← Общие книги

Общие книги · id 7615

الدعوة الإصلاحية في بلاد نجد على يد الإمام محمد بن عبد الوهاب وأعلامها من بعده

عبد الله المطوع

Полный текст (287 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء، وأقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات، إلا أنهم يستحقون من حق الله تعالى شيئا، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار، إلا من شهد له رسول الله ﷺ ، ولكني أرجو للمحسن، وأخاف على المسيء، ولا أكفر أحدا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام؛ وأرى الجهاد ماضيا مع كل إمام: برا كان أو فاجرا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، والجهاد ماض منذ بعث الله محمدا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل. وأرى وجوب السمع والطاعة: لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة، واجتمع عليه الناس، ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته؛ وحرم الخروج عليه؛ وأرى هجر أهل البدع، ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر، وأكل سرائرهم إلى الله؛ وأعتقد: أن كل محدثة في الدين بدعة. وأعتقد أن الإيمان: قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية؛ وهو: بضع وسبعون

стр. 107

شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرى وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة. فهذه عقيدة وجيزة، حررتها وأنا مشتغل البال، لتطلعوا على ما عندي، والله على ما نقول وكيل"١. فانظر إلى هذه العقيدة الصافية الموافقة لمعتقد أهل السنة والجماعة والتي تمتليء بها كتب أعلامهم، يؤكدون عليها. ويتضح من هذه الرسالة: بالإضافة إلى أن الشيخ يعتقد عقيدة السلف الصالح ﵏، سعة علم الشيخ ودقة استنباطه، وقوة عباراته، وتأثره بأساليب كبار علماء السلف كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما. *****

стр. 108

٢ـ أصول منهجه في الاستدلال يعتمد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في الاستدلال على القضايا والمسائل التي يناقشها في كتبه، أو في رسائله، أو في دروسه، وفتاويه على أصول معتمدة عند أهل السنة والجماعة، وعليها العمل عندهم، وهذه الأصول هي: ١ـ كتاب الله تعالى وتفاسيره المعتمدة عند السلف الصالح، وهذا هو الأصل الأول الذي يستند عليه الشيخ رحمه الله تعالى. ٢ـ السنة المطهرة وشرحها المعتبرة من علماء الأمة الذين عرفوا بصفاء العقيدة وسعة العلم. ٣ـ إجماع السلف الصالح واتفاقهم على مسألة من المسائل، وفي ذلك يقول ﵀ في إحدى رسائله: " لا خلاف بيني وبينكم أن أهل العلم إذا أجمعوا وجب اتباعهم.."١. ٤ـ الاجتهاد والقياس والموازنة في بعض المسائل واتباع ما ترجح عنده من الأقوال الموافقة للنصوص. ٥ـ الالتزام بكتب المذهب الحنبلي في الفقه خصوصا، وإن كان

стр. 109

يخالفها في بعض المسائل لترجح الدليل عنده. وكان ﵀ يحترم أئمة المذاهب كلهم، ويأخذ عنهم، مع حسن اختيار للرأي الفقهي الذي يأخذ به عنهم، وفق ما يقتضيه الدليل الراجح١. ويوضح هذا المنهج وأصوله في الاستدلال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ بقوله: " مذهبنا في أصول الدين، مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقتنا طريقة السلف، التي هي الطريق الأسلم، بل والأعلم والأحكم، ... وهي أننا نقر آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها، ونكل معناها مع اعتقاد حقائقها إلى الله تعالى ... ونحن في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة ... ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق ولا أحد لدينا يدعيها، إلا أننا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة، أخذنا به، وتركنا المذهب كإرث الجد والإخوة، فإنا نقدم الجد، وإن خالف مذهب الحنابلة ... ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض فلا مناقضة لعدم دعوى الاجتهاد، وقد سبق جمع من أئمة المذاهب

стр. 110

الأربعة إلى اختيارات لهم في بعض المسائل مخالفين للمذهب الملتزمين تقليده صاحبه..ثم إنا نستعين على فهم كتاب الله بالتفاسير المتداولة المعتبرة، ومن أجلها لدينا: تفسير ابن جرير، ومختصره لابن كثير الشافعي، وكذا البغوي، والبيضاوي، والخازن، والحداد، والجلالين، وغيرهم.. وعلى فهم الحديث بشروح الأئمة المرزين كالعسقلاني والقسطلاني على البخاري، والنووي على مسلم، والمناوي على الجامع الصغير، ونحرص على كتب الحديث، خصوصا الأمهات الست وشروحها، ونعتني بسائر الكتب في سائر الفنون أصولا وفروعا وقواعد وسيرا ونحوا وصرفا، وجميع علوم الأمة.."١. *****

