ثم كيف يصح قول هذا الدعي: "غير أنا نقول بالمحكم ونرجع إليه" كيف يقول هذا، وأي محكم يقول به. ويرجع إليه من كتاب الله، وهو الذي يقول: "إن أحكام الدين لا يمكن أخذها من الكتاب والسنة؛ لأن فيها الناسخ والمنسوخ والخاص والعام، والمطلق والمقيد. إلى آخر هذا الإلحاد والكفر؟ ولكن لا عجب.. فالمنافق كالحرباء يتلون بكل لون، ولا يكون على لون واحد أبداً ثم يقول هذا المنافق، مخاطبا أهل التوحيد: "قمتم بعد أن ذهب الله بزعماء تلك المذاهب والنحل، وانتشرتم بعد أن طوى دعاة تلك البدع، تدعون الناس بما لا ينفعهم في الدنيا، ولا ينجيهم في الآخرة، تخلطون لهم الحق بالباطل، والظن باليقين تحرفون الكلم عن مواضعه.. تقولون هذا من عند الله، وما هو من عند الله. تنادونهم أن ارجعوا إلى الدين وأنتم عنه أبعد، تأمرون بالبر وتنسون أنفسكم.. تقولون بأفواهكم ما ليس في قلوبكم.. ترسلون دعاة بأجسام إنسانية وأرواح شيطانية، يوسوسون لأناس عاشوا في الجهل، وأقاموا حديثا في مهد.. ما عرفوا من الدين إلا الاسم، وما نظروا من العلم إلا الرسم فيزينون لهم غروراً ويغوونهم مشروراً، والله لا يصلح عمل المفسدين. "وهذا كلام فيه سباب وفحش، وليس فيه موقف يقف به محاجا أهل التوحيد فيما يدعون إليه من دين الله، وما يهدمون به من أوثان الشرك. ثم بأي لغة أعجمية ركيكة يتكلم هذا الدعي الذي ينصب نفسه للذود عن دين الله، والنصح للمسلمين وهو لا يعرف أساليب العربية التي نزل بها القرآن؟ فليس في لغة العرب ما يجيز له أن يقول: "لا نختلف بأصول الدين" وإنما الصواب أن يقول: "لا نختلف في أصول الدين.. فما جاء في لغة العرب ولا في كتاب الله أن
стр. 72
يتعدى الفعل "اختلف" بالباء، وإنما هو يتعدى بحرف الجر "في" كما يقول الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ١.وكما يقول تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٢ وأكبر الظن عندي، أن هذا الرجل من أولئك الأعاجم الذين دخلوا في جماعة المسلمين وتحككوا بالإسلام وفي قلوبهم مرض، يريدون الكيد له، والإضلال لأهله.
هذا الدعي والاجتهاد:
ومن متناقضات هذا الدعي الأحمق، أنه إذ يبطل العمل بكتاب الله وسنة رسوله كما نقلنا ذلك من رسالته -فإنه ينكر الاجتهاد.. إذ يقول في أول صفحة من تلك الرسالة الشيطانية. "إن الاجتهاد بدعة في الدين" هكذا على سبيل القطع والجزم. ثم يقول في ص ١٠ من هذه الرسالة: "إنه لا يجوز تقليد الصحابة ولا التابعين" فإذا كان لا قرآن ولا سنة كما يقول هذا الملحد.. فلا بد أن يكون هناك اجتهاد شخصي يتعرف به الإنسان إلى الدين الذي يقوم على اجتهاد شخصي منه. فإذا بطل الاجتهاد، ثم لا يكون هناك مرجع إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة فمن أين يعرف الإنسان الدين الذي يدين به؟ إن معنى ذلك ألا يكون هناك دين أبدا، ويكون معنى ذلك أيضا إبطال الدين على نحو ما تقول به الشيوعية من أن: "الدين أفيون الشعوب".
