الأشرف، فلم يطلع أحد من عظمائهم، وبذلك العمل الجريء أخرس رسول الله ﷺ ألسنتهم، ورد كيدهم إلى نحورهم، وكبت حقدهم في صدورهم دون أن تراق دماء كثيرة، فالمجرم المحارب نال جزاءه وعقابه العادل والذي أصبح عبرة وعظة لمن تسول له نفسه من اليهود، أو المشركين في المدينة القيام بمثل ما فعل.
ومن خلال سياق أحداث هذه القصة يبدو لنا أمران ملفتان للنظر:
أولهما: قول امرأة كعب له: إنك امرؤ محارب.
وثانيهما: ردة فعل وفد اليهود الذين جاءوا إلى رسول الله ﷺ يشتكون من مقتل زعيمهم كعب، حيث إنهم حينما وضح لهم رسول الله ﷺ صنيعه وما كان يفعل سكتوا ولم ينطقوا بشيء.
فهذان اعترافان من أقرب الناس لكعب بجريمته التي استحق عليها القصاص العادل.
стр. 142
بعث عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان الهذلي
وكُنْتُ إذا هَمَّ النبيُّ بكافر ...
سَبَقْتُ إليه باللسانِ وباليَدِ
"عبد الله بن أنيس"
стр. 143
كان على المسلمين في المدينة أن يواجهوا أعداءهم المتربصين في كل ناحية من نواحي الجزيرة العربية من قريش الموتورين مرورا باليهود الخائنين إلى الأعراب الطامعين في خيرات المدينة، ولكن عين النبي ﷺ لم تكن تغفل عنهم ولو للحظة حيث كان يرصد تحركاتهم، وسكناتهم، ويتحسس أخبارهم عن طريق شبكة منظمة من العيون والجواسيس المبثوثين في مناطق الأعداء١ والتي ساهمت بشكل كبير وفعال في موضع النبي ﷺ في الصورة دائما، فكان باستمرار يسبق الأحداث، ويفاجىء أعداءه بمبادرة عجيبة تقضي على مخططاتهم العدوانية في مهدها.
وكان من هؤلاء رجل من أشد الأعراب وشياطينهم يدعى خالد بن سفيان الهذلي كما سمته بعض المصادر والروايات٢، بينما ورد اسمه سفيان بن خالد في روايات أخرى٣. ومنها ما نسبه إلى جده٤، وسماه موسى بن عقبة: سفيان بن عبد الله بن نبيح٥، وذكر المزِّي: إنه خالد بن نبيح العنبري٦.
стр. 144
وصلت المعلومات إلى رسول الله ﷺ عن هذا الأعرابي بأنه يتحرك –وبنشاط كبير وملحوظ- لحشد عدد كبير من الأحابيش والأعراب ليغزو بهم المدينة، مع إظهاره العداوة لرسول الله ﷺ بهجائه وشتمه كما ورد في بعض روايات الطبراني عن الحادثة١ وعلى الفور استدعى النبي ﷺ أحد رجال المهمات الصعبة المعدودين، مغوارٍ من أبطال الصحابة وذي باع وخبرة في هذا المضمار ذلكم هو عبد الله بن أنيس رضي الله عنه٢ والذي وصف نفسه في بعض روايات هذا الخبر بأنه لا يهاب الرجال، ولا فَرِقَ٣ من شيء قط٤ وهذه الصفة هي أهم صفات أفراد فرق المغاوير في جيوش العالم قديما وحديثا، والتي تتطلب مهماتها الجرأة والشجاعة.
стр. 145
إن تخير رسول الله ﷺ هذا الصحابي المغوار لهذه المهمة البابغة الصعوبة يعطي دلالة واضحة على معرفته ﵊ الشديدة برجاله حيث كان يكل لكل منهم المهمة التي تناسب وضعه وإمكانيته، يعني الرجل المناسب في المكان المناسب، وهو عمل قائم على التخطيط السليم والدقة في الاختيار وكون رسول الله ﷺ يختار لهذه السرايا بعض رجاله لا يعني بالضرورة أن بقية الصحابة لا يصلحون لهذه المهمات، فهم جميعا كانوا لا يهابون الموت بل ويتحرقون دائما للشهادة في سبيل الله، ولكن المواقف الحساسة التي تمر بها مثل هذه السرايا تتطلب رجالا فيهم صفات مميزة كعبد الله بن أنيس، وعبد الله بن رواحة، وعبد الله بن عتيك، ومحمد بن سلمة، وعمرو بن أمية وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين.
ولنستمع إلى الحوار التالي الذي دار بين رسول الله ﷺ وبين عبد الله بن أنيس ﵁ والذي يعتبر من دلائل نبوته ﵊ كما يوضح صفة ذلك الأعرابي المخيفة والتي كانت تؤثر حتى في أشد الرجال صرامة وقوة أمثال عبد الله بن أنيس، والذي تبين من خلال هذا الحوار مدى ما كان يتمتع به من رباطة جأش وقوة شكيمة، حيث تحددت أبعاد المهمة الخطيرة التي أنيطت به.
قال عبد الله: "دعاني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال: "إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن نبيح يجمع لي الناس ليغزوني وهو بعرنة١، فأْته فاقتله، قلت: يا رسول الله انعته لي٢ حتى
стр. 146
أعرفه قال: "إذا رأيته وجدت له قشعريرة" ١٢.
بهذه الكلمات الموجزة تزود عبد الله بن أنيس ﵁ معلومات كافية ومهمة عن الهدف المقصود مكانه وصفته، وكانت الخطة المتفق عليها كما يذكر موسى بن عقبة هي أن يتوصل بالناس، ويخبر من لقي أنما يريد خالد بن سفيان ليكون معه٣ فضمن بهذا التكتيك الذكي ثقة ابن نبيح، وعدم ارتيابه به إذا لقيه.