стр. 111

موقفه من الصحابة الكرام ومن أهل البيت ﵃ أجمعين ... ٣ـ موقفه من الصحابة الكرام ومن آل البيت ﵃ أجمعين يقوم منهج أهل السنة والجماعة في هذه المسألة على موالاة أصحاب رسول الله ﷺ وسلامة قلوبهم وألسنتهم تجاههم، وذكر محاسنهم والترضي عنهم، والكف عما شجر بينهم، ويعتقدون بأنهم خير القرون وأنهم السابقون الأولون أصحاب المآثر العظام والمقامات الرفيعة، وأنهم عدول ثقات كلهم معتمدون في اعتقادهم ذلك على عدد من النصوص، منها قوله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم﴾ ْ [الفتح: ٢٩] وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [سورة التوبة: ١٠٠] . ولقوله ﷺ : " لا تسبوا أصحابي لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" ١. يقول الإمام الطحاوي ﵀: "ونحب أصحاب رسول الله

стр. 112

ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بالخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان"١. وأهل السنة يحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ، ويتولونهم، ويحترمونهم، ويكرمونهم لقرابتهم من رسول الله ﷺ ، ويتولون زوجات النبي ﷺ ويعتقدون أنهن أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة٢. كما قال سبحانه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦] . ويعد موقف الشيخ محمد ﵀ في هذه المسألة امتدادا لمعتقد أهل السنة والجماعة فيها، فهو يقول في رسالته لأهل القصيم، التي سبق ذكرها: " وأومن بأن نبينا محمدا ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته، وإن أفضل أمته أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة ثم أهل بدر ثم أهل الشجرة أهل بيعة

стр. 113

الرضوان ثم سائر الصحابة ﵃، وأتولى أصحاب رسول الله ﷺ وأذكر محاسنهم وأترضى عنهم وأستغفر لهم أكف عن مساويهم، وأسكت عما شجر بينهم وأعتقد فضلهم عملا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] ، وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء.."١. وقال أبناء الشيخ وحمد بن ناصر ﵏ " مذهبنا في الصحابة ﵃ هو مذهب أهل السنة والجماعة وهو: أن أفضلهم بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، وأفضلهم بعد أبي بكر: عمر، وأفضلهم بعد عمر: عثمان، وأفضلهم بعد عثمان علي ﵃، ومنزلتهم في الخلافة كمنزلتهم في الفضل.."٢. وبهذا يتبين موقف الشيخ وأتباعه في هذه المسألة المهمة من مسائل العقيدة والتي ضل فيها كثير من أصحاب الفرق والأهواء المنحرفة البعيدة عن منهج السلف الصالح، فمنهجه ﵀ وسط بين ضلالات الروافض وانحرافات النواصب.

стр. 114

٤ـ موقف الشيخ من كرامات الأولياء الكرامة هي: أمر خارق للعادة يجريه الله تعالى على يد بعض الصالحين من أتباع الرسل ﵇، إكراما لهم من الله ببركة اتباعهم للرسل، والولي هو العبد الصالح التقي١، كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣] . وليس كل ولي تحصل له كرامة، وإنما تحصل لبعضهم؛ ويكون الغرض منها: إما لتقوية إيمانه، أو لحاجته، أو لإقامة حجة على خصومه٢. يقوم منهج أهل السنة والجماعة على الإيمان بكرامات الأولياء والتصديق بها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء وما يجريه الله على أيديهم من خوارق العادات في العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر فرق الأمة وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة"٣.

стр. 115

وانقسم الناس في موضع الكرامات إلى ثلاثة أقسام هي: ١ـ قسم غلوا في نفيها، حتى أنكروا ما هو ثابت في الكتاب والسنة من الكرامات التي تجري على وفق الحق لأولياء الله المتقين، وهؤلاء المنكرين كالجهمية والمعتزلة وأشباههم. ٢ـ قسم غلوا في إثبات الكرامات، حتى اعتقدوا أن السحر والشعوذة والدجل منها، واستغلوها وسيلة للشرك والتعلق بأصحابها من الأحياء والأموات، حتى نشأ عن ذلك الشرك الأكبر بعبادة القبور وتقديس الأشخاص والغلو فيهم، في كثير من بلاد المسلمين. ٣ـ القسم الثالث: وهم أهل السنة والجماعة، وقد توسطوا في موضوع الكرامات بين الإفراط والتفريط، فأثبتوا ما أثبته القرآن الكريم والسنة المطهرة، فلم يغلوا في أصحابها، ولم يتعلقوا بهم من دون الله تعالى، ولا يعتقدون أنهم أفضل من غيرهم بل هناك من أولياء الله من هم أفضل منهم، ولم تجر على أيديهم كرامات. ونفى أهل السنة ما خالف الكتاب والسنة من الدجل والسحر والشعوذة، واعتقدوا أن ذلك من عمل الشياطين، وليس من الكرامات١.

