← Общие книги

Общие книги · id 7615

الدعوة الإصلاحية في بلاد نجد على يد الإمام محمد بن عبد الوهاب وأعلامها من بعده

عبد الله المطوع

Полный текст (287 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والأئمة الأربعة ﵏ نهوا عن ذلك، فهذا الإمام أحمد بن حنبل ﵀ يقول: " لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا الثوري وتعلموا كما تعلمنا..وقال: لا تقلد الرجال فإنهم لن يسلموا أن يغلطوا"١. وقال الإمام مالك ﵀: " إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في قولي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه"٢. وقال الإمام الشافعي ﵀: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلت"٣. وكان الإمام أبو حنيفة ﵀ يقول إذا أفتى: "هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت فمن جاء برأي خير منه قبلناه"٤. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله فرض على الخلق طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في

стр. 142

كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله ﷺ .."١. فاتضح مما سبق أن المعول عليه في الشريعة هو الدليل، ويكون التعصب له دون أقوال الرجال؛ لأن كل واحد يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي ﷺ فهو المبلغ عن ربه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣-٤] . أما الاجتهاد: فهو بذل الوسع في معرفة حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط٢. فالاجتهاد لا يكون إلا ممن لديه القدرة عليه وتوفرت فيه شروط عدة: كالعقل والبلوغ والعدالة والعلم بالدين ومعرفة أحكامه، والعلم باللغة العربية، وبأصول الفقه وقواعده العامة، ويعرف أيضا: المجمع عليه، والمختلف فيه، وأن يكون عالما بمقاصد الشريعة، وغيرها من الشروط، ولا يكون الاجتهاد في الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة أو التي ثبتت بدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة، أو ما أجمع عليه، وإنما يكون في مسائل الفروع التي ورد فيها دليل محتمل لعدة معان، كما يجوز في الأحكام التي لم يرد فيها نص ولا إجماع٣.

стр. 143

والموقف من الاجتهاد والتقليد لخصه علماؤنا أعضاء اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية في فتوى صدرت منهم نصها: "من كان أهلا لاستنباط الأحكام من الكتاب والسنة ويقوى على ذلك ولو بمعونة الثروة الفقهية التي ورثناها عن السابقين من علماء الإسلام كان له ذلك ليعمل به في نفسه، وليفصل به في الخصومات وليفتي به من يستفتيه، ومن لم يكن أهلا لذلك فعليه أن يسأل الأمناء من أهل العلم في زمنه، أو يقرأ كتب العلماء الأمناء الموثوق بهم ليتعرف الحكم من كتبهم ويعمل به من غير أن يتقيد في سؤاله أو قراءته بعالم من علماء المذاهب الأربعة، وإنما رجع الناس للأربعة لشهرتهم وضبط كتبهم وانتشارها وتيسرها لهم. ومن قال بوجوب التقليد على المتعلمين مطلقا فهو مخطئ جامد سيء الظن بالمتعلمين عموما وقد ضيق واسعا ومن قال بحصر التقليد في المذاهب الأربعة المشهورة فهو مخطئ أيضاً وقد ضيق واسعاً بغير دليل، ولا فرق بالنسبة للأمي بين فقيه من الأئمة الأربعة وغيرهم، كالليث بن سعد والأوزاعي ونحوهما من الفقهاء"١. وقبل ذكر موقف الشيخ وعلماء الدعوة في مسألة التقليد

стр. 144

والاجتهاد لابد أن نشير إلى أنه مما مدحت به دعوة الشيخ بأنها دعت إلى فتح باب الاجتهاد وفق ضوابطه الشرعية ونبذ التقليد١، كما أن هذا الموضوع مما ذمه بها خصومها حيث وصفت الدعوة من أولئك بأنها تمردت على المذاهب الفقهية ورفضتها وجاءت بمذهب جديد يخالف مذاهب الفقهاء المعتبرين عند أهل الإسلام على حد زعمهم، وأيضا بأن الشيخ يدعي الاجتهاد ويرفض التقليد٢. ونعود إلى موقف الشيخ من هذه القضية: فنجده ينفي ما ينسبه إليه أعداؤه وخصومه بأنه يدعي الاجتهاد المطلق وينهى عن التقليد، وفي ذلك يقول ﵀: " وما ذكرتم من حقيقة الاجتهاد فنحن مقلدون للكتاب والسنة وصالح سلف الأمة، وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمة الأربعة ﵏"٣. ويقول أيضا: " لم أستدل بالقرآن والحديث وحدي حتى يتوجه علي ما قيل من أني نسبت نفسي إلى الاجتهاد، ولا خلاف في أن أهل العلم إذا أجمعوا وجب اتباعهم ولكن الشأن إذا اختلفوا، هل يجب قبول الحق ممن جاء به ورد المسألة إلى الله والرسول ﷺ مقتدين بأهل العلم؟ أو ننتحل قول بعضهم من غير حجة ونزعم أن الصواب في

стр. 145

قوله"١. ويقول الشيخ أيضا: " وأما مذهبنا فمذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إمام أهل السنة، ولا ننكر على أهل المذهب الأربعة إذا لم يخالف نص الكتاب والسنة وإجماع الأمة وقول جمهورها"٢. والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بين في بعض رسائله التقليد الممنوع والمأذون فيه والمباح فقال:" وأما القول في التقليد واتباع الدليل فإن الله تعالى فرض علينا فرضين: الأول: اتباع رسول الله ﷺ وترك مخالفته في كل شيء، وأن الإنسان لا يؤمن حتى يحكمه فيما شجر بينه وبين غيره، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ النساء: ٦٥. والفرض الثاني: أن الله فرض علينا في كل مسألة تنازعنا فيها أن نردها إلى الله والرسول كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ . [النساء: ٥٩] ، وخاطب بها جميع المؤمنين، المجتهد وغيره، ولكن نقول: الواجب عليك تقوى الله ما استطعت، وذلك أن