стр. 73
ثم إذا كان لا يجوز تقليد الصحابة ولا التابعين، كما يقول هذا الدعي. ثم لا كتاب ولا سنة، ثم ولا اجتهاد -فما هي الوسيلة أو الوسائل التي يتعرف بها الإنسان إلى دين، أي دين؟ وأعود فأكرر القول بأني لا أعرف هوية هذا الرجل، ولكن يغلب على ظني أنه من غلاة الشيعة الذين يذهبون إلى تأليه علي ﵁ وإلى عصمة الأئمة من الشيعة حيث تكون أقوالهم أحكاما شرعية ملزمة لأتباعهم، وفي هذا المفهوم لا يكون نظر إلى قرآن أو سنة، ولا التفات لمقولات الصحابة والتابعين، ثم لا محل للاجتهاد مع الإمام المعصوم!! فإذا كان هذا هو واقع هذا الرجل فبأي وجه يدخل في الاعتراض على أي مسلم من المسلمين، سواء أكان عالما أو غير عالم، وهو على طريق غير طريق الإسلام؟ ولكن الرجل وجد فتنة ثائرة في وجه دعوة التوحيد التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فدخل مع الداخلين في الحرب المعلنة على تلك الدعوة، من علماء السوء، ومن السلاطين والحكام، دفاعا عن سلطانهم القائم على عامة المسلمين.. وهكذا يتدسس اللصوص في الظلام وسط دخان الحريق المشبوب، ليسرقوا ما تصل أيديهم إلى سرقته من مال أو متاع!!
الاجتهاد في الدين:
ومما ينكره هذا المدعي على دعوة التوحيد، أنها تفتح باب الاجتهاد الذي أغلقه الجهل، وفساد الأحوال منذ القرن الرابع الهجري، فيقول هذا الجهول، موجها الكلام إلى أتباع الدعوة الداعية إلى فتح باب الاجتهاد-يقول: "إني أراكم تدعون الناس لبدعة الاجتهاد في الدين وغيرها من البدع".
стр. 74
ونقول لهذا الجهول، كيف يكون الاجتهاد في الدين بدعة؟ إن البدعة هي أمر حادث لم يكن في الدين، وهي ما أشار إليها الرسول ﷺ بقوله: " كل بدعة ضلالة " ١ وذلك من معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٢.ثم ألم يجتهد رسول الله ﷺ ونزل القرآن الكريم في أكثر من حال بتصحيح اجتهاده صلوات الله وسلامه عليه، كما في قوله تعالى في أسرى بدر حين قبل النبي ﷺ الفدية منهم، وذلك بعد مشورة أصحابه.. يقول سبحانه في هذا الأمر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣ وكقوله تعالى في إذنه ﷺ لمن أرادوا أن يتخلفوا عن الجهاد، معتذرين بأعذار كاذبة: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٤.إلى كثير من مثل هذه الأحوال التي كانت عن اجتهاد من رسول الله ﷺ ، ثم جاء القرآن بتصحيح هذا الاجتهاد!! وهذا رسول الله ﷺ يبعث معاذ بن جبل إلى اليمن؛ ليعلم الناس أمور دينهم، وليقضي فيما يعرض لهم من شئون، فيقول له ﷺ " كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟ " فيقول معاذ: أقضي بكتاب الله، فيقول له الرسول
стр. 75
الكريم: "فإن لم تجد في كتاب الله" قال أقضي بسنة رسول الله.." قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو.. فسر رسول الله ﷺ وضرب على صدر معاذ، وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله.. "! أفليس هذا إذنا بل وتزكية من رسول الله ﷺ للاجتهاد؟ ثم ألم يجتهد أصحاب رسول الله ﷺ من بعده في الأمور التي كانت تعرض لهم؟ ثم ألم يختلف الصحابة -رضوان الله عليهم- في اجتهاداتهم، ولم يكن في هذا حرج عليهم، إذ كانت غايتهم هي النصح للمسلمين في الأمور التي ليس فيها نص صريح من كتاب الله، أو سنة رسوله؟ ثم أصحاب المذاهب الأربعة.. ألم يكونوا مجتهدين في فروع الدين؟ ثم ألم يكن بينهم هذا الخلاف في اجتهادهم، فكانوا أربعة مذاهب، وإلا لكانوا مذهباً واحداً. وما كانت الشورى التي أمر الله تعالى بها المسلمين في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ١ ما كانت هذه الشورى إلا دعوة من الله تعالى للمسلمين إلى النظر فيما يعرض لهم من أمور حادثة، لم يكن للشريعة حكم قاطع فيها. ثم ما معنى قوله ﷺ " إذا حكم الحاكم واجتهد وأصاب فله أجران، وإن حكم واجتهد وأخطأ فله أجر؟ " ٢ أليس هذا القول الكريم من رسول الله ﷺ تقريرا لمبدأ الاجتهاد: وأن من اجتهد فأصاب موقع الحق فله أجران، أجر لاجتهاده، وأجر لإصابته موقع الحق، وأن من أخطأ فله أجر هو أجر اجتهاده، وإن أخطأ موقع الحق!!