وقد اختلف في تاريخ خروج عبد الله في هذا البعث بين الواقدي وكاتِبه ابن سعد وهما من حددا تاريخه بدقة من بين أهل المغازي، وكان الاختلاف بينهما محصورا في السنة التي كان فيها، بينما تطابقت أقوالهما في اليوم، والشهر، فقد ذكرا أن عبد الله خرج من المدينة٤ يوم الإثنين لخمس خَلَون من المحرم على رأس أربعة وخمسين شهرا عند الواقدي٥، وعلى رأس خمسة وثلاثين شهرا عند ابن سعد٦، وإذا علمنا مدى التشابه في المعلومات حول هذا البعث بين الاثنين، وأن ابن سعد تلميذ الواقدي فيكون هو مصدر معلوماته هنا، خاصة وأنه لم يُحل على شيوخه كعادته بلفظ (قالوا) ، مما يدعونا إلى الاعتقاد بوجود تحريف في أحد الرقمين، وأعتقد أن ذلك في الرقم الذي ساقه الواقدي؛ لأنه يذكر في روايته حول حادثة الرجيع أنها كانت انتقاما لمقتل الهذلي، وموقعة الرجيع حدثت في السنة الثالثة٧ فكيف يكون هذا البعث
стр. 147
بعدها، هذا وقد اختلف المتأخرون من أهل المغازي تبعا لاختلافهما، فمن تابع الواقدي ذكرها في حوادث السنة الخامسة١ ومن تابع ابن سعد ذكرها في حوادث السنة الثالثة٢، وذكرها خليفة ضمن السرايا التي كانت سنة خمس٣.
وينطلق عبد الله في مسيره الاقترابي نحو الهدف، عدته اليقين والتوكل على الله، وسلاحه سلاح الراكب، يقول ﵁: "فخرجت متوشحا بسيفي حتى وقعت عليه، وهو بعرنة مع ظعن٤، يرتاد لهن منزلا، وحين كان وقت العصر، فلما رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله ﷺ من القشعريرة، فأقبلت نحوه"٥ فقلت: إني أخاف أن يكون بيني وبينه ما أن أؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي، وأنا أصلي أومىء إيماء نحوه، فلما دنوت منه، قال لي: من أنت؟ قلت رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل، فجئتك في ذاك، قال: إني لفي ذاك، فمشيت معه ساعة، حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد٦"٧.
"ثم خرجت وتركت ظعائنه مكبات عليه، فلما قدمت إلى رسول الله ﷺ فرآني، قال: "أفلح الوجه"، قلت: قتلتُه يا رسول الله، قال: صدقت، قال: ثم قام معي رسول الله ﷺ فدخل بيته فأعطاني عصا، فقال: أمسك هذه عندك يا عبد الله بن أنيس، قال: فخرجت بها على الناس، فقالوا:
стр. 148
ما هذه العصا، قال: قلت: أعطانيها رسول الله ﷺ وأمرني أن أمسكها، قالوا: أولا ترجع إلى رسول الله ﷺ تسأله عن ذلك، قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله لم أعطيتني هذه العصا؟ قال: آية بيني وبينك يوم القيامة، إن أقل الناس المختصرون١ يومئذ يوم القيامة، فقرنها عبد الله بسيفه فلم تزل معه حتى إذا مات بها فضمت في كفنه، ثم دُفنا جميعا" ٢٣.
وهكذا لم تكن المكافأة على هذا العمل العظيم الجريء مادية دنوية كما يتمناه الكثير ممن يقوم بالمهمات الصعبة في جيوش العالم قديما وحديثا، بل
стр. 149
كانت أسمى من ذلك وأعظم فهي وسام شرف أخروي قليل من يناله.
تضمن هذا الخبر بعض الأحكام والفوائد منها (صلاة الطالب) / قال الخطابي: واختلفوا في صلاة الطالب، فقال عوام أهل العلم: إذا كان مطلوبا كان له أن يصلي إيماءً، وإذا كان طالبا نزل إن كان راكبا وصلى بالأرض راكعا أو ساجدا١ وكذلك قال ابن المنذر٢، أما الشافعي فشرط شرطا لم يشترطه غيره، قال: إذا قل الطالبون عن المطلوبين وانقطع الطالبون عن أصحابهم فيخافون عودة المطلوبين عليهم فإذا كان هكذا كان لهم أن يصلوا يُومئون إيماء.
قال الخطابي: وبعض هذه المعاني موجودة في قصة عبد الله بن أنيس٣.
وما نقله ابن المنذر متعقب بكلام الأوزاعي فإنه قيده بخوف الفوت، ولم يستثن طالبا من مطلوب، وبه قال ابن حبيب من المالكية٤.
وقال في عمدة القاري: ومذاهب الفقهاء في هذا الباب فعند أبي حنيفة إذا كان الرجل مطلوبا فلا بأس بصلاته سائرا، وإن كان طالبا فلا.
وقال مالك وجماعة من أصحابه: هما سواء كل واحد منهما يصلي على دابته.
وقال الأوزاعي والشافعي في آخرين كقول أبي حنيفة، وهو قول عطاء والحسن والثوري وأحمد وأبي ثور.
وعن الشافعي إن خاف الطالب فوت المطلوب أومأ وإلا فلا٥.
стр. 150
ومنها: جواز الاجتهاد في زمن النبي ﷺ ، فعبد الله بن أنيس ﵁ أداه اجتهاده أن يصلي هذه الصلاة، ولم ينكر عليه ﷺ مما يدل على جواز الصلاة عند شدة الخوف يالإيماء.
وهذا الاستدلال صحيح لا شك فيه، لأن عبد الله بن أنيس فعل ذلك في حياة النبي ﷺ وذلك زمن الوحي، ومحال أن النبي ﷺ لم يطلع عليه"١.
وفعل الصحابي أيضا حجة ما لم يعارضه حديث مرفوع كذا في الغاية٢.
ومنها أيضا حديث المخصرة، وقد استحسن البعض المخصرة والتخصر لأجل هذا الحديث.