стр. 116

الفرق بين كرامات الأولياء والمعجزات: يشتركان في كونهما من الله تعالى، وبكونهما من الأمور الخارقة للعادات، وتفترقان بان الكرامة: لا تقترن بدعوى النبوة إذ المعجزة لا تجري إلا على يد نبي، وليس في الكرامة تحد، ولا قصد، بحيث كلما أراد الولي جرت؛ لأنها من الآيات، وهي على وفق إرادة الله تعالى، قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٩] ، وليس للمخلوق تصرف فيها متى أراد وكيف أراد.."١ الفرق بين كرامات الأولياء وخوارق السحر والشياطين: ١ـ أن كرامات الأولياء سببها التقوى والعمل الصالح، وأما أعمال السحرة والشياطين فسببها الكفر والفجور. ٢ـ أن كرامات الأولياء يستعان بها على البر والتقوى، أو على أمور مباحة، وأما أعمال السحر والشياطين فيستعان بها على أمور محرمة من الشركيات والكفر والفجور ونحو ذلك. ٣ـ أن كرامات الأولياء تقوي بذكر الله تعالى وتوحيده وعبادته، وأما أعمال السحرة والشياطين فتبطل وتضعف عند ذكر الله تعالى وقراءة القرآن والتوحيد٢.

стр. 117

ويقوم موقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في هذه المسألة على الإيمان بها وإقرارها في حدود الشرع وضوابطه، كما هو موقف أهل السنة، والذي سبق بيانه وفي منهجه هذا رد على من وصف دعوته بأنها: تنكر كرامات الأولياء وتسلبهم الاحترام والتقدير١، يقول ﵀ عن ذلك: " وأقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئا، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله.."٢. ويقول ﵀: "وأما الصالحون فهم على صلاحهم ﵃ ولكن نقول ليس لهم شيء من الدعوة قال الله:﴾ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴿ [الجن: ١٨] ٣. ويؤكد الشيخ على أن دعوته الإصلاحية تحفظ للصالحين حقوقهم، فيقول: " الواجب حبهم واتباعهم، والإقرار بكراماتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين.."٤. وقال الشيخ ﵀: " حق أولياء الله: محبتهم، والترضي عنهم، والإيمان بكرامتهم، لا عبادتهم ليجلبوا لمن دعاهم خيرا لا

стр. 118

يقدر على جلبه إلا الله ﵎، ويدفعوا عنهم سوء لا يقدر على دفعه أو رفعه إلا الله، لأنه عبادة مختصة بجلاله سبحانه، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ، فسماه عبادة وأضافها إلى نفسه ... "١. ومع تأكيد أهل هذه الدعوة الإصلاحية وأتباعها على حقوق أولياء الله فإنهم يؤكدون على عدم الغلو فيهم، فيقول الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: "ولا ننكر كرامات الأولياء، ونعترف لهم بالحق وإنهم على هدى من ربهم..إلا أنهم لا يستحقون شيئا من أنواع العبادات، لا حال الحياة، ولا بعد الممات، بل يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته، بل ومن كل مسلم ... "٢.

стр. 119

موقف الضيخ من السمع والطاعة لولي الأمر ... ٥ـ موقف الشيخ من السمع والطاعة لولي الأمر تعد هذه المسألة من مسائل العقيدة التي اهتم بها علماء الشريعة وذلك لآثارها الكبيرة على الناس جميعا، وقبل توضيح موقف الشيخ في هذه المسألة نبين موقف أهل السنة والجماعة فيها، وهو ما يلخصه الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀ بقوله:" ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله تعالى فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة.."١. ويقول شارح الطحاوية الإمام ابن أبي العز ﵀: "..دل الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر ما لم يأمروا بمعصية.."٢ ثم يقول: "..وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا فلأنه يترتب على الخروج عن طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعة الأجور، فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا والجزاء من جنس العمل ... قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ

стр. 120

أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] فإذا أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير الظالم فليتركوا الظلم"١. ويقول الموفق ابن قدامة ﵀: " ومن السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين٢وجبت طاعته وحرمت مخالفته والخروج عليه وشق عصا المسلمين"٣. فموقف أهل السنة من الإمامة والسمع والطاعة لولي الأمر يتمثل في: ١ـ طاعة الإمام المسلم في المعروف. ٢ـ طاعة الإمام المسلم في المعروف. ٣ـ عدم الخروج عليه وإن جار وإن ظلم. ٤ـ لا يسوغ الخروج على الحاكم إلا بشرطين مجتمعين: أـ وجود الكفر البواح الذي لا يحتمل التأويل. ب ـ وجود القدرة عند الأمة على التغيير.

