← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 762

أحكام الصف في الصلاة

عبد الكريم العميريني

Полный текст (274 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، وابن القيم (٢)، والسعدي (٣)، واختاره ابن عثيمين (٤) والألباني (٥). قال شيخ الإسلام: "ونظير ذلك أن لا يجد الرجل موقفا إلا خلف الصف، فهذا فيه نزاع بين المبطلين لصلاة المنفرد، والأظهر صحة صلاته في هذا الموضع، لأن جميع واجبات الصلاة تسقط بالعجز" (٦). الأدلة: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٧). الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٨). وجه الدلالة من الآيتين: أن هذا المصلي خلف الصف قد بذل ما يستطيعه في محاولة المصافة،

стр. 107

ولم يجد إلا أن يصلي خلف الصف وحده، حتى لا تفوته الركعة، أو الصلاة مع الجماعة. الدليل الثالث: قول النبي ﷺ "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (١). وجه الدلالة: أن الداخل قد امتثل أمر النبي ﷺ ، بالحضور إلى الصلاة، ولم يجد مكانا له في الصف فصلى خلف الصف، وهذه استطاعته. الدليل الرابع: القاعدة الشرعية (لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة) (٢) وهذا المصلي لا يستطيع المصافة لاكتمال الصف، فلم يجد إلا أن يصلي وحده منفردا. الترجيح: أن القول الثالث ـ القائل بالتفصيل ـ هو الراجح؛ وذلك إعمالا للأدلة؛ وللأدلة العامة في سقوط الواجبات بالعجز، والله تعالى أعلم (٣).

стр. 108

المطلب الثاني: بالنسبة للنساء: نقل شيخ الإسلام ا تفاق العلماء، على أن المرأة إذا صلت منفردة وحدها، دون أن يكون معها غيرها من النساء فإن صلاتها صحيحة (١). واستدلوا على ذلك بما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ أن جدته مُلَيْكَة دعت النبي ﷺ إلى طعام صنعته فأكل منه ثم قال: "قوموا فلأصلي لكم قال أنس: فقمت إلى حَصِيْرٍ (٢) لنا قد أسود من طول ما لبس، فنضحته (٣) بالماء فقام عليه رسول الله وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلى لنا ركعتين ثم انصرف" (٤). وجه الدلالة: أن المرأة صلت خلف الصف وحدها، مع النبي ﷺ ، ولم ينكر عليها، فدل ذلك على صحة صلاتها. كما أن المرأة إذا صلت خلف الصف بحضور النساء وبدون عذر، فإن

стр. 109

صلاتها باطلة، على ما تم ترجيحه في صلاة الرجل منفردا خلف الصف، وذلك لأن المرأة كالرجل، في أحكام الصلاة إلا ما استثناه الدليل، ولا يوجد دليل عليه. (١)

стр. 110

الفصل الثالث أحكام صفوف الصبيان والنساء . وفيه مبحثان: المبحث الأول: حكم مصافة الصبيان. المبحث الثاني: أحكام صفوف النساء.

стр. 111

المبحث الأول أحكام مصافة الصبي المميز (١) وفيه مطلبان المطلب الأول: حكم مصافة الصبي المميز في النافلة: اتفق فقهاء الحنفية (٢) والمالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) على جواز مصافة الصبي المميز في النافلة. قال الكاساني (٦): "وأقل ما يتحقق به الاجتماع اثنان، وسواء كان ذلك

стр. 112

الواحد رجلا، أو امرأة، أو صبيا يعقل؛ لأن النبي ﷺ سمى الاثنين مطلقا جماعة؛ ولحصول معنى الاجتماع بانضمام كل واحد من هؤلاء إلى الإمام". وقال في المدونة (١): "وإذا صلى رجلان أو رجل وصبي مع إمام قاما جميعًا خلفه إن كان الصبي يعقل الصلاة لا يذهب ويتركه". وقال النووي (٢): "ولو حضر معه في الابتداء رجلان، أو رجل وصبي، اصطفا خلفه". وقال المرداوي (٣): "تصح مصافته وإن لم تصح إمامته". الأدلة: الدليل الأول: حديث ابن عباس ﵃ قال: "بت عند خالتي ميمونة فقام النبي ﷺ يصلي من الليل، فقمت أصلي معه، فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه" (٤). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقام ابن عباس ﵃ وهو غلام (٥) عن يمينه فدل