قال الجاحظ: ومما يدلك على استحسانهم شأن المخصرة حديث عبد الله بن أنيس ذي المخصرة وهو صاحب ليلة الجهني، وكان النبي ﷺ أعطاه مخصرة، وقال: تلقاني في الجنة٣.
كما ظهر في هذا الخبر دليل من دلائل نبوته ﵊ فهو قد وصف ابن نبيح لعبد الله بن أنيس وصفًا دقيقًا دون أن يراه حتى إن ابن أنيس عندما رد على رسول الله ﷺ متعجبا كما وقع في رواية الواقدي: "يا رسول الله ما فرقت من شيء قط، قال له رسول الله ﷺ : بلى آية ما بيني وبينه أن تجد له قشعريرة إذا رأيته"٤.
وفعلاً وجده على الصفة التي ذكر رسول الله ﷺ ، يقول عبد الله: "فلما رأيته هبته وفرقت منه، فقلت: صدق الله ورسوله"٥.
стр. 151
بعث عمرو بن أمية إلى أبي سفيان بن حرب
...
اختلف أهل المغازي في هذه السرية، فذكر ابن هشام أنها من زياداته على سيرة ابن إسحاق١، فاستدرك عليه السهيلي ذاكرا أن ذلك وهم منه، فإن ابن إسحاق قد روى الخبر في ذلك بسند متصل إلى عمرو بن أمية٢، وكذلك ساق الخبر الطبري عن ابن إسحاق٣ مما يدل على وجودها في أصل السيرة، ولكن الطبري يذكر قبل ذلك –وعقب حديثه عن الرجيع وقصة صلب خبيب بن عدي ﵁ ومن غير طريق ابن إسحاق- رواية مختصرة عن عمرو بن أمية أيضا يذكر فيها "أن رسول الله ﷺ بعثه وحده عينا إلى قريش"٤، وأنه في أثناء ذلك أنزل خبيبا من خشبته.
وقد روى البيهقي مثل ذلك٥، ثم من خلال سياقهما لأحداث هذه السرية تبرز لنا قصة عمرو مع جثة خبيب، ولكن بتفصيل أكثر٦.
وينفرد الواقدي بزيادة ذكر فيها أن سبب بعث عمرو بن أمية كان ردًّا على إرسال أبي سفيان أعرابيًّا لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم٧، وتابعه في ذلك ابن سعد٨.
стр. 152
أما بقية أحداث القصة فتكاد تكون متفقًا عليها عندهم، مما يجعلنا نعتقد أنها قصة واحدة رويت بطرق مختلفة، وإن كان خليفة بن خياط قد فرق بين الحادثين، ولكنه أشار إلى هذه السرية إشارة عابرة١.
وكما اختُلِفَ في مهمة السرية اختُلِفَ أيضا في تاريخها، فالطبري وابن هشام وتابعهما البيهقي وابن القيم٢ جعلوها بعد حادثة الرجيع مباشرة، أما خليفة فذكرها بعد بئر معونة، ولكنه جعلها من السرايا التي كانت سنة خمس٣، وأرَّخ لها ابن حجر بعد وقعة بني النضير حكاية عن الواقدي٤، ولكن الواقدي في روايته المنقولة عنه لم يذكر لها تاريخا، وتابعه كاتبه ولكنه ذكرها بعد سرية كرز بن جابر إلى العرنيين التي أرَّخ لها في شوال سنة ست٥.
يقول عمرو بن أمية ﵁: "بعثني رسول الله ﷺ بعد قتل خبيب وأصحابه وبعث معي رجلا من الأنصار٦، فقال: ائتيا أبا سفيان بن حرب فاقتلاه"٧ كانت (نقلية هذه الدورية) عبارة عن بعير واحد لعمرو بن أمية كان يحمل صاحبه عليه لعلة كانت برجله، حيث انطلقا في مسير اقترابي حذر حتى وصلا إلى بطن وادي يأجج٨ القريب من مكة. وهناك عقلا
стр. 153
بعيرهما في فناء شعب من شعابه، وقال عمرو لصاحبه: "انطلق بنا إلى دار أبي سفيان، فإني محاول قتله! فانظر فإن كانت محاولة، أو خشيت شيئا فالحق ببعيرك فاركبه، والحق بالمدينة فأت رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، وخل عني، فإني رجل عالم بالبلد جريء عليه، نجيب الساق"١.
ودخلا مكة على حين غفلة من أهلها، وكان عمرو قد أعدَّ خنجرًا حاد النصل لقتال أبي سفيان، فقال له الأنصاري: "هل لك أن نبدأ فنطوف بالبيت أسبوعا٢ ونصلي ركعتين"٣.
فرد عليه عمرو: "أنا أعلم بأهل مكة منك إنهم إذا أظلموا رشوا أفنيتهم، ثم جلسوا بها، وأنا أعرف بها من الفرس الأبلق٤"٥ ولكن الأنصاري أصرَّ على رأيه فما زال بعمرو حتى طاف بالبيت سبعا، وصليا ركعتين، ثم خرجا فمرَّا على مجلس من مجالس قريش، فعرف رجل منهم عمرو بن أمية٦ "فصرخ بأعلى صوته: هذا عمرو بن أمية"٧ فتبادرتهما أهل مكة "وقالوا: تالله ما جاء بعمرو خيرٌ والذي يُحلف به ما جاءها قط إلا لشر"٨. وكان عمرو فاتكًا ذائع الصيت في الجاهلية فحشد أهل مكة جمعهم وخرجوا يشتدون في أثره وأثر صاحبه، وهو يقول له: "النجاء، هذا والله الذي كنت أحذر، أما الرجل فليس إليه سبيل فانج بنفسك"٩. وخرجا يشتدان حتى
стр. 154
حتى صعدا في جبل فرجعوا عنهما بعد أن أعجزوهم ثم دخلا غارا في الجبل وباتا ليلتهما فيه بعد أن استترا فيه بحجارة، فلما أصبحا غدا رجل من قريش يدعى عثمان بن مالك التميمي يجمع حشيشا لفرسه، فلم يزل يدنو منهما حتى قام على باب الغار، فقال عمرو لصاحبه: "هذا والله ابن مالك، والله إن رآنا ليُعلمن بنا أهل مكة"١، فيخرج إليه عمرو فيطعنه بالخنجر تحت ثديه، فصاح صيحة أسمع أهل مكة فأقبلوا إليه، ورجع عمرو إلى مكانه، واتبع أهل مكة الصوت مسرعين "فوجدوه وبه رمق، فقالوا: ويلك من ضربك، قال: عمرو بن أمية، ثم مات"٢.
