تعتبر سرية الخبط، استمرارا لسياسة النبي ﷺ العسكرية لإضعاف قريش، ومحاصرتها اقتصاديًّا على المدى الطويل، ولتعويض المهاجرين، ولو جزءًا بسيطًا مما فقدوه من أموال ومتاع استولت عليها قريش عند مغادرتهم وطنهم مكة.
ولم توضح لنا غالبية الروايات، وخاصة الصحيحة منها تاريخ محدد لهذه السرية. وقد أغرب الشامي حين ذكر أن جمهور أئمة المغازي حددوا تاريخها برجب في السنة الثامنة الهجرية١؛ حيث لم يقل بذلك غير الواقدي ومن تابعه٢.
وقد رد كل من ابن القيم، وابن حجر هذا القول باعتبار تلك الفترة فترة هدنة مع قريش، فالظاهر أن ذلك وهم غير محفوظ، بل مقتضى ما في الصحيح أن تكون هذه السرية في سنة ست أو قبلها قبل الهدنة٣.
وذكر العراقي أن السرية كانت بعد نكث قريش للعهد، وقبل الفتح٤، وعلق الزرقاني بعد ذلك: بأنه لا يعتبر قول ابن القيم كون السرية في رجب وهم غير محفوظ٥.
وعلى تسليم ظاهره، يحتمل أن يكون البعث في أواخر رجب بحيث لا يصلون إلى جهينة ويلقون العير، إلا في شعبان٦.
стр. 107
وعلى كل حال فقد حشد رسول الله ﷺ مجموعة من رجاله المخلصين في (دورية قتال اعتراضية قوتها) ثلثمائة صحابي١ من المهاجرين والأنصار٢ وأسند قيادتها إلى أمين الأمه أبي عبيدة بن الجراح٣، وحدد لهم الهدف المنشود وهو رصيد عير المشركين٤ ربما قافلة تجارية مساحلة عن طريقها المعتاد، وقد تمر بمنطقة نفوذ قبيلة جهينة على ساحل البحر الأحمر.
ونظرا للضائقة الاقتصادية التي كان يمر بها المسلمون في ذلك الوقت، فقد كان تموين هذا الجيش ضعيفا بحيث لم يجد لهم رسول الله ﷺ غير
стр. 108
جراب من تمر زودهم إياه، إضافة إلى أزوادهم الخاصة التي كانت في مجملها قليلة أيضا. (وأثناء المسير الاقترابي) لموقع العمليات، فَنِي زاد السرية العام "فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش، فجُمع فكان مزودي تمر"١٢ لأجل البركة في اجتماع الأزواد، وحتى يتساوى الكل في القوت فلا يتميز أحد عن أحد.
ورغم هذا الإجراء المنضبط من القائد الذكي إلا أن جرابا من تمر وهو مقدار ما تجمع من الزاد الخاص للجيش لم يكن يكفي جيشا مكونًا من ثلثمائة رجل.
فكان أبو عبيدة يقوتهم من هذا الجراب كل يوم "قبضة قبضة"٣ ثم تمرة تمرة. عندما قارب من الانتهاء، وقد أدرك الجند صعوبة الموقف فتقبلوا هذا الإجراء بصدور رحبة دون تذمر أو ضجر، بل إنهم ساهموا في خطة قائدهم التقشفية فصاروا يحاولون الإبقاء على التمرة أكبر وقت ممكن.
يقول جابر ﵁ أحد أفراد هذه السرية: "كنَّا نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا إلى الليل"٤ وكم هو رائع هذا الموقف المدهش حقّا والذي أدهش قبلنا وهب بن كيسان ﵀ الذي سأل جابرا ﵁ دهشًا: "ما تغني عنكم تمرة؟، فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت"٥.
ومع ذلك لم يؤثر ذلك على معنويات الجيش، ويستسلموا للأمر الواقع بل فكروا في حيلة يُبقون على أنفسهم حيث اضطروا إلى أكل ورق الشجر.
قال جابر ﵁: وكنا نضرب بعصينا الخبط٦، ثم نبله بالماء
стр. 109
فنأكله"١.
"فسمى ذلك الجيش جيش الخبط"٢، وقد أثر هذا الموقف في قيس بن سعد بن عبادة ﵄ أحد جنود هذه السرية الشجاعة وهو رجل من كرماء الصحابة المشهورين٣فنحر للجيش "ثلاث جزائر٤، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه"٥.
ولم يكن الله ليتخلى عن جند له خرجوا في سبيله ابتغاء مرضاته، وطمعا فيما عنده من الأجر، فبينما هم كذلك من الجهد والجوع الشديدين إذ زفر البحر زفرة أخرج الله فيها حوتًا ضخمًا، فألقاه على الشاطىء، ويصف لنا جابر بن عبد الله ﵄ مقدار ضخامة هذا الحوت العجيب فيقول: "وانطلقنا على ساحل البحر، فرُفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم٦، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر٧، قال: قال
стр. 110
أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله ﷺ وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهرا، ونحن ثلثمائة حتى سمِنَّا، قال: لقد رأيتنا نغترف من وقب١ عينيه بالقلال٢ الدهن. وتقتطع منه الفدر٣ كالثور، أو قدر الثور، فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينيه، وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها، ثم رجل أعظم بعير معنا
стр. 111
فمر من تحتها١ وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم٢. فقال: "ما حبسكم"؟، فقلنا: كنا نتبع عيرات قريش، وذكرنا له من أمر الدابة"٣. فقال: "هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا، قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله"٤٥.
وقد أورد بعض شارحي حديث هذه السرية، وبعض أهل المغازي المتأخرين بعض الأمور الفقهية المستفادة من خلال أحداث هذه السرية، قال النووي: في هذا الحديث جواز صدِّ أهل الحرب واغتيالهم والخروج لأخذ مالهم واغتنامه.
