ أذيالها، فقالت: أصلح الله الأمير! إن عمّي زوّجني من ليس بكفء، فقال: من هو؟ فقالت: ابن ذي مناجب؟ فقال: عليّ به، فدخل أقبح من خلق الله، وأشوههم خلقا، فقال: من هذه منك؟ قال: امرأتي، قال: خلّ سبيلها، ففعل، فأطرق معن ساعة، ثم رفع رأسه فقال: [الطويل]
لعمري لقد أصبحت غير محبّب ... ولا حسن في عينها ذو مناجب
فما لمتها لمّا تبيّنت وجهه ... وعينا له خوصاء من تحت حاجب
وأنفا كأنف البكر يقطر ناتئا ... على لحية عضباء منه وشارب
أتيت بها مثل المهاة تسوقها ... فيا حسن مجلوب ويا شرّ جالب
وكان تزوجها بمكّة وقدم بها اليمن. والصبيّ هو ابن جامع المغنّي المشهور.
وحكى البحتريّ في نوادره عن رجل سمّاه قال: مررت بامرأة من أجمل الناس، معها رجل من أقبحهم، فقلت لها: يا أمة الله، من هذا منك؟ قالت: رجليه، فقلت:
ومن قرنك به؟ قالت: أخيه، فقلت: [الوافر]
جزى الرحمن عنك أخاك شرّا ... فقد أخزاك في الدنيا وزادا
فلم أر مغزلا قرنت بكلب ... ولا خزّا بطانته بجادا
وقال آخر: [الطويل]
ألا ربّ بيضاء المحاجر طفلة ... تساق إلى وغد من القوم تنبال
يقولون جرّتها إليك قرابة ... فويح العذارى من بني العمّ والخال!
وقال آخر: [مجزوء الرمل]
لابن عبد النور وجه ... صار للقبح ملاذا
قال قرد إذ رآه ... لعنة الله على ذا
وقال في بشار: [الطويل]
تواثب أقمارا وأنت مشوّه ... وأقرب خلق الله من شبه القرد
وكان بشار ضخما قبيح الوجه، جاحظ الحدقتين، أقبح الناس عمى ومنظرا فقال فيه حمّاد عجرد: [مجزوء الوافر]
стр. 933
ألا من مبلغ عني ال ... ذي والده برد
إذا ما نسب النّاس ... فلا قبل ولا بعد
وأعمى يشبه القردا ... إذا ما عمي القرد
فقال: بشار عند ما سمع هذا البيت: ما أخطأ ابن الزانية من حين شبّهني بقرد وجعل يبكي ويقول: ما حيلتي! يراني ويشبّهني، ولا أراه فأشبهه! وبعده: [مجزوء الوافر]
ولو تلقيه في صلد ... صفا لا نصدع الصّلد
هو الكلب إذا ما ما ... ت لم يوجد له فقد
وأنشده رجل قول حماد: [الطويل]
دعيت إلى برد وأنت لغيره ... وهبك لبرد نكت أمك من برد
فقال: هاهنا أحد؟ قال: لا، قال: أحسن والله ابن الزانية، ولقد تهيّأ له في بيت واحد عليّ خمسة معان من الهجو، وهي: «دعيت إلى برد» معنى «وأنت لغيره» معنى ثان، و «هبك لبرد» معنى ثالث، «نكت أمك» شتم واستخفاف مجرّد، وهو معنى رابع، ثم ختمها بقوله: «من برد» فأتى بالطامّة الكبرى.
وأوجع ما مرّ عليه من قول حماد: [السريع]
لو طليت جلدته غنبرا ... لأفسدت جلدته العنبرا
أو طليت مسكا ذكيّا إذا ... تحوّل المسك عليه خرا
كان حفص بن أبي بردة أفطس أعفص مقبّح الوجه، وكان حماد صديقه، فتناشدوا الشعر يوما، فطعن حفص على مرقّش، فقال حماد: [الطويل]
لقد كان في عينيك يا حفص شاغل ... وأنف كثيل العوذ عمّا تتبّع
تتبّع لحنا في كلام مرقّش ... ووجهك مبنيّ على اللّحن أجمع
فأذناك إقواء وأنفك مكفأ ... وعيناك إيطاء، فأنت المرقّع
أخذ تشبيه الأنف بالثّيل من قول كعب في الوليد بن عبد الملك: [المتقارب]
فقدت الوليد وأنفا له ... كثيل البعير أبى أن يبولا
قال أبو زيد: رأيت أعرابيّا كأنّ أنفه كوز من عظمه، فرآنا نضحك، فقال لنا: ما يضحككم! فو الله لقد كنت في قوم يسمّوني الأفطس.
وقال الشاعر: [المتقارب]
إذا أنت أقبلت في حاجة ... إليه فكلّمه من خلفه
فإن أنت واجهته بالكلا ... م لم يسمع الصّوت من أنفه
стр. 934
وقال آخر: [مجزوء الرمل]
إنّ عيسى أنف أنفه ... أنفه ضعف لضعفه
لو تراه راكبا وال ... أنف قد جال بعطفه
لرأيت الأنف في السّر ... ج وعيسى ردف أنفه
وقال الحسن في جعفر بن يحيى: [البسيط]
ذاك الوزير الذي طالت علاوته ... كأنّه ناظر في السيف بالطول
وقال أبو عليّ الخليع: [الكامل]
سابور ويحك ما أخس ... ك بل أخصّك بالعيوب!
وجه قبيح في التبسّم ... كيف يحسن في القطوب!