стр. 113

على صحة مصافة الصبي في النافلة. الدليل الثاني: حديث أنس بن مالك ﵁، أن جدته مُلَيْكَة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته فأكل منه ثم قال: "قوموا فلأصلي بكم قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لبس فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله ﷺ وصففت أنا واليتيم (١) وراءه، والعجوز من ورائنا فصلى لنا ركعتين ثم انصرف" (٢) وفي رواية "صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ وأمي أم سليم خلفنا" (٣). وجه الدلالة: أن أنس بن مالك ﵁ صف ومعه اليتيم (٤)، خلف النبي ﷺ ، فأصبح إقرارا منه ﷺ على جواز ذلك. الدليل الثالث: حديث عمرو بن سلمة ﵁ قال: " … صلوا صلاة كذا في حين كذا وصلوا صلاة كذا في حين كذا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنا، فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني؛ لما كنت

стр. 114

أتلقى من الركبان فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست، أو سبع سنين" (١). وجه الدلالة: أن عمرو بن سلمة ﵁ صلى بقومه وهو ابن سبع سنين إماما، فدل على جواز مصافته من باب أولى. المطلب الثاني: مصافة الصبي المميز في الفريضة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنها لا تصح مصافة الصبي في الفريضة. وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، وعليه جماهير الأصحاب (٢). قيل للإمام أحمد: الرجل يصلي وخلفه رجل وغلام؟ قال أما الفريضة فلا يصل حتى يدرك، وأما التطوع فلا بأس به (٣) واستدلوا بما يلي: الدليل الأول: أن الأصل في العبادات الحظر - المنع - ما لم يثبت دليل،

стр. 115

وحيث إن مصافة الصبي للبالغ في الفريضة لم يثبت فيها دليل فلا تصح مصافته. ويناقش: أن ما ثبت في النفل يثبت في الفرض إلا بدليل خاص يستثني الفريضة من ذلك الحكم، ويدل لهذا قول ابن عمر: "كان رسول الله ﷺ يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة" (١)، وحيث لم يكن استثناء، فدل على صحة المصافة في الفريضة، والنافلة. الدليل الثاني: أن الصبي صلاته نفل، ولا يصح أن يصاف المتنفل المفترض، ومن ثم لا تصح مصافته. ويناقش: أنه ثبت في السنة ما يدل على جواز إمامة المتنفل بالمفترض، كما ثبت في قصة معاذ ﵁ أنه "كان يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يأتي قومه فيصلي بهم" (٢). فجواز مصافته من باب أولى. ويناقش أيضا: بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ "ألا رجل يتصدق على

стр. 116

هذا فيصلي معه (١) في الرجل الذي دخل بعدما صلى الناس، حيث إن النبي ﷺ قال ذلك للصحابة ﵃ فدل على جواز مصافة المتنفل بالمفترض. الدليل الثالث: حديث "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى" (٢). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر أن يليه أصحاب العقول، ويلزم من ذلك تأخير الصبيان. ونوقش: بأن الحديث ليس فيه دلالة على عدم جواز المصافة، وإنما المراد حث أولي الأحلام والنهى للتقدم والجلوس خلف الإمام. (٣)

стр. 117

الدليل الرابع: أن الصبي ليس من أهل الشهادة، فلم تصح مصافته. ونوقش: أن هذا قياس منقوض بالوالد مع ولده، فلا تصح شهادة الوالد لولده وتصح مصافته إياه. (١) القول الثاني: أنها تصح مصافته في الفريضة. وبه قال الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، ورواية عند الحنابلة، قال في الفروع وهو أظهر (٥). وهو اختيار ابن باز (٦) وابن عثيمين (٧). الأدلة: جميع الأدلة السابقة في جواز مصافة الصبي في النافلة. وجه الاستدلال: أن ما ثبت في النافلة يثبت في الفريضة، إلا بدليل يخص النافلة فقط.

стр. 118

الترجيح. من خلال عرض الأقوال والأدلة، يتضح والله أعلم أن القول بجواز مصافة الصبي المميز في الفريضة كما جاز في النافلة - القول الثاني - هو الراجح؛ وذلك لأن الأدلة واضحة في جواز المصافة في النافلة وما ثبت في النافلة يثبت في الفريضة حتى يرد ما يخصص النافلة فقط؛ ولورود المناقشة على أدلة المانعين. (١) أما الصبي غير المميز فلا تجوز مصافته مطلقا؛ لأنه لا يعقل الصلاة ولم يؤمر بها (٢).

