صغيرة القوة خفيفة الحركة، أوكلت إليها مهمات سريعة، وكان يتم تجهيزها بسرعة ومن أماكن مختلفة في بعض الأحيان من ميادين القتال، وقد تنجح هذه الدوريات في أهدافها القصيرة المدى (الوقتية) وربما لا تحقق ذلك، ولكنها على الراجح كانت تحقق الأهداف البعيدة المدى والتي يتمثل بعضها في إثارة الرعب في صفوف الأعداء وإشعارهم بيقظة المسلمين التامة لهم، وردع كل من تسول له نفسه الاعتداء على أي فرد من المسلمين في المستقبل، كما أن في دوريات المطاردة الميدانية بالغ الأثر في القضاء المبرم على فلول الأعداء الهاربين من أمام المسلين حتى لا يستطيعوا التحشد ثانية ضد المسلمين.
стр. 177
عندما بلغ رسول الله ﷺ في تعقُّبه كرز بن جابر١ الذي أغار على سرح المدينة٢، واستاقه معه –وادي سفوان من ناحية بدر٣، وقد فاته كرز بالسرح، استنتج ﷺ بذكائه العسكري المعروف أنه لن يستطيع اللحاق به بقوات قد تكون بطيئة الحركة نوعا ما في سيرها الاقترابي، لذلك جهَّز على الفور "دورية تعقُّبية"٤ صغيرة، قوتها "ثمانية رهط من المهاجرين"٥ وأسند القيادة فيها إلى رجل من أصحابه، معروف عنه سرعة البديهة في المناورة، وقد سبق له أن حقق نجاحا ملموسا على مستوى السرايا الاعتراضية
стр. 178
التي سبقت هذه السرية، ذلكم هو سعد بن أبي وقاص ﵁ و"عقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو البهراني١"٢.
وفي الحال٣ انطلقت الدورية في إثر كرز بن جابر ومن معه لعلها تلحق بهم قبل أن يدخلوا منطقة نفوذ قريش وحلفائها الواقعة بعد الخرَّار الذي حذَّرهم رسول الله ﷺ من مجاوزته. ولكن كرزًا تمكن من الإفلات أيضا فلم يستطع سعد الإمساك بهم حتى منطقة "الخرَّار من أرض الحجاز"٤ التي رجع منها.
стр. 179
امتثالاً لأمر القائد الأعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
стр. 180
سرية كرز بن جابر لمطاردة المفسدين من الاعراب
...
سرية كرز بن جابر الفهري لمطاردة المفسدين من عكل وعرينة
(تعقُّبية)
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]
стр. 181
في السنة السادسة الهجرية باتفاق أهل المغازي١ قدم على رسول الله ﷺ رهط من الأعراب اختُلف فيهم وفي عدتهم، ففي رواية عن أنس أنهم كانوا "رهطا من عكل ثمانية"٢، وقيل: بل من عرينة٣، وذكر ابن إسحاق أنهم "من قيس كبة من بجيلة"٤، وشذَّ عبد الرزَّاق فذكرهم من بني فزارة٥
ووقع في رواية أخرى عن أنس "قال: كانوا أربعة من عرينة، وثلاثة من عكل"٦، وصوَّبه ابن حجر، وذكر أن ذلك لا يخالف الرواية الأولى لاحتمال أن يكون الثامن من غير القبلتين وكان من أتباعهم فليس ينسب٧، وكان هؤلاء الأعراب بهم هزال شديد من الجوع٨ "فبايعوه على الإسلام"٩. "ثم
стр. 182
قالوا: يا رسول الله آونا وأطعمنا"١.
فأنزلهم رسول الله ﷺ في الصفة٢ وأكرمهم٣، ونظرا لكونهم كانوا بادية أهل ضرع، ولم يكونوا أهل ريف٤ -كما ذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم٥- لم يستطيعوا التأقلم مع جو المدينة وهوائها، فأصابهم داء اختلف فيه، ففي رواية عند مسلم أنه وقع في المدينة داء يسمى الموم وهو البرسام٦، وفي البخاري٧ "فاجتووا المدينة"٨.
وفي رواية أخرى "فاستوخموا الأرض٩ فسقمت أجسامهم"١٠،
стр. 183
وذكر أحمد: أن الوخم الذي شكوا منه هو من حمى المدينة١.
وفي رواية ابن إسحاق "فاستوبئوا، وطحلوا"٢٣، ولكن ابن القيم جزم بأن ذلك المرض "كان الاستسقاء"٤، وذلك بناء على الأعراض التي ظهرت عليهم حيث عظمت بطونهم، واصفرت ألوانهم٥، وكذلك الوصفة الدوائية٦ التي وصفها لهم رسول الله ﷺ حينما شكوا إليه ما أصابهم فقال:
стр. 184
"أفلا تخرجون مع راعينا١ في إبله٢، فتصيبون من ألبانها وأبوالها؟ قالوا:
стр. 185
بلى، فخرجوا فشربوا من ألبانها وأبوالها فصحُّوا"١.
فعَدَوا على الراعي فقتلوه –بعد أن مثَّلوا به٢ وهربوا بالإبل "فجاء الخبر في أول النهار"٣ إلى رسول الله ﷺ .
وعلى وجه السرعة، قام بتجهيز دورية قتالية تعقُّبية، قوتها عشرون٤ شابًّا أنصاريًّا وأسند القيادة فيها إلى كرز بن جابر الفهري رضي الله عنه٥ وزوَّدهم بقائف لاقتفاء الأثر٦، اختزالا للجهد والوقت، لأن إهدارهما لا يتناسب مع
стр. 186
الحالة الأمنية التي تتطلب سرعة القبض على هؤلاء المجرمين المفسدين في الأرض، والاقتصاص منهم فورا وبحزم؛ نتيجة ما قاموا به من إخلال وزعزعة بالأمن، وغدر وخيانة ونكران للجميل، إضافة إلى ارتدادهم عن الإسلام.
