أبي مسعود، وأمره بالمحاذاة بالمناكب دون ذكر الأكعب، أو الأقدام كما في حديث ابن عمر، فدل على اعتبار المنكب أصلاً في المساواة يتبعه الكعب، لا العكس. (١)
стр. 177
الفصل الخامس
أحكام الصف في الحرمين .
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: ضابط الصف الأول في الحرم المكي.
المبحث الثاني: ضابط الصف الأول في الحرم المدني.
стр. 178
المبحث الأول
ضابط الصف الأول في الحرم المكي
الإمام في الحرم المكي لا يكون في مكان واحد في كل فرض، بل ينتقل فيقترب من الكعبة في وقت، ويبتعد في أوقات أخرى، فيكون في حالة بعُدهِ متسعا لإقامة صفوف في غير جهة الإمام، ويكونون أقرب إلى الكعبة.
ذهب عامة الفقهاء على أنه إذا تقدم المأموم على إمامه فصلاته صحيحة إذا كان في غير جهته.
قال النووي (١): "أما إذا صلوا في المسجد الحرام، فالمستحب أن يقف الإمام خلف المقام، ويقفوا مستديرين بالكعبة، بحيث يكون الإمام أقرب إلى الكعبة منهم، فإن كان بعضهم أقرب إليها في غير جهته فطريقان: المذهب القطع بصحتها وهو نصه في الأم، وبه قطع الجمهور".
وجاء في العناية شرح الهداية (٢): "وإذا صلى الإمام في المسجد الحرام، فتحلق الناس حول الكعبة، وصلوا بصلاة الإمام، فمن كان منهم أقرب إلى
стр. 179
الكعبة من الإمام، جازت صلاته إذا لم يكن في جانب الإمام؛ لأن التقدم، والتأخر، إنما يظهر عند اتحاد الجانب".
وقال المرداوي (١): "إذا استداروا حول الكعبة، والإمام منها على ذراعين، والمقابلون له على ذراع، صحت صلاتهم".
وجاء في المطالب (٢): "إذا استدار الصف حولها - أي حول الكعبة -؛ فلا بأس بتقديم المأموم، إذا كان في الجهة المقابلة للإمام فقط".
وحيث ثبت اتفاق الفقهاء على صحة الصلاة إلا أنهم اختلفوا في ضابط الصف الأول على قولين:
القول الأول:
أن الصف الأول، يختلف من مكان لآخر فالصف الأول من جهة الإمام هو الذي خلف الإمام مباشرة ، ومن غير جهة الإمام الصف الأول هو القريب من الكعبة.
وبه قال بعض الشافعية (٣).
قال الشرواني (٤): "والصف الأول صادق على المستدير حول الكعبة،
стр. 180
المتصل بما وراء الإمام، وعلى من في غير جهته وهو أقرب إلى الكعبة منه".
الدليل:
عللوا ذلك أخذا من قولهم الصف الأول هو الذي يلي الإمام؛ لأن معناه الذي لا واسطة بينه وبينه، أي ليس قدامه صف آخر بينه وبين الإمام. (١)
القول الثاني:
أن الصف الأول في الحرم المكي وفي غيره من المساجد، هو الذي خلف الإمام مباشرة .
وهو قول جماهير الفقهاء من الحنفية (٢) والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وهو اختيار ابن العربي (٦)، وابن حزم (٧)، وابن حجر (٨).
قال الدمياطي: "وإذا صلى الإمام خلف المقام في المسجد الحرام،
стр. 181
واستدار المصلون حول الكعبة، فالصف الأول في غير جهة الإمام ما اتصل بالصف الذي وراء الإمام، لا ما قرب من الكعبة" (١).
وقال في المنهج القويم (٢): "وإذا استداروا في مكة، فالصف الأول في غير جهة الإمام ما اتصل بالصف الذي وراء الإمام، لا ما قرب من الكعبة".
وقال النووي (٣): "واعلم أن الصف الأول، الممدوح الذي قد وردت الأحاديث بفضله والحث عليه، هو الصف الذي يلي الإمام، سواء جاء صاحبه متقدما، أو متأخرا، وسواء تخلله مقصورة، ونحوها أم لا، هذا هو الصحيح، الذي يقتضيه ظواهر الأحاديث، وصرح به المحققون".
وقال ابن حجر (٤): "ومن تأمل الأحاديث، علم أن المراد بالصف الأول الصف المقدم في المسجد، لا تحتمل غير ذلك".