стр. 119

المبحث الثاني أحكام صفوف النساء ، وفيه مطلبان المطلب الأول: حكم صفوف النساء حال اجتماعهن مع الرجال وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أفضلية صفوف النساء وفيه فرعان: الفرع الأول: إذا لم يختلطن بالرجال: إذا كانت النساء في مصليات منعزلة، أو بينهن وبين الرجال حائل من قماش، أو غيره بحيث لا يرين الرجال ولا يرونهن، فإن خير صفوفهن الصف الأول كالرجال؛ وذلك لأن العلة التي من أجلها كانت خير صفوفهن آخرهن قد زالت فيكون خير صفوفهن أولها كالرجال. ونُقِل اتفاق الفقهاء على ذلك. (١) قال النووي (٢): "وأما إذا صلين متميزات لا مع الرجال فهن كالرجال خير

стр. 120

صفوفهن أولها وشرها آخرها والمراد بشر الصفوف في الرجال والنساء أقلها ثوابا وفضلا وأبعدها من مطلوب الشرع وخيرها بعكسه". ولأن الأصل في العبادات المسارعة والمسابقة، ولا فرق بين الرجال والنساء وحيث وجد الساتر والعازل عن الرجال فيتحقق في حقهن فضيلة التقدم إلى الصف الأول. وقال الصنعاني: "وأما إذا صلين، وإمامتهن امرأة فصفوفها كصفوف الرجال أفضلها أولها (١) ولم أقف على من خالف هذا القول. الفرع الثاني: إذا اختلطن بالرجال: أما إذا صلت النساء مع الرجال في مصلى واحد بحيث تحصل الرؤية والسماع لأصواتهن فإن أفضل صفوفهن آخرها؛ لأن المرأة مأمورة بالستر، والبعد عن مواقع الفتنة، حتى في مواضع العبادة. وبه قال عامة الفقهاء. (٢) الأدلة: الدليل الأول: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها

стр. 121

أولها" (١). قال النووي (٢): "وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن من مخالطة الرجال ورؤيتهم وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك وذم أول صفوفهن لعكس ذلك والله أعلم". المسألة الثانية: أثر مصافة المرأة للرجال: قد تصاف المرأة الرجل في الصلاة، أو تتقدم عليه في صف مستقل كما في الحرم المكي في أوقات الزحام كرمضان، أو الحج، أو غير ذلك. لقد اختلف الفقهاء في حكم صلاتها، وصلاة من بجوارها، أو صفوف الرجال الذين يقفون خلف صفوف النساء على قولين: القول الأول: أن صلاتها صحيحة وصلاة من بجوارها من اليمين، واليسار، ومن خلفها باطلة. وبه قال أبو حنيفة (٣) وهي رواية عند الحنابلة (٤).

стр. 122

قال في المبسوط (١): "فإن كان صف تام من النساء وراءهن صفوف من الرجال فسدت صلاة تلك الصفوف كلها استحسانا". الأدلة: الدليل الأول: الأثر عن عبد الله بن مسعود ﵁ "أخروهن حيث أخرهن الله" (٢) يعني النساء". وجه الدلالة: أنه قول صحابي وهوحجة، (٣) كما أن الأمر بالتأخير للوجوب، وحيث ظرف مكان، ولا مكان يجب تأخرهن فيه إلا مكان الصلاة، فإذا حاذت الرجل فسدت صلاة الرجل؛ لأنه ترك ما أمر به من تأخيرها (٤).

стр. 123

ويناقش: بأنه قول الصحابي حجة إذا لم يعارضه قول الرسول ﷺ ، أو قول صحابي آخر، (١) وقد جاءت النصوص بما يعارضه، فلا يبقى حجة في الموضوع. الدليل الثاني: تعليل: بأن حال الصلاة حال المناجاة لله، فلا ينبغي أن يخطر بباله شيء من معاني الشهوة فيه، ومحاذاة المرأة للرجل في الصلاة لا يخلو من ذلك، فكان الأمر بتأخيرها من الواجبات، فإذا ترك الأمر تفسد صلاته، وإنما لا تفسد صلاتها؛ لأن الخطاب بالتأخير للرجل وهو يمكنه أن يؤخرها من غير أن يتأخر بأن يتقدم عليها (٢). ويناقش: بأن التعليل ولو كان وجيها إلا أنه يضعف بمقابلة الدليل، والأدلة ثابتة على صحة صلاة من بجوارها كما سيأتي في أدلة القول الثاني. القول الثاني: تصح مصافتها وصلاتها، وصلاة من بجوارها، أو من خلفها صحيحة. وقال به المالكية (٣) والشافعية (٤)، و الصحيح من مذهب الحنابلة (٥)، وهو