стр. 146

تطلب علم ما أنزل الله على رسوله من الكتاب والحكمة على قدر فهمك فما عرفت من ذلك فاعمل به، وما لم تعرفه واحتجت فيه إلى تقليد أهل العلم؛ قلدتهم، وما أجمعوا عليه فهو الحق، وما تنازعوا فيه، ردّ إلى الله والرسول، وأما أخذ الإنسان ما اشتهت نفسه، ووجد عليه آباءه، وترك ما خالفه من كلام أهل العلم، وغفلته عن كلام الله ورسوله، واستهزاؤه بمن طلب ذلك فهذا هو الضلال الذي أنكرنا، والأدلة على هذا من كلام أهل العلم أكثر من أتحصر"١. ويوضح الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بتفصيل أكثر الموقف من الاجتهاد والتقليد بقوله: " مذهبنا في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقتنا طريقة السلف، وهي أنا نقر آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها، ونحن أيضا في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة، ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا أحد لدينا يدعيها، إلا أننا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه وقال به أحد الأئمة الأربعة أخذنا به وتركنا المذهب كإرث الجد والإخوة، فإنا نقدم الجد بالإرث وإن خالف مذهب الحنابلة ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض ... "٢، فاتضح من كلامه ﵀ أنهم يقسمون الاجتهاد

стр. 147

إلى قسمين: ١ـ اجتهاد مطلق. ٢ـ اجتهاد جزئي. ٣ـ ويقسمون من يقوم به إلى: ١ـ مجتهد مطلق: وهو للمؤهل في أمور الدين، وقادر على إعطاء رأي مستقل، مثل الأئمة الأربعة، ونحوهم. ٢ـ مجتهد مقيد: وهو لمن هو أقل رتبة من أولئك، ولكنه متعمق جدا في المسألة التي يريد الحكم فيها١. ومما سبق يتضح موقف الشيخ وعلماء الدعوة الإصلاحية من الاجتهاد والتقليد، وأن منهجهم في ذلك منهج وسط يوافقون فيه جماهير علماء الإسلام وأئمته.

стр. 148

٨ـ رفض الشيخ لمناهج الجاهلية وفضحه لمسائلها ? يرى الشيخ ﵀ أن لا غنى للمسلم عن معرفة أحوال أهل الجاهلية والحق لا يتبين إلا بمعرفة ضده في أحيان كثيرة، ومع ذلك فالشيخ لا يرتضي مناهج الجاهلية، ويحاربها أشد المحاربة في دعوته الإصلاحية المباركة، والتي هي في الأساس تقف موقف الضد لمناهج الجاهلية الباطلة. والشيخ يرى أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل مستدلا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] . يقول الشيخ ﵀: "القاعدة الرابعة: أن مشركي زماننا أغلظ شركا من الأولين؛ لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا شركهم دائم في الرخاء والشدة قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] ، لذا نرى كثيرا ممن يعبد الأولياء

стр. 149

وأضرحة المشايخ والسادة يخلصون في الشرك بدعائهم والاستغاثة بهم في حال الشدة والرخاء، بل ربما أن بعضهم ليزداد في الشرك كلما اشتد بهم البلاء بخلاف المشركين الأولين فإنهم كانوا يشركون بالله في حال الرخاء والسرور، وفي حال الشدة كانوا يخلصون الدعاء والتضرع إلى الله، كما نطق بذلك القرآن الكريم، ومشركو زماننا شركهم في الرخاء والشدة، يدعون الأولياء ويستغيثون بهم في كل وقت، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل"١. وللشيخ كتاب مطبوع في مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية، وذكر فيه ما يزيد عن المائة من المسائل التي خالف فيها المصطفى ﷺ أهل الجاهلية ومنهاجهم٢. ولقد نهج الشيخ في رد مناهج الجاهلية وكشفه لزيفها ببيانه أن الذي يدخل في الإسلام هو الإيمان بجميع أنواع التوحيد وأهمها: توحيد الألوهية وهو أن يعبد الله وحده لا شريك له ولا يعبد معه غيره لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، والرسول ﷺ بعث وأهل الجاهلية يعبدون مع الله غيره فمنهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو عيسى

стр. 150

ومنهم من يدعو الملائكة وغير ذلك، فنهاهم عن هذا كله، وأخبرهم أن الله أرسله لعبادته سبحانه وحده لا شريك له في جميع أنواع العبادة، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] ، وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] ، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] ، وغيرها كثير من الآيات الدالات على وجوب صرف العبادة لمن يستحقها وهو الله جل شأنه، والبعد عن كل أنواع الشرك بالله تعالى. "دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀" ولما رأى الشيخ ﵀ ما عليه الناس من البعد عن دين الله تعالى، والانحراف في الأخلاق، وشيوع المنكرات، وتفشي الخرافات في المجتمع إذ ذاك، قام بالجهر بدعوته الإصلاحية المباركة، فرفض أمور الجاهلية كلها وفضح مسائلها وكشف أباطيلها، وذلك من خلال دعوة الناس للرجوع إلى ما كان عليه الصدر الأول من هذه الأمة في عهد الرسول ﷺ وصحابته الكرام والتابعين لهم بإحسان، فسعى لتخليص التوحيد وتجريده من شوائب الشرك، وقام بإنكار التوسل الممنوع شرعا بالأولياء والصالحين، والتبرك بالأشجار والأحجار وغير ذلك، وجهر أيضا بمحاربة البدع وسائر الخرافات مدعما ما يقول بآيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول ﷺ وأقوال

