← Общие книги

Общие книги · id 7615

الدعوة الإصلاحية في بلاد نجد على يد الإمام محمد بن عبد الوهاب وأعلامها من بعده

عبد الله المطوع

Полный текст (287 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ذلك الزمان، وصيرورة الحظوظ الدنيوية والشهوات النفسية غايتهم ومقصدهم وسرهم في الخلق والإيجاد. ثم يقول ابن غنام ﵀: وهذا في الغالب الأكثر، وليس عليه جميع المسلمين، حيث إن تعالى لا يجمع الأمة على ضلالة، ولا يعمها بالسفاهة والجهالة؛ كما ثبت ذلك في صحيح الأخبار عن النبي ﷺ ، وكما أخبر أيضا أن في أمته أناسا لا يزالون بهديه يستمسكون إلي قيام الساعة، كما أن أكثرهم في أزمنة الغربة مخطئون، وعن هدي الرسول ﷺ ومناهجه منحرفون ... وهذا مما زينه الشيطان واقتضته الطباع الناقصة والنفوس البشرية، حتى إن ذلك يوجد من بعض العلماء المنتسبين إلى أحد المذاهب المتعصبين؛ فلا يقبلون من الدين رأيا ولا رواية إلا ما كان لأصحابهم به عمل أو دراية، فيرفض السنة النبوية واتباعها، ولو عرف أن الحق ليس مع مذهبه، وقد يحمله التعصب على الطعن في الأئمة وثلبهم، وكذلك من المتعبدة والمتصوفة من يرى طريقة العلم سفاهة وضلالا، ويدعي أن العلماء لم يضربوا من صافي الشريعة ومعينها؛ كبرت فرية وكذبة من هؤلاء المتصوفة، أ. هـ. هذه صورة مجملة من الشيخ ابن غنمام ﵀ لحال الجزيرة العربية قبيل الدعوة الإصلاحية، وهي صورة تحمل في طياتها الكثير من مظاهر البعد عن شرع الله تعالى والتخلف الديني والاجتماعي في

стр. 72

أوضح صوره، وبهذه الصور الدينية والاجتماعية البالغة السوء يتضح لنا أهمية قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بدعوته الإصلاحية المباركة. هذا ما يتعلق بأمر العقيدة وهو انتشار الشرك الذي اعتبرناه المظهر الأول من مظاهر الحالة الدينية السيئة في العالم الإسلامي والمظاهر الأخرى هي المظاهر الموجودة نفسها في الجزيرة العربية. على أنه يمكن استثناء منطقة نجد من المظهر الثالث وهو غلبة الصوفية وانتشارها، فإن الصوفية في الحقيقة لم تكن شائعة في نجد بمثل ما هي عليه في بلدان العالم الإسلامي الأخرى. وتميزت منطقة نجد بسيادة المذهب الحنبلي على أهلها وعلمائها؛ لكونه أقرب المذاهب الفقهية الأربعة التي تهتم بصفاء العقيدة والأخذ بظاهر النص١. *****

стр. 73

الفصل الثاني: التعريف بالشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ١ـ نسبه وأسرته: ينتمي الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى أسرة تدعى آل مشرّف وهي فرع من آل وهبة أحد بطون قبيلة تميم. ونسبه هو: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرّف الوهبي التميمي١. ويقال: التميمي، نسبة لقبيلة تميم الشهيرة، وهي القبيلة التي أثنى عليها رسول الله ﷺ ، كما في الحديث الذي يرويه أبو هريرة ﵁ بقوله: لا أزال أحب بني تميم منذ ثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ يقول فيهم؛ سمعته يقول: "هم أشد أمتي على الدجال"، وجاءت صدقاتهم، فقال النبي ﷺ : "هذه صدقات قومنا"، وكانت سبية منهم عند عائشة ﵂، فقال رسول الله ﷺ : " أعتقها فإنها من ولد إسماعيل" ٢.

стр. 74

أسرته: كان آل مشرّف يسكنون بلدة أشيقر التي كانت مركزا علميا في نجد خلال القرنين العاشر والحادي عشر من الهجرة، ومن هناك انتقل بعضهم إلى بلدان نجد أخرى. وقد برز من هذه الأسرة عدد من العلماء، منهم: القاضي عبد القادر بن بريد المشرفي، وكان جد الشيخ محمد، وهو الشيخ سليمان بن علي قاضيا في روضة سدير، ثم انتقل منها إلى العيينة وأصبح قاضيا فيها، ويعد مرجع علماء نجد في كثير من مسائل الخلاف الفقهية في زمانه، وله بعض المؤلفات، مثل: كتاب المناسك، وله رسائل عديدة في عدد من المسائل الفقهية، وقد توفي الشيخ سليمان عام١٠٧٩هـ في العيينة. أما والد الشيخ محمد فهو الشيخ عبد الوهاب بن سليمان وقد تولى القضاء في العيينة بعد وفاة والده، ويعد أحد علماء المذهب الحنبلي في وقته في نجد، ولكنه لم تكن له المكانة العلمية التي كان يتمتع بها والده، ومن العلماء المعدودين من أسرته أيضا: عمه الشيخ إبراهيم بن سليمان ﵀. وأما والدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فهي تنتسب لأسرة آل عزاز الذين هم من آل مشرّف من بني تميم، وقد كان خاله الشيخ سيف بن محمد بن عزاز من علماء نجد في زمانه، وقد ولي قضاء