стр. 124

اختيار ابن عثيمين (١). قال في المدونة (٢): "قلت لابن القاسم: إذا صلت المرأة وسط الصف بين الرجال، أتفسد على أحد من الرجال صلاته في قول مالك؟ قال: لا أرى أن تفسد على أحد من الرجال، وعلى نفسها". وقال مالك (٣): "وإن صلت امرأة بين صفوف الرجال، أو رجل خلف النساء، لضيق المسجد أجزأتهم صلاتهم). وقال النووي (٤): "صلاة المرأة قدام رجل، وبجنبه، مكروهة ويصح صلاتها، وصلاة المأمومين الذين تقدمت عليهم، أو حاذتهم عندنا وعند الجمهور". وقال ابن قدامة (٥): "وإن وقفت معهم في الصف في هذه المواضع، صح ولم تبطل صلاتها، ولا صلاتهم" الأدلة: الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، فإذا قام

стр. 125

بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح" (١). وجه الدلالة: فعل النبي ﷺ يدل على أن المرأة لا تبطل صلاة الرجل إذا كانت أمامه، فتصح إذا كانت بجانبه أيضا. ونوقش: بأن عائشة ﵂ لم تكن مصلية. (٢) وأجيب: بأنه إذا لم تبطل وهي في غير عبادة، فعدم بطلانها في العبادة أولى. (٣) الدليل الثاني: حديث عبد الله بن شداد قال سمعت ميمونة تقول: "كان النبي ﷺ يصلي وأنا إلى جنبه نائمة، فإذا سجد أصابني ثوبه، وأنا حائض" (٤). وجه الدلالة: أنه لو كانت صلاة الرجل بجانب المرأة باطلة، لابتعد الرسول ﷺ عن ميمونة ﵂، حال صلاته، كيف وهي حائض؟. ويناقش: بمثل مناقشة الدليل الأول، ويجاب عليه بمثل الإجابة على

стр. 126

المناقشة على الدليل الأول. الدليل الثالث: أن الأصل في العبادات إذا أديت على الوجه المشروع أن تكون صحيحة، ولا تبطل إلا بدليل صحيح صريح، وحيث لا يوجد، فتبقى على الأصل وهو الصحة. الترجيح: من خلال عرض القولين، وأدلتهما، وما ورد عليهما من مناقشة، يتضح رجحان القول الثاني _ أنه تصح مصافتها وصلاتها، وصلاة من بجوارها، أو من خلفها _؛ لقوة أدلته، وسلامتها من المناقشة، كما أن فيه تيسيرا على المسلمين، خاصة في مثل المسجد الحرام وموسم الحج، في مقابل ما ورد على أدلة القول الأول من مناقشة. والله أعلم (١). المطلب الثاني: حال انفرادهن عن الرجال وفيه مسألتان: المسألة الأولى: حكم صلاتهن جماعة: اتفق الفقهاء على أن صلاة الجماعة لا تجب على المرأة (٢)، ولكن

стр. 127

حضورها الجماعة مع الرجال جائز؛ لما ثبت أن النساء في عهد الرسول ﷺ كن يصلين معه في مسجده ﷺ كما في حديث عائشة ﵂ قالت: "كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفعات (١) بِمُرُوطِهِنَّ (٢) ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الْغَلَسِ (٣) (٤). بل نهى النبي ﷺ عن منعهن من الخروج إلى المسجد إذا أردن الخروج كما في حديث ابن عمر ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" (٥) وأرشد ﷺ أن بيت المرأة خير لها، لما فيه من الستر، والعفة، وعدم الفتنة كما في حديث ابن عمر ﵃ قال ﷺ : "لا تمنعوا نساءكم المساجد

стр. 128

وبيوتهن خير لهن" (١). وكما في حديث أم سلمة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : "خير مساجد النساء قعر بيوتهن" (٢). وأيضا حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها" (٣).