وأن الجيوش لا بد لها من أمير يضبطها، وينقادون لأمره ونهيه،وأنه ينبغي أن يكون الأمير أفضلهم، قالوا: يستحب للرفقة من الناس وإن قلوا أن يؤمروا بعضهم عليهم، وينقادوا له، قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: يستحب للرفقة من المسافرين خلط أزوادهم ليكون أبرك، وأحسن في العشرة، وأن لا يختص بعضهم بأكل دون بعض والله أعلم٦.
стр. 112
قال ابن حجر: وفي الحديث من الفوائد مشروعية المواساة بين الجيش عند وقوع المجاعة، وأن الاجتماع على الطعام يستدعي البركة فيه١.
ومن الفوائد أيضا جواز أكل ورق الشجر عند المخمصة، وكذلك عشب الأرض، قاله ابن القيم٢.
وفيه أيضا بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من الزهد في الدنيا، والنتقلل منها، والصبر على الجوع وخشونة العيش، وإقدامهم على الغزو مع هذا الحال٣.
وتدل القصة على جواز أكل ميتة البحر، وأنها لم تدخل في قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ ٤ وقد قال الله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ﴾ ٥، وقد صح عن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عباس وجماعة من الصحابة "أن صيد البحر ما صيد منه، وطعامه ما مات فيه"، وفي السنن عن ابن عمر مرفوعا وموقوفا " أحلت لنا ميتتان، ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال" حديث حسن، وهذا الموقوف في حكم المرفوع؛ لأن قول الصحابي: "أُحل لنا كذا، وحُرِّم
стр. 113
علينا" ينصرف إلى إحلال النبي ﷺ وتحريمه، فإن قيل: فالصحابة في هذه الواقعة كانوا مضطرين، ولهذا لما هموا بأكلها قالوا: إنها ميتة، وقالوا: نحن رسل رسول الله ﷺ ونحن مضطرون فأكلوا، وهذا دليل على أنهم لو كانوا مستغنين عنها لما أكلوا منها١.
قيل: لا ريب أنهم كانوا مضطرين ولكن هيأ الله لهم من الرزق أطيبه وأحله، وقد قال النبي ﷺ لهم بعد أن قدموا: "هل بقي معكم من لحمه شيء؟ " قالوا: نعم، فأكل منه ﷺ وقال: إنما هو رزق ساقه الله لكم"، ولو كان هذا رزق مضطر لم يأكل منه للضرورة فكيف ساغ لهم أن يدهنوا بوكدها، وينجسوا به ثيابهم وأبدانهم، وأيضا كثير من الفقهاء لا يُجَوِّز الشبع من الميتة، إنما يجوزون منها سد الرمق. والسرية أكلت منها حتى ثابت إليهم أجسامهم وسمنوا وتزودوا منها٢.
وفيها دليل على جواز الاجتهاد في الوقائع في حياة النبي ﷺ وإقراره على ذلك، لكن هذا كان في حال الحاجة إلى الإجتهاد وعدم تمكنهم من مراجعة النص. وقد اجتهد أبو بكر وعمر ﵄ بين يدي رسول الله ﷺ في عدة من الوقائع وأقرهما على ذلك، لكن في قضايا جزئية معينة لا في أحكام عامة وشرائع كلية؛ فإن هذا لم يقع بين يدي رسول الله ﷺ من أحد من
стр. 114
الصحابة في حضوره ﷺ ألبتة١.
ومن الفوائد أيضا جواز نهي الإمام، وأمير الجيش للغزاة عن نحر ظهورهم وإن احتاجوا إليه خشية أن يحتاجوا إلى ظهورهم عند لقاء العدو، ويجب عليهم الطاعة إذا نهاهم٢.
كما يستحب للمفتي أن يتعاطى بعض المباحات التي يشك فيها المستفتي إذا لم يكن فيه مشقة على المفتي، وكان فيه طمأنينة للمستفتي، قاله النووي٣.
стр. 115
الفصل الثاني: البعوث ذات المهمات الصعبة سرايا المغاوير
مقدمه
...
الفصل الثاني
البعوث ذات المهمات الصعبة
(سرايا المغاوير)
ويشتمل على:
١ـ مقدمة.
٢ـ بعث سالم بن عمير إلى أبي عفك.
٣ـ خبر مقتل المرأة التي تسب رسول الله ﷺ .
٤ـ البعث إلى كعب بن الأشرف.
٥ـ بعث عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان الهذلي.
٦ـ بعث عمرو بن أمية إلى أبي سفيان بن حرب.
٧ـ البعث إلى أبي رافع سلام بن أبي الحقيق.
٨ـ البعث إلى اليسير بن رزام.
٩ـ سرية أبي قتادة بن ربعي إلى خضره.
стр. 116
مقدمة
لكل دولة أعداء، وهؤلاء إما يكونوا على شكل جماعات منفصلة لها معسكرها الخاص بها، وإما يكونوا مندسين ضمن جماعات مسالمة أو معاهدة، وربما يخضعون لسيادة الدولة نفسها.
والأعداء الظاهرون يتم التعامل معهم صراحة وبشكل مباشر ومعلن. أما الأشخاص المندسون في الجماعات غير المعادية فيصعب التعامل معهم مباشرة، نظرا لوقوعهم تحت مظلة العهد المبرم مع قومهم، وتمتعهم بحمايتهم، فيستغلون هذا الموضع لتنفيذ مخططاتهم العدائية ضد الدولة من تحريض، وبثٍّ لأسباب الفرقة والشقاق، مع مؤازرة أعداء الدولة أو موالاتهم. وهذا العدو خطره أكبر بكثير من العدو الظاهر المعلِن للعداء، ويكون التعامل معه فيه نوع من الحيطة، والحذر، والترقب مع تحين الفرص المناسبة للقضاء عليه.
وأحسن وسيلة تحقق هذا الغرض هي استعمال الحيلة بشتى أساليبها لاستدراجه بعيدا عن قاعدته الأمنية، أو مباغتته فيها والقضاء عليه دون إثارة انتباه الآخرين.