стр. 121

٥ـ مناصحتهم بالطريقة الشرعية، والدعاء لهم بالصلاح والاستقامة. فهذه الأمور الخمسة عليها العمل عند علماء أهل السنة والجماعة، وكتبهم مليئة بالتأكيد عليها، ويستدلون في هذا على نصوص كثيرة من الكتاب والسنة منها: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] ، قال الإمام القرطبي ﵀: "هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة..". قول النبي ﷺ : "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم..". يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معلقا على هذا الحديث: " فأوجب ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع؛ ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم، وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة ... فالواجب اتخاذ الإمارة دينا وقربة يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته

стр. 122

وطاعة رسوله من أفضل القربات ... "١. وتنعقد الولاية والإمارة شرعا بأحد الطرق الآتية: الأول: ما لو نص ﷺ على أن فلانا هو الإمام، فإنها تنعقد له بذلك، قال بعض العلماء: إن إمامة أبي بكر ﵁ من هذا القبيل؛ لأن النبي ﷺ قدمه في إمامة الصلاة وهي أهم شيء، وفيه الإشارة إلى التقديم للإمامة الكبرى وهو ظاهر. الثاني: هو اتفاق أهل الحل والعقد على بيعته، كما أجمع أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار على إمامة أبي بكر ﵁ بعد الخلاف فيما بينهم، ولا عبرة بعدم رضى بعضهم، كما وقع من سعد بن عبادة ﵁ من عدم قبوله بيعة أبي بكر ﵁. الثالث: أن يعهد إليه الخليفة الذي قبله، كما وقع من أبي بكر لعمر ﵄. الرابع: أن يتغلب على الناس بسيفه وينزع الخلافة بالقوة حتى يتستتب له الأمر وتدين له الناس. قال بعض العلماء: ومن هذا القيبل قيام عبد الملك بن مروان على عبد الله بن الزبير ﵁ وقتله إياه في مكة على يد الحجاج بن يوسف فاستتب الأمر له٢.

стр. 123

ومن النصوص الشرعية التي تؤكد على السمع والطاعة لولاة الأمر: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] . وقال ﵊: " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" ١. وقال ﵊: " من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا مات ميتة جاهلية" ٢. وعن عوف بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعبونكم، قيل: يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدا من طاعة" ٣. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عليك

стр. 124

السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك" ١. وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: " دعانا رسول الله ﷺ فبايعناه فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان"٢. وقال ﵊: " الدين النصيحة، النصيحة، الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" ٣. ويقول الإمام أحمد بن حنبل ﵀: " إني لأرى طاعة أمير المؤمنين في السر والعلانية، وفي عسري ويسري، ومنشطي ومكرهي، وأثرة علي، وإني لأدعو الله له بالتسديد والتوفيق، في الليل والنهار.." ٤. وليسلك الناصح في نصيحته للولاة مذهب أهل السنة والجماعة ومنهجهم في ذلك، وهو أنهم: لا يرون التشهير بهم في المجامع العامة لما يوقع ذلك من الفتنة، وإنما يناصحهم في السر لئلا يهيج

стр. 125

الجموع ضدهم، ولعدم المصلحة في ذلك؛ لأن المراد هو إصلاحهم بهذه النصيحة ورجوعهم إلى الحق من خلالها، فلذلك لابد من إيصالها بالطرق المحببة للنفس باللين والرفق والسر، ويدل على هذا المنهج ما رواه عياض بن غنم الفهري ﵁ بقوله: قال رسول الله ﷺ : " من أراد أن ينصح لسلطان بأمر، فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه، فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه له" ١. يقول الإمام ابن رجب الحنبلي ﵀ في شرحه لحديث:"الدين النصيحة": " النصيحة لأئمة المسلمين: معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق ... " ٢. وبعد بيان منهج أهل السنة والجماعة في هذه القضية والنصوص الكريمة المؤيدة لهم، نأتي لذكر موقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في هذه المسألة، وقد بين موقفه هذا في رسالة سماها ستة

стр. 126

أصول عظيمة مفيدة جليلة حيث قال: " الأصل الثاني: أمر الله بالاجتماع في الدين ونهى عن التفرق.. إلى أن قال: الأصل الثالث: أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبدا حبشيا، فبين النبي ﷺ هذا بيانا شائعا ذائعا بكل أنواع البيان شرعا وقدرا، ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم فكيف العمل به"١. كما يؤكد الشيخ على هذا المعنى بأسلوب آخر، وذلك في رسالته الموسومة بمسائل الجاهلية حيث ذكر أن من أمور الجاهلية التي خالفهم فيها رسول الله ﷺ مخالفة ولي الأمر وعدم طاعته، يقول الشيخ: "الثالثة: أن مخالفة ولي الأمر وعدم الانقياد له عندهم فضيلة وبعضهم يجعله دينا، فخالفهم النبي ﷺ في ذلك وأمر بالصبر على جور الولاة وأمر بالسمع والطاعة والنصيحة لهم وغلط في ذلك وأبدى وأعاد"٢. ويوضح الشيخ موقفه في هذه المسألة أيضا بقوله: "وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه" ٣.