فشغلوا به عن البحث عنهما، فمكثا في الغار يومين حتى سكن عنهما الطلب، ثم خرجا، وفي التنعيم وهما في طريقهما إلى المدينة مرَّا على خشبة خُبيب فصعدها عمرو وأنزله عنها.
يقول عمرو بن أمية ﵁: "فصعدت خشبته ليلا، فقطعت الشَّرَكَ٣ وألقيته فسمعت وجبته خلفي٤، فالتفتُّ فلم أر شيئا٥. ولكأنما ابتلعته الأرض، فلم يُرَ لخُبيب أثر حتى الساعة"٦.
وأقبل عمرو يمشي نحو المدينة، وكان صاحبه قد انطلق بالبعير قبله إلى المدينة، ثم أتى النبيَّ ﷺ فأخبره الخبر، ولما بلغ عمرو حرة ضجنان٧ دخل
стр. 155
كهفًا هناك ومعه قوسه وسهمه، قال عمرو: "فبينا أنا فيه إذ دخل عليَّ رجل من بني الديل بن بكر، أعور طويل يسوق غنما له فقال: من الرجل؟، فقلت: رجل من بني بكر، قال: وأنا من بكر، ثم أحد بني الديل، ثم اضطجع معي فيه، فرفع عقيرته يتغنى ويقول:
ولست بمسلم ما دمت حيًّا ... ولست أدين دين المسلمينا
فقلت: سوف تعلم! فلم يلبث الأعرابي أن نام وغطَّ١، فقمت إليه فقتلته أسوأ قتلة قتلها أحدٌ أحدًا"٢.
ثم خرج عمرو مسرعا حتى إذا بلغ وادي النقيع٣ لقي جاسوسين لقريش يتحسسان الأخبار فعرفهما، فقتل أحدهما، وأسر الآخر، فقدم به المدينة، فجعل عمرو يخبر رسول الله ﷺ خبره ورسول الله ﷺ يضحك، ثم قال له خيرا، ودعا له بخير٤.
стр. 156
وبذلك انتهت هذه المهمة التي وإن كانت لم تحقق هدفها الأساسي، وهو قتل أبي سفيان لأمر أراده الله ولا راد لقضائه، ولكنها حققت بعض الأهداف التي من أهمها إدخال الرعب في نفوس قريش وزعمائها على الخصوص وإعلامهم بأن المسلمين قادرون على الوصول إليهم حتى في بيوتهم.
وإن ما قام به عمرو بن أمية ﵁ خلال هذه السرية إن صحت الروايات حولها يعتبر اجتهادا منه أقره عليه رسول الله ﷺ والله أعلم.
стр. 157
البعث إلى أبي رافع سلام بن أبي الحقيق
...
البعث إلى أبي رافع
سرية عبد الله بن عتيك وأصحابه لقتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق
لله دُرُّ عِصابةٍ لاقَيتَهم ... يا بنَ الحقيقيِ وأنت يا بن الأشرف
يَسْرُونَ بالبِيض الخِفافِ لكم ... مرحًا كأُسدٍ في عَرينِ مغرف
حتى أَتَوْكُم في مَحِلِّ بلادِكم ... فَسَقَوْكُم حتفًا ببَيض ذفف
مستبصرين لنصرِ دينِ نبيِّهم ... مستَضْعِفِين لكلِّ أمرٍ مجحف
حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ
ديوان حسان بن ثابت (١٦٥)
стр. 158
أبو رافع عبد الله بن أبي الحقيق، أو سلاّم بن أبي الحقيق١ اختلفت المصادر في ذلك، فمنها ما سماه عبد الله٢، ومنها ما سماه سلاّم، ومنهم من نسبه إلى أبيه دون ذكر اسمه٣، والبعض نسبه إلى كنيته فقط٤، ولكن الأكثر على أنه سلاّم بن أبي الحقيق٥.
كان من زعماء اليهود بني النضير الذين أجلاهم رسول الله ﷺ عن المدينة بعد نقضهم العهد والميثاق معه٦ فتوجه مع بقية زعماء بني النضير إلى خيبر، فدان لهم يهودها٧، ومع ذلك كانوا دائما يتطلعون إلى الفرص السانحة للثأر من المسلمين والعودة مرة ثانية إلى المدينة، ورأوا أن هذا الهدف صعب المنال ما
стр. 159
لم يتم القضاء على قوة المسلمين المسيطرة في المدينة وما حولها، وأن ذلك لن يكون إلا بعمل ضخم منسق ضد المسلمين، فقوة اليهود وحدها لا تكفي لذلك، ومن خيبر بدأوا اتصالات موسعة وسفارات متعددة كان الهدف منها تحزيب أكبر قوة ممكنة من العرب تغزو المسلمين في عقر دارهم وتستأصلهم، وقد تم تقسيم خطة العمل بين هؤلاء الزعماء لهذا الغرض، فكان سلام بن أبي الحقيق –كما يذكر عروة- له اليد الطولى في تحزيب قبائل غطفان النجدية الكبيرة وحلفائها من "مشركي العرب يدعوهم إلى قتال رسول الله ﷺ ويجعل لهم الجعل١ العظيم"٢.