стр. 151

وسيرة السلف الصالح، مظهرا كيف كانوا عليه من التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ في جميع أمورهم. ومن مسائل الجاهلية التي ذكرها الشيخ في كتابه: أنهم يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله تعالى وعبادته، وأنهم يعرفون بالفرقة، ويخالفون ولي الأمر، وأن مبنى عبادتهم على تقليد من سبقوهم دون النظر في صحة ذلك من عدمها، ويقتدون بفسقة أهل العلم وجهالهم، وأنهم يحتجون على الحق بقلة أهله، وغرابته، وأنهم يغترون بقوتهم وقدرتهم، وثرواتهم، وأنهم يغلون في الصالحين من العلماء والأولياء، ويحرفون النصوص عن مواضعها، ويجاهرون بكشف العورات، ويتعبدون بتحريم الحلال، ويلحدون في أسماء الله وصفاته، وينسبون النقائص إلى الله تعالى، إلى غير ذلك من المسائل التي ذكرها الشيخ ﵀ في كتابه:"مسائل الجاهلية"، واستند في ذلك كله على نصوص الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح.

стр. 152

٩ـ منهجه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الشعائر الهامة في دين الإسلام؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك لآثاره الجليلة والعظيمة في الحفاظ على المجتمع وصيانته بإقامة شرع الله فيه وتطبيق أحكامه، وما يحصل من خلاله من حرص أفراده بعضهم على بعض بالابتعاد عن المعاصي والمنكرات، والحث على فعل الطاعات والمأمورات. وقد عده الله من الأمور التي تميزت به هذه الأمة الخيرة عن الأمم السابقة بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] . وبين أهميته أيضا النبي ﷺ : " مثل المدهن١في حدود، والواقع فيها مثل قوم استهموا في سفينة فصار بعضهم في أسفلها، وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذين في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها، فتأذوا به، فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفية، فأتوه، فقالوا: مالك؟ قال: تأذيتم بي ولا بد لي من الماء، فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه

стр. 153

وأهلكوا أنفسهم" ١. فشبه الرسول ﷺ في هذا الحديث الاحتساب بأنه هو الذي يمنع من غرق السفينة والتي هي هنا المجتمع، وبهذا يكون الاحتساب ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ هو سفينة النجاة للمجتمع، والذي يحميه بإذن الله تعالى من الشرور والآثام والظلم. يقول الإمام الغزالي ﵀ موضحا أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:"هو القطب الأعظم في الدين وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين٢، ولو طوي بساطه، وأهمل علمه وعمله، لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد"، فبين الإمام الغزالي ﵀ الأهمية الكبرى والمصالح العظمى التي توجد وتتحقق بوجود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع المسلم. ولقد سار الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في الاهتمام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجوبه وفق نصوص

стр. 154

الكتاب والسنة ومنهج الأئمة الأعلام من السلف، فقال في رسالته لأهل القصيم:"وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية"١، وفي هذا التزام منه ﵀ بنصوص الكتاب والسنة والتي توجب القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران١٠٤] ، وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] ، وقوله ﷺ : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ٢. ويرى الشيخ ﵀ بأن هناك عدة شروط ينبغي الاهتمام بها عند القيام بالاحتساب على من ترك معروفا أو فعل منكرا، ومن هذه الشروط: ١ـ العلم والمعرفة قبل الاحتساب، يقول ﵀: "الإنسان لا يجوز له الإنكار إلا بعد المعرفة، فأول درجات الإنكار معرفتك أن هذا مخالف لأمر الله"٣.

стр. 155

٢ـ الرفق وعدم العجلة. ٣ـ الصبر على تبعات الاحتساب، يقول ﵀: " أهل العلم يقولون: الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يحتاج إلى ثلاث: أن يعرف ما يأمر به وينهى عنه، ويكون رفيقا فيما يأمر به وينهى عنه، صابرا على ما جاءه من الأذى"١. ٤ـ أن يكون المنكر ظاهرا بدون تجسس، مع الحرص على التثبت قبل الإنكار. يقول الشيخ في إحدى رسائله ناصحا بعض أتباعه: " وعلى كل حال أنبهكم على مسألتين: الأولى: عدم العجلة، ولا تتكلمون إلا مع التحقق فإن التزوير كثير. الثانية: أن النبي ﷺ كان يعرف المنافقين بأعيانهم ويقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله، فإذا ظهر منهم ما يوجب جهادهم جاهدهم"٢. يقول ابن رجب الحنبلي ﵀: " قوله ﷺ : "من رأى منكم منكرا"،يدل على أن الإنكار متعلق بالرؤية، فلو كان مستورا فلم يره، ولكن علم به، فالمنصوص عن أحمد في أكثر الروايات أنه لا يتعرض

стр. 156

له، ولا يفتش ما استراب به"١. يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: " ومتى لم تتبين لكم المسألة لم يحل لكم الإنكار على ما أفتي أو عمل حتى يتبين لكم خطؤه، بل الواجب السكوت والتوقف، فإذا تحققتم الخطأ بينتموه"٢. ٥ـ أن لا يؤدي إنكار المنكر إلى منكر أكبر منه: يقول الشيخ ﵀: " يذكر العلماء أن إنكار المنكر إذا صار يحصل بسببه افتراق لم يجز إنكاره، فالله الله في العمل بما ذكرت لكم، والتفقه فيه فإنكم إن لم تفعلوا صار في إنكاركم مضرة على الدين"٣. ويقول أيضا: " إن بعض أهل الدين ينكر منكرا وهو مصيب، لكن يخطئ في تغليظ الأمر إلى شيء يوجب الفرقة بين الإخوان"٤. وفي هذا التزام منه ﵀ بالقاعدة الأصولية: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"؛ لأن النهي عن المنكر يكون محرما إذا ترتب عليه منكر أكبر منه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀

стр. 157

فإن الأمر والنهي، وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة، ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورا به، بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته"١. فتبين مما سبق قيام منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق النصوص الشرعية وأقوال السلف الصالح رحمهم الله تعالى٢. والناظر في سيرة الشيخ ﵀ وحياته العلمية يجدها مليئة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاحتساب على ترك المعروف بجميع أنواعه بدءا بأعظمها وهو توحيد الله تعالى وعبادته وحده لا شريك له والإيمان بربوبيته وأسمائه وصفاته العلا، والاحتساب أيضا على فعل المنكرات بجميع أنواعها بدءا بأعظمها وهو الشرك بالله تعالى وجميع مظاهره ووسائله وجميع المعاصي والمنكرات الأخرى. وبهذا نكون قد أنهينا الحديث عن عدد من المسائل العقدية المهمة التي تناولنا فيها موقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فيها لنؤكد ما سبق أن بدأنا به على سلفية دعوته الإصلاحية المباركة، واعتمادها على كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد ﷺ وفق منهج السلف الصالح.

стр. 158

١٠ـ أهداف دعوة الشيخ وأبرز إصلاحاتها قامت دعوة الشيخ ﵀ على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وآثار السلف الصالح رضوان الله عليهم، وقد سعت هذه الدعوة المباركة إلى تحقيق عدد من الأهداف المباركة، أصلحت من خلالها أوضاع الناس الدينية والاجتماعية، وكان من هذه الأهداف والإصلاحات١: ١ـ إيضاح عبودية المخلوق للخالق وتحقيقها، وذلك بعد أن جهل الناس حقيقتها وقصروا في الالتزام بها، بل جاؤوا بما يخالفها قولا وعملا واعتقادا، كما عرفنا ذلك عند الحديث عن حال الجزيرة العربية والعالم الإسلامي قبل قيام الشيخ بالدعو، وعمل ﵀ على تحقيق ذلك من خلال: أـ الدعوة إلى إخلاص العبادة لله تعالى وتخليص التوحيد مما شابه من الشرك٢. ب ـ العمل على إبطال التوسل بالأولياء والصالحين ودعائهم من دون الله، والاستغاثة والاستعانة بهم٣، وإزالة مظاهر ذلك

стр. 159

بهدم القباب التي على القبور والمباني المشيدة عليها وتسويتها، وكذلك إزالة جميع مظاهر الشرك الأخرى من عبادة الأحجار والأشجار والتبرك بها١. جـ ـ الدعوة إلى الكفر بالطواغيت والإعراض عن عبادتهم، وأن كل ما عبد من دون الله وهو راض بذلك فهو طاغوت، وقد بين الشيخ أن الطواغيت كثيرون، وأن رؤوسهم خمسة، وهي: الأول: الشيطان الداعي إلى عبادة غير الله، والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٠] . الثاني: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله تعالى والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] .

стр. 160

الثالث: الذي يحكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] . الرابع: الذي يدعي علم الغيب من دون الله، والدليل قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦ـ٢٧] . الخامس: الذي يعبد من دون الله وهو راض بالعبادة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] ١. دـ نبذ البدع والخرافات وذلك لكونها إحداثا في دين الله تعالى مما لم يشرعه الله تعالى ورسوله ﷺ ، وقد جاء التحذير من البدع والتنفير منها في نصوص متعددة من الكتاب والسنة٢. يقول الشيخ ﵀: " نهانا رسول الله ﷺ عن البدع في دين الله ولو صحت نية فاعلها.."٣.

стр. 161

٢ـ الاهتمام بالمجتمع المسلم من الناحيتين التعليمية والتنظيمية وغيرهما، وقد سلك الشيخ ﵀ لتحقيق ذلك من خلال: أـ العناية بتعليم العامة من حاضرة وبادية، رجالا ونساء، أصول دينهم ودعوتهم إلى ذلك بالحسنى من خلال دروسه وخطبه ورسائله، والاهتمام بالمتعلمين والعناية بهم وتأصيل منهج التعليم عندهم لترسيخ العلم في نفوسهم وزيادة الوعي في أهمية التعليم والدعوة، يقول الشيخ ﵀: " فإنا نبين لكم أن هذا هو الحق الذي لا ريب فيه، وأن الواجب إشاعته في الناس وتعليمه النساء والرجال.."١. ويقول ﵀ مبينا الواجبات التي ينبغي الالتزام بها: " وجوب اتباع سنة رسول الله ﷺ وترك البدع، وإن اشتهرت بين أكثر العوام، وليُعلم أن العوام محتاجون إلى كلام أهل العلم من تحقيق هذه المسائل ونقل كلام العلماء، فرحم الله من نصر الله ورسوله ودينه، ولم تأخذه في الله لومة لائم"٢. ب ـ العمل على جمع شمل المسلمين بعد التفرق، وإطفاء نيران الظلم والفتن بينهم، وإزالة الأحقاد والضغائن المترسبة في