стр. 129

وعن أم حميد الساعدية أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: "يا رسول الله إني أحب الصلاة معك، فقال ﷺ : قد علمت، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاة في حجرتك خير لك من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك … " (١). ومع جواز خروجها، إلا أن كثيرا من الفقهاء قيدوا ذلك بكبيرة السن، وكرهوه إذا كانت شابة لما فيه من خوف الفتنة. قال في الجوهرة النيرة (٢): "ويكره للنساء حضور الجماعات يعني الشواب منهن لما فيه من خوف الفتنة، ولا بأس أن تخرج العجوز .... وهذا عند أبي حنيفة". وقال في التحفة (٣): "ويكره للنساء الشواب حضور الجماعة مطلقا ويباح للعجائز".

стр. 130

وقال في القوانين الفقهية: "ويكره للشابة الخروج إليه" (١) وقال في المجموع (٢): "فإن أرادت المرأة حضور المساجد مع الرجال فإن كانت شابة أو كبيرة تُشْتَهَى كره لها الحضور، وإن كانت عجوزًا لا تُشْتَهى لم يكره". وقال المرداوي: "فأما صلاتهن مع الرجال جماعة فالمشهور في المذهب أنه يكره للشابة، قاله في الفروع، وقال: والمراد والله أعلم للمستحسنة واختاره القاضي، وابن تميم" (٣) ولكن إذا خرجت إلى المسجد فلا بد أن يكون بضوابط منها: أولا: أن يكون خروجها بإذن زوجها، فلا يجوز للمرأة الخروج من منزلها حتى للعبادة إلا بإذن زوجها. (٤) ثانيا: ألا تكون متطيبة لما ورد عن زينب الثقفية ﵂ قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : "إذا شهدت إحداكن المسجد، فلا تمس طيبا" (٥) وحديث

стр. 131

أبي هريرة ﵁ " … ولكن ليخرجن وهن تفلات" (١) (٢) "ويلحق بالطيب ما هو في معناه من المحركات لداعي الشهوة، كحسن الملبس، والتحلي، والتجمل فإن رائحتها، وزينتها، وصورتها، وإبداء محاسنها فتنة لها وللرجال فيها" (٣). ثالثا: أن تكون متحجبة الحجاب الشرعي الساتر، غير مبدية زينتها، ولا ناظرة إلى الرجال الأجانب لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ

стр. 132

أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١) (٢). رابعا: ألا تختلط بالرجال في طريقها إلى المسجد، وعند خروجها منه، وأن يكون الطريق آمنا، خاليا من المفسدة، وأن تخرج عند انقضاء الصلاة بسرعة، درءا للفتنة. (٣) خامسا: أن تخفض صوتها في طريقها، وفي مصلاها؛ لأن المرأة مأمورة بخفض الصوت وعدم إظهاره حتى داخل الصلاة كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال النبي ﷺ : "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" (٤) (٥). قال ابن القيم (٦): "ويجب عليه - ولي الأمر- منع النساء من الخروج متزينات متجملات ومنعهن من الثياب التي يكن بها كاسيات عاريات كالثياب الواسعة والرقاق ومنعهن من حديث الرجال في الطرقات ومنع الرجال من ذلك".

стр. 133

ومن خلال ما سبق يتبين أن المرأة مأمورة بالستر، وعدم إظهار الزينة للرجال الأجانب، وكذلك خفضها لصوتها، وغير ذلك مما فيه صيانة للمرأة وحفظها، ودرءًا للفتنة، وأسبابها. واختلف الفقهاء في حكم إمامة المرأة للنساء وصلاتهن جماعة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن إمامتها لا تصح مطلقا في الفرض والنفل . وبه قال الحنفية (١) والمالكية (٢). وهو قول سليمان بن يسار والحسن البصري (٣). جاء في الفتاوى الهندية (٤): "ويكره إمامة المرأة للنساء في الصلوات كلها من الفرائض، والنوافل، إلا صلاة الجنازة". وقال النفراوي (٥): "ولا يصح أن تؤم المرأة في فريضة ولا نافلة لا رجالا ولا نساء".