стр. 75

أشيقر وله علم في الفقه، وأجاد في الإفتاء والتدريس وتوفي ﵀ في أشيقر سنة ١١٢٩هـ. فاتضح لنا فيما سبق المكانة العلمية والاجتماعية البارزة لأسرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وخصوصا في تلك الأزمنة التي كانت تشتكي من قلة العلماء وضعف الحركة العلمية في نجد.

стр. 76

مولد الشيخ ونشأته: ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في العيينة سنة١١١٥هـ. وكان منذ نعومة أظفاره بارزا في الذكاء وقوة الحفظ ويدل على ذلك حفظه للقرآن الكريم ولم يبلغ العاشرة من العمر، وقد درس في صغره بعض كتب الفقه الحنبلي على يد والده وعمه إبراهيم بن سليمان، وقدمه والده للإمامة مع صغر سنه لما يرى فيه من الكفاءة والقدرة، وبعد ذلك تزوج وهو صغير السن، ثم أدى فريضة الحج وأقام شهرين في المدينة النبوية شاهد خلالهما حلقات العلم ودروسه التي يشهدها الحرمان الشريفان، ثم عاد إلى العيينة وواصل طلب العلم على يد والده وعمه.

стр. 77

٣ـ صفاته: كان الشيخ ﵀ حاد الفهم، سريع الخاطر، وقاد الذهن، ألمعي الفطنة، تميز بقوة الإقناع، وفصاحة اللسان، وقوة الحجة، والقدرة العجيبة على استيعاب الأمور وحل المعضلات.

стр. 78

تعد هذه أبرز صفات هذا الإمام التي وهبه الله إياها فساعدته كثيرا ليقوم بدعوته الإصلاحية المباركة.

стр. 79

٤ـ رحلاته العلمية وشيوخه: حرص الشيخ ﵀ على التزود من العلم بالشرع وأحكامه في مختلف العلوم. ورغبته ﵀ بالخروج عن بلده لطلب العلم لا تعني أن بلده كانت خالية من العلم أو صفر اليدين منهم ـ وقد ذكرنا نماذج منهم عند الحديث عن أسرته ـ؛ بل هو يرحل لمزيد من الاستفادة، ولما لكثرة الشيوخ من توثيق وتنويع في تلقي العلوم، وقد قيل للإمام أحمد بن حنبل: رجل يطلب العلم يلزم رجلا عنده علم كثير، أو يرحل؟ قال يرحل يكتب عن علماء الأمصار، فيشافه الناس ويتعلم منهم١. ولذلك آثر ﵀ الخروج من نجد إلى عدد من البلدان والتي كانت فيها الحركة العلمية نشطة مقارنة بمنطقة نجد، والتي كان التعليم فيها مقتصرا على تعليم القرآن الكريم ومبادئ بعض العلوم وخصوصا الفقه الحنبلي؛ لأن العلماء كانوا يعدون القلة القليلة من التلاميذ الذين ينصرفون لطلب العلم لتولي القضاء. وعزوف الكثير من الناس عن طلب العلم في نجد كان بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي كانت الأسر تعاني منها؛ فلذلك كانت تلك الأسر لا تحرص على توجيه أبنائها لطلبه، بقدر حرصها على توجيههم لكسب العيش وطلب الرزق.

стр. 80

ولما بلغ الشيخ ما يقارب العشرين عاما١من عمره غادر بلدة العيينة متجها إلى مكة المكرمة لأداء الحج وزيارة المدينة النبوية مرة أخرى، ولطلب العلم على يد علمائها، ولعل رحلته الأولى تركت في نفسه شوقا للمدينتين المقدستين لما تتمتعان به من كثرة العلماء المحققين، وكثرة الطلبة واتساع حلقات العلم التي لم يعهدها في بلده، وأكثر ﵀ من حضور مجالس العلماء في المدينة، وكان بقاؤه فيها ودراسته على علمائها أكثر من بقائه في مكة المكرمة٢. فمن أبرز شيوخه في الحرم المكي الشريف: الشيخ عبد الله بن سالم بن عيسى البصري الشافعي (١١٣٤هـ) ، ويعد هذا الشيخ من أئمة الحديث المعدودين في عصره٣. ومن شيوخه في الحرم المدني: الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف ﵀، (ت١١٤٠هـ) وهو

