← Адаб

Адаб · id 760

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

إني أعزّيك لا أنّي على ثقة ... من الحياة ولكن سنّة الدّين فما المعزّى بباق بعد ميّته ... ولا المعزّي وإن عاشا إلى حين وقال أيضا: [البسيط] علمي معي حيثما يمّمت ينفعني ... قلبي وعاء له لا بطن صندوق إن كنت في البيت كان العلم فيه معي ... أو كنت في السّوق كان العلم في السّوق وقال أيضا: [الوافر] ومنزلة السّفيه من الفقيه ... كمنزلة الفقيه من السّفيه فهذا زاهد في قرب هذا ... وهذا فيه أزهد منه فيه إذا غلب الشقاء على سفيه ... تقطّع في مخالفة الفقيه وناظر الشافعيّ محمد بن الحسن الكوفيّ بالرّقة فقطعه الشافعيّ، فبلغ ذلك هارون الرشيد، فقال: أما علم محمد بن الحسن إذا ناظر رجلا من قريش، أنه يقطعه؛ سائلا أو مجيبا، والنبيّ ﷺ يقول: «قدّموا قريشا ولا تقدّموا عليها، وتعلّموا منها ولا تعلّموها»، فإن علم العالم منها يسع طباق الأرض. وكان الشافعيّ يعظّم محمد بن الحسن لعلمه، واستعار شيئا من كتبه فلم يسعفه بذلك، فكتب إليه الشافعيّ رضي الله تعالى عنه: [مجزوء الكامل] قل للّذي لم تر عي ... نا من رآه مثله ومن كأنّ من رآ ... هـ قد رأى من قبله العلم ينهى أهله ... أن يمنعوه أهله لعلّه يبذله ... لأهله لعلّه فبعث إليه بما سأل. وقال في الفقيه ابن عبد الحكم وقد اعتلّ فعاده: [مجزوء الكامل] مرض الحبيب فعدته ... فمرضت من حذري عليه شفي الحبيب فعادني ... فشفيت من نظري إليه وقال أبو سعيد: سمعت الشافعي ﵁ يقول بيتين وهما: [الطويل] إني أرى نفسي تتوق إلى مصر ... ومن دونها عرض المهامة والقفر فو الله ما أدري أللخفض والغنى ... أقاد إليها، أم أقاد إلى القبر! قال: فو الله ما كان إلا قليل حتى سيق إليهما جميعا. ورأيته بعد وفاته، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: أجلسني على كرسيّ من ذهب ونثر عليّ اللؤلؤ الرّطب.

стр. 947

وقال المزنيّ: دخلت عليه غداة وفاته فقلت له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلا، ولإخواني مفارقا، ولكأس المنية شاربا، ولا أدري إلى الجنة تصير نفسي فأهنّئها أم إلى النار فأعزّيها! ثم أنشأ يقول: [الطويل] ولمّا قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرّجا منّي لعفوك سلّما تعاظمني ذنبي فلمّا قرنته ... بعفوك ربّي كان عفوك أعظما وكانت وفاته في رجب ليلة الجمعة سنة أربع ومائتين، ودفن في صبيحتها وهو ابن أربع وخمسين سنة، وصلّى عليه السّري بن الحكم أمير مصر، ودفن بها نحو قبور الشهداء في مقبرة بني عبد الحكم وعند رأسه عمود من الحجر كبير، وفيه مكتوب: «هذا قبر محمد بن إدريس الشافعيّ أمين الله». وقال الشافعيّ: أظلم الظالمين لنفسه من تواضع لمن لا يكرمه، ورغب في مودة من لا ينفعه، وقبل مدح من لا يعرفه. وقال: من غلبت عليه شدة الشهوة بحبّ الدنيا لزمته العبودية لأهلها، ومن رضي بالقنع زال عنه الخضوع. وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعيّ يقول: [الطويل] وأنزلني طول النوى دار غربة ... يجاورني من ليس مثلي يشاكله أخامقة حتى يقال سجيّة ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله قال: وسمعته ينشد: [الطويل] صن النفس واحملها على ما يزينها ... تعش سالما والقول فيك جميل ولا تولينّ الناس إلا تجمّلا ... نبا بك دهر أو جفاك خليل وإن ضاق رزق اليوم فاصبر إلى غد ... عسى نكبات الدهر عنك تزول ولا خير في ودّ امرئ متلوّم ... إذا الريح مالت مال حيث تميل وما أكثر الإخوان حين تعدّهم ... ولكنّهم في النائبات قليل! قال: وسمع رجلا يشفه على رجل من أهل العلم، فقال لأصحابه: نزّهوا أسماعكم عن استماع الخنى، كما تنزّهون ألسنتكم عن النطق به، فإن المستمع شريك القائل، وإنّ السفيه ينظر إلى أخبث شيء في وعائه، فيحرص على أن يفرغه في أوعيتكم. نظم بعضه هذا المعنى، فقال: [المتقارب] فسمعك صن عن سماع الخنى ... كصون اللّسان عن النّطق به فإنك عند استماع الخنى ... شريك لقائله فانتبه وكان الحسن البصريّ ﵀، إذا خطب الحجاج، وذكر السّلف، يتكلّم تشاغلا

стр. 948

عن خطبته، فقيل له في ذلك، فقال: إن السامع والمتكلم شريكان، ألم تسمع قول الشاعر: [المتقارب] فجاء به ناطق منهم ... بليغ ومستمع صامت فكلّ له حظّه أنه ... أعان مع الناطق الساكت وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: [السريع] إن كنت لا ترهب ذمّي لما ... تعلم من صفحي عن الجاهل فاخش سكوتي إذ أنا منصت ... فيك لمسموعي خنى القائل فالسامع القول كمن قاله ... والموكّل المأكول كالآكل وذكر الفنجديهيّ الشافعيّ، فقال: هو إمام الأنام، ونظام الإسلام، أحد الأئمة الأربعة الأطواد، الشامخة في الدين الأجواد، رضيع لبان النبوّة، أفضل العلماء، وأعلم الفضلاء، وصدر البدور وبدر الصدور، وهادي الدّعاة، وداعي الهداة، إكسير العلوم، وإكليل الرسوم. علم العلماء شظيّة من علمه، وحلم الحلساء جذوة من حلمه، وعقائد الأصول مقتدحة من زناد كلماته، وقواعد الفروع مقترحة من عداد نغماته، فارس هيجاء المشكلات، ومقوّم عوجاء المعضلات، منبع السّنن، ومتّبع السّنن، فاز بغلبات الأقران، وحاز قصبات الرّهان، بطهارة الأعراق، ودماثة الأخلاق، وفخامة شرف الأمومة، وكرامة طرفي الأبوّة والعمومة، درّة الأصداف، من صميم آل عبد مناف، كشف الظّلمة عن الأمة، وصرف عنهم المظلمة المدلهمّة، بعلم كالبحر اللجّيّ، ورأي كالبدر في اللّيل الدجيّ، مذهبه مؤيّد بنصوص القرآن، وفصول الفرقان، أسّس بنيانه على تقوى من الله ورضوانه، فهو بين المذاهب والأديان، كالناظر في الأجفان والسمع في الآذان، والعقل في الإنسان، والعدل للسلطان، أحلّه الله محلّ القدس، وأدلى إليه سحاب الأنس .. في كلام أكثر من هذا. *** فقال: دع الهتار، ولا تهتك الأستار، وانهض بنا لنضرب إلى مسجد يثرب، فعسى أن نرحض بالمزار، درن الأوزار فقلت: هيهات أن أسير، أو أفقه التفسير، فقال: تالله لقد أوجبت ذمما، وطلبت إذ طلبت أمما. فهاك ما يشفي النّفس، وينفي اللّبس، قال: فلمّا أوضح لي المعمّى، وكشف عنّي الغمّى، شددنا الأكوار، وسرت وسار. ولم أزل من مسامرته، مدّة مسايرته، فيما أنساني طعم المشقّة، ووددت معه بعد الشّقة، حتّى إذا دخلنا مدينة الرّسول، وفزنا من الزّيارة بالسّول، أشأم وأعرقت، وغرّب وشرّقت. ***

стр. 949

قوله: دع الهتار: أي اترك تمزيق العرض، وفلان يهاتر فلانا، أي يسابّه بالباطل من القول، والقبيح من اللفظ، وأصل الهتر سقط الكلام والباطل، والمهاترة: القول الذي ينقض بعضه بعضا، وأهتر الرجل فهو مهتر، إذا أولع بالقول في الشيء، واستهتر، فهو مستهتر: ذهب عقله فيه، وانصرفت إليه همته. تهتك: تخرق وتكشف، يريد أنه لما عرض له بنقائصه قال له: دع كشف العيب، فليس هذا موضعه. انهض: تقدم. لنضرب: لنمشي في الأرض. نرحض: نغسل. المزار: زيارة قبر النبي ﷺ . درن الأوزار: وسخ الذنوب. هيهات: معناه بعد ذلك عنك. أفقه: أفهم، وذمما: جمع ذمّة، وهي العهد. أمما: شيئا قريبا، والأمم: القصد. هاك: أي خذ. المعمّى: المغطّى المشكل المعنى، وأراد به شرح المائة الفتيا الملغزة. ويقال لمن يطلب ما يمكن ولم يشتطّ: طلب أمما قال عبيد الله بن قيس الرقيّات: [المنسرح] كوفيّة نازح محّلتها ... لا أمم دارها ولا صقب (١) الصّقب: القرب. الغمّى: هي الغمة التي تغطّي على الذهن، والمعمّى الأمر الملتبس. الأكوار: ما هو للإبل كالبراذع للدواب. الشّقة: السفر البعيد. والسّول: المراد، أشأم وأعرقت: قصد الشأم وقصدت العراق. [فضل زيارة قبر النبي ﷺ ] ونذكر هنا فصلا في زيارة القبر المعظّم وتوديع زائره له ووصف الروضة والمسجد وذكر يثرب، وهي مدينة النبي ﷺ ومهاجره، سمّاها طيّبة لما كان اشتقاقها من التّثريب. وكان ﷺ يغيّر الأسماء التي تدلّ على الاستقباح إلى ضدّها (٢). وقال ﷺ : «من زار قبري وجبت له شفاعتي» ابن عمر ﵄: يثرب أرض مدينة الرسول في ناحية منها. وقال شيخنا ابن جبير في روضته ﷺ : شاهدنا الرّوضة المكرّمة، وقد وقع الأذان بوصول صدر الدين رئيس الشافعيّة الأصبهانيّ الذي ورث النّباهة والوجاهة في العلم كابرا عن كابر، المعروف برئيس العلماء، توارثه عن أب فأب، وقد غصّ الحرم بالمنتظرين، وقد أعدّ له كرسيّ بإزاء الرّوضة المقدسة، فصعد وحضر قرّاؤه أمامه، فابتدءوا بالقراءة بنغمات عجيبة، وتلاحين مطربة بهيجة، وهو يلحظ الرّوضة المقدّسة، ويعلن بالبكاء. ثم أخذ في خطبة من إنشائه سحريّة البيان، وسلك في أساليب من الوعظ باللّسان، وأنشد

стр. 950

أبياتا بديعة من قوله، كان يردّد منها هذا البيت، ويشير إلى الروضة المعظّمة المطهّرة [الكامل] هاتيك روضته تفوح نسيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما وتمادى في وعظه إلى أن أطار النفوس من خشية ورقّة، وهو يعتذر من التقصير، لهول ذلك المقام ويقول: عجبا لألكن العجم، كيف ينطق عند أفصح العرب. وتهافتت الأعاجم عليه معلنين بالتوبة، وقد طاشت ألبابهم، ودهشت عقولهم، فيلقون نواصيهم بين يديه، فيستدعي الجلمين، ويجرّها ناصية ناصية، وكلّما جزّ ناصية كساها عمامة، فتوضع عليه للحين عمامة أخرى، ثم ختم مجلسه، بأن قال: معشر الحاضرين، قد تكلّمت لكم ليلة بحرم الله، وهذه الليلة بحرم رسوله؛ ولا بد للواعظ من كدية، وأنا أسألكم حاجة وإن ضمنتوها إلي أرقت لكم ماء وجهي في ذكرها. فأعلن الناس بالاسعاف وشهيقهم قد علا، فقال: حاجتي أن تكشفوا رءوسكم، وتبسطوا أيديكم، ضارعين لهذا النبي الكريم في أن يرضى عنّي ويسترضي الله لي. ثم أخذ في تعداد ذنوبه، والاعتراف بها، فأطار الناس عمائمهم، وبسطوا أيديهم للنبي ﷺ ، داعين له باكين متضرّعين؛ فما رأيت ليلة أكثر دموعا، ولا أعظم خشوعا من تلك الليلة. ثم انفضّ المجلس. قال ابن جبير ﵀: ثم كان في اليوم التالي لهذه اللّيلة وداعنا للروضة المكرّمة، فيا له وداعا، ذهلت له النفوس ارتياعا، حتى طارت شعاعا، وما ظنّك بموقف ينادى بالتوديع فيه سيد المرسلين، وخاتم النبيين، ورسول رب العالمين! إنه لموقف تنفطر فيه الأفئدة، وتطيش له الألباب المتّئدة، فوا أسفاه وا أسفاه! كلّ يبوح لديه بأشواقه، ولا يجد بدّا من فراقه، فما تستطيع إلى الصبر سبيلا، ولا تسمع في ذلك المقام إلّا رنّة وعويلا، وكلّ بلسان الحال ينشد: [مخلع البسيط] محبّتي تقتضي مقامي ... وحالتي تقتضي الرّحيلا بوّأنا الله بزيارة هذا النبيّ الكريم منزل الكرامة، وجعله شفيعا لنا يوم القيامة، وأحلّنا بفضله في جواره الكريم دار المقامة. ثم ذكر الرّوضة المقدّسة مع المسجد العتيق الذي احتوى على الروضة، فقال: المسجد المبارك مسجد رسول الله ﷺ مستطيل، وتحفّه من جهاته الأربع بلاطات مستطيلة، ووسطه كلّه صحن مفروش بالحصى والرّمل، وفي الصحن خمس عشرة نخلة، فالجهة القبلية لها خمس بلاطات مستطيلة من غرب إلى شرق، والجنوبيّة كذلك، على الصفة المذكورة والشرقيّة لها ثلاث بلاطات، والغربيّة لها أربع بلاطات. وطول المسجد مائة خطوة وست وتسعون خطوة، وسعته مائة وست وعشرون خطوة، وعدد سواريه مائتان وتسعون، وهي أعمدة متصلة بالسّمك دون قسيّ تنعطف عليها، فكأنّها دعائم