كان جحظة البرمكي ناتئ العينين جدّا، قبيح الوجه، فقال فيه ابن الروميّ: [الكامل]
نبئت جحظة يستعير جحوظه ... من فيل شطرنج ومن سرطان
يا رحمة لمنادميه تحتملوا ... ألم العيون للذّة الآذان
وكان طيّب الغناء، وحضر مجلسه عليّ بن بسام، فتفرّق القوم المخادّ، فقال جحظة: ما لي لا أعطى مخدّة؟ فقال له ابن بسام: غنّ فالمخادّ كلها إليك تصير، وقال فيه: [السريع]
يا من هجوناه فغنّانا ... أنت وحق الله أهجانا
سيّان إن غنّى لنا جحظة ... أو مرّ مجنون فزنّانا
وله فيه أيضا: [السريع]
لجحظة المحسن عندي يد ... أشكرها منه إلى المحشر
لما رآني رد برذونه ... وصانني عن وجهه المنكر
كان الحطيئة قبيح المنظر، كثير الشّرّ، فالتمس يوما إنسانا يهجوه فلم يجد، فجعل يقول: [الطويل]
أبت شفتاي اليوم إلّا تكلّما ... بشر فما أدري لمن أنا قائله
فاطّلع في ماء فرأى وجهه، فقال: [الطويل]
أرى لي وجها قبّح الله شخصه ... فقبّح من وجه وقبّح حامله (١)
стр. 935
نظر إلى هذا إسماعيل بن معمر القراطيسيّ فقال: [السريع]
ويلي على ساكن شطّ الصراة ... من وجنتيه شمت برق الحياه
ما تنقضي من عجب فكرتي ... من خصلة فرّط فيها الولاه
ترك المحبّين بلا حاكم ... لم يقعدوا للعاشقين القصاه
وقد أتاني خبر ساءني ... مقالها في السرّ: وا سوأتاه!
أمثل هذا يبتغي وصلنا ... أما يرى ذا وجهه في المرآة!
وقال الأصبهانيّ: إن القراطيسيّ سأل العباس بن الأحنف فقال له: يا أبا الفضل، هل قلت في معنى قولي هذا شيئا؟ فقال: قلت: [السريع]
جارية أعجبها حسنها ... ومثلها في النّاس لم يخلق
خبّرتها أني محبّ لها ... فأقبلت تضحك من منطقي
والتفتت نحو فتاة لها ... كالرّشأ الوسنان في قرطق
قالت لها قولي لهذا الفتى: ... انظر إلى وجهك ثم اعشق
وقال الصّقليّ في صفة عذول قبيح: [الطويل]
رأى وجه من أهوى عذولي فقال لي ... أجلّك عن وجه أراه كريها
فقلت له بل وجه حبّي مرآة ... فأنت ترى تمثال وجهك فيها
ولابن القابلة السّبتي: [الطويل]
ووجه حبيب رقّ حسنا أديمه ... يرى الصبّ فيه وجهه حين ينظر
تعرّض لي عند اللقاء به رشا ... تكاد الحميا من محيّاه تقطر
ولم يتعرض كي أراه وإنما ... أراد يريني أنّ وجهك أصفر
ولبعض المصريين في غلام يهواه: [الكامل]
يجري النّسيم على غلالة خدّه ... وأرقّ منه ما يمرّ عليه
ناولته المرآة ينظر وجهه ... فعكست فتنة ناظريه إليه
وقال الرّماديّ: [الكامل]
وإذا أراد تنزّها في روضة ... أخذ المرآة بكفّ فتنزّها
كان للفضل بن سهل وصيفة ظريفة كثيرة الملح والنّوادر، وكانت ساقيته، وكان أبو نواس يولع بها ويمازحها، فقال لها يوما: إني أحبّك وتبغضينني فلم ذلك؟ فقالت له:
وجهك والحرام لا يجتمعان، فقال: [الوافر]
مذكّرة مؤنّثة مهاة ... إذا برزت تشبّهها غلاما
стр. 936
تعاف الماء والعسل المصفّى ... وتشرب من فتوّتها المداما
تقول للحظها يا سيف أبشر ... ستروي من دم وتشقّ هاما
وقائلة لها في وجه نصح ... علام قتلت هذا المستهاما؟
فكان جوابها في حسن مسّ: ... أأجمع وجه هذا والحراما!
ومن ملح ابن لنكك في أهاجي أبي رياش: [الوافر]
على القبح الفظيع أبو رياش ... يعاشرنا بأخلاق ملاح
يبيح أكفّنا أبدا قفاه ... فنصفعه على وجه المزاح
وله فيه أيضا: [الكامل]
قل للوضيع أبا رياش لا تبل ... ته كلّ تيه بالولاية والعمل
ما ازددت حين وليت إلا خسّة ... كالسكلب أنجس ما يكون إذا اغتسل
***
قوله: تعريس، أي نزول آخر الليل. يهدي: الأول يرشد، ويدلّ على الطريق، ويقال؛ هداه يهديه هدى في الدّين، وهداه يهديه هداية في طريق يهدي: يعطي هدية، ويقال: أهداه هديّة يهديها إهداء، إذا أعطاها. الذّود: ما بين الثلاث إلى العشر من الإبل، ولا تكون إلّا إناثا. قينة: جارية مغنية ويقال: القينة الأمة، كانت مغنّية أو غير مغنّية. الفينة: الساعة والحين، ويقال: إني لآتيه الفينة بعد الفيّنة، وفينة بعد فينة، يستعمل بالألف واللام وبتركهما، أي أديم الاختلاف إليه الحين بعد الحين والوقت بعد الوقت. يزجّي: يسوق السّفيه: البطّال المشتغل باللهو.
قال الحارث بن همّام: فاعترضته، وقلت له: عهدي بك سفيها، فمتى صرت فقيها! فظلّ هنيهة يجول، ثم أنشأ يقول: [المتقارب]
لبست لكلّ زمان لبوسا ... ولابست صرفيه: نعمى وبوسا
وعاشرت كلّ جليس بما ... يلائمه لأروق الجليسا
فعند الرّواة أدير الكلام ... وبين السّقاة أدير الكئوسا
وطورا بوعظي أسيل الدّموع ... وطورا بلهوي أسرّ النّفوسا
وأقري المسامع إمّا نطقت ... بيانا يقود الحرون الشّموسا
وإن شئت أرعف كفّي اليراع ... فساقط درّا يحلّي الطّروسا
وكم مشكلات حكين السّها ... خفاء فصرن بكشفي شموسا
وكم ملح لي خلبن العقول ... وأسأرن في كل قلب رسيسا
стр. 937
وعذراء فهت بها فانثنى ... عليها الثّناء طليقا حبيسا
***
هنيهة: سويعة، تصغير هنة، ويقال في تصغيرها. هنيّة وهنيهة، كما تصغّر سنة سنيّة، وسنيهة. يجول: يتصرّف. لبوسا: ثوبا يشاكله، أخذه من قول النابغة: [الرجز]
البس لكلّ حالة لبوسها ... إما نعيمها وإمّا بوسها (١)
لابست: خالطت. صرفيه: حاليه من الخير والشر. عاشرت: صاحبت يلائمه:
يوافقه. أروق: أعجب، والصّرف اسم لحادث الدهر، لأنه يصرف الأشياء عن وجوهها.