стр. 81

في الأصل من أهالي المجمعة في نجد، وقد استفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب الشيخ ابن سيف كثيرا، وخصوصا في علم الحديث، وأجازه في رواية بعض الأحاديث بسندها إلى النبي ﷺ ، مثل: قول ﷺ : " الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" ١، وقوله ﷺ : " إذا أراد الله بعبده خيرا استعمله" فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: " يوفقه لعمل صالح قبل الموت" ٢. وقد استفاد منه أيضا بأن قرأ عليه عددا كبيرا من الكتب في مختلف العلوم وخصوصا في علم الحديث والفقه والسيرة، وحصلت بينه وبين الشيخ مودة شديدة ومحبة صادقة، ولذلك يقول الشيخ محمد عنه: " كنت عنده يوما فقال لي: تريد أن أريك سلاحا أعددته للمجمعة؟ قلت: نعم، فأدخلني منزلا عنده فيه " كتب كثيرة"، وقال هذا الذي أعددنا لها"٣، وتوافق معه أيضا في كثير من القضايا وخصوصا الانحراف المنتشر في العقيدة بين الناس.

стр. 82

ومن شيوخه أيضا في المدينة النبوية: الشيخ محمد حياة بن إبراهيم السندي الحنبلي ﵀، المولود في إقليم السند، (ت١١٦٥هـ) ، وله عدد كبير من المؤلفات العلمية، مثل: كتاب تحفة الأنام بحديث النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وكتاب تحفة المحبين في شرح الأربعين، وكتاب الإيقاف على سبب الاختلاف وغيرها. وكان الشيخ محمد حياة من المعروفين بنبذهم للبدع والشركيات ومحاربتها، وكذلك نبذ التعصب المذهبي١، وكان أحد الأئمة البارزين في عصره في علم الحديث. وقد تعرف عليه الشيخ محمد عن طريق شيخه ابن سيف الذي أثنى عليه عنده كما بين مقامه وقدره وقدر أهله في بلاده نجد٢. وقد استفاد الشيخ محمد من هذا العالم في عدد من العلوم أبرزها: علم الحديث، واستفاد منه أيضا في منهجه الإصلاحي فيما بعد، ومحاربة البدع والشركياتن وأحب الشيخ تلميذه والتلميذ شيخه وأعجب كل منهما بالآخر، ولذلك يذكر أن الشيخ محمد وقف يوما عند الحجرة النبوية وحولها أناس يستغيثون بالنبي ﷺ فرآه الشيخ محمد حياة فأتى إليه، وقال له: ما تقول في هؤلاء؟ فأجاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الفور بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ

стр. 83

مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٩] ١. وبعد ذلك عاد الشيخ ﵀ إلى العيينة وانكب على التعلم والقراءة في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، مع تعمقه في معرفة مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وقراءة مؤلفاته٢. وبعد فترة من الزمن غادر الشيخ محمد نجدا للاستزادة من العلم وطلبه فتوجه إلى البصرة قاصدا الشام، فمكث في البصرة وطلب العلم فيها على يد عدد من علمائها، وكان من أشهرهم الشيخ محمد المجموعي، ودرس على يديه بعض العلوم مثل: الفقه والحديث والنحو، ونتيجة لوجوه بعض الانحرافات الشرعية والعقدية في البصرة فقد قام الشيخ محمد بالإنكار والاحتساب على أولئك المخالفين، وقد استحسن شيخه المجموعي قوله وإنكاره٣، وصارت بينه وبين بعض أهل البصرة خصومات بسبب منهجه المخالف لما هم عليه من الضلال والابتداع، وبسبب تلك المخالفة قام معارضوه وهم كثر بطرده وإبعاده عن بلدتهم، وتوجه بعد ذلك من البصرة إلى الأحساء، ولم يذهب إلى الشام لقلة الزاد، وقيل لسرقة نفقته٤.

стр. 84

وفي الأحساء التقى ببعض علمائها كالشيخ عبد الله بن فيروز (ت١١٧٥هـ) ، الذي تربطه بالشيخ محمد صلة قرابة لكونه ابن عمته، وسُر الشيخ محمد بالالتقاء بابن فيروز؛ لأنه وجد عنده عددا كبيرا من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله. ومن مشايخه في الأحساء أيضا: الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الأحسائي، والشيخ محمد بن عفالق١. وبعد ذلك عاد الشيخ إلى حريملاء منهيا رحلاته العلمية، ولم يذهب إلى العيينة ـ التي انطلق منها ـ بسبب انتقال والده منها إلى حريملاء بعد أن عزله ابن معمر من قضاء العيينة، ومن المرجح أن الشيخ محمد ﵀ أنهى رحلاته العلمية عام١١٤٠هـ أو ما بعده تقريبا٢. وبهذا يتضح اقتصار رحلات الشيخ ﵀ العلمية على: الحجاز، والعراق، والأحساء فقط٣.