стр. 951

قوائم، وهي من حجر منحوت قطعا قطعا، ململمة مثقوبة (١) توضع أنثى في ذكر، ويفرغ بينهما الرصاص المذاب إلى أن يتصل عمودا قائما، وتكسى بغلالة جير، ويبالغ في سفلها ودلكها، فتظهر كأنها رخام أبيض، وتحفّ بالبلاط المتّصل بالقبلة من البلاطات الخمس مقصورة تكتنفه من غرب إلى شرق، والمحراب فيها، وعلى رأس المحراب حجر مربّع أصفر قدر شبر في شبر، ظاهر البريق، يقال: إنه كان مرآة كسرى. وفي أعلى داخل المحراب مسمار مثبّت في جداره، فيه شبه حتّى صغير لا يعرف من أيّ شيء هو، ويزعمون أنه كان كأس كسرى. ونصف جدار القبلة الأسفل رخام موضوع أزارا على إزار مختلف الصّنعة واللون، مجزّع أبدع تجزيع. والنصف الأعلى من الجدار مزيّن كلّه بفصوص الذهب المعروفة بالفسيفساء، قد نتج الصانع فيه نتائج غريب من الصّنعت، تضمّنت تصاوير أشجار مختلفة الصفات، مائلة الأغصان بثمرها، والجداران الشرقي والغربي النّاظران إلى الصحن مجرّدان أبيضان مقرفصان، قد زيّنا برسم يتضمّن أنواعا من الأصبغة إلى ما يطول وصفه من الاحتفال في هذا المسجد المبارك. وفي الجهة الشرقية بيت مصنوع من عود لمبيت بعض سدنته، وسدنته فتيان أحابيش صقالب ظراف الهيئات، نظاف الملابس، والمؤذّن الرّاتب فيه أحد أولاد بلال، وفي جوف الصّحن قبّة كبيرة تعرف بقبّة الزيت، هي مخزن لجميع آلات المسجد. وله تسعة عشرة بابا لم يبق منها مفتوحا سوى أربعة: اثنان في الغرب، ويعرفان بباب الرحمة، وباب الخشية، واثنان في الشرق: باب جبريل، ويقابله دار عثمان التي استشهد بها، وباب الرّجاء. وفي الشرق خمسة مغلقة، وفي الغرب كذلك، وفي الجنوب أربعة وفي القبلة واحد صغير، وله ثلاث صوامع إحداها في الركن الشرقيّ على هيئة الصوامع، واثنتان في ركني الجهة الجنوبية صغيرتان على هيئة برجين، والرّوضة المقدّسة مع آخر الجهتين، الجهة القبلية ممّا يلي الشرق، وقد انتظمت من بلاطاته ممّا يلي الصّحن في السعة اثنين ونيّفت إلى البلاط والثالث بمقدار أربعة أشبار، ولها خمسة أركان بخمس صفحات، وشكلها شكل عجيب لا يكاد يتأتّى تصويره ولا تمثيله، والصّفحات الأربع محرّفة عن القبلة تحريفا بديعا، لا يتأتّى لأحد معه استقبالها في صلاته، لأنه ينحرف عن القبلة، والذي اخترع ذلك في تدبيرها مخافة أن يتّخذها الناس مصلّى عمر بن عبد العزيز ﵁ وأخذت من الجهة الشرقية سعة بلاطتين، وانتظم داخلها من أعمدة الأبلطة ستة، وسعة الصفحة القبلية منها أربعة وأربعون شبرا، وسعة الصفحة الشرقية ثلاثون شبرا، ومن الرّكن الشرقيّ إلى الركن الجنوبيّ صفحة سعتها خمسة وثلاثون شبرا، ومن الركن الجنوبيّ إلى الغربي صفحة سعتها تسعة وثلاثون شبرا، ومن الركن الغربيّ إلى القبليّ صفحة سعتها أربعة وعشرون شبرا، وفي هذه الصفحة صندوق

стр. 952

آبنوس مختّم بالصندل، مصفّح بالفضة، مكوكب بها طوله خمسة أشبار، وعرضه ثلاثة أشبار، وارتفاعه أربعة، وهو قبالة رأس النبي ﷺ ، فجميع سعة الروضة من جميع جهاتها مائة شبر، واثنان وسبعون شبرا، وهي مؤزّرة بالرخام البديع النحت الرائع النعت، وينتهي الإزار منها إلى نحو الثلث أو أقلّ يسيرا، وعليه من الجدار المكرم ثلث آخر، قد علاه تضميخ المسك والطّيب مقدار نصف شبر مسوّدا متراكبا، متشقّقا مع طول الأزمنة والأيام، والذي يعلوه من الجدار شبابيك عود متّصلة بالسّمك الأعلى، لأنّ أعلى الروضة متّصل بسمك المسجد، وإلى حيّز إزار الرخام تنتهي الأستار، وهي لازورديّة اللون، مختّمة بخواتم بيض مثمّنة ومربعة، وفي داخل الخواتيم دوائر مستديرة، ونقط بيض تحفّ بها، فمنظرها منظر بديع الشّكل. وفي أعلاها رسم مائل إلى البياض، وفي الصفحة القبلية أمام وجه النبي ﷺ مسمار فضّة، هو قبالة الوجه المكرم، فيقف الناس أمامه للسّلام، وإلى قدميه ﷺ رأس أبي بكر ﵁، ومما يلي كتفي أبي بكر رأس عمر ﵄، فيقف المسلّم مستدبر القبلة، ومستقبل الوجه الكريم، فيسلّم ثم ينصرف يمينا إلى وجه أبي بكر، ثم إلى وجه عمر رضي الله تعالى عنهما. وأمام هذه الصفحة المكرّمة نحو العشرين قنديلا معلّقة من الفضة، وفيها اثنان من ذهب، وفي جوفي الروضة حوض صغير مرخّم في قبلته شكل محراب، قيل: إنه بيت فاطمة رضي الله تعالى عنها، ويقال: هو قبرها، وعن يمين الرّوضة المكرّمة المنبر الكريم، ومنه إليها اثنتان وأربعون خطوة، وهو في الحوض المبارك الّذي طوله أربع عشرة خطوة، وعرضه ستّ خطا، وهو مرخّم كلّه وارتفاعه شبر ونصف، وارتفاع المنبر نحو القامة أو أزيد وسعته خمسة أشبار، وطوله خمس خطوات، وأدراجه ثمانية، وبابه على هيئة الشّبّاك مقفل يفتح يوم الجمعة، وطوله أربعة أشبار ونصف شبر. والمنبر مغشى بعود الآبنوس، ومقعد النبي ﷺ من أعلاه ظاهر، وقد طبق عليه لوح من الآبنوس غير متّصل به، يصونه من القعود عليه، يدخل الناس أيديهم إليه، ويمسحونه. تبركا بلمس ذلك المقعد الكريم، وعلى رأس رجل المنبر اليمني، حيث يضع الخطيب يده حلقة فضة مجوّفة مستطيلة تشبه حلقة الخياط، لكنها أكبر لاعبة تستدير في موضعها، يزعمون أنها كانت لعبة للحسن والحسين في حال خطبة جدّهما، صلوات الله عليهم أجمعين. وفي الرّوضة الصغيرة التي بين القبر والمنبر، جاء الأثر أنها روضة من رياض الجنة، وقدرها ثمان خطا، ويتزاحم الناس في هذه الرّوضة للصلاة، وبإزائها لجهة القبلة عمود، يقال إنه مطبق على بقية الجذع الّذي حنّ للنبيّ ﷺ وقطعة منه في وسط العمود ظاهرة، يقبّلها الناس، ويمسحون خدودهم فيها وعلى حافتها في القبلة منها صندوق كبير للشّمع والأنوار التي توقد أمام الرّوضة كلّ ليلة، ومصلّى الإمام في الروضة الصغيرة

стр. 953

المذكورة إلى جانب الصندوق، وبينها وبين الروضة الكبيرة محمل كبير مدهون عليه مصحف كبير في غشاء مقفل، هو أحد المصاحب الأربعة التي وجّه بها عثمان إلى البلاد. وبإزاء المقصورة لجهة المشرق خزانتان كبيرتان محتويتان على كتب ومصاحف موقوفة على المسجد، ويليها في البلاط الثاني دفّة لجهة الشرق، ودفّة مطبقة على وجه الأرض إلى سرداب يهبط إليه على أدراج تحت الأرض، يفضي إلى خارج المسجد إلى دار أبي بكر، وهو كان طريق عائشة ﵄ إليها. وذلك الموضع هو موضع الخوخة المفضية لدار أبي بكر ﵁ التي أمر النبي ﷺ بإبقائها، وبإزاء دار أبي بكر دار عمر وابنه عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين. وفيما ذكرناه كفاية، والله تعالى أعلم. تم الجزء الثاني، ويليه الجزء الثالث وأوله: «المقامة الثالثة والثلاثون، وهي المقامة التفليسية»

стр. 954

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقامة الثالثة والثلاثون وتعرف بالتّفليسيّة حكى الحارث بن همّام، قال: عاهدت الله مذ يفعت، ألّا اؤخّر الصّلاة ما استطعت؛ فكنت مع جوب الفلوات، ولهو الخلوات، أراعي أوقات الصّلاة، وأحاذر من مأتم الفوات. وإذا رافقت في رحلة، أو حللت بحلّة، مرحبت بصوت الدّاعي إليها، واقتديت بمن يحافظ عليها. فاتّفق حين دخلت تفليس، أن صلّيت مع زمرة مفاليس فلمّا قضينا الصّلاة، وأزمعنا الانفلات، برز شيخ بادي اللّقوة، بالي الكسوة والقوّة، فقال: عزمت على من خلق من طينة الحرّية، وتفوّق درّ العصبيّة، إلّا ما تكلّف لي لبثة، واستمع منّي نفثة، ثم له الخيار من بعد، وبيده البذل والرّدّ. فعقد له القوم الحبا، ورسوا أمثال الرّبا. يفعت: شببت ولم أبلغ الحلم، وقاربت ذلك. ابن أبي الخير: يفع الغلام وأيفع، إذا كان ابن سبع سنين، فإذا ناهز الحلم قيل: مراهق وكوكب، فإذا أدرك قيل: فيه حزوّر. غيره: غلام يفعة غضّ الشباب، وجارية يفعة، والجمع أيفاع وأيفع، فهو يافع على غير قياس. قال ابن سيده ﵀: ولم يقل أحد منهم يفع الغلام، ولا موفع، ومثله أبقل الموضع، وأورس، والورس: نبت أصفر. جوب: قطع. الخلوات: حيث يخلو للذاته. أراعي أحفظ. مأثم: إثم. الفوات فوت الوقت. رافقت في رحلة: صاحبت في ارتحال وسفر. حللت: نزلت ببلدة. والحلّة: جماعة البيوت، والحلّة: القوم الحلول والجمع حلال. مرحبت: قلت مرحبا. الدّاعي: هو المؤذّن. [فضل الصلاة في وقتها] وجاء من الأثر في تأخير الصلاة قوله ﷺ : «إنّ الرجل ليصلّي الصلاة وما فاته وقتها، ولما فاته من وقتها أعظم أو أفضل من أهله وماله» (١). فهذا وقد أدرك آخر الوقت سيندم على فوات أوله.