وقال الخادمي: "والحق أن الصّف الأول، هو ما يلي الإمام، سواء جاء صاحبه متقدما، أو متأخرا وسواء تخلله مقصورة ونحوها، أو لم يتخلل" (٥).
стр. 182
الترجيح:
من خلال عرض القولين، يظهر والله أعلم أن ضابط الصف الأول في الحرم المكي وغيره، هو الصف الذي يلي الإمام - قول الجمهور - وذلك؛ لأنه هو الذي يطلق عليه الصف الأول شرعا، وهو الذي تدل عليه ظواهر الأحاديث ولأنه الصف المكتمل غالبا.
стр. 183
المبحث الثاني
ضابط الصف الأول في الحرم المدني
إذا تقرر في المبحث السابق أن الصف الأول هو الذي يلي الإمام، فإن الناس مختلفون في المكان الفاضل، في مسجد رسول الله ﷺ ، حيث توجد الروضة الشريفة والتي يزدحم الناس رغبة في الصلاة فيها حيث ورد في فضلها أحاديث منها:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما بين بيتي، ومنبري، روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي" (١)(٢) كما وردت أحاديث في فضل
стр. 184
الصف الأول والذي يعتبر أمام الروضة في المسجد النبوي ومن الآحاديث الواردة في فضل الصف الأول مايلي:
الأول:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة، والصبح، لأتوهما ولو حبوا" (١).
الثاني:
عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول، حتى يؤخرهم الله في النار" (٢).
الثالث:
عن العرباض بن سارية ﵁ عن النبي ﷺ : "أنه كان يصلي على الصف الأول ثلاثا، وعلى الذي يليه واحدة" (٣). فالتحقيق في أي المكانين
стр. 185
أفضل على مايلي:
قال الإمام النووي) (١) رحمه الله تعالى:
"واعلم أن المراد بالصف الأول، الصف الذي يلي الإمام، سواء تخلله منبر ومقصورة وأعمدة وغيرها أم لا).
فيكون بناءً على هذا أن المكان الفاضل في مسجد رسول الله ﷺ هو الذي أمام المحراب النبوي في الزيادة التي في قبلة المسجد، وليس ما يفهمه كثير من الناس، من أن المكان الفاضل هو في المسجد القديم، الذي كان في عهده دون ما زاده عمر، وعثمان، ﵄ والذي هو موضع المحراب اليوم.
إن عمر ﵁ كان يقف في تلك الزيادة، ووراءه الصحابة ﵃، وهم متوافرون، ومتفقون على أن هذا هو المكان الفاضل، وهل يظن بهم أنهم يتركون المكان الفاضل ويقفون في المكان المفضول؟.
والناس اليوم، يزدحمون على الروضة التي في المسجد القديم، اعتقادًا منهم أنها أفضل، فترى الصفوف تتكامل في ذلك الموضع دون الزيادة، وإن
стр. 186
كان الدافع لهم الحرص على المكان الفاضل، إلا أنه يترتب على ذلك محاذير، ومخالفات شرعية منها:
الأول:
ترك وصل الصفوف، وإتمام الأول فالأول، وقد ثبت ما يدل على الأمر بوصل الصفوف، كما في قوله ﷺ : "ومن وصل صفّا وصله الله، ومن قطع صفّا قطعه الله" (١).
الثاني:
تفويت الصلاة في الصف الأول، مع إمكانية ذلك، لمن يحضر مبكرا، وقد حث النبي ﷺ على المبادرة بحضور المساجد والدنو من الإمام، كما تقدم في قوله: "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى" (٢).
الثالث:
أن في ذلك مخالفة لهدي الصحابة ﵃، فإن عمر ﵁ أمَّ الصحابة في هذه الزيادة، ولا ريب أنهم كانوا يتسابقون للصلاة وراء الإمام، ويحرصون على الصف الأول.
فليحرص المسلم على الصف الأول في المسجد النبوي، كغيره من المساجد، ولا يغتر بمن يتأخر عنه ويصلي في موضع المسجد القديم.
ولا يقال: إن هذه الزيادة ليست من المسجد فإن صلاة الصحابة فيها دال على أنها في حكم المسجد قطعًا، وأما قوله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا،
стр. 187
خير من ألف صلاة، أو كألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا أن يكون المسجد الحرام" (١) فهذا لم يقصد به نفي مضاعفة الأجر في الإضافات الحادثة، ولكن المراد به - والله أعلم - نفي التضعيف في المساجد التي بناها الرسول ﷺ في المدينة، كمسجد قباء، فأكد أن التضعيف خاص بمسجده بقوله: (هذا) ولم يقصد إخراج ما سيزاد فيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد جاءت الآثار، بأن حكم الزيادة في مسجده ﷺ حكم المزيد، تضعّف فيه الصلاة بألف صلاة، كما أن المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد، فيجوز الطواف فيه، والطواف لا يكون إلا في المسجد لا خارجًا منه، ولهذا اتفق الصحابة، على أنهم يصلون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر، ثم عثمان، وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم، فلولا أن حكمه حكم مسجده، لكانت تلك صلاة في غير مسجده، والصحابة، وسائر المسلمين بعدهم، لا يحافظون على العدول عن مسجده إلى غير مسجده، ويأمرون بذلك" (٢).
ثم قال: "وهذا الذي جاءت به الآثار، وهو الذي يدل عليه كلام الأئمة
стр. 188
المتقدمين، وعملهم، فإنهم قالوا: إن صلاة الفرض خلف الإمام أفضل، وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنة، وكذلك كان الأمر على عهد عمر، وعثمان ﵄، فإن كليهما مما زاد من قبلي المسجد، فكان مقامه في الصلوات الخمس في الزيادة، وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنة، والإجماع" (١).
وقال النووي (٢): "فإذا عرفت حال المسجد فينبغي أن تعتني بالمحافظة على الصلاة في الموضع الذي كان في زمان النبي ﷺ فإن الحديث السابق (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة) إنما يتناول ما كان في زمانه ﷺ ، لكن إن صلى في جماعة فالتقدم إلى الصف الأول ثم يليه أفضل فليتفطن لهذا".
وقال في قرة عين العابد (٣): "الصلاة في الصف الأول في المسجد النبوي، أفضل من الصلاة في الروضة، ووجه الأفضلية: هو أن فعلها في الصف الأول، فضيلة تتعلق بنفس العبادة، بخلاف فعلها في الروضة فإنها فضيلة تتعلق بالمكان، والمحافظة على فضيلة نفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلتها، باعتبار المكان لقاعدة (الفضيلة المتعلقة بنفس
стр. 189
العبادة، أولى من المتعلقة بمكانها) " (١).
على هذا ينبغي للمسلم أن يصلي النوافل المطلقة كقيام الليل، وسنة الضحى، وغيرها التي ليس فيها جماعة في مكان الروضة المحدد في الحديث الشريف، أما بالنسبة للفرائض، أو السنن التي يشرع فيها الجماعة، كصلاة التراويح، والقيام في رمضان ففي الصف الأول، ليدرك الفضائل المتعلقة بهما، ويدرك أجر الفضيلتين. (٢) والله أعلم.
стр. 190
الفصل السادس
أحكام معاصرة في الصفوف
ويشمل ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: استخدام الخط في تسوية الصف.
المبحث الثاني: الصفوف في وسائل النقل.
стр. 191
المبحث الأول
استخدام الخط في تسوية الصفوف
إن ضبط صفوف المصلين بخط أو خطوط، كما يحصل في فرش المساجد، من الأمور المعاصرة، ويقصد بها المساعدة، على تسوية واستقامة الصف، وعدم اعوجاجه، خاصة في هذا الوقت الذي قل اهتمام المصلين من أئمة، ومأمومين، في مسألة تسوية الصف، إلا من رحم الله.
وحيث إن هذا الأمر- الخط في تسوية الصف - لم يكن مستعملا في عهد النبي ﷺ ، فقد اختلف العلماء في حكم استعماله، على قولين:
القول الأول:
أن استعمال الخط لا يجوز، وهو بدعة محدثة .
وممن قال به من العلماء المعاصرين الشيخ الألباني رحمه الله تعالى (١) واستدل بما يلي:
الدليل الأول:
أن الحاجة إلى اتخاذ الخط كانت موجودًة على عهد رسول الله ﷺ ، والصحابة ﵃، وهو تسوية الصف، ومع ذلك لم ينقل فعلهم له، فدل ذلك على عدم جوازه.
стр. 192
ويناقش:
بأن استعمال الخط، من الأمور التي هي خارج العبادة، ولا يزيد في العبادة شيئا حتى يقال ببدعيته، ولا يلزم من كل أمر لم يفعله النبي ﷺ ، والصحابة ﵃ أن يقال: إنه بدعة، إذا لم يتعلق بذات العبادة، وإلا لزم من ذلك تحريم كل ما من شأنه تيسير أمر العبادة، مما هو موجود في العصر الحاضر، مثل مكبّر الصوت؛ ولأن فيه مصلحة دينية (١).
الدليل الثاني:
أن استعمالها، يترتب عليه محذور، وهو الاعتماد عليها، وترك الأمر بتسوية الصفوف، الذي كان الرسول ﷺ ، يبالغ في الحض عليه، حتى قال: "لتسوون صفوفكم أو ليخالفكن الله بين وجوهكم" (٢) "سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من حسن الصلاة" (٣).
ويناقش:
أنه لا يلزم من وضع الخط، ترك الإمام تسوية الصف وتفقده، ولكنه يخفف الأمر، ولا يعفي الأئمة من القيام بواجب المتابعة، والعمل عليه في الوقت الحاضر، فلا محذور في ذلك.
القول الثاني:
أن اتخاذ الخطوط لتسوية الصفوف جائزة .
стр. 193
وهذا هو رأي اللجنة الدائمة للإفتاء (١) واختيار ابن عثيمين (٢) واستدلوا بما يلي: الأدلة:
الدليل الأول:
أن استعمال الخطوط في فرش المساجد، أو في الصحراء، وسيلةٌ لأمرٍ مشروع، وهو استواء الصف، واستقامته؛ ولأنه ليس عبادة، وإنما هو وسيلة إلى عبادة. (٣)
الدليل الثاني:
أن استعمال الخطوط من المصالح المرسلة (٤)، وذلك لأن السبب لم يكن موجودا في عهده ﷺ ؛ لأن مسجده كان صغيرا، وامتثال الصحابة وحرصهم لا يقارن بهذا الزمن. (٥)
الترجيح:
يتبين من خلال عرض القولين، والأدلة، أن الأمر يحتاج إلى مزيد نظر، في تحقق المصالح، ودرء المفاسد، فمن وضع خطاً، والحاجة
стр. 194
داعية إليه كأن يكون في المسجد انحراف عن القبلة، واضطر إلى تسوية الصفوف، بهذه الخطوط فإن الأمر واسع بالقول بالجواز، أما إذا لم تكن هناك حاجة متحققة، وحصل مخالف من جماعة المسجد، ممن لا يرى جوازه، ففي هذه الحالة الأولى تركه؛ إعمالا لقاعدة (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) (١).
قال في تيسير الوصول: "وينبغي أن يعلم أنه إذا تساوت مصلحة الفعل، ومفسدته، رُجِّحَ جانب المفسدة، فيُدرأ الفعل؛ لأن درء المفاسد، مقدم على جلب المصالح" (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 195
المبحث الثاني
الصفوف في وسائل النقل وفيه مطلبان
المطلب الأول: الصف في الطائرة:
الطائرات من جملة النعم، التي امتن الله بها على عباده، فهي نوع من أنواع المركوبات المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١).
والصلاة في الطائرة حسب الاستطاعة، كما هو ظاهر من أقوال الفقهاء فيما يماثلها فمن كان مستطيعا الصلاة واقفا، فلا عذر له بالصلاة جالسا، ومن لم يستطع فعليه الصلاة جالسا، ومن كان لا يستطيع الصلاة جماعة، فلا حرج عليه بصلاته منفردا.
والأدلة على ذلك:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢).
стр. 196
الدليل الثاني:
قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١).
الدليل الثالث:
حديث عمران بن حصين ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم" (٢)، أما بالنسبة للصفوف، وإمكانية المصافة داخل الطائرة، فهو متوقف على تصميم، ونوع الطائرة، فبعض الطائرات يكون في خلفيتها أماكن للصلاة فيها، كما في بعض الطيران الدولي، وهو ظاهر في الطائرات لبعض خطوط الدول الإسلامية (٣)، ويتسع لثمانية أشخاص تقريبا، فهنا لا إشكال في صفوف المصلين، وعلى الراكبين أن يصلوا جماعات، حسب العدد الذي يسعه المكان، (٤) كلما انتهت جماعة تلتها جماعة أخرى، مع مراعاة وقت الصلاة، بحيث لا يخرج الوقت، وهم بانتظار الجماعات، لأن الطائرة المتجهة شرقا، غالبا مايكون الوقت قصيرا، خاصة في الصلاة التي لا تجمع كالفجر، وفي صلاة المسلمين جماعة، امتثال لأمر الله ، وأمر رسوله ﷺ بالصلاة جماعة، مع أن في ذلك إظهارا لعزة الإسلام وأهله.
стр. 197
المطلب الثاني: الصف في السفينة . وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: حكم المصافة في السفينة (١) جلوسا بدل القيام:
إذا أراد الراكبون على ظهر السفينة أن يصلوا جماعة، فإنه يلزم مراعاة تسوية الصف أثناء إقامتها، واختلفوا في صحة المصافة جلوسا بدل القيام في الفريضة على قولين:
القول الأول:
أنه يجوز أن يصلي في السفينة قاعدا، وهو قادر على القيام .
وهو قول الحنفية (٢)
جاء في العناية (٣): "ومن صلى في السفينة قاعدا من غير علة، أجزأه". الأدلة:
الدليل الأول:
الأثر عن حصين، عن مجاهد قال: "كنا نغزو مع
стр. 198
جنادة بن أبي أمية، البحر فكنا نصلي في السفينة قعودا" (١).
الدليل الثاني:
الأثر عن ابن سيرين قال: "خرجت مع أنس إلى بني سيرين في سفينة عظيمة، قال: فَأَمَّنَا فصلى بنا فيها جلوسا ركعتين، ثم صلى بنا ركعتين أُخْرَوَيْن" (٢).
الدليل الثالث:
الأثر عن عاصم بن سليمان: "أن أنس بن مالك صلى بأصحابه في السفينة قاعدا على بساط" (٣).
وناقش ابن حزم هذا الدليل فقال:
"وما يدريكم أنه كان قاعدا، وهو يقدر على القيام؟ حاشا لله أن يظن بأنس ﵁ أنه صلى قاعدا، وهو قادر على القيام" (٤).
الدليل الرابع:
قياس الركوب على السفينة، على الركوب على الدابة،
стр. 199
بجامع دوران الرأس غالبا عند الصلاة واقفا، فيسقط القيام (١).
ونوقش:
بأنه قياس مع الفارق، حيث لا يستطيع المصلي الوقوف على الدابة، مع إمكانيته في السفينة، ولا يُسَلّم أن الوقوف سبب لِدَوَران الرأس غالبا، مع وجوده أحيانا.
القول الثاني:
لا تجوز صلاة المصلي فيها قاعدا وهو قادر على القيام .
وهو قول المالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤).
قال مالك (٥): "إذا قدر على أن يصلي في السفينة قائما، فلا يصلي قاعدا".
وجاء في الحاوي الكبير: "من لزمه فرض القيام في غير السفينة، لزمه فرض القيام في السفينة .... لأنه ركن من أركان الصلاة فوجب ألا يسقط في السفينة كالركوع والسجود". (٦)
وجاء في الزاد (٧): "ولا تصح صلاته قاعدا في السفينة، وهو قادر على القيام".
стр. 200
الأدلة.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١).
وجه الدلالة:
أن الآية تأمر بالقيام في الصلاة من غير تفريق بين صلاة السفينة، وغيرها.
الدليل الثاني:
حديث ابن عمر ﵃ قال: "سئل النبي ﷺ كيف أصلي في السفينة؟ قال: صَلّ فيها قائما؛ إلا أن تخاف الغرق" (٢).
الدليل الثالث:
الأثر عن عبد الله بن مسلم قال: "سئل مسلم بن يسار عن الصلاة في السفينة قاعدا، فقال: إني لأكره، أو أبغض أن يراني الله أن أصلي له قاعدا، من غير مرض" (٣).
الدليل الرابع:
الأثر عن مروان بن معاوية عن حُميد قال: "سُئِل أنس عن الصلاة في السفينة، فقال عبد الله بن أبي عتبة مولى أنس وهو معنا جالس:
стр. 201
سافرت مع أبي سعيد الخدري، وأبي الدرداء، وجابر بن عبد الله وقال حميد: وأناس قد سماهم، فكان إمَامُنَا يُصلي بنا في السفينة قائما، ونحن نصلي خلفه قياما، ولو شئنا لأرْفَأنَا (١) وخرجنا" (٢).
قال الشوكاني (٣): "فيه أن الواجب على من يصلي في السفينة القيام، ولا يجوز القعود إلا عند خشية الغرق، ويؤيد ذلك الأحاديث المتقدمة الدالة على وجوب القيام في مطلق صلاة الفريضة؛ فلا يصار إلى جواز القعود في السفينة، ولا غيرها، إلا بدليل خاص".
الترجيح:
من خلال عرض الأقوال والأدلة، يظهر والله أعلم، أن الراجح القول الثاني وهو أنه لا تجوز صلاة المصلي في السفينة قاعدا وهو قادر على القيام؛ لأن القيام ركن من أركان الصلاة، ولصراحة الحديث في ذلك، ومانقل عن الصحابة ﵃ من الصلاة قعودا، يحمل على عدم القدرة والعجز عن الصلاة قائمين وبهذا يزول التعارض.
стр. 202
المسألة الثانية: حكم المصافة، والاقتداء بين أكثر من سفينة:
إذا كان الإمام في سفينة، ويتبعه صفوف أخرى في سفينة تابعة للسفينة التي بها الإمام فقد اختلف الفقهاء في صحة المصافة والاقتداء في هذه الحال على قولين:
القول الأول:
تصح المصافة والاقتداء بشرط التقارب بحيث تحصل الرؤية أو السماع للإمام ، أو من وراءه.
وهوقول المالكية (١). والشافعية (٢).
جاء في منح الجليل (٣): "وجاز اقتداء ذوي سفن متقاربة في المرسى بإمام واحد في بعضها يسمعون أقواله، أو أقوال من معه وفي سفينته من مأموميه".
وقال النووي (٤): "ولو كانا في البحر، والإمام في سفينة، والمأموم في أخرى، وهما مكشوفتان، فالصحيح أنه يصح الاقتداء إذا لم يزد ما بينهما
стр. 203
على ثلاث مائة ذراع".
الدليل:
أن في قرب السفينتين بعضهما من بعض مع حصول الرؤية، أو السماع للإمام، أو للمأموم، كانتا كالدار ذات البيوت فيجوز الاقتداء والمصافة. (١)
ويناقش:
أن تحديد القرب، لا يمكن ضبطه، مع تحركهما، وحصول الأمواج غالبا، ومن ثم لا تحصل المصافة والاقتداء.
القول الثاني:
لا تصح المصافة والإقتداء بين سفينتين ما لم يكن بينهما رابط .
وهو قول الحنفية (٢) وهو المختار عند الحنابلة (٣)، وهو اختيار شيخ الإسلام (٤).
جاء في مراقي الفلاح (٥):
"ويشترط ألا يكون المقتدي في سفينة، والإمام في سفينة أخرى غير مقترنة بها؛ لأنهما كالدابتين وإذا اقترنتا صح للاتحاد الحكمي".
стр. 204
وجاء في منتهى الإرادات (١):
"أو كان المأموم في غير شدة خوف بسفينة، وإمامه في أخرى غير مقرونة بها، لم يصح الاقتداء؛ لأن الماء طريق، وليست الصفوف متصلة". الأدلة:
الدليل الأول:
أن في ربط السفينتين بعضهما مع بعض، يحصل الاتصال الحقيقي، مع قرب الإمام من المأمومين، فحصلت المصافة من غير خوف في التباعد بينهما. (٢)
الترجيح:
يترجح والله أعلم، أن القول الثاني هو الراجح، وهو اشتراط الاقتران أو الربط بين السفينتين؛ لأنهما يكونان كالسفينة الواحدة؛ والصلاة في السفينة الواحدةبإمام واحد لاخلاف فيه بين المذاهب.
стр. 205
الفصل السابع
أحكام مخالفات الصفوف
ويشتمل على خمسة مباحث:
المبحث الأول: حكم المخالفة في تخطي الصفوف.
المبحث الثاني: حكم المخالفة في حجز مكان في الصفوف
المبحث الثالث: حكم المخالفة في عدم اكتمال الصف، وتخلل الفرج.
المبحث الرابع: حكم المخالفة في الصف بين السواري
المبحث الخامس: حكم المخالفة في تباعد الصفوف وبيان المعتبر فيها.
стр. 206
المبحث الأول
حكم المخالفة في تخطي الصفوف
من المخالفات التي تحدث في الصفوف الأولى بعد اكتمالها (١)، تخطي بعض المصلين الصفوف، ورفع أرجله فوق رقاب المصلين، ورؤوسهم، ولا سيما في يوم الجمعة، أو في المساجد التي يكثر فيها المصلون في غير الجمعة؛ من أجل أن يتقدم إلى الصفوف الأولى مع حضوره متأخرا، وفي هذا الفعل مخالفة شرعية ورد النهى عنها.
واختلف الفقهاء في هذا الفعل هل هو مكروه مطلقا، سواء أخرج الإمام للخطبة يوم الجمعة أم لم يخرج، أم هو خاص بحال، دون حال، أم هو محرم؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
الكراهة مطلقا .
وبه قال الشافعية (٢) في المشهور عندهم، والحنابلة (٣).
стр. 207
قال في أسنى المطالب: "ويكره لكل أحد تخطي الرقاب" (١).
وقال النووي (٢): "ينهى الداخل إلى المسجد يوم الجمعة وغيره، عن تخطي رقاب الناس من غير ضرورة".
وقال ابن رجب: "وأكثر العلماء على كراهة تخطي الناس يوم الجمعة، سواء كان الإمام قد خرج، أو لم يخرج بعد" (٣).
الأدلة:
الدليل الأول:
حديث عبد الله بن بسر ﵁ قال: … جاء رجل يتخطى رقاب الناس، يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب، فقال له رسول الله ﷺ : "اجلس، فقد آذيت" (٤)
стр. 208
وفي رواية "وآنيت" (١).
وجه الاستدلال:
أن الحديث عام في النهي عن التخطي والأمر بالجلوس، وبيان علة النهي وهي الإيذاء فيشمل الوقتين ـ قبل دخول الإمام، وبعد دخوله ـ.
الدليل الثاني:
أن تخطي الصفوف بعد استكمالها، من غير حاجة فيه ضرر، وأذى على المصلين والقاعدة أن (الضرر يزال) (٢) والضرر حاصل قبل
стр. 209
دخول الإمام، وبعد خروجه.
القول الثاني:
التخطي مكروه بعد خروج الإمام فقط .
وهو قول الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وهو قول الثوري، والأوزاعي. الأدلة.
الدليل الأول:
حديث عبد الله بن بسر المتقدم: "اجلس، فقد آذيت" وفي رواية "وآنيت" (٣).
وجه الدلالة:
أن الرسول قال هذا القول، بعد صعوده المنبر، فتكون الكراهة مختصة به.
ويناقش:
بأن العلة من النهي، وهي الإيذاء موجودة أيضا قبل دخول الإمام وبعده، فيكون التفريق بين الوقتين غير متوجه.
القول الثالث:
أن التخطي محرم مطلقا .
وبه قال الحنابلة في رواية عندهم (٤)، وهواختيار النووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية.
стр. 210
قال النووي (١): "إن المختار تحريمه للأحاديث الصحيحة".
وقال في الإنصاف (٢): "والظاهر أن الذم إنما يتوجه إلى فعل محرم".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣): "ليس لأحد أن يتخطى رقاب الناس، ليدخل في الصف، إذا لم يكن بين يديه فرجة، لا يوم الجمعة، ولا غيره؛ لأن هذا من الظلم، والتعدي لحدود الله تعالى" واستدلوا بما يلي:
الدليل الأول:
حديث ابن عمرو ﵄ مرفوعًا: "من لغا، أو تخطى، كانت له ظهرًا" (٤).
وجه الاستدلال:
أن الحديث يدل على أن التخطي للصفوف يحبط العمل، فدل على تحريمه، ولا يختص النهي بيوم الجمعة فقط، ويشمل قبل خروج الإمام، وبعده، وإنما جاءت في الحديث على مخرج الغالب، لاختصاص يوم الجمعة بكثرة الناس، بخلاف سائر الصلوات، ويؤيد ذلك
стр. 211
قوله: "فقد آذيت" فعلّل أمره بالجلوس بالأذية، فيشمل العموم في الحكم. (١) قال ابن وهب: ـ أحد رواة الحديث ـ أجزأت عنه الصلاة وحرم فضيلة الجمعة. (٢)
الدليل الثاني:
حديث عبد الله بن بسر المتقدم: "فقد آذيت، وآنيت" (٣).
وجه الدلالة:
أن الإيذاء محرم، ويشتد حرمة عندما يكون في المسجد، وفي وقت انتظار الصلاة.
الترجيح:
بعد عرض الأقوال، يظهر والله أعلم أن القول الثالث- التحريم- هو الراجح؛ لأن العلة من التحريم هو الإيذاء، وهو حاصل في يوم الجمعة وغيرها؛ ولأن حبوط العمل لا يكون إلا بفعل محرم.
стр. 212
المبحث الثاني
حكم المخالفة في حجز مكان في الصفوف وفيه مطلبان
المطلب الأول: أقوال الفقهاء في تحقق المخالفة في حجز المكان:
تتفق أقوال الفقهاء على أن ما يفعله بعض المصلين في يوم الجمعة، أو غيرها عند المشاحة في المكان الفاضل، من وضع سجادة، أوعصا، أو غيرها، لحجز مكان له في الصف أن ذلك مخالفة شرعية.
قال ابن الحاج: "وينبغي له أن ينهى الناس عما أحدثوه من إرسال البسط، والسجادات، وغيرها، قبل أن يأتي أصحابها" (١).
وقال الشربيني (٢): "لو بسط شخص شيئا في مسجد مثلا ومضى، أو بُسِطَ له كان لغيره تنحيته".
وقال ابن قدامة (٣): "لأن السبق بالأجسام، لابالأوطئة، والمصليات".
стр. 213
وقال شيخ الإسلام (١): "ليس لأحد أن يفرش شيئا ويختص به مع غيبته، ويمنع به غيره، هذا غصب لتلك البقعة، ومنع للمسلمين مما أمر الله تعالى به من الصلاة، والسنة أن يتقدم الرجل بنفسه، وأما من يتقدم بسجادة فهو ظالم، ينهي عنه، ويجب رفع تلك السجاجيد، وَيُمَكَّنَ الناس من مكانها".
وقال السعدي: "إن التحجير في المساجد، ووضع العصا، والإنسان متأخر في بيته، أو سوقه عن الحضور لا يحل ولا يجوز؛ لأن ذلك مخالف للشرع، ومخالف لما كان عليه الصحابة، والتابعون لهم بإحسان" (٢).
المطلب الثاني: ضابط مخالفة حجز المكان في الصف .
الشخص الذي يَحجز له مكانا في الصف لا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى:
أن يتم الحجز في الصف، وهو يقضي وقته في منزله أو عمله، في أمور لا يحتاجها للصلاة، فهذه هي الحالة المذمومة التي ورد النهى عنها؛ وذلك لما يترتب عليها من أضرار منها:
الأول:
حصول المخالفة لما أمر به من التقدم إلى المسجد، والقرب من
стр. 214
الإمام بنفسه، بقوله ﷺ : "لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا" (١).
الثاني:
أن عمله ذلك عمل الغاصب، والغصب منهي عنه، ومستحق للإثم، والسابق إليه هو الأحق به. (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣): "ليس لأحد أن يقدم، ما يفرش له في المسجد ويتأخر هو، وما فرش له لم يكن له حرمة، بل يزال، ويصلي مكانه على الصحيح".
الثالث:
أن صلاة المتحجر للمكان ناقصة؛ لأن المعاصي إذا لم تبطل الأعمال تنقصها، وبعض العلماء يرى بطلان صلاته؛ لأنه غاصب لذلك المكان. (٤)
الرابع:
أن من حُجِزَ له مكان، فإنه يتأخر عن الحضور غالبا، فإذا حضر تخطى رقاب الناس، وآذاهم، فجمع بين التخطي الذي هو محرم كما سبق، والتأخر المخالف للنصوص الواردة في التبكير، والتهجير للصلاة.
الخامس:
حصول العداوات، والشحناء، بين المصلين بسبب التحجير،
стр. 215
وهذا أمر شائع ظاهر، وفي ترك هذه المخالفة قضاء على هذا الضرر العظيم، الحاصل في أفضل البقاع وهي المساجد. (١)
الحالة الثانية:
أن يتم الحجز والمصلي داخل المسجد في بقعة أخرى، أو يخرج لحاجة الوضوء، ونحوه فهذه الحالة، الحاجز له حق في ذلك المكان، بشرط عدم التأخر، حتى لايرتكب مخالفة أخرى كتخطي الرقاب، ولها صور متعددة منها:
الصورة الأولى:
أن ينتقل إلى مؤخرة المسجد؛ حتى لا يؤذي من بجانبه بقراءته؛ لأنه معتاد على رفع صوته، أولكي يُذْهِبَ عنه الملل. (٢)
الصورة الثانية:
أن ينتقل إلى مُؤَخِّرة المسجد؛ لأن فيه تعبا، ويحتاج إلى شيء يستند إليه، وهو أحق بالمكان الذي سبق إليه لقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: "إذا قام أحدكم من مجلسه، ثم رجع إليه، فهو أحق به" (٣).
قال النووي (٤): "قال أصحابنا: هذا في حق من جلس في موضع من المسجد أو غيره لصلاة مثلا، ثم فارقه ليعود إليه، كإرادة الوضوء، أو لشغل