стр. 85

وبعد عودة الشيخ محمد استمر في طلب العلم على يد والده، وقام بالدعوة إلى التوحيد، والنهي عن الشرك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكانت له بعض الدروس العلمية، لكنه تعرض للمضايقات والأذى على يد السفهاء في حريملاء، مما جعل والده يخاف عليه ويطلب منه الكف عن ذلك، فاتجه الشيخ إلى مجال آخر هو البحث والتأليف، فكتب كتابه القيم المتميز: كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وبقي الشيخ على تلك الحالة حتى وفاة والده عام ١١٥٣هـ١. بعد ذلك قام الشيخ بإعلان الدعوة إلى التوحيد وتصحيح العقائد والالتزام بعقيدة السلف الصالح مرة أخرى، فتعرض له السفهاء بالأذى حتى حالوا قتله، فقرر العودة إلى مسقط رأسه العيينة في حوالي سنة ١١٥٤هـ، بطلب من أميرها عثمان ابن معمر الذي وعد الشيخ بالنصرة والتأييد، ثم لما خذله ابن معمر نتيجة استجابته لضغوط حاكم الأحساء سليمان آل محمد بن عريعر، انتقل الشيخ من العيينة إلى الدرعية عام١١٥٧هـ نتيجة للنصرة المباركة من الإمام محمد بن سعود، ومن ثم إبرام الاتفاقية الشهيرة بنيهما.

стр. 86

العوامل الرئيسية التي ساهمة في بناء شخصية الشيخ العلمية والدعوية ... ٥ـ العوامل الرئيسة التي ساهمت في بناء شخصية الشيخ العلمية والدعوية من خلال الاستعراض السريع السابق لحياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى نجد أن هناك عوامل مهمة ساهمت في بناء شخصيته العلمية والدعوية من أهمها بعد توفيق الله تعالى وعونه وتسديده: ١ـ استعداده الشخصي وما كان يتمتع به من ذكاء وفطنة وجد ومثابرة منذ سنوات عمره الأولى، والتي ظهرت آثارها بعد ذلك من خلال اجتهاده في طلب العلم، ومن ثم القيام بالدعوة والتعليم. ٢ـ أسرته ومكانتها العلمية والاجتماعية: وهي أسرة أنجبت عددا من العلماء والقضاة وكانت لها المكانة الاجتماعية المتميزة في مجتمعها. ٣ـ أساتذته وشيوخه الذين عرفوا بغزارة علمهم، وسلامة عقيدتهم، وتنوع معارفهم واهتماماتهم، سواء من تتلمذ على أيديهم مباشرة، أو الذين استفاد من كتبهم وتأثر بمؤلفاتهم تأثيرا كبيرا. ويمكن تقسيم هؤلاء الأساتذة والشيوخ إلى طبقات ثلاث: الطبقة الأولى: وهم الأساتذة الذين أمضى معهم وقتا طويلا في الدراسة والتحصيل وتأثر بهم تأثرا مباشرا ويمكن حصرهم في أربعة: أـ والده الشيخ عبد الوهاب بن سليمان في العيينة وحريملاء. ب ـ الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف في المدينة.

стр. 87

جـ ـ الشيخ محمد حياة السندي في المدينة. د ـ الشيخ محمود المجموعي في البصرة. الطبقة الثانية: من عدا السابقين من أساتذته من أمثال: عمه إبراهيم في العيينة، والشيخ عبد الله بن سالم البصري المكي في مكة، والشيخ عبد الله بن فيروز، والشيخ عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الأحسائي، ومحمد بن عفالق في الأحساء وغيرهم. الطبقة الثالثة: العلماء الذين تأثر بفكرهم وتراثهم العلمي وهم جميع علماء السلف، وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم. ٤ـ رحلاته العلمية: وفيها اكتسب إضافة إلى لقائه بالعلماء وطلب العلم، معرفة أحوال الناس وطبائعهم وأوضاعهم. ٥ـ ظروف أخرى مجتمعة: وتتمثل فيما كان ينتشر في داخل الجزيرة العربية وخارجها من الجهل والبدع والخرافات وسائر الانحرافات، مع قلة من يدعو إلى الله، مما جعله يفكر جديا في إصلاح أوضاع تلك المجتمعات ويتحمس للقيام بتلك المهمة غير مبال بالعقبات والمصاعب، وكان له ذلك الدور بتوفيق الله تعالى وفضله.

стр. 88

٦ـ تلاميذ الشيخ: تتلمذ على يد الشيخ ﵀ عدد كبير من الطلاب ولا يزال لدعوته صدى وقبول وطلاب في عدد من البلاد ولله الحمد، نسأل الله تعالى لها المزيد من القبول.