стр. 955

وقال ﵊: «الوقت الأوّل من الصلاة رضوان الله، والثاني عفو الله» (١)، فقال أبو بكر ﵁: رضوان الله أحبّ إليّ منعفوه. وإنّما قال ذلك لأن عفو الله لا يتصوّر إلا عند اكتساب خطيئة. وعن ابن عمر ﵄ عن النبيّ ﷺ ، أنه ذكر الصلاة يوما فقال: «من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة من النار، ومن لم يحافظ عليها كان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبيّ بن خلف» (٢). وقال ﵊: «إنّ الذي تفوته صلاة العصر؛ فكأنما وتر أهله وماله» (٣). وكتب عمر ﵁ إلى عمّاله: إن أهمّ أموركم عندي الصّلاة، من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيّعها فهو لما سواها أضيع. وجاء في القرآن: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم: ٥٩]، وفي التّفسير: لم يتركوا الصّلاة وإنما أضاعوا وقتها. وقال ﷺ : «لا تفريط في النوم، وإنما التفريط في الّذي يؤخّر الصلاة إلى وقت الأخرى» (٤). وسئل النبيّ ﷺ عن الّذين هم عن صلاتهم ساهون، فقال: «هم الذين يؤخّرون الصلاة عن وقتها» (٥). وممّا يستظرف من هذا الباب أنّ المنصور قيل له: إن أبا دلامة لا يحضر الصلاة، لأنه معتكف على الخمر، وقد أفسد فتيان العسكر، فلو أمرته بالصلاة معك لأصلحته وغيره. فلمّا دخل عليه قال: أبو دلامة الماجن! قال: يا أمير المؤمنين، ما أنا والمجون، وقد ساورت باب قبري، فقال: عني من استكانتك وتضرّعك وإياك أن تفوتك صلاة الظهر والعصر في مسجدي، فإن فاتتك لأحسننّ أدبك، ولأطيلنّ حبسك. فوقع في شرّ أمر، فلزم المسجد أياما

стр. 956

ثم كتب رقعة ودفعها إلى المهديّ، فأوصلها إلى أبيه وفيها: [الطويل] ألم تعلما أنّ الخليفة لزّني ... لمسجده والقصر ما لي وللقصر أصلّي به الأولى جميعا وعصرها ... فويلي من الأولى، وويلي من العصر! أصليهما بالكره في غير مسجدي ... فما لي في الأولى وفي العصر من أجر يكلّفني من بعد ما شبت توبة ... يحطّ بها عنّي الثّقيل من الوزر وو الله ما لي نيّة في صلاتها ... ولا البرّ والإحسان والخير من أمري لقد كان في قومي مساجد جمّة ... ولم ينشرح يوما لغشيانها صدري وما ضرّه- والله يغفر ذنبه ... لو أن ذنوب العالمين على ظهري! فقال: صدق دعوه يضلّ من يشاء، وما يضرّني ذلك! والله لا يفلح هذا أبدا، فدعوه يفعل ما يشاء. وكان الجمّاز منقطعا إلى أبي جزء الباهليّ، فتناسك أبو جزء، فقال للجمّاز: لا أحبّ أن تخالطني إلا أن تتنسّك فأظهر النّسك، ثم كتب إليه: قد جفاني الأمير كي أتقرّى ... فتقرّيت مكرها لجفائه والّذي أنطوى عليه المعاصي ... علم الله نيّتي من سمائه ما قراة لمكره بقراة ... قد رواه الأمير عن فقهائه ومن مجون أبي نواس أن الأمير لما نهاه عن الخمر وحبسه، فكلّمه فيه الفضل بن الربيع، وأخرجه كتب إليه: [الخفيف] أنت يا ابن الربيع علّمتني الخي ... ر وعوّدتنيه والخير عاده (١) فارعوى باطلي وراجعني الح ... لم فأحدثت رهبة وزهاده لو تراني ذكرت بي الحسن البص ... ريّ في حال نسكه أو قتادة المسابيح في دراعي والمص ... حف في ليّتي مكان القلاده فإذا شئت أن ترى طرفة تع ... جب منها مليحة مستفاده فادع بي لا عدمت تقويم مثلي ... فتأمّل بعينك السّجّاده لو رآها بعض المرائين يوما ... لاشتراها يعدّها للشهاده أثر لاح للصّلاة بوجهي ... توقن النّفس أنه من عباده وأذن بشار لأصحابه والمائدة بين يديه، فأكل ولم يدعهم لطعامه، ثم دعا بطشت وكشف عن سوأته فبال، ثم حضر الظهر والعصر والعشاء الأولى والآخرة، فلم يصلّ

стр. 957

فقالوا له: أنت أستاذنا وقد رأينا منك أشياء أنكرناها عليك. قال. وما هي؟ قالوا: دخلنا والطعام بين يديك فلم تدعنا إليه، قال: إنما أذنت لكم لتأكلوا، ثم ماذا؟ قالوا: دعوت بالطشت ونحن حضور فبلت ونحن نراك؛ فقال: أنا مكفوف وأنتم بصراء وأنتم المأمورون بغضّ البصر دوني، ثم ماذا؟ قالوا: حضرت الصلاة فلم تصلّ، فقال: إنّ الذي يقبلها تفاريق يقبلها جملة. هذا على أنه القائل: [الطويل] ألم تر أنّ الدهر يقدح في الصّفا ... وأنّ بقائي إن حييت قليل خليلك ما قدّمت من عمل التّقى ... وليس لأيّام المنون خليل فعش خائفا للموت أو غير خائف ... على كلّ نفس للحمام دليل وقال الحسن رحمه الله تعالى: [الوافر] وندمان يرى غبنا عليه ... بأن يمسي وليس له انتشاء إذا نبّهته من نوم سكر ... كفاه مرّة منك النداء إذا ما أدركته الظهر صلّى ... فلا ظهر عليه ولا عشاء يصلّي هذه في وقت هذي ... فكلّ صلاته أبدا قضاء [مدينة تفليس] تفليس: مدينة بإرمينية بينها وبين قالي قلا ثلاثون فرسخا، ومن قالي قلا ابتداء الأنهار العظام، أوّلها الفرات- وقد تقدّم- يأخذ من قالي قلا فرسخين، ثم يشقّ مغرّبا إلى دبيل إلى ورثان، ثم يصبّ إلى بحر الخزر، والثاني الكبير يخرج من مدينة قالي قلا، ثم يشقّ إلى مدينة تفليس مشرّقا إلى مدينة بردعة وأرضها، ثم يقرب من بحر الخزر، فيلتقي مع الرسّ ويصيران نهرا واحدا. ويقال: إن خلف الرسّ ثلاثمائة مدينة خراب، وهي التي ذكرها الله تعالى، وأصحاب الرسّ بعث إليها حنظلة بن صفوان فقتلوه، فأهلكوا. وقيل في أصحاب الرسّ غير ذلك. وإرمينية مقسومة على ثلاثة أقسام، فالقسم الأوّل مدينة دبيل، ومدينة قالي قلا، ومدينة خلاط، ومدينة شمشاط، ومدينة السوّاد، والجزء الثاني مدينة بردعة، ومدينة البيلقان، ومدينة قيلة، ومدينة الباب والأبواب والثالث مدينة خزوان ومدينة تفليس. والمدينة التي تعرف بمسجد ذي القرءين، وافتتحت إرمينية في خلافة عثمان، وافتتحها سليمان بن ربيعة الباهليّ في سنة أربع وعشرين. عصبة: جماعة. مفاليس: فقراء، وأفلس الرجل: صار صاحب فلوس بعد أن كان صاحب دنانير. أزمعنا الانفلات: عزمنا على الخروج. اللقوة: داء يأخذ في الوجه، والفواق: ما بين الحلبتين. درّ العصبيّة: لبن الحميّة، وهو مثل. نفثة: كلمة. البذل:

стр. 958

العطاء. والردّ: المنع. الحبا: عقد اليدين على الركبتين. رسوا: ثبتوا الرّبا: الكدى. *** فلمّا آنس حسن إنصاتهم، ورزانة حصاتهم، قال: يا أولي الأبصار الرّامقة، والبصائر الرّائقة؛ أما يغني عن الخبر العيان، وينبئ عن النّار الدّخان؛ شيب لائح؛ ووهن فادح، وداء واضح، والباطن فاضح. ولقد كنت والله ممّن ملك ومال، وولي وآل، ورفد وأنال، ووصل وصال؛ فلم تزل الجوائح تسحت، والنّوائب تنحت؛ حتّى الوكر قفر، والكفّ صفر، والشّعار ضرّ، والعيش مرّ؛ والصّبية يتضاغون من الطّوى، ويتمنّون مصاصة النّوى ولم أقم هذا المقام الشّائن، وأكشف لكم الدّفائن؛ إلّا بعد ما شقيت ولقيت، وشبت ممّا لقيت؛ فليتني لم أكن بقيت. ثمّ تأوّه تأوّه الأسيف، وأنشد بصوت ضعيف .... *** آنس: أبصر. إنصاتهم: سكوتهم، رزانة حصاتهم: رجاحة عقولهم، والحصاة يكنى بها عن العقل، قال طرفة: [الطويل] وإنّ لسان المرء ما لم يكن له ... حصاة على عوراته لدليل (١) الأبصار الرّامقة: العيون الناظرة. البصائر: جمع بصيرة وهي المعتقد. الرائقة: المعجبة. العيان: المعاينة، يقول: معاينتك الشيء تغني عن خبرته. وعن ابن عباس ﵄ قال النبي ﷺ : «ليس الخبر كالمعاينة» (٢). ينبئ: يخبر. لائح: ظاهر. وهن: ضعف. فادح: مثقل بين. فاضح: أي صاحبه في شهرة وفضيحة. ملك: كان ملكا أو ملك الأموال العظام فصار ذا ملك: مال: صار ذا مال. وليّ: صار واليا. آل: ساس، أي صار يسوس الناس، أي يكون عليهم أميرا، قال عمر ﵁: ألنا وإيل علينا. رفد: وهب الرفد. أنال: أعطي النّيل والنوال، يقال: منه نلته وأنلته وصل: أعطى صلة، والرّفد والنّوال: العطاء. والإيالة: السياسة، آل الأمير رعيّته أحسن

стр. 959

سياستهم، وآل مآله يؤوله: أصلحه. صال: بطش وهدّد، وصال الفحل: هدر في قطيعه. الجوائح: المصائب. تسحت: تستأصل الأموال تنحت: تنجر وتأخذ. النوائب: النوازل. الوكر: قعر المنزل: صفر: خالية من الدّراهم. الشّعار: اللباس: يتضاغون: يصيحون، والضّغاء صياح الذئب إذا جاع، والضّغاء: البكاء بذلّ وخشوع. الطّوى: الجوع. مصاصة: ما يمصّ منه. الشائن: العائب صاحبه. شقيت: أدركني الشقاء، لقيت: أصابتني لقوه. تأوّه: توجّع، وقال أوّه. الأسيف: الحزين [السريع] *** أشكو إلى الرّحمن سبحانه ... تقلّب الدّهر وعدوانه وحادثات قرعت مروتي ... وقوّضت مجدي وبنيانه واهتصرت عودي ويا ويل من ... تهتصر الأحداث أغصانه وأمحلت ربعي حتّى جلت ... من ربعي الممحل جرذانه وغادرتني حائرا بائرا ... أكابد الفقر وأشجانه من بعد ما كنت أخا ثروة ... يسحب في النّعمة أردانه يختبط العافون أوراقه ... ويحمد السّارون نيرانه فأصبح اليوم كأن لم يكن ... أعانه الدّهر الذي عانه وازررّ من كان له زائرا! ... وعاف عافي العرف عرفانه فهل فتى يحزنه ما يرى ... من ضرّ شيخ دهره خانه فيفرج الهمّ الّذي همّه ... ويصلح الشأن الذي شانه *** عدوانه: ظلمه. قرعت مروتي: ضربت صخرتي، وأراد بها نفسه. قوّضت: نقضت وهدمت. اهتصرت: كسرت وحتّتت، وهصر الغصن: تعطّفه وانحناؤه، وضرب بالمروة والعود أمثالا وهو يريد جسده وماله. أمحلته: جعلته محلا. جلت: طردت. الممحل: الذي لا نبات فيه ولا رزق. جرذانه: فئرانه، وقد تقدّم فائدة هذا المعنى. بائرا: هالكا. أكابد: أقاسي. أشجانه: أحزانه. أخا ثروة: صاحب غنى. يسحب. يجرّ. أردانه: أذياله. يختبط: يطلب. العافون: الطالبون للرزق، وخبطت الورق: ضربتها بالعصا، فتسقط فتعلفها الإبل، فيضرب بها المثل لعطية الكريم، وأنشد زهير: [البسيط] وليس مانع ذي قربى وذي رحم ... يوما ولا معدما من خابط ورقا (١)