стр. 127

ويقول أيضا: " وأرى الجهاد ماضيا مع كل إمام برا أو فاجرا وصلاة الجماعة خلفهم جائزة"١. وإذا كان هذا هو منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع ولاة الأمر وهذا هو موقف الشيخ الإمام من هذه القضية المهمة، فبه يمكن الرد على الفرية التي تقول: إن الشيخ لم يلتزم بمنهج أهل السنة تجاه التعامل مع الحاكم عملا وإن كان ملتزما به قولا، فهو قد خرج على الحاكم في ذلك الوقت وهو الخليفة، أو الحاكم العثماني ولم يعترف له ببيعة أو سلطة"٢. والجواب عن ذلك أن نقول: ١ـ تجمع المصادر التاريخية على أن منطقة نجد لم تكن ضمن مناطق النفوذ العثماني ولا وطأتها قدم حامية تركية قبيل الدعوة بل لم تعرها السلطة العثمانية أي اهتمام، وإنما كانت نجد مجموعة من الإمارات الصغيرة المتنافرة بالإضافة إلى الحالة السياسية والدينية السيئة التي كانت تعاني منها الدولة العثمانية في ذلك الوقت٣.

стр. 128

٢ـ ننظر في تعامل الشيخ مع القيادات السياسية الحاكمة في تلك البلاد، ففي حريملاء مثلا حينما قام بالدعوة بعد وفاة والده وتألب عليه بعض أهلها، خرج الشيخ منها دون أن ينازع أهلها في الأمر، ثم كان حاله كذلك مع عثمان بن معمر حاكم العيينة حينما ناصره أول الأمر، ثم بعد أن خذله، لم ينازعه الشيخ ولم يخاصمه سياسيا رغم وجود أنصار للشيخ في العيينة. وهكذا كان حال الشيخ ﵀ مع حكام الدرعية فقد حفظ لهم حقوقهم السياسية ومكانتهم الاجتماعية واستمر مؤيدا ومناصرا لآل سعود، وهكذا أئمة الدعوة بعده مع الحكام الشرعيين من آل سعود. فهذا كله يدحض فرية خروج الشيخ على الحاكم والسلطان في ذلك الوقت، ويبين موقفه في هذه المسألة الموافقة لمنهج أهل السنة والجماعة كما تضح بيانه. *****

стр. 129

٦ـ منهجه في قضية التكفير والقتال تعد قضية التكفير من أخطر القضايا المرتبطة بالعقيدة والتي زلت فيها قدم كثير من الفرق المنتسبة للإسلام، يقول ابن أبي العز في شرحه لكلام الإمام الطحاوي: " اعلم ـ رحمك الله وإيانا ـ أن باب التكفير وعدم التكفير باب عظمت الفتنة والمحنة فيه، وكثر فيه الافتراق، وكثر فيه الأهواء والآراء ... "١، وهي من أكثر التهم التي يطلقها أهل الأهواء على دعاة الإسلام الصادقين السائرين على منهج السلف الصالح. ويولي أهل السنة والجماعة قضية التكفير أهمية بالغة، لما يترتب عليها من أحكام خطيرة تلحق بمختلف أطرافها٢، ويضعون لها ضوابط وشروطا تحكمها، لذلك كان منهجهم في هذه القضية هو المنهج العدل، وطريقهم فيها هو طريق الصواب، لدقة فهمهم لكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ في هذه القضية وفي غيرها٣. والتكفير مشتق من الكفر: وهو إخراج المسلم من دائرة الإسلام

стр. 130

والإيمان إلى دائرة الكفر والشرك، ونسبته إلى ذلك١. ولبيان منهج أهل السنة والجماعة في قضية التكفير ننقل كلام الأئمة المعتبرين عند أهل السنة في هذه القضية، من ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ " ومن أصول أهل السنة أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي كما قال سبحانه في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] وقال : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:١٧٨] ولا يسلبون الفاسق المليّ الإيمان بالكلية ولا يخلدونه في النار كما تقول المعتزلة بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ، وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا﴾ [الأنفال: ٢] ، وقوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع

стр. 131

الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن" ١، ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم"٢. يقول الشيخ د. صالح الفوزان في شرحه لكلام الإمام ابن تيمية: "أهل السنة والجماعة لا يحكمون بالكفر على من يدعي الإسلام ويستقبل القبلة بمطلق ارتكابه المعاصي التي هي دون الشرك والكفر" ٣. ويقول الإمام الطحاوي ﵀ "..ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله"٤. يقول الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀ تعليقا على كلام الإمام الطحاوي: " مراده ﵀ أن " أهل السنة والجماعة" لا يكفرون المسلم الموحد المؤمن بالله واليوم الآخر بذنب يرتكبه كالزنا، وشرب الخمر، والربا، وعقوق الوالدين، وأمثال ذلك ما لم يستحل ذلك، فإن استحله كفر؛ لكونه بذلك مكذبا لله تعالى ولرسوله ﷺ ، خارجا