стр. 89

وقد كان من أبرز تلامذة الشيخ: أبناؤه: حسين، وعبد الله، وعلي، وإبراهيم، ومن تلاميذه: عبد العزيز العريني، حمد الحسين، أحمد بن معمر، أحمد سويلم، حسين ابن غنام، سعيد بن حجي، الإمام عبد العزيز بن سعود، الإمام سعود بن عبد العزيز، عبد العزيز بن حصين، وغيرهم خلق كثير.

стр. 90

٧ـ مؤلفات الشيخ: تنوعت كتابات الشيخ ومؤلفاته في عدد من العلوم الشرعية، فألف ﵀ في العقيدة والحديث والفقه والسيرة والتفسير. وكان يركز في التأليف على موضوع التوحيد والعقيدة، وذلك بسبب الحاجة العظمى لها في عصره، لانتشار مظاهر الشرك. وتتميز مؤلفات الشيخ ﵀ بالعناية بالأدلة الشرعية وسهولة العبارة ودقة الاستنباط. كما يتضح من خلالها سعة علم الشيخ وإحاطته بكثير من أقوال أهل العلم واطلاعه على كتبهم ومؤلفاتهم، وكذلك استيعابه لكثير من شبه المنحرفين وقدرته الفائقة على مناقشتها والرد عليها. ومن أبرز مؤلفاته: ١ـ كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وهو أول مؤلفاته، "في علم العقيدة".

стр. 91

٢ـ كشف الشبهات، ويدور حول مجادلة خصوم الدعوة وإزالة الشبه المثارة منهم، "في علم العقيدة". ٣ـ مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد، "في علم العقيدة". ٤ـ الأصول الثلاثة وأدلتها، "في علم العقيدة". ٥ـ مسائل الجاهلية، "في علم العقيدة". ٦ـ مختصر سيرة الرسول ﷺ ، "في علم السيرة". ٧ـ مختصر زاد المعاد، "في سيرة النبي ﷺ وهديه". ٨ـ كتاب الكبائر، "في علم العقيدة". ٩ـ فضل الإسلام، "في علم العقيدة". ١٠ـ فضائل القرآن، "في علم التفسير". ١١ـ آداب المشي إلى الصلاة"في علم الفقه". ١٢ـ مختصر الإنصاف والشرح الكبير، "في علم الفقه". ١٣ـ تفسير آيات من القرآن الكريم، "في علم التفسير". ١٤ـ أحاديث الفتن والحوادث، "في علم الحديث". ١٥ـ رسالة في الرد على الرافضة، "في علم العقيدة".

стр. 92

وغيرها كثير من الآثار العلمية التي ورثها الشيخ ﵀، في مختلف العلوم الشرعية.

стр. 93

وفات الشيخ ... ٨ـ وفاة الشيخ: توفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة ١٢٠٦هـ ودفن في الدرعية، بعد حياة زادت عن التسعين عاما مليئة بالجهاد والدعوة إلى الله وتعليم دينه والذب عن رسوله ﷺ وعن العقيدة الإسلامية الصحيحة ومحاربة الشرك ومظاهره، فغفر الله للشيخ وأجزل له المثوبة١.

стр. 94

٩ـ ثناء العلماء عليه: أثنى على الشيخ عدد كبير من العلماء المنصفين، ممن رأى أن دعوته كانت دعوة إصلاحية تقوم على الكتاب والسنة وتؤكد على ذلك، وسأقتصر في إيراد شواهد ثناء العلماء عليه من أقوال العلماء الذين عرفوا الشيخ ﵀ ودعوته الإصلاحية السلفية من خارج منطقة نجد، وكان من هؤلاء العلماء:

стр. 95

وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي١ ... سلامي على نجد ومن حل في نجد ٢ـ العلامة محمود شكري الألوسي علامة العراق (ت١٣٤٢هـ) ﵀ والذي يقول: "كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب شديد التعصب للسنة كثير الإنكار على من خالف الحق من العلماء.."٢. ٣ـ الشيخ محمد رشيد رضا من علماء مصر (١٣٥٤هـ) ﵀ والذي يقول: "لقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي، من العلماء المجددين، حيث قام يدعو إلى تجديد التوحيد، وإخلاص العبادة لله وحده، بما شرعه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ .."٣. ٤ـ الشيخ محمد بن إسماعيل الغزنوي من علماء الهند