طورا: مرّة. أقرى المسامع: أعطي الآذان، وأجعل فيها البيان. إمّا نطقت، أي إن نطقت الحرون: الذي يأبى المشي والانقياد. الشّموس: الذي إذا نخس وثب، وقيل: الذي يمنع الركاب. اليراع: الأقلام: أرعفها: أسالها بالمداد. يحلي: يزيّن. الطّروس:
الكتب، سمّيت بذلك لأنها ممحوّة، والمطروس: الممحوّ. قال رؤبة: [الرجز]
* كما رأيت الطّلل المطروسا (٢) *
[القلم ومما قيل فيه]
وعلى ذكر اليراع قال محمد بن عبد الملك بن صالح الهاشميّ في قلم: [الطويل]
وأهيف طاوي الكشح أسمر ناطق ... له جولان في بطون المهارق
كأنّ اللآلي والزّبرجد نطقه ... ونور الخزامى في عيون الحدائق
إذا استعجلته الكفّ أمطر خاله ... بلا صوت إرعاد ولا صوب بارق
وقال ابن عبد ربه: [المنسرح]
بكفّه ساحر البيان إذا ... أداره في صحيفة سحرا
مهفهف تزدهي به صحف ... كأنما حلّيت به دررا
يكاد عنوانها لروعته ... ينبيك عن سرّها الذي استترا
وقال التّهاميّ: [الكامل]
يلقى العدا من كتبه بكتائب ... يجرّرن من زرد الحروف ذيولا
стр. 938
فترى الصحيفة حلية وجيادها ... أقلامه وسريرهنّ صهيلا
في كفّه قلم أتمّ من القنا ... طولا وهنّ أتم منه طولا
وله أيضا: [الخفيف]
وإذا راش بالأنامل منه ... قلما واستمدّ ساء وسرّا
قلم دبّر الأقاليم حتّى ... قال فيه أهل التناسخ إمرا
يتبع الرمح أمره فابن عشري ... ن ذراعا بالرأي يخدم شبرا
السها: نجم خفيّ. خلبن: خدعن. أسأرن: أبقين، والسؤر. البقية وفي الحديث:
«إذا أكلتم فأسئروا» (١)، وأخذت سائره، معناه بقيّته. الرسيس: أوّل برد الحمّى، يريد أن هذه الملح لعذوبتها إذا حلّت في القلب أحدثت فيه حركة وهزّة، وإذا سمع ذو الذكاء كلاما مستظرفا من نثر أو نظم وجد له دبيبا وقشعريرة، وأخذ «وكم مشكلات»، من قول علي ﵁: [الوافر]
إذا المشكلات تصدّين لي ... كشفت حقائقها بالنّظر (٢)
وإن برقت في مخيل الصّوا ... ب عمياء لا يجتليها البصر
مقنّعة بغيوب الأمور ... وضعت عليها صحيح الفكر
لسانا كشقشقة الأرحبيّ ... أو كالحسام اليمانيّ الذّكر
وقلبا إذا استنطقته الغيوب ... أمرّ عليها بواهي الدّرر
عذراء: قصيدة بكر، لم يسبق إليها فهت: نطقت. انثنى: رجع. طليقا: منتشرا في الناس. حبيسا: موقوفا عليها لا يتعدّاها لغيرها.
[مما قيل في الشعر شعرا]
ومدح الشعراء للشعر باب شأوه بعيد، وسنذكر لحبيب- وهو المبرّز فيه- ولغيره ما يستحسن ويستجاد، قال حبيب: [الكامل]
جاءتك من نظم اللّسان قلادة ... سمطان فيها اللّؤلؤ المكنون (٣)
حذيت حذاء الحضرميّة أرهفت ... وأجادها التّخصير والتبيين
إنسيّة وحشيّة كثرت بها ... حركات أهل الأرض وهي سكون
أمّا المعاني فهي أبكار إذا ... فضت ولكنّ القوافي عون
стр. 939
وقال أيضا: [الطويل]
فو الله لا أنفك أهدى قصائدا ... إليك يحملن الثّناء البجّلا (١)
يحاك بها برد عليك مجدّد ... وتحسبه درّا عليك مفصّلا
ألذّ من السّلوى وأطيب نفحة ... من المسك مفتوتا وأيسر محملا
أخفّ على سمع وأثقل قيمة ... وأقصر في سمع الجليس وأطولا
وقال البحتريّ: [الطويل]
تطوع القوافي فيكم فكأنّما ... يطير إليكم من علوّ قصيدها (٢)
وكم لي من محبوكة الوشي فيكم ... إذا أنشدت قام امرؤ يستعيدها
وقال أيضا: [الطويل]
ألست الموالي فيك نظم قصائد ... هي الأنجم اقتادت مع اللّيل أنجما (٣)
ثناء تخال الروض منه منوّرا ... ضحى وتخال الوشي فيه مسهّما
وقال أيضا: [الطويل]
إليك القوافي نازعات قواصدا ... يسيّر ضاحي وشيها وينمنم (٤)
ومشرقة في النّظم غرّا يزيدها ... بهاء وحسنا أنّها لك تنظم
ضوامن للحاجات إمّا شوافعا ... مشفّعة، أو حاكمات تحكّم
وقال عليّ بن الجهم: [الطويل]
ولكنّ إحسان الخليفة جعفر ... دعاني إلى ما قلت فيه من الشّعر (٥)
فسار مسير الشمس في كلّ بلدة ... وهبّ هبوب الريح في البرّ والبحر
ولابن الرومي يهجو: [الكامل]
خذها إليك منيحة سيّارة ... في النّاس من باد ومن متحضّر
تغدو إليك بحاصب وبتارب ... وعلى الرّواة بلؤلؤ متخيّر
وقال السريّ الموصلي: [الوافر]
أتتك يجول ماء الطبع فيها ... مجال الماء في السّيف الصّقيل
قواف إن ثنت للمرء عطفا ... ثني الأعطاف في برد جميل
стр. 940
وقال أيضا: [الكامل]
شرقت بماء الطبع حتى خلتها ... شرقت لرونقها بتبر ذائب