стр. 76
وإنه ما انتكس أمر المسلمين، وما ذهبت ريحهم إلا بعد أن سد باب الاجتهاد، الأمر الذي أدى إلى قطع الصلة بين المسلم وبين كتاب الله وسنة رسوله ليتلقى منهما -بعد التدبر والبحث- الحكم فيما يعرض له من أمور حادثة من مواليد العصر الذي يعيش فيه، تلك المواليد التي لا تنقطع أبدا. وقد أدى سد باب الاجتهاد إلى أمرين خطيرين، كان لهما هذا الأثر السيئ فيما صار إليه أمر المسلمين من ضعف وتخلف في مسيرة الحياة، ومن تراكم زحوف البدع والخرافات التي غيرت معالم الدين، وأوقعتهم في ضلالات الشرك. وأول هذين الأمرين، هو وقوف المسلمين حيث هم لا يخطون خطوة إلى الأمام في حين أن الحياة تسير سيرا حثيثا إلى الأمام، لا تتوقف لحظة أبدا، بل تنطلق بالناس في سرعة الصواريخ. والأمر الثاني: هو أن يتحلل المسلمون مما كان سائدا في عصر تدوين المذاهب الأربعة، وأن يأخذوا بما جد في عصرهم، المؤثر بلا شك في أمور دينهم، متابعين ومقلدين أهل الغرب، غير ناظرين أو راجعين في هذا إلى الكتاب والسنة؛ لأن باب الاجتهاد قد سد في وجوههم..!! فإذا دعا الشيخ محمد بن عبد الوهاب المسلمين إلى فتح باب الاجتهاد؛ ليخرجوا من هذا السجن المطبق عليهم وليلتقوا بكتاب الله وسنة رسوله، ليجدوا منهما النور الهادي إلى طريق الحق فيما يأخذون أو يدعون من كل ما يجدّ من أمور -إذا دعا الشيخ إلى هذا، عده أعداء الإسلام فتنة.. يريدون بهذا أن يأخذ المسلمون بما يرون من حياة الأوربيين، وأن يقطعوا صلتهم بالإسلام، وبما تقرره شريعة الإسلام.
التوسل بالأنبياء والأولياء:
ثم يقول المؤيد العظمى في رسالته، التي يؤيده فيها الشيطان في التوسل بالأنبياء والأولياء: "إن علماءنا -أي علماء هذا المذهب الضال- ما قالوا بالتوسل بالأنبياء
стр. 77
والأولياء، وندبوا إليه من تلقاء أنفسهم، حاشاهم من ذلك، وهم أمناء الدين وخلفاء الرسل، بل أخذوه من كلام الله، وكلام رسوله، أمرا وفعلا" ص ١٠، ١١. هذا ما ينطق به هذا الأحمق الجهول في رسالته من أحكام عامة جازمة، وما رجع في هذا إلى كتاب الله أو سنة رسوله، بل قال ذلك باعتبار أنه مشرع يقول ما يقول وعلى الناس السمع والطاعة!! أليس هو من الأئمة المعصومين الذين يقومون في الناس مقام الرسل والأنبياء؟ ثم نقول لهذا الملحد المضلل: كيف يدعو الله تعالى إلى إخلاص العبادة والدعاء له وحده في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ١ وفي قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٢.فالدعاء عبادة من أخلص العبادات لله من المؤمنين بالله، حيث تتجه إليه وجوههم خالصة.. وأن الذين لا يتجهون إلى الله فيما يندبهم هم مستكبرون عن عبادة الله، وهم من أصحاب النار هم فيها خالدون. ويقول تبارك اسمه: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣.