стр. 96

(ت: ١٩٦٠م) ﵀ والذي نشر رسالة باسم " التحفة الوهابية" في ١٩٢٧م باللغة الأوردية موضحا فيها عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية ومعرفا به وبجهوده، وضمنها رسائل لعدد من علماء نجد في عصره لينفي عن الدعوة الإصلاحية الافتراءات التي ألصقت بها١. ٥ـ وجاء في دائرة المعارف البريطانية، وهي تتكلم عن الوهابية ما يلي: الوهابية: اسم لحركة التطهير في الإسلام، والوهابيون يتبعون تعاليم الرسول وحده، ويهملون كل ما سواها، وأعداء الوهابية هم أعداء الإسلام الصحيح٢. وغير هؤلاء الأعلام الذين رأوا في دعوة الشيخ خير من يعين على نشر الدين الصحيح، وتعين كذلك في القضاء على البدع والخرافات والشركيات، كان لها ذلك الدورـ ولله الحمد أولا وأخرا ـ إلى اليوم وإلى أن تقوم الساعة بإذن الله تعالى، لكونها تعمل بنصوص الكتاب والسنة وأقوال أئمة السلف الصالح ـ رحمهم الله تعالى ـ *****

стр. 97

الفصل الثالث عقيدة الشيخ ومنهجه في الدعوة تمهيد: ترتبط الدعوة بالعقيدة ارتباطا وثيقا إذ لا يمكن الحكم على أي دعوة بأنها دعوة صحيحة ما لم يكن القائم بها على عقيدة سليمة موافقة لاعتقاد أهل السنة والجماعة، وحتى نتأكد من ذلك فلابد من عرض عقيدة الشيخ ﵀ وأقواله في بعض المسائل الشرعية على منهج أهل السنة والجماعة وعلى ضوء ذلك يتحقق ويتأكد ما سبق أن أكدنا عليه بأن دعوته وعقيدته ﵀ كانت بحمد لله تعالى موافقة لنصوص الكتاب والسنة ومنهج أهل السنة والجماعة، فلم يبتدع مذهبا جديدا أو منهجا مخالفا. يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في إحدى رسائله: " أخبرك أني ـ ولله الحمد ـ متبع ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به هو مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة.."١. وسنوضح فيما يأتي بإذن الله عقيدة الشيخ في بعض القضايا المهمة

стр. 98

التي لها علاقة بدعوته والتي شكك الخصوم في موقف الشيخ تجاهها، وهذه المسائل هي: ١ـ منهج الشيخ في التوحيد. ٢ـ أصول منهجه في الاستدلال. ٣ـ موقف الشيخ من الصحابة آل البيت ﵃. ٤ـ موقف الشيخ من كرامات الأولياء. ٥ـ موقفه من السمع والطاعة لولاة الأمور. ٦ـ منهجه في قضية التكفير والقتال. ٧ـ موقفه من التقليد والاجتهاد. ٨ـ رفضه لمناهج الجاهلية وفضحه لمسائلها. ٩ـ منهجه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وتعد هذه المسائل الأبرز في الحكم على الداعية في كونه متبعا لأهل السنة والجماعة، ولكونها من أكثر القضايا التي أثيرت ضد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وضد دعوته الإصلاحية، وفيما يأتي من الصفحات تبيان لهذه المسائل العقدية الهامة. *****

стр. 99

١ـ منهج الشيخ في التوحيد كانت قضية التوحيد والعقيدة الصحيحة من أهم القضايا التي تناولها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، نظرا لأنها أولى القضايا التي يجب أن يتناولها الدعاة، ولواقع مجتمعه الذي كان يعج بالشركيات والبدع والبعد عن دين الله، وهذه القضية هي أيضا من أكثر القضايا التي نازع فيها الخصوم الشيخ في دعوته، ورغم تلك التحديات والضغوط والتي تمثلت في إلحاق الأذى به وتأليب العامة عليه، وإثارة للشبه والأكاذيب على شخصه وعلى دعوته، فقد واصل ﵀ دعوته لهذا الأصل العظيم. ومنهج الشيخ في العقيدة يقوم على الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح رضوان الله عليهم، وذلك يتضح من خلال العديد من رسائله ومؤلفاته، ولعل من أبرزها هنا، رسالته لأحد الأشخاص، حيث بين الشيخ ﵀ في هذه الرسالة وغيرها قيام ذلك المنهج على أربع مسائل١: ١ـ بيان التوحيد الصحيح وأقسامه في الكتاب والسنة الصحيحة،