стр. 134

الأدلة: الدليل الأول: حديث أبي بكرة قال لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل لما بلغ النبي ﷺ أن فارسا ملَّكوا ابنة كسرى قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" (١). وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ رتب على تولى المرأة الأمر عدم الفلاح وهذا عام فتدخل فيه الصلاة. ويناقش: بأن المراد من الحديث الولاية العامة، بدليل أن الرسول ﷺ قال ذلك عندما ذكر له أن فارسا مَلَّكُوا ابنة كسرى، أما بالنسبة لإمامة المرأة بالنساء فهي ولاية صغري، وعلى جنسها فلا تدخل في عموم الحديث. الدليل الثاني: أن من شروط الإمامة الذكورية، وهو متفق عليه بين العلماء. (٢) ويناقش: أن الذكورة شرط بالنسبة لإمامة المرأة للرجال فلا يصح أن يؤم الرجال امرأة، أما بالنسبة للنساء فتصح إمامتها بمثلها لورود الدليل على ذلك.

стр. 135

القول الثاني: أن إمامتها وصلاتهن جماعة جائزة في النفل دون الفرض . قال ابن هبيرة: "وأجمعوا على أنه لا يجوز إمامة المرأة للرجال في الفرائض" (١) وبه قال الحنابلة في رواية (٢) وهو قول الشعبي، والنَّخعي، وقتادة (٣). الأدلة الدليل الأول: الأثر عن ابن عمر ﵃: "كان يأمر جارية له تقوم بأهله في شهر رمضان وأمرها أن تقوم في وسط الصف … " (٤). الدليل الثاني: الأثر عن الشعبي أنه قال: "تَؤُم المرأة النساء في صلاة رمضان تقوم معهن في صفهن" (٥). وجه الدلالة: أن الآثار الواردة في إمامة المرأة للنساء هي في النافلة دون الفريضة.

стр. 136

وتناقش من وجهين: الوجه الأول: أنه ثبتت صلاتها جماعة في الفريضة كما في حديث أم ورقة ﵂، وسيأتي في أدلة القول الثالث. الوجه الثاني: أن الأصل استواء النافلة والفريضة في الأحكام إلا ما دل الدليل على خصوصيته. (١) القول الثالث: أن إمامتها للنساء وصلاتهن جماعة صحيحة مطلقا . وبه قال الحنفية مع الكراهة (٢) والشافعية (٣)، والحنابلة في رواية (٤) وهو قول عائشة، وأم سلمة، وعطاء، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن حزم (٥) وابن القيم (٦). قال الشافعي (٧): "وَتَؤُمُّ المرأة النساء في المكتوبة وغيرها".

стр. 137

وقال ابن حزم (١): "وصلاة المرأة بالنساء جائزة". وقال النووي: "تسن الجماعة للنساء بلا خلاف عندنا" (٢). وقال ابن القيم في فصل تخصيص القرآن بالسنة: "رد السنة الصحيحة المحكمة في استحباب صلاة النساء جماعة لا منفردات" (٣). الأدلة: الدليل الأول: حديث أم ورقة بنت نوفل: أن النبي ﷺ "كان يزورها في بيتها وجعل لها مؤذنًا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها" (٤).

стр. 138

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر أم ورقة أن تؤم أهل دارها، ولو كانت غير جائزة، أو مكروهة لما أمرها النبي ﷺ بأن تصلي بأهل دارها. الدليل الثاني: الأثر الذي رواه الليث عن عطاء عن عائشة ﵂ "أنها صلت بنسوة العصر فقامت وسطهن" (١)، وفي رواية ريطة الحنفية "أن عائشة ﵂ "أمتهن وقامت بينهن في صلاة مكتوبة" (٢). الدليل الثالث: حديث حُجيرة عن أم سلمة أنها "أمتهن فقامت وسطا" (٣). وجه الدلالة: أن فعل عائشة، وأم سلمة ﵄، وهي قريبتان من النبي ﷺ ، دليل على مشروعية ذلك.