وهذا العمل تقوم به الآن الدول المتقدمة، وتعتبره أسلوبا من أساليب الحرب المطورة، ورسول الله ﷺ له قصب السبق في استحداث هذا الأسلوب المتطور، فقد أحسن التعامل مع التوعيات المختلفة مع الأعداء، حيث استطاع ﵊ بحنكته العسكرية الفذة أن يواجه أعداءه، ويتغلب عليهم بشتى الطرق الممكنة كلٌّ بحسب وضعه. فمن رأى أنه يستطيع القضاء عليه
стр. 117
بأيسر الطرق دونما إراقة دماء كثيرة أرسل إليه (فرقة مغاوير) للقضاء عليه قبل أن يستفحل أمره ويقوى كيده.
وهكذا نراه دائم الحذر يحرص دائما على مراقبة أعدائه، وتتبع أخبارهم ونشاطاتهم المعادية أولا بأول، مما يعطينا دلالة واضحة على أنه كان يستخدم الأسلوب المسمى اليوم (بالمخابرات) مع البون الشاسع في الأساليب والإمكانيات.
إن فرق المغاوير ونظم المخابرات تحتل اليوم حيزًا كبيرا ومهمًّا في جيوش الدول الحديثة، بل إنها تعتمد عليها في كل الأوقات سلمًا وحربًا لتنفيذ أغراضها ومخططاتها.
ورسول الله ﷺ لم يلجأ لأسلوب تحشيد سرايا يوكل إليها القيام بالمهمات الصعبة، إلا بعد ظهور طائفة من الأعداء عرف بثاقب بصره العسكري المحنك، أنه يمكن القضاء عليهم بطرق ميسرة وتحول دونما إراقة دماء كثيرة، وهو الهدف الذي كان طالما كان يسعى إليه في صراعه مع أعدائه، كما أنها قد تحقق له من النتائج أفضل ما قد تحققه بعض المعارك الميدانية المكشوفة من إثارة الرعب في نفوس الأعداء، وردع كل من حاول منهم القيام بمثل ما قام به أولئك، مع إخماد ما قاموا به من التحريض وإثارة الفتنة في مهدها، والقصاص العادل من الخونة ومثيري الأحزاب.
فعدو مثل كعب بن الأشرف مرتبط مع الدولة التي يتفيأ ظلال حمايتها بمعاهدة وخاضع لسيادتها، عندما يقوم بتجاهل كل ذلك، فينقض العهد والميثاق ويوالي أعداء الدولة ألا يعتبر خائنًا لها، ومحاربًا مهدور الدم يجب قتله واستئصال شره.
ورجل مثل أبي سفيان بن حرب يخطط لمؤامرة تستهدف حياة النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 118
ألا يجب معاملته بالمثل على أقل تقدير.
وعدو كخالد بن سفيان الهذلي يؤلب الأعراب ويحشدهم لحرب المسلمين، ألا يكون في القضاء عليه قبل أن يستكمل خطته ويحشد الأعراب فيه تشتيت لشملهم وتجنب خطرهم الداهم وشرهم بأقل قدر ممكن من الخسائر وإراقة الدماء.
كما أن في قتل عدوين مثل "سلام بن أبي الحقيق، واليسير بن رزام من زعماء خيبر تمهيدًا للغزو، وحرمانًا لليهود من زعيمين كبيرين لهما رأي وتدبير١ كما يعتبر قتل سلام بن أبي الحقيق قصاصا عادلا لدوره الكبير في تأليب الأحزاب ضد المسلمين.
وهكذا نرى أن سرايا المغاوير التي أطلقها رسول الله ﷺ نحو الأفراد من أعداء الدولة الإسلامية، قد حققت أغراضها، وأصابت أهدافها بدقة متناهية على الرغم من قلة رجالها وبساطة إمكانياتها موفرة على دولة الإسلام في المدينة الكثير الكثير من الجهد والعناء، وجنبت المسلمين العديد من المعارك، وحقنت الكثير من الدماء، فإن في "تحطيم قوة العدو قبل أن تكتمل أفضل من تركها تتجمع ثم الصمود لها"٢.
لقد "استهدفت هذه السرايا إنذار أعداء الدولة الناشئة من غير قريش وحلفائها كاليهود في الداخل وجماعات البدو في الخارج بأن المسلمين قادرون على الرد ومستعدون للتصدي لأي عدوان يستهدف منجزاتهم التي حققوها طيلة أربعة عشر عاما من الجهد والعناء"٣.
стр. 119
بعث سالم بن عمير إلى عفك
...
بعث سالم بن عمير الأنصاري لقتل أبي عفك١
تُكَذِّبُ دينَ الله والمرءَ أحمَدا ... لَعَمْرُ الذي أَمْناك أنْ بئس ما يُمنيِ
حَبَاكَ حنيفٌ آخرَ الليلِ طعنةً ... أبا عفكٍ خُذها على كِبَرِ السِّنَّ
أمامة المريدية
ابن هشام، سيرة (٤/٦٣٦)
стр. 120
عندما قام رسول الله ﷺ المدينة المنورة دار هجرته بدعوة من الأوس والخزرج الذين آمنوا به وبرسالته ونصروه حتى عُرفوا فيما بعد بالأنصار، ولكن كانت هنالك قلة قليلة منهم بقيت على شركها، وبنو عمرو بن عوف هي إحدى القبائل الأوسية المنضمة إلى حظيرة الإسلام، وقد كانت كغيرها من القبائل الأنصارية، الغالبية العظمى مسلمين، وقليل منهم الذين بقوا على شركهم.
وكان من هؤلاء شيخ كبير١ قد عسا٢، عظيم الكفر، شديد الطعن على المسلمين، يدعى أبا عفك، وكان قد امتلأ قلبه بالحقد والحسد للمسلمين، وهو يرى التفاف الأوس والخزرج على نصرة رسول الله ﷺ وازداد كيده بالإسلام وأهله بعد أن رأى رسول الله ﷺ يزداد قوة وتمكينًا في المدينة وما حولها بعد غزوة بدر٣، فلم يطق لذلك صبرًا، فأخذ ينشد الشعر يهجو به رسول الله ﷺ ويحرض على عداوته، ويسفه رأي الأنصار لمتابعتهم رسول الله ﷺ ومناصرته٤.
فلما رأى رسول الله ﷺ أنه متمادٍ في غيه، لدرجة أنه يريد تأليب الناس عليه، وإثارة الفتنة والشقاق بين المسلمين ندب الصحابة لقتله قائلاً: "من لي
стр. 121
بهذا الخبيث"١. وهنا يتجلى الإيمان في أروع مظاهره، فلا يتطوع لقتل أبي عفك ذلك الخبيث المرجف إلا رجلٌ من قومه٢ شاب مغواري إيماني، من بني عمرو بن عوف، وأحد البكائين في غزوة تبوك، ذلكم هو سالم بن عمير رضي الله عنه٣ حيث نذر على نفسه ليقتلنه أو يموت دونه، فقام بإعداد خطة محكمة للقضاء عليه دون أن يشعر به أحد من أشياعه "فأمهل يطلب له غرة٤ حتى كانت ليلة صائفة، فنام أبو عفك بالفناء، وعلم به سالم بن عمير، فأقبل فوضع السيف على كبده، ثم اعتمد عليه حتى خش في الفراش، وصاح عدو الله"٥ فتركه سالم ﵁ مضرجًا بدمائه يخور كالثور، حيث ثاب إليه ناس من أصحابه "ممن هم على قوله، فأدخلوه منزله، وقبروه"٦. متسائلين بدهشة كما يذكر الواقدي "من قتله؟ والله لو نعلم من قتله لقتلناه به"٧.
стр. 122
فقالت أمامة المريدية١ في ذلك:
تُكَذِّبُ دينَ الله والمَرْءَ أحمدا ... لَعَمْرُ الذي أَمْنَاكَ أَنْ بِئْسَ ما يُمْني
حبَاكَ حَنيفٌ آخرَ الليلِ طعنةً ... أبا عفكٍ خُذها على كِبَرِ السِّنِّ٢ ٣
стр. 123
خبر مقتل المرأة التي كانت تسب النبي صلى لله عليه وسلم
...
خبر قتل المرأة التي كانت تسب رسول الله صلى الله عليه وسلم١
стр. 124
ساق ابن إسحاق، والواقدي بسند واحد منقطع١، وابن سعد، والبلاذري تبعا للواقدي٢، والخطيب البغدادي٣، وابن عساكر٤ بسنديهما٥ عن ابن عباس ﵄ هذا الخبر باعتباره سرية لقتل امرأة من بني خطمة٦ هجت النبي ﷺ ، فندب رسول الله ﷺ أصحابه لها فتطوع رجل من قومها٧ لقتلها.
واختلف سياق القصة عند أهل الحديث، فالطبراني يذكر في رواية أخرجها بسنده عن عمير بن أمية ﵁ أنه كانت له أخت تشتم النبي ﷺ
стр. 125
وكانت مشركة فقتلها تطوعا منه دون أن يندبه إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
ولأجل ذلك اعتبرها ابن حجر قصتين مختلفتين ووهَّم تبعا لذلك ابن عبد البر لخلطه بينهما٢.
أما السهيلي فخلط بين روايات أهل المغازي، وروايتي أبي داود والنسائي٣ التي أخرجاها بسند حسن عن ابن عباس ﵄ وفيها: أن رجلا أعمى كان على عهد رسول الله ﷺ وكانت له أم ولد تكثر الوقيعة برسول الله ﷺ ، فقتلها٤.
كما أخرج أبو داود أيضا عن الشعبي عن علي بن أبي طالب ﵁ أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت٥.
وإذا نظرنا إلى هذه القصة نجد أن هناك اضطرابا كبيرا في الروايات التي
стр. 126
نقلتها مما يدعونا إلى الاعتقاد باحتمال تعددها، وبسبب ذلك، واستنادا إلى منهجي في هذا البحث فسوف أعتمد إن شاء الله تعالى على رواية التي أعتقد أنها الأصح بين تلك الروايات، وهي رواية ابن عباس ﵄ في السنن التي ذكرت: "أن أعمى كان على عهد رسول الله ﷺ ، وكانت له أم ولد١ شقية انزلقت في مهاوي الضلال، فأعماها الحقد والحسد للإسلام وأهله، مما جعلها "تكثر الوقيعة برسول الله ﷺ ، وتسبه، فيزجرها فلا تنزجر وينهاها فلا تنتهي"٢ فضاق بها ذرعًا لتماديها في أمر لا يُصبر على مثله، فقرر القضاء عليها على الرغم من حاجته الماسة إليها لضرارته، فضلا عن كونها أمًّا لولده، ولكن الإيمان وحب الله ورسوله ﷺ وموالاتهما لا يدانيه حب مهما بلغ "فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المغول٣ فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل٤ فلطخت ما هناك بالدم"٥.
وفي صباح اليوم التالي يصل الخبر إلى رسول الله ﷺ ، فأمر بجمع الناس، ثم قام فيهم خطيبا كعادته حينما يحدث أمر ما فقال: "أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام" ٦.
стр. 127
فما كان من الرجل وهو يسمع مناشدة رسول الله ﷺ له بد من إجابته، فقام يتخطى الناس مضطربا حتى قعد بين يدي رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، كانت أم ولدي، وكانت بي لطيفة رفيقة، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، ولكنها كانت تكثر الوقيعة فيك وتشتمك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر١ ثم شرح له بالتفصيل كيف قتلها، عند ذلك قال لهم رسول الله ﷺ : "ألا اشهدوا أن دمها هدر"٢.
يتضح لنا من سياق هذه القصة مدى الحب الطاغي المسيطر على قلوب أصحاب النبي ﷺ له، فهذا رجل ضرير لديه مثل هذه المرأة الرفيقة به، اللطيفة معه على ما به من الضرارة، علاوة على أنها أم لولديه الصغيرين، ومع ذلك كله قتلها غضبا لله ولرسوله ﷺ لم تمنعه حاجته الشديدة لها، ولم يغره لطفها ورفقها به، ولم يشفع لها عنده أمومتها لولديه الصغيرين، لأنه ممن كتب الله في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه، وهكذا المؤمن الكامل الإيمان يقدم حبّ الله ورسوله ﷺ وموالاتهما على كل شيء آخر حتى لو كان نفسه، قال الله تعالى ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣.
ومما نستنبطه من هذا الخبر والذي قبله: أن سابَّ النبي ﷺ مهدر الدم، فقد ذكر كل من المنذري والخطابي، أنه لا خلاف في أن سابه من المسلمين
стр. 128
يجب قتله، وأما الخلاف إذا كان ذميّا، فقال الشافعي: يقتل وتبرأ منه الذمة، وقال أبو حنيفة: لا يقتل، ما هم عليه من الشرك أعظم. وقال مالك: من شتم النبي ﷺ من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم، وكذلك قال أحمد بن حنبل١.
وقال ابن بطال: "اختلف العلماء فيمن سب النبي ﷺ فأما أهل العهد والذمة كاليهود فقال ابن القاسم عن مالك: يقتل من سبه ﷺ إلا أن يسلم، وأما المسلم فيقتل بغير استتابة، ونقل ابن المنذر عن الليث والشافعي، وأحمد، وإسحاق مثله في حق اليهودي ونحوه، وروي عن الأوزاعي ومالك – في المسلم – أنها ردة يستتاب منها، وعن الكوفيين: إن كان ذميًّا عُزِّر، وإن كان مسلما فهي ردة، وحكى عياض خلافا: هل كان ترك من وقع منه ذلك لعدم التصريح أو مصلحة التأليف؟ ونقل عن المالكية: إنه إنما لم يقتل اليهود اللذين كانوا يقولون له السام عليك، لأنهم لم تقم عليهم البينة بذلك ولا أقروا به، فلم يقض فيهم بعلمه، وقيل: إنهم لما لم يظهروه ولووه بألسنتهم ترك قتلهم، وقيل: إنه لم يحمل ذلك منهم على السب، بل على الدعاء بالموت الذي لا بد منه، ولذلك قال في الرد عليهم: وعليكم، أي: الموت نازل علينا وعليكم، فلا معنى للدعاء به، كذا في النيل٢.
وقد حكى ابن تيمية إجماع أهل العلم على قتل من سب النبي ﷺ مسلما كان أو كافرا٣.
ومما نستنبطه أيضا: اعتبار قول الرسول ﷺ : "ألا اشهدوا أن دمها هدر" سنة في الأصل في إشهاد الحاكم على نفسه بإنفاذ القضاء، قاله الدارقطني"٤.
стр. 129
البعث إلى كعب بن الأشرف
...
بعث محمد بن مسلمة وأصحابه لقتل كعب بن الأشرف
"من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله"
رسول الله ﷺ
ابن حجر، فتح (٦/١٥٨)
стр. 130
يقع حصن كعب بن الأشرف جنوب المدينة، وهو الآن جنوب شرق مسجد قباء على يمين الذاهب إلى سد بطحان ويبعد عنه حوالي ٢/١كم، وهو مبنى مربع الشكل تقريبا، ومبني من حجارة الجرانيت وهي حجارة حرة المدينة القريبة من الحصن، ويتكون الحصن من عشر غرف تقريبا متقابلة وفي أركانه أبنية ضخمة ربما كانت أبراجا للحصن،كما يقع في ركنه الشرقي بئر يدويه، ربما كانت البئر التي كان يشرب منها أهل الحصن، ويوجد للحصن باب من الناحية الغربية ربما كان بابه الرئيسي، كما يوجد بجانب أحد الغرف آثار سلم هذا وقد تحطمت وتهدمت معظم جدران الحصن وخاصة من الناحية الشرقية أما آثاره الباقية فهي كما ترى في اللقطات المصورة.
стр. 131
كعب بن الأشرف النضري من زعماء يهود المدينة، وأحد كبار أحبارهم١ أضمر الحقد والحسد للنبي ﷺ منذ اللحظة التي وصلته فيها أخبار بعثته للناس هاديا ومبشرًا ونذيرًا٢.
وعند وصول النبي ﷺ إلى المدينة وعقده الحلف الدستوري مع اليهود كان كعب بن الأشرف أحد المشاركين في هذا الحلف مع قبيلته بني النضير، فأصبح بذلك فردا من أفراد الدولة الناشئة في المدينة له حقوق وعليه واجبات بموجب الدستور الموقع من قبل الأطراف المعنية٣، إلا أن ذلك لم يردعه عن أذية رسول الله ﷺ حيث "كان يهجو النبي ﷺ ويحرض عليه كفار قريش"٤.
ويستمر كعب متماديا في غيه، فيذكر ابن إسحاق عن جمع من شيوخه٥ أنه استنكر مندهشًا النتيجة التي آلت إليها غزوة بدر، وأنه لما تيقن من صدق الخبر "ركب إلى قريش فاستغواهم على رسول الله ﷺ "٦
стр. 132
كما أنه لفرط عداوته لرسول الله ﷺ ، وما جاء به من الحق المصدق لما معه من الكتاب، نسي المبادىء والتعاليم التوراتية التي يدَّعي أنه يؤمن بها ويدافع عنها، نسي ذلك أو أنه تناساه عمدا، فشهد لحماة الوثنية قريش بأن وثنيتهم وشركهم خير من التوحيد الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
وقد وضح القرآن الكريم ذلك التناقض بقوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ٢.
ولم يكتف كعب بكل ذلك، بل إنه حالف قريشا على قتال رسول الله ﷺ ثم قدم المدينة معلنًا لمعادة النبي ﷺ وهجاء المسلمين٣ فأصبح بذلك عدوًّا مستأمنًا بعهد لم يرع ذمامه، ومواطنَ دولة خان دستورها، فكان لزاما أن يُعاقب بجريمته، ويلقى جزاء خيانته، وحتى لا يثير قومه فيتحزبوا معه إذا طالبهم بتسليمه أو على الأقل يدبروا أمر هروبه بعيدا فلا تطوله يد العدالة خاصة وهو من كبار زعمائهم، لذلك رأى رسول الله ﷺ أن خير وسيلة يتم بها التخلص منه هي بقتله سرًّا دون علم قومه، فندب الصحابة لذلك قائلا: "من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله" ٤ ويتطوع لهذه المهمة الصعبة
стр. 133
مغوار أنصاري من بني عبد الأشهل يذكر بعض أهل السير أنه كان أخًا لكعب من الرضاعة١ إنه محمد بن مسلمة رضي الله عنه٢ الذي قام فقال: "يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ " قال: "نعم"، قال: "فأْذن لي أن أقول شيئا٣.
ويذكره عروة: أن محمد بن مسلمة تشاور مع سعد بن معاذ ﵁ بناء على أمر رسول الله ﷺ ، فاتفق معه على خطة استدراجية يطمئن بها كعب إليه فلا يشك بنواياه تجاهه، فقال له سعد: "توجه إليه واشك إليه الحاجة، وسله أن يسلفكم طعاما"٤.
فأتاه محمد بن مسلمة، فقال: "إن هذا الرجل قد أراد صدقة، وقد عنَّانا، فلما سمعه قال: وأيضا والله لتملَّنه، قال: إنا قد اتبعناه الآن ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره، قال: وقد أردت أن تسلفني سلفا، قال: فما ترْهُنني، قال: ما تريد؟، قال: تَرْهُنني نساءكم، قال: أنت أجمل
стр. 134
العرب، أنرهنك نساءنا، قال له: ترهونني أولادكم قال: يُسب ابن أحدنا، فيقال: رهن في وسقين من تمر، ولكن نرهنك اللأمة (يعني السلاح) ، قال: نعم"١.
وواعده أن يأتيه ومعه أبو نائلة –وهو أخو كعب من الرضاعة-٢ وذلك زيادة لاطمئنانه، وثلاثة نفر من الأوس كانوا هم قوة السرية التي توجهت لقتله. وقد اختلفت المصادر في تسميتهم، وعددهم٣.
стр. 135
وفي ليلة مقمرة –حددها ابن سعد بأربع عشرة ليلة مضت من ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة١ في حين ذهب جمهور العلماء أن ذلك كان بعد غزوة بدر، وقبل غزوة بني النضير دونما تحديد٢- شيَّع رسول الله ﷺ أصحاب السرية إلى بقيع الغرقد، كما يروي ابن إسحاق بسند حسن، ثم وجههم وقال: "انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم"، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى بيته٣.
وأقبلوا حتى أتوا حصن كعب بن الأشرف الذي يذكر أهل المغازي أنه حديث عهد بعرس، وأنهم حينما هتفوا به وثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها، وقالت: إنك امرؤ محارب٤. وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة٥، "قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب"٦.
وكان محمد بن مسلمة قد اتفق مع أصحابه على كيفية قتله، "فقال: إذا ما جاء فإني قائل٧ بشعره فأشمه، ثم أشمكم، فإذا رأيتموني استمكنت
стр. 136
من رأسه فدونكم اضربوه، فنزل إليهم متوشحا وهو ينفخ منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحًا -أي أطيب-"١.
فقال كعب مفتخرًا:"نعم تحتي فلانة هي أعطر نساء العرب"٢ فقال محمد بن مسلمة: "أتأذن لي أن أشم رأسك؟، فشمه، ثم أشم أصحابه، ثم قال: أتأذن لي؟، قال: نعم، فلما استمكن منه، قال: دونكم، فقتلوه، ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه"٣٤.
"فلما قتلوه فزعت اليهود والمشركون، فغدوا إلى النبي ﷺ ، فقالوا: طُرق صاحبنا فقُتل، فذكر لهم النبي ﷺ الذي كان يقول، ودعاهم النبي ﷺ إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه. فكتب النبي ﷺ بينه وبين المسلمين عامة صحيفة"٥
стр. 137
"وقد يبدو مقتل ابن الأشرف متسمًا بالغدر، ولكن صاحب النظر الفاحص، والبصيرة النافذة يدرك أن ابن الأشرف معاهد بموجب الصحيفة التي التزم فيها يهود بني النضير مع الآخرين، وأنه بهجائه للنبي ﷺ ، وهو رئيس الدولة بالنسبة لابن الأشرف، وبإظهاره التعاطف مع أعداء المسلمين ورثاء قتلاهم، وتحريضهم على المسلمين يكون قد نقض العهد وصار محاربا مهدور الدم، وأما استدراجه ممن يثق بهم وقتله بالخديعة، فإنه جائز مع المحارب، وقد تم بأمر رسول الله ﷺ "١.
هذا وقد ذكر ابن القيم أن قتل ساب النبي ﷺ جائز بإجماع الخلفاء الراشدين ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف، فإن الصديق ﵁ قال لأبي برزة وقد هم بقتل من سبه: لم يكن هذا لأحد غير رسول الله ﷺ . ومر عمر ﵁ براهب، فقيل له: هذا يسب رسول الله ﷺ ، فقال: لو سمعته لقتلته، إنا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا ﷺ .
فإن قيل: فالنبي ﷺ لم يقتل عبد الله بن أُبي وقد قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعز منها الأذل، ولم يقتل ذا الخويصرة التميمي وقد قال له: اعدل، فإنك لم تعدل، ولم يقتل من قال له: يقولون: إنك تنهى عن الغي وتستخلي به، ولم يقتل القائل له: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، ولم يقتل من قال له لما حكم للزبير بتقديمه في السقي: إن كان ابن عمتك، وغير هؤلاء، قيل: الحق كان له فله أن يستوفيه، وله أن يسقطه، وليس لمن بعده أن يسقط حقه، كما أن الرب تعالى له أن يستوفي حقه، وله أن يسقط، وليس لأحد أن يسقط حقه تعالى بعد وجوبه، كيف وقد كان في ترك قتل من ذكرتم وغيرهم مصالح عظيمة في حياته زالت بعد موته من تأليف الناس، وعدم تنفيرهم عنه، فإنه لو بلغهم أنه يقتل أصحابه، لنفروا، وقد أشار إلى هذا
стр. 138
بعينه، وقال لعمر لما أشار عليه بقتل عبد الله بن أبي: "لا يبلغ الناس أن محمدا يقتل أصحابه".
ولا ريب أن مصلحة هذا التأليف، وجمع القلوب عليه كانت أعظم عنده وأحب إليه من المصلحة الحاصلة بقتل من سبه وآذاه. ولهذا لما ظهرت مصلحة القتل، وترجحت جدًّا قَتَلَ الساب، كما فعل بكعب بن الأشرف فإنه جاهر بالعداوة والسب فكان قتله أرجح من إبقائه، وكذلك قَتَلُ ابن خطل، ومقيس، والجاريتين، وأم ولد الأعمى، فقتل للمصلحة الراجحة، وكف للمصلحة الراجحة، فإذا صار الأمر إلى نوابه وخلفائه، لم يكن لهم أن يسقطوا حقه"١.
ولا ريب أن المحاربة بسب نبينا أعظم أذيةً ونكاية لنا من المحاربة باليد ومنع دينار جزية في السنة، فكيف يُنقض عهده ويُقتل بذلك دون السب، وأي نسبة لمفسدة منعه دينارًا في السنة إلى مفسدة منع مجاهرته بسب نبينا أقبح سب على رءوس الأشهاد، بل لا نسبة لمفسدة محاربته باليد إلى مفسدة محاربته بالسب، فأولى ما انتقض به عهده وأمانه سب رسول الله ﷺ ، ولا ينتقض عهده بشيء أعظم منه إلا سبه الخالق سبحانه. فهذا محض القياس ومقتضى النصوص، وإجماع الخلفاء الراشدين ﵃ وعلى هذه المسألة أكثر من أربعين دليلا٢.
وقال الزرقاني: واستشكل قتله على هذا الوجه –وأجاب المنازري: بأنه إنما قتله كذلك لأنه نقض عهد النبي ﷺ وهجاه وسبه، وكان عاهده أن لا يعين عليه أحدًا، ثم جاءه مع أهل الحرب معينًا عليه.
قال عياض: ولا يحل لأحد أن يقول إن قتله كان غدرًا، وقد قال ذلك إنسان في مجلس علي بن أبي طالب فأمر به فضُربت عنقه، وإنما يكون الغدر
стр. 139
بعد أمان موجود، وكعب قد نقض عهده ﷺ ، ولم يؤمنه محمد ورفقته لكنه استأنس بهم فتمكنوا منه من غير عهد ولا أمان، وقيل: لأن محمد بن مسلمة لم يصرح له بالأمان في شيء من كلامه، وإنما كلمه في أمر البيع والشراء، واشتكى إليه وليس في كلامه عهد ولا أمان١.
وساق الخطابي والبيهقي بسنديهما عن عباية بن رافع قصةً مشابهة للقصة التي أوردها عياض، وملخصها أنه ذكر قتل كعب بن الأشرف في مجلس معاوية، فقال ابن يامين: كان قتله غدرًا، فلم ينكر عليه معاوية، فأنكر ذلك محمد بن مسلمة وحلف أن لا يجالس معاوية أبدًا٢. وهذه الرواية فيها اضطراب في متنها، فقد روى الواقدي بسنده٣ ما يفيد أن هذه القصة وقعت في مجلس مروان بن الحكم الذي كان أميرا على المدينة، كما روى عبد الرزاق في مصنفه موقفا آخر مماثلاً وقع لأبي عبس ﵁ أحد المشاركين في هذه السرية٤. مما يدعونا إلى الاعتقاد بضعف الرواية.
ولا أظن أن يكون مثل هذا الموقف السلبي يصدر من صحابي جليل كمعاوية. والله تعالى أعلم..
وربما يلتبس على البعض أن قَتْلَ كعب بن الأشرف يتعارض مع بعض الأحاديث الناهية عن الفتك والغدر، ولكن اللبس هنا مرفوع؛ فالغدر لا يكون إلا بإنسان له عهد وميثاق ملتزم بهما غير ناكث لهما، وإلا قيل إن غزو مكة وفتحها كان غدرًا لوجود العهد والميثاف المبرم في صلح الحديبية. وكعب بن الأشرف علاوة على عدم التزامه بميثاق الدولة التي يعتبر أحد أفرادها جاهر بعداوته للمسلمين ولقائد الدولة، وأخذ يحرض عليهم، ولم يقتصر الأمر
стр. 140
بفداحته على ذلك، بل سافر إلى عدوهم وعاهدهم على قتال المسلمين، وكان كل ذلك كافيا لإظهار عداوته، ولكنه عندما رجع إلى المدينة صار يؤذي المسلمين –وهم أفراد مساوون له في الحقوق تحت ظل دولة واحدة غير مكترث ولا عابىء- وذلك بهجائهم والتشبيب بنسائهم، وهو أمر عظيم كانت الدماء تسيل فيه أودية في الجاهلية فكيف وقد أعز الله المسلمين بالإسلام.
هذا وقد روي عن ابن إسحاق بسند فيه مجهولان، والواقدي عن شيوخه: أن رسول الله ﷺ لما أصبح من الليلة التي قُتل فيها ابن الأشرف قال: "من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه"، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة –رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم-فقتله، فكان ذلك سببا في إسلام أخيه حويصة بعد نقاش حاد دار بينهما١.
وهذه الرواية إضافة إلى ضعف سندها، خالفتها رواية أخرى ذكرها ابن هشام في سبب إسلام حويصة متأخرة كثيرا عن قصة كعب بن الأشرف٢، كما يزيد في ضعفها مخالفتها لأصل من أصول الشريعة، وهو تحريم الذمي المستأمن إلا بحقه من نقض العهد والميثاق، والانضمام إلى صفوف المشركين وغير ذلك كما فعل ابن الأشرف. وإن صحت الرواية فإنه ربما كان ابن سنينة على مثل ما كان عليه كعب، فعلم بذلك حليفه محيصة لقربه منه فقتله إذ لا يمكن أن يطلق رسول الله ﷺ أصحابه على اليهود هكذا يقتلونهم بلا ذنب ولا جرم فعلوه إلا إذا كانوا على مثل رأي ابن الأشرف وفعلوا مثل فعلته.. والله تعالى أعلم بالصواب.
وعلى كل حال فإن اليهود خافوا خوفا شديدا بعد مقتل كعب بن
стр. 141
الأشرف، فلم يطلع أحد من عظمائهم، وبذلك العمل الجريء أخرس رسول الله ﷺ ألسنتهم، ورد كيدهم إلى نحورهم، وكبت حقدهم في صدورهم دون أن تراق دماء كثيرة، فالمجرم المحارب نال جزاءه وعقابه العادل والذي أصبح عبرة وعظة لمن تسول له نفسه من اليهود، أو المشركين في المدينة القيام بمثل ما فعل.
ومن خلال سياق أحداث هذه القصة يبدو لنا أمران ملفتان للنظر:
أولهما: قول امرأة كعب له: إنك امرؤ محارب.
وثانيهما: ردة فعل وفد اليهود الذين جاءوا إلى رسول الله ﷺ يشتكون من مقتل زعيمهم كعب، حيث إنهم حينما وضح لهم رسول الله ﷺ صنيعه وما كان يفعل سكتوا ولم ينطقوا بشيء.
فهذان اعترافان من أقرب الناس لكعب بجريمته التي استحق عليها القصاص العادل.
стр. 142
بعث عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان الهذلي
وكُنْتُ إذا هَمَّ النبيُّ بكافر ...
سَبَقْتُ إليه باللسانِ وباليَدِ
"عبد الله بن أنيس"
стр. 143
كان على المسلمين في المدينة أن يواجهوا أعداءهم المتربصين في كل ناحية من نواحي الجزيرة العربية من قريش الموتورين مرورا باليهود الخائنين إلى الأعراب الطامعين في خيرات المدينة، ولكن عين النبي ﷺ لم تكن تغفل عنهم ولو للحظة حيث كان يرصد تحركاتهم، وسكناتهم، ويتحسس أخبارهم عن طريق شبكة منظمة من العيون والجواسيس المبثوثين في مناطق الأعداء١ والتي ساهمت بشكل كبير وفعال في موضع النبي ﷺ في الصورة دائما، فكان باستمرار يسبق الأحداث، ويفاجىء أعداءه بمبادرة عجيبة تقضي على مخططاتهم العدوانية في مهدها.
وكان من هؤلاء رجل من أشد الأعراب وشياطينهم يدعى خالد بن سفيان الهذلي كما سمته بعض المصادر والروايات٢، بينما ورد اسمه سفيان بن خالد في روايات أخرى٣. ومنها ما نسبه إلى جده٤، وسماه موسى بن عقبة: سفيان بن عبد الله بن نبيح٥، وذكر المزِّي: إنه خالد بن نبيح العنبري٦.
стр. 144
وصلت المعلومات إلى رسول الله ﷺ عن هذا الأعرابي بأنه يتحرك –وبنشاط كبير وملحوظ- لحشد عدد كبير من الأحابيش والأعراب ليغزو بهم المدينة، مع إظهاره العداوة لرسول الله ﷺ بهجائه وشتمه كما ورد في بعض روايات الطبراني عن الحادثة١ وعلى الفور استدعى النبي ﷺ أحد رجال المهمات الصعبة المعدودين، مغوارٍ من أبطال الصحابة وذي باع وخبرة في هذا المضمار ذلكم هو عبد الله بن أنيس رضي الله عنه٢ والذي وصف نفسه في بعض روايات هذا الخبر بأنه لا يهاب الرجال، ولا فَرِقَ٣ من شيء قط٤ وهذه الصفة هي أهم صفات أفراد فرق المغاوير في جيوش العالم قديما وحديثا، والتي تتطلب مهماتها الجرأة والشجاعة.
стр. 145
إن تخير رسول الله ﷺ هذا الصحابي المغوار لهذه المهمة البابغة الصعوبة يعطي دلالة واضحة على معرفته ﵊ الشديدة برجاله حيث كان يكل لكل منهم المهمة التي تناسب وضعه وإمكانيته، يعني الرجل المناسب في المكان المناسب، وهو عمل قائم على التخطيط السليم والدقة في الاختيار وكون رسول الله ﷺ يختار لهذه السرايا بعض رجاله لا يعني بالضرورة أن بقية الصحابة لا يصلحون لهذه المهمات، فهم جميعا كانوا لا يهابون الموت بل ويتحرقون دائما للشهادة في سبيل الله، ولكن المواقف الحساسة التي تمر بها مثل هذه السرايا تتطلب رجالا فيهم صفات مميزة كعبد الله بن أنيس، وعبد الله بن رواحة، وعبد الله بن عتيك، ومحمد بن سلمة، وعمرو بن أمية وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين.
ولنستمع إلى الحوار التالي الذي دار بين رسول الله ﷺ وبين عبد الله بن أنيس ﵁ والذي يعتبر من دلائل نبوته ﵊ كما يوضح صفة ذلك الأعرابي المخيفة والتي كانت تؤثر حتى في أشد الرجال صرامة وقوة أمثال عبد الله بن أنيس، والذي تبين من خلال هذا الحوار مدى ما كان يتمتع به من رباطة جأش وقوة شكيمة، حيث تحددت أبعاد المهمة الخطيرة التي أنيطت به.
قال عبد الله: "دعاني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال: "إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن نبيح يجمع لي الناس ليغزوني وهو بعرنة١، فأْته فاقتله، قلت: يا رسول الله انعته لي٢ حتى