стр. 960

السارون: الماشون بالليل. عانه: أصابه بالعين. ازورّ: انقبض. عاف: كره: عافى العرف: طالب المعروف. عرفانه: معرفته. همّه: أذابه وشانه: عابه. ومن كلام العرب في هذا الباب، ما حكى الأصمعيّ ﵀: أنّ الأعراب أصابتهم سنوات كثيرة جدبة، فدخلت طائفة منهم البصرة وبين أيديهم أعرابي يقول: أيّها الناس، إخوانكم في الدين، وشركاؤكم في الإسلام، عابر وسبيل وفلّال بؤس، وصرعى جدب، تتابعت علينا سنون ثلاث غيّرت النّعم، وأكلت النّعم، فأكلنا ما بقي من جلودها فوق عظامها، فلم نزل نعلّل بذلك نفوسنا، ونمنّي بالغيث قلوبنا، حتى عاد مختارا، وعاد إشراقنا ظلاما، فأقبلنا إليكم يصرعنا الوعر، وينكينا السهل، وهذه آثار مصائبنا لائحة في قسماتنا. فرحم الله متصدّقا من كثير، أو مواسيا من قليل، فلقد عظمت الحاجة، وكسف البال، وبلغ المجهود، والله يجزي المتصدّقين. وقف أعرابي على حلقة يونس النحويّ، فقال: الحمد لله، وأعوذ به أن أذكّر به وأنساه، إنّا أناس قد قدمنا هذه المدينة: ثلاثون رجلا، لا ندفن ميّتا، ولا نتحوّل عن منزل، وإن كرهناه، فرحم الله عبدا تصدّق على ابن سبيل، ونضو طريق، وفلّ سنة، فإنه لا قليل من الأجر، ولا غنى عن الله. ولا عمل بعد الموت، يقول الله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ* [البقرة: ٢٤٥] و [الحديد: ١١]، إن الله لا يستقرض من عوز، ولكن ليبلو أخبار عباده. قال الأصمعيّ ﵀: وقف أعرابيّ علينا، فقال: تتابعت علينا سنون، بتغيير وانتقاص، فما تركت لنا ضيعا (١) ولا ريعا (٢)، ولا نافطة ولا عافطة (٣)، ولا ثاغية (٤) ولا راغية (٥)، فأماتت الضّرع وأفنت الزّرع، وعندكم من فضل الله نعمة فأعينوا من عطيّة الله إياكم، وارحموا أبا أيتام، وأنضاء زمان، فلقد خلّفت أقواما لا يمرّضون مريضهم ولا يكفّنون ميتهم، ولا ينتقلون من المنزل وإن كرهوه، ولقد مشيت إليكم حتى انتعلت الدماء، وجعت حتى أكلت النوى المحرقة. وقفت أعرابية على عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁، فقالت: إنّي أتيت من أرض شاسعة، تهبطني هابطة، وترفعني رافعة، في ملحّات من البلايا، برين لحمي، وهضن عظمي، وتركتني والهة، وقد ضاق بي البلد، بعد الأهل والولد، وكثرة العدد، لا قرابة تؤويني، ولا عشيرة تحميني فسألت أحياء العرب: من المرتجى سيبه، المأمون عيبه، الكثير نائله، المكفي سائله، فدللت عليك، وأنا امرأة من هوازن، فقدت الوالد والرّافد، فاصنع في أمري واحدة من ثلاث: إمّا أن تحسن صفدي (٦)، وإما أن تقيم

стр. 961

أودي (١)، وإما أن تردّني إلى بلدي، فقال: بل أجمعهنّ لك ففعل بها ذلك. خرج المهديّ يطوف بالبيت بعد هدأة من الليل، فسمع أعرابيّة من جانب المسجد، وهي تقول: قوم متظلّمون، نبت عنهم العيون، وفدحتهم الديون، وعضّتهم السّنون، بادت رجالهم، وذهبت أموالهم، أبناء سبيل، وأنضاء طريق، وصية الله ووصية رسوله ﷺ ، فهل من آمر بخير كلأه الله في سفره، وخلفه في أهله! فأمر لها بخمسمائة درهم. ومما جاء في ذم السؤال: قال رسول الله ﷺ : «لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب فيه أهون من أن يأتي رجلا أعطاه الله من فضله، فيسأله؛ أعطاه أو منعه» (٢). وقال ﷺ : «من فتح على نفسه بابا من السؤال، فتح الله عليه سبعين بابا من الفقر» (٣). وقال أكثم بن صيفي: كلّ سؤال وإن قلّ أكثر من كلّ نوال وإن جلّ. وقال ابن عباس ﵄: المساكين لا يعودون مريضا، ولا يشهدون جنازة، ولا يحضرون جمعة، وإذا اجتمع الناس في أعيادهم ومساجدهم يسألون الله من فضله، اجتمعوا يسألون الناس ما بأيديهم. سأل سائل بمسجد الكوفة فلم يعط شيئا، فقال: اللهمّ إنك بحاجتي عالم لا تعلّم، أنت الذي لا يعوزك نائل، ولا يلحفك سائل، ولا يبلغ مدحك قائل؛ أسألك صبرا جميلا، وفرجا قريبا، وبصرا بالهدى، وقوّة فيما تحب وترضى فتبادروا إليه بالعطية، فقال: لا والله لا أرزؤكم الليلة شيئا، ثم خرج وهو يقول: [الكامل] ما نال باذل وجهه بسؤاله ... عوضا ولو نال الغنى بسؤال وإذا النّوال مع السؤال وزنته ... رجح السؤال، وخفّ كلّ نوال وإذا بليت ببذل وجهك سائلا ... فابذله للمتكرّم المفضال وقال بعض الأدباء: المخذول من كان له إلى اللئام حاجة. وأنشد الجاحظ في نوادره لأعرابيّ: [الكامل] سير النّواعج باللّميعة في الضّحى ... يمشي الذليل بها على بلبال

стр. 962

خير من الطمع الدنيء ويجلس ... بفناء لا طلق؟ ؟ ؟ فابثث حوائجك للمليك فإنه ... يغنيك قبل تخشع بسؤال *** قال الراوي: فصبت الجماعة إلى إن تستثبته، لتستنجش خبأته، وتستنفض حقيبته، فقالت له: قد عرفنا قدر رتبتك، ورأينا درّ مزنتك؛ فعرّفنا دوحة شعبتك، واحسر اللّثام عن نسبتك. فأعرض إعراض من مني بالإعنات، أو بشّر بالبنات، وجعل يلعن الضّرورات، ويتأفّف من تغيّض المروءات. ثم أنشد بلفظ صادع، وجرس خادع: [المتقارب] لعمرك ما كلّ فرع يدلّ ... جناه اللّذيذ على أصله فكل ما حلا حين تؤتى به ... ولا تسأل الشّهد عن نحله وميّز إذا ما اعتصرت الكروم ... سلافة عصرك من خلّة لتغلي وترخص عن خبرة ... وتشتري كلّا شرا مثله فعار على الفطن اللّوذعيّ ... دخول الغميزة في عقله *** قوله: تستثبته: تحقق من هو. تستنجش، تستخرج، والنّجش: استخراج الشيء المجهول المستور. وقيل: تنفير الوحش، وهو من الأوّل، لأنّ تنفير المطمئن كإظهار الكامن. خبأته: سرّه الّذي أخبرهم بظاهره حيث قال: كيت وكيت. الحقيبة: وعاء يعلّقه الرجل خلف رحله، يجعل فيه ما يعز عليه ممّا يحتاج أن يتناوله متى شاء، وأراد بها هاهنا موضع سرّه تستنفض: تنثر ما فيها رتبتك: قدرك ومنزلتك. درّ مزيتك: ماء سحابك، وأراد ما أبدى لهم من البلاغة. دوحة: شجرة. شعبتك: فرعك وغصنك. احسر: ازل واكشف. اللّثام: ما يجعل على الأنف والفم، يريد عرّفنا أصلك، ومن أين أنت. مني: بلي. الإعنات: المشقة، وعنّته وأعنته: كلّفته ما يشقّ عليه وبشّر بالبنات: أخبر بولادتهنّ، وقد أخبر الله تعالى أن من بشّر بالأنثى ظل وجهه مسودّا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشّر به. وقد تقدّم وأد البنات وهو دسّهنّ في التراب. وقال النبي ﷺ من طريق عقبة بن عامر: «لا تكرهوا البنات فإنهنّ المؤنسات الغاليات» (١). وقال ﵊ «أحبّوا البنات، فإنّي أبو البنات»، وإنّ الرجل إذا

стр. 963

ولدت له ابنة هبط إليها ملكان فمسحا على ظهرها، وقالا: ضعيفة خرجت من ضعيف، من أعان عليك لم يزل يصاب إلى يوم القيامة. قوله: يتأفف، يقول: أف أف، وهو من فعل المهموم الملهوف. تغيّض المروءات: ذهاب الأفعال الحسان. صادع: شديد يشقّ الأذن. جرس: صوت. جناه: ما يجتنى منه. الشهد: العسل، أي كل العسل، ولا تسلّ عن النّحل التي صنعته، ولا من أين هو، ضربه مثلا لترك سؤالهم عنه، إذ أفادهم. سلافة: خمر لم تعصر. عصرك: تعصيرك. خبرة: معرفة وتجربة. اللّوذعيّ: الذّكي. الغميزة: ضعف التدبير والنّظر، لأنّ الذي لا يحسن التدبير، والنّظر إذا سقط غمزه الناس وعابوه. *** قال: فازدهى القوم بذكائه، واختلبهم بحسن أدائه مع دائه، حتّى جمعوا له خبايا الخبن، وخفايا الثّبن، وقالوا له: يا هذا، إنّك حمت على ركيّة بكيّة، وتعرّضت لخليّة خليّة. فخذ هذه الصّبابة، وهبها لا خطأ ولا إصابة. فنزّل قلّهم منزلة الكثر، ووصل قبوله بالشّكر ثم تولّى يجرّ شقّه، وينهب بالخبط طرقه. قال المخبر بهذه الحكاية: فصوّر لي أنّه محيل لحليته متصنّع في مشيته. فنهضت أنهج منهاجه، وأقفو أدراجه؛ وهو يلحظني شزرا، ويوسعني هجرا؛ حتّى إذا خلا الطريق، وأمكن التّحقيق، نظر إليّ نظر من هشّ وبشّ، وما حض بعد ما غشّ، وقال: إنّي لإخالك أخا غربة، ورائد صحبة؛ فهل لك في رفيق يرفق بك ويرفق، وينفق عليك وينفق؟ فقلت له: لو أتاني هذا الرفيق لو أتاني التّوفيق. فقال لي: قد وجدت فاغتبط، واستكرمت فارتبط. *** ازدهى: دعاهم إلى الزهو والإعجاب به. ذكائه: حدّة ذهنه. اختلبهم: خدعهم. الخبن: أطراف الثوب، كالكم وغيره، والثّبن: أطراف الرداء وشبهه، والخبنة في الثوب المخيط، وقد خبنته عطفته وكففته بالخياطة، وقيل: الخبن القبض، والخبنة لما يلي من حجزة السراويل والإزار، والجمع خبن، والثبنة ما يلي الظهر من السراويل والإزار. حمت: حلّقت. ركية: بئر. بكية: قليلة الماء. خلية: جبح النحل حيث كان من حجر أو شجر، وقيل الخلية الخشبة المنقورة لها خاصة، والخلية في غير هذا السفينة، فشبّهت خلية النحل بها خلية: فارغة، الصّبابة: الشيء القليل إذا أخذ منه بكثرة. الخبط: أراد به

стр. 964

أخذ الأموال بالسؤال، يقال: خبطت الشجرة خبطا، نفضت ورقها، أراد أنه كان يجرّ جانبه المعلّ، فكل من مرّ به وسأله رحمه. محيل: مغيّر. حليته: خلقته وصفاته. نهضت: تقدّمت للمشي. أنهج منهاجه: أمشي في طريقه. أقفو أدراجه: أتبع آثاره. يلحظني: ينظرني. شزرا، أي في جهة بمؤخر عينه. قال ابن الأنباريّ: نظر إليّ شزرا، أي نظر إليّ، من جانب عينه من شدّة العداوة والبغضاء، يقال: شزر يشزر، إذا نظر من جانب عينه من العداوة أو من الفرق. ويوسعني هجرا، أي يكثر تجنّبي ومباعدتي. هشّ: خفّ واهتزّ. بشّ: حسن اللقاء، ويقال: بش فلان بفلان، إذا سرّ به وفرح وانبسط إليه؛ ويقال: تبشبش به بمعنى بشّ به، والبشاشة والهشاشة الطلاقة والتبسّم. ما حض: أخلص ودّه، غشّ، ضد أخلص، ويقال: غشّه، أي عمل فيما يحبه شيئا قليلا وخلطه بما يسوؤه، أخذ من الغشش، وهو الشراب الكدر. إخالك أحسبك رائد: طالب. يرفق بك: يلاطفك ويكون بك رفيقا. يرفق: يوليك مرافقة، أي يعينك بماله حتى يجد معها الرفق. لو أتاني: لوافقني. اغتبط، أي كن به مغتبطا أي محبّا في بقائه، والغبطة: حسن الحال استكرمت فارتبط، أي اتّخذت كريما، وجاء هذا اللفظ في حكاية ذكرها أبو عليّ، وهي أنّ فتى من العرب جاء إلى أمّه، وقد عميت فقال لها: يا أمّه، إني اشتريت فرسا، فقالت: صفه لي، قال: إذا استقبل فظبي ناصب، وإذا استدبر فهقل (١) هاضب (٢)، وإذا استعرض فسيّد (٣) قارب (٤)، موالي المسمعين، طامح الناظرين، مدعلق الطّبيين، قالت: أجدت إن كنت أعربت، قال: إنه مشرف التّليل، سبط الخصيل، وهواه الصهيل، قالت: أكرمت فارتبط. *** ثمّ ضحك مليّل، وتمثّل لي بشرا سويّا؛ فإذا هو شيخنا السّروجيّ، لا قلبة بجسمه، ولا شبهة في وسمه؛ ففرحت بلقيته، وكذب لقوته، وهممت بملامته، على سوء مقامته، فشحا فاه، وأنشد قبل أن ألحاه: [المتقارب] ظهرت برثّ كيما يقال ... فقير يزجّي الزّمان المزجّى وأظهرت للنّاس أن قد فلجت ... فكم نال قلبي به ما ترجّى ولولا الرّثاثة لم يرث لي ... ولولا التّفالج لم ألق فلجا ثمّ قال: إنّه لم يبق لي بهذه الأرض مرتع، ولا في أهلها مطمع؛ فإن كنت