انطلقت الدورية في (مسير اقترابي سريع ومتقن) ١، يتقدمُّها القائف، وكما هو مخطط له تم القبض على العصابة في وقت وجيز جدًّا "فما ترجَّل النهار حتى أتى بهم، فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم، وقطع أيديهم وأرجلهم وَمَا حَسَمَهم، ثم أُلقوا في الحرة يستسقون، فما سقوا حتى ماتوا"٢.
قال أنس بن مالك ﵁: "فرأيت الرجل منهم يكدم٣ الأرض بلسانه حتى يموت"٤٥.
وقد ذكر بعض أهل العلم أن الله تعالى أنزل فيهم قوله تعالى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٦.
стр. 187
وقد يتصور البعض أن هذا العقاب كان جائرا وشديدا، لكن بالنظر إلى ما قام به هؤلاء من جرائم، وقياسا لما فعلوه من أعمال لا يقرها العقل؛ فضلا عن الدين الذي تمرَّدوا عليه وارتدوا عنه، فنقول: إن العقاب الذي نالهم كان عادلا وكان الجزاء من جنس العمل فهم قد ارتدوا عن الإسلام، وقتلوا وسرقوا ومثَّلوا وحاربوا الله ورسوله واستهانوا بكل المبادىء والقيم الإنسانية.
وفي القصة من الفوائد: مشروعية الطب والتداوي بألبان الإبل وأبوالها، وقد اختلف في طهارة أبوال الإبل وغيرها من مأكول اللحم. فاحتج مالك وأحمد وطائفة من السلف ووافقهم من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان والأصطخري والروياني بهذا الحديث على طهارة بول الإبل، ويقاس عليها مأكول اللحم من غيرها، وذهب الشافعي والجمهور إلى القول بنجاسة الأبوال والأرواث كلها من مأكول اللحم وغيره.
واحتج ابن المنذر بقوله: توزن الأشياء على طهارة حتى تثبت النجاسة، قال: ومن زعم أن هذا خاص بأولئك الأقوام لم يصب إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل. قال: وفي ترك أهل العلم بيع الناس أبعار الغنم في أسواقهم واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم قديما وحديثا من غير نكير دليل ظاهر. قال الحافظ: وهو استدلال ضعيف، لأن المختلف فيه لا يجب إنكاره فلا يدل ترك إنكاره على جوازه فضلا عن طهارته. وقد دلَّ على نجاسة الأبوال حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "دعوه وأهريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسِّرين". وكان القاضي أبو بكر بن العربي الذي تعلق بهذا الحديث ممن قال بطهارة أبوال الإبل، وعورض بأنه أذن لهم في شربها للتداوي.وتعقب بأن التداوي ليس حال ضرورة بدليل أنه لا يجب،فكيف يباح الحرام بما لا يجب؟ وأجيب بمعنى أنه
стр. 188
ليس بحال ضرورة، بل هو حال ضرورة إذا أخبره بذلك من يعتمد على خبره، وما أبيح لضرورة لا يسمى حراما، وقد تأوله لقوله تعالى ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ ١ فما اضطر إليه المرء فهو غير محرم عليه كالميتة للمضطر، والله تعالى أعلم.
قال الحافظ: وما تضمنه كلامه من أن الحرام يباح ولا الأمر واجب غير مسلَّم، فإن الفطر في رمضان حرام، ومع ذلك فيباح لأمر جائز كالسفر مثلا.
وأما قول غيره: ولو كان نجسا ما جاز التداوي به لقوله ﷺ : "إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها". رواه أبو داود من حديث أم سلمة، فجوابه أن الحديث محمول على حالة الاختيار. وأما في حالة الضرورة فلا يكون حراما كالميتة للمضطر، ولا يردُّ قوله ﷺ في الخبر "إنها ليست بدواء، إنها داء" في سؤال من سأل عن التداوي بها فيما رواه مسلم، فإن ذلك خاص بالخمر ويلتحق بها غيرها من المسكر. والفرق بين المسكر وغيره من النجاسات أن الحديث باستعماله في حالة الاختيار دون غيره، ولأن شربه يجرُّ إلى مفاسد كثيرة، لأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن في الخمر شفاء فجاء الشرع بخلاف معتقدهم. قاله الطحاوي بمعناه.
قال الشيخ تقي الدين السبكي: كان في الخمر منفعة في التداوي بها، فلما حرِّمت نزع الله الدواء منها، وأما أبوال الإبل فقد روى ابن عباس –﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن في أبوال الإبل شفاء للذربة بطونهم". والذَّرب- بذال معجمة فساء المعدة. فلا يقاس ما ثبت أن فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه، وبهذا الطريق يحصل الجمع بين الأدلة والعمل بمقتضاها٢.
стр. 189
وذكر ابن القيم: أن الصواب هو طهارة بول مأكول اللحم، فإن التداوي بالمحرمات غير جائز، ولم يؤمروا مع قرب عهدهم بالإسلام بغسل أفواههم، وما أصابته ثيابهم من أبوالها للصلاة، وتأخير البيان لا يجوز عن وقت الحاجة١.
وفيها من الفوائد أيضا: قتل الجماعة بالواحد سواء قتلوه غيلة أو حرابة، إن قلنا إن قتلهم كان قصاصا، وعلى مقاتلة الجاني بمثل ما فعل أي المماثلة في القصاص وليس ذلك من المثلة المنهي عنها، فإن هؤلاء قتلوا الراعي وسملوا عينيه، ثبت ذلك في صحيح مسلم، وعلى أن الجنايات إذا تعددت، تغلَّظت عقوباتها، فإن هؤلاء ارتدوا بعد إسلامهم، وقتلوا النفس ومثلوا بالمقتول، وأخذوا المال، وجاهروا بالمحاربة.