стр. 100

وتوضيح الفرق بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، وأنه لا يلزم من كون الشخص مقرا بأن الله تعالى هو الرزاق المحيي المميت أن يكون موحدا، فلابد من اقترانهما اعتقادا وقولا وعملا؛ وبيانه أن كفار قريش كانوا يقرون بالربوبية ومع ذلك عدهم الله تعالى ورسوله ﷺ كفارا ومشركين، وبين أيضا أنه لابد أن يكون الشخص مفردا للعبادة بجميع أنواعها لله وحده لا شريك له، لا لولي ولا لقبر ولا إلى غير ذلك، وعند ذلك يكون الإنسان مؤمنا حق الإيمان، ويبين الشيخ دائما في مؤلفاته فضل التوحيد وأهميته للمسلم في الدنيا والآخر. والتوحيد عند الشيخ هو أصل الدين، الذي أرسلت به الرسل وأنزلت من أجله الكتب، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة، وهو يتضمن أنواع التوحيد الثلاثة الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وهذه الأنواع مرتبط بعضها ببعض ارتباطا وثيقا، فمن أخل بواحد منها أخل بالآخر. ٢ـ بيان الشرك وأنواعه ومظاهره ووسائله، والتحذير والبراءة منه ومن أهله، ويبين الشيخ أيضا أنه يدخل فيه: من تقرب لغير الله بقصد اتخاذه واسطة بينه وبين الله تعالى، أو بقصد الشفاعة عند الله سبحانه، أو صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى. ٣ـ تكفير من عرف التوحيد، واتضح له أنه دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

стр. 101

ومع ذلك يبغضه ويصد الناس عنه، وكذلك تكفير من عرف الشرك والمشركين، وعلم أن رسول الله ﷺ بعث لمحاربتهم ويقر بذلك، ثم بعد ذلك يمدحه ويحسنه للناس ويقول: إنه يخطئ السواد الأعظم، ويحتجون بقوله ﷺ : " إن الله لا يجمع أمتي أو قال: أمة محمد ﷺ على ضلالة" ١، والرد على هذا الاستدلال الباطل. ٤ـ الأمر بقتال هؤلاء المشركين خاصة بعد إقامة الحجة عليهم، والجهاد ضدهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، كما قاله الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣] . والشيخ يرى بأن: " الناس يتفاضلون في التوحيد، تفاضلا عظيما، ويكونون فيه على درجات بعضها أعلى من بعض، فمنهم: من يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، كما دلت عليه النصوص الصريحة الصحيحة؛ ومنهم: من يدخل النار، وهم العصاة، ويمكثون فيها على قدر ذنوبهم، ثم يخرجون منها لأجل ما في قلوبهم من التوحيد والإيمان، وهم في ذلك متفاوتون؛ كما في الحديث

стр. 102

الصحيح، لقول النبي ﷺ : " أخرجوا من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه من الخير ما يزن برة" وفي لفظ: "شعيرة" وفي لفظ: "ذرة" وفي لفظ: "حبة خردل من إيمان" ١، ومن تأمل النصوص: تبين له أن الناس يتفاضلون في التوحيد والإيمان، تفاضلا عظيما، وذلك بحسب ما في قلوبهم من الإيمان بالله، والمعرفة الصادقة، والإخلاص، واليقين، والله أعلم"٢. والناظر في رسائل الشيخ ومؤلفاته ﵀ يتضح له ولا شك التزام منهجه في العقيدة على نصوص الكتاب والسنة، وفق منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة٣. ونترك الشيخ محمد ﵀ يوضح عقيدته بنفسه في رسالته الموجزة القيمة التي كتبها لأهل القصيم ونصها لما سألوه عن عقيدته قال: " أشهد الله ومن حضرني من الملائكة، وأشهدكم: أني أعتقد ما

стр. 103

اعتقدته الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره؛ ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه؛ لأنه تعالى لا سمي له، ولا كفؤ له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه. فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلا، وأحسن حديثا، فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون، من أهل التكييف، والتمثيل؛ وعما نفاه عنه النافون، من أهل التحريف والتعطيل، فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ـ١٨٢] . والفرقة الناجية: وسط في باب أفعاله تعالى، بين القدرية والجبرية؛ وهم وسط في باب وعيد الله، بين المرجئة والوعيدية؛ وهم وسط في باب الإيمان والدين، بين الحرورية والمعتزلة؛ وبين المرجئة والجهمية؛ وهم وسط: في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض، والخوارج.

стр. 104

وأعتقد أن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، نبينا محمد ﷺ ، وأومن: بأن الله فعّال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدد، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور. وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فأومن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين، حفاة عراة غرلا، تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين، وتوزن بها أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ـ١٠٣] وتنشر الدواوين، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله. وأومن: بحوض نبينا محمد ﷺ بعرصة القيامة، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا؛ وأومن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم، يمر به الناس على قدر أعمالهم.