стр. 132

عن دينه، أما إذا لم يستحل ذلك؛ فإنه لا يكفر عند " أهل السنة والجماعة" بل يكون ضعيف الإيمان، وله حكم ما تعاطاه من المعاصي في التفسيق وإقامة الحدود وغير ذلك، حسبما جاء في الشرع المطهر، وهذا هو قول" أهل السنة والجماعة" خلافا لـ" الخوارج" و" المعتزلة" ومن سلك مسلكهم الباطل، فإن"الخوارج" يكفرون بالذنوب، و" المعتزلة" يجعلونه في منزلة بين المنزلتين، يعني بين الإسلام والكفر في الدنيا، وأما في الآخرة فيتفقون مع" الخوارج" بأنه مخلد في النار، وقول الطائفتين باطل بالكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، وقد التبس أمرهما على بعض الناس لقلة علمهم، ولكن أمرهما بحمد الله واضح عند أهل الحق"١. ويقول الموفق ابن قدامة المقدسي الحنبلي ﵀ في لمعة الاعتقاد:"ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ولا نخرجه عن الإسلام بعمل"٢. يقول الشيخ عبد الله بن جبرين شارحا لكلام ابن قدامة: "وأما التكفير بالذنوب لأهل القبل ـ أي: أهل الإسلام، واستقبال القبلة في الصلاة والحج ونحوها ـ فلا يجوز تكفيرهم بمجرد عمل ذنب كبير ونحوه، وما ورد من نصوص الوعيد فإنا نجريها على ظاهرها، ليكون

стр. 133

أبلغ في الزجر عن تلك المآثم، مع اعتقادنا أنه لا يخرج بها من الدين، ولا يخلدون في النار، ونقول في جنس أهل الكبائر إنهم مؤمنون ناقصو الإيمان، أو فاسقون بكبائرهم، وهم في الآخرة تحت مشيئة الله، إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم بقدر ذنوبهم، ثم مآلهم إلى دخول الجنة، خلافا للخوارج الذين يكفرون بالذنوب، ويستحلون دماء أهل الكبائر وأموالهم، وللمعتزلة الذين يخرجون العاصي من الإسلام، ولا يدخلونه في الكفر، وهو في الآخرة عند الخوارج والمعتزلة مخلد في النار، أنكروا أحاديث الوعد والشفاعة ونحو ذلك"١. ويوجز الشيخ أ. د. ناصر العقل عقيدة أهل السنة في التكفير بقوله: " من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فصلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأظهر شرائع الإسلام فهو مسلم له ما للمسلمين وعليه ما عليهم حرام الدم والمال والعرض وحسابه على الله، واختبار مجهول الحال وإساءة الظن به أو التوقف في إسلامه بدعة وتنطع في الدين، ولا يجوز تكفير أحد من أهل القبلة بذنب يرتكبه إلا من جاء تكفيره بالكتاب والسنة وقامت عليه الحجة وانتفت في حقه عوارض الإكراه أو الجهل أو التأويل كما لا يجوز الشك في كفر من حكم الله ورسوله ﷺ بكفره من المشركين واليهود والنصارى وغيرهم، ولا نجزم لأحد بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله ﷺ ، ومرتكب

стр. 134

الكبيرة في الدنيا فاسق وعاص، وفي الآخرة تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ولا يخلد في النار، ونرجو للمحسن ونخاف على المسيء"١. وليس معنى ذلك أن أهل السنة والجماعة لا يرون أن المسلم لا يمكن أن يخرج من دائرة الإسلام، بل إنه ربما خرج المسلم من دين الإسلام بسبب ما يأتي به من النواقض التي تخرجه من دائرة الإسلام، ولذلك نص علماء الإسلام قديما وحديثا على باب مهم في كتب الفقه أسموه باب حكم المرتد، وبينوا فيه " أن المسلم قد يرتد عن دينه بأنواع كثيرة من النواقض التي تحل دمه وماله ويكون بها خارجا عن الإسلام" ٢. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧] ، " المرتد: هو الذي يكفر بعد إسلامه، فمن أشرك بالله تعالى أو جحد ربوبيته أو وحدانيته أو صفة من صفاته ... أو سب الله أو رسوله كفر ... "٣. وبعد هذا البيان الموجز لموقف أهل السنة والجماعة من قضية التكفير نقلا من كلام الأئمة المعتبرين نأتي إلى بيان موقف الشيخ

стр. 135

محمد بن عبد الوهاب ﵀ من هذه القضية من خلال كلامه في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة التي يعتقدها، ومن خلال رده على خصومه الذين يتهمونه بأنه يتهاون في قضية التكفير ويكفر المسلمين بالعموم ويقاتلهم من أجل ذلك١، ويقولون كذلك بأنه يكفر بالظن ويكفر الجاهل. فيرد الشيخ ﵀ على ذلك كله بأقواله واضحة، لا غموض فيها، منها قوله:" ولا أكفر أحدا من المسلمين بذنب ولا أخرجه من دائرة الإسلام"٢. ويقول أيضا: " وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول ﷺ ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله، فهذا هو الذي أكفره، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك"٣. ويرد الشيخ في موضع آخر التهم كلها حول التكفير والهجرة إليه وغير ذلك فيقول: " وأما ما ذكره الأعداء عني أني أكفر بالظن والموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله"٤.