стр. 162

نفوسهم، وتم ذلك بفضل الله ثم بالاتفاق المبارك مع الإمام محمد بن سعود ﵀ الذي جمع الله شمل المسلمين في الجزيرة العربية تحت زعامته، ومن ثم ذريته من بعده. ٣ـ إقامة دين الله تعالى بين عباده بالطرق الموصلة إلى ذلك، وقد سعى الشيخ لتحقيق هذا الهدف من خلال: أـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث تولى الشيخ بنفسه القيام بالاحتساب في جميع مراحل دعوته وفي ذلك يقول ﵀: " وأنا صاحب منصب في قريتي، مسموع الكلمة ... وألزمت من تحت يدي بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وغير ذلك من فرائض الله ونهيهم عن الربا، وشرب المسكرات ... "١، وحينما استتب الأمر في الدرعية نظم الاحتساب فأصبح له رجاله المعينون له، بالإضافة إلى المحتسبين المتطوعين من أفراد المجتمع. ب ـ الحكم بما أنزل الله تعالى وتطبيق الحدود الشرعية، فقد بذل الشيخ جهده في إقامة حكم إسلامي يلتزم بالشرع المطهر في كل مجالات الحياة، سواء حينما كان الشيخ في العيينة قبل خذلان ابن معمر له، أو بعد استقراره في الدرعية التي أصبحت عاصمة الدولة الإسلامية فيما بعد.

стр. 163

وقد برز تطبيق الحدود الشرعية في العيينة حينما نفذ حد الرجم على المرأة المحصنة المقرة به١، ثم في الدرعية بصورة دائمة وجميع بلاد الدولة السعودية بعد ذلك. جـ ـ رفع راية الجهاد في سبيل نشر دين الله وإزالة الشرك والبدع أولا باللسان والحجة والبرهان، ثم بمقاتلة الخصوم المعتدين الذين سيروا جيوشهم لمحاربة الدعوة في الدرعية بعد ذلك، والوقوف ضد الدعوة وإقامة العقبات في طريقها٢. *****

стр. 164

١١ـ مراحل دعوة الشيخ ? يستطيع المتأمل في حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى أن يحدد المراحل التي مرت بها دعوته إلى توحيد الله تعالى وإظهار دينه على النحو الآتي: المرحلة الأولى: الدعوة أثناء طلبه للعلم. المرحلة الثانية: الدعوة في حريملاء. المرحلة الثالثة: الدعوة في الدرعية. المرحلة الرابعة: الدعوة في الدرعية. وهذه المراحل تستوعب حياة الشيخ كلها الحافلة بالعطاء والخير. ولكل واحدة منها مظاهر وأساليب دعوية بارزة عبر كتب المؤرخين والباحثين في دعوة الشيخ، وفيما يلي نتحدث عن كل مرحلة على حدة: المرحلة الأولى: مرحلة قيامه بالدعوة أثناء طلبه للعلم: لقد استشعر الشيخ رحمه الله تعالى أهمية الدعوة وضرورتها في حياة الناس، ولاسيما في وقته الذي انتشرت فيها كثير من المخالفات

стр. 165

في جميع المجالات، فعمل الشيخ منذ وقت مبكر وهو يطلب العلم على تنبيه الناس وتحذيرهم من الممارسات الخاطئة في مجالات الاعتقاد والعبادة والسلوك والأخلاق. ونستطيع تحديد هذه الفترة ابتداء من سفره لطلب العلم في مكة والمدينة مرورا بالعيينة والبصرة والأحساء وانتهاء بوصوله إلى حريملاء. وهذه المرحلة مرتبطة برحلاته العلمية وأبرز مظاهرها ما يلي: ١ـ إدراك الشيخ لحال الأمة السيئ ولاسيما في بلده وانزعاجه من هذا الواقع وتذمره منه وانشغال فكره بمحاولة إصلاحه. ٢ـ التحاور مع مشايخه، وبخاصة في المدينة حول الشركيات والبدع القائمة وطرق إصلاحها. ٣ـ تنبيهه لبعض المسلمين تجاه ما يحصل منهم من أمور مخالفة للدين. ٤ـ إنكاره للأمور الشائعة المخالفة للدين وبخاصة ما له صلة بالعقيدة، ولا سيما ما هو قائم عند قبر النبي ﷺ . ٥ـ إنكاره على الرافضة وغيرهم من الفرق بما كانوا يعملونه من ضلالات في البصرة. ٦ـ رده على الشبهات التي كان يثيرها خصومه وبخاصة الرافضة في البصرة. وكان الأسلوب الذي سلكه الشيخ في هذه المرحلة هو أسلوب

стр. 166

وقبل الحديث عن جهود هذين الصنفين ودورهما في نصرة الدعوة الإصلاحية ونشرها، نبين هذين الصنفين عموما. فلا شك أن لهذين الصنفين أثرا عظيما في ترسيخ مفهوم الأفكار والدعوات والعقائد في نفوس الناس أيا كان نوع هذه الأفكار ولدعوات. ونضرب لذلك مثلا في فتنة خلق القرآن، التي قال بها المعتزلة والجهمية، فهذه الدعوة الباطلة انتشرت في ذلك الزمان؛ لأنها وجدت مناصرة وتأييدا من بعض الحكام وممن ينتسب لأهل العلم، فقد ناصرها في البداية الخليفة العباسي المأمون في آخر سنة من حياته، ثم استمرت الفتنة في عهد الخليفة المعتصم، وهكذا في عهد الخليفة الواثق، ووفق الله تعالى أهل السنة والجماعة بوقفة الإمام أحمد بن حنبل ﵀ ضد القائلين بها رغم ما تعرض له من الأذى والضرب والسجن، كل ذلك في سبيل نصرة وتأييد العقيدة الصحيحة١. وهذا كله مما يؤكد على أهمية هذه المكانة التي يضطلع بها هذان الصنفان، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وأولو الأمر أصحاب الأمر وذووه؛ وهم الذين يأمرون الناس وينهون، وذلك

стр. 167

وقد حظي الشيخ بتأييد بعض المحبين ومناصرتهم، ولكن المعارضين كانوا أقوى شوكة، فطلبوا من والد الشيخ أن يأمر ابنه بالكف عن دعوته فانصرف الشيخ بسبب ذلك إلى أعمال دعوية أخرى مثل: ٤ـ تدريس بعض العلوم الشرعية والجلوس للطلبة في حلقات منتظمة. ٥ـ تأليف كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد١. وبعد وفاة والد الشيخ أصبح ابنه محمد أكبر شخصية علمية في حريملاء، واتجهت الأنظار إليه لما كان يتمتع به من علم وورع ودعو؛ ولذلك عاد مرة أخرى للقيام بالدعوة بعد وفاة والده عام١١٥٣هـ، فكثر أنصاره ومؤيدوه واشتهر أمره وذاع صيته خارج بلدة حريملاء، وبدأ بعض الأفراد يفدون إليه من البلاد المجاورة ليستمعوا ما يقوله، ولقيت دعوته قبولا لدى بعض أمراء البلدان الأخرى، ومنهم أمير العيينة عثمان بن معمر. إلا أن البيئة ـ في حريملاء ـ لم تكن تتناسب لانطلاقة الدعوة على الوجه الذي كان الشيخ يتوخاه، وذلك بسبب رفض بعض الناس

стр. 168

الاستجابة للدعوة، ومحاولتهم إيقاع الأذى بالشيخ، دون أن يكون هناك سلطة سياسية قوية تساند الشيخ، إضافة إلى أن هناك بيئة جديدة مهيأة بصورة أفضل لقبول الدعوة ألا وهي بيئة العيينة، التي تأثر أميرها بالدعوة، وهي كذلك مسقط رأس الشيخ ومكان نشأته الأولى، فقرر الشيخ الانتقال إليها منهيا المرحلة الثانية من مراحل دعوته١. المرحلة الثالثة: مرحلة قيامه بالدعوة في العيينة. وصل الشيخ إلى العيينة سنة١١٥٤هـ تقريبا٢، ومنذ وصوله رحب به أميرها عثمان بن معمر، الذي تأثر بالدعوة كما أشرنا، وأكرمه ووعده بالنصر، وأمر أتباعه بالتعاون مع الشيخ وتنفيذ ما يأمر به بعد أن عرف الأمير حقيقة الدعوة وما يترتب عليها من مصالح خيرة في الدين والدنيا، ثم تزوج الشيخ عمة الأمير عثمان وهي الجوهرة بنت عبد الله بن معمر التي كانت لها مكانة رفيعة في المجتمع وازدادت أواصر التقارب بين الشيخ والأمير فأصبحت فرص النجاح كبيرة لدعوة الشيخ، وأهم مظاهر هذه المرحلة ما يلي: ١ـ ازدياد عدد المنظمين إلى الدعوة من أهل العيينة وما حولها. ٢ـ إقامة الدروس العلمية التي يحضرها عدد كبير من الطلبة.

стр. 169

٣ـ قطع الأشجار التي كان يتوسل بها الجهال، ومن أشهرها شجرة الذيب. ٤ـ هدم القباب التي أقيمت على القبور، وبخاصة ما أقيم على قبر زيد بن الخطاب ﵁. ٥ـ القيام بالاحتساب ومعاقبة المقصرين في أداء الواجبات، ولا سيما عدم أداء الصلاة جماعة في المساجد. ٦ـ تطبيق بعض الحدود الشرعية، وأعظم حدث في ذلك هو رجم المرأة التي اعترفت بالزنا وتوفرت فيها شروط الرجم. ٧ـ إرسال الدعاة إلى البلدان النجدية القريبة من العيينة لنشر الدعوة وبيان حقيقتها. ٨ـ مراسلة العلماء والزعماء خارج العيينة لإقناعهم بالدعوة وإزالة الشبه والضلالات عنها. ٩ـ تأثر بالدعوة خلال هذه المرحلة عدد من وجهاء البلاد المجاورة ومن أبرزهم: مشاري وثنيان ابنا سعود أخوي الأمير محمد بن سعود أمير الدرعية، وكذلك الأمير الشاب عبد العزيز بن الأمير محمد بن سعود الذي أصبح فيما بعد أحد علماء الدعوة والحاكم الثاني في الدولة السعودية الأولى. واشتهر أمر الدعوة في هذه المرحلة اشتهار كبيرا، فلم يرق ذلك

стр. 170

الأمر لأعداء الدعوة من المنتسبين إلى العلم وغيرهم، فبدأوا يروجون الأباطيل ويخترعون الأكاذيب ضد الدعوة وصاحبها، وانطلقوا يؤلبون العامة والخاصة عليها ويضغطون على حاكم العيينة للتخلي عن مناصرة الشيخ وتأييده. وقد أقنع أعداء الدعوة حاكم الأحساء سليمان آل محمد زعيم بني خالد الذي كان له نفوذ قوي على ابن معمر بأن يضغط عليه ليتخلص من الشيخ ويكف عن مناصرته. فقبل زعيم الأحساء ذلك وطلب من عثمان بن معمر التخلي عن مناصرة الشيخ وتأييده، وهدده أنه إذا لم يفعل فإنه سيقطع عنه جميع ما يرد إليه من الأحساء سنويا من الأرزاق وغيرها. وبالفعل تخاذل ابن معمر عن مناصرته للشيخ وتأييده وطلب منه أن يبحث له عن مكان آخر، ويرحل عن بلده١. ولقد حاول الشيخ إقناع ابن معمر للعدول عن هذه الفكرة التي طرأت عليه قائلا:" إن الأمر الذي قمت به ودعوت إليه ما هو إلا الدعوة إلى كلمة التوحيد لا إله إلا الله وإلى أركان الإسلام وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أنت تمسكت به ونصرته نصرك الله على أعدائك، ولا يزعجك سليمان ولا تهتم لتهديداته، وإنني أرجو