ولما انقضى أمر الخندق وبني قريظة بعد أن انفض الأحزاب عن المدينة بغيظهم لم ينالوا خيرا، وقُتل حُيي بن أخطب النضري شريكُ أبي رافع القوي في تحزيب الأحزاب –مع بني قريظة- فنال بذلك القصاص العادل الذي أفلت منه سلام بن أبي الحقيق حيث كان بعيدا في قومه في حصون خيبر فأصبح بالنسبة للمسلمين مجرم حرب خطيرا هاربًا لابد من القضاء عليه حتى لا يقوم بتحركات مماثلة في المستقبل تهدد أمنهم وسلامتهم.
وكانت الأنصار كما أشار أهل المغازي٣ يتنافسون فيما بينهم تفانيًا في خدمة رسول الله ﷺ ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ ٤. فلما أصابت الأوس كعبَ بن الأشرف بمبادرة بطولية من جانبهم، فحققوا بذلك سبقا إسلاميًّا على منافسيهم من الخزرج الذين بَدَوْا متحفزين للقيام بدور مماثل، فما أن ندب رسول الله ﷺ إلى ابن أبي الحقيق حتى سارعوا إلى التطوع للانخراط
стр. 160
في هذه المهمة الشاقة على صعوبتها وما يحيط بها من أخطار، فالرجل بعيد عن قاعدة الإسلام: المدينة، وهو في مَنَعة من قومه وحصونهم وحلفائهم من غطفان، ومن أجل ذلك تخيَّر رسول الله ﷺ رجالاً منهم فيهم بعض الشروط المناسبة لهذه المهمة الصعبة، فكان عبد الله بن عتيك رضي الله عنه١ قائدًا لهذه السرية حيث تذكر بعض المصادر أنه كان يتقن العبرية بطلاقة –إضافة إلى صلته السابقة بأبي رافع٢. واهتمت روايات أهل المغازي بتسمية بقية أفراد السرية على خلاف بينها في بعضهم٣، وقد اختلف أهل المغازي في تاريخ هذا البعث اختلافًا كبيرا فروى البخاري تعليقا عن الزهري قال: "هو بعد كعب بن الأشرف"٤. أما ابن إسحاق الذي أخذ روايته عن الزهري، فحدد
стр. 161
تاريخها بعد الخندق، وقريظة مباشرة١، وحددها الواقدي كعادته بدقة فقال: "خرجوا ليلة الإثنين في السَّحَّر لأربعٍ خلون من ذي الحجة على رأس ستة وأربعين شهرا وغابوا عشرة أيام" ولكنه يعقَّب في نهاية روايته "ويقال: كانت السرية في شهر رمضان سنة ست"٢ وهذا هو التاريخ الذي اعتمده كاتبه ابن سعد تاريخا للسرية٣، وذكرها الطبري في حوادث السنة الثالثة٤ ونقل المتأخرون من أهل المغازي أقوالا في تاريخها متعددة لم ينسبوها لأحد وحاول بعضهم الجمع بينها أو الترجيح٥.
وعلى كلٍّ انطلق هؤلاء المغاوير الشجعان ببسالة لإنجاز مهمتهم، ووصية رسول الله ﷺ يتردد صداها على مسامعهم "لا تقتلوا وليدًا ولا امرأة"٦ حتى إذا ما دَنوا من الحصن الذي يقيم فيه أبو رافع "وقد غربت الشمس، وراح الناس بسرحهم٧"٨.قال قائد السرية عبد الله بن عتيك لأصحابه:
стр. 162
"اجلسوا مكانكم فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل"١ فأقبل عبد الله –وكان قد فكر بحيلة يستطيع بها خداع البواب فيدخل دون أن يفطن إليه فلما دنا من الباب" تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجته٢. وقد دخل الناس فهتف البواب: يا عبد الله٣ إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب٤، قال عبد الله: "فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن٥ فتعشوا عند أبي رافع وتحدثوا حتى ذهبت ساعة من الليل، ثم رجعوا إلى بيوتهم، فلما هدأت الأصوات، ولا أسمع حركة خرجت، قال: ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوة٦ فأخذته ففتحت به باب الحصن"٧، "فجعلت كلما أفتح بابا أغلقت عليَّ من داخل، قلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إليَّ حتى أقتله، فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت؟ "٨ وهنا يتذكر عبد الله ﵁ وصية رسول الله ﷺ فإن هو ضرب على غير هدى كخبط عشواء لربما أصاب بعض عياله أو نسائه، لأجل ذلك صاح به ليعرف مكانه "أبا رافع، قال: من هذا؟ "٩ يقول عبد الله: "فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش فما أغنيت شيئا وصاح، فخرجت
стр. 163
من البيت فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟، فقال: لِأُمك الويل إن رجلا في البيت ضربني قبلُ بالسيف"١. "قال: فعمدت له أيضا فأضربه أخرى فلم تغن شيئا فصاح وأقام أهله، قال: ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث، فإذا هو مستلقٍ على ظهره فأضع السيف في بطنه ثم أنكفىء عليه حتى سمعت صوت العظم، ثم خرجت دهشا حتى أتيت السلم أريد أن أنزل فأسقط منه فانخلعت رجلي٢ فعصبتها، ثم أتيت أصحابي أحجل٣ فقلت: انطلقوا فبشروا رسول الله ﷺ فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية"٤ "فلما صاح الديك قام الناعي على السور فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز"٥ "قال فقمت أمشي ما بي قلبة٦ فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي ﷺ "٧ "فحدثته، فقال: ابسط رجلك فبسطت رجلي فمسحها فكأنما لم أشتكها قط"٨٩.