ويقول سامعها إذا ما أنشدت ... أعقود حمد أم عقود كواكب
وقال أيضا: [الكامل]
ألفاظها كالدرّ في أصدافه ... لا بل تزيد عليه في لألائه
من كلّ رائعة الجمال كأنّما ... جاد الشّباب لها برونق مائه
والشعر بحر حزت أنفس درّه ... وتنافس الشعراء في حصبائه
وقال أيضا: [الكامل]
لفظ صقلت متونه فكأنه ... في مشرقات النّظم درّ سخاب
وكأنما أجريت في صفحاته ... حرّ اللّجين وخالص الزّرياب
أغربت في تحبيره فرواته ... في نزهة منه وفي استغراب
وقطعت منه شبيبة لم تشتغل ... عن حسنة بصبا ولا بتصابي
وإذا ترقرق في الصحيفة ماؤه ... عبق النسيم فذاك ماء شبابي
يصغي اللّبيب له فيقسم لبّه ... بين التّعجّب منه والإعجاب
جدّ يطير شراره، وفكاهة ... تستعطف الأحباب للأحباب
قال يحيى بن أكثم لمحمد بن حازم: ما في شعرك شيء غير أنك لا تطيله، فقال:
[الوفر]
أبى لي أن أطيل الشّعر قصدي ... إلى المعنى وعلمي بالصّواب
فابعثهنّ أربعة وخمسا ... مثقّفة بألفاظ عذاب
خوالد ما حدا ليل نهارا ... وما حسن الصّبا بأخي الشّباب
وهنّ إذا وسمت بهنّ قوما ... كأطواق الحمائم في الرّقاب
وهنّ إذا أقمت مسافرات ... تهاداها الرّواة مع الرّكاب
***
[المتقارب]
على أنّني من زماني خصصت ... بكيد ولا كيد فرعون موسى
يسعّر لي كلّ يوم وغى ... أطا من لظاها وطيسا وطيسا
ويطرقني بالخطوب الّتي ... يذبن القوى ويشبن الرءوسا
ويدنى إليّ البعيد البغيض ... ويبعد عنّي القريب الأنيسا
стр. 941
ولولا خساسة أخلاقه ... لما كان حظّي منه خسيسا
فقلت له: خفّض الأحزان، ولا تلم الزمان، واشكر لمن نقلك عن مذهب إبليس، إلى مذهب ابن إدريس.
***
قوله: على أنني، أي مع أنني. وقوله: ولا كيد فرعون موسى، أضاف فرعون إلى موسى، لأنّ الفراعنة كانوا جماعة.
وقال النبي ﷺ : «إنّ لكل أمة فرعونا، وفرعون هذه الأمة أبو جهل» (١).
وفرعون موسى، كان أكبر الفراعنة كيدا وأطولهم عمرا، وأعتاهم على الله، وأسراهم مملكة.
ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال موسى ﵊: يا ربّ، أمهلت فرعون أربعمائة سنة، وهو يقول: أنا ربّكم الأعلى، ويكذّب بآياتك ويجحد رسلك! فأوحى الله تعالى إنه كان حسن الخلق سهل الحجاب، فأحببت أن أكافئه.
وأما عذابه لبني إسرائيل فقد قدمناه في الخامسة.
ومما يحكى عنه أنّه كان يأمر بالقصب فيشقّ، ويجعل أمثال الشفار، ثم يضيف بعضه إلى بعض، ثم يؤتى بالحبالى من بني إسرائيل فيوقفن عليه، فيحزّ أقدامهنّ، حتى إن المرأة لتضع ولدها فيقع بين رجليها، فتظلّ تطؤه تتّقي به حدّ القصب عن رجليها.
قال وهب بن منبّه: بلغني أنه ذبح في طلب موسى تسعين ألف ولد ونسب الثعالبيّ المفسر فرعون، فقال: هو أبو العباس الوليد بن مصعب بن الرّيان بن أراشه بن ثروان بن عمرو بن قاذم بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح ﵇.
قوله: يسعّر، أي يهيّج. وغى: حرب. لظاها: حرّها. وطيسا: شدة، وحمي الوطيس: اشتدت الحرب، وأصله تنّور من حديث يطبخ فيه، فشبّهت شدّة الحرب وحرارتها به. وقيل: هو حفرة يختبز فيها. والوطيس: الوطء الشديد، والبلاء الذي يطسّ الناس، أي يدقهم ويقتلهم.
يطرقني: يقصدني ليلا. الخطوب: الأمور الشداد. خساسة: حقارة حظّي:
نصيبي.
ومما قيل في معنى قوله: ويدني إليّ البعيد البغيض .. البيت .. قول الزاهد بن عمران: [البسيط]
إلمام كلّ ثقيل قد أضرّ بنا ... نروم نقصهم والشيء يزداد
стр. 942
ومن يخفّ علينا لا يلمّ بنا ... وللثقيل مع السّاعات ترداد
ويقرب منه قول الشاعر: [الطويل]
وكيف يودّ القلب من لا يودّه ... بلى قد تريد النفس من لا يريدها
وقال عديّ بن الرقاع: [الكامل]
تبلتك أخت بني لؤي إذ رمت ... وأصاب نبلك إذ رميت سواها (١)
وأعارها الحدثان منك مودّة ... وأعار غيرك ودّها وهواها
وهذا من قول الأعشى: [البسيط]
علّقتها عرضا وعلّقت رجلا ... غيري، وعلّق أخرى غيرها الرّجل (٢)
وقال مسلم بن الوليد- وهو صريع الغواني، وكان خاملا فولّاه بنو سهل جرجان فشرف- فقال: [البسيط]
أهل الصفاء نأيتم بعد قربكم ... فما انتفعت بعيش بعدكم صافي (٣)
وقد قصدت ندى من لا يوافقني ... فكان سهمي عنه الطّائش الطافي
أردت «عمرا» وشاء الله «خارجة» ... أما كفى الدّهر من خلفي وإخلافي!
ولهذا أشار ابن شرف بقوله: [الكامل]
سل عن رضاي عن الزّمان فإنّه ... كرضا الفرزدق عن بني يربوع
لله حال قد تنقّل عهدها ... كخلاف نقل الدهر حال صريع
دارت دراريّ الخطوب قواصدا ... حتى نظرن إليّ من تربيع
وله أيضا يتشكّى: [البسيط]
ما لي أجاذب ذي الدنيا مولّية ... فكلّ ثوب عليها قدّمن دبر
أتى الزمان على يأس به لبني الدّن ... يا كبشرى بمولود على كبر
وقال أيضا: [البسيط]
إني وإن عزني نيل المنى لأرى ... حرص الفتى خلّة زيدت على العدم
стр. 943
تقلّدتني الليالي وهي مدبرة ... كأنني صارم في كفّ منهزم
وقال جحظة: [البسيط]
ضاقت عليّ وجوه الرأي في نفر ... يلقون بالجحد والكفران إحساني
أقلّب الطرف تصعيدا ومنحدرا ... فما أقابل إنسانا بإنساني
وقال أيضا: [المتقارب]
لقد مات إخوتي الصالحون ... فما لي صديق وما لي عماد
إذا أقبل الصبح ولّى السرور ... وإن أقبل الليل ولّى الرقاد
قوله: خفّض، أي سكّن.
***
[الإمام الشافعي]
وابن إدريس هو الإمام الشافعيّ محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، يلتقي نسبه مع بني هاشم وبني أميّة في عبد مناف.
وقال ﷺ : «نحن وبنو المطّلب كهاتين» - وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى مضمومتين.
وحاصرت قريش بني المطلب مع بني هاشم في الشّعب.
وكان الشافعي أعلم الناس وأورعهم وأعبدهم، وأجودهم، فإن أردت أن تقف على حفظة ومبلغ علمه، فانظر رحلته.
ووصفه بعض أهل العلم فقال: هو شقيق رسول الله ﷺ في نسبه وشريكه في حسبه.
زوّج المطلب ابنه هاشما الشّفاء بنت هاشم بن عبد مناف أخيه، فولدت له عبد يزيد جدّ الشافعي ﵁، فكان يقال لعبد يزيد: المحض لا قذى فيه، فولد الشافعيّ رضي الله تعالى عنه هاشمان: هاشم بن المطلب وهاشم بن عبد مناف، فالشافعيّ ابن عم النبيّ ﷺ وابن عمّته، لأن الشفاء أخت عبد المطلب، فهي عمة النبي ﷺ .
وأسلم السائب جدّه يوم بدر، وكان صاحب راية بني هاشم بن عبد مناف أسر وفدى نفسه، فأسلم، فقيل له: لم لم تسلم قبل أن تفتدي؟ فقال: ماكنت أحرم المؤمنين طمعا لهم فيّ.
قال أبو ثور: ما رأيت ولا رأى الراءون مثله.
وقال أحمد بن حنبل: ما صلّيت صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو الله للشافعيّ.
стр. 944
وقال له ابنه: أيّ رجل كان الشافعيّ حتى تدعو له هذا الدعاء؟ فقال: يا بنيّ كان كالشّمس للدنيا، أو كالعافية للناس.
وحدّث صالح بن أحمد بن حنبل قال: مشى أبي مع بغلة الشافعيّ في ركابه، فبعث إليه يحيى بن معين فقال له: يا أبا عبد الله، أما رضيت إلا أن تمشي مع بغلته! فقال: يا أبا زكرياء، لو مشيت من الجانب الآخر لكان أنفع لك، وما يمسّ أحد محبرة إلا وللشافعي في عنقه منّة.
وقال الشافعيّ ﵁: ما شبعت منذ ست عشرة سنة، لأنّ الشّبع يثقّل البدن، ويقسّي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة.
وقال: ما حلفت بالله لا صادقا ولا كاذبا.
وقال: ما ناظرت أحدا قطّ فأحببت أن يخطئ، وما كلّمت أحدا إلا أحببت أن يوفّق ويسدّد ويعان، ويكون عليه من الله رعاية وحفظ وما كلّمت أحدا إلا وأنا لا أبالي أن يبيّن الله الحقّ على لسانه أو لساني وما أوردت الحجة على أحد، فقبل مني إلا هبته واعتقدت محبّته، ولا ثابرني على الحق أحد ودافع الحجة إلا سقط من عيني ورفضته.
وكان يختم القرآن في رمضان ستين مرّة كلّ ذلك في الصلاة.
وقال الكرابيسيّ: بتّ معه غير ليلة فكان يصلّي نحوا من ثلث الليل، فما رأيته يزيد على خمسين آية، فإذا أكثر فمائة آية. وكان لا يمرّ بآية فيها رحمة إلا سأل الله لنفسه ولجميع المسلمين، ولا بآية عذاب إلا تعوّذ منها وسأل النجاة منها لنفسه ولجميع المسلمين.
وقال عمر بن عبد الله البلويّ: جلسنا يوما نتذاكر الزّهاد والعبّاد والعلماء، وما بلغ من زهدهم وفصاحتهم وعلمهم، فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا عمر بن نباتة، وقال:
فيم تتحاورون؟ فأعلمناه، فقال عمر: والله ما رأيت رجلا قطّ أورع ولا أخشع ولا أصبح ولا أسمح، ولا أعلم ولا أكرم ولا أجمل، ولا أجلّ ولا أفضل، من محمد بن إدريس الشافعيّ، خرجت أنا وهو والحارث بن اللبيد إلى الصّفا، وكان الحارث صاحب صالح المرّي، وكان من المتّقين الخاشعين، وكان حسن الصوت، فقرأ هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [النازعات: ٣٥، ٣٦] فرأيت الشافعي ﵁ قد تغيّر لونه، واقشعرّ جلده واضطرب اضطرابا شديدا، ثم خرّ مغشيّا على وجهه، فلما أفاق جعل يقول: أعوذ بك من مقام الكاذبين، وأعراض الغافلين! اللهم خضعت لك قلوب العارفين، وذلّت لك قلوب المشتاقين، اللهم هب لي جودك، وجلّلني بسترك، واعف عن تقصيري بكرم وجهك. ثم قمنا وتفرّقنا.
وقال الربيع بن سليمان، سمعت الشافعيّ ﵁، يقول: أتى عليّ عيد وليس عندي نفقة، فاستسلفت سبعين دينارا لنفقة أهلي، فبينا أنا كذلك إذ أتاني رجل من
стр. 945
قريش يشتكي إلي الحاجة فأخبرته خبري، وقلت له: خذ ما تحبّ، فقال لي: ما يقنعني إلّا أكثر من هذه الدنانير، فقلت له: فخذها، وبتّ وما معي دينار ولا درهم، فبينا أنا في منزلي إذ أتاني رسول جعفر بن يحيى البرمكي يقول: أجب الوزير، فأجبته. فقال: ما شأنك في هذه الليلة؟ يهتف بي هاتف كلّما دخلت في النوم، يقول: الشافعيّ الشافعيّ، فأخبرته بالخبر، فأعطاني خمسمائة دينار، ثم قال: أزيدك فأعطاني خمسمائة أخرى، فلم يزل يزيدني حتى أعطاني ألفي دينار. ومن جوده أن سوطه وقع من يده، فأعطى من ناوله إياه خمسين دينار وورد مكة بعشرة آلاف درهم، فضرب خباءه خارجها، فأتاه الناس، فما برح من موضعه حتى فرّقها.
وكان شاعرا مجيدا، قال أبو القاسم بن الأزرق: دخلت عليه، فقلت له: يا أبا عبد الله، أما تنصفنا! لك هذا الفقه تفوز بفوائده، ولنا هذا الشعر، وقد جئت تداخلنا فيه! فإمّا أفردتنا أو أشركتنا في الفقه، وقد أتيت بأبيات إن أجزتها بمثلها تبت من الشّعر، وإن عجزت تب منه، فقال لي: إيه يا هذا، فأنشدته هذا الكلام: [الكامل]
ما همّتي إلا مقارعة العدا ... خلق الزمان وهمّتي لم تخلق
والنّاس أعينهم إلى سبب الغنى ... لا ينظرون إلى الحجا والأولق
لكنّ من رزق الحجا حرم الغنى ... ضدّان مفترقان أيّ تفرق
لو كان بالحيل الغنى لوجدتني ... بنجوم أقطار السماء تعلّقي
فقال الشافعيّ رضي الله تعالى عنه: ألا قلت كما أقول ارتجالا: [الكامل]
إن الذي رزق اليسار فلم ينل ... حمدا ولا أجرا لغير موفّق
فالجدّ يدني كلّ أمر شاسع ... والجدّ يفتح كلّ باب مغلق
فإن سمعت بأنّ مجدودا حوى ... عودا فأثمر في يديه فحقّق
وإذا سمعت بأنّ محروما أتى ... ماء ليشربه فغاض فصدّق
وأحقّ خلق الله بالهمّ امرؤ ... ذو همّة يبلى بعيش ضيّق
ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
فقلت له: لا قلت شعرا بعدها.
قال المبرّد: كان الشافعيّ ﵁ أشعر الناس وآدب الناس، وأعرفهم بالفقه والقراءات، ولقد أخبرني بعض أصحابي أنه مات ولد لعبد الرحمن بن مهديّ، فكتب إليه الشافعي ﵁: يا أخي، عزّ نفسك بما تعزّي به غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من غيرك. واعلم أن أمضّ المصائب فقد سرور، وحرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر! فتناول حظّك يا أخي إذا قرب منك قبل أن تطلبه وقد نأى عنك، ألهمك الله عند المصائب صبرا، وأحرز لنا ولك بالصبر أجرا، وكتب إليه: [البسيط]
стр. 946
إني أعزّيك لا أنّي على ثقة ... من الحياة ولكن سنّة الدّين
فما المعزّى بباق بعد ميّته ... ولا المعزّي وإن عاشا إلى حين
وقال أيضا: [البسيط]
علمي معي حيثما يمّمت ينفعني ... قلبي وعاء له لا بطن صندوق
إن كنت في البيت كان العلم فيه معي ... أو كنت في السّوق كان العلم في السّوق
وقال أيضا: [الوافر]
ومنزلة السّفيه من الفقيه ... كمنزلة الفقيه من السّفيه
فهذا زاهد في قرب هذا ... وهذا فيه أزهد منه فيه
إذا غلب الشقاء على سفيه ... تقطّع في مخالفة الفقيه
وناظر الشافعيّ محمد بن الحسن الكوفيّ بالرّقة فقطعه الشافعيّ، فبلغ ذلك هارون الرشيد، فقال: أما علم محمد بن الحسن إذا ناظر رجلا من قريش، أنه يقطعه؛ سائلا أو مجيبا، والنبيّ ﷺ يقول: «قدّموا قريشا ولا تقدّموا عليها، وتعلّموا منها ولا تعلّموها»، فإن علم العالم منها يسع طباق الأرض. وكان الشافعيّ يعظّم محمد بن الحسن لعلمه، واستعار شيئا من كتبه فلم يسعفه بذلك، فكتب إليه الشافعيّ رضي الله تعالى عنه: [مجزوء الكامل]
قل للّذي لم تر عي ... نا من رآه مثله
ومن كأنّ من رآ ... هـ قد رأى من قبله
العلم ينهى أهله ... أن يمنعوه أهله
لعلّه يبذله ... لأهله لعلّه
فبعث إليه بما سأل.
وقال في الفقيه ابن عبد الحكم وقد اعتلّ فعاده: [مجزوء الكامل]
مرض الحبيب فعدته ... فمرضت من حذري عليه
شفي الحبيب فعادني ... فشفيت من نظري إليه
وقال أبو سعيد: سمعت الشافعي ﵁ يقول بيتين وهما: [الطويل]
إني أرى نفسي تتوق إلى مصر ... ومن دونها عرض المهامة والقفر
فو الله ما أدري أللخفض والغنى ... أقاد إليها، أم أقاد إلى القبر!
قال: فو الله ما كان إلا قليل حتى سيق إليهما جميعا.
ورأيته بعد وفاته، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: أجلسني على كرسيّ من ذهب ونثر عليّ اللؤلؤ الرّطب.
стр. 947
وقال المزنيّ: دخلت عليه غداة وفاته فقلت له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال:
أصبحت من الدنيا راحلا، ولإخواني مفارقا، ولكأس المنية شاربا، ولا أدري إلى الجنة تصير نفسي فأهنّئها أم إلى النار فأعزّيها! ثم أنشأ يقول: [الطويل]
ولمّا قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرّجا منّي لعفوك سلّما
تعاظمني ذنبي فلمّا قرنته ... بعفوك ربّي كان عفوك أعظما
وكانت وفاته في رجب ليلة الجمعة سنة أربع ومائتين، ودفن في صبيحتها وهو ابن أربع وخمسين سنة، وصلّى عليه السّري بن الحكم أمير مصر، ودفن بها نحو قبور الشهداء في مقبرة بني عبد الحكم وعند رأسه عمود من الحجر كبير، وفيه مكتوب: «هذا قبر محمد بن إدريس الشافعيّ أمين الله».
وقال الشافعيّ: أظلم الظالمين لنفسه من تواضع لمن لا يكرمه، ورغب في مودة من لا ينفعه، وقبل مدح من لا يعرفه.
وقال: من غلبت عليه شدة الشهوة بحبّ الدنيا لزمته العبودية لأهلها، ومن رضي بالقنع زال عنه الخضوع.
وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعيّ يقول: [الطويل]
وأنزلني طول النوى دار غربة ... يجاورني من ليس مثلي يشاكله
أخامقة حتى يقال سجيّة ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله
قال: وسمعته ينشد: [الطويل]
صن النفس واحملها على ما يزينها ... تعش سالما والقول فيك جميل
ولا تولينّ الناس إلا تجمّلا ... نبا بك دهر أو جفاك خليل
وإن ضاق رزق اليوم فاصبر إلى غد ... عسى نكبات الدهر عنك تزول
ولا خير في ودّ امرئ متلوّم ... إذا الريح مالت مال حيث تميل
وما أكثر الإخوان حين تعدّهم ... ولكنّهم في النائبات قليل!
قال: وسمع رجلا يشفه على رجل من أهل العلم، فقال لأصحابه: نزّهوا أسماعكم عن استماع الخنى، كما تنزّهون ألسنتكم عن النطق به، فإن المستمع شريك القائل، وإنّ السفيه ينظر إلى أخبث شيء في وعائه، فيحرص على أن يفرغه في أوعيتكم.
نظم بعضه هذا المعنى، فقال: [المتقارب]
فسمعك صن عن سماع الخنى ... كصون اللّسان عن النّطق به
فإنك عند استماع الخنى ... شريك لقائله فانتبه
وكان الحسن البصريّ ﵀، إذا خطب الحجاج، وذكر السّلف، يتكلّم تشاغلا
стр. 948
عن خطبته، فقيل له في ذلك، فقال: إن السامع والمتكلم شريكان، ألم تسمع قول الشاعر: [المتقارب]
فجاء به ناطق منهم ... بليغ ومستمع صامت
فكلّ له حظّه أنه ... أعان مع الناطق الساكت
وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: [السريع]
إن كنت لا ترهب ذمّي لما ... تعلم من صفحي عن الجاهل
فاخش سكوتي إذ أنا منصت ... فيك لمسموعي خنى القائل
فالسامع القول كمن قاله ... والموكّل المأكول كالآكل
وذكر الفنجديهيّ الشافعيّ، فقال: هو إمام الأنام، ونظام الإسلام، أحد الأئمة الأربعة الأطواد، الشامخة في الدين الأجواد، رضيع لبان النبوّة، أفضل العلماء، وأعلم الفضلاء، وصدر البدور وبدر الصدور، وهادي الدّعاة، وداعي الهداة، إكسير العلوم، وإكليل الرسوم.
علم العلماء شظيّة من علمه، وحلم الحلساء جذوة من حلمه، وعقائد الأصول مقتدحة من زناد كلماته، وقواعد الفروع مقترحة من عداد نغماته، فارس هيجاء المشكلات، ومقوّم عوجاء المعضلات، منبع السّنن، ومتّبع السّنن، فاز بغلبات الأقران، وحاز قصبات الرّهان، بطهارة الأعراق، ودماثة الأخلاق، وفخامة شرف الأمومة، وكرامة طرفي الأبوّة والعمومة، درّة الأصداف، من صميم آل عبد مناف، كشف الظّلمة عن الأمة، وصرف عنهم المظلمة المدلهمّة، بعلم كالبحر اللجّيّ، ورأي كالبدر في اللّيل الدجيّ، مذهبه مؤيّد بنصوص القرآن، وفصول الفرقان، أسّس بنيانه على تقوى من الله ورضوانه، فهو بين المذاهب والأديان، كالناظر في الأجفان والسمع في الآذان، والعقل في الإنسان، والعدل للسلطان، أحلّه الله محلّ القدس، وأدلى إليه سحاب الأنس .. في كلام أكثر من هذا.
***
فقال: دع الهتار، ولا تهتك الأستار، وانهض بنا لنضرب إلى مسجد يثرب، فعسى أن نرحض بالمزار، درن الأوزار فقلت: هيهات أن أسير، أو أفقه التفسير، فقال: تالله لقد أوجبت ذمما، وطلبت إذ طلبت أمما. فهاك ما يشفي النّفس، وينفي اللّبس، قال: فلمّا أوضح لي المعمّى، وكشف عنّي الغمّى، شددنا الأكوار، وسرت وسار. ولم أزل من مسامرته، مدّة مسايرته، فيما أنساني طعم المشقّة، ووددت معه بعد الشّقة، حتّى إذا دخلنا مدينة الرّسول، وفزنا من الزّيارة بالسّول، أشأم وأعرقت، وغرّب وشرّقت.
***
стр. 949
قوله: دع الهتار: أي اترك تمزيق العرض، وفلان يهاتر فلانا، أي يسابّه بالباطل من القول، والقبيح من اللفظ، وأصل الهتر سقط الكلام والباطل، والمهاترة: القول الذي ينقض بعضه بعضا، وأهتر الرجل فهو مهتر، إذا أولع بالقول في الشيء، واستهتر، فهو مستهتر: ذهب عقله فيه، وانصرفت إليه همته. تهتك: تخرق وتكشف، يريد أنه لما عرض له بنقائصه قال له: دع كشف العيب، فليس هذا موضعه. انهض: تقدم. لنضرب:
لنمشي في الأرض. نرحض: نغسل. المزار: زيارة قبر النبي ﷺ . درن الأوزار: وسخ الذنوب. هيهات: معناه بعد ذلك عنك. أفقه: أفهم، وذمما: جمع ذمّة، وهي العهد.