стр. 139

الدليل الرابع: أنهن من أصحاب الفرض فأشبهن الرجال، ومن صحت صلاته صحت إمامته، والمرأة صلاتها صحيحة فإمامتها بجنسها صحيحة، حيث لا مانع من ذلك. الدليل الخامس: أن المصلحة والحاجة تقتضي مصافة النساء بعضهن مع بعض في الوقت الحاضر، حيث انفرادهن عن الرجال في المدارس والسجون ونحو ذلك، ولما يحصل من الخير والألفة والتعلم من فقه الصلاة، وذلك من أعظم مقاصد صلاة الجماعة (١). الترجيح. من خلال عرض الأقوال (٢) والأدلة، والمناقشات، يتضح رجحان القول الثالث؛ لأن في صلاتهن جماعة مصلحة دينينة، ودنيوية، وللأحاديث الدالة على فضل الجماعة، ولعدم ورود النهي عن صلاتهن جماعة، مع ما ورد على أدلة الأقوال الأخرى من مناقشات والله أعلم. المسألة الثانية: موقف إمامتهن من صفهن: ترجح من الأقوال السابقة مشروعية إمامة النساء وصلاتهن جماعة.

стр. 140

واختلف الفقهاء في موقف إمامة النساء من الصف على قولين: القول الأول: أن موقفها أمام صف النساء، كموقف إمام الرجال . وبه قال ابن حزم. قال ابن حزم: (١) "ما نعلم لمنعها من التقدم حجة أصلا". ودليله: أن هذا هو الأصل في الإمامة، والتقدم لحاجة المأمومين؛ للاقتداء به ولا فرق بين الرجل والمرأة حيث لم يأت المنع لا في الكتاب، ولا في السنة. ويناقش من وجهين: الوجه الأول: أن صلاة المرأة تختلف عن صلاة الرجل في كل ما من شأنه الستر. الوجه الثاني: أن فعل السلف يشهد بأن موقفها في وسط الصف كما سيأتي في أدلة القول الثاني. القول الثاني: أن إمامتهن تقف في وسط صف النساء، ولا تتقدم عليهن .

стр. 141

قال به الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وهو اختيار ابن تيمية (٤)، وهو اختيار ابن باز (٥)، وابن عثيمين (٦). قال الكاساني (٧): "وإن صلين بجماعة قامت إمامتهن وسطهن". وقال الشيرازي: "السنة أن تقف إمامة النساء وسطهن" (٨). وقال ابن قدامة (٩): "وإن صلت امرأة بالنساء قامت معهن في الصف وسطا … لا نعلم فيه خلافا بين من رأى لها أن تؤمهن". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إذا صلت بي نالنساء صلت بينهنن لأنه أستر لها". (١٠)

стр. 142

الأدلة: الدليل الأول: عن أسماء قالت: قال رسول الله ﷺ : "ليس على النساء أذان ولا إقامة ولا جمعة ولا اغتسال جمعة ولا تقدمهن امرأة ولكن تقوم في وسطهن" (١). الدليل الثاني: الأثر عن حُجَيْرَة قالت: "أَمّتنا أم سلمة قائمة وسط النساء" (٢). الدليل الثالث: الأثر عن أم الحسن: "أنها رأت أم سلمة زوج النبي ﷺ تؤم النساء تقوم معهن في صفهن" (٣).

стр. 143

الدليل الرابع: الأثر عن ابن عباس قال: "تؤم المرأة النساء تقوم في وسطهن" (١). الدليل الخامس: الأثر عن صفوان بن سليم قال: "من السنة أن تصلي المرأة بنساء تقوم وسطهن" (٢). الدليل السادس: الأثر عن ليث عن عطاء عن عائشة: "أنها كانت تؤذن وتقيم وتؤم النساء وتقوم وسطهن" (٣). الدليل السابع: الأثر عن حميد بن عبد الرحمن أنه قال: "لا بأس أن تؤم المرأة النساء تقوم معهن في الصف" (٤). الدليل الثامن: أن في وقوفها وسط الصف سترا لها، وصيانة، فاستحب لها ذلك كالعريان. (٥)

стр. 144

الترجيح: من خلال عرض القولين والأدلة، والمناقشة، يظهر رجحان القول الثاني و هو أن وسط الصف هو موقف إمامة النساء؛ لما ورد على دليل القول الأول من مناقشة، ولكثرة الآثار المروية عن السلف ولزوم فعلهم هو الأرجح والأفضل، ولكن لا يوجد دليل على منع التقدم عليهن، والله تعالى أعلم.

стр. 145

الفصل الرابع أحكام صفوف الجنائز، وأهل الأعذار ، ويشمل ثلاثة مباحث: المبحث الأول: أحكام الصف في الجنائز. المبحث الثاني: صفوف العراة. المبحث الثالث: العاجز عن القيام.
следующие страницы →