وفيها: ثبوت حكم المحاربة في الصحراء، وأما القرى ففيه خلاف، كما أن حكم ردء المحاربين حكم مباشرهم، فإنه من المعلوم أن كل واحد منهم لم يباشر القتل بنفسه، ولا سأل النبي ﷺ عن ذلك.
وعلى أن قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدًّا، فلا يسقطه العفو، ولا تعتبر فيه المكافأة، وهذا مذهب أهل المدينة، وأحد الوجهين في مذهب أحمد.
وفيها: جواز استعمال أبناء السبيل إبل الصدقة في الشرب وفي غيره، قياسا عليه بإذن الإمام.
وفيها: العمل بقول القائف، وللعرب في ذلك المعرفة التامة٢.
стр. 190
سرية حمزة بن عمرو الأسلمي لمطاردة هبار بن الأسود
...
بعد انتهاء معركة بدر بفوز ساحق للمسلمين على مشركي قريش وقتل من قُتل من أشرافهم وصناديدهم، وأسر من أُسر منهم، كان من بين الأسرى أبو العاص بن الربيع ختن رسول الله ﷺ ، وزوج ابنته الكبرى زينب رضي الله عنها١.
فلما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب ﵂ في فداء أبي العاص بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت أم المؤمنين خديجة ﵂ أدخلتها بها عليه حين بنى بها، فلما رأى رسول الله ﷺ تلك القلادة تأثر كثيرا فطلب من آسريه أن يطلقوه لها ويردوا عليها مالها ففعلوا إكراما لبنت رسول الله ﷺ .
"وكان رسول الله ﷺ قد أخذ عليه، أو وعد رسول الله ﷺ أن يخلَّي زينب إليه"٢ فلما قدم أبو العاص مكة أوفى بوعده لرسول الله صلى الله عليه وسلم٣، فأمر زينب باللحوق بأبيها فأخذت تتجهز للسفر. فلما فرغت من جهازها خرجت "مع كنانة أو ابن كنانة٤ فخرجوا في أثرها، فأدركها هبَّار بن الأسود،
стр. 191
فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها، وألقت ما في بطنها، وأهريق دمًا١"٢. ويذكر ابن إسحاق أن رجلا يدعى نافع بن عبد قيس الفهري قد شارك هبّارا في التعرض لزينب وترويعها٣.
تأثر رسول الله ﷺ لمصاب زينب ﵂ فكان يقول: "هي أفضل بناتي أصيبت فيَّ" ٤، ثم أرسل زيد بن حارثة ﵁ ليأتيه بها وأعطاه خاتمه كعلامة بينهما "فانطلق زيد فلم يزل يتلطف، حتى لقي راعيًا فقال لمن ترعى؟ قال: لأبي العاص، قال: فلمن هذه الغنم؟ قال: لزينب بنت محمد ﷺ فسار معه شيئا، ثم قال: هل لك إن أعطيتك شيئا تعطه إياها ولا تذكره لأحد؟ قال: نعم، فأعطاه الخاتم وانطلق الراعي فأدخل غنمه وأعطاها الخاتم فعرفته، فقالت: من أعطاك هذا؟ قال: رجل، قالت: وأين تركته؟ قال: بمكان كذا وكذا، فسكتت حتى إذا كان الليل خرجت إليه، فلما جاءته قال لها: اركبي بين يدي على بعيري، فقالت: لا، ولكن اركب
стр. 192
أنت بين يدي، فركب وركبت وراءه حتى أتت المدينة"١.
وظلت زينب ﵂ متأثرة نتيجة تلك السقطة "فلم تزل وَجِعةً حتى ماتت من ذلك الوجع فكانوا يرون أنها شهيدة"٢. وتوفيت ﵂ سنة ثمان من الهجرة٣، فكان أن أهدر رسول الله ﷺ دم هبَّار وصاحبه يوم فتح مكة وذلك لعداوتهما لله ورسوله ولما تسببا فيه من موت زينب ﵂، ثم جهَّز ﷺ سرية تعقيبية بإمرة حمزة بن عمرو الأسلمي٤ وبمشاركة أبي هريرة ﵁، وبعثهم في طلب هبَّار وصاحبه اللذين هربا من مكة، وأصدر أوامره إلى أفراد السرية بتحريقهما بالنار إن قدروا عليهما، ولكنه عاد فتراجع عن التحريق، فلما أتى أصحاب السرية لتوديعه ﵊ قال لهم: "إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما" ٥، وانطلقت السرية لتنفيذ المهمة٦، ولكنها لم تنجح في القبض عليهما، وأفلت هبَّار وصاحبه فلم تصبها السرية.
стр. 193
وظل هبَّار هاربا من رسول الله ﷺ في كل وجه. ولكنه ما أن علم أن رسول الله ﷺ يعفو عن كل من جاءه مسلما معتذرا، حتى أسرع لمقابلته حيث لقيه منصرفه من الجعرَّانة١ كما يذكر الواقدي٢.
وهناك وقف على رأسه معلنًا إسلامه واعتذاره عما بدر منه تجاه ابنته، فعفا عنه رسول الله ﷺ وقبل منه٣.
стр. 194
فيا له من موقف رائع تجلَّت فيه سماحة الإسلام بأبهى صورها ومعانيها، ولا غرابة في ذلك، فهو نبي الرحمة المهداة ﷺ .
ورد في ثنايا ههذه القصة بعض الأحكام، أوردها ابن حجر وغيره، منها حكم التحريق بالنار، قال ابن حجر: واختلف السلف في التحريق فكره ذلك عمر، وابن عباس، وغيرهما مطلقا سواء كان ذلك بسبب كفر أو في حالة مقاتلة أو كان قصاصا، وأجازه علي، وخالد بن الوليد وغيرهما. وقال المهلب: ليس هذا النهي على التحريم، بل على سبيل التواضع، ويدلُّ على جواز التحريق فعل الصحابة، وقد سمل النبي ﷺ أعين العرنيين بالحديد المحمى، وقد حرَّق أبو بكر البغاة بالنار بحضرة الصحابة، وحرَّق خالد بن الوليد بالنار أناسا من أهل الردة، وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون والمراكب على أهلها. قاله الثوري والأوزاعي. وقال ابن المنير: لا حجة فيما ذُكر للجواز لأن قصة العرنيين كانت قصاصا أو منسوخة كما تقدم، وتجويز الصحابي معارَض بمنع صحابي آخر، وقصة الحصون والمراكب مقيدة بالضرورة إلى ذلك إذا تعين طريقا للظفر بالعدو، ومنهم من قيده بأن لا يكون معهم نساء ولا صبيان كما تقدم. وأما حديث وأما حديث الباب فظاهر النهي فيه التحريم، وهو نسخ لأمره المتقدم سواء كان بوحي إليه أو اجتهاد منه. وهو محمول على من قصد إلى ذلك في شخص بعينه. وقد اختلف في مذهب مالك في أصل المسألة، وفي التدخين، وفي القصاص بالنار١.
وقال البغوي: فأما تحريق الكافر بعد ما وقع في الأسر، وتحريق المرتد، فذهب عامتهم إلى أنه لا يجوز إنما يقتله بجزِّ الرقبة٢.
أما الخطابي فقال: إنما يكره إذا كان الكافر أسيرا قد ظفر به وحصل في
стр. 195
الكف، وقد أباح رسول الله ﷺ أن تضرم النار على الكفار في الحرب، وقال لأسامة: "أَغِر على أُبني صباحا وحرّق".
ورخَّص سفيان الثوري والشافعي في أن يرمى أهل الحصون بالنيران، إلا أنه يستحب أن لا يرموا بالنار ما داموا يطاقون إلا أن يخافوا من ناحيتهم الغلبة فيجوز حينئذ أن يقذفوا بالنار١.
- وفي الحديث جواز الحكم بالشيء اجتهادا ثم الرجوع عنه.
- أيضا استحباب ذكر الدليل عند الحكم لرفع الإلباس.
- كما يستفاد منه جواز الاستنابة في الحدود ونحوها.
- كما أن طول الزمان لا يرفع العقوبة عمن يستحقها.
- كراهة قتل مثل البرغوث بالنار.
- نسخ السنة بالسنة وهو اتفاق.
- مشروعية توديع المسافر لأكابر أهله، وتوديع أصحابه له أيضا.
- جواز نسخ الحكم قبل العمل به، أو قبل التمكن من العمل به، وهو اتفاق إلا
عن بعض المعتزلة فيما حكاه أبو بكر بن العربي، وهذه المسألة غير المشهورة في الأصول في وجوب العمل بالناسخ قبل العلم به. وقد اتفقوا على أنهم إن تمكنوا من العلم به ثبت حكمه في حقهم اتفاقا، فإن لم يتمكنوا فالجمهور أنه لايثبت. وقيل: يثبت في الذمة كما لو كان نائما ولكنه معذور.
ذكر هذه الأحكام ابن حجر في الفتح٢.
ويستفاد أيضا من هذا الحديث تحقيق بشريته ﷺ فهو بشر كغيره من البشر
стр. 196
يعتريه الغضب والحزن والتأثر لمصاب أبنائه وأقاربه، ولكن ذلك لا يخرجه عن طوره ولا يطغيه عن الحق، فغضبه لا يعدو لحظات يتراجع بعدها، فيفيض رحمة ورأفة، فها هو بعد أن يصدر أوامره الشريفة لأصحاب السرية بتحريق الرجلين قصاصا لما ارتكبوه من محاربة الله ورسوله، يتراجع عن ذلك فينهاهم عن التحريق، لأن النار لا يعذب بها إلاَّ الله .
وفي ذلك أيضا أدب رفيع مع الله وتواضع له.
ثم ها هو ﵊ يعفو ويصفح عن هبَّار رغم فظاعة وجرم ما ارتكبه، ومع من؟ مع أقرب الناس إليه.
ولكن الغضب والحنق الشديدين يتحولان في لحظة إسلام هبَّار إلى رحمة وإلى تسامح وإلى فرح غامر بإسلام رجل كان كافرًا، محادًّا لله ورسوله.
وهذه هي تعاليم الإسلام السمحة التي تقول: إن الإسلام يجُبُّ ما قبله" يطبقها المصطفى ﷺ بحذافيرها جاعلا عن نفسه القدوة لأمته، فيا له من موقف رائع عظيم مليء بالدروس والعبر.
стр. 197
سربة أبي عامر الأشعري إلى أوطاس
...
سرية أبي عامر إلى أوطاس
(مطاردة تعقُّبية)
стр. 198
"لما فرغ النبي ﷺ من حنين"١ أرسل سرية مطاردة تعقُّبية٢ بقيادة أبي عامر الأشعري٣ ﵁ وكان ضمن أفرادها أبو موسى الأشعري٤ وأبو سعيد الخدري٥ ﵄، وذلك لمطاردة الفارين من هوازان وجشم الذين كان على رأسهم دريد بن الصِّمة الجشمي٦ -للإجهاز مبكرًا
стр. 199
على أي تحشد آخر لهم مضاد للمسلمين، حيث التقوا بهم في وادٍ يسمى أوطاس١، وهناك دارت معركة قوية بين الطرفين قتل فيها دريد بن الصِّمة. "وهزم الله أصحابه"٢ بعد أن "أفضى فيهم إلى الذرية"٣
١ قال عياض: هو واد في دار هوازن، وهو موضع حرب حنين.
وهذا الذي قاله ذهب إليه أهل السير، والراجح أن أوطاس غير وادي حنين، ويوضح ذلك ما ذكر ابن إسحاق أن الوقعة كانت في وادي حنين، وأن هوازن لما انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى بجيلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي ﷺ عسكرا مقدمهم أبو عامر الأشعري إلى من مضى إلى أوطاس، كما يدل عليه حديث الباب، ثم توجه هو وعساكره إلى الطائف. ابن حجر، فتح (٨/٤٢) .
وقال البكري: أوطاس –بفتح أوله، وبالطاء والسين المهملتين، واد في ديار هوازن وهناك عسكروا هم وثقيف، إذ أجمعوا على حرب رسول الله ﷺ فالتقوا بحنين. البكري، معجم ما استعجم (١/٢١٢) .
وذكر الحربيّ: أن بأوطاس قصورا، وأبياتا، وحوانيت، ويركة، يسرة، ويقال: إن النبي ﷺ كان يرضع في تلك الناحية، وثمّ مسجد يقال له مسجد عائشة ﵂، بناه عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عم المنصور.
أما البلادي فقال: أوطاس سهل يقع على طريق حاج العراق إذا أقبل من نجد قبل أن يصعد الحرة، فالحاج إذا تسهل من كشب مرّ بطريق وجزة الشمالي، ثم في غمرة وبها بركة تنسب إلى زبيدة، ثم يجزع وادي العقيق –وليس هذا بعقيق المدينة- ثم يسير في أوطاس ساعة، فهي ضفة العقيق اليسرى، ثم يصعد الحرة، فَيَرِدِ الضريبة الميقات، فهي شمال شرقي مكة، وشمال بلدة عشيرة، وتبعد عن مكة قرابة (١٩٠) كيلا على طريق متعرجة. البلادي، معجم المعالم الجغرافية في السيرة (٣٤) .
٢ من رواية البخاري عن أبي موسى. ابن حجر، فتح (٨/٤١) قال: واختلف في قاتله، فجزم محمد بن إسحاق بأنه ربيعة بن رفيع –بفاء مصغَّر- ابن وهبان بن ثعلبة بن ربيعة السلمي، وكان يقال له: ابن الذعنة –بمعجمة ثم مهملة، ويقال: بمهملة ثم معجمة- وهي أمه.
وقال ابن هشام: يقال اسمه عبد الله بن قبيع بن أهبان، وساق بقية نسبه، ويقال له –أيضا- ابن الذعنة وليس هو ابن الذعنة المذكور في قصة أبي بكر في الهجرة.
وروى البزار في مسند أنس بإسناد حسن ما يشعر بأن قاتل دريد هو الزبير بن العوام، ولفظه "ولما انهزم المشركون انحاز دريد بن الصمة في ستمائة نفس على أكمة فرأوا كتيبة، فقال: خلوهم لي، فخلوهم، فقال: هذه فضاعة ولا بأس عليكم، ثم رأوا كتيبة مثل ذلك فقال: هذه سليم، ثم رأوا فارسًا وحده، فقال: خلوه لي، فقالوا: معتجر بعمامة سوداء، فقال: هذا الزبير بن العوام، وهو قاتلكم ومخرجكم من مكانكم هذا، قال: فالتفت الزبير فرآهم فقال: علام هؤلاء ههنا؟ فمضى إليهم وتبعه جماعة فقتلوا منهم ثلثمائة، فحزَّ رأس دريد بن الصمّة فجعله من يديه.
ويحتمل أن يكون ابن الذعنة كان في جماعة الزبير فباشر قتله فنُسبب إلى الزبير مجازا. ويقال: إنه لما قتل ابن عشرين، ويقال: ابن سنتين ومائة سنة. ابن حجر، فتح (٨/٤٢) .
وروى البيهقي بإسناده إلى الشافعي قال: قتل يوم حنين دريد بن الصمة ابن خمسين ومائة سنة في شجار لا يستطيع الجلوس، فذكر ذلك للنبي ﷺ فلم ينكر قتله.البيهقي، سنن (٩/٩٢) .
٣ رواه أحمد عن الأسود بن سريع ولفظه "أن رسول الله ﷺ بعث سرية يوم حنين فقاتلوا المشركين فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فلما جاءوا قال رسول الله ﷺ : "ما حملكم على قتل الذريّة؟ " قالوا: يا رسول الله إنما كانوا أولاد المشركين. قال: "وهل خياركم إلا أولاد المشركين ... ". الحديث. البنا، الفتح (١٤/٦٥) وقال عنه: ورجاله رجال الصحيح. كما رواه البيهقي، سنن (٩/١٣٠) .
стр. 200
وسبوا نساءهم،١ وأصيب قائد السرية إصابةً قاتلةً إذ "رماه جشمي٢ بسهم فأثبته في ركبته"٣.
قال أبو موسى الأشعري ﵁ ابن أخي أبي عامر: "فانتهيت إليه فقلت: يا عم٤ من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له، فلحقته، فلما رآني ولَّى، فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي ألا تثبت فكف، فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته، ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته فنزا منه٥ الماء"٦، وكأن الجرح قد التهب على أبي عامر التهابا حادًّا عرف منه قرب
стр. 201
منيته١، فأوصى ابن أخيه أن يقرىء النبي ﷺ منه السلام ويطلب منه أن يستغفر له، وذلك بعد أن استخلفه على قيادة السرية "فمكث يسيرا ثم مات"٢.
ويرجع أبو موسى إلى النبي ﷺ ويدخل عليه بيته، حيث يصف لنا الحالة التي وجد عليها رسول الله ﷺ لنعرف مدى ما كان عليه من الزهد وشظف العيش، وهو الذي لو أراد لحيزت له الدنيا بأسرها.
يقول أبو موسى: "دخلت عليه وهو في بيت على سرير مرمل٣، وعليه فراش وقد أثَّر رمال السرير بظهر رسول الله ﷺ وجنبيه، فأخبرته بخبرنا، وخبر أبي عامر، وقلت له: قال: قل له: يستغفر لي، فدعا رسول الله ﷺ بماء فتوضأ، ثم رفع يديه ثم قال: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر، حتى رأيت بياض إبطيه ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك، أو من الناس. فقلت: ولي يا رسول الله فاستغفر، فقال النبي ﷺ اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما" ٤ ٥.
стр. 202
البعوث التعليمية والدعوية
مقدمة
...
مقدمة
كان الأعراب حول المدينة يتحينون الفرص المواتية للنيل من المسلمين والقضاء عليهم إما بغزو المدينة قاعدتهم، أو الانتقام ممن ظفروا به منهم خارجها.
ولما عجزوا عن تحقيق هدفهم الأول نتيجة السرايا التعرُّضية التي كان يرسلها رسول الله ﷺ لتأديبهم ومباغتتهم في ديارهم أو قتل زعمائهم، كما حدث لخالد بن سفيان الهذلي، لذلك سعوا للهدف الثاني لسهولته.
أما قريش فكانت تعد العدة للكرة مرة أخرى على المسلمين تكون فيها استئصال شأفتهم والقضاء عليهم نهائيًّا.
ولم يغب كل ذلك عن رسول الله ﷺ وهو القائد العسكري العبقري –فكانت الدوريات الاستطلاعية إضافة إلى عيونه المبثوثين تأتيه بالأخبار والمعلومات عن تحركات أعدائه من قريش والأعراب أوّلاً بأوَّل. وهو ما يسمى الآن بنظام الاستخبارات العسكرية.
وذلك يؤكد أن المسلمين في عهد رسول الله ﷺ وما بعده لم يخوضوا حربًا عشوائية غير مخطَّطٍ لها مع أعدائهم، إنما حربًا ذات خطط "سوقية وتعبوية" منظمة. وكان من تلك السرايا والدوريات سرية استطلاعية لجمع المعلومات عن قريش وتحركاتها، وعن الأعراب وتجمعاتهم.
وإن كانت المصادر التاريخية تجزم بأنها كانت بعثة تعليمية أُرسلت بطلب من بعض الأعراب المدَّعين الإسلام والذين غدروا وأوقعوا بأصحاب السرية عند ماء الرجيع –الذي عرفت السرية به فيما بعد- ويمكن الجمع بين المهمتين كما أوضح البعض١.
стр. 203
"ورغم ما حدث في الرجيع، فإن وفود المسلمين لدعوة الأعراب لم تنقطع أبدا، إذ لا بدّ من تبليغ دعوة الإسلام مهما غلت التضحيات"١، حيث يرسل رسول الله ﷺ سرية تعليمية أخرى إلى أعراب نجد بمبادرة من أبي براء ملاعب الأسنة أحد زعماء نجد والذي طمأن خوف النبي ﷺ من فتك الأعراب بهم بإجارته لهم، ولكن إجارة أبي البراء لم تردع ابن أخيه عامر بن الطفيل الذي أوقع بالقراء بمعاونة الأعراب من سليم وفتكوا بسبعين من خيرة أصحاب رسول الله ﷺ في حادثة آلمته كثيرًا، ولكنها لم تثبطه أو تقعده عن متابعة برامجه الدعوية والتعليمية.
وتستمر سياسته الدعوية لا تغيِّرها الظروف والمناسبات، فالدعوة إلى الله وهي الأساس الذي بنى عليه دولة الإسلام، لا تتأثر بالظروف الحادثة إيجابا أو سلبا، لأنها كانت تتم وفق تخطيط مسبق ومدروس ومنظم بعناية فائقة –فهذا رسول الله ﷺ وهو الفاتح المظفر على أكبر أعداء الدعوة- لا يلهيه ظفره عليهم ولا يطغيه فتحه لأعظم معاقل الوثنية في الجزيرة ولا تنسيه فرحة رجوعه لمسقط رأسه غانمًا موفورًا هدفه الأسمى وغايته النبيلة، فيبادر إلى بثِّ السرايا والبعوث الدعوية حول مكة بعد فتحها مباشرة.
منها بعث خالد بن الوليد ﵁ إلى بني جذيمة ذلك البعث الذي كثر الحديث حوله، وتفنَّن الرواة والإخباريون في تفسيراتهم وتبريراتهم الخاطئة عنه مستندين إلى خلفيَّات جاهلية لا تنسجم مع روح الإسلام، وما تربَّي عليه أصحاب رسول الله ﷺ من نبذ أدران الجاهلية الدَّفينة، وقد حاول بعض المتأخرين ممن عنوا بالمغازي استنادا على رواية الصحيح تفسير الواقعة باذلين في ذلك جهدهم للوصول إلى التفسير الصحيح –فكان أفضل ما وصلوا إليه أن خالدًا تأوَّل واجتهد فأخطأ. والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 204
السرايا التعليمية بعث الرجيع ١
ولستُ أُبالي حين أُقْتَلُ مُسلمًا ... على أي شْقٍّ كان لله مصرعي
وذاك في ذات الإله وإن يَشَأ ... يُبارِك على أوصالِ شِلْوٍ مُمَزَّع
خُبيب بن عدي ﵁.
البخاري، الصحيح (٥/٤١) .
стр. 205
نتيجة للتحركات المعادية التي ظهرت على الأعراب في أعقاب غزوة أحد، وتحسبًا من هجوم قرشي مباغت، بعث رسول الله صص دورية قوتها عشرة أفراد١ بقيادة عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح رضي الله عنه٢.
стр. 206
وقد اختلفت الروايات في تحديد واجب السرية، فرواية الصحيح تذكر أن السرية كانت استطلاعية، كما يفيده اللفظ "عينًا"١، بينما تذكر بعض الروايات أنها كانت عبارة عن دورية قتال هدفها بنو لحيان٢، ويكاد يجمع أهل المغازي على أن مهمة السرية كانت تعليمية بحتة٣، وينفرد الواقدي منهم بتوضيح سبب ذلك٤.
وقد حاول بعض المتأخرين الجمع بين الروايات وجعل م
همة السرية ازدواجية مع إمكانية ذلك٥، فهي استطلاعية لرصد نشاط قريش والأعراب
стр. 207
المتزايد عقب أُحد وتحركاتهم المشبوهة، وتعليمية تلبيةً لرغبة بعض الأعراب الذين أظهروا الإسلام وطلبوا بعض المعلمين من صحابة رسول الله ﷺ ليفقهوهم في الدين
ومع اتفاق أهل المغازي في مهمة هذه السرية اختلفوا في تحديد تاريخها، فمنهم من ذكرها بعد أُحد ضمن أحداث السنة الثالثة الهجرية١.
ومنهم من حددها بشهر صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا، يعني في بداية السنة الرابعة٢.
وحددها البعض بمنتصف شهر صفر آخر السنة الثالثة٣.
وعلى كل حال انطلقت الدورية في مسير اقترابي حذر كما تذكر بعض الروايات٤ "حتى إذا كانوا بالهدأة٥- وهو بين عسفان ومكة- ذُكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان٦ فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل٧، كلهم رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرًا –تزودوه- من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فاقتصوا آثارهم٨.
стр. 208
فلما رآهم عاصم انسحب بأصحابه إلى مكان مرتفع تجنبا للاشتباك المباشر –الذي كان فيه القضاء التام عليهم- فاللحيانيون يفوقونهم في العدد والعدة بكثير.
وما أن وصل القوم حتى أحاطوا بهم، ثم أخذوا يفاوضونهم على الاستسلام المشروط بالأمان إن هم نزلوا إليهم دون مقاومة، ولكن عاصم بن ثابت ﵁ قائد السرية رفض ذلك العرض بشدة معطيا من نفسه القدوة لأصحابه وهو يقول: "أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كاف ر، اللهم أخبر عنا نبيك"١.
وعلى الرجيع حصلت ملحمة جهادية رائعة في معركة غير متكافئة، سقط خلالها الأبطال عاصم وستة من رفاقه شهداء في سبيل الله بعد أن قاوموا ببسالة شديدة، لكن إرادة الله جعلت الهذليين الكثر والمهرة في الرمي يصطادونهم بنبالهم التي حصدوهم من كل جانب.
"وبقي خبيب وزيد، ورجل آخر٢، فأعطوهم العهد والميثاق، فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم"٣، ومعهم العذر في ذلك، لأن رفضهم الاستسلام هو حكم بالقضاء المبرم عليهم، ففضلوا الإبقاء على أنفسهم تحيُّزًا لرسول الله ﷺ وأملا في مدد أو نجدة تأتيهم من عنده تكون فيها قوة لاستئناف قتال يكون فيه ولو بعض التكافؤ ضد بني لحيان٤، لكن اللحيانيين، وكما توقع عاصم من قبل غدروا بهم "فلما استمكنوا منهم حلُّوا أوتار قسيهم
стр. 209
فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث الذي معهما: هذا أول الغدر، فأبى أن يصحبهم، فجرَّروه وعالجوه أن يصحبهم فلم يفعل، فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل١، وكان خبيب هو قَتَلَ الحارث يوم بدر٢.
فمكث عندهم أسيرًا حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحد بها فأعارته، قالت: فغفلت عن صبي لي٣. فدرج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه، فلما رأيتُه فزِعت فزعة عرف ذلك مني، وفي يده الموسى فقال: أتخشين أن أقتله، ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله٤
نعم هذه هي أخلاق الإسلام التي أدهشت الكفار قديما وحديثا، لأنهم تعودوا على الانتقام العشوائي، ولا غرو في ذلك إذا كانوا يستقون أخلاقهم من قانون الغاب، بينما صدر أخلاق المسلمين القرآن الذي من مبادئه ﴿وَلا
стр. 210
تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ١.
وهذه المرأة التي أسلمت فيما بعد٢ ذكرت ما شاهدته من خبيب حيث تقول: "ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلاّ رزق رزقه الله، فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين. ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سنّ الركعتين عند القتل هو. ثم قال اللهم أحصهم عددا"٣.
ثم قتلوه ﵁ وهو يحمس نفسه بأبيات يذكر فيها غربته وتألب المشركين عليه٤.
"وأما زيد بن الدثنة فاشتراه صفوان بن أمية فقتله بأبيه أمية بن خلف، قتله نسطاس مولى بني جمح"٥. ويذكر ابن إسحاق بإسناد معضل أن أبا سفيان قد سأله مختبرا ثباته: "أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدا الآن في
стр. 211
مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي"١. هذه الرواية٢ على ضعفها حديثيًّا إلا أننا نستأنس بها تاريخيًّا على مدى الحب المتمكن في قلوب أصحاب النبي ﷺ له، ذلك الحب الذي لا يتزعزع حتى في أصعب اللحظات حراجة، وهكذا نراهم يفدونه بأنفسهم أن تصيبه شوكة آمنا في بيته, وهو بين يدي أعدائهم يعاينون الموت، فما أخلصها من تضحية، وما أعظمه حبًّا أدهش أعداءهم في ذلك الوقت، يقول أبو سفيان في سياق الرواية السابقة "ما رأيت من الناس أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا"٣.
وقد استجاب الله "لعاصم بن ثابت يوم أصيب، فأخبر النبيُّ ﷺ أصحابه خبرهم وما أصيبوا، وبعث ناس من كفار قريش إلى عاصم حين حُدثوا أنه قتل ليؤتَوا بشيء منه يعرف، وكان قد قتل رجلا من عظمائهم يوم بدر٤ فَبُعِثَ على عاصم مثل الظلة من الدَّبر٥. فحمتهم من رسولهم، فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئا٦.
وهكذا فقدت الدعوة إلى الله بعض فرسانها، وحزن رسول الله ﷺ و"المسلمون لفقدانهم عاصما وصحبه، ولمصرع أسيرهم على هذا النحو
стр. 212
الفاجع، فقد خسروا فريقا من الدعاة الأكفاء يحتاج إليهم الإسلام في هذه الفترة من تاريخه"١.