стр. 965

الرفيق، فالطريق الطّريق. فسرنا منها متجرّدين، ورافقته عامين أجردين. وكنت على أن أصحبه ما عشت، فأبى الدّهر المشتّ. *** قوله: مليّا، أي طويلا. قلبة: علّة. قال الكسائي ﵀: ما به قلبة، أي شيء يقلقه فينقلب من أجله على فراشه لغمّه. وقال الفراء ﵀: مابه من وجع يخاف عليه منه، من قولهم: قلب الرجل إذا أصابه وجع في قلبه، فلا يكاد ينقلب منه قال الأصمعيّ ﵀: معناه ما به داء، مأخوذ من القلاب، وهو داء يصيب الإبل في رءوسها فيقلبها إلى فوق. شبهة: التباس وتغيّر. وسمه: صفاته. اللّقية: المرّة الواحدة من اللقاء. وقال في الدّرة: العرب تقول: لقية ولقاءة ولقاية، إذا أردوا المرّة الواحدة، فإن أرادوا المصدر، قالوا: لقيته لقاء ولقى ولقيّا، هذا وأنشد: [الطويل] وإنّ لقاها في المنام وغيره ... وإن لم تجد بالبذل عندي لرابح (١) وخطّأ من يقول: لقيته لقاءة واحدة، وأغفل أنّ سيبويه قال في كتابه: أتيته إتيانة، ولقيته لقاءة واحدة. واللقوة: استرخاء اللّحى وعوجه. مقامته: مجلسه الذي كدى به شحا فاه: فتحه قال جرير: وضع الخزير فقيل أين مجاشع ... فشحا جحافله جراف هبلع (٢) الخزير، بنقط الخاء ثم زاي: دقيق يلبك بشحم، وجراف الشيء سخونة. ألحاه: ألزمه. يزجّي: يسوق. المزجي: القليل الخير، وهذا كما قال: لبست الخميصة أبغي الخبيصة. فلجت: صبت بفالج. الرثاثة: سوء الحال. التفالج: استعمال الفالج، وهو خدر يصيب الجسد. فلجا: فوزا وظفرا. مرتع: موضع يرعى فيه. منجردين: مسرعين، وانجرد الرجل في سيره، إذا جدّ في الذهاب. أجردين: تامّين كاملين، وسرت يوما وشرا وحولا أجرد، وجريدا أي تاما، قال سويد بن كراع: [الطويل] وجشّمني خوف ابن عفان ردّها ... فثقّفتها حولا جريدا ومربعا المشتّ: المفرّق.

стр. 966

المقامة الرّابعة والثلاثون وتعرف بالزّبيديّة أخبر الحارث بن همّام، قال: لمّا جبت البيد إلى زبيد، صحبني غلام قد كنت ربّيته إلى أن بلغ أشدّه، وثقّفته حتّى أكمل رشده. وكان قد أنس بأخلاقي، وخبر مجالب وفاقي؛ فلم يكن يتخطّى مرامي، ولا يخطئ في المرامي؛ لا جرم أنّ قربه التاطت بصفري، وأخلصته لحضري وسفري، فألوى به الدّهر المبيد، حين ضمّتنا زبيد. *** جبت: قطعت. البيد: الصحارى. زبيد: بلدة باليمن بينها وبين صنعاء أربعون فرسخا، وليس في اليمن بعد صنعاء أكبر منها، ولا أغنى من أهلها، ولا أكثر خيرا، واسعة البساتين، كثيرة المياه والفواكه من الموز وغيره، وهي برّية لا ساحلية. وبلغ أشدّه: أي بلغ الحلم، وقيل ثلاثين سنة. قال الأزهريّ رحمه الله تعالى: الأشدّ فى كتاب الله تعالى على ثلاث معان: أما قوله تعالى في قصة يوسف ﵇ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً [يوسف: ٢٢] فبلوغه مبلغ الرجال، وكذا في اليتيم، حكمه أن يحفظ عليه ماله حتى يبلغ أشدّه، وبلوغه أشده أن يؤنس الرّشد منه مع أن يكون بالغا. وأما قوله تعالى في قصة موسى ﵊ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى [القصص: ١٤] فقرن بلوغ الأشد بالاستواء وهو أن تجتمع قوّته، ويكتهل وذلك من ثمان وعشرين إلى ثلاث وثلاثين سنة، وذلك منتهى الشباب. وأما قوله تعالى حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [الأحقاف: ١٥] فهي نهاية بلوغ الأشد، وعندها بعث محمد ﷺ ، وقد اجتمعت حكمته وتمام عقله، فبلوغ الأشدّ محصور البداية محصور النهاية ما بين ذلك. ثقفته: قوّمته وحذفته. خبر: أي جرّب وعرف. مجالب وفاقي: أي عرف من أين يجلب ما يوافقني. يتخطّى: يتجاوز. مرامي: مرادي ومقصدي لاجرم، أي لا محالة

стр. 967

ولا بدّ، ثم صارت بمعنى حقّا. قربة: ما يتقرب به إلى من المبرة. التاطت: لصقت. بصفري: بنفسي وقلبي، والصّفر دود في البطن، إذا جاع الإنسان عضّت شراسيفه، وهي رقيق البطن، قال أعشى باهلة: [البسيط] * ولا يعضّ على شرسوفه الصّفر (١) * فيريد أن هذا الغلام مهذّب يأتي بمحاولاته على الوفاق، ويقرب الطعام من مولاه وقت الحاجة، ومن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النبي ﷺ قال: «نعمّا للمملوك أن يتوفاه الله، بحسن عبادة ربه، وطاعة سيّده نعما له» (٢). وقال ﵊: «إذا نصح العبد لسيده وأحسن عبادة ربّه فله أجران» (٣). أخلصته: أفردته. ألوى: ذهب به وأهلكه. المبيد: المهلك. وننشد هنا أبياتا لابن الحضرمي في غلام هلك للمتوكّل ببطليوس: [الرجز] غالته أيدي المنايا ... وكنّ في مقلتيه وكان يسقي الندامى ... بطرفه ويديه غصن ذوى وهلال ... جاء الكسوف عليه ويستحسن لابن همام أن ينشد في وصف هذا الغلام: [الخفيف] حين تمّت آدابه وتردّى ... برداء من الشّباب جديد وسقاه ماء الشبيبة فاهت ... زّ اهتزاز الغصن النّديّ الأملود وسمت نحوه العيون وما كا ... ن عليه لزائد من مزيد وكأنّي أدعوه وهو قريب ... حين أدعوه من مكان بعيد وأنشد بعضهم: [الطويل] نأى آخر الأيام عنك حبيب ... فللعين سحّ دائم وغروب كأن لم يكن كالغصن في ميعة الضّحى ... سقاه الندى فاهتزّ وهو رطيب

стр. 968

وريحان صدري كان حين أشمهّ ... ومؤنس قصري كان حين أغيب وكانت يدي ملآنة ثم أصبحت ... بحمد إلهي وهي منه سليب *** فلمّا شالت نعامته، وسكنت نأمته، بقيت عاما، لا أسيغ طعاما، ولا أريغ غلاما، حتّى ألجأتني شوائب الوحدة، ومتاعب القومة والقعدة؛ إلى أن أعتاض عن الدّرّ الخرز، وارتاد من هو سداد من عوز؛ فقصدت من يبيع العبيد، بسوق زبيد، فقلت: أريد غلاما يعجب إذا قلّب، ويحمد إذا جرّب؛ وليكن ممّن خرّجه الأكياس، وأخرجه إلى السّوق الإفلاس؛ فاهتزّ كلّ منهم لمطلبي ووثب، وبذل تحصيله عن كثب. ثمّ دارت الأهلّة دورها، وتقلّبت حورها وكورها، وما نجز من وعودهم وعد، ولا سحّ لها رعد. فلمّا رأيت النّخّاسين، ناسين أو متناسين، علمت أن ليس كلّ من خلق يفري، وأن لن يحكّ جلدي مثل ظفري. فرفضت مذهب التّفويض، وبرزت إلىالسّوق بالصّفر والبيض. *** شالت نعامته، أي ارتفع نعشه. ويقال في المصلوب: شالت نعامته، أي ارتفعت خشبته، وشالت نعامة القوم، أي ولّوا منهزمين، وهو مثل يضرب للانهزام وللهلاك وللتفرّق. وأنشد الشاعر: [الكامل] تلقى خصاصة بيننا أرماحنا ... شالت نعامة أيّنا لم يفعل يخاطب أعداءه وقد وافقهم، يقول: هلمّ نلقى في الفرجة الّتي بيننا أرماحنا، ونضرب بالسيوف، هلك وانهزم من لم يفعل، يدعو عليه وينسب ذلك للنعامة، لأنّ النعام موصوف بالسّخف والرّق والشراد. فإذا قالوا: شالت نعامتهم، وخفّت نعامتهم، ورقّ رأيهم، فمعناه إذا تركوا مواضعهم بجلاء أو بموت. ويقال: أحمق من نعامة، لأنها تنشر للطعام، فربما رأت بيضة نعامة أخرى وحدها فتحضنها، وتنسى بيضتها، ثم تجيء الأخرى فترى على بيضتها غيرها، فتمضي لوجهها، وإياها عني ابن هرمة بقوله: [المتقارب] كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا (١)

стр. 969

قاله الجاحظ: وأما أبو عبيدة فقال: عنّى الحمامة. وقال ابن الأعرابيّ، بيضة البلد الّتي سار بها المثل هي بيضة النعامة التي تتركها فلا تهتدى إليها فتفسد فلا يقربها شيء. قال الراعي: [البسيط] لو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يا بن الرّقاع ولكن لست من أحد (١) تأبى قضاعة أن ترضى لكم نسبا ... وابنا نزار فأنتم بيضة البلد قوله: نأمته، أي حركته التي تنمو بحياته. وزعموا أنّ النّامّة بوزن العامّة، عرق اليافوخ. أسيغ طعاما: استسهل بلعه. أريغ غلاما: أطلبه. السّداد: اسم ما يسدّ به الشيء، مثل سداد القارورة وهو صمامها، وسداد الفقر ما يذهبه ويكتفي به من المال، وسداد الثّغر ما يذهب خوفه من الخيل والرجال، والسّداد بالفتح: الإصابة في المنطق، وقال يعقوب: السّداد والسّداد بمعنى واحد، وسنعيد ذكره في أخبار العرجي. والعوز: فقد الشيء فإنه أراد عبدا يسدّ به فقد غلامه الميّت. إذا قلّب أي إذا قلبت خلقته وجدت كلّ جزء منها حسنا. خرّجه: حذّقه وربّاه الأكياس: أهل الفطنة والحذق. والإفلاس: الفقر. وثب: قفز وعجل إلى المشي. بذل: أعطى، تحصيله: وجوده وحصوله. كثب: قرب يريد أنه أعطى من نفسه القدرة على حصوله في أقرب مدة. دارت الأهلة دورها، أي كملت السّتة وكملت الأهلّة فيها بالطلوع. كورها وحورها: زيادتها ونقصانها، وقد تقدّم الكور والحور. نجز: حضر. سحّ: أمطر. النخّاسين: الدلالين للعبيد والدواب. ثعلب: أخذ من النّخس وهو الدفع، فمعنى النّخاسين الذين يشترون العبيد ليدفعوهم إلى غيرهم. ليس كلّ من خلق يفري، مثل، وخلق قدّر، يقال: خلق الصانع الجلد، إذا قدر ما يقطع منه، وقيل: الخلق: القطع، والفرى: القطع أيضا، ولكن تقديرا، فمعنى المثل: ليس كلّ من قطع شيئا قدّر ما يقطع به، ويفري أيضا: يحسن القطع على جهة الإصلاح. قال زهير: [مجزوء الكامل] ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري (٢)

стр. 970

ويقال أيضا: خلق الشيء صنّفه، وفراه: أفسده، وأراد ليس كلّ الناس يحسن شراء العبيد. قوله: لا يحك جلدى مثل ظفري هو مثل يضرب في ترك الاتّكال على الناس، قال الإمام الشافعيّ ﵁: [مجزوء الكامل] ما حكّ جلدك مثل ظفرك ... فتولّ أنت جميع أمرك (١) وإذا قصدت لحاجة ... فاقصد لمعترف بقدرك رفضت: تركت. التفويض: أن يتّكل الرجل على غيره ويسلّم أمره إليه. الصّفر والبيض: الدّنانير والدراهم. *** فإنّي لأستعرض الغلمان، وأستعرف الأثمان، إذ عارضني رجل قد اختطم بلثام، وقبض على زند غلام، وقال: [الرجز] من يشتري منّي غلاما صنعا ... في خلقه وخلقه قد برعا بكلّ ما نطت به مضطلعا ... يشفيك إن قال وإن قلت وعى وأن تصبك عثرة يقل لعا ... وإن تسمه السّعي في النار سعى وإن تصاحبه ولو يوما رعى ... وإن تقنّعه بظلف قنعا وهو على الكيس الذي قد جمعا ... ما فاه قطّ كاذبا ولا ادّعى ولا أجاب مطمعا حين دعا ... ولا استجاز نثّ سرّ أو دعا وطالما أبدع فيما صنعا ... وفاق في النثر وفي النّظم معا والله لو ضنك عيش صدعا ... وصبية أضحوا عراة جوّعا * ما بعته بملك كسرى أجمعا* قال: فلمّا تأمّلت خلقه القويم، وحسنه الصّميم، خلته من ولدان جنّة النّعيم، وقلت: ما هذا بشرا إن هذا إلّا ملك كريم. *** استعرض: أطلب أن يعرض عليّ، وعارضني: قابلني. أستعرف: أطلب معرفته. اختطم: جعل اللّثام على طرف الأنف- وهو الخطم والخرطوم للسباع- واللثام: ما كان