стр. 136

ويقول: " وأما القول بأنا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين ونقول سبحانك هذا بهتان عظيم"١. ويقول في نفيه لما اتهم به من شبه وضلالات: " إني أقول من اتبع دين الله ورسوله ﷺ وهو ساكن في بلده لا يكفيه ذلك حتى يأتي عندي فهذا أيضا من البهتان إنما المراد اتباع دين الله ورسوله ﷺ في أي أرض كانت"٢. ومع نفي الشيخ لما نسب إليه من التكفير فإنه قد كتب رسالة مهمة أوضح فيها الأمور التي تخرج الإنسان من دائرة الإسلام سماها: نواقض الإسلام ومما ذكره في ذلك: " اعلم أن نواقض الإسلام عشرة نواقض: الأول: الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] . وقال: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] ، ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو للقبر. الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم، كفر إجماعا.

стр. 137

الثالث: من لم يكفر المشركين أو يشك في كفرهم أو صحح مذهبهم فقد كفر. الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر. الخامس: من أبغض شيئا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به كفر. السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ أو ثوابه أو عقابه كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥، ٦٦] . السابع: السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] . الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] . التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇ فهو كافر.

стр. 138

العاشر: الإعراض عن دين الله تعالى لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢] ، ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف، إلا المكره، وكلها من أعظم ما يكون خطرا، وأكثر ما يكون وقوعا، فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلم"١. وبهذا اتضح لنا منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في قضية التكفير وبيان موافقته لمنهج أهل السنة والجماعة فيها. وبعد هذا نأتي لبيان موقفه ﵀ في مسألة القتال والجهاد الذي قام به مع دولة التوحيد بقيادة الإمام محمد بن مسعود وأبنائه من بعده ﵏ أجمعين. فما يقول الشيخ عن القتال؟ يقول ﵀: في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] أي فتثبتوا، فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى"

стр. 139

إلى أن يقول: " وإن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك"١. فيتضح من كلامه ﵀ أن منهجه في هذه المسألة يقوم على التثبت لعظم حرمة دم المسلم عند الله، ولا يقاتل أحدا إلا إذا أظهر ما يناقض دين الإسلام عن علم واستكبار. ويقول أيضا: "وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة، وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا، ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٥٠] ، وكذلك من جاهر بسب دين الرسول ﷺ بعد ما عرفه"٢. ويقول أيضا: " نقاتل عباد الأوثان كما قاتلهم ﷺ ونقاتلهم على ترك الصلاة وعلى منع الزكاة كما قاتل مانعها صديق هذه الأمة أبو بكر الصديق.."٣، فهو لم يقم بالقتال لتحصيل مآرب دنيوية وإنما كان الغرض منه عدة أسباب: ١ـ إما دفاعا عن النفس والمحارم. ٢ـ المقابلة والمجازاة، والعقاب بالمثل. ٣ـ المجاهرون المعاندون لدين الحق بعد إعلامهم وتبليغهم

стр. 140

٧ـ موقفه من التقليد والاجتهاد التقليد: قبول قول الغير بلا حجة ولا دليل١. وينقسم إلى ثلاثة أقسام هي: ١ـ التقليد بعد ظهور الدليل وقيام الحجة، وهذا تقليد مذموم؛ لأن الله تعالى ذم الكافرين بسبب تقليدهم الآباء في الضلالة كما قال تعالى عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ، فإذا ورد الدليل الصحيح فعلى المسلم الالتزام به وتطبيقه، دون النظر لقول كائن من كان. ٢ـ التقليد مع القدرة على الاستدلال والبحث عن الدليل، فهذا تقليد مذموم أيضا لقدرته وتمكنه من معرفة الدليل. ٣ـ التقليد في فروع العبادات والمعاملات والسلوك وغيرها، لمن لا يعرف الدليل وطريقة الاستدلال، وهذا تقليد سائغ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ٢. وقد شنع علماء الإسلام على التقليد بلا دليل في كل المسائل؛

стр. 141

والأئمة الأربعة ﵏ نهوا عن ذلك، فهذا الإمام أحمد بن حنبل ﵀ يقول: " لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا الثوري وتعلموا كما تعلمنا..وقال: لا تقلد الرجال فإنهم لن يسلموا أن يغلطوا"١. وقال الإمام مالك ﵀: " إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في قولي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه"٢. وقال الإمام الشافعي ﵀: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلت"٣. وكان الإمام أبو حنيفة ﵀ يقول إذا أفتى: "هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت فمن جاء برأي خير منه قبلناه"٤. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله فرض على الخلق طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في

стр. 142

كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله ﷺ .."١. فاتضح مما سبق أن المعول عليه في الشريعة هو الدليل، ويكون التعصب له دون أقوال الرجال؛ لأن كل واحد يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي ﷺ فهو المبلغ عن ربه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣-٤] . أما الاجتهاد: فهو بذل الوسع في معرفة حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط٢. فالاجتهاد لا يكون إلا ممن لديه القدرة عليه وتوفرت فيه شروط عدة: كالعقل والبلوغ والعدالة والعلم بالدين ومعرفة أحكامه، والعلم باللغة العربية، وبأصول الفقه وقواعده العامة، ويعرف أيضا: المجمع عليه، والمختلف فيه، وأن يكون عالما بمقاصد الشريعة، وغيرها من الشروط، ولا يكون الاجتهاد في الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة أو التي ثبتت بدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة، أو ما أجمع عليه، وإنما يكون في مسائل الفروع التي ورد فيها دليل محتمل لعدة معان، كما يجوز في الأحكام التي لم يرد فيها نص ولا إجماع٣.

стр. 143

والموقف من الاجتهاد والتقليد لخصه علماؤنا أعضاء اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية في فتوى صدرت منهم نصها: "من كان أهلا لاستنباط الأحكام من الكتاب والسنة ويقوى على ذلك ولو بمعونة الثروة الفقهية التي ورثناها عن السابقين من علماء الإسلام كان له ذلك ليعمل به في نفسه، وليفصل به في الخصومات وليفتي به من يستفتيه، ومن لم يكن أهلا لذلك فعليه أن يسأل الأمناء من أهل العلم في زمنه، أو يقرأ كتب العلماء الأمناء الموثوق بهم ليتعرف الحكم من كتبهم ويعمل به من غير أن يتقيد في سؤاله أو قراءته بعالم من علماء المذاهب الأربعة، وإنما رجع الناس للأربعة لشهرتهم وضبط كتبهم وانتشارها وتيسرها لهم. ومن قال بوجوب التقليد على المتعلمين مطلقا فهو مخطئ جامد سيء الظن بالمتعلمين عموما وقد ضيق واسعا ومن قال بحصر التقليد في المذاهب الأربعة المشهورة فهو مخطئ أيضاً وقد ضيق واسعاً بغير دليل، ولا فرق بالنسبة للأمي بين فقيه من الأئمة الأربعة وغيرهم، كالليث بن سعد والأوزاعي ونحوهما من الفقهاء"١. وقبل ذكر موقف الشيخ وعلماء الدعوة في مسألة التقليد

стр. 144

والاجتهاد لابد أن نشير إلى أنه مما مدحت به دعوة الشيخ بأنها دعت إلى فتح باب الاجتهاد وفق ضوابطه الشرعية ونبذ التقليد١، كما أن هذا الموضوع مما ذمه بها خصومها حيث وصفت الدعوة من أولئك بأنها تمردت على المذاهب الفقهية ورفضتها وجاءت بمذهب جديد يخالف مذاهب الفقهاء المعتبرين عند أهل الإسلام على حد زعمهم، وأيضا بأن الشيخ يدعي الاجتهاد ويرفض التقليد٢. ونعود إلى موقف الشيخ من هذه القضية: فنجده ينفي ما ينسبه إليه أعداؤه وخصومه بأنه يدعي الاجتهاد المطلق وينهى عن التقليد، وفي ذلك يقول ﵀: " وما ذكرتم من حقيقة الاجتهاد فنحن مقلدون للكتاب والسنة وصالح سلف الأمة، وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمة الأربعة ﵏"٣. ويقول أيضا: " لم أستدل بالقرآن والحديث وحدي حتى يتوجه علي ما قيل من أني نسبت نفسي إلى الاجتهاد، ولا خلاف في أن أهل العلم إذا أجمعوا وجب اتباعهم ولكن الشأن إذا اختلفوا، هل يجب قبول الحق ممن جاء به ورد المسألة إلى الله والرسول ﷺ مقتدين بأهل العلم؟ أو ننتحل قول بعضهم من غير حجة ونزعم أن الصواب في

стр. 145

قوله"١. ويقول الشيخ أيضا: " وأما مذهبنا فمذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إمام أهل السنة، ولا ننكر على أهل المذهب الأربعة إذا لم يخالف نص الكتاب والسنة وإجماع الأمة وقول جمهورها"٢. والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بين في بعض رسائله التقليد الممنوع والمأذون فيه والمباح فقال:" وأما القول في التقليد واتباع الدليل فإن الله تعالى فرض علينا فرضين: الأول: اتباع رسول الله ﷺ وترك مخالفته في كل شيء، وأن الإنسان لا يؤمن حتى يحكمه فيما شجر بينه وبين غيره، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ النساء: ٦٥. والفرض الثاني: أن الله فرض علينا في كل مسألة تنازعنا فيها أن نردها إلى الله والرسول كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ . [النساء: ٥٩] ، وخاطب بها جميع المؤمنين، المجتهد وغيره، ولكن نقول: الواجب عليك تقوى الله ما استطعت، وذلك أن
следующие страницы →