وفي الحديث من الأحكام ما ذكره ابن حجر وغيره حيث قال: إن للأسير أن يمتنع من قبول الأمان، ولا يمكّن من نفسه ولو قُتل، أنفة من أنه يجري عليه حكم كافر، وهذا إذا أراد الأخذ بالشدة، فإن أراد الأخذ بالرخصة فله أن يستأمن، قال الحسن البصري: لا بأس بذلك، وقال سفيان الثوري: أكره ذلك.
وفي الحديث الوفاء للمشركين بالعهد، والتورع عن قتل أولادهم، والتلطف بمن أريد قتله.
وفيه الدعاء على المشركين بالتعميم، وإنشاء الشعر وإنشاده عند القتل.
ودلالة على قوة يقين خبيب وشدته في دينه.
وفيه أن الله يبتلي عبده المسلم بما شاء كما سبق في علمه ليثيبه، ولو شاء ربك ما فعلوه.
ومن فوائد الحديث استجابة دعاء المسلم وإكرامه حيًّا وميتًا، وغير ذلك من الفوائد مما يظهر بالتأمل، وإنما استجاب الله له في حماية لحمه من المشركين، ولم يمنعهم من قتله لِما أراد من إكرامه بالشهادة، ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع لحمه٢.
وفي الحديث: إثبات كرامة الأولياء. وما أكرم الله به خبيبا من إطعامه له القطف من العنب في زمان وحين لا يوجد منه بمكة حبة ولا ثمرة، وهذه المكرمة شبيهة بما قصّ الله تعالى من شأن مريم:
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً﴾ ٣، وإبلاغ الله
стр. 213
سلامه إلى رسوله، وهما دلالتان واضحتان مثلهما جائز في إبان النبوة١.
وقال ابن بطال: "هذا يمكن أن يكون الله جعله آية على الكفار وبرهانا لنبيه لتصحيح رسالته، فأما من يدَّعي وقوع ذلك اليوم بين ظهراني المسلمين فلا وجه له، إذ المسلمون قد دخلوا في الدين وأيقنوا بالنبوة، فأي معنى لإظهار الآية عندهم؟ ولو لم يكن في تجويز ذلك إلاّ أن يقول جاهل: إذا جاز ظهور هذه الآيات على يد غير نبي فكيف نصدقها من نبي، والفرض أن غيره يأتي بها لكان في إنكار ذلك قطعا للذريعة، إلا أن يكون وقوع ذلك مما لا يخرق عادة ولا يقلب عينا، مثل أن يكرم الله بإجابة دعوة في الحين ونحو ذلك مما يظهر فيه فضل الفاضل وكرامة الولي، ومن ذلك حماية الله تعالى عاصمًا لئلا ينتهك عدوه حرمته"٢.
قال ابن حجر: "والحاصل أن ابن بطال توسط بين من يثبت الكرامة ومن ينفيها فجعل الذي يثبت ما قد تجري به العادة لآحاد الناس أحيانًا، والممتنع ما يقلب الأعيان مثلا، والمشهور عن أهل السنة إثبات الكرامات مطلقا، لكن استثنى بعض المحققين منهم كأبي القاسم القشيري ما وقع به التحدي لبعض الأنبياء فقال: ولا يصلون إلى مثل إيجاد ولد من غير أب ونحو ذلك، وهذا أعدل المذاهب في ذلك، فإن إجابة الدعوة في الحال، وتكثير الطعام والماء، والمكاشفة بما يغيب عن العين، والإخبار بما سيأتي ونحو ذلك قد كثر جدًّا حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب إلى الصلاح كالعادة، فانحصر الخرق الآن فيما قاله القشيري، وتعيين تقييد قول من أطلق أن كل معجزة وجدت لنبي يجوز أن تقع كرامة لولي، ووراء ذلك كله أن الذي استقر عند العامة أن خرق العادة يدل على أن من وقع له من ذلك يكون من أولياء الله تعالى، وهو غلط ممن يقوله بأن الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب،
стр. 214
فيحتاج من يستدل بذلك على ولاية أولياء الله تعالى إلى فارق، وأولى ما ذكروه أن يختبر حال من وقع له ذلك، فإن كان متمسكا بالأوامر الشرعية والنواهي، كان ذلك علامة ولايته، ومن لا فلا، وبالله التوفيق١.
وفيه أيضا مشروعية الصلاة عند القتل، قال في سياق رواية الصحيح: "فكان أول من سن الركعتين عند القتل"٢
قال السهيلي: "وإنما صار فعل خبيب سُنة حسنة، والسنة إنما هي أقوال من النبي ﷺ وأفعال، وإقرار؛ لأنه فعلها في حياته ﷺ فاستحسن ذلك من فعله، واستحسنه المعلمون مع أن الصلاة خير ما ختم به عمل العبد"٣.
قال الحلبي: "وكان ابن سيرين ﵀ إذا سئل عن الركعتين قبل القتل قال: صلاهما خبيب رضي الله تعالى عنه وحجر، وهما فاضلان، ويعني بحجر: حجر بن عدي رضي الله تعالى عنه"٤.
وقال: "واستدل أئمتنا بقصة خبيب هذه على أنه يستحب لمن أشرف على الموت أن يتعهد نفسه بتقليم أظفاره وأخذ شعر شاربه وإبطه وعانته، ولعل ذلك كان بلغ النبيَّ ﷺ وأقرَّه"٥.
стр. 215
بعث بئر معونة ١
(سرية القُرَّاء)
وفي منظر رائع لا يتصوره العقل البشري المُجَرَّد عن الإيمان تتحقق إحدى معجزات النبي ﷺ ، فما أن وجد الرجل مسَّ الرمح في جوفه حتى صاح وهو ينضح ماء الحياة على وجهه ورأسه فَرِحًا: الله أكبر، فزت وربِّ الكعبة.