стр. 105

وأومن بشفاعة النبي ﷺ وأنه أول شافع، وأول مشفع؛ ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلاع؛ ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] ، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] ، وهو لا يرضى إلا التوحيد؛ ولا يأذن إلا لأهله؛ وأما المشركون: فليس لهم من الشفاعة نصيب؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] . وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا يفنيان؛ وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة، كما يرون القمر ليلة البدر، ولا يضامون في رؤيته. وأومن بأن نبينا محمد ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته؛ وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق؛ ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين؛ ثم علي المرتضى؛ ثم بقية العشرة؛ ثم أهل بدر؛ ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان؛ ثم سائر الصحابة ﵃؛ وأتولى أصحاب رسول الله ﷺ وأذكر محاسنهم، وأترضى عنهم، وأستغفر لهم، وأكف عن مساويهم، وأسكت عما شجر بينهم؛ وأعتقد فضلهم، عملا بقوله تعالى:

стр. 106

﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء، وأقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات، إلا أنهم يستحقون من حق الله تعالى شيئا، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار، إلا من شهد له رسول الله ﷺ ، ولكني أرجو للمحسن، وأخاف على المسيء، ولا أكفر أحدا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام؛ وأرى الجهاد ماضيا مع كل إمام: برا كان أو فاجرا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، والجهاد ماض منذ بعث الله محمدا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل. وأرى وجوب السمع والطاعة: لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة، واجتمع عليه الناس، ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته؛ وحرم الخروج عليه؛ وأرى هجر أهل البدع، ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر، وأكل سرائرهم إلى الله؛ وأعتقد: أن كل محدثة في الدين بدعة. وأعتقد أن الإيمان: قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية؛ وهو: بضع وسبعون

стр. 107

شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرى وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة. فهذه عقيدة وجيزة، حررتها وأنا مشتغل البال، لتطلعوا على ما عندي، والله على ما نقول وكيل"١. فانظر إلى هذه العقيدة الصافية الموافقة لمعتقد أهل السنة والجماعة والتي تمتليء بها كتب أعلامهم، يؤكدون عليها. ويتضح من هذه الرسالة: بالإضافة إلى أن الشيخ يعتقد عقيدة السلف الصالح ﵏، سعة علم الشيخ ودقة استنباطه، وقوة عباراته، وتأثره بأساليب كبار علماء السلف كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما. *****

стр. 108

٢ـ أصول منهجه في الاستدلال يعتمد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في الاستدلال على القضايا والمسائل التي يناقشها في كتبه، أو في رسائله، أو في دروسه، وفتاويه على أصول معتمدة عند أهل السنة والجماعة، وعليها العمل عندهم، وهذه الأصول هي: ١ـ كتاب الله تعالى وتفاسيره المعتمدة عند السلف الصالح، وهذا هو الأصل الأول الذي يستند عليه الشيخ رحمه الله تعالى. ٢ـ السنة المطهرة وشرحها المعتبرة من علماء الأمة الذين عرفوا بصفاء العقيدة وسعة العلم. ٣ـ إجماع السلف الصالح واتفاقهم على مسألة من المسائل، وفي ذلك يقول ﵀ في إحدى رسائله: " لا خلاف بيني وبينكم أن أهل العلم إذا أجمعوا وجب اتباعهم.."١. ٤ـ الاجتهاد والقياس والموازنة في بعض المسائل واتباع ما ترجح عنده من الأقوال الموافقة للنصوص. ٥ـ الالتزام بكتب المذهب الحنبلي في الفقه خصوصا، وإن كان

стр. 109

يخالفها في بعض المسائل لترجح الدليل عنده. وكان ﵀ يحترم أئمة المذاهب كلهم، ويأخذ عنهم، مع حسن اختيار للرأي الفقهي الذي يأخذ به عنهم، وفق ما يقتضيه الدليل الراجح١. ويوضح هذا المنهج وأصوله في الاستدلال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ بقوله: " مذهبنا في أصول الدين، مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقتنا طريقة السلف، التي هي الطريق الأسلم، بل والأعلم والأحكم، ... وهي أننا نقر آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها، ونكل معناها مع اعتقاد حقائقها إلى الله تعالى ... ونحن في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة ... ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق ولا أحد لدينا يدعيها، إلا أننا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة، أخذنا به، وتركنا المذهب كإرث الجد والإخوة، فإنا نقدم الجد، وإن خالف مذهب الحنابلة ... ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض فلا مناقضة لعدم دعوى الاجتهاد، وقد سبق جمع من أئمة المذاهب

стр. 110

الأربعة إلى اختيارات لهم في بعض المسائل مخالفين للمذهب الملتزمين تقليده صاحبه..ثم إنا نستعين على فهم كتاب الله بالتفاسير المتداولة المعتبرة، ومن أجلها لدينا: تفسير ابن جرير، ومختصره لابن كثير الشافعي، وكذا البغوي، والبيضاوي، والخازن، والحداد، والجلالين، وغيرهم.. وعلى فهم الحديث بشروح الأئمة المرزين كالعسقلاني والقسطلاني على البخاري، والنووي على مسلم، والمناوي على الجامع الصغير، ونحرص على كتب الحديث، خصوصا الأمهات الست وشروحها، ونعتني بسائر الكتب في سائر الفنون أصولا وفروعا وقواعد وسيرا ونحوا وصرفا، وجميع علوم الأمة.."١. *****
следующие страницы →