وهكذا تم بهذا العمل الجريء الشجاع القضاء على مجرم حرب خطير
стр. 164
كان له دور بارز ومميز في تحزيب الأحزاب ضد المسلمين، فنال بذلك القصاص العادل الذي يستحقه بالفعل، فلو أراد الله ونجحت مخططات الأحزاب لكان في ذلك القضاء المبرم على المسلمين ولكن الله سلَّم، وفشلت مخططاتهم وهزمهم الله وحده وقتل الله حُييَّ بن أخطب مع بني قريظة، ثم قضى على أبي رافع بمبادرة بطولية من الخزرج فتخلص المسلمون من عدوين خطيرين كان في بقائهما تهديد كبير لأمنهم وسلامتهم.
وفي هذا الحديث من الفوائد: جواز اغتيال المشرك الذي بلغته الدعوة وأصرَّ، وقَتْلِ من أعان على رسول الله ﷺ بيده، أو ماله أو لسانه، وجواز التجسيس على أهل الحرب وتطلُّب غِرتهم، والأخذِ بالشدة في محاربة المشركين، وتعرُّضِ القليل من المسلمين للكثير من المشركين، والحكم بالدليل والعلامة لاستدلال ابن عتيك على أبي رافع بصوته، واعتماده على صوت الناعي بموته١.
ومما يستفاد من الحديث أيضا النهي عن قتل النساء والولدان إلا إذا كانوا من قوم مبيّتين، وهي مسألة خلافية حيث فيها هذا الحديث وحديث الصعب بن جثامة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يُسأل عن أهل الدار من المشركين يُبيَّتون فيصاب من نسائهم وذراريهم، فقال النبي ﷺ "هم منهم"٢.
قال الشافعي: فكان سفيان بن عيينة يذهب إلى أن قول النبي ﷺ : "هم منهم" إباحة لقتلهم، وأن حديث ابن أبي الحقيق ناسخ له، قال: وكان الزهري إذا حدَّث بحديث الصعب بن جثامة أتبعه بحديث ابن كعب بن مالك. قال الشافعي ﵀: وحديث الصعب بن جثامة في عمرة النبي ﷺ
стр. 165
فإن كان في عمرته الأولى فقد قتل ابن أبي الحقيق قبلها وقيل في سنتها، وإن كان في عمرته الآخرة فهو بعد أمر ابن أبي الحقيق غير شك، ولم نعلمه رخص في قتل النساء والولدان، ثم نهى عنه، ومعنى نهيه عندنا والله أعلم عن قتل النساء والولدان أن يقصد قصدهم بقتل وهم يُعرفون مميَّزِين ممن أمر بقتله منهم"١.
وما أشار إليه الشافعي وجيه لأن التبييت من نتائجه عدم التفريق بين الرجال والنساء والأطفال لحدوثه في الظلام، ولأجل المباغتة التي هي عنصر أساسي للتبييت، أما حديث أبي رافع فهو لإنسان مخصوص بعينه ومعروف، فلا يجوز قتل من سواه إذا اجتُهِد في الخلوص إليه، ومعرفة مكانه وهو ما حدث من الصحابي الذي قتله، والله أعلم.
وقد علق البيهقي على إمكانية حدوث النسخ بين الحديثين من عدمه بأن ساق رواية ابن إسحاق التي ذكر فيها أن قتل ابن أبي الحقيق كان بعد الخندق، قال: "ثم غزا بني المصطلق في شعبان سنة ست، ثم خرج في أول ذي القعدة معتمرًا عام الحديبية".
قال الشيخ:
ثم كانت عمرته التي تسمى عمرة القضاء، ثم عمرة الجعرانة ثم عمرته سنة حجته كلهن بعد ذلك، وقتل ابن أبي الحقيق كان قبلهن، فكيف يكون نهيه في قصة ابن أبي الحقيق عن قتل النساء والولدان ناسخًا لحديث الصعب ابن جثامة الذي كان بعده٢.
стр. 166
البعث إلى اليسير بن رزام
...
بعد أن نجحت سرية المغاوير الخزرجية باغتيال أبي رافع زعيم يهود خيبر بعد حُيي بن أخطب اختارت اليهود رجلا شجاعًا منهم ليكون أميرا عليهم.
اختلفت المصادر التاريخية في اسمه واسم أبيه، فمنها ما سماه أُسير بن زارم١، وقيل: ابن رزام٢، ويقال: ابن رقرام٣، ولكن الأكثر على أنه اليُسير بن رزام٤.
وما أن تقلد اليسير مهام منصبه كزعيم اختير تقديرًا لشجاعته حتى أصرَّ على أن يثبت لهم أنه أهل لهذا الاختيار فقرر إكمال مهمة سلفه والقيام بمحاولة جديدة لحشد اليهود وحلفائهم غطفان وتوجيه طاقاتهم لمباغتة المسلمين في عقر دارهم٥.
ولكن عين رسول الله ﷺ لا تنام عن أعداء الإسلام المتربصين ولا تغفل عن تحركاتهم العدوانية ضد قاعدته الحصينة.
حيث وصلته الأخبار من أحد عيونه في خيبر بنوايا اليُسير ونشاطاته المشبوهة ضد المسلمين كما يذكر الواقدي٦.
ولكن رسول الله ﷺ أراد أن يستوثق من تلك الأخبار، فيذكر ابن سعد
стр. 167
أنه أرسل (دورية استطلاع منطقة) ١ صغيرة إلى خيبر قوتها ثلاثة أفراد بإمرة قائد خيبر بمنطقة خيبر وأهلها هو عبد الله بن رواحة رضي الله عنه٢.
انطلقت الدورية في رمضان ووصلت خيبر سرًّا وهناك وزع القائد أفرادها على حصونها الرئيسية-الشق، والنطاة، والكتيبة.
فدخلوا مع الناس يسمعون منهم ويرون بأعينهم حال أهل خيبر وما يتكلمون به، خلال أيام رجعوا بعدها إلى رسول الله ﷺ بتقرير مفصل يؤكد المعلومات السابقة، فقرر رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن رواحة ﵁ ثانية إلى خيبر، ولكن هذه المرة على رأس٣ فرقة مغاوير تطوعية قوتها ثلاثون رجلا من بينهم عبد الله بن أنيس رضي الله عنه٤ للإفادة من شجاعته وخبرته في هذا المجال.