стр. 971

على الأنف من النقاب. والزّند: طرف عظم الساعد المتّصل بالكفّ، فهو قد قبض على أرقّ موضع في الذّراع. الصّنع. الحاذق بالصناعة، والمرأة صناع. برع: فضل وفاق غيره. نطت: علقت. مضطلعا: مكتفيا قويّا عليه. وعى: حفظ. لعا، كلمة تقال للعاثر- يعني: أقال الله عثرتك، وسلّمك الله- تسمه السّعى: تكلفه المشي. رعى: حفظ الصحبة. الظّلف للشاة بمنزلة الحافر للدّابة. الكيس الحاذق. فاه: تكلّم. ثم قال: لم يدعه الطمع قطّ فأجابه. استجاز: استحلّ. نثّ: نشر، أبدع: أغرب وأتى بما لم يسبق إليه. ضنك: صدع: كسر، وأنشدوا في هذا المعنى: [الطويل] وقد تخرج الحاجات يا أمّ مالك ... علائق من ربّ بهنّ ضنين خلقه القويم: المعتدل القامة. الصميم: الخالص، وهو فعيل، من صمّ الشيء إذا لم يكن فيه فرجة ولا خلل. خلته: حسبته. [الغلمان وعشّاقهم] وننشد في هذه المقامة في الغلمان ما له سبب وتعلّق بذكر يوسف ﵇، أو يكون الغلام مملوكا حتى يوافق غرض المقامة. كان شفيع غلام المتوكل أحسن الفتيان وأظرفهم، وكان المتوكل يجنّ به جنونا، فأحبّ يوما أن ينادم حسين بن الضحاك، وأن يرى ما بقي من شهوته- وكان قد أسنّ- فأحضره وسقاه حتى سكر، وقال لشفيع: اسقه، فسقاه وحيّاه بوردة، وكانت على شفيع ثياب مورّدة. فمدّ حسين يده إلىذراع شفيع، فقال المتوكل: أتخمش أخصّ خدمي بحضرتي، فكيف لو خلوت به! ما أحوجك إلى الأدب! وكان قد غمز شفيعا على العبث به، فدعا بدواة فكتب: [الطويل] وكالوردة الحمراء حيّا بوردة ... من الورد يمشي في قراطق كالورد له عبثات عند كل تحيّة ... بكفّيه تستدعي الحليم إلى الوجد تمنّيت أن أسقى بعينيه شربة ... تذكّرني ما قد نسيت من العهد سقى الله دهرا لم أبت فيه ليلة ... خليّا ولكن من حبيب على وعد ثم دفعها لشفيع فأعطاها المتوكل، فاستملحها وقال: أحسنت والله يا حسين! ولو كان شفيع ممّن تجوز هبته لو هبته لك؛ ولكن بحياتي يا شفيع إلّا كنت ساقيه بقيّة يومنا. وأمر له بمال كثير. وكان لمعز الدولة غلام تركيّ، وكان وضيء الوجه، منهمكا في الشراب، ولفرط ميل مولاه إليه جعله رئيس سريّة جرّدها لحرب بني حمدان، وكان المهلبيّ يستظرفه ويستحسنه، فقال: [مجزوء الكامل] ظبي يروق الماء في ... وجناته ويروق عوده

стр. 972

ويكاد من شبه العذا ... رى فيه أن تبدو نهوده ناطوا بمعقد خصره ... سيفا ومنطقة تئوده جعلوه قائد عسكر ... ضاع الرّعيل ومن يقوده فكانت الدائرة على جيش الغلام، كما أشار إليه، ولو غزاهم بالسّلاح الذي أمر به الببغاء غلاما غازيا وهو: [البسيط] يا غازيا أتت الأحزان غازية ... إلى فؤادي والأحشاء حين غزا إن بارزتك رماة الرّوم فارمهم ... بسهم عينيك تقتل كلّ من برزا لكان الظافر الغالب وكان بديع غلام عمير المأموريّ أحسن خلق الله وجها، وكان الوزير ابن الزّيات مفتونا به، فاجتاز عليه راكبا بآلة الحرب، فقال فيه: [السريع] راح علينا راكبا طرفه ... أغيد مثل الرّشأ الآنس قد لبس القرطق واستمسكت ... كفّاه من ذي بدن مائس وقلّد السيف على غنجه ... كأنه في وقعة الدّاحس أقول لمّا أن بدا مقبلا: ... يا ليتني فارس ذا الفارس! وقال ابن الزقاق: [الكامل] ومهنّد عضب براحة أغيد ... في جفنه عضب يقدّ مفاصلي يسطو بذاك وذا فيغدو قرنه ... بهما صريع لواحظ ومناصل ماض كلا السّيفين لكن لحظه ... أمضى وإلّا فاسألنّ مقاتلي وكان لأبي عيسى بن الرشيد غلام اسمه يسر، وكان آية في الجمال، وكان صالح أخوه يتعشّقه، فبلغت لأبي عيسى قصة جرت بينهما، فحجبه ومنعه أن يخرج من داره إلا بحافظ، وكاد حسين بن الضحاك يموت فيه عشقا، فقال فيه: [مجزوء الرمل] ظنّ من لا كان ظنّا ... بحبيبي فحماه أرصد الباب رقيبي ... ن له فاكتنفاه فإذا ما اشتاق قربي ... ولقائي منعاه جعل الله رقيبي ... هـ من السّوء فداه وقال فيه: [الخفيف] إنّ من لا يرى وليس لا يراني ... نصب عيني ممثّل بالأماني يأبى من ضميره وضميري ... أبدا بالمغيب ينتجيان

стр. 973

نحن شخصان إن نظرت وروحا ... ن إذا ما اختبرت ممتزجان فإذا ما هممت بالأمر أو هـ ... مّ بشيء بدأته وبدأني كان وفقا ما كان منه ومنّي ... فكأنّي حكيته وحكاني خطرات النّفوس منّا سواء ... وسواء تحرّك الأبدان وجاءه يوما فتحدّث معه، فأشار لتقبيله، فقال له بشير: إياك والتعرّض لي وانج بنفسك، وكانت فيه عربدة، فقال فيه حسين: [الخفيف] أيها النّفّاث في العقد ... أنا مطويّ على الكمد إنما زخرفت لي خدعا ... قدحت في الرّوح والجسد ما لأنس كان مبتذلا ... منك لي بالأمس لم يعد يوم تعطيني وتأخذها ... دون ندماني يدا بيد ذاك يوم كان حاسدنا ... فيه معذورا على الحسد *** ثمّ استنطقته عن اسمه، لا لرغبة في علمه؛ بل لأنظر أين فصاحته من صباحته، وكيف لهجته من بهجته؛ فلم ينطق بحلوة ولا مرّة، ولا فاه فوهة ابن أمة ولا حرّة. فضربت عنه صفحا، وقلت له: قبحا لعيّك وشقحا، فغار في الضحك وأنجد، ثمّ أنغض رأسه إليّ وأنشد: يا من تلهّب غيظه إذ لم أبح ... باسمي له، ما هكذا من ينصف إن كان لا يرضيك إلّا كشفه ... فأصخ له، أنا يوسف أنا يوسف ولقد كشفت لك الغطاء فإن تكن ... فطنا عرفت وما إخالك تعرف قال: فسرّى عتبي بشعره، واستبى لبّي بسحره؛ حتّى شدهت عن التحقيق، وأنسيت قصّة يوسف الصّدّيق؛ ولم تكن لي همّ إلّا مساومة مولاه فيه، واستطلاع طلع الثّمن لأوفّيه. وكنت أحسب أنّه سينظر شزرا إليّ، ويغلي السّيمة عليّ؛ فما حلّق إليّ حيث حلّقت، ولا اعتلق بما به اعتلقت؛ بل قال: إنّ الغلام إذا نزر ثمنه، وخفّت مؤنه، تبرّك به مولاه، والتحف عليه هواه، وإنّي لأوثر تحبيب هذا الغلام إليك، بأن أخفّف ثمنه عليك، فزن مائتي درهم إن شئت، واشكر لي ما حييت. فنقدته المبلغ في الحال، كما ينقد في الرّخيص الحلال، ولم يخطر لي ببال، أنّ كلّ مرخص غال. ***

стр. 974

قوله: استنطقته، أي سألته أن ينطق. صباحته: حسنه. لهجته: لفظه، وأصلها طرف اللسان، فكنى بها عن حلاوته. بهجته: حسنه ونضارته، وأصلها حسن اللون. لم ينطق بحلوة ولا مرّة، أي بكلمة جيدة ولا رديئة. فاه: نطق ضربت عنه: أعرضت عنه. صفحا، أي أوليته صفحة وجهي، وهي جانبه، شقحا، اتباع لقبح، وقيل: هي من شقح البسر، إذا تغيّرت خضرته بجمرة أو صفرة، وهو أقبح ما يكون في رأي العين، وقيل: هو من شقحت العود إذا كسرته، وقال: هو من أشقاح الكلاب، وهي أدبارها، ويقال: قبحا وشقحا بضم أولهما وفتحه. غار: أتى الغور، وهو المنخفض من الأرض أنجد: أتى نجدا، ومعناه بالغ في الضحك وذهب في جهاته. أنغض رأسه، أي حرّكه؛ كأنه يهدّد ويستخفّ به. تلتهب: اشتغل أبح: أتكلم. أصخ: استمع. أنا يوسف، أي أنا حرّ مثل يوسف صلوات الله عليه، إذ باعه إخوته سرّى عتبي: أزال لومي استبى لبّي: أي تملّك عقلي بسحره وحلاوة كلامه شدهت: تحيّرت، وهو مقلوب دهشت التحقيق: التمييز، وهذا كما قال الشاعر: [الطويل] والله ما فتنت نفسي محاسنه ... إلّا وقد سحرت ألفاظه أذني ما تصدر العين عنه لحظة مللا ... كأنه كلّ شيء مرتضى حسن استطلاع طلعة: استخبار خبره، والسؤال عن قدره، لأوفّيه: لأعطيه كاملا وافيا. شزرا: نظر فيه إعراض. السّيمة: السّوم، وهو السؤال عن الثمن. ما حلّق إليّ حيث حلّقت، أي ما دار إليّ حيث درت، أي ما كان عنده شيء مما ظننت به من طلبه سوما غاليا. نزر: قلّ. مؤنه: لوازمه وما يحتاج إليه. تبرّك: رآه مباركا، والبركة: الكثرة والسعة. التحف: انضمّ هواه: حبّه. أوثر: أفضّل. فلمّا تحقّقت الصّفقة، وحقّت الفرقة، هملت عينا الغلام، ولا همول دمع الغمام، ثم أقبل على صاحبه وقال: [الوافر] لحاك الله هل مثلي يباع ... لكيما تشبع الكرش الجياع وهل في شرعة الإنصاف أنّي ... أكلّف خطّة لا تستطاع وأن أبلى بروع بعد روع ... ومثلي حين يبلى لا يراع أما جرّبتني فخبرت منّي ... نصائح لم يمازجها خداع وكم أرصدتني شركا لصيد ... فعدت وفي حبائلي السّباع ونطت بي المصاعب فاستقادت ... مطاوعة وكان بها امتناع *** تحقّقت الصفقة: تمّ البيع. هملت: سالت. الغمام: السحاب. لحاه الله: لعنه وأبعده، ولحيت الرجل: لمته، وأصله من لحوت العود ألحوه ولحيته ألحاه، إذا قشرته، وأنشد ابن الأعرابيّ في نوادره: [الكامل]

стр. 975

لحوت شمّاسا كما تلحى العصا ... سبّا لو انّ السبّ يدمي لدمي (١) ويقال: لاحاه ملاحاة ولحا، أصلها المبالغة، ثم كثرت حتى جعلت كلّ ممانعة ومدافعة ملاحاة. الكرش: العيال، وكرش الرجل عياله وصغار ولده، ويقال في المعيل: عليه كرش منثورة، وإذا أكثرت المرأة أولادها قيل: نثرن كرشها، وقد قدّم أن صبيته جوّع. الشّرعة: الطريق. والخطّة، مثل القصة: الأمر يقع بين القوم أبلى: أمتحن. الرّوع: الفزع، لأنه يصيب الرّوع وهو القلب. يمازجها: يخالطها. أرصدتني: جعلتني رصدا، والرصد: من يرقبك وأنت لا تعلم فإذا جئته هجم عليك. والشّرك: آلة الصيد. حبائلي: شباكي نطت: علّقت. المصاعب: الأمور الشاقّة. استقادت: انقادت [الوافر] وأيّ كريهة لم أبل فيها ... وغنم لم يكن لي فيه باع وما أبدت لي الأيام جرما ... فيكشف في مصارمتي القناع ولم تعثر- بحمد الله- منّي ... على عيب يكتّم أو يذاع فأنّى ساغ عندك نبذ عهدي ... كما نبذت برايتها الصّناع ولم سمحت قرونك بامتهاني ... وأن أشرى كما يشرى المتاع وهلّا صنت عرضي عنه صوني ... حديثك يوم جدّ بنا الوداع وقلت كمن يساوم فيّ هذا ... سكاب فما يعار ولا يباع فما أنا دون ذاك الطّرف لكن ... طباعك فوقها تلك الطّباع على أنّي سأنشد حين بيعي ... أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا *** أبل: أبالغ وأجهد نفسي فيه. غنم: غنيمة جرم: ذنب مصارمتي: مقاطعتي، وكشفت في الأمر القناع، إذا جهدت فيه وبالغت. تعثّر: تطلع: يكتّم: يستر. يذاع: يفشي و «بحمد الله» في البيت، وقعت اعتراضا بين العامل والمعمول، كما وقعت في التاسعة والأربعين اعتراضا بين المبتدأ وخبره في قوله: «وأنت- بحمد الله- وليّ عهدي» وتعلّقها بمحذوف تقديره: ابتدئ بحمد الله، أو أفتتح بحمد الله الذي خلّصني من عيب يعثر لي عليه، أو الذي جعلك وليّ عهدي، ومنه: سبحان الله وبحمده، معناه أنزّه الله وابتدئ بحمده، أو أفتتح بحمده، ودخلت الواو هنا لغير معنى العطف، ألا ترى أنّك لو قلت: سبحان الله وحمده، لكان المعنى: أسبّحه تسبيحا وأحمده حمدا، هكذا يقتضي ما جاء من المصادر منصوبا في هذا الباب، وفي قولنا: وبحمده لا يكون المعنى ما تقدم في المنصوب، ولكن الباء آذنت بمعنى ابتدأت، أو أبدأ بحمد الله، كأنّك قلت: حمدت الله على إلهامه إياي تسبيحه، وتأمّل قوله تعالى: يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [غافر: ٧].