أمما: شيئا قريبا، والأمم: القصد. هاك: أي خذ. المعمّى: المغطّى المشكل المعنى، وأراد به شرح المائة الفتيا الملغزة. ويقال لمن يطلب ما يمكن ولم يشتطّ: طلب أمما قال عبيد الله بن قيس الرقيّات: [المنسرح]
كوفيّة نازح محّلتها ... لا أمم دارها ولا صقب (١)
الصّقب: القرب. الغمّى: هي الغمة التي تغطّي على الذهن، والمعمّى الأمر الملتبس. الأكوار: ما هو للإبل كالبراذع للدواب. الشّقة: السفر البعيد. والسّول:
المراد، أشأم وأعرقت: قصد الشأم وقصدت العراق.
[فضل زيارة قبر النبي ﷺ ]
ونذكر هنا فصلا في زيارة القبر المعظّم وتوديع زائره له ووصف الروضة والمسجد وذكر يثرب، وهي مدينة النبي ﷺ ومهاجره، سمّاها طيّبة لما كان اشتقاقها من التّثريب.
وكان ﷺ يغيّر الأسماء التي تدلّ على الاستقباح إلى ضدّها (٢).
وقال ﷺ : «من زار قبري وجبت له شفاعتي» ابن عمر ﵄: يثرب أرض مدينة الرسول في ناحية منها.
وقال شيخنا ابن جبير في روضته ﷺ : شاهدنا الرّوضة المكرّمة، وقد وقع الأذان بوصول صدر الدين رئيس الشافعيّة الأصبهانيّ الذي ورث النّباهة والوجاهة في العلم كابرا عن كابر، المعروف برئيس العلماء، توارثه عن أب فأب، وقد غصّ الحرم بالمنتظرين، وقد أعدّ له كرسيّ بإزاء الرّوضة المقدسة، فصعد وحضر قرّاؤه أمامه، فابتدءوا بالقراءة بنغمات عجيبة، وتلاحين مطربة بهيجة، وهو يلحظ الرّوضة المقدّسة، ويعلن بالبكاء. ثم أخذ في خطبة من إنشائه سحريّة البيان، وسلك في أساليب من الوعظ باللّسان، وأنشد
стр. 950
أبياتا بديعة من قوله، كان يردّد منها هذا البيت، ويشير إلى الروضة المعظّمة المطهّرة [الكامل]
هاتيك روضته تفوح نسيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما
وتمادى في وعظه إلى أن أطار النفوس من خشية ورقّة، وهو يعتذر من التقصير، لهول ذلك المقام ويقول: عجبا لألكن العجم، كيف ينطق عند أفصح العرب. وتهافتت الأعاجم عليه معلنين بالتوبة، وقد طاشت ألبابهم، ودهشت عقولهم، فيلقون نواصيهم بين يديه، فيستدعي الجلمين، ويجرّها ناصية ناصية، وكلّما جزّ ناصية كساها عمامة، فتوضع عليه للحين عمامة أخرى، ثم ختم مجلسه، بأن قال: معشر الحاضرين، قد تكلّمت لكم ليلة بحرم الله، وهذه الليلة بحرم رسوله؛ ولا بد للواعظ من كدية، وأنا أسألكم حاجة وإن ضمنتوها إلي أرقت لكم ماء وجهي في ذكرها. فأعلن الناس بالاسعاف وشهيقهم قد علا، فقال: حاجتي أن تكشفوا رءوسكم، وتبسطوا أيديكم، ضارعين لهذا النبي الكريم في أن يرضى عنّي ويسترضي الله لي. ثم أخذ في تعداد ذنوبه، والاعتراف بها، فأطار الناس عمائمهم، وبسطوا أيديهم للنبي ﷺ ، داعين له باكين متضرّعين؛ فما رأيت ليلة أكثر دموعا، ولا أعظم خشوعا من تلك الليلة. ثم انفضّ المجلس.
قال ابن جبير ﵀: ثم كان في اليوم التالي لهذه اللّيلة وداعنا للروضة المكرّمة، فيا له وداعا، ذهلت له النفوس ارتياعا، حتى طارت شعاعا، وما ظنّك بموقف ينادى بالتوديع فيه سيد المرسلين، وخاتم النبيين، ورسول رب العالمين! إنه لموقف تنفطر فيه الأفئدة، وتطيش له الألباب المتّئدة، فوا أسفاه وا أسفاه! كلّ يبوح لديه بأشواقه، ولا يجد بدّا من فراقه، فما تستطيع إلى الصبر سبيلا، ولا تسمع في ذلك المقام إلّا رنّة وعويلا، وكلّ بلسان الحال ينشد: [مخلع البسيط]
محبّتي تقتضي مقامي ... وحالتي تقتضي الرّحيلا
بوّأنا الله بزيارة هذا النبيّ الكريم منزل الكرامة، وجعله شفيعا لنا يوم القيامة، وأحلّنا بفضله في جواره الكريم دار المقامة.
ثم ذكر الرّوضة المقدّسة مع المسجد العتيق الذي احتوى على الروضة، فقال:
المسجد المبارك مسجد رسول الله ﷺ مستطيل، وتحفّه من جهاته الأربع بلاطات مستطيلة، ووسطه كلّه صحن مفروش بالحصى والرّمل، وفي الصحن خمس عشرة نخلة، فالجهة القبلية لها خمس بلاطات مستطيلة من غرب إلى شرق، والجنوبيّة كذلك، على الصفة المذكورة والشرقيّة لها ثلاث بلاطات، والغربيّة لها أربع بلاطات. وطول المسجد مائة خطوة وست وتسعون خطوة، وسعته مائة وست وعشرون خطوة، وعدد سواريه مائتان وتسعون، وهي أعمدة متصلة بالسّمك دون قسيّ تنعطف عليها، فكأنّها دعائم