و"في شوال سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ "٥ كما أرخها
стр. 168
الواقدي وكاتبه ابن سعد، بينما ذكرها خليفة ضمن السرايا التي كانت خمس١.
انطلقت السرية إلى هدفها في خيبر بعد الاتفاق على خطة استدراجية مغايرة تماما لخطة الفرقة الخزرجية التي قتلت أبا رافع، ومشابهة لخطة الأوسية التي قتلت كعب بن الأشرف، وكانت ترتكز أساسا على تقرير الدورية الاستطلاعية الذي ورد فيه معلومات دقيقة عن اليُسير وشخصيته فوضعت الخطة بناء على ذلك "فأتوه فقالوا: إنا أرسلنا إليك رسول الله ﷺ ليستعملك على خيبر"٢.
تردد اليُسير في البداية، ولكنهم ما زالوا به يغرونه ويمنُّونه حتى طمع فيما قالوا، وشاور اليهود فخالفوه في الخروج، ولكنه أصرَّ عليه فخرج في رفقة ثلاثين يهوديًّا لحراسته ركب كل منهم مع رديف من المسلمين أفراد السرية، وحمل عبد الله بن أنيس اليُسير على بعيره.
"فلما بلغوا قرقرة ثبار٣ وهي من خيبر على ستة أميال ندم اليُسير٤
стр. 169
فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن أنيس، ففطن له عبد الله، فزجر بعيره، ثم اقتحم يسوق بالقوم، حتى إذا استمكن من اليُسير ضرب رجله فقطعها، واقتحم اليُسير وفي يده مخرش١ من شوحط٢ فضرب به وجه عبد الله فشجه شجة مأمومة٣، وانفكأ كل رجل من المسلمين على رديفه فقتله، غير رجل واحد من اليهود أعجزهم شدًّا، ولم يصب من المسلمين أحد وقدموا على رسول الله ﷺ فبصق في شجة عبد الله بن أنيس فلم تقح، ولم تؤذه حتى مات٤٥.
стр. 170
سرية أبي قتادة بن ربعي إلى خضرة ١
стр. 171
وقع الخلاف بين أهل المغازي في هذه السرية، فذكر الواقدي أنها كانت سرية (تعرُّضية) بقيادة أبي قتادة بن ربعي١ ﵁، وذكر فيها مشاركة عبد الله بن أبي حدرد رضي الله عنهما٢ الذي جاء يستعين رسول الله ﷺ على نكاحه، فأرسله مع هذه السرية إلى غطفان نحو نجد٣ لعله يصيب مهر زوجته، وفعلاً غنموا في تلك السرية نَعَمًا كثيرة وغنما بحيث كانت سُهمَانهم اثني عشر بعيرا٤، وقد أخرج الهيثمي رواية عن الإمام أحمد مشابهة تماما لرواية الواقدي٥.
وكذلك أخرج الإمام مسملم في صحيحه٦ رواية مشابهة غير أنه لم يذكر فيها اسم الصحابي المستعين برسول الله صلى الله عليه وسلم٧، ولكن هناك بعض القرائن الدالة على وحدة القصة مثل التاريخ الذي ذكره الواقدي للسرية لا يتعارض مع
стр. 172
إمكانية رواية أبي هريرة ﵁ للخبر في الصحيح١.
كما أن منطقة عمليات السرية وهدفها الذي توجهت إليه يكاد يكون واحدا في كلا الروايتين، ففي رواية الصحيح أنه ﷺ بعثهم إلى بني عبس، وفي رواية الواقدي أنه بعثهم إلى غطفان نحو نجد، ومعلوم أن بني عبس من غطفان ومسكنهم في نجد٢ فرواية الصحيح أخص وأدق من رواية الواقدي.
وكذلك كون المرأة من الأنصار في الروايتين، وتقارب قيمة المهر المدفوع فيهما هو مائتا درهم في رواية الواقدي، وأربع أواق في رواية الصحيح، وقد صرح ابن حجر في "الإصابة" في رواية مختصرة ولكنها مماثلة لرواية الصحيح –خاصة فيما يتعلق بقيمة المهر- أنه ابن أبي حدرد نفسه٣.
فكل هذه القرائن٤ تعطينا بعض الدلائل التي يمكن بواسطتها الحكم بوحدة القصة، وبالتالي ترجيح رواية الواقدي الموافقة للصحيح على رواية ابن إسحاق الضعيفة من الناحية الحديثية٥ والتي يذكر فيها أن هذه السرية سرية استطلاعية بعثها رسول الله ﷺ إلى الغابة٦ بقيادة عبد الله بن أبي حدرد نفسه، وذلك
стр. 173
لاستطلاع خبر رجل من جشم بن معاوية يقال له رفاعة بن قيس –أو قيس بن رفاعة- كان قد أقبل "في بطن عظيم من جشم حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة، يريد أن يجمع قيسًا على حرب رسول الله ﷺ ، وكان عبد لله بن أبي حدرد قد استعان برسول الله ﷺ في صداق امرأة تزوجها وأصدقها مائتي درهم، فلم يجد رسول الله ﷺ ما يعينه به، فلما أقبل هذا الرجل بقومه، استدعاه رسول الله ﷺ ، وبعثه ورجلين معه في هذه السرية، وفي الغابة تطورت المهمة وباجتهاد من أصحاب السرية من الاستطلاع إلى هجوم ليلي مكثف على حاضر القوم بعد قتل صاحبهم رفاعة بن قيس فنجحوا في ذلك وفر الأعراب بنسائهم وأطفالهم وما خف من أموالهم تاركين نَعَمًا كثيرة خلفهم١.
وساق الطبري الروايتين تحت عنوان (سرية وجهها رسول الله ﷺ في شعبان أميرها أبو قتادة) ٢.
أما بقية أهل المغازي فمنهم من تابع ابن إسحاق٣، ومنهم من تابع الواقدي٤. وفرق بنهما ابن سيد الناس، فساق روايتي ابن إسحاق والواقدي في مكانين مختلفين من كتابه باعتبار أنهما سريتان منفصلتان٥.
بينما جمع الشامي كعادته بين روايات أهل المغازي وأهل الحديث، واعتبرها حادثة واحدة٦.
أما الحلبي فبعد أن ساق الروايتين ذكر أن البعض اعتبرها قصة واحدة، ثم علق على ذلك بقوله: "ولا يخفى أن السياق في كل يبعد كونهما واحدة"٧.
стр. 174
الباب الثاني: السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة
الفصل الأول: السرايا ذات المهمات الخاصة
السرايا التعقبية
سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار
...
الفصل الأول: "السرايا ذات المهمات الخاصة"
وتشتمل: سرايا تعقبيَّة – وهي:
١) سرية سعد بن أبي وقاص ﵁ إلى الخرَّار.
٢) سرية كرز بن جابر ﵁ لمطاردة المفسدين من الأعراب.
٣) سرية حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ لمطاردة هبَّار بن الأسود وصاحبه.
٤) سرية أبي عامر الأشعري ﵁ إلى أوطاس.
وبعوث تعليمية، ودعوية –وهي:
١) بعث الرجيع.
٢) بعث بئر معونة.
٣) بعث خالد بن الوليد ﵁ إلى بني جذيمة –دعوية.
وسرايا ذات مهمات أخرى –مثل:
١) سرية عبد الله بن غالب الليثي إلى بني الملوح –تأديبية.
٢) سرية أبي قتادة بن ربعي إلى بطن أضم –تحويلية.
стр. 175
مقدمة
وتتوالى البعوث والسرايا النبوية على اختلاف مهماتها وأهدافها والتي تصب جميعا في بوتقة واحدة وهي بوتقة العقيدة، وتصهر لصالح خدمة الدعوة الإسلامية، كان منها سرايا تعقيبية اختلفت أهدافها وظروفها، منها ما كان لمطاردة الفارين من وجه العدالة مثل سعد بن أبي وقاص ﵁ لتعقُّب كرز بن جابر الفهري وأصحابه الذين أغاروا على سرح المدينة. ويمضي الزمن وتشاء قدرة الخالق أن يكون المُتَعَقَّب متعقِّبًا، فهذا كرز بن جابر ﵁ بعد أن يسلم يقود سرية مطاردة لتعقب المفسدين في الأرض من عكل وعرينة الذين قتلوا راعي النبي ﷺ وفروا بلقاحه فيظفر بهم كرز ﵁ ويقدِّمهم للعدالة الشرعية.
وكان منها سرية بعثها النبي ﷺ لمطاردة هبَّار بن الأسود وصاحبه اللذين تعرضا لزينب بنت رسول الله ﷺ .
وفي أعقاب هزيمة هوازن وثقيف في حنين يجهِّز رسول الله ﷺ سرية مطاردة تعقُّبية بقيادة أبي عامر الأشعري ﵁ ويأمرهم بمطاردة فلول الهاربين من ميدان المعركة والقضاء عليهم قبل تجمعهم مرة ثانية حيث ينجح في مهمته ويستشهد في أرض المعركة.
وقد كانت هذه السرايا التعقُّبية في أغلب الأحيان عبارة عن دوريات
стр. 176
صغيرة القوة خفيفة الحركة، أوكلت إليها مهمات سريعة، وكان يتم تجهيزها بسرعة ومن أماكن مختلفة في بعض الأحيان من ميادين القتال، وقد تنجح هذه الدوريات في أهدافها القصيرة المدى (الوقتية) وربما لا تحقق ذلك، ولكنها على الراجح كانت تحقق الأهداف البعيدة المدى والتي يتمثل بعضها في إثارة الرعب في صفوف الأعداء وإشعارهم بيقظة المسلمين التامة لهم، وردع كل من تسول له نفسه الاعتداء على أي فرد من المسلمين في المستقبل، كما أن في دوريات المطاردة الميدانية بالغ الأثر في القضاء المبرم على فلول الأعداء الهاربين من أمام المسلين حتى لا يستطيعوا التحشد ثانية ضد المسلمين.
стр. 177
عندما بلغ رسول الله ﷺ في تعقُّبه كرز بن جابر١ الذي أغار على سرح المدينة٢، واستاقه معه –وادي سفوان من ناحية بدر٣، وقد فاته كرز بالسرح، استنتج ﷺ بذكائه العسكري المعروف أنه لن يستطيع اللحاق به بقوات قد تكون بطيئة الحركة نوعا ما في سيرها الاقترابي، لذلك جهَّز على الفور "دورية تعقُّبية"٤ صغيرة، قوتها "ثمانية رهط من المهاجرين"٥ وأسند القيادة فيها إلى رجل من أصحابه، معروف عنه سرعة البديهة في المناورة، وقد سبق له أن حقق نجاحا ملموسا على مستوى السرايا الاعتراضية
стр. 178
التي سبقت هذه السرية، ذلكم هو سعد بن أبي وقاص ﵁ و"عقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو البهراني١"٢.
وفي الحال٣ انطلقت الدورية في إثر كرز بن جابر ومن معه لعلها تلحق بهم قبل أن يدخلوا منطقة نفوذ قريش وحلفائها الواقعة بعد الخرَّار الذي حذَّرهم رسول الله ﷺ من مجاوزته. ولكن كرزًا تمكن من الإفلات أيضا فلم يستطع سعد الإمساك بهم حتى منطقة "الخرَّار من أرض الحجاز"٤ التي رجع منها.
стр. 179
امتثالاً لأمر القائد الأعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
стр. 180
سرية كرز بن جابر لمطاردة المفسدين من الاعراب
...
سرية كرز بن جابر الفهري لمطاردة المفسدين من عكل وعرينة
(تعقُّبية)
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]