стр. 976

قوله ساغ: أي سهل. نبذ: ترك. البراية: ما يتساقط من العود إذا نجر، ومن القلم إذا بري، وكذا يأتي في مثل البرادة والنّحاتة ونحوها الصّناع: الحاذقة بالصّنعة، والرجل صنع بغير ألف. قرونك: نفسه. سمحت: جادت أشرى: أباع. عنه، أي عن البيع. صوني حديثك، أي صيانتي للحديث الذي أحدثت من بيعي وأنا حرّ يوم جدّ بنا الوداع، أي في هذه الساعة التي تريد أن تودّعني فيها. سكاب: اسم فرس لرجل من العرب من بني تميم، سأله بعض الملوك أن يبيعها منه، فأبى عليه وقال: [الوافر] أبيت اللّعن إن سكاب علق ... كريم لا يعار ولا يباع (١) مفدّاة مكرّمة علينا ... يجاع لها العيال ولا نجاع الطّرف: الفرس الكريم، يقول: لست أنا دون الفرس، لكن طباع مالكه أفضل من طباعك، حيث كان يجيع عياله ويشبعه، ولم يهنه بالبيع كما أهنتني به. [العرجي] وعجز البيت الأخير صدر بيت لعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ﵃، وهو العرجيّ، سمّي بذلك لأنه ولد بالعرج من مكة، وقيل: بل كان له بها مال، وكان يكثر الاختلاف إليه، فنسب إليه. يكنى أبا عمرو، وهو شاعر مطبوع بالغزل مجيد ويشبّه في غزله ومقصده بعمر بن أبي ربيعة، وكان يهوى جيداء أم إبراهيم بن هشام المخزومي، ولها يقول: [البسيط] أبصرت وجها لها في جيده تلع ... تحت العقود وفي القرطين تشهير (٢) وجه تحيّر فيه الماء في بشر ... صاف له حين أبدته لنا نور ولها يقول: [الوافر] إلى جيداء قد بعثوا رسولا ... ليخبرها فلا صحب الرّسول (٣) كأنّ العام ليس بعام حجّ ... تغيّرت المواسم والشّكول ولها يقول: [السريع] عوجي علينا ربّة الهودج ... إنك إن لا تفعلي تحرجي (٤)

стр. 977

فالحجّ إن حجّت وماذا منى ... وأهله إن هي لم تحجج! فما استطاعت غير أن أومأت ... نحوي بعيني شادن أدعج وقال أيضا: [الكامل] باتا بأنعم ليلة حتّى بدا ... صبح يلوّح كالأغرّ الأشقر (١) فتلازما عند الفراق صبابة ... أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر فلمّا شاع نسيبه بها قبض عليه ابنها محمد عند ولايته الحجاز، بسبب طلبة عليه، فضربه بالسياط وألقى الزّيت على رأسه، وأوقفه للناس في الشمس، حتى غشي عليه، وسجنه بضع سنين حتى مات في سجنه، فقال في السجن: [الوافر] أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر (٢) وخلّوني ومعترك المنايا ... وقد شرعت أسنّتهم لنحري كأنّي لم أكن فيهم وسيطا ... ولم تك نسبتي في آل عمرو أجرّر في المجامع كلّ يوم ... فيا لله مظلمتي وقسري! عسى الملك المجيب لمن دعاه ... ينجيني ويعلم كيف شكري فأجزي بالكرامة أهل ودّي ... وأجزي بالعداوة أهل وتري فلما أفضت الخلافة إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك، قبض على محمد بن هشام وأخيه إبراهيم ودعا لهم بالسّياط، فقال له محمد: أسألك بالقرابة! قال: وأيّ قرابة بيني وبينك؟ قال: فاسألك بصهر عبد الملك! فقال: لم تحفظه، فقال: يا أمير المؤمنين إنّ رسول الله ﷺ نهى أن يضرب قرشيّ إلا في حدّ، فقال: ففي حدّ أضربك وقود، قال: وما ذاك؟ قال: أنت أوّل من سنّ ذلك على العرجي وهو ابن عمي وابن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فما رعيت [حقّ] جدّه ولا نسبه بهشام من قبل أمّه، اضربهما يا غلام، فضربهما ضربا مبرّحا، وأثقلا بالحديد ووجّه بهما إلى يوسف بن عمر، وأمره بتعذيبهما، فضربهما حتى ماتا. وغنى إسحاق الموصلي الرشيد قوله: [الوافر] * أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا* فسأل عن سبب هذا الشعر، فأخبره بحديث العرجي، قال إسحاق: فرأيته يتغيّظ، فلما أخبرته بما فعل بابني هشام، جعل وجهه يسفر وغيظه يسكن، ثم قال: يا إسحاق، لولا ما حدّثتني به من فعل الوليد، لما تركت أحدا من أماثل بني مخزوم إلا قتلته بالعرجيّ.

стр. 978

ومن جيّد شعر العرجيّ: [الطويل] فهل أنت آت أهل ليلى فناظر ... لذنب جفوني، أم جفوني تجرّما (١) فإن يك من ذنب ففي ذاك حكمهم ... وحسب امرئ في حقه أن يحكّما كمثل شهاب النّار في كفّ قابس ... إذا الريح هبّت وهو كاب أضرما ومن جيده: [الكامل] أخبرت أنّك قلت نقتله ... لا تفعلنّ، فدتكم نفسي (٢) والله لا آتي لكم سخطا ... حتى أغيّب في ثرى رمسي والله لا أنسى تطوّفها ... تهتزّ بين كواعب خمس كالبدر صورتها إذا انتقبت ... وإذا سفرت فأنت كالشمس ومنه: [البسيط] حور بعثن رسولا في ملاطفة ... ثبتا إذا أسقط النّسّاءة الوهم (٣) فجئت أمشي على هول أجشّمه ... تجشّم المرء هو لا في الهوى كرم أمشي كما حرّكت ريح يمانية ... غصنا من البان رطبا طلّه الرّهم حتّى جلست إزاء البيت مكتتما ... وطالب الحاج تحت الليل يكتتم فبت أسقى بأكواس أعلّ بها ... من بارد طاب منه الطّعم والنّسم وفي معنى قوله: أمشي كما حرّكت. البيت يقول ابن دعبل: [السريع] قالت لقد أعييتنا حجّة ... فأت إذا ما هجع السّامر واسقط علينا كسقوط النّدى ... ليلة لا ناه ولا آمر وقال الواثق: [السريع] قالت إذا الليل دجا فأتنا ... فجئتها حين دجا الليل خفّفي وطء الرّجل من حارس ... ولو دنا حلّ به الويل ومن ظرف العرجيّ، أنه وعد هوى له أن تزوره في منتزه، فجاءته على أتان ومعها جارية لها، وجاء العرجيّ على عير ومعه غلام، فواقعها العرجيّ، ثم خرج فرأى الغلام يواقع الجارية والعير على الأتان، فلما نظر الحال قال: هذا يوم غاب عذّاله. ***

стр. 979

[التضمين] ويسمّى أخذ الحريريّ شطر بيت العرجيّ التّضمين، وليس بسرقة. والتّضمين يكون في بيت وفي شطر بيت، والشّعراء تتولّع به كثيرا، وهو من صنعة البديع، فمن الثاني قول الأخطل: [الكامل] ولقد سما للخرّمي فلم تقل ... بعد الونى لكن تضايق مقدمي ومثله قول الآخر: [الطويل] وجزت على باب الأمير كأنّني ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ومن تضمين بيت بكماله قول الحسن بن هانيّ: [البسيط] إنّي عجبت وفي الأيام معتبر ... والدّهر يأتي بألوان الأعاجيب من صاحب كان دنياي وآخرتي ... عدا عليّ جهارا عدوة الذّئب قد كان لي مثل لو كنت أعقله ... من رأى غالب أمر غير مغلوب لا تمدحنّ امرأ حتى تجرّبه ... ولا تذمّنّه من غير تجريب فضمّن هذا البيت. قال ابن حجاج: [الكامل] قد قلت لما أن رجعت مولّيا ... ومعي مدابير من الكتّاب نحن الّذين لهم يقال وكلّنا ... فلّ العصا وطريدة الحجاب قوم إذا قصدوا الملوك لمطلب ... نتفت شواربهم على الأبواب وقال ابن رشيق: سألني بعض أصحابي أن أضمّن له قول الشاعر: فإن فخرت بآباء لهم شرف ... قلنا صدقت، ولكن بئس ما ولدوا ولا أزيد على بيت واحد، فقلت: [البسيط] أصبحت من جملة الأشراف إن ذكروا ... كواحد الآس لا يزكو له عدد والتضمين كثير. *** [قصة النضر بن شميل مع المأمون] وعلى بيت العرجيّ: [الوافر] * أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا* حديث النضر بن شميل، قال: كنت أدخل على المأمون في سمره فدخلت ذات

стр. 980

ليلة وعليّ أطمار أخلاق، فقال: يا نضر، ما هذا التقشّف! تدخل على أمير المؤمنين في هذه الخلقان؟ فقلت: أنا شيخ ضعيف، وحرّ مرو شديد، فأتبرد بهذه الخلقان، قال: لا، ولكنك قشف، فيحمل منك هذا على التقشف. ثم أجرينا الحديث، فقال: حدّثنا هشيم، عن مجاهد، عن الشعبيّ عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها ولجمالها وكمالها، كان فيها سداد من عوز» فأورده بفتح السين، قلت: يا أمير المؤمنين، حدّثنا عوف بن أبي جميلة الأعرابيّ، عن الحسن عن عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليهما، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تزوج الرّجل المرأة لدينها ولجمالها وكمالها كان فيها سداد من عوز»، وكان المأمون متكئا فاستوى جالسا، وقال: كيف قلت يا نضر «سداد»؟ قلت: سداد لأنّ «السّداد» هنا لحن، قال: أو تلحّنني! قلت: إنما لحن هشيم- وكان لحّانة- فتبع أمير المؤمنين لفظه، فقال: فما الفرق بين السّداد والسّداد؟ قلت: السّداد القصد في الدين والسبيل والسّداد بالكسر البلغة في الشيء، وكلّ ما سددت به شيئا فهو سداد، قال: أو نعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم هذا العرجي من ولد عثمان، يقول: [الوافر] أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر ثم أطرق مليّا، وقال: قبح الله من لا أدب له! ثم تجارينا الحديث، فقال: كيف روايتك للشعر؟ قلت: قد رويت الكثير منه، قال: فأنشدني أحسن ما قالته العرب في الحلم فأنشدته: [الطويل] إذا كان دوني من بليت بجهله ... أبيت لنفسي أن أقابل بالجهل وإن كان مثلي في محلّ من العلا ... هويت إذا حلما وصفحا عن المثل وإن كنت أدنى منه في الفضل والحجا ... رأيت له حقّ التّقدّم والفضل فقال: ما أحسن ما قال! فأنشدني أحسن ما قالته العرب في الحزم فأنشدته: [الطويل] على كلّ حال فاجعل الحزم عدّة ... لما أنت باغية وعونا على الدّهر فإن نلت أمرا نلته عن عزيمة ... وإن قصّرت عنه الحقوق فمن عذر قال: فما أحسن ما قال! فأنشدني أحسن ما قالته العرب في إصلاح العدو حتى يكون صديقا، فأنشدته: [الطويل] وذي غيسلة ساءلته فقهرته ... فأوقرته منّي بعبء التحمّل ومن لا يدافع سيئات عدوّه ... بإحسانه لم يأخذ الطّول من عل ولم أر في الأشياء أسرع مهلكا ... لضغن قديم من وداد معجّل