стр. 78
ويقول جل شأنه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ١ ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢.فكيف يدعو الله تعالى إلى إخلاص العبادة له وحده، والاتجاه بالدعاء له دون غيره، ثم يدعو بعد ذلك إلى التوسل بغيره من الأنبياء والأولياء والصالحين؟ أهذا التناقض يجوز في حق الله تعالى؟ إن من يقول بهذا هو كافر بالله، ملحد في آياته!! وروى أبو داود، عن عبد الله بن الشخير، قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ ، فقلنا: أنت سيدنا. فقال: "السيد الله ﵎" فقلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا ٣. فقال ﷺ " قولوا بقولكم، ولا يستجرينكم الشيطان " ٤ ٥.وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي ﷺ " إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله.. ".
стр. 79
وروى الترمذي، عن أنس ﵁ قال: "لم يكن شخص أحب إليهم - أي الصحابة- من رسول الله ﷺ وكانوا إذا رأوه لم يقوموا، لما يعلمون من كراهيته لذلك". فإذا كان هذا رسول الله ﷺ وهو أكرم خلق الله على الله لا يستشفع به، ولا يستغاث به، ولا يقوم أصحابه له بأجسادهم، وإن فاضت قلوبهم ومشاعرهم إجلالا له وتوقيرا، ولا يقبلون يده، وإن كان يسعدهم أن يقبلوا التراب الذي تمشي عليه قدماه الشريفتان -إذا كان ذلك مما نهى الرسول الكريم عنه حفظا لكرامة المؤمن، وحماية له من الخضوع والخشوع لغير الله، وسدا لذرائع الملق والتزلف لذوي الجاه والسلطان- إذا كان هذا ما نهى رسول الله ﷺ عنه، وحذر المسلمين منه وأراهم من شخصه الكريم، هذا الذي رأوه من توجيههم بالتعظيم والإجلال لله تعالى وحده- فكيف يقوم في المسلمين من يدعوهم إلى الاستشفاع والاستغاثة بالموتى. الذين انقطع ما بينهم وبين هذه الدنيا؟ وكيف يكون إيمان بالله مع التمسح بالقبور، والطواف بالقباب، ومناجاة من تحت القبور ومناداتهم بطلب المطالب وقضاء الحاجات؟ إن ذلك -فضلا عن إفساده للعقيدة، ومسخه للإيمان -هو امتهان للعقل وإهدار لآدمية الإنسان واستعباد له لعالم الموتى: ذلك الاستعباد الذي هو أشنع شناعة، وأشد بلاء من الاستعباد للأحياء؟ وبعد: فإن رسالة هذا الغبي الجهول الملحد، الذي يسمى الحاج مختار بن الحاج أحمد باشا المؤيد الأعظمي التي سماها: "جلاء الأوهام عن مذاهب الأئمة العظام"- إن هذه الرسالة دعوة إلى عبادة الأئمة العظام عنده، وتلقي أحكام الشريعة منهم والتعبد بأقوالهم.. وهؤلاء الأئمة العظام عند هذا الملحد هم أئمة الشيعة الذين يقومون على أتباعهم مقام رسل الله عند المؤمنين بالله، فهم عند أتباعهم معصومون عصمة مطلقة فوق عصمة الرسل!!
стр. 80
وإذن فهذا الملحد إذ يحاج أهل التوحيد، فإنما يدعو إلى دين غير دين الإسلام، ويعمل على نشر مذهب ضال يخرج المسلم الذي يتبعه عن دينه حيث لا التفات إلى القرآن أو السنة، وحيث لا اجتهاد، ولا اعتبار لاجتهادات أصحاب المذاهب الأربعة، وإنما الشرع ما قال به الأئمة المعصومون، والدين ما رسمه هؤلاء الأئمة. ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.ومن أراد الاطلاع على كفر هذا الملحد وضلاله، فليطلع على كتاب: "البيان والإشهار، لكشف زيغ الملحد الحاج مختار" للشيخ فوزان السابق، أثابه الله تعالى وأكرمه. فقد كشف عن ضلال هذا الضال، وتلبيساته على المسلمين، وألبسه ثوب الخزي، ليكون عبرة لأهل الزيغ والضلال، ودعوة للمؤمنين أن يأخذوا حذرهم من المتدسسين إليهم بتلك الشعارات المضللة الزائفة: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢ صدق الله العظيم.
стр. 81
ثانيا: الدرر السنية في الرد على الوهابية لابن دحلان
وهو أحمد بن زيني بن دحلان. كان مقيما بالبلد الحرام، مضيفا نفسه إلى علماء المسجد الحرام، باسطا نفوذه على كثير من طلبة العلم الوافدين إلى هذا البلد الأمين من شتى آفاق الإسلام، ملتمسين النور من مطلع الرسالة الإسلامية، حيث أقام هذا الرجل مصيدة يوقع في شباكها باسم العلم هؤلاء الوافدين لطلب العلم، ﴿مَثلهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ ويقتنص ما يقع ليده مما معهم من مال ومتاع. وإنها لتجارة خاسرة، قامر فيها هذا الشيخ بدينه، وباعه بهذا الثمن البخس من فتنة الناس وإضلالهم.. فكان من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ ١ ومن هنا كان موقف هذا المتجر بالدين من دعوة التوحيد التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكشف بها عن وجه الشرك الكئيب الذي غير وجه الإسلام الوضيء، الحنيف، وألبس الناس هذا اللباس المشئوم. لقد رأى ابن دحلان أن سلطانه الذي أقامه على الناس بالجهل والشعوذة مهدد بالزوال من دعوة التوحيد، إذا قدر لها أن تدخل إلى قلوب الناس، وأن تبدد بأنوارها هذا
стр. 82
الظلام المخيم عليهم، فقام في وجه هذه الدعوة، ينبحها نباح الكلب المسعور، ويرميها بكل ما لديه من وسائل الشعوذة والتغرير، غير مقيد بضابط من خلق أو دين، فكانت منه هذه الصرخات المحمومة المجنونة في وجه الدعوة إلى التوحيد، كما كان يفعل المشركون في وجه الدعوة الإسلامية عند مطلعها، وإرسال أضوائها على مواقع الشرك وأهله، حتى لقد بلغ الأمر بهذا الأحمق الجهول أن يؤلف الرسالة، وأن ينشرها في الناس، والتي أسماها: "الدرر السنية في الرد على الوهابية" وما هي في حقيقة أمرها إلا نباح كلب في وجه القمر، وإلا الحصا يرمي به صبي أو مجنون في محيط البحر الزخار، وهو يحسب أن ينال من هذا البحر منالا.
ما يضير البحر أمس زاخرا ... أن رمى فيه غلام بحجر؟
من هذيان ابن دحلان:
والرسالة كلها خلط مجنون، وهذيان محموم، وترهات من هنا وهناك، نقلها من كتب المتصوفة والحشوية والرافضة، وغيرهم، ثم جاء بهذا الخليط من اللغو يحاج به دعوة التوحيد في غير حياء أو خجل، وكأنه يوحى إليه من عالم الغيب وما يوحى إليه إلا من شيطان مريد: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ١.
الاحتجاج للتوسل والاستشفاع:
فهذا الداعي يحتج للتوسل والاستشفاع بالنبي ﷺ وبالصحابة وبأصحاب الأضرحة والقباب -يحتج لهذا بتلك النقول المريضة الفاسدة من مؤلفات سدنة الأضرحة وعبادها، والمتجرين بالشعوذة لها، ولما يناله قصادها المطيفون بها- والناذرون لها من خير كثير في دنياهم وآخرتهم!!
стр. 83
يريد بهذه الشعوذة أن يرد دعوة التوحيد التي يدعو إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن اتبعه على دين الله من المسلمين، بعد أن خلعوا أسمال الشرك البالية التي ألبسها إياهم الجهل، ووسوسة شياطين الجن والإنس لهم -تحقيقا لمعنى: "لا إله إلا الله".. تلك الكلمة الجليلة العظيمة التي لا يدخل الإنسان إلى الإسلام إلا بها قولا وفهما واعتقادا وعملا.. كما يقول الحق سبحانه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ١ وكما يقول جل شأنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ٢ ويقول سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٣.ومع هذا الحكم الصريح القاطع من الله تعالى على الشرك والمشركين، فإن من البلية أن يكون في المسلمين بل وفي أدعياء العلم من المسلمين من يزكي الشرك ويستسيغ طعمه، ويغري الناس به!!
دعاوى ابن دحلان في التوسل:
يقول ابن دحلان في الاحتجاج بالتوسل الذي يدعو المسلمين إليه ما يأتي في ص ٦
стр. 84
من رسالته: "وأما التوسل، فقد صح صدوره من النبي ﷺ وأصحابه وسلف الأمة" هذا ما يقطع ابن دحلان به في حكمه على التوسل بغير الله، وكأنه يتلقى هذا من كتاب الله، أو سنة رسوله، وما هو إلا من وسوسة شيطانه المريد.. ثم يقول ابن دحلان، مؤيدا دعواه في جواز التوسل بهذه المرويات وما يتأولها عليه -يقول: "أما صدوره -أي التوسل- من رسول الله ﷺ فقد صح في أحاديث كثيرة.. منها: أن ﷺ كان من دعائه: " اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك " ١. وهذا توسل لا شك فيه!! ولم يذكر ابن دحلان المصدر الذي تلقى منه هذا الحديث، ولعله وجده في بعض كتب المتصوفة أو تلك الرسائل التي تغزو المسلمين بتلك الطلاسم من الأدعية والأوراد!! ومع ذلك فإن هذا الحديث المنسوب إلى رسول الله ﷺ ليس فيه توسل بأحد بذاته من الناس، ولا استشفاع به، بل هو دعاء موجه إلى الله تعالى لا بالسائلين بل بحق السائلين على الله.. وحق السائلين على الله هو استجابة دعائهم المتوجهين به إليه سبحانه، فضلا وإحسانا منه تعالى.. فإن الدعاء عبادة لله وقربة له سبحانه، والله تعالى يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٢.
стр. 85
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ١.فالدعاء هنا خالص لله، يتوسل به الداعون إلى الله، ويوجهون إليه وجوههم خالصة له سبحانه، فإذا توسل متوسل بحق الداعين على الله فإنما يتوسل بالله بهذا الحق الذي أوجبه الله تعالى على نفسه فضلا منه وكرما لمن دعاه.. فالتوسل هنا إلى الله هو توسل منه إليه، وليس توسلا بأحد من خلقه، كما يدعي ابن دحلان جهلا أو مكرا. ثم يقول ابن دحلان في رسالته الشيطانية تلك في ص: ٦ معلقا على هذا الحديث المنسوب إلى رسول الله ﷺ فانظر قوله ﷺ " بحق السائلين عليك " ٢ فإن فيه التوسل بكل عبد مؤمن!! وهذا -كما قلنا- فهم فاسد، وتأويل باطل، وتحريف للكلم عن مواضعه، لا يقول به إلا من ختم الله على قلبه وسمعه، وجعل على بصره غشاوة. إذ كيف يتوسل الرسول ﷺ بكل عبد مؤمن، ورسول الله ﷺ سيد المؤمنين وداعيهم إلى الإيمان؟ وإذا جاز التوسل من مؤمن بمؤمن -وهو غير جائز قطعا- فهل يجوز التوسل من الأعلى بالأدنى؟ وقد أشرنا من قبل إلى أن هذا التوسل المنسوب إلى رسول الله ﷺ بحق السائلين على الله بأنه توسل إلى الله تعالى بصفة من صفاته الجليلة، وهي
стр. 86
الإحسان إلى المتوجهين بالدعاء إليه سبحانه باستجابة دعائهم الذي يرفعونه إلى الله خالصا له وحده، جل شأنه، كما قال الرسول الكريم في دعائه: " اللهم إني أسألك بنور وجهك، الذي أضاءت به الظلمات " وذلك في دعائه ﷺ وهو عائد من الطائف، بعد أن أعرض عنه أهلها، وسلطوا عليه الغلمان والصبيان يرمونه بالحصا، ويرجمونه بالسباب.. فأنت بأبي وأمي يا رسول الله! فالرسول ﷺ إذ دعا بنور وجهه، فهو يدعو في هذا الحديث المنسوب إليه بفضل الله وإحسانه، ثم يمضي ابن دحلان في هذا الخلط فيقول في ص: ٩ - ١٠ "وقد توسل به ﷺ أبوه آدم، قبل وجود سيدنا محمد ﷺ حين أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها".
ويستدل ابن دحلان على هذه الأسطورة بحديث رواه الحاكم والطبراني، وهو: قال رسول الله ﷺ " لما اقترف آدم الخطيئة، قال: يا رب، أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي. فقال الله تعالى: يا آدم، كيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال يا رب، إنك لما خلقتني رفعت رأسي، فوجدت على قوائم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك.. فقال الله تعالى: صدقت يا آدم.. إنه لأحب الخلق إلي، وإذ سألتني بحقه، فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك!! ". وهذا لا شك حديث مفترى على رسول الله ﷺ افتراه الصوفية والحلولية الذين يقولون بوحدة الوجود، ويقولون بما يسمونه الحقيقة المحمدية "التي نسجوا منها هذه الأسطورة التي تجعل رسول الله ﷺ إلها مع الله، قائماً على هذا الوجود خلفاً وأمراً.. وأنه ما كان رسول الله ﷺ أن ينطق بشيء من هذا، وحاشاه - صلوات الله وسلامه عليه- أن يفتن أصحابه وأتباعه فيه، وهو الذي يقول:
стр. 87
"لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم، ولكن قولوا عبد الله ورسوله " ١!! فكيف ينهى عن إطرائه، ثم يفتح للمسلمين هذا الباب العريض الذي يرفعه إلى مقام الألوهية؟ فهذه الأسطورة المعروفة عند المتصوفة والحلولية بالحقيقة المحمدية، تدعي هذه المدعيات الباطلة على رسول الله ﷺ ؛ إذ يقول هؤلاء المشعوذون: إن أول ما خلق الله محمدا من نوره، ثم من هذا النور خلق العرش والكرسي، وخلق اللوح والقلم، ثم سائر المخلوقات في السماوات والأرض!! فيا سبحان الله، ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك، هذا بهتان عظيم. فلا إله إلا أنت، تنزهت عن الشريك، وعن الصاحبة والولد. إن رسول الله ﷺ هو ابن آدم، وإن كان أفضل أبنائه.. وأبوه عبد الله، وأمه آمنة، وهو الذي يقول: " أنا ابن امرأة من قريش، كانت تأكل القديد " ٢ ويقول: " أنا عبد الله آكل كما يأكل العبد." فماذا يقول ﷺ أكثر من هذا، وأوضح بيانا، كي يرد هذه الفتن العمياء عن القول فيه، بأنه ليس إلا عبدا من عبيد الله، ورسولا من رسله؟ ولكنه الشيطان يوحي إلى أوليائه بهذا الضلال!! ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ ٣.ثم إن الله تعالى يقول في توبة آدم: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ٤.
стр. 88
وهذا معناه: أولا: أن أدم تلقى من ربه كلمات ألهمها الله تعالى إياها، فتوجه بها إلى ربه تائباً مستغفراً، فقبل الله توبته، وغفر له خطيئته. وإذن فلم يكن آدم هو الذي عرف طريق التوبة بالنظر إلى العرش، ورؤيته اسم رسول الله ﷺ مكتوبا على العرش، كما يفتري المفترون على الله ورسوله. وثانيا: أن هذه الكلمات التي تلقاها آدم من ربه إلهاما منه سبحانه. وهي تلك الكلمات التي أشار إليها قوله تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١ فهذه الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، وتوجه بها هو وزوجه تائبين إلى الله، هي قولهما: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢.فأي قول يقال بعد هذا الذي نطق به القرآن الكريم، هو باطل الأباطيل، يرمي به في وجه قائله، ملعونا مدحورا، ثم هذا الحوار الذي يجريه الملحدون بين الله تعالى وبين آدم، هو من واردات الكفر والإلحاد، لا يخرج إلا من رؤس فارغة، لا يقيم بها إلا الشيطان.. إذ كيف يطلع آدم على العرش وعلى ملكوت الله؟ ثم كيف يقرأ ما كتب على العرش؟ وهل كان آدم يعرف القراءة والكتابة؟ وبأي لغة كان يقرأ ويكتب؟ وبأي لغة كان هذا المكتوب على العرش؟ هذا كلام له خبئ معناه ليس لنا عقول، إنه كذب مفضوح، أخرس الله ألسنة المتخرصين به.
стр. 89
ثم يمضي ابن دحلان في هذا الهراء الذي يحتج للتوسل به في ص ١٠ من رسالته المشئومة تلك، فيقول: "وإلى هذا التوسل أشار الإمام مالك للخليفة المنصور وذلك لما حج المنصور، وزار قبر النبي ﷺ سأل مالكا وهو بالمسجد النبوي، فقال له: يا أبا عبد الله، أأستقبل القبلة وأدعو؟ أم أستقبل رسول الله ﷺ وأدعