← История

История · id 763

ملوك حمير وأقيال اليمن وشرحها المسمى خلاصة السيرة الجامعة لعجائب الملوك التبابعة

نشوان الحميري

Полный текст (187 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وبلغ مبالغ الرجال الأوائل من آبائه، وسار ابرهة نحو المغرب غازياً، ومعه ابنه العبد فصيره مع مقدمته واستخلف على اليمن ابنه إفريقيس بن ابرهة، وسار أبرهة حمير أوغل في أرض السودان براً وبحراً، وأمعن فيها، ثم بدا له المقام فأقام، وسرح ابنه العبد أبن أبرهة في غرب الأرض في عسكر حمير انتهى إلى قوم وجوههم في صدورهم، وإذا كان النهار وجرت عليهم الشمس استخفوا في الماء، فوضع فيهم السيف حمير أفناهم. ورجع إلى أبيه بسبي كثير، وأصاب من الأموال شيئاً عجيباً، وأخذ منهم قوماً. فلما قدم إلى أبيه ذعر الناس منهم فسمي ذا الأذعار لذلك. قال عبيد بن شرية: فلما رجع أبرهة من غزوته تلك أمر بمنارة فبنيت وشب فيها النيران، لتهتدي بها جيوشه، وكان ذلك المنار أوّل منار وضعه الملوك، فلذلك سمي ذا النار وقال نشوان: وأخوه إفريقيس وارث ملكه ... حتف العدو وجابر الممتاح ملك بنى في الغرب إفريقيةً ... نسبت إليه بأوضح الإضاح وأحل فيها قومه فتملكوا ... ما حولها من بلدة ونواح هذا الملك إفريقيس بن أبرهة ذي المنار بن الحارث الرائش، عزا نحو الغرب من يمين مسير أبيه في أرض البربر حمير انتهى إلى طنجة من أرض المغرب فرأى بلاداً كثيرة الخير قليلة الأهل، فأمر ببناء مدينة إفريقية، وأسكن فيها قبائل من قومه، وهم أهل كنانة

стр. 72

وعهامة وزنانة ولواتة وصنهاجة قبائل ضخمة في المغرب من حمير ونقل البربر وهم جيل من الناس بقية ممن قتلهم يوشع بن نوح، لأنه دعاهم إلى طاعة الله فكرهوا الحق وأحبوا المقام على الكفر فقتلهم، وهربت منهم طائفة إلى السواحل ثم رجعوا بعد ذلك، فقتل منهم إفريقيس في غزوته من قتل، ونقل بقيتهم إلى بربرة، فأسكنهم بحيث هم من بلاد البربر، وفي ذلك يقول: بربرت كنعان لمّا سقتها ... من بلاد الملك للعيش العجيب ورأت كوش لعمري دارها ... نرتقي عيشاً لنا لا يثرب ثم أمسوا غير ممسي من مضي ... بتريب وطريد ذي تعب فاشكري ضبعان شكراً صادقاً ... واحذري مني انتقام ذا حرب

стр. 73

قال السميدع بن عمرو بن علاق في ذلك إلى المغرب في جحفل ... فيه لعمري كل شاب همام بأمر إفريقيس لا ننثني ... بكل صهال وعضب حسام حتى أتينا الأرض طلحانها ... من دون بحر غير سهل المرام نخوض بالفرسان في ماقط ... يكثر فيه ضرب أيد وهام يأمر بالهمة ذو حنكة ... نقهر من شئنا بجيش لهام نقتل منهم شيخ أملاكهم ... أروع قوم غير وغد كهام ونسكن البربر في فصفص ... كتائب سارت كمثل الغمام ثم ابتني البنيان في جوفها ... بغير ما كره لدهر الدوام روى الخزعلي أنَّ عمرو بن عامر مزيقياً تولى الأعمال في الأطراف والثغور لأبرهة ذي المنار، وللعبد بن أبرهة، ولابنه شرحبيل، والهدهاد بن شرحبيل مصاهر الجن. وقال نشوان:

стр. 74

وكذلك الهدهاد أيضاً عامر ... هدت قواعد ملكه المنصاح النصاح: المنشق، هذا هو الملك الهدهاد بن شرحبيل بن بريل ذي سحر أبن شرحبيل بن الحارث بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة، وهو حمير الأصغر أبن سبأ الأصغر بن كعب بن سهل بن زيد بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس أبن وائل بن الغوث بن جيدان بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير الأكبر بن سبأ الأكبر. وهو أبو بلقيس التي ذكرها الله تعالى في كتابه العظيم في سورة النمل. وكان الهدهاد ملكا عظيما، ولم يكن له ولد ذكر، ولا عقب غير بلقيس أمها من الجن، وشمس أمها من العرب. فأما بلقيس فقد ملكت بعد أبيها وأما شمس فكانت عند ياسر ينعم صاحب امسند بوادي الرمل، وكان يبب تزويج الهدهاد بن شرح أبن شرحبيل من الجن أنه خرج للصيد في جماعة من خدمه وخاصته. فرأى ذئبا يطرد غزالة، وقد ألجأها إلى مضيق ليس للغزالة مخلص عنه ولا محيص، فحمل الهدهاد على الذئب فرده عن الغزالة، وبقي الهدهاد يتع نظره إلى الغزالة، لينظر إلى أين تنتهي، فسار في إثرها، وانقطع عن أصحابه، فبينما هو كذلك، إذ رفع له عن مدينة عظيمة، فيها من ما دعى باسمه من النساء، والنعم، والخيل، والإبل، والنخيل، والزرع، والفواكه،. فوقف دونها متعجبا مما ظهر له منها. فبينما هو كذلك إذا أقبل عليه رجل من أهل تلك المدينة التي ظهرت له، فسلم ورحب به وحياه، وقال له: أيها الملك إني أراك متعجبا مما ظهر لك في يومك هذا، فقال له الهدهاد: إني لكما قلت، فما هذه المدينة؟ ومن ساكنها؟ فقال هذه مأرب، سميت باسم بلد قومك. وهي مدينة عرم حي من

стр. 75

الجن، وهم سكانها، وأنا اليلب بن صعب ملكهم وصاحب أمرهم. قال فبينما هم كذلك إذ مرت بهم امرأة لم ير الراءون أحسن منها وجها، ولا أكمل منها خلقا، ولا أظهر منها صباحة، ولا أطيب منها رائحة، فافتتن بها اهدهاد، وعلم ملك الجن أنَّه قد. . . . . . .، وشغف بها، فقال له: أيها الملك، إنْ كنت قد هويتها فهي ابنتي وأنا أزوجكها، فجزاه الهدهاد خيرا على كلامه، وقال له: من لي بذلك؟ فقال له الجني: إنما عرضت عليك من تزويجي منك وجمعي بينكما على أسر الأحوال وأنا بها زعيم، فهل عرفتها؟ فقال له الهدهاد: ما رأيتها قبل يومي هذا، فقال له الجني: فإنّها الغزالة التي خلصتها من الذئب، ولا نكافئك على فعلك الجميل أبداً بأحسن من حبائك بها، بشهادة الله وشهادة ملائكته. فإذا أردت ذلك فاقدم إلينا بخاصة أهل بيتك وملوك قومك ليشهدوا إملاكها، ويحضروا وليمتها، وميعادك الشهر الداخل. وقال فانصرف الهدهاد على الميعاد، وغابت المدينة، وإذا أصحابه حوله يدورون عليه. فقالوا له: أين كنت؟ ونحن في طلبك مذ فارقتنا، ولم نترك شيئاً من هذه الفلوات إلاّ قلبناه لك وطلبناك فيه، فقال لهم الهدهاد: إني لم أبعد، ولم أجب. وأقبل يسير وهو يقول: عجائب الدهر لا تفني أوابدها ... والمرء ما عاش لا يخلوا من العجب ما كنت أحسب أنْ الأرض يعمرها ... غير الأعاجم في الآفاق والعرب وكنت أخبر بالجن فلا ... أرد أخبارهم إلاّ إلى الكذب حتى رأيت مقاصير مشيدة ... للجن محفوفة الأبواب والحجب

стр. 76

يحفها الزرع والماء المحيط بها ... مع المواقير من نخل ومن عنب ما بنها الخيل من طرف ومن تلد ... والجود فيها من الأنعام والكسب وكل بيضاء تحكي الشمس ضاحكة ... هيفاء من موصوفة العرب يمضي جمادي ويأتي بعده رجب ... وسوف آتيك على الميعاد من رجب حتى أوافي خير الجن من عرم ... أعني أبن صعب هو المعروف باليلب نبغي لديه الذي نادي ومن به ... من التواصل والإصهار والنسب قال: فذكروا أنْ الهدهاد خرج إلى المياد إلى إصهار في خاصة قومه وخدمه، حتى وافاهم، فوجدوا قصرا بناه له الجن في فلاة من الأرض محفوفة بالنخيل والأنعام وأنواع الزرع وفنون الفواكه، تخترق فيها المياه الجارية. فعجب القوم من ذلك عجبا شديدا، ورأوا ملكا عظيما، ونزلوا في القصر معه على فراش لم يروا مثلها قط، وقربت لهم موائد عليها من طيبات المأكول وألوانه التي لم يأكلوا قط أطيب منها طعما، ولا أذكى رائحة، وسقوا من الشراب ما لم يشربوا قط ألذ ولا أهضم وأمرا ولا أخف عنه، فمكثوا معه ثلاثة أيام بلياليها في ذلك، وزفت إلى الهدهاد أمرأته الحروري ابنة اليلب بن صعب العرمي ملك الجن، فأذن الهدهاد لبني عمه وخاصة عشيرته بالانصراف إلى مواضعهم، وصار ذلك القصر دار مملكته، قال فذكروا أنها أقامت معه زمانا: الحروري ابنة اليلب، فولدت له بلقيس، فنشأت من أعقل امرأة سمع بها في ذلك الزمان، وأفضله رأيا وحلما وتدبيرا وعلما. وكانت ذات المشورة على أبيها، حتى عرف

стр. 77

ذلك جميع حمير منها، وقال: فلما حضرته الوفاة بعث رؤساء حمير وأهل الرأي والقدر منهم، فقال: إني استخلفت عليكم بلقيس. و. . . . . . رجل منهم: أبيت اللعن، تدع أهل بيتك وأفاضل قومك وتستخلف علينا امرأة، وإنْ كانت بالمكان الذي هي به منك ومنا، فقال: يا معاشر حمير إني قد رأيت الرجا وعجمت أهل الفضل والرأي، فلما رأيت مثل بلقيس رأيا وحلما وعلما، مع أنْ أمها من الجن. وأنا أرجو أنْ تظهر لكم بها عناية من الجن فتنتفعوا بها وأنتم وعاقبتكم، فاقبلوا رأي فيها، مع أني مؤديه إلى غيرها من أهل بيتها، وهو أني قد كنت سميت الملك لابن خالي هذا الغلام، وهو غلام له رأي وعقل، وهو أولى بالأمر من بعدها، أما في وقتها أو بعد موتها. قالوا: فمن هو؟ قال ياسر بن عمرو أبن يعفر، قالوا سمعنا وأطعنا، وأنت أيها الملك أبصر لنا. ثم هلك بعد أنْ لبث في الملك مائة سنة على ما ذكر والله أعلم. وقال نشوان: أم أين بلقيس المعظم عرشها ... أو صرحها العالي على الأصراح زارت سليمان النبي بتدمر ... من مأرب دنيا بلا استنكاح في ألف ألف مدجج من قومها ... لم تأت في إبل إليه طلاح جاءت لتسلم حين جاء كتابه ... بدعائها مع هدهد صداح سجدت لخالقها العظيم وأسلمت ... طوعا وكان سجودها لبراح بلقيس: ابنة الهدهاد ملكة سبأ التي ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم في سورة النمل، وقص خبرها وخبر سليمان بن داود ﵇ وخبر الهدهد الذي كتب

стр. 78

معه إلى بلقيس وقومها، فلما أراد الله تعالى إكرامها بسليمان خرج مخرجا لا يدري أين مراده، إليها أم إلى غيرها، وكان إذا ركب من منزله بتدمر غدا بتدمر معه، فيكون مقبله بصف النهار، بإصطخار من أرض فارس، ثم يتروح في بيت كالبستان في غدوه ورواحه، في مثل ذلك المسير إلى كل وجه يأخذ إليه، وقول الله أصدق القائلين (غدوها شهر ورواحها شهر). قال عبيد بن شرية، وكان سليمان بن داود ﵇، إذا أراد الخروج وضع سريره على الأرض وكرسيه وكراسي أصحابه وجلسائه، ثم جلس وأجلس الإنس على يمينه وشماله، وأجلس من ورائهم عمراتبهم، فمنهم قائم ومنهم جالس وأظلته الطير وأقلته الريح، وسارت بهم لا تزيل أحدا من مجلسه، ولا تفسد عليه شيئاً من عمله، حتى يأذن لها بوضعها فتضعها على الأرض، فيقضي غرضه ويأمرها بالرجعة فترجعهم فتنقلهم إلى حيث يريد الوقوف. وعن وهب بن منبة الأبناوي قال: ورث سليمان الملك، وآتاه الله النبوة، وسأله أنْ يهب له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، ففعل، فسخر الله له الريح والجن والإنس والطير، وكان فيما يذكرون أبيض اللون، وضيئا جسيما، وكثير الشعر، يلبس الثياب البيض، فإذا خرج من بيته إلى مجلسه عكفت عليه الطير، وقام له الإنس والجن حتى يجلس على سريره، وكان نبيا غزاء قل ما يغفل عن الغزو، ولا يسمع بملك في ناحية من الأرض إلاّ أتاه حتى يذله، وكان - فما يزعمون - إنْ أراد الغزو ضربت له سفينة من خشب، ثم نصب عليها

стр. 79

الأبنية مما يحتاج إليه الناس والدواب، وجم آلة الحرب كلها، حتى إذا جمع فيها كل ما يريد أمر الريح العاصف فدخلت تحت خشب تلك السفينة فاحتملتها إذا استقلت أمر الريح فتحملهم إلى حيث يريدون، وإنْ الريح لتمر بالزراعة فلا تحركها فكان كذلك ﷺ حتى إذا كان غد، غدا إلى مجلسه الذي كان يجلس فيه فتفقد الطير الذي يظله من الشمس، فرأى فيما يعمون موضع الهدهد مفتوحا للشمس، (فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان منالغائبين) أخطأه بصري أم غاب فلم يحضر، فلما عرف أنَّه غاب قال (لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتني بسلطان مبين)، أي بحجة في عذره في غيبته، ذكروا أنْ عذابه بنتف ريشه (فمكث غير بعيد)، ثم جاء الهدهد فقال له سليمان: ما خلفك عن نوبتك؟ (فقال: أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين)، إني أدركت (امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم، وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون. . قال سننظر أنَّ صدقت أم كنت من الكاذبين. اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم) - أي عن قريبا منهم - (فانظر ماذا يرجعون) ثم كتب معه: بسم الله الرحمن الرحيم. من سلمان بن داود، إلى بلقيس ملكة سبأ وقومها. أما بعد فلا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين. فأخذ الكتاب الهدهد برجله - وقيل بمنقاره - وانطلق حتى أتاها، فألقى الها الكتاب، فوقع في حجرها،

стр. 80

فنظر إليه، ونظر من حولها إلى الطائر، الذي ألقى الكتاب إليها فخاضوا في ذلك، فقالوا: رمى إليها بكتاب من السماء تعظيما لقدرتها، فبلغها ذلك، فبعثت إلى مقاول حمير، وقالت (يا أيها الملأ إني ألقي إليَّ كتاب كريم إنَّه من سليمان وإنَّه بسم الله الرحمن الرحيم أنْ لا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين. يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون. قالوا نح أولو قوة وألوا بأس شديد، والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين. قالت: إنَّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون)، ثم قالت (وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بما يرجع المرسلون) قال عبيد بن شرية: فبعثت إليه أربعين رجلاً، وبعثت معهم مائة وصيف ومائة وصيفة، ولدوا في شهر واحد، لهم ذوائب وقصاص والزي الواحد، وختمت على سراويلهم، وبعثت بمائة فرس نتجت في يوم واحد، ألوانها واحدة، وبعثت بحق رصاص فيه من الجواهر والزمرد والدر والياقوت الأحمر والأصفر والأبيض والأسود ملحم لا يوصل إلى عد كل جنس ما فيه، إلاّ أنْ يكسر، وبعثت إليه بخرزة غير مثقوبة، وقالت: تثقب هذه الخرزة بغير علاج إنس ولا جان ولا بحدادة، وبعثت إليه بخرزة مثقوبة ثقبا ملتويا وسألته أنْ يدخل فيه خيطا، وقالت للوفد: إنْ قبل الهدية فهو ملك يرغب في المال، وإنْ كان نبيا فليس له رغبة في الدنيا، وإنما رغبته في دخولنا في دينه فهو لا يقبل الهدية. فكتبت إليه كتابا، أنْ يميز بين الوصفاء والوصائف من غير أنْ يعري أحدا منهم، وأنْ يميز الخيل أيها نتج قبل صاحبه، وعما في الحق قبل أنْ يفتحه. فلما قدم الوفد إليه،

стр. 81

وألقوا إليه كتابها قرأه، وعرف ما سألته عنه ودعا بالجن والأنس ودعا بالوند، وقال: من يميز بين الغلمان والجواري ولا ينزع ثيابهم؟ فأعلموه انهم لا علم لهم بذلك، وكذلك يميزا، وجميع ما سألته عنه فقالوا: لا علم لنا بشيء من ذلك. فاشتد إعجابه من ذلك بما سألته عنه، فمكث أياماً يقلب الأمر فيما سألته عنه حتى أطلعه الله على علم ما سألته من حكمته، فدعا بالغلمان والجواري، وأمر بطشت فيه ماء، ودعاهم واحداً بعد واحد، وقال اغلوا أيديكم، فكان من غسل من الغلمان حدر الماء من يده حدراً، ومن غسل من الجواري يصببن الماء صعداً، فيميزهم على ذلك. ودعا بالخيل فقال نتجت في يوم واحد، وهذا خال هذا، وهذا عم هذا، وهذا أبن عم هذا حتى فرغ منهن. والوفد ينظرون في كتابهم، والتعيين في علاماتهم، ثم دعا بالخرزة التي لم تثقب. فوضعها بين يديه، قال لمن حضر: من يثقب هذه الخرزة؟ فتكلمت دودة بين يديه فقالت: يا سليمان، يا نبي الله، أنا أثقبها على أنْ يجعل رزقي في الخشب: نعم. فلزمت الدودة الخرزة حتى خرجت من الجانب الآخر في ثلاثة أيام، ثم انطلقت لرزقها، ثم دعا بالحق فحركه، ثم قال: فيه عدد كذا وكذا من الجواهر، ومن الزمرد كذا وكذا، ومن الياقوت الأحمر كذا وكذا، والأصفر كذا وكذا، والأبيض والأسود، حتى فرغ من جميع ذلك، والوفد ينظرون. ثم دعا بالخرزة التي ثقبها ملتو فقال لمن بحضرته: أيكم يأخذ هذه الخرزة الملتو ثقبها، فيدخل فيها خيطاً؟ فأجابته دودة: على إنَّ يكون في الفصفصة معيشتها. قال: كل ذلك لك. فأخذت خيطاً في فمها ودخلت به، حتى خرجت

стр. 82

من الجانب الآخر، ثم انطلقت إلى رزقها في الفصفصة وهي القصب وكانت في الخشب. ثم أمر سليمان ﵇ برد جميع ما بعثت به إليها. وقد ذكره الله تعالى، وقال المرسل (أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون، إرجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها، ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون) إلاّ أنَّ تأتيني مسلمة هي وقومها. فلما رجعت إليها الرسل بما قالت: قد عرفت والله ما هذا بملك، وما لنا به من طاقة، ولا نصنع بمكائرته شيئاً. وكتبت إليه: إني قادمة إليك بملوك قومي، حتى أنظر ما أمرك وما تدعوني إليه من دينك. ثم أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه، وكان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ، فجعل في سبعة أبيات بعضها في بعض ثم أقفلت عليه الأبواب، وكان لا يخدمها إلاّ النساء. ثم قالت لمن خلفت على سلطان ملكها: أحتفظ بما قبلك، وسرير ملكي لا يخلص إليه أحد من عباد الله حتى آتيك. ثم شخصت إلى سليمان في ألف ألفِ فارس، ثم جمعت مقاول حمير وأبناء ملوكها ثم قالت: يا معشر حمير إني خارجة إلى سليمان فما ترون؟ قالوا: الأمر إليك. فخرجت فيمن معها، وتركت باقي أجنادها بغمدان ومآرب. وقال لها قومها: ما الذي تريدين. الدخول والطاعة أو محاربته، قالت سوف يأتيكم العلم وما يكون. وامرت من معها بالنهوض إليه إلى تدمر من بلاد الشام. وتدمر مدينة قديمة بالشام، فيها بناء عجيب يقال إنَّ الجن بنته لسليمان. والصحيح أنَّ تدمر سميت بملكة من العمالقة بنتها وهي: تدمر ابنة حسان بن أذينة بن السميدع بن هوثر بن عريب بن

стр. 83

مآرب بن لاي بن عميلة بن هوثر بن عمليق بن لبسميدع بن الصور بن شمس بن وائل بن الغوث بن جيدان بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الميسع بن حمير الأكبر بن سبأ الأكبر. عن هشام بن محمّد الكلبي عن الشرقي بن محمّد بن خالد القسري قال: كنت مع مروان بن محمّد فهدم ناحية من تدمر؛ فإذا في أساس حائط من حيطانها مجرى من رخام طويل، فاجتمع قوم، غفلبوا الطبق، فظن مروان إنَّ فيه كنزاً، وإذا فيه امرأة على قفاها، عليها سبعون حلة منسوجة بالذهب، جربنها واحد، وإذا لها غدائر في رأسها إلى قدمها، فذرعت قدمها، فإذا هو ذراع، وإذا صحيفة من ذهب في بعض غدائرها فيها مكتوب: أنا بنت ساسان الملك بن اذينة بن السميدع، من ولد الصوان بن عبد شمس، خرب الله بيت من يخرب بيتي. قال: فما لبثنا إلاّ قليلا، حتى جاء عبد الله وعامر بن إسماعيل فقتل مروان رجع الحديث إلى خبر مسيرها، قال أبن إسحاق: فجعل سليمان يبعث الجن فيأتونه بخبر مسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة. حتى إذا دنت جمع من عنده من الجن والإنس ممن تحت يده، فقال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أنْ يأتوني مسلمين، قال عفريت من الجن - اسمه كودي - أنا آتيك به قبل أنْ تقوم من مقامك - يعني من مجلسه - وإني عليه لقوي أمين فزعموا أنَّ سليمان ابتغى أسرع من ذلك، فقال آصف

стр. 84

بن برخيا بن سمعيا من سبط لاوي بن يعقوب وكان صديقاً يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى: يا نبي الله أنا آتيك به قبل أنْ يرتد إليك طرفك فمد عينيك فلا ينتهي طرفك إلى مده حتى أمثله بين يديك. قال: ذلك أريد فذكروا أنَّ آصف بن برخيا توضأ وركع ركعتين وقال: انظر يا نبي الله وامدد طرفك حتى ينتهي طرفك، فمد سليمان ﵇ طرفه ينظر نحو اليمن ودعا آصف أبن برخيا فانحرف العرش من مكانه الذي هو فيه ثم قبع بين يدي سليمان (فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي. ليبوني أأشكر أم أكفر، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإنَّ ربي غني كريم. قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون) أي أتعقل أم يكون من القوم الذين لا يعقلون. ففعل ذلك لينظر أتعرفه أم لا تعرفه. فلما انتهت إلى سليمان وكلمته، أخرج إليها عرشها، ثم قال لها (أهكذا عرشك؟ قالت كأنه هو). ثم أمر سليمان بالصرح وقد عملته الشياطين من زجاج أبيض كأنه الماء في صفاء لونه، فأرسل الماء من تحت الصرح، ثم وضع له سريره فيه، فجلس عليه. وعكفت عليه الطير والجن والإنس، ثم قال (ادخلي الصرح) ليريها ملكا هو أعز من ملكهاو سلطانا أعز من سلطانها (فلما رأته حسبته لجة، وكشفت عن ساقيها) لا تشك أنَّه ماء لتخوضه إليه قيل (أنَّه صرح ممرد من قوارير) فلما وقفت على سليمان، دعاها إلى عبادة الله وعاتبها على عبادة الشيطان من دون الله. فقالت بقول الزنادقة: أو ليس هو في ناحية، فوقع سليمان ساجداً لله تعالى

стр. 85

لأجل ما سمع منها، وسجد الناس منه، واسقط في يدها، حين رأت عجيب ما صنع سليمان، فلما رفع رأسه قال: ويحك ماذا قلت؟ قالت، وأنسيت ما قلت (رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) فأسلمت وحسن إسلامها. قال فزعموا أنَّ سليمان قال لها - حين أسلمت وفرغت من أمرها - اختاري رجلاً من قومك أزوجك به. قالت: ومثلي - يا نبي الله - ينكح الرجال، وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان لي، قال: نعم أنَّه لا يكون في الإسلام إلاّ ذلك، ولا ينبغي لك أنْ تخرجي مما أحل الله لك، فقالت: زوجني - إنْ كان ولا بد من ذلك - ذا بتع. قال واسمه موهوب إل. وإل سم الله تعالى، أي هبة الله ، وحمير تقول: اسم ذي بتع بريل. قال الفيروزي: ومات ذو بتع بريل. قال علقمة: أو مثل صرواح وما دونها ... مما بنت بلقيس أو ذو بتع فزوجه إياها، وردها إلى اليمن، وسلط زوجها ذا بتع على اليمن، وأولاده الساكنون بالسحول. ودعا زوبعة أمير حي الجن فقال: اعمل لذي بتع ما استعملك بقومك، فصنع ذو بتع المصانع باليمن، ولم يزل بها ملكا حتى توفي سليمان ﵇. فهذا ما روى محمّد بن إسحاق بن يسار مولى قريش وقال قوم: بل تزوج بها سليمان بن داود، وربما كان ذلك والله اعلم. والصحيح

стр. 86

ما قاله أسعد تبع يفتخر في شعره: لدتني من الملوك ملوك ... كل قيل متوج صنديد ملكتهم بلقيس تسعين عاماً ... بأولى قوة وبأس شديد ونساء متوجات كبل ... قيس وشمس ومن اميس جدودي عرشها درعه ثمانون باعاً ... كللته بجوهر وفريد وبدر قد كللته وياقو ... ت وبالتبر أيما تقييد ولها جنتان تسقيهما عينان ... فازا بسه المسدود لا تبالي أنْ لا ترى غيث سيل ... جاءها السيل من مكان بعيد ولو إنَّ الخلود كان لحي ... باحتيال أو قوة أو عديد أو بملك لمّا هلكنا وكنا ... من جميع الأنام أهل الخلود وقال أسعد تبع أيضاً يذكر بلقيس في شعر له: ولقد بنت لي عمتي في مأرب ... عرشاً على كرسى ملك متلد عمرت به تسعين عاماً دوخت ... أرض العراق إلى مفازة صيهد يغدو إليها ألف ألف كلهم ... عقب لها يتعاقبون من الغد فرأت سبيل الرشد حين تبينت ... ما قد أتاها من حكيم مرشد نزلت عن الملك العظيم لربها ... قبل المنية أو يقال لها ردي

стр. 87

قال أبو محمّد: قال وهب بن منبه الأنباري: لمّا مات سليمان أولى أمره في الخلق من بعده ابنه رحبعم بن سليمان بن داود ﵉، وهو وصيه وخليفته ملك رحبعم: فولى اليمن سنة؛ وأتاه رسول بني إسرائيل من بيت المقدس فقال له: إنَّ أهل الشام يرتدون بعد سليمان عن دين الله، واجتمعت إليه ملوك حمير فقال له القلمس أفعى نجران، يا خليفة رسول الله، أردت الشام، وأهله أهل بأس وفتنة، لا يعطون إلاّ عن أسر، فاجعل سيفك دليلا، وعزمك خليلا، وإنَّ الكفر صدأ بالقلوب، لا يحول بينها وبينه إلاّ الخوف، ولن تخيفهم إلاّ بعزم وصبر، والله المعين قال رحبعم: لله بيت المقدس ينصرون الله وينصرهم، فخذوا أهبة الحرب وأعدوا الجيوش حتى ياتسكم أمري، فإنَّ السنة محلة، ة العام جدب. فتربص كل قوم من جيوش حمير مكانهم، ومضى رحبعم إلى الشام يريد بيت المقدس واختار من يني إسرائل مائة رجل فسار بهم على مدائن الشام، فأجابوه على أمر الله، حمير بلغ إلى انطاكية، فتمردوا وقتلوه ومن معه من المؤمنين، وهم الذين اختارهم للمسير معه من بني إسرائيل. والقاتل لهم من بقايا القوم الجبارين من بني مارع بن كنعان بن حام بن نوح، وتجبر

стр. 88

بنو كنعان باخوانهم من القبط من كنعان، والنواب بن كنعان بن حام بن نوح، ولم يكن لبني إسرائل بهم طاقة. ووقعت فتنة باليمن على الملك، وتغلب كل على ما تحت يده وانشغلوا عن الظهور على أنطاكية، فأرسل الله جناً من الملائكة على أهل انطاكية فأغاروا عليهم وأوغلوا في طلبهم، فلما أصبحوا عطفت عليهم جنود الملائكة ووضعوا فيهم السيف فقتلوهم إلى باب انطاكية، ودخل منهم انطاكية المدينة وأغلقوا الباب، ونزل الملائكة على أهل المدينة فقتلوهم أجمعين وذكر بعض أهل العلم أنَّ فيهم أنزل الله سبحانه (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين، فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون. لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه، ومساكنكم لعلكم تسألون، قالوا يا ويلنا أنا كنا ظالمين، فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين) قال أبو محمّد: حدث أسد، عن أبي إدريس، عن وهب أنَّه قال: هزمت الملائكة أهل انطاكية الذين قتلوا رحبعم، أغلقوا باب سورهم وعلوه فهبت عليهم ريح صرصر شمالية ببرد شديد فأسقطتهم موتى، ونزلت الملائكة على الباقين فقتلتهم. والله اعلم قال نشوان: أو ياسر الملك المعيد لمّا مضى ... من ملك حي لا تراه لقاح أبقي بوادي الرمل أقصى موضعٍ ... بالغرب مسند ماجدٍ جحجاح لم يلق بعد عبوره بيتاً ولا ... شيئاً من الحيوان ذي الأرواح

стр. 89

هذا الملك ياسر ينعم عمرو بن العبد بن أبرهة بن الرائش. وسمي ياسر ينعم لأنه رد ملك حمير إليها بعد أنْ انتقل إلى سليمان بن داود ﵇ وهو الذي أوصى له الهدهاد بالملك في عهد بلقيس وبعدها، فأجابته حمير وقدموه قال أبي محمّد: لمّا ولى ياسر ينعم الملك، أقر بلقيس على ملكها بمأرب ولم يغير عليها شيئاً من أمرها. وكان ياسر ملكا عظيما، خرج من اليمن غازياً، فدوخ الشام وقبض أقواتها، وتوجه نحو المغرب لرؤيا رآها، حتى إذا بلغ وادي الرمال الذي يسيل - ولم يبلغه أحد من الملوك غيره - ويقال إنَّ اسم الوادي الرسيل، فلما انتهى إلى الوادي لم يجد مخرجاً ولا مجازاً، حتى كان يوم السبت. ويقال إنَّ ذلك الوادي لا يسكن إلاّ يوم السبت، فانه لا يجري ولا يتحرك. فلما رآه كذلك أمر رجلاً من أصحابه من أهل بيته يقال به عمرو بن زيد بن أبي يعفر أنْ يعبر بأصحابه، فلم يرجعوا. ويقال أنَّه لا يوجد خلف ذلك الوادي نبات ولا شيء من حيوان. فلما رأى ذلك ياسر ينعم أمر بصنم من نحاس فصنع ونصب على صخرة، ثم كتب على صدر ذلك الصنم كتاباً بالمسند وهو كتاب بالحميري أبياتا من شعره، وكلاماً قاله. أما الكلام: أنا الملك الحميري ياسر ينعم

стр. 90

اليعفري، ليس وراء ما بلغته مذهب، فلا يجاوزه أحد فيعطب. وأما الأبيات فقوله على لسان حال الصنم: أنا علم المليك ثبت دهري ... على رأي المقاول والقبول نصبت فلم أزل فيها مقيما ... لحمير للشباب وللكهول فما أحد يجاوزني فيحيى ... على التل المطل على السهول ليعلم من أتاني من أمامي ... فليس له ورائي من سبيل وقيل إنَّ ذلك الصنم على هيئة الانسان، لا يزال يشير إلى من أتى إليه من أمامه أنْ يرجع. وفيه يقول دعبل بن على الخزاعي: وهم كتبوا الكتاب بباب مروٍ ... وهم غرسوا هناك التبتينا وفي صنم المغارب فوق رمل ... تسيل تلوله سيل السفينا قال أبن الكعلي: كانت متب ملوك حمير بباب الصين، وباب مرو، وسمرقند، وفي صنم المغرب، وبباب أنقرة ببلاد الروم، وبباب ذي الكلاع وقال علقمة بن زيد بن يعفر أخو صاحب المقنب الذي غرق في وادي الرمل: ايا ياسر الأملاك قد رمت خطة ... علت فوق غابات الملوك القماقم رددت علينا ملكنا في نصابه ... ولولاك كان الملك أضغاث حالم سلكت بلاد الغرب تطوي بجحفل ... كمثل البا عند ارتجاج الهواجم

стр. 91

تفض جموعاً للأعاجم عنوة ... بأبناء قحطان الحماة الخضارم إذا ما أتوا أرضاً أباحوا ملوكها ... وقادوا جميعاً أهلها بالجرائم فأوردتهم في مورد لن يناله ... من الناس غاز رام أرض الأعاجم أتسير بهم وادي السيل سيوله ... تسيل برمل كالجبال الرواكم تسير نهاراً والليالي دائباً ... اتسبي سبياً من قبيل أقادم فأوردته عمراً بمقنبه ضحى ... ليعلم من أسبابه سر كاتم فهاض جناحي إذ ثوى غير آيب ... إلى أبن أمي كان رمحي وصارمي وودعني عمرو عليه تحيتي ... وأفردني عمرو لهم ملازم وقال النعمان بن الأسود بن المعترف الحميري: لعمري لقد جللت حمير نعمة ... وفرت بملك ذي بقاء إلى الحشر وأرجعتها الملك الذي كان قد وهى ... فأنت حسام الدهر ذو النعم الزهر ولولا سليمان الذي كان ملكه ... من الله تنزيلا ووحياً على قدر لمّا كان إنس يبتغي أنْ يرومنا ... ولا الجن إذ نحن الأقاصم للضهر ولكن قضاء كان تحويل ملكنا ... إلى أين نبي الله داود ذي النصر فذاك سليمان الذي كان ملكه ... من الله تنزيلا عليه بلا نكر

стр. 92

فنحن ملوك الناس قبل نبيه ... وقبل أبيه الخير عصراً من الدهر ونحن ملوك الناس والمقتدى بنا ... إلى أنْ يصير الملك منا إلى فهر يكون نبي أمره غير واهن ... ورحيم بذي القربى وبالأجنب الوتر محمّد الهادي وأحمد اسمه ... رسول منير مشرق الوجه كالبدر له أمة منا غطاريف سادة ... مصاليتها أهل النكبة والصبر يدينون دين الحق عن دين أحمد ... يسيرون في الدنيا على الحق بالنصر وسوف تطأ السودان أرض أبن حمير ... فتعبر عشراً من العشر فيقتلهم ذو الشأن منا بقدرة ... ويقتلهم قتلا ذريعاً إلى البحر فيسلبه الملك الذي هو ملكه ... نبي كريم النفس متسع الصدر ويغلب آفاق البلاد بعزمه ... ويبقى بذاك الذكر في آخر الدهر يرد عماد الملك من آل حمير ... تقوم له الأملاك بالحمد والشكر بني حمير سيروا البلاد لعزكم ... فإنَّ المعالي لا تنال بلا قهر وقال نشوان: أم أين شمر يرعش الملك الذي ... ملك الورى بالعنف والإسجاح قد كان يرعش من رآه هيبة ... ورنا إليه بطرفه اللماح وبه سمرقند المشارق سميت ... لله من غازٍ ومن فتاح

стр. 93

وأتى بمالك فارسٍكيقاوسٍ ... في القيد يعثر مثخنا بجراح فأقام في بئرٍ بمأرب برهةًفي السجن يجأر معلناً بصياح فاستوهبت سعدى أباها ذنبه ... فعفى وسيره بحسن سراح هذا شمر يرعش بن افريقيس بن أبرهة ذي المنار بن الحارث الرائش، وهو الذي أحدث السيوف الحميرية اليعرشية، وهي أحكم السيوف سقياً، وأكثرها جوهراً. من بقاياها الصمصامة سيف ذي يزن قيفان الذي صار إلى عمرو بن معدي كرب الزبيدي. وله حديث طويل، ويقال إنَّ حديدها من جبل نقم. وسمي يعرش لأنه كان يرعش من رآه هيبة. وقيل: سمى بذلك لأنه أصابه الفالج في آخر عمره فكان يرتعش منه. وحمير جميعاً لا يقولون إلاّ يرعش بكسر العين، فدل ذلك على أنَّه يرعش من رآه من الهيبة. وغزا شمر يرعش من اليمن في جنود كثيرة، حتى دخل أرض بابل، ثم توجه يريد الصين، فأخذ على أرض فارس، وسجستان، وخراسان، وبلاد الترك، فافتتح

стр. 94

المدائن والحصون، وقتل وسي الأعاجم، ودخل مدينة السغد فهدمها فسميت سمر كند بلغة العجم، أي شمر أخر بها، فتغيرتها العرب. وقيل هو أول من أمر ببنائها فسميت به، وكتب على بابها بالحميرية في صخرة مبنى عليها سورها: هذا ملك عرب لا عجم، شمر يرعش الملك الأشم، فمن بلغ هذا المكان فهو مثلي، ومن جاوزه فهو أفضل مني. ويقال: إنْ سبب خروج شمر من اليمن إلى الشرق أنْ ملكا من الملوك ببابل يقال له كيقاوس بن كنينة تجبر وبني صرحا يريد فيه الرقي إلى السماء كما فعل فرعون وهامان، فنهض إليه شمر بجنوده، فحاربه فظفر به، وقفل به إلى اليمن أسيرا، فسجنه ببئر بمأرب، ثم إنْ سعدي ابنه سمعت قيقاوس يجأر في تلك البئر فرحمه، فلم تزل تشفع له أبيها حتى أطلقه من السجن وولاه على بلده ورد إليها على خراج يؤديه إليه في كل سنة. وقيل في رواية أخرى: إنَّ شمر لمّا افتتح سمرقند هدمها، ثم أمر ببنائها، ثم توجه إلى الصين، فخافه ملك الصين خوفا عظيما، وعلم أنَّه لا طاقة له به، فجمع ملك الصين وزراء، فاستشارهم وقال: قد أقبل هذا الأعرابي ولا طاقة لنا به، فماذا ترون؟ فأتى كل واحد منهم برأي، وبقي واحد منهم لا يتكلم، فقال: ما تقول؟ فقال: أرى أنْ تظهر الغضب عليّ وتجدع أنفي وتأخذ دوري وضياعي وأملاكي ودوابي وعبيدي، حتى يعلم الناس بذلك. فكره ذلك ملك الصين لعظم حال ذلك الوزير عنده، فلم يعذر ذلك الوزير حتى ساعده، وفعل به ما أشار عليه به، فخرج الوزير من الصين حتى انتهى إلى شمر يرعش، فأراه جدع أنفه، وشكى إليه ما فعل به ملك الصين، وأظهر لشمر يرعش النصيحة، فجعله شمر يرعش من خاصته، ثم احتاج إلى دليل يدله على الطريق إلى

стр. 95

الصين في المفازة العظيمة التي دونه، فقال وزير ملك الصين لشمر يرعش: أنا الدليل أيها الملك، ولا تجد من يعرف هذه المفارة مثلي، فنهض شمر يرعش بجنوده يتبعون ذلك الوزير بهم غير الطريق حتى بعدوا بعدا عظيما عن. . . . . . وأشرفوا على الهلاك وأيقنوا. . . . . . . ونفذ ما معهم من الماء. فقال شمر: أين الماء؟ فقال الوزير: لا ماء ها هنا إلاّ الموت. . . . . . . . أنْ تهلكنا وملكنا، وتقتل رجالنا وتسبي ذرارينا، فوهبت نفسي لأهل بلادي، ووقيتهم من الهلاك بنفسي، فأنت ومن معك أحق بالهلاك من ملكنا وأهل بلادنا. فأمر شمر بضرب عنقه، وأيقن شمر بالهلاك، وقال لجنده: توجهوا أينما شئتم، وفرش له درع من حديد، وظلل عليه بدرقة من حديد، وظلل عليه بدرقة من حديد، فذكر عند ذلك قول قوم من. . . . . . . حكموا في ميلاده أنه يموت في بيت سقفه من حديد، وفراشه من حديد، وذهب كل منهم على وجهه فهلكوا في تلك المفارزة، وتناثر من جنوده ثلاثون ألفا فوقعوافي أرض فيها الشجر والماء والنخيل وهي بلاد التبت التي يجلب منها المسك، فتملكوها وتوطنوها، وبعدت منهم أرض اليمن، فسكنوا بها إلى اليوم، فزيهم زي العرب، وأخلاقهم أخلاق العرب، ولهم ملك قائم بنفسه منهم، وهم معترفون أنهم من العرب من اليمن، وهم يحبون العرب حبا شديدا. وقيل: إنَّ شمر يرعش قفل إلى اليمن سالما غانما. وفي رواية أخرى حتى دخل اليمن، وقرب من ريام ثم هلك، والله أعلم أي ذلك كان. القصيدة: والأقرن الملك المتوج تبع ... عراك البلاد بكلكل فداح

стр. 96

وغزا بلاد الروم يبغي وادي إلي ... قوت صاحب عزة وطماح فقضى هنالك نحبه وأتى إلى ... أجل معد للحمام متاح هذا الملك تبع الأفران: وهو ذو القرنين المذكور في القرآن، أبن شمر يرعش بن إفريقيس، بن أبرهة ذي المنار بن الحارث الرائش، وسمى الأقرن ذا القرنين لشيب كان على قرنيه ولد وهو فيه. وكان ملكا عظيما، عالما حكيما. قد أطلع علم الكتاب، وسمع حكومات من ينظر القرانات ويقال أنَّه القائل: أنا الملك المتوج ذو العطايا ... جلبت الخيل من أوطان سام ويقال: إنْ أباه شمر الذي قالها. ويقال: إنْ أباه الحارث قالها. والله أعلم. وغزا تبع الأقرن بلاد الروم وأوغل فيها حتى قطعها. ووصف له أنْ بتلك الناحية واديا فيه الياقوت، وأنْ بالقرب منه عينا يسمى ماؤها ماء الحيوان الذي ظفر به الخضر دون ذي القرنين. فلما بلغ إلى هذه الناحية أدركه الشتاء هناك فمات ودفن هناك، وكرم الله وجهه أصحابه راجعين خوف الهلاك، فأرادت حمير أنْ تحمله إلى اليمن مثال ذلك الموضع. وهو موضع الظلمات، ولا يكون مظلما إلاّ إذا بعدت الشمس في أيام الشتاء، إذا هي انتهت في الجهة اليمانية عند حلول الشتاء رأس الجدي، فتصير تلك الأيام ليلا بلا نهار في ذلك الموضع. وفيه يقول قطن بن الغوث بن ذي الأذغار: إنْ يمس في اللحد أبو مالك ... يسقي عليه الترب بالحصاب

стр. 97

في غربة أصبحت ميتا بها ... وليس من يبرح بالصاقب في حفرة غبراء مكروهة ... ذات ظلام ليس بالثاقب فوق سواسي الأرض من خلقها ... تركت دون المعبر الكاذب فقد غنينا زمناً بيننا ... منك كبدر الغسق الواقب غيثاً يعم الأرض مضى ... وكفه فيها غنى الطالب يعطي جزيل المال لا ينثنى ... وكل بكر غضة كاعب يا حمير الأملاك لا تسأموا ... فقد فجعتم بالفتى الغالب كثير من حمير يرى أنَّ هذا الملك، هو ذو القرنين المذكور في القرآن الكريم، ولمّا رأوا من شدة ملكه وعلما وعدله وحسن سيرته، ولأنّه بلغ المبلغ التي ذكرت لذي القرنين اليسار، ودخل بلاد الظلمات التي وادي الياقوت، وفيها العين التي يسمى ماؤها ما الحيوان، التي ظفر بها الخضر ﵇ دون ذي القرنين، وغير ذلك من الأوصاف التي وصف بها ذو القرنين ونهم من يرى أنَّه تبع الأكبر وهو الرائد، وأسمه الصعب أبن تبع الأقرن بن شمر يرعش بن إفريقيس بن أبرهة ذي المنار بن الحارث الرائش وقال آخرون من حمير: هو الصعب بن القرنين بن لهماذ بن عهم بن الراتع بن أبن ذي أبين بن ذي يقدم بن الصوار. وقال قوم منهم: هو ياسر بن عمرو بن العبد بن

стр. 98

أبرهة بن الرائش. وقد روى أنَّه غير هؤلاء المذكورين باب الحقيقة المعمول عليها إلى ذي القرنين السيار ومعرفة الطرق التي جاءت منها اللبسة فيه، والتنبيه على الأخبار الباطلة والمتعاملون بهذا الاسم أربعة: أولهم المساح باني سد يأجوج ومأجوج. وهو الصعب بن مالك بن الحارث بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان وأهل السجل يقولون: هو الهميسع بن عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان، وروايتهم أنَّه لقي إبراهيم الخليل ﵇ يوم حاكم إليه أهل الأردن وهم من العماليق. وذلك أنَّ إبراهيم ﷺ أحتفر بئراً في صحراء الأردن للماء لأجل ماشيته؛ وأدعى قوم من العماليق أنَّ عرصة البئر في حوزتهم، فحاكمهم إلى ذي القرنين وهو سائر إلى الشمال بعد منصرفه من الشام، وكان الخضر على مقدمة عسكره، فلما أوغل ذو القرنين في الشمال، رفع للخضر عن ماء الحيوان فشرب منه، ولم يعلم ذو القرنين ولا أحد من أصحابه، فخلد وعمر وقال حسان بن ثابت الأنصاري يفتخر بذلك، ويذكر فيهم ذا القرنين ومسيره في البلاد، وبناءه السد، ويذكر نصر الأزد للاسلام في شعره أوله يذكر فيه ما صار إليه من المشيخ بعد الشباب: كبرت كذلك المرء ما عاش يكبر ... وقد يهرم الباقي الكبير المعمر

стр. 99

لقد كن يأتين الغواني يزرنني ... بأردانها مسك ذكي وعنبر ولمّا رأين البيض شيبي وذرنني ... ونادينني: يا عم والشيب يوذر تنفرن عني حين أبصرت شاملا ... على مفرقي كالقطن بل هو أنور وكن خلالي يوم شعري كأنه ... جناح غداف أسود حين ينثر أريع عليه ألبان في كل ليلية ... فيصبح جعداً كالعناقيد يقطر وقد كنت أمشي كالردني ثابتاً ... فصرت كأني ضالع الرجل أصور فبدلت شيباً بعد ما أسود حالك ... متى مسه خضب إذا هو احمر كرابية حمراء في رأس حالق ... على شعف باد لمن يتبصر علا الشيب رامي بعدما كان أسودا ... وفي الشيب آيات لمن يتفكر وبعد الشباب الشيب والضعف والفنا ... وموت له قدر عبوس مكدر فكم كم من الأملاك قد ذل ملكهم ... وهل من نعيم دائم لا يغير سوى ملك ربي ذي الجلال فإنه ... له الملك يقضى ما يشاء ويقدر لقد كان قحطان الندى القرم جدنا ... له منصب في رافع السمك يشهر ينال نجوم السعد إنَّ مد كفه ... تقل أكف عند ذلك وتقصر ورثنا سناء منه يعلو ومتحداً ... منيف الذرى سامي الأرومة يذكر إذا انتسبت شوس الملوك فإنما ... لنا الراية العليا التي ليس تكسر لنا ملك ذي القرنين هل نال ملكه ... من البشر المخلوق خلق مصور

стр. 100

بواتر يتلو الشمس عند غروبها ... لينظرها في عينها حين يدخر ويسمو إليها حين تطلع غدوة ... فيلمحها في برجها حين يظهر وكيلا بأسباب السماء نهاره ... وليلي رقيباً دائماً ليس يفتر وأوصد سداً من حديد أذابه ... ومن عين قطر مفرغاً ليس يظهر رمى فيه يأجوجاً ومأجوج عنوة ... إلى يوم يدعى للحساب وينشر وفي سبأ هل كان عز كعزهم ... لهم حسب محض لباب وجوهر وقد كان في بينون ملك وشؤدد ... وفي ناعط ملك قديم ومفخر وأسعد كان الناس تحت سيوفه ... حواهم بملك شامخ ليس يقهر تواضع أشرف البرية كلها ... إذا ذكرت أشرافها الصيد حمير وفي الكفر كنا قادة وذوي نهى ... أنا عدد الفيض الذي هو يكثر وأول من آوى النبي محمداً ... نصرنا وآوينا نذب وننصر عن المشرق الميمون أحمد ذي النهى ... كأنا ضراغيم الفضا حين نضجر إذا شمرت حرب وهز هزيزها ... نهضنا مساعير لها حين تسعر نكب الكماة الشوس عند اصطلائها ... قتلنا ولاة الشرك من كان يكفر إذا زفت الأنصار حول محمّد ... بجيش كريم مزيد حين يزخر يزفون حول الهاشمي نبيهم ... على وجهه نور من الله يزهر إذا خطروا بالمشرفية والقنا ... فبخ لهم من عصبة حين تخطر

стр. 101

إذا ما مشوا في السابغات كأنها ... هزيم من الرعد المجلجل يزأر فضلنا ملوك الشام في كل مشهد ... لنا الأثر في المرعى وورد ومصدر وقال عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي يذكر ذا القرنين ويخبر باسمه: فسموا كذى القرنين نعرف فضلكم ... به إنَّ في اليوم المبين شافيا لنا الشرق والغرب احتيالا وقوة ... فأبقى لنا غداً به الهر باقيا بنى دون يأجوج ومأجوج إذ رأى ... فسادهم ردماً لدى السد راسيا دعا إذ أناه بالحديد فازه ... ولاءم بالقطر المذاب السآبيا فما قدروا أنْ ينقبوا بحيلة ... ولا وجدوا فيه لرجل مرقيا فقد سار عرض الأرض قدماً وطولها ... وما كان بها واهن البطش واهيا فنودي لمّا سار والشمس خلفه ... على الماء ذا القرنين قف واحف طافيا فقد جئت حدّثني الأرض والظلمة التي ... مررت بها تهوى على الماء ماشيا وكان اسمه في قومه الصعب لم يكن ... له اسم سواه يستحق المماريا فحقق أنَّه الصعب بن مالك، وكذلك حقق حسان بن ثابت أنَّه من ولد مالك بن زيد بن كهلان بقوله: لنا ملك ذي القرنين هل نال ملكه ... من البشر المخلوق خلق مصور فلما فرغ من خبره قال: وفي سبأ هل كان عز كعزهم

стр. 102

فأخرجهم من حمير، وأخرجها من قصصه وقال فيه علقمة بن ذي جدن ورثاه في جملة من ذكر من ملوك قحطان فقال: أين الذي بلغ المشارق كلها ... ومغارب الأرض التي لم تعمر وبنى على يأجوج ردماً رصف ... بالقطر لم ينقب ولمّا يظهر فتناولته منية قصدت ... فأجابها ومضى كأن لم يذكر وقال الخارجي: سموا لنا واحداً في الناس نعرفه ... في الجاهلية لاسم الملك محتملا كالتبعين وذي القرنين يقبله ... أهل الحجى فأحق القول ما قبلا وقال أبن أبي ذؤيب الخزاعي، بشعر مخمس: ومنا الذي في الخافقين تغربا ... وأصعد في كل البلاد وصوب وفي ردم يأجوج بني ثم نصبا ... فقد نال قرن الشمس شرقاً ومغربا بعسكر موت ليس تحصى فتحسبا ... وذلك ذو القرنين من آل كهلان وغير الهمداني - وهو مؤلف الإكليل - بروي البيت المقدم من آل قحطان، وقال فيه أسعد تبع وسماه خاله للولادات التي ذكرها: عمني الخير حين تذكر بلقيس ومن مطلع الشمس خالي وقال أيضاً: قد كان ذو القرنن خالي قد أتى ... طرف البلاد المكان الأبعد

стр. 103

وقال: قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا تدين الملوك وتسجد وكان أبن إسحاق يرويه: قد كان ذو القرنين. . . . . . .، وهذا يحتمل أنَّه كان جده من جهة الأمهات المقدم ذكرهن. والثاني الإسكندر بن فليبس وهو من اليونانيين، وهو الذي بنى الإسكندرية، وإليه ينسب تاريخ ذي القرنين الذي نحن فيه لمدخل سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة من الهجرة على ألف سنة ومائتين وخمسين سنة، ويقال أنَّ فيلبوس من ولد هرمس ملك مصر، المنجم صاحب الأحكام، وهو الاسكندر بن بيلبوس بن مصريم بن هرمس بن هردس بن ميطون بن رومي بن ليطي أبن يونان بن ثافث بن ثوبه بن سرجون بن رومية بن نرط بن نوفل بن روفل بن الأصغر أبن اليفظ أبن العيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵇. وكان ملكه الذي بلغ فيه أقصى المغرب والمشرق خمس عشرة سنة، وكان عمره ستا وثلاثين سنة. وكان يؤدب الاسكندر ارسطاطاليس الحكيم، فزعموا أنَّه خرج إلى بابل ثارا بها سنحاريب وسوروان

стр. 104

وبخت نصر وبمصر وببلد الروم وظفر بدار الملك ببابل وبدارا عظيمها وأكابر أهل بابل. وكتب إلى أرسطوطاليس يشاوره في قلهم ويقول: قد كتبت إليك، وقد أظفرني الله بأهل بابل، فمنح أكنافهم وملك بلادهم، وأمكن من حكمائهم، وأشاورك في قتل من قبضت عليه من الملوك والقادة والأشراف والسادة لتنفيذ فيهم أمرك، فاحسم عنك وعن بلدك البلاد إلى آخر الدهر. فكتب إليه أرسطوطاليس: قد علمت لكل بلد قسمة، وقسمة فارس النجدة، وإذا قتلت الأشراف تحولت النجدة في السفلة منهم، فسمت الإخاء إلى منازل ذوي الأقدار، ولم يبتل الناس ببلاء أشد عليهم من قوة اللئيم، وغلبة السفلة، وأخاف أنْ يكون لفارس على أهل بلدك دولة يوما من الأيام فيأتيهم ممن ليس عنده بقية ولا روية ولا نظر في. . . . . . . والسلام. فابقي الاسكندر عليهم. وقد روى بعض العامة من العجم أنْ هذا باني السد، ولم يوغل هذا في الشمال، وإنما كانت له غزوتان: واحد للمغرب، والثانية للمشرق، وفيها مات، ومما يدل على أنَّه ليس بذي القرنين الذي ذكره الله في كتابه رواية العجم لغدره بدارا ودسة عليه صاحب حرسه، فلما قتل على الشريطة التي شرط له والعهد الذي أعطاه قتله، قال تركه تكربت للحاشية على الملوك، وأنَّه سقى السم فمات. فحمل في تابوت من ذهب ووضع بين الحكماء، فتكلمت، فقال أحدهم: ما زلت تكنز الذهب، حتى كنزت فيه. وقال بعضهم عليه أنت ميتا اوعظ منك حيا. وقال آخرون: إنْ أمرا هذا آخره لحري أنْ يزهد في أوله. والرجل الصالح لا يكنز الذهب، كما قال الله (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). وكثيرا ما ينتحل

стр. 105

الأعاجم سد يأجوج ومأجوج، ولا يجدون إلى أنَّ ينحلوه الاسكندر سبيلا، لمعرفة الناس بمبالغة من البلاد، فيقولون: هو الاسكندر الأكبر الذي يدعى أبن فيليبوس بن مصريم الذي بنى عليه بنيه ريح، والذي بين قيام فيليبوس بن مصريم وهو عندهم أبو الاسكندر الأكبر وبين قيام الاسكندر الآخر ثلاث عشرة سنة وثلاث مائة وستّة وعشرون يوماً، ومن كان عصره على هذا القرب من الاسكندر بن فيليبوس، فليس يخاف بناء ابنه للسد. والذي روى الخبر وهذا التاريخ من العجم، ويقولون أنَّه لم يرفع أحد من اليونانيين والروم رأسه على ملك بابل حتى قام الاسكندر بن فيلبوس على دارا؛ وما رأيت أحداً من العلماء على اختلافهم في نسب الاسكندر ذي القرنين شك أنَّ ذا القرنين الذي ذكره الله تعالى في كتابه، ذكرته العرب في أشعارها، وسماه العرب البناء، والمسلح غير الاسكندر وأقدم منه، وهو الذي تحاكم إليه إبراهيم ﵇ في الأردن وصاهر إليه جيدان بن قطن. وهذا درجته متقدمة لعصر الاسكندر اليوناني، وإنَّ بين الاسكندر بن فيلبوس وبين إبراهيم ﵇ عشرين بطناً ومما يدحض رواية العجم فيما أدعوه من بنائه السد أنَّ مسير الدنيا المشرق إلى المغرب فيما يؤثر عن العلماء أنَّه مقدار خمسمائة سنة من مطلع الشمس إلى مغربها، وكان مدة عمر الاسكندر بن فيلبوس ستاً وثلاثين سنة، فكيف يمكن بلوغه مطلع الشمس إلى مغربها في هذه المدة اليسيرة، وإنّما تصح الرواية في بلوغ أقصى مطلعها وأقصى مغربها فيمن أقدره الله على ذلك وممكن له في الأجل فنال ذلك على المهل، وهو ذو القرنين الصعب، ويكنى ذا رياش بن مالك بن الحارث ذي مراثد بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان، وذو القرنين اسم عربي من الأذواء وهو من المعمرين، وكان فيما يذكرون والله اعلم أنَّ

стр. 106

عمر ألفا سنة، وقد جاءت بذلك الشواهد من الأشعار. ومنها قوله بعد رجوعه لمّا نعيت نفسه إليه فجعل يخاطب نفسه: صعب حقاً كل شيء ذاهب ... إلاّ الإله الواحد المعبود هتكت خطوب الدهر عمرك هتكة ... أمسى حسامك دونها مغمودا عمرت ألفاً بعد ألفا قبلها ... في العالمين فقد دعيت وحيدا وقصدت آفاق البلاد بقدرة ... فوجدت نحساً دونها وسعودا فهديت فيها مؤمناً ذا همة ... ونشزت منها كافراً وجحودا ورايت عين الشمس عند سقوطها ... ووردت أمواج المحيط ورودا وبلغت أعلام المشارق كلها ... أبغي بما أبغي لهن حدودا فوطئت يأجوجاً ومأجوجاً بها ... وبنيت دونها وحديدا وجعلت عن شريهما مندوحة ... فالفج عن صدفيهما مقصودا وولجت في الظلمات حين ولجتها ... خوفا وكان وتاجها محدودا ولقيت تحت الشمس قوماً خلتهم ... تحت الظلام خنازراً وقرودا وعلوت في الدنيا بعزة قاهر ... أكدت فيها للبقا تأكيدا حاولت أنَّ أعطي الخلود وأرتقي ... في الخافقين إلى السماء صعودا فأبى لي الله الذي أملته ... أمس المنى دون الرضا ممدودا

стр. 107

فالحنو للصعب المعبهل منهل ... يسعى به أمداً له ممدودا قال النعمان بن الأسود بن المعترف بن عمرو بن يعفر بن سكسك المقعقع الحميري يرثي ذا القرنين الحميري: بحنو قراقر أمسى رهيناً ... أخو الأيام والدهر الهجان لئن أمست وجوه الدهر سوداً ... جلين لذلك الملك اليماني لقد صحب الردى ألفين عاماً ... ولاقاه الحمام على ثمان إذا جاوزت من شرفات حنو ... وسرت بايك برقة رحرحاني إذا جزت العقيق بأرض هند ... إلى القنوات والنخل الدواني هناك الصعب ذو القرنين ثاو ... بأرض تنوفة الحنوين عاني ألم تر أنَّ حنو الرمل أمسى ... لملك الدهر والدنيا مغاني فقال للنازلين بكل أرض: ... لكم أمر على بعد وداني قال أبو محمّد: حدثنا أسد عن إدريس عن وهب بن منبه عن عبد الله بن العباس أنَّه سئل عن ذي القرنين، ممن كان؟ قال: كان من حمير، وهو الصعب بن ذي مراثد، وهو الذي مكن الله له في الأرض، وآتاه من كل شيء سببا، بلغ قرني الشمس وداس الأرض، وبني السد على يأجوج ومأجوج. قال فالأسكندر الرومي؟ قال: كان

стр. 108

الاسكندر الرومي رجلاً صالحاً حكيما، بني على بحر أفريقيس منارتين: واحدة يأرض بابلبيون، وأخرى في أرض رومة، وسمي إفريقيس باسم ملك عظيم من عظماء التبابعة، أكثر الآثار عليه في المغرب من المصانع والمدن والآثار وسئل كعب الأحبار عن ذي القرنين، فقال: الصحيح عندنا من علوم أحبارنا وأسلافنا أنَّه من حمير، وأنَّه الصعب بن ذي مرائد، والأسكندر من بني يونان أبن عيص بن اسحق بن إبراهيم ﵇، ورجاله أدركوا عيسى بن مريم، منهم جالينوس وأرسطوطاليس ودانيال وهو من بني إسرائيل، وجالينوس وأرسطوطاليس من بني يونان من الروم، وفيه قال أسعد تبع: قد ك ذو القرنين جدي مسلماً ... ملكا تدين له الملوك وتسجد طاف المشارق والمغارب عالماً ... يبغي علوماً من كريم مرشد وأتى مغار الشمس عند غروبها ... في عين خلب وثأط حرمد وذكره قس بن ساعدة الإيادي فقال: أيّها الناس، هل أتاكم ما لم يأت آبائكم الأولين، أو أخذتم عهداً من السنين، أم عندكم من ذلك يقين، أم أصبحتم من ريب المنون آمنين، بل أصبحتم والله في غفلة لاعبين، أبن الصعب ذو القرنين، جمع الثقلين، وأداخ الخافقين، وعمر ألفين، لم تكن الدنيا عنده إلاّ كلمحة عين، من لم يتعظ اتعظ به

стр. 109

أيها الناس، أين الآباء والأمهات، والإخوة والأخوات، والأبناء والبنات. أما ترون آيات بعد آيات، وأموات بعد أموات، إلاّ وإنْ علم الغيب باطن، وبناء الخلق ظاهر، اضمحلت الأشخاص وذهبت، وعادت العظام رميا وبعثت، كلا ليصلن كل عامل عمله، كلا بل هو إله واحد، ليس بمولود. . . . . . . والد، أسكنهم التراب وإليه المآب. أما بعد، فإنَّ الحي حكم بالموت. أيها الأشهاد، أين ثمود وعاد. . . . . . الآباء والأجداد أين الظالم والمظلوم، أين الحس الذي لم يسكن؟ هل تدرون أين ذهب أبرهة ذو النار وعمرو ذو الأذعار؟ أم هل تدرون ما صار إليه عبادة الفتاح وأذينة الصباح، وجذيمة الوضاح؟. عزوا فقهروا، ونهوا وأمروا، وبنوا المصانع والآبار وجدلوا الأنهار، وغرسوا الأشجار، واستخدموا الليل والنهار هجمت الآجال دون الآمال. إلاّ وإنْ كل شيء إلى زوال. وأنشأ يقول: قد كنت أسمع بالزمان ولا أرى ... أنْ الزمان يطيق نتف جناحي فأراه أسرع في حتى أصبحت ... بيضا متون عوارضي وصفاحي وأنا الكبير بسنة في قومه ... هيهات كم ناسمت من أرواح صافحت ذا جدن فأدرك مولدي ... همرو بن شمر إذ سقى بالراح

стр. 110

والقيل ذو يزن رأيت محله ... بالقهر. . . . . . بين مرامر وصفاح فتك الزمان بملك حمير فتكة ... وسعى بكل عشية وصباح أودى أبو كرب وعمرو قبله ... وأباد ملك أذينة الصباح وأباد إفريقيس بعد مقامه ... في الملك. . . . . . . . . . الفياح والصعب ذو القرنين أصبح ثاويا ... بالحنو بين ملاعب الأرواح وغدا بأبرهة النار فأصبحت ... أيامه مسلوبة الأصباح أخنى على صيفي بحادثة صرفة ... مستأثرا بجذيمة الوضاح أم أين علكدة الهمام وملكه ... أم أين عز عبادة الفتاح والعبد والهدهاد صارا عبرة ... طارا. . . . . الدنيا بغير جناح لا تمس في شك الظنون أما ترى ... أيامه مشهورة الايضاح لا تأمنن مكر الزمان فإنه ... أودى الزمان بشمر الصياح من بعد ملك الصين أصبح هالكا ... أكرم به من هالك مجتاح برك الزمان على أبن هاتك عرشه ... وعلى أذنيه سالب الأرواح وعلى الذي كانت بموكل داره ... يهب الفيان وكل أجرد شاحي أين الذين تملكوا قد أهلكوا ... وعلى المقعقع حل بالأتراح شخصت على بعد النوى أشخاصهم ... فرآهم الأوهام بالأشباح
следующие страницы →