стр. 981

فقال: ما أحسن ما قال! فأنشدني أحسن ما قالته العرب في السّكوت فأنشدته: [الكامل] إني ليهجرني الصديق تجنّبا ... فأريه أن لهجره أسبابا وأراه إن عاتبته أغريته ... فيكون تركي للعتاب عتابا وإذا بليت بجاهل متحكّم ... بجد المحال من الأمور صوابا أوليته منّي السكوت وربّما ... كان السكوت عن الجواب جوابا فقال: ما أحسن ما قال! ثم قال: ما مالك يا نضر؟ قلت: أريضة بمرو. الروذ أتصابها وأتمزّزها، قال: أفلا نفيدك مالا معها؟ قلت: إن رأى ذلك أمير المؤمنين، فإني لذلك لمحتاج. فأخذ القرطاس وكتب وأنا لا أدري ما يكتب، ثم قال: كيف تأمر إذا أردت أن تترب الكتاب، قلت: يا غلام أترب الكتاب، قال: فهو ماذا؟ قلت: مترب، قال: فمن السّحاة، قلت: يا غلام اسح الكتاب، قال: فهو ماذا؟ قلت: مسحى، قال: فمن الطين، قلت: يا غلام طن الكتاب، قال: فهو ماذا؟ قلت: مطين ومطان، فقال: هذه أحسن من الأولى، ثم قال: يا غلام أتريه واسحه وطنه. ثم صلّى بنا العشاء، ثم قال لغلامه: امض معه إلى الفضل بن سهل بهذا الكتاب، فلمّا قرأه قال: بم استأهلت أن يأمر لك أمير المؤمنين بخمسين ألف درهم؟ وما سبب ذلك؟ فأخبرته الحديث على جهته، فقال: لحنّت أمير المؤمنين، فقلت: كلّا إنما لحن هشيم- وكان لحّانة- فتبع أمير المؤمنين ألفاظه، وقد تتبع ألفاظه الفقهاء ورواة الأخبار. فعجّل لي ما في الكتاب، وأمر لي من عنده بأربعين ألف درهم، فانصرفت بتسعين ألف درهم بحرف استفاده مني. وهذا الخبر جاء في أخبار النحويين. وذكره الحريري في درّة الغواص بأخصر مما ذكرناه، ثم قال بإثر الخبر: وقد أذكرني هذا المثل أبياتا أنشدنيها أحد أشياخي ﵏ لأبي الهيذام: [الرمل] لي صديق هو عندي عوز ... من سداد لا سداد من عوز وجهه يذكّرني دار البلى ... كلّما أقبل نحوي وضمز وإذا جالسني جرّعني ... غصص الموت بكرب وعلز يصف الودّ إذا شاهدني ... وإذا غاب وشى بي وهمز كحمار السّوء يبدي مرحا ... فإذا سيق إلى الحمل غمز ليتني أعطيت منه بدلا ... بنصيبي شرّ أولاد المعز قد رضينا بيضة فاسدة ... عوضا منه إذا البيع نجز ***

стр. 982

[أبو حنيفة والإسكاف] وكان لأبي حنيفة ﵀ جار إسكاف بالكوفة، يعمل نهاره أجمع، فإذا أجنّه الليل رجع إلى منزله بالخمر ولحم أو سمك، فيطبخ اللحم أو يشوي السمك، حتى إذا دبّ الشراب فيه رفع عقيرته ينشد: [الوافر] أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر فلا يزال يشرب ويردّد هذا البيت، حتى يغلبه النوم. وكان أبو حنيفة ﵀ يصلّي الليل كلّه، ويسمع جلبته وإنشاده، ففقد صوته ليالي، فسأل عنه فقيل له: أخذه العسس منذ ثلاث ليال، وهو محبوس، فصلّى الفجر وركب بغلته، ومشى فاستأذن على الأمير، فقال: ائذنوا له، وأقبلوا به راكبا، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط، ففعل به ذلك، فوسّع له الأمير مجلسه، وقال له: ما حاجتك؟ فقال: لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ثلاث ليال، فتأمر بتخليته؟ فقال: نعم، وكلّ من أخذ من تلك الليلة إلى يومنا هذا، ثم أمر بتخليتهم أجمعين. فركب أبو حنيفة وتبعه جاره الإسكاف، فلما أوصله داره، قال له أبو حنيفة: أترانا يا فتى أضعناك؟ قال: لا بل حفظت ورعيت جزاك الله خيرا عنصحبة الجوار ورعاية الحق، ولله عليّ ألّا أشرب الخمر أبدا، فتاب ولم يعد إلى ما كان عليه. [من أخبار الجواري والغلمان] ومما يوافق هذا الموضع في المقامات من ظرف الحكايات التي تضمنت بيع المماليك عند الضرورات، وما للأجواد من جزيل الهبات، مما ذكروا من أحسن أخبار الغلمان أن جعفر بن يحيى عرض عليه في بعض متوجّهاته مملوك من مماليك رجل جفاه السلطان، فقبض ماله، وأمر ببيع مماليكه، فعرض عليه من جملتهم غلام كما طرّ شاربه، أجمل الناس، يدير بين فكّيه لسانا أبين من الصبح قال جعفر: فقلت له: ما اسمك؟ قال: ماهر، فقلت له: وما صنعتك؟ قال: الأدب والغناء والشعر وما شئت من بعد، فسألته عن ثمنه، فقال: خمسمائة دينار للضرورة، قال: فأدّيت ثمنه، وسألته أن يسمعني شيئا من غنائه، فأخذ العود وغنّى: [الطويل] حملتم جبال الحبّ فوقي وإنّني ... لأعجز عن حمل القميص وأضعف ظفرتم بكتمان اللسان فمن لكم ... بكتمان عين دمعها الدّهر يذرف! فأطربني غناؤه، وشجاني فأجزته، ووهبت له وخلعت عليه، وأمرته بمعادلتي. فلما اجتزت منزل مولاه بمقدار ميل، أنشأ يقول: [الطويل] وما كنت أخشى معبدا أن يبيعني ... بشيء ولو أضحت أنامله صفرا

стр. 983

أخوهم ومولاهم وحامل سرّهم ... ومن قد ثوى فيهم وعاشرهم دهرا أشوقا ولمّا تمض لي غير ساعة ... فكيف إذا خبّ المطيّ بنا شهرا! فقلت: يا غلام، أتعرف منزل مولاك من هاهنا؟ فقال: هيهات، وهل تخفي معالم الصبّ! فقلت: اذهب فأنت حرّ لوجه الله تعالى، ووهبت له ألف دينار، فقال لي زميلي: أمثل هذا يعتق؟ فقلت: أو مثله يملك! فولّى وهو يقول: [البسيط] لا يوجد الخبر إلا في معادنه ... والشرّ حيث طلبت الشرّ موجود وحدّث ابن عائشة قال: كان لرجل من قيس عيلان جارية، وكان بها معجبا، ولها مكرما فأصابته حاجة وجهد، فقالت له: لو بعتني فإن نلت طائلا عدت به عليك، فعرضها للبيع، فعرضت على عمر بن عبد الله بن معمر المذحجيّ، فأعجبته فاشتراها بمائة ألف درهم، فلما مضت لتدخل القصر ودّعت مولاها وأنشدته: [الطويل] هنيئا لك المال الذي قد أصبته ... ولم يبق في كفّي إلا تفكّري أقول لنفسي وهي في كرب غشية ... أقليّ فقد بان الحبيب أو اكثري إذا لم يكن للوصل عندك حيلة ... ولم تجدي بدّا من الصّبر فاصبري فأجابها مولاها: [الطويل] فلولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... لفرقتنا شيء سوى الموت فاعذري أئوب بحزن من فراقك موجع ... أناجي به قلبا طويل التّفكّر عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر فقال ابن معمر: قد شئت، خذ بيدها فهي لك وثمنها. *** قال: فلمّا وعى الشّيخ أبياته، وعقل مناغاته، تنفّس الصّعداء وبكى حتّى أبكى البعداء؛ ثمّ قال لي: إنّي أحلّ هذا الغلام محلّ ولدي، ولا أميّزه عن أفلاذ كبدي؛ ولولا خلوّ مراحي، وخبوّ مصباحي؛ لما درج عن عشّي، إلى أن يشيّع نعشي، وقد رأيت ما نزل به من لوعة البين، والمؤمن هين لين، فهل لك في تسلية قلبه، وتسرية كربه؛ بأن تعاهدني على الإقالة فيه متى استقلت؛ وألّا تستثقلني إذا ثقّلت؛ ففي الآثار المنتقاة، المرويّة عن الثّقات: من أقال نادما بيعته، أقاله الله عثرته. قال الحارث بن همام: فوعدته وعدا أبرزه الحياء، وفي القلب أشياء، فاستدني

стр. 984

حينئذ الغلام إليه، وقبّل ما بين عينيه، وأنشد والدّمع يرفضّ من جفنيه: [الرجز] خفّض فدتك النّفس ما تلاقي ... من برحاء الوجد والإشفاق فما تطول مدّة الفراق ... ولا تني ركائب التّلاقي * بحسن عون القادر الخلّاق* *** قوله: عقل مناغاته، أي فهم كلامه، والمناغاة تكليم الطفل بما يهوى ويفرح به، فإذا ردّد الصبيّ كلامك أو حاكاك فقد ناغاك. الصّعداء: ارتفاع نفس المهموم. أفلاذ: قطع يريد أولاده، والفلذة: قطعة من الكبد، ولفرط الإشفاق به والمحبة في الولد، يخاطبه أبواه بقلبي وكبدي. وقالوا: أولادنا أكبادنا، وقال الشاعر: [الرجز] وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض مراحي: موضع إبلي ودوابّي، وكنى بخلوّ المراح عن الفقر وذهاب المال. درج: مشى. لوعة البين: حرقة الفراق. هين لين، هما مع الازدواج مخفّفتان، فإن أفردتا شدّدتا. قوله: لما درج عن عشّي، يقول: لولا الفقر ما بعته ما دمت حيّا. وتسرية كربه: إزالة همّه. المنتقاة: المختارة. المدوّنة: المكتوبة المجموعة، والحديث معروف من طريق أبي سريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «من أقال نادما بيعته أقاله الله عثرته» (١)، أي عفا عن زلّته أبرزه: أظهره، ويريد بقوله: وفي القلب أشياء: أنه أضمر ألّا يقيله أبدا يرفضّ: يسقط متفرّقا. خفّض: سكّن. برحاء: شدّة. الوجد: الحزن الإشفاق: الخوف. تني: تفتر. *** ثمّ قال له: أستودعك من هو نعم المولى. وشمّر ذيله وولّى. فلبث الغلام في زفير وعويل، ريثما يقطع مدى ميل. فلما استفاق، وكفكف دمعه المهراق، قال: أتدري لم أعولت وعلام عوّلت؟ فقلت: أظنّ فراق مولاك، هو الذي أبكاك فقال: إنّك لفي واد، وأنا في واد، ولكم بين مريد ومراد، ثم أنشد: [الرجز] لم أبك والله على إلف نزح ... ولا على فوت نعيم وفرح وإنّما مدمع أجفاني سفح ... على غبيّ لحظه حين طمح ورّطه حتّى تعنّى وافتضح ... وضيّع المنقوشة البيض الوضح

стр. 985

ويك أما ناجتك هاتيك الملح ... بأنّني حرّ وبيعي لم يبح * إذ كان في يوسف معنى قد وضح* *** زفير: أنفاس مرتفعة. عويل: بكاء. ريث: قدر. مدى: غاية. والميل: قدر مدّ البصر من الأرض، ويقال إنه ألف خطوة من خطا البعير، والفرسخ: ثلاثة أميال، والبريد أربعة فراسخ. استفاق: استراح وخفّ ما يجده. كفكف: ردّ وأذهب. المهراق: المصبوب. أعولت: بكيت بصوت عال، وأعول إعوالا: صاح، ورفع صوته، وعوّلت على كذا اتّكلت عليه، وعلى الله معوّلي اتّكالي، وقال الشاعر: [الطويل] * وليس على ريب الزّمان معوّل (١) * كم بين مريد ومراد، يريد أنّهما متقاربان في اللفظ، متباعدان في المعنى، لأنّ المريد في الشيء المحبّ فيه، والمراد الشيء المطلوب، وهو المحبوب، فأنت قد تريد الشيء فتمنعه، وغيرك قد يراد له فيأباه ولا يريده، فاللفظان متضادّان، فيقول: التبس عليك سرّ بكائي فظننت أنه علىفراق مولاي. فتفطن الآن أنّه على سخف عقلك، كما التبس اللفظان على غير ناقد، فإذا تفطّن لهما تباعدا عليه، والمريد عند أهل الإرادة المبتدي، والمراد المنتهى، فالمريد هو الذي نصب للتعب والمقاساة، والمراد الّذي لقي الأمر من غير مشقة، فهو مرفوق به مرفّه، وقيل: المريد متحمّل والمراد: محمول. الجنيد: المريد تتولّاه سياسة المعلّم، والمراد تتولّاه رعاية الحق، لأن المريد يسير، والمراد يطير، فمتى يلحق السائر الطائر! القشيريّ: كلّ مريد في الحقيقة مراد، لأنه إذا أراده الحق للخصوصية، وفقه للإرادة، ولكنهم فرقوا بينهما. قوله: إلف، أي صاحب. نزح: بعد سفح: جرى. غبيّ: جاهل لحظه: نظره. طمح: ارتفع. ورّطه: أنشبه، والورطة: أهوية تكون في رأس الجبل يشقّ على من وقع فيها الخروج منها وتورّطت الماشية: وقعت في الورطة، قال طفيل: [الطويل] تهاب طريق الحق تحسب أنه ... وعور وراط وهو بيداء بلقع (٢)
следующие страницы →