Полный текст (187 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
عمر ألفا سنة، وقد جاءت بذلك الشواهد من الأشعار. ومنها قوله بعد رجوعه لمّا نعيت نفسه إليه فجعل يخاطب نفسه:
صعب حقاً كل شيء ذاهب ... إلاّ الإله الواحد المعبود
هتكت خطوب الدهر عمرك هتكة ... أمسى حسامك دونها مغمودا
عمرت ألفاً بعد ألفا قبلها ... في العالمين فقد دعيت وحيدا
وقصدت آفاق البلاد بقدرة ... فوجدت نحساً دونها وسعودا
فهديت فيها مؤمناً ذا همة ... ونشزت منها كافراً وجحودا
ورايت عين الشمس عند سقوطها ... ووردت أمواج المحيط ورودا
وبلغت أعلام المشارق كلها ... أبغي بما أبغي لهن حدودا
فوطئت يأجوجاً ومأجوجاً بها ... وبنيت دونها وحديدا
وجعلت عن شريهما مندوحة ... فالفج عن صدفيهما مقصودا
وولجت في الظلمات حين ولجتها ... خوفا وكان وتاجها محدودا
ولقيت تحت الشمس قوماً خلتهم ... تحت الظلام خنازراً وقرودا
وعلوت في الدنيا بعزة قاهر ... أكدت فيها للبقا تأكيدا
حاولت أنَّ أعطي الخلود وأرتقي ... في الخافقين إلى السماء صعودا
فأبى لي الله الذي أملته ... أمس المنى دون الرضا ممدودا
стр. 107
فالحنو للصعب المعبهل منهل ... يسعى به أمداً له ممدودا
قال النعمان بن الأسود بن المعترف بن عمرو بن يعفر بن سكسك المقعقع الحميري يرثي ذا القرنين الحميري:
بحنو قراقر أمسى رهيناً ... أخو الأيام والدهر الهجان
لئن أمست وجوه الدهر سوداً ... جلين لذلك الملك اليماني
لقد صحب الردى ألفين عاماً ... ولاقاه الحمام على ثمان
إذا جاوزت من شرفات حنو ... وسرت بايك برقة رحرحاني
إذا جزت العقيق بأرض هند ... إلى القنوات والنخل الدواني
هناك الصعب ذو القرنين ثاو ... بأرض تنوفة الحنوين عاني
ألم تر أنَّ حنو الرمل أمسى ... لملك الدهر والدنيا مغاني
فقال للنازلين بكل أرض: ... لكم أمر على بعد وداني
قال أبو محمّد: حدثنا أسد عن إدريس عن وهب بن منبه عن عبد الله بن العباس أنَّه سئل عن ذي القرنين، ممن كان؟ قال: كان من حمير، وهو الصعب بن ذي مراثد، وهو الذي مكن الله له في الأرض، وآتاه من كل شيء سببا، بلغ قرني الشمس وداس الأرض، وبني السد على يأجوج ومأجوج. قال فالأسكندر الرومي؟ قال: كان
стр. 108
الاسكندر الرومي رجلاً صالحاً حكيما، بني على بحر أفريقيس منارتين: واحدة يأرض بابلبيون، وأخرى في أرض رومة، وسمي إفريقيس باسم ملك عظيم من عظماء التبابعة، أكثر الآثار عليه في المغرب من المصانع والمدن والآثار
وسئل كعب الأحبار عن ذي القرنين، فقال: الصحيح عندنا من علوم أحبارنا وأسلافنا أنَّه من حمير، وأنَّه الصعب بن ذي مرائد، والأسكندر من بني يونان أبن عيص بن اسحق بن إبراهيم ﵇، ورجاله أدركوا عيسى بن مريم، منهم جالينوس وأرسطوطاليس ودانيال وهو من بني إسرائيل، وجالينوس وأرسطوطاليس من بني يونان من الروم، وفيه قال أسعد تبع:
قد ك ذو القرنين جدي مسلماً ... ملكا تدين له الملوك وتسجد
طاف المشارق والمغارب عالماً ... يبغي علوماً من كريم مرشد
وأتى مغار الشمس عند غروبها ... في عين خلب وثأط حرمد
وذكره قس بن ساعدة الإيادي فقال: أيّها الناس، هل أتاكم ما لم يأت آبائكم الأولين، أو أخذتم عهداً من السنين، أم عندكم من ذلك يقين، أم أصبحتم من ريب المنون آمنين، بل أصبحتم والله في غفلة لاعبين، أبن الصعب ذو القرنين، جمع الثقلين، وأداخ الخافقين، وعمر ألفين، لم تكن الدنيا عنده إلاّ كلمحة عين، من لم
يتعظ اتعظ به
стр. 109
أيها الناس، أين الآباء والأمهات، والإخوة والأخوات، والأبناء والبنات. أما ترون آيات بعد آيات، وأموات بعد أموات، إلاّ وإنْ علم الغيب باطن، وبناء الخلق ظاهر، اضمحلت الأشخاص وذهبت، وعادت العظام رميا وبعثت، كلا ليصلن كل عامل عمله، كلا بل هو إله واحد، ليس بمولود. . . . . . . والد، أسكنهم التراب وإليه المآب.
أما بعد، فإنَّ الحي حكم بالموت. أيها الأشهاد، أين ثمود وعاد. . . . . . الآباء والأجداد أين الظالم والمظلوم، أين الحس الذي لم يسكن؟ هل تدرون أين ذهب أبرهة ذو النار وعمرو ذو الأذعار؟ أم هل تدرون ما صار إليه عبادة الفتاح وأذينة الصباح، وجذيمة الوضاح؟. عزوا فقهروا، ونهوا وأمروا، وبنوا المصانع والآبار وجدلوا الأنهار، وغرسوا الأشجار، واستخدموا الليل والنهار هجمت الآجال دون الآمال. إلاّ وإنْ كل شيء إلى زوال. وأنشأ يقول:
قد كنت أسمع بالزمان ولا أرى ... أنْ الزمان يطيق نتف جناحي
فأراه أسرع في حتى أصبحت ... بيضا متون عوارضي وصفاحي
وأنا الكبير بسنة في قومه ... هيهات كم ناسمت من أرواح
صافحت ذا جدن فأدرك مولدي ... همرو بن شمر إذ سقى بالراح
стр. 110
والقيل ذو يزن رأيت محله ... بالقهر. . . . . . بين مرامر وصفاح
فتك الزمان بملك حمير فتكة ... وسعى بكل عشية وصباح
أودى أبو كرب وعمرو قبله ... وأباد ملك أذينة الصباح
وأباد إفريقيس بعد مقامه ... في الملك. . . . . . . . . . الفياح
والصعب ذو القرنين أصبح ثاويا ... بالحنو بين ملاعب الأرواح
وغدا بأبرهة النار فأصبحت ... أيامه مسلوبة الأصباح
أخنى على صيفي بحادثة صرفة ... مستأثرا بجذيمة الوضاح
أم أين علكدة الهمام وملكه ... أم أين عز عبادة الفتاح
والعبد والهدهاد صارا عبرة ... طارا. . . . . الدنيا بغير جناح
لا تمس في شك الظنون أما ترى ... أيامه مشهورة الايضاح
لا تأمنن مكر الزمان فإنه ... أودى الزمان بشمر الصياح
من بعد ملك الصين أصبح هالكا ... أكرم به من هالك مجتاح
برك الزمان على أبن هاتك عرشه ... وعلى أذنيه سالب الأرواح
وعلى الذي كانت بموكل داره ... يهب الفيان وكل أجرد شاحي
أين الذين تملكوا قد أهلكوا ... وعلى المقعقع حل بالأتراح
شخصت على بعد النوى أشخاصهم ... فرآهم الأوهام بالأشباح
стр. 111
أفبعد أملاك مضوا من حمير ... أرجوا الفلاح ولات حين فلاح
. . . . ذا يصافق كفه كف الردى ... يشرى البقا عن بيعة الأرباح
. . . . .،. . . . . . . بن ساعده من جملة ملوك حمير. وقال الأعشى:
والصعب ذو القرنين أصبح ثاويا ... بالحنو في جدث رميم مقيما
في شعر طويل. وقال الربيع بن ضبع الفزاري:
سيدركني ما أدرك المرء تبعا ... ويغتالني ما اغتال أنسر لقمان
أجار مجير النمل من عز ملكه ... وأنزل سيف البأس من رأس غمدان
وألوى بذي القرنين بعد بلوغه ... مطالع الشمس بالإنس والجان
وقال الربيع أيضاً:
لا بد أنْ ألقي المنون وإنْ نأت ... عني الخطوب وصرفه المحتوما
هلا ذكرت له العرنجج حميرا ... ملك الملوك على القليب مقيما
والصعب ذو القرنين عمر ملكه ... ألفين أمسى بعد ذلك رميما
ونبت به أسبابه حتى رأى ... وجه الزمان بما يسوء شتيما
وقال امرؤ القيس بن حجر المقصور بن الحارث آكل المرار، يذكر ذا القرنين الصعب بن ذي مرائد:
ألم يحزنك أنْ الدهر غول ... ختور العهد يلتهم الرجالا
стр. 112
أزال عن المصانع ذا رياش ... وقد ملك السهول والجبالا
همام طحطح الآفاق وجيا ... وقاد إلى مشارقها الرعالا
وسد بحيث ترقى الشمس سدا ... ليأجوج ومأجوج الجبالا
والثالث المنذر بن ماء السماء اللخمي. . . . . . . الحيرة، وكان يدعى بذي القرنين وقد رحل عنه امرؤ القيس بن حجر المندي. . . . . يوم طلبه فاستجار منه بالمعلي بن تميم بن ثعلبة الطائي فمنعه عنه، وأنشأ يقول:
فما ملك العراق على المعلي ... بمقدار ولا الملك الشآم
أسد نشاص ذي القرنين حتى ... تولى عارض الملك الهمام
وكانت له مسيحتان من. . . . . . . . فسمى بهما ذا القرنين، والغدارة من شعر الرأس قرن وهي قرون الشعر.
والرابع، هو الذي أتى فيه الخبر عن عليّ وأبن عباس ﵉ وقد سئلا عن ذي القرنين الماح، فقالا: ذو القرنين، هو الصعب بن عبد الله بن مالك بن زيد بن سدد أبن زرعة، وهو حمير الأصغر بن سبأ الأصغر بن كعب. وإنَّ صح طرق هذا الحديث عن عليّ ﵇، فانه الذي ملك بعد تبع الأكبر المدة التي تنسب إلى
стр. 113
ذي مقار وهي خمس وخمسون سنة، وإنَّ لم يصح، فالذي ملك بعد تبع، ذو مقار. وقال وسئل عليّ ﵇ عمن اجتمع له ملك الأرض كلها، فقال: ملك الأرض كلها أربعة: مؤمنان وكافران. فالمؤمنان سليمان بن داود، وذي القرنين، اسمه الصعب بن عبد الله بن مالك بن زيد بن سدد بن حمير الأصغر بن سبأ الأصغر. والكافران: تبع والنمرود. ورواية عبد الله بن عباس بن أبن سلام تخالف
هذا الحديث في تبع، لأنه ذكر أنَّه رجل مؤمن، إلاّ أنْ يكون عليّ ﵇ أراد تبع الأكبر.
وروي عن سفيان بن عيين عن ليث بن أبي سليم، عمن حدثه عن عليّ بن أبي طالب ﵇ أنَّه سئل عن ذي القرنين: ما ركب في مسيره يوم سار؟ فقال: خير بين ذلل السحاب وبين صعابه فاختار ذلله وهو الذي لا برق فيه.
فهؤلاء الأربعة المتفق عليهم بهذا الاسم، واختلف في أيهم المساح؟ والصحيح الذي جاءت به الشواهد في كتاب الله تعالى وفي أشعار العرب، وقد وقع الإجماع فيه، أنَّه من ولد قحطان بن هود ﵇، وإنما وقع الاختلاف في نسبه إلى حمير أو كهلان فيما تقدم من الروايات. والله أعلم بالحقيقة.
وقال نشوان:
والرائد الملك المتوج تبع ... ملك يرود الأرض كالمساح
فتح المدائن والمشارق وانتحى ... للصين في برية وبراح
فأذاق بعبر حتفه فدحى به ... في عقر لحد للمنية داحي
стр. 114
وأحل من يمن بتبت معشراً ... أضحوا بها عنا من المزاح
والترك قبل الصين كان لهم به ... يوم شتيم الوجه والأكلاح
هذا الملك الرائد، وهو الذي يسمى به الأكبر لعظم ملكه، وشدة وطأته. وهو تبع أبن الأقرن بن يرعش بن إفريقيس؛ وكثير من حمير يقول أنَّه ذو قرنين السيار الذي بنى سد يأجوج ومأجوج؛ وأنَّه الصعب ذو القرنين بن الأقرن، فأقام عشرين سنة لا يغزو، ثم أتاه عن الترك ما ساءه من تطاولهم على من ببابل، وتناولهم لأطاربفه، فسار إليهم على الأرض نجد ثم على جبلي طيء ثم على الأنبار، وهو الطريق الذي ك يسلكه الرائش وشمر يرعش، فلقيهم في حدّثني أذربيجان، فهزمهم وأذرع القتل فيهم وأسر منهم وسبى، ثم جال في بابل وبلد خرسان وفارس، ثم
توجه إلى نحو الصين فافتتحها واستباحها وأخذ ما كان من الأموال وقتل ملكها يعبر وأقام بها مدة ثم قفل، وخلف في التبت في صدره جيشاً عظيماً رابطة، فأعقبهم بالتبت إلى اليوم
قال عبيد بن شرية: وهو التبتيون، وإذا سئلوا عن أنسابهم أخبروا انهم من العرب وإنَّ لهم بيتاً يعبدون فيه ربهم، ويطوفون حوله أسبوعاً ويذبحون، وذلك في شهر من السنة. قال ولمّا كثرت الأعداء بيننا وبين البيت، وكنا إذا خرجنا إليه تعظيما له أعتزلوا دونه، فلما رأى ذلك أولونا جعلوا في بلادهم وموضعهم الذي يسكنون
стр. 115
فيه بيتا مثل ذلك البيت، فنحن اليوم نعظمه ونطوف به سبع مرات، ونذبح فيه شهرين في السنة ونطعم ثلاثة أيام من جاء من الناس. قال معاوية بن أبي سفيان لعبيد بن شربة من أين علمت بقتالهم في حدّثني أذربيجان وخبر التبت؟ قال عبيد شربة: يا أمير المؤمنين، أهمني ذلك فسألت عنه من وقع إلينا من الأعاجم من تلك النواحي، وغدوت أيضاً إلى ذلك الثغر فسألت - وفي السؤال شفاء من العي وبيان عن العمي - وإذا تقادم الشيء ولم يجيء ذكره ذهب أصله وبطلت حقيقة أمره وماتت شواهده
ثم آلى يبع يميناً، لا يدع أرضا مما كان آباؤه قد حوته من أرض الأعاجم وغيرهم إلاّ ترك فيها رابطة وعسكراً من قومه، وذلك حين رجع من الصين
قال عبيد بن شربة: وقد قال تبع الأكبر في ذلك شعراً:
أنا تبع الأملاك من نسل حمير ... ملكنا عباد الله في الزمن الخالي
ملكناهم قهراً وسارت جيوشنا ... إلى الهند والأتراك ترى بأبطال
ولك بلاد الله قد وطئت لنا ... خيول لعمري غير نكس وأعزال
فمالت بنا شرق البلاد وغربها ... لهتك ستور نكبة ذات أهجال
وعطل منها كل حصن ممنع ... ونقل منها ما حوته من المال
وتلك شروق الأرض منها وطأتها ... إلى الصين والأتراك حالا على حال
فإبنا جميعاً بالسبايا وكنا ... على كل محبوك من الخيل صهال
بكل فتاة لم تر الشمس وجهها ... أسيلة تجري الدمع بيضاء مكسال
стр. 116
سموت البرى غرثى الوشاح كأنها ... من الحسن بدر زال عن غيم هطال
أتينا بها فوق الجمال حواسراً ... بلا دملج باق عليها وخلخال
تركناهم عزلا تطيح نفوسهم ... فلا ساكن منهم مقيم ولا وال
فما الناس إلا نحن لا ناس غيرنا ... وما الناس إنْ عدوا لقومي بأمثال
وتبع الأكبر هذا، هو القائل من شعر طويل:
منع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي
وطلوعها بيضاء صافية ... وغروبها صفراء كالورس
تجري على كبد السماء كما ... يجري حمام الموت للنفس
اليوم أعلم ما يجيء به ... ومض بفصل قضائه أمس
وتشتت الأهواء يخلجني ... والغزو نحو مطلع الشمس
وانا الهمام الحميري على ... نجم السعود ولدت لا النحس
قدنا الجياد على كواكبها ... أسد العرين وأشبل الفرس
أبطال ملحمة إذا التحمت ... من كل أشوس ليس بالنكس
كم معشر أدوا خراجهم ... قسراً إلي وجانبوا مرسي
فإذا غزونا أمة خضعت ... وتيقنت بالذل والتعس
حزقاً تنفر عن جباههم ... ونذيقهم ما ذاق ذو الضرس
أيقنت أني سوف أحصل في ... من قد مضى ويضمني رمسي
стр. 117
ولسوف يفنى الناس كلهم ... طراً في الأرض من جنس
وأعوذ بالملك المهيمن من ... ما غال بالبأساء والرجس
وقال نشوان:
والكامل الملك المتوج أسد ... فيه تقصر مدحه المداح
كم قاد من جيش أجيش كبابلٍ ... وكتيبةٍ تغشى البلاد رداح
حتى اسباح بلاد فارس بالقنا ... وبكل أجرد في الجياد وقاح
والترك والخزر استباح بلادهم ... والروم منه تتقي بالراح
والصين تجبي خراجها عماله ... في بكرةٍ من دهرهم ورواح
نطح الأعاجم في جميع بلادهم ... بأحد قرنٍ في الوغى نطاح
وأذاق موليس الحمام وجؤذراً ... ونجى قباذ كثعلبٍ صياح
حتى أتاه ذو الجناح برأسه ... من أرض بلخ ونهرها المنساح
وأتى بقسطنطين في أغلاله ... وبهرمزٍ في قيده الملحاح
وغزوا أرض الشمال فخاض في ... ظلماتها بمنارة المصباح
وكسى البنية ثم قوس هدية ... سبعين ألفاً من بنات لقاح
هذا الملك هو تبع الأوسط؛ أسعد الكامل بن ملكي كرب بن تبع الأكبر
стр. 118
وهو الرائد بن تبع الأقرن، بن شمر يرعش بن افريقيس بن أبرهة ذي المنار بن الحارث الرئش، وكان أبوه ملكي مرب ملكناً على اليمن لا سواها، وما أجله بنو سبأ الأصغر وسائر بطون حمير إلاّ لأنهم طلبوا بذلك الراحة مما كانوا يعتادونه من تعب في المغازي مع ملوكهم الأوائل، فمال ملكي كرب إلى همدان وكان ينتاب ناعطاً وضهراً ومدراً ورياماً، ثم خطب إلى موهبيل بن عبد ريم عمرو بن الفائش بن شهاب بن مالك بن معاوية بن دومان بن بكيل صاحب قصر خمر ابنته الفارعة بنت موهبيل فزوجه بها وتقدم بها في قصر خمر، فأقام معها حولا، وعاد إلى ظفار فحملت فولدت غلاماً فسماه أسعد، ولم يلبث ملكي كرب إلاّ يسيراً جتى توفي وابنه أسعد عند أمه وخئولته بخمر، فلما توفي ملكي كرب مرج الأمر من حمير، فماسكه بكير وكان بكير من أعوان ملكي كرب ووزرائه، وهو بكير بن نوفان بن أبتع بن أنوف بن ذي بتع صاحب بلقيس، وهو قيل ناعط، وموهبيل بن ريم جد اسعد الكامل: وكان من قصة أسعد الكامل أنَّه خرج ذات يوم إلى قصر خمر ولا علم لهم بخروجه، حتى انتهى إلى جبل هنوم وقيل اختطف إلى حبل هنوم وهو الأصح، فصادف نسوة فأضفنه، ثم جاءته الكبرى منهن بأسقية فيها خمر وفيها دم فشرب جميع ذلك، ثم جاءت الوسطى وقد أخذ فيه السكر
стр. 119
بمركب من مراكب الجن، ويقال أنَّه حمار، فركبه فطار به من حرفه فأسقطه فتجرح بدنه، وتهاضت عظامه، وجعلت الثالثة تمرضه حتى برئ، وفرشت له فراشا فوقه ابر يضاجعها غليه، ومرضته حتى برئ جسمه، وقوى عظمه ثم سرحته وأخبرته أنَّه سيقتل أعداءه ويبلغ أينما نواه، وينال في الملك ما يهواه، وأمرته أنْ لا يقف في خمر، وأنْ يكون مقامه بظفار، وصدوره للغزو منها. وقد ذكر جماعة من أهل العلم، منهم المفضل، ووهب بن منبه، وغيرهما، أنْ الحارث الرائش أول من دخل أرض الأعاجم وأدخلها، وأنه اشتد غضبه على رؤساء قومه بسبب لم يرضه لهم، فوضع يده في قتلهم فهرب منهم رجل، فطلبه الرائش، فأعجزه هربا، ترفعه أرض وتخفضه أخرى، حتى إذا جنه الليل، انضاف إلى كهف في جبل، فأخذته عينه، فإذا آت قد أتاه فقعد عند رأسه، وأنشأ يقول:
الدهر يأتيك بالعجائب والأ ... يام والدهر فيه معتبر
بينا ثرى الشمل فيه مجتمعا ... فرقه في صروفه القدر
لا تنفع المرء فيه حياته ... مما سيلقى يوما ولا الحذر
إني زعيم بقصة عجب ... عندي لمن يستزيدها الخبر
تأتي بتصديقها الليالي والأ ... يام إنَّ المقدور ينتظر
يكون في الأسر مرة رجل ... ليس له في ملوكهم خطر
مولده في قرى ظواهر هم ... دان بتلك التي اسمها خمر
يقهر أصحابه على حدث السن ... ويخفي فيهم ويحتقر
حتى إذا أمكنته صولته ... وليس يدري بشأنه البشر
أصبح في هنوم على وجل ... وأهله غافلون ما شعروا
стр. 120
رأوا غلاما بالأمس عندهم ... أزرى لديهم جهلا به الصغر
لم يفقدوه لا در درهم ... لو علموا العلم فيه لأفتخروا
حتى إذا أدركته روعته ... بين ثلاث وقلبه حذر
جاءت إليه الكبرى بأسقية ... شتى وفي بعضها دم كدر
فقال هاتي إليَّ أشربه ... قالت له ذر فقال لا أذر
فناولته فما تورع عن ... أقصاه حتى أماده السكر
فنهنهته الوسطى فنازلها ... كأنه الليث هاجه الذعر
قالت له هذه مراكبنا ... فاركب فشر المراكب الحمر
فقال حقا صدقت ثم سما ... فوق ضبيع قد زانه الضمر
فصد لمّا رآه من أرن ... ومن جراح وهاجه الحصر
فدق منه جنبا فغادره ... فيه جراح منها به أثر
ثم أتته الصغرى تمرضه ... فوق الحنايا ودمعها درر
فحال منها بمضجع ضجر ... وما يساوي الوطاء والدعر
وكان إذ بعد صرعته ... من شدة الجهد تحته الإبر
فقلن لمّا رأين حالته ... أسعد أنت الذي لك الظفر
في كل ما وجهه توجهها ... وأنت تشقي بحربك البشر
وأنت للسيف واللسان وللأ ... بدان تبدو كأنها الشور
وأنت أنت المهريق كل دم ... إذا ترامى بشخصك السفر
стр. 121
فارشد فلا تسكن في خمر ... ورد ظفار فإنّها الظفر
فلست تلتذ عيشة أبداً ... وللأعادي عين ولا أثر
نحن من الجن يا أبا كرب ... يا تبع الخير هاجنا الذعر
فيما بلوناه فيك من تلف ... عن غمض. . . . . . وأنت مصطبر
ثم أتى أهله فأخبرهم ... بكل ما قد. . . . . . فما اعتبروا
فسار عنهم من بعد تاسعة ... إلى ظفار وشأنه الفكر
فحل فيها والدهر يرفعه ... في عظم الشأن وهو يشتهر
حتى أتته من المدينة تش ... كو الظلم شمطاء قومها غدروا
أدلت إليه منهم ظلامتها ... ترجو. . . . . . ثأرها وتنتصر
فاعمل الرأي في الذي طلبت ... تلك وكل بذلك يأتمر
فعبأ الجيش ثم سار به ... مثل الدبا في البلاد ينتشر
قد ملأ الخافقين عسكره ... كأنه الليل حين يعتكر
تقهر أعداءه كتائبه ... فليس تبقى منهم ولا تذر
حتى قضى منهم لبانته ... وفاز بالنصر ثم من نصروا
إنا وجدنا هذا يكون معا ... في علمنا والمليك مقتدر
والحمد لله والبقاء له ... كل إلى ذي الجلال مفتقر
فلما رجع أسعد الكامل إلى أهله بخمر أعلمهم. . . . . . كان من خبره وخبر النسوة الآتي لقيهن من الجن، وعمل على ما أخبرنه به، فنهض إلى ظفار وهو أبن تسع سنين وزيادة أشهر فأقام بها، وكان من شأنه دراسة العلوم والنجوم، واصطناع المعروف إلى أكابر أهل ظفار وهم لا يعلمون أنَّه أبن ملكهم ملكي كرب. وإنما كتم جده أمره
стр. 122
خوفا عليه من غوائل حمير ممن يطلب المملكة. إلى أنْ وجده موهبيل بن عبد ريم قد اشتد ساعده، وكثر من الناس مساعده لمّا كان يصطنع به الرجال من المعروف، وجده موهبيل يمده بالأموال فملكه الملك وهو أبن خمس وعشرين سنة. فلما أسعد هرب منه بكير بن نوفان. وكان أسعد تبع ملكا. . . . . . .، شاعرا فصيحا، عارفا بالنجوم وأحكام القرانات، وهو أحد المعمرين، عمر. . . . . . . . وإحدى وخمسين سنة، وكان ملكه ثلاثمائة وستون وعشرين سنة، وكان مؤمنا بالله والذي نهى النبي ﷺ عن سبه، واخبر بالنبي ﷺ ، وهو القائل:
شهدت على أحد أنَّه ... رسول من الله باري النسم
فلو مدينة عمري إلى عمره ... . . . . . . . . . وزيرا له وابنعم
وألزمت طاعته كل من ... على الأرض من عرب أو عجم
واجعل نفسي له جنة ... وأفرج عن صدره كل غم
نبي وجدناه في كتبنا ... به يهتدي وبه يعتصم
يسود الأنام ببرهانه ... وبالرغم يسبي ذراري العجم
ومنا قبائل. . . . . . يؤونه ... إذا حل في الحل بعد الحرم
وهو أحمد سيد المرسلين ... وأمة أحمد خير الأمم
هو المصطفى وأخو المرتضى ... وأكرم من حملته قدم
قال عبيد بن شرية: ذكر أنه. . . . . . . الكامل أكثر الغزو في كل ناحية وكان لا يخرج بقومه مخرجا حتى ينظر في مطالع السعود من النحوس، فيسير بجنده، ويتجنب
стр. 123
النحوس فيترك بذلك، وكان يغزو سنة إذا قرب المسير عليهم، ويقيم سنة فإذا غزا بهم ثلاث سنين أقام سنتين، وكان يكثر التوجه بقواده، فإذا سار بنفسه لم يسر إلاّ في كل. . . . . . سنين سنتين، فإذا خرج لم يترك طريقا مما سلكه آباؤه. . . . . . .، ولا منهلا إلاّ ورده، ولا بلدا كذلك إلاّ وطئه وقصده، أو بعث إليه عسكره حتى دخل الظلمات وفي ذلك يقول:
سيذكر قومي بعد موتي وقائعي ... وما فعلت قومي بقيس أفاعلا
وما دوخت أرض اليمامة بالقنا ... وما فعلت فيه تميما ووائلا
فحمير سادات الملوك وخيرها ... وهم من قديم الدهر سادوا القبائلا
وسكنت أرض الشام منهم قبائلا ... ملوكا واتبعت الملوك الأفاضلا
وغسان حازوا بلدة الروم كلها ... وفي الصين صيرنا الملوك الأقاولا
ويوم لقينا العجم في أرض فارس ... لقت ضيغما من آل قحطان باسلا
فدوخت أرض الفرس حتى تركتها ... يبابا طحنا علوها والأسافلا
ودوخت أملاك العراق ولم أزل ... أحل بهم في كل عام زلازلا
يصبحهم في أول العام جيشنا ... فيمكث فيهم قابلا ثم قابلا
ونلت بلاد الهند والسند كلها ... وفي الصين صيرنا وعاملا
ونلت بلاد المشرقين كلاهما ... ونلت بلاد المغربين وبابلا
ونحن أثرنا في سمر قند ضحوة ... جحيما لظاها يلفح الدور شاعلا
وجادت لنا في أصبخان سحابة ... بودف يروع المذهلات الحواملا
стр. 124
بكل قضيب حادث العهد صقله ... وسهم متين يفتق الدرع دخلا
وتسعين ألفاً تحمل البيض والقنا ... بها قهراً زبرخاً وكابلا
فلنا قضيت الغل من كل بلدة ... توجهت أرض أعمد الدار قافلا
فأمسيت في غمدان في خبر محتد ... منيعاً بها أسد الجدود المحالا
وريدان قصرى في ظفار ومنزلي ... بها أس جدي دورنا والمنهلا
عن الجنة الخضراء من أرض يحضب ... ثمانون سداً يقذف الماء سائلا
مآثرنا في أرض تصدق قولنا ... إذا ما طلبنا شهداً ودلائلا
وعلملي بملكي سوف يبلى جديده ... ويرجع ملكا كاسف اللون محاملا
وملك جميع الناس يبلى وملكنا ... على الدهر باق ذكره ليس زائلا
قال عبيد: فلما فرغ تبع من أرض فارس وما يليها، توجه إلى الشام وذكر ما صنع بأرض معد وغيرها من البلاد بقوله:
رب مازن مؤرق بعد نوم ... غير ما باطل ولكن بجد
يا بني مازن فوارس سعد ... سني ما فعلتم بمعد
إذا أثرتم مع العجاج عجاجاً ... وانتضيتم لها صفائح هند
стр. 125
أسروا ثلثهم وثلثاً أبادوا ... ومضى ثلثهم بأتعس جد
منهم راعي المخاض ومنهم ... مالي للحياض في كل ورد
وصرفنا إلى كنانة جنداً ... فتوافت إلى كنانة جندي
وتركنا ثقيف ننضح للجند ... بقهر على هوان وكد
وجعلنا للخرج منزل قيس ... قد أقروا بالخرج من غير عهد
وجعلنا بني نزار هداة ... يرشدون الطريق في كل قصد
وجعلنا نضراً وأحلاف نضر ... خدماً بين خام ومؤدي
والشعر طويل، قال عبيد: كان تبع إذا أراد أنْ يخرج للغزو أو في سفر طويل، أرسل إلى أهل النجوم وأصحاب المعرفة بالعلم، فيسألهم عن علمهم، وكان أيضاً يعرف علم النجوم، وانما كان يأمرهم ليتفقوا بأجمعهم على ما كان عنده منها.
وقال في ذلك:
اضحل الطلول من دار نحفي ... فرسوم الديار مثل السطور
أقفرت بعد عامر وأنيس ... من مهاة ومن غزال غرير
ناضر العيش في غضارة ملك ... ونعيم وبهجة وسرور
طال ليلي لمّا تذكرت نحفب ... ودعاني هواي نحو المسير
فتعلمت في الفرش وأجمعت ... مسيراً لمصلتين صقور
برجال إذا هم ركبوا الخيل ... وساروا في الجحفل الجمهور
تتهادى كأسد غاب عليها ... كل درع مسرد مشهور
стр. 126
قلت لليلة التي طال فيها ... أرقي في قرى ظفار أنيري
فكمشت الجوع كمشا رحيبا ... وارتحلنا بصمة الأحمور
ثم سرنا مسير صدق نؤم الجدى ... في سيرنا بيعمن المسير
ثم بالديوان. . . . . . . . رحانا ... بالصنديق كالرحى المستدير
ثم بالهنعة. . . . . . . . . جميعا ... وقتلنا الوزير بعد الأمير
ثم سرنا وبالذراع نزلنا ... فظللنا بنعمة وحبور
ثم بالنثر شط عني نوى البعد ... فأغنيت كل عان فقير
ثم بالطرفة. . . . . . . . . وكنا ... آل ملك وثورة ونقير
ثم يالجبهة ارتفعنا فكنا ... جبهة الرأس فوق عين النضير
ثم بالزبرة ازبأرت عليهم ... خيلنا بالأسود ذات الزئير
ثم بالصرفة استقريت أرضا ... بوعيدي وعسكري ونكيري
ثم بالعو للأعادي نزلنا ... بقضا الواحد القدير الكبير
ثم سرنا مع السماك علينا ... كل فضفاضة كماء الغدير
ثم بالغفر سرت بالخيل قدما ... بكماة وكل قرم جسور
ثم بالكوكب الزبانا معد ... أذعنت بالعواء بعد الهرير
стр. 127
ثم صبحنا بالأكاليل كل عدو ... واجتلينا مخبآت الخدود
ثم بالقلب قلبت هام قوم ... بسيوف مذلقات ذكور
ثم بالشولة اشتفيت وشالت ... بالأعادي الأيام بالتغيير
ثم سرنا وبالنعام نزلنا ... يوم رهج وصولة وهدير
ثم بالبلدة اعترضت الأعادي ... بجموع وكان ذاك سروري
وبسعد ذبحت أبناء سعد ... ووضعت المدى بها في النحور
وبسعد البلوغ دمرت قوما ... بلعتهم منفرات الشعور
وبسعد السعود أسعد جدي ... فاستولى الملك واستقام سريري
وبه اصطدت قلب كل عدو ... وأزرت الأحياء أهل القبور
وبسعد الأخباء أخبيت أرضا ... بعد نهب وقتل قوم كثير
ثم بالفرغ الدلو حولي ... كل قوم متوج محبور
ثم بالفرخ آخر الدلو صرنا ... بعد ايغالنا بخير المصير
ثم بالحوت قد حويت الأعادي ... بالعناجيج والسيوف الذكور
ثم بالنطح لم نزل ننطح النا ... س بقرون مذلق مطرور
ووطئنا بالبطن أرض معد ... بالعاجيج نعتلي بالوعور
ورجعنا إلى الثريا فثرنا ... يوم نقع وظلمة ديجور
أجمل الفرقدين والجدي معها ... حيث دارت بنات نعش فدور
стр. 128
لا أبالي النسرين حيث استقلا ... وسهيلا إذا أجد مسيري
ثم أممت زهرة الردف قصدا ... لمقامي في نعمتي وحبوري
إنما طيرة النجوم لغيري ... ولنا يمنها بلا تطيير
قد كتبنا مساندا في ظفار ... وكتبنا أيامنا في الزبور
وذكرت الذي يكون لحيني ... إنَّ ملكي للباقي المنصور
ويذكر أنْ امرأة من الشام أتت إليه تشكو من رجل ذبح كبشا لها غصبهاع أخذه، فآلت يمينا لتشكونه إلى ملك اليمن إنْ لم ينتصف لها ملك الشام، فعلم قباذ ملك الشام بيمينها من أجل عامله الغاضب عليها ذلك الكبش فلم ينتصف لها مه، فوفدت على أسعد الكامل إلى ظفار، فأدلت بشكيتها إلى من الملك الشامي، وما رضيه لعامله من ظلمها واحتقاره لملك اليمن، فآلى أسعد لينصرها ولينصفها، فعبأ الجيوش لرأس السنة، وأمرها بالانصراف إلى بلدها وقد وعدها بوصول العساكر،
فراحت وأقامت تنتظر وصول العساكر وفاء الحول، فسارت جنوده وقدم عليها شمر ذا الجناح، وسار أسعد من بعدهم بمن معه من الجنود. وفي ذلك يقول:
أنعم صباحا أسعد الكامل ... يا ناقما بالثار والتابل
أثنى على الله بآلائه ... الواحد المقتدر الفاعل
في كل ما أولاه من آجل ... وكل ما أعطاه من عاجل
سرنا إلى الأعداء من أرضنا ... لم نك نرجو قفل القافل
في جحفل كالليل من حمير ... قد حضروا بالأسل الذابل
стр. 129
أنا أبو الجيش الذي شمروا ... إلى العراق المواكب الهائل
يقتادهم من حمير شمر ... وأسعد من بعده ناهل
أيها المخبر عن خيلنا ... ما العالم المخبر كالجاهل
تسعون ألفا عددا بلقها ... ودهمها كالعارض الوابل
والكمت والشقر إذا استقبلت ... مثل الدبا المسترسل الشائل
أولها من زمزم شارب ... وآخرها من علب راحل
نحن ملكنا الأرض لم يعصنا ... في الأرض من حاف ومن ناعل
سائل معدا عندنا علمنا ... وليس من يعلم كالجاهل
أو لم يكن يوم لقيناهم ... نقتلهم بالحق والباطل
ولم ندع في كل أقطارها ... من شائع الذكر ولا خامل
إلاّ أذقناه بها حتفه ... حتف ثمود كان في العاجل
ثم استجالت خيلنا والتوت ... تطلب ذحلا في بني باسل
في الجيل والديلم ثم انثنت ... تطلب بالجر على كابل
وأرض كرمان وفي فارس ... وفي خرسان وفي بابل
وفي سجستان فما دونها ... فساحة الموصل يا سائلي
وفي قرى الشام وما حولها ... وأرض مصر الساحل
والروم قد أدت لنا خرجها ... من قبل أنْ يأتيهم عاملي
стр. 130
والهند قد صبحهم جيشنا ... بكل نهد ساخط صاهل
وكل أهل الأرض عبد لنا ... لا شك من حاف ومن ناعل
والمسك والأنجوج يهدي لنا ... والدر في أصدافه الذابل
نحن نصرنا أم عمرو الشفا ... ولم أكن في نصرها آمل
نحن قتلنا عاقرا كبشها ... وكان عن صولتنا غافل
ظن بأن البحر أنجى له ... لم ينجه بحر ولا ساحل
وغاب والخيل على إثره ... أين أراد الصانع الفاعل
حتى قلبنا الأرض من تحتها ... ثم جعلنا علوها سافل
مالي وللبحر وأهواله ... استرزق الله على الساحل
رحنا ثمانين على غزوة ... حتى أتينا السنة القابل
جئنا وقد أولاد أولادنا ... ذو لحية أو جمة شامل
ما منهم إلاّ فتى أروع ... يهتز مثل الجمل البازل
لا حول في إقدامنا للبلا ... أم يكن في جيشنا غافل
نبسون قبل الذي نالنا ... قبل دخول المظلم الهائل
لولا أتان أخرجتنا إذا ... متتا ولم يفضل لنا فاضل
стр. 131
والديك والخندور كانا كعا ... دأبا دليلين متى يأكل
أردت الماء فالتقى دونه ... أمر عظيم مفظع هائل
ورحت والموت لنا واقف ... يقول لي في. . . . . . . . العاجل
أرحل أبا حسان مستعجلا ... فكل من فوقى الثرى راحل
حميك يا غمدان من بعدنا ... ولست للتعطيل مستاهل
نحن رفعنا علو آجره ... بألف ألف عدها القائل
ومن زجاج فوقه خلوة ... خضراء مثل القضبة الباقل
أبصارها للناس علية ... لا شارب فيها ولا آكل
حميك يا غمدان من بعدنا ... حميك يا غيمان والماجل
فيه ثمانون من أموالنا ... كيلا وألفا ذهب حاصل
ألف لجام فيه من مذهب ... لألف مهر أدهم صاهل
ألف لجام فيه من عسجد ... أيضاً لألفي مهرة حامل
إذن تركناه لأولادنا ... لكن خشينا الوارث العائل
فربما قد يلد المجتبى ... نكسا ذليلا عرضه باذل
وربما قد يلد المجتبى ... ليثا هماما ضيغما باسل
قال عبيد بن شرية: ثم اقبل تبع بن ملكي في جموع حمير وكهلان من. . . . . . . . .
стр. 132
ومعهم أولادهم، حتى وقفوا بأرض العراق، للذي بلغه من رفاهة عيشها وكثرة خيرها، يريد الأعاجم وملكها قباذ، فسار تبع حتى نزل أرض الحيرة، فعسكر بمجموعه فيها إلى الكوفة مما يلي شط الفرات، قبل أنْ تكون الحيرة والكوفة والبصرة بوقت طويل، ثم إنَّ العجم اجتمعوا إلى ملكهم قباذ ببابل، ولم يكن تبع علم هل اجتماعهم للحرب أو للهزيمة فبعث شمر ذا الجناح على مقدمته بالجيوش، وجرد معه الخيول، وأمره أنْ يجد في الطلب، حتى يلقى قباذا وأصحابه وجموعه، ورحل تبع في الأثر من مكانه الذي رحل منه شمر، مجدا في الطلب، فتحير في صحراء الحيرة، ثم نظر تبع فإذا هو غير بعيد من مكانه الذي رحل منه، فقال تبع: إنَّ لهذا المكان شأن عظيم، فخلف العيال وذوي الزمانة والضعفاء والأثقال وخلف معهم عشرة آلاف فارس لحفظهم وسمي تبع الحيرة الذي كان من تحيره، ومضى تبع حتى واقع قباذ - ببابل - وجموعه، واقتتلوا قتالا شديدا،
فانهزم قباذ وجنوده، حتى أتى الري فأتبعه ذا الجناح بالري وقد جمع فيها من عسكره جموعا كثيرة ليقاتلهم بها، فواقعه شمر ذو الجناح فقتل قباذا وفض جموعه بها، وأقبل تبع حتى وصل الحيرة بعد هزمه قباذا ببابل، فخلف بها من أحب أنْ يتخلف، وصار لوجهه ذلك إلى خراسان وغيرها مما تقدم ذكره في شعره الأول. ثم إنَّ تبعا بشر حمير بأن الملك سيعود إليه بعد أنْ يصير إلى قريش، ويعيده الله إليها على يدي رجل من ولد قحطان اسمه على ثلاثة أحرف يجمع الله له الأرض ويدعو إلى سبحانه، وذلك عند انقضاء ملك قريش، فإنَّ ملكها ليغرب قبل انقضاء الساعة وذلك إذا اختلف قريش في ذات بينها، فعند ذلك يخرج عيسى بن مريم ﵇ على الحرمين، وعند ذلك يخرج ذلك الرجل من ولد قحطان.
قال: ولم يزل تبع يفتح البلدان، ويقتل الفرسان، ويركب البحار، ودخل الظلمات. وذلك أنْ الشتاء أدركه في تلك الأرض التي إذا بعدت عنها الشمس فصارت
стр. 133
في الجنوب في رأس الجدي، وانقطع عن تلك الأرض نور الشمس ما شاء الله. ثم إنَّ تبع لمّا أراد دخول الظلمات ترك نتج الأتن في مكان النور، وسار في الظلمة، بالشماع المنيرة، فلما أراد الرجوع جعل تلك الأتن في مقدمة العسكر فقفلت. . . . . . . الأتن في مقدمة العسكر. . . . . . . أولادها في موضع النور والجيش خلفهن حتى خرج من الظلمات. وفي ذلك يقول تبع:
لولا أتان أخرجتنا إذا ... متنا ولم يخرج لنا فاضل
ولمّا رجع أسعد يريد اليمن، ذكر رجوعه ودخول الظلمات في شعر طويل يقول فيه:
دخلت الظلمات أعظم مدخل ... من حيث لا زرع وأوطان
ومعي مقاول حمير وملوكها ... والأزد أزد شنوءة وعمان
ومعي قضاعتها وكندتها معا ... والقلب مذحج والذرى همدان
قلت اقبضوا فإذا الحصى بأكفهم ... الدر والياقوت والمرجان
ولم ين قبل أسعد ولا بعده ملك مثله. وسمي الكامل لكماله في أمر الدنيا والآخرة. ومن الناس من يقول: أنَّه نبي، لأنَّ الله تعالى عده من الأنبياء عند قصصهم فقال تعالى (وقوم تبع كل كذب الرسل) وقد ذكر قوم كل نبي قبله.
وأسعد القائل:
سلى تخبري عن كل محض الشمائل ... وعن كل فياض البدين مقاتل
وسيرى أريك الملك أو تنظرينه ... بيمينك إرثا في صميم المقاول
أربك ذرى قحطان حيث ابتنى لها ... أبوها قصورا حكمت بالجنادل
لتستيقني أنا أرومة معشر ... كرام جدود من ملوك أفاضل
стр. 134
وتستقيني أنا أرومة من مضى ... وما خابر يا أم عمرو كجاهل
حجبنا بناء المجد طرا فلم ندع ... بما قد حجبنا من محل ونازل
وطفنا بلاد الله طرا فلم نجد ... . . . . . . قوما مثل قومي الأفاضل
أبونا الذي ساد البلاد وسامها ... بسمر القنا والمرقفات الفواصل
وبالخيل تردي بالكماة كأنها ... قطا أفزعتها نازحات الأجادل
فأدى بلاد لم ندوخ ملوكها ... وأي عزيز لم نقد بالسلاسل
لنا فليق صعب القياد عرندس ... ثمانون ألف راكبا غير راجل
وألف وألف ألف ألف مسريل ... يجيبون طوعا للأمير الحلاحل
فهيهات قومي أم همرو عن الخنا ... مكان الثريا من يد المتناول
وأسعد أول من كسى البيت، وذلك أنَّه عند رجوعه من غزاته هذه مر بالبيت فكساه الأنطاع المذهبة اليمانية، فرأى في المنام قائلا يقول: زد في كسوة البيت فكساه المعافري، فرأى في المنام قائلا يقول: في كسوة البيت فكساه الوشي، ونحر
بمكة سبعين ألف بدنة، وطاف وسعى وعمل له بابا ومفتاحا لم يكونا له قط، وقال في ذلك:
وكسونا البيت الذي حرم الل ... هـ ذا ملاء مقصبا وبرودا
ثم طفنا لديه عشرا وعشرا ... وخررنا عند المقام سجودا
وأقمنا به من الشهر تسعا ... وجعلنا لبابه إقليدا
وأمرنا بدنه الجرهمي ... ين وكانوا بحافتيه شهودا
وأمرنا أنْ لا نريق حولي ... نا منيا ولا دما مفصودا
ونحرنا في الشعب سبعين ألفا ... فترى الطير حولهن ركودا
стр. 135
وطفقنا نؤم قصدا سهيلا ... وزممنا لواءنا المعقود
وصفا ملكنا لنا غير أني ... لست أرجو مع الفناء خرودا
ملك يفى سوى ملك ربي ... فله ملكنا حميدا مجيدا
قال: فلما رجع أسعد الكامل إلى غمدان، وغيره من بلاد اليمن، أقام ما شاء الله أنْ يقيم، ولمّا رجع اعتل علته التي مات منها لمرض شديد، دعا ابنه حسانا وجعل يوصيه فقال له:
حضرت وفاة أبيك ياحسان ... فانظر انفسك فالزمان زمان
فلربما ذل العزيز وربما ... عز الذليل وهكذا الإنسان
وأعلم بني بأن كل قبيلة ... ستذل الإكليل نهضت لها قحطان
قحطان أسد سادة يمينه ... غلب تهاب لقاءها الأقران
فيهم ملكنا الأرض من أقطاراها ... حتى أتت بخرجها عدنان
أنيابها القضب الحداد إذا هوت ... لقرينها ورماحها الأشطان
وجيادها تسعون ألفا ضمر ... قب البطون كأنها العقبان
عصبت بشر ذي الجناح بقائد ... ما أنْ نجئ بمثله النسوان
فملكت أرض الروم أحسن بلدة ... ومضى هرقل وأسلم الصلبان
стр. 136
وقتلت أملاك الأعجام كلها ... أهل المرازب وانتفى ساسان
ونفخت سمى في العراق فأحرقت ... أقصى مساكن أهلها النيران
ودخلت في الظلمات أعظم مدخل ... من حيث لا زرع وأوطان
ومعي مقاول حمير وملوكها ... والأزد شنؤة وعمان
ومعي قضاعة بالقواضب والقنا ... والحي كندة والذرى همدان
قلت اقبظوا فإذا الحصا بأكفكهم ... الدر والياقوت والمرجان
وأقمت فيها ليلتين دليلنا ... ديك وخندور معا وأتان
وطمعت في العمر الطويل وعيشة ... في الخلد لولا فاتني الحيوان
وكسوة بيت الله أعظم كسوة ... حذر العقاب ويرحم الرحمن
ولقد علمت لئن هلكت وأوحشت ... مني ظفار وعطلت ريدان
فليفقدن من الملوك أعظممها ... ولتفقدن حليفها التيجان
وأنا باو كرب وخال ياسر ... ذو التاج ينعم وابنه شادان
نحن الملوك بني الملوك مقاول ... ولنا أساس الملك والسلطان
قولوا لحمير يقربوني قائما ... من حولي الحبلات والرمان
وأفطن لكاهنتي فإنَّ كلامها ... حق وإنَّ قبورنا غيمان
стр. 137
وكان لتبع تابعة من الجن تسكن في ينور، وهو على مسيرة ساعة من صنعاء، فأرسل تبع ابه حسانا إليها فقال: إذا أتيت ينور فاقرع الجبل فانه سيفتح لك باب فادخل حتى إذ أتيت إلى المرأة فأخبرها أني مثقل بالمرض، فانظر ماذا تقول لك وما تأمرك به، ولا تعصها في شيء. فأقبل حسان حتى انتهى إلى المكان فقرعه ففتح له باب فدخل فلما انتهى إلى المرأة فأخبرها بالخبر، فأشارت إليه أنْ يقعد على الكرسي فيه حيات وعقارب ودود، فأبى، وقعد على الأرض، ثم قدمت بين
يديه طبقا فيه رؤس ناس، فقالت: كل هؤلاء، فأبى أنْ يفعل ذلك، فدعت بقدح فيه دم، فقالت: اشربه، فأبى أنْ يشربه، فقالت: ما أبعد همتك عن همة أبيك، وقالت: قد أمرتك فلم تفعل، فاما إذ عصيتني، فانظر إذا رجعت إلى أبيك، ودخلت باب غيمان، فاقتل أول من يلقاك من الناس، وأدرك أباك فهو في آخر رمق، فخرج مسرعا حتى إذا أتى غيمان، فلقيه على بابها أخوه معدي كرب، فأبى أنْ يقتله، ثم دخل على أبيه فأخبره الخبر، وما قالت له المرأة من قتل أول من لقيه، فقال له تبع ما أراك إلاّ مخطئا. إنَّ هذه أمثال ضربتها لك. أما الكرسي الذي أقعدتك عليه، لا يملك حمير إلاّ من صبر على مثل لدغ الحيات والعقارب والدود، وأما الذي سقتك فانه لا يملك حمير من أهرق دمها. وأما الرؤس والعظام التي أمرتك أنْ تأكلها وتمشها، فانه لا يملك حمير إلاّ من أكل أموالها. وأما أخوك فسيقتلك إنْ لم تقتله.
وهذا قد أوله له أبوه. فقال: لو أنك أكلت الرءوس لخضعت لك رؤساء حمير، ولو أنك قعدت على الكرسي الذي فيه الحيات والعقارب والدود لكثر ولدك ثم مات أسعد تبع بغيمان، وقبره بها.
стр. 138
قال عبيد بن شرة: ومنهم من قال: إنَّ تبع قتله قومه. قال الحسن الهمداني: ذلك يقال في تبع الأصغر، لأنّه صاحب الحبرين. وجاء في الحديث عن رسول الله ﷺ اللهم أذل غيمان، وأسقط مهور كندة.
وقال نشوان:
أم أين حسان بن أسعد خانه ... دهر تلا الإحسان. . . . . . . . . . . .
ورياح الطسمى لمّا جاءه ... مستعيدا فشفى غليل رياح
أفنى جديسا باليمامة إذا علوا ... طسما بحد ذوابل وصفاح
هذا حسان بن أسعد الملك تبع بن حسان وهو ملكي كرب بن. . . . . . الأكبر.
وحسان هذا هو الذي قتل جديسا باليمامة، وكان سبب ذلك أنْ ملكا من طسم يقال له عمليق بن جباس. وكان مطيعا لملوك حمير، وكان ملكا على طسم وجديس أبني عامر أبن روم بن سام بن نوح النبي ﷺ وكان جبارا، لا لا يتزوج رجل امرأة إلاّ أهديت إليه قبل زواجها، حتى تزوج رجل من جديس عقيرة ابنة أخت الأسود بن عفار عظيم جديس ورئيسها، فلما أرادوا أنْ يهدوها إلى زوجها بدأوا بها عمليقا فأدخلوها عليه، ومعها القيان يضربن بالدفوف ويغنين ويقلن:
стр. 139
ابدي بعمليق المليك فاركبي ... وبادري الصبح بأمر معجب
فسوف تلتقين الذي لم تطلبي ... فما لبكر دونه من مذهب
قال عبيد: فجعل عفيرة. . . . . . - وهي ينطلق بها إليه - يا آل جديس، أهكذا بفعل بالعروس؟ قال فادخلت العفيرة على عمليق فافترعها وخلى سبيلها، فخرجت إلى قومها شاقة ثيابها ودرعها عن عورتها وهي تقول:
لا معشر أذل من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس
لكل يوم أشوس عبوس ... عدمتم يا سقط النفوس
ثم قالت لقومها: ويحكم أيرضى بهذا الحر من رجالكم، وقد أعطى المهر، والله إنْ المون ينزل به أهون عليه من أنْ يفعل هذا الفعال بعرسه، وأنشأت عفيرة تحرض قومها على حرب عمليق:
أتصبح تمشي في الدما فتيانكم ... صبيحة زفت في النساء إلى البعل
فإنَّ أنتم لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تعدوا من الفحل
وها دونكم طيب العروس فأنتم ... خلقتم لأثواب العروس وللغسل
فلو أننا كنا رجالا وأنتم ... نساء نقيم على الذل
أترضون ما يؤتى إلى فتيانكم ... وأنتم رجال كثيرة عدد الرمال
وترضون هذا بيا لقومي لأختكم ... عشية زفت في النساء إلى البعل
فإنَّ أنتم لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء في المنازل والحجل
стр. 140
فقبحا لبعل فيه حمية ... ويختال يمشي بيننا مشية الفحل
فموتوا كراما وأصيبوا عدوكم ... بداهية توري ضراما من الجزل
وإلاّ فخلوا. . . . . . . وترحلوا ... إلى بلد تبقى خلاء من الأهل
ولا تجزعوا قومي من الحرب إنها ... تقوم مرارا على رجل
فيهلك فيها كل وغد مراكل ... ويسلم فيها ذو الطعان وذو الفضل
فلما سمع جديس شعرها أنفوا لذلك أنفا شديدا وأخذتهم الحمية، فعزموا على اغترار الملك وحده، وقالوا إنَّ نحن بدأناهم الحرب لم نثق بالغلبة لكثرتهم فاتفقوا على ذلك فبلغ عفيرة ما عزموا عليه، فقالت لقومها:
لا تغدرن بهم فالغدر منقصة ... وكل غدر له عقبي وإن صغرا
إني أخاف عليكم مثل ذاك غدا ... ففي الأمور تباشير لمن نظرا
حسوا سعيرا لهم فيها منابذة ... فتلكم شيم نرجو بها الظفرا
سيان عندي باغ في غوايته ... يوما ومن كان مظلوما إذا غدرا
فبادروا القوم في ديارهم ... على الريهة حتى تحطموا القصرا
فأجابها أخوها فقال:
إنا وعشيك ما نبدي مبادهة ... نخاف فيها سروف الدهر والخطرا
ففي المكايد للأقوام مدركة ... وكل مكر نرجى بعده الظفرا
стр. 141
كفى لديك ولا تنهي لعاقبة ... أخاك فيما يراه الرأي قد حضرا
ثم إنَّ الأسود بن عقار أتي الملك عمليقاً فقال: أيها الملك إنب أحب أنْ تجعل غداءك عندي أنت وجميع جندك. قال عمليق: إنَّ عدد القوم كثير، ولا أحسب البيوت تسعهم. فقال الأسود: فنخرج لهم اذاً غداء إلى بطن الوادي، وهو وادي
اليمامة الذي البيوت على حافته، فقال عمليق: لا بأس بذلك. ثم إنَّ الأسود بن عقار جمع سيوف أصحابه بالليل فدفنها في الرمل على حافة الوادي وقال لقومه: إذا اشتغل القوم بلأكل فاستخرجوا سيوفكم من الرمل واحملوا عليهم
فلما أصبح، أمر الأسود فنحرت لهم الجزر الكثيرة والبقر والغنم، وكان كثير المال، ثم هيأ الطعام، وخرج عمليق وجنده إلى بطن الوادي، وحمل الأسود إليهم الطعام، وقام رجاله ومعه أشراف جديس يقدمون الطعام، فلما أكب عمليق على الطعام هو وجنده ثارت جديس واستخرجوا سيوفهم من الرمال وحملوا عليهم، وأمامهم الأسود بن عقار يرتجز ويقول:
يا صبحة ما صبحة العروس ... حين تمشت بدم جميس
يا طسم ما لا قيت من حديس ... هلكت يا طسم فبيس بيس
فقتلوا الملك عمليقاً وجميع قومه، فلم يسلم أحد إلاّ رجل واحد اسمه رياح بن مرة، فانه هرب منهم، فطلبوه. فأعجزهم هرباً حتى سلم، فقالت امرأة من طسم:
قتلت طسماً جديس ... هكذا بغياً وظلما
إنهم كانوا ملوطا ... جمعوا رأياً وحزما
غدروا بالحى طسما ... قلدوا عاراً وأثما
لو شعرنا إذ ذهبنا ... لحطمنا القوم حطما
стр. 142
بسيوف مرهفات ... تقصم الأصلاب قصما
أو لعل الدهر يوماً ... بعد هذا أنْ يلما
نقموا أمراً يسيراً ... وأتوا أمراً أطما
فمضى رياح بن مرة الذي أفلت من القتل حتى أتى الملك حسان بن أسعد الكامل مستغيثاً، فوجده بنجران معسكراً يريد التوجه إلى العراق، فدخل عليه وشكا إليه ما كان من غدر جديس بطسم وبمليكهم عمليق، وأنه كان في طاعته، فغضب حسان
من فعل جديس وغدرهم بطسم، ونهض إليهم بجنوده، فقال له رياح الطسم: أيّها الملك، إنَّ فيهم امرأة - زرقاء - تنظر على مسيرة ثلاثة أيام، وستنذر قومها إذا رأت الجنود فيهربون، فأمر الملك حسان جنده، أنْ يحمل كل واحد منهم غصناً من الشجر فتكون فيأيديهم، فيغطون بتلك الأغصان نفوسهم، ففعلوا ذلك وساروا إلى اليمامة، فنظرت الزرقاء إلى الجيوش قد أقبلت، ورأت رجلاً منفرداً من الجيش يخصف نعلا له. فقال قوكها: ما ترين؟ فقالت لقد جاءتكم حمير، وسارت إليكم الشجر، قالوا كيف تسير الشجر، لقد خولط عقلك، فكذبوها حتى ورد عليهم حسان بن أسعد تبع بالجنود وهم على غير استعداد للحرب ولا للهرب، فتحصنوا في قصورهم، فأقاموا يحاربهم حتى اسنزلهم، فضرب أعناقهم جميعاً، فلم يفلت منهم أحد، وأمر الملك بالزرقاء فأدخلت عليه، فقال لها: بم نلت هذا البصر؟ فقالت بحجر الأيمد، كنت أدقه وأكتحل به كل ليلة إذا أويت إلى فراشي، فأمر الملك بقلع عينها، فوجدوا للحدقتين عروقاً سوداء من الكحل وكثرته، وكانت المرأة تسمى اليمامة، وكان وادي اليمامة يسمى جوا، فسمي باسم اليمامة. وقد ذكرها الشعراء، قال بعضهم وهو سطيح الكاهن:
стр. 143
ما أبصرت ذات أشفار كنظرتها ... يوماً كما صدق الدنيا إذا سجعا
فحاولت نظرة ليست بكاذبة ... إذ يرفع الإلُّ رأس الكلب فارتفعا
قالت أرى رجلا في في كفه كتف ... أو يخصف النعل يكفي أنَّه صنعا
فكذبوها بما قالت فصبحهم ... ذو آل حسان يرخي البيض والشرعا
فاستنزلوا آل جو من منازلهم ... وهدموا شاخصا البنيان فاتضعا
قال عبيد بن سرية في كتابه: لمّا شاور حسان حمير على غزو جديس قالوا: أيّها الملك، لا تنهض بحمير إلى أكلة رأس من جديس، فإنما هم وطسم عبيدك، قتل بعضهم بعضا. فقال لهم حسان: إني أريد أنْ أنصف بعضهم من بعض. ثم إنَّ
حساناً من بعد قتل جديس نهض بجنوده يريد العراق، فصعب ذلك على حمير، وعلموا أنَّه لا ينتهي عن غزوته، حتى يبلغ بهم حيث بلغ أبوه وجده، وانه يبلغ بهم الصين وبلاد الروم وغيرها، فشق ذلك عليهم، فاختلفوا إلى أخيه عمرو بن أسعد فسألوه أنْ يرد أخاه عن سفره، فقال لهم: أنَّه لا يفعل، فقالوا له: إنْ أبى فاقتله ونحن نملكك من بعده علينا. وقد كان حسان قال بعد قتله جديساً هذه الأبيات:
من كان يرجو أنْ يؤوب ... فلست من سفري بآيب
فتجهزي وتجملي ... يا يمن يا خير الركائب
فلقد وصلت بنا اليما ... مة حاجباً من بعد جانب
سيري إلى هجر لنح ... وي منهم خير الحقائب
وتجهزي نحو العراق ... بكل سياف زناشب
стр. 144
حتى أبيد ملوكهم ... أهل الأكالل والعصائب
ثم إنَّ حمير حلفوا جميعاً لعمرو بن أسعد، إلا ذو رعين الأصغر، وهو شراحيل بن عمرو بن شمر ينعم بن شراحيل بن معدي كرب ذي عشم بن الغوث بن يعرب ينكف بن جديان بن لهيعة بن مثوب بن يرعن ذي رعين الأكبر. وذو رعين الأصغر هذا خال عمرو بن اسعد. فنهاه عن قتل أخيه، وأشار عليه أنْ لا يفعل ما أرادت حمير وقال له: ما قتل رجل أخاه أو بن عمه أو خاله إلاّ ندم، فأبى عمرو وكره مشورته وأكره خاله ذا رعين على الدخول مع حمير فيما دخلوا فيه، فقال له خاله: على شريطة، وهي أنْ تحفظ لي وديعة تجعلها عند بعض خدمك. وتشدد عليه في حفظها، فقال عمرو: ذلك لك، فكتب ذو رعين أبياتاً فيها هذين البيتين:
ألا من يشتري سهراً بنوم ... سعيداً من يبيت قرير عين
فإن تك حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين
ودفع الرقعة إلى رجل من خدم عمرو، وشدد عليه عمرو في حفظها، ثم إنَّ عمراً وثب على أخيه حسان فقتله ورجع بالجنود إلى اليمن، فافترقت عليه حمير حتى ضعف عن الغزو، وسمي موثبان. ثم أنَّه ندم ندامة عظيمة على قتل أخيه حسان، وامتنع منه النوم، وشكا ما لقى من السهاد على خواصه، فقالوا: لا تقدر على النوم حتى تقتل الذين اشاروا عليك بقتل أخيك، فأمر بكل من أشار عليه بقتل أخيه، وحالفه على ذلك
стр. 145
أنْ يأتوا إليه في وقت معلوم، فأتوا إليه في ذلك اليوم، فأمر بهم فأدخلوا عليه جماعة بعد جماعة، فأمر بضرب أعناقهم حتى أفناهم، وكان خاله ذو رعين ممن أمر به، فأدخل عليه، فذكر كرم الله وجهه الملك بمشورته عليه ونهيه له عن قتل أخيه سأله الوديعة التي تركها عند خادمه، فأتاني بها خادم فوجد فيها البيتين ألا من يشتري سهراً بنوم فأمر الملك بأكرمه ورفده، وخرج سالماً مشكوراً من عنده وقال نشوان:
أم أين عمرو وصنوه المدرى له ... فأصاب صفقة خاسرٍ كداح
لم يستمع من ذي رعينٍ عذله ... والحين لايثنيه الحي اللأحي
فبدت ندامة وجانبه الكرا ... فرأى السلو بغير شرب الراح
أفنى رجالا شاركوه فأصبحوا ... ككباش عيدٍ في يدي ذباح
أو تبع عمرو بن حسان الذي ... سفح الدماء بسيفه السفاح
قتل اليهود بيثرب وأراهم ... أنياب ثغر للنية شاح
هذا الملك عمرو تبع الأخير بن حسان بن أسعد تبع، وهو آخر التبابعة، وقد كان غزا الأعاجم، وقتل على طريق المدينة، وفي نفسه على اليهود الذين بها حقد في حدث أحدثوه في غيبته في تلك الغزاة، فجمع منهم ثلاثمائة رجل فضرب أعناقهم في المدينة، فقدم إليه شيخ كبير قد أسن: أيها الملك أبيت اللعن، مثلك لا يفنى
رعيته على الغضب، فإنَّ هذه المدينة لمهاجر نبي في آخر الزمان من ولد إسماعيل ﵇، فكف عنهم. وكان الشيخ أحد حبرين من أحبارهم، فأعجب تبع بهما، وأتبع بهما دينهما،
следующие страницы →