стр. 171

الله أن يمنحك من التمكين والقوة ما ستملك بها بلاده وما وراءها وما دونها"١، ولكن ابن معمر كان قد اقتنع بفكرته فلم تؤثر فيه هذه النصائح والإرشادات، واختار العاجل على الآجل لحكمة من الله أن يجعل نصرة الدين والتمكين في أرض الجزيرة العربية لغيره، وهم آل سعود، ولما أصر ابن معمر على رأيه انتقل الشيخ إلى الدرعية. المرحلة الرابعة: قيامه بالدعوة في الدرعية: وبدأت هذه المرحلة منذ وصول الشيخ إلى الدرعية بعد خروجه من العيينة ولقائه بالأمير محمد بن سعود، وهذه هي المرحلة الحاسمة في حياة الشيخ وهي الأبرز والأهم بين المراحل الأخرى، ففيها توسعت الدعوة وانتشرت وقامت لها دولة هي الدولة السعودية الأولى. وقد استخدم الشيخ في هذه المرحلة بمناصرة وتأييد الإمام محمد بن سعود وأبنائه من بعده ﵏ جيمع الأساليب والوسائل الدعوية المتاحة بدءا من أسلوب الموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وانتهاء برفع راية الجهاد وصد مكائد خصوم الدعوة بالسيف وإزالة العقبات من طريق الدعوة وجمع المسلمين على إمام واحد في الجزيرة العربية.

стр. 172

الفصل الرابع: مناصروا الدعوة الإصلاحية التمهيد ... الفصل الرابع: مناصرو الدعوة الإصلاحية أولا: التمهيد: ١ـ أهمية دور الحكام والعلماء في نصرة الدعوات وتأييدها: يتناول هذا الفصل جانبا مهما من جوانب التعريف بالدعوة الإصلاحية، وذلك يتمثل في معرفة جهود عدد من الأعلام الذين أيدوا وناصروا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بكل ما يملكون وكل حسب تخصصه وقدرته، وكان لتأييدهم هذا أثر عظيم بإذن الله تعالى في قيامها ومن ثم المحافظة على استمرارها وتواصلها. وهؤلاء المناصرون الذين سنأتي للتعريف بجهودهم في نصرة الدعوة صنفان: الصنف الأول: الحكام من آل السعود، الذين ساهموا في نصرتها ونشرها عن طريق قوتهم وحكمهم. الصنف الثاني: عدد من علماء هذه الدعوة المباركة، الذين ساهموا في نشرها وتثبيتها في نفوس الناس عن طريق دروسهم ومؤلفاتهم.

стр. 173

وقبل الحديث عن جهود هذين الصنفين ودورهما في نصرة الدعوة الإصلاحية ونشرها، نبين هذين الصنفين عموما. فلا شك أن لهذين الصنفين أثرا عظيما في ترسيخ مفهوم الأفكار والدعوات والعقائد في نفوس الناس أيا كان نوع هذه الأفكار ولدعوات. ونضرب لذلك مثلا في فتنة خلق القرآن، التي قال بها المعتزلة والجهمية، فهذه الدعوة الباطلة انتشرت في ذلك الزمان؛ لأنها وجدت مناصرة وتأييدا من بعض الحكام وممن ينتسب لأهل العلم، فقد ناصرها في البداية الخليفة العباسي المأمون في آخر سنة من حياته، ثم استمرت الفتنة في عهد الخليفة المعتصم، وهكذا في عهد الخليفة الواثق، ووفق الله تعالى أهل السنة والجماعة بوقفة الإمام أحمد بن حنبل ﵀ ضد القائلين بها رغم ما تعرض له من الأذى والضرب والسجن، كل ذلك في سبيل نصرة وتأييد العقيدة الصحيحة١. وهذا كله مما يؤكد على أهمية هذه المكانة التي يضطلع بها هذان الصنفان، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وأولو الأمر أصحاب الأمر وذووه؛ وهم الذين يأمرون الناس وينهون، وذلك

стр. 174

يشترك فيه أهل اليد والقدرة، وأهل العلم والكلام، فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء والأمراء، فإذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس، كما قال أبو بكر الصديق ﵁ لما سئل: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح؟ قال: ما استقامت لكم أئمتكم"١. فإذا استقام الأئمة، وهم: العلماء والأمراء والحكام، دل ذلك ولا شك على صلاح الأمة وتمسكها بأمور دينها، وعند ذلك تتحقق لها العزة والفلاح. وقال ﵀ أيضا: "الدين الحق لابد فيه من الكتاب الهادي والسيف الناصر، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ﴾ [الحديد: ٢٥] ، فالكتاب يبين ما أمر الله به وما نهى عنه، والسيف ينصر ذلك ويؤيده"٢. يقول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: " معلوم أن الداعي إلى الله إذا لم يكن لديه قوة تنصر الحق وتنفذه، فسرعان ما تخبو دعوته وتنطفي شهرته، ثم يقل أنصاره، ومعلوم ما للسلاح والقوة من

стр. 175

الأثر العظيم في نشر الدعوة، وقمع المعارضين ونصر الحق.."١. ويقول أيضا: " أن بعض الدعاة لم يقدّر لدعواتهم النجاح لأسباب كثيرة، منها: عدم تيسر الناصر المساعد لهم"٢. ولقد كانت دولة آل سعود في أدوارها الثلاثة٣هي الناصر

стр. 176

والمؤيد الأول ـ بعد تأييد الله تعالى وتوفيقه ونصره ـ لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، فالدولة السعودية الأولى هي التي أعانتها على القيام والمناصرة، ثم واصلت الدولتان السعوديتان الثانية والثالثة تلك الرعاية والإعانة والتأييد والنصرة لهذه الدعوة المباركة. وأيضا كان من مناصري الدعوة الإصلاحية ومؤيديها عدد كبير من العلماء والدعاة، الذين ساهموا في نصرتها عن طريق مؤلفاتهم ورسائلهم ودروسهم، وجهادهم الطويل في الدفاع والذب عنها بكل الوسائل والأساليب المشروعة، لإيمانهم بأنها دعوة سلفية تقوم على الكتاب والسنة وفق مذهب أهل السنة والجماعة ولا تحيد عنه. حرص الشيخ على وجود المناصر له للقيام بالدعوة: كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ حريصا كل الحرص على وجود من يساند دعوته من الحكام؛ لكونه يستشعر أهمية دور الحاكم في حماية الدعوة وخصوصا في بداياتها من الأعداء والخصوم، وليساهم أيضا في تطبيق ما تدعو إليه وتأمر به، ويلزم من تحت حكمه بعدم المخالفة. وقد استند الشيخ في حرصه هذا على سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم

стр. 177

حينما كان يعرض نفسه في مكة على القبائل١قائلا: " ألا من رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي" ٢، وأيضا اشتراطه ﷺ للنصرة والمنعة على الأنصار حين اتفق معهم ﷺ على الهجرة إلى المدينة بقوله ﷺ : " وعلى أن تنصروني، فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة" ٣. فيستفاد من موقفه هذا ﵊ أهمية وجود الحماية والنصرة للداعية ليقوم بالبلاغ وهو مطمئن على نفسه وأتباعه من أعداء الحق٤. ولهذا كله حرص الشيخ ﵀ على الاتصال بالحاكم المناصر والمؤيد للدعوة فبدأ ذلك باتصاله بابن معمر أمير العيينة، ولكن هذا الأمير لم يستطع إكمال تلك المناصرة نتيجة لخوفه من سليمان آل محمد حاكم الأحساء فقام بإخراج الشيخ، الذي اتجه بعد ذلك إلى الدرعية، كما سبق أن عرفنا في مراحل دعوة الشيخ.

стр. 178

٢ـ اللقاء التاريخي والبيعة المباركة: بعد قدوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ إلى الدرعية قادما من العيينة نزل ضيفا عند آل سويلم من أهالي الدرعية، ثم أتى إليه أمير الدرعية محمد بن سعود برفقته أخوه مشاري وثنيان، ورحب به الأمير غاية الترحيب والتبجيل. فأخبره الشيخ بما كان عليه النبي ﷺ وما دعا إليه وما كان عليه صحابته ﵃، وما أعزهم الله به من الجهاد في سبيل الله وأغناهم به وجعلهم إخوانا، ثم أخبره بما عليه أهل نجد في زمنه من مخالفتهم لشرع الله تعالى وسنة رسوله ﷺ بالشرك بالله تعالى والبدع والاختلاف والظلم. فلما تحقق الأمير من معرفة حقيقة دعوة الشيخ وهدفه وما في ذلك من المصالح الدينية والدنيوية، قال له: يا شيخ إن هذا دين الله ورسوله الذي لا شك فيه، فأبشر بالنصرة لك ولما أمرت به، والجهاد لمن خالف التوحيد. ثم اشترط الإمام محمد بن سعود على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ مقابل تأييده والقوف مع دعوته شرطين: ١ـ أن لا يغادر الدرعية مستقبلا، وقال له: نحن إذا قمنا بنصرتك والجهاد في سبيل الله وفتح الله لنا ولك البلدان، أخاف أن ترتحل عنا وتستبدل بنا غيرنا. ٢ـ وأن لا يعارضه فيما يأخذه من ضرائب سنوية على سكان

стр. 179

الدرعية في وقت الثمار، وقال له: إن لي على أهل الدرعية قانونا آخذه منهم وقت الثمار، وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئا. وبعد ذلك قال الشيخ: أما الأولى فأبسط يدك الدم بالدم والهدم بالهدم، وأما الثانية فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو خير منها، وأرجو أن تكون إماما يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك"١.٢. وبهذا فقد اتفق الإمامان ـ رحمهما الله ـ على القيام بالدعوة ونشرها بكل ما يستطيعان من الوسائل، وكان ذلك الاتفاق سنة ١١٥٧هـ (١٧٤٤م) ، وعلى هذا الأساس قامت نواة دولة جديدة في المنطقة هي الدولة السعودية الأولى.

стр. 180

يقول الشيخ د. عبد الله التركي: " إن أصدق ما يقال في ظهور الدعوة وفي نشأة الدولة: أنهما وجهان لعملة واحدة، يستوي النظر إلى أي من الوجهين أولا؛ لأن تاريخ الدولة أو منهج الدعوة، لا يكتمل إلا بالنظر إلى الوجهين معا"١. فوائد هذه الاتفاقية المباركة: استطاعت هذه الاتفاقية المباركة بفضل الله تعالى من تحقيق عدد من الفوائد، من أبرزها: ١ـ دورها الكبير في نشر الدين الإسلامي الصحيح الخالي من الشوائب والبدع والخرافات في العقائد والعبادات والآداب والأحكام. ٢ـ إحياء منهج أهل السنة والجماعة، والاقتداء بالسلف الصالح رحمهم الله تعالى. ٣ـ ظهور نواة دولة سياسية مستقلة في نجد وبعد بذلك في الجزيرة العربية قائمة على أساس ديني. ٤ـ تطبيق أحكام دين الإسلام وحدوده وشرائعه وشعائره، من أداء للصلوات في المساجد والالتزام بها والأمر بالمعروف والنهي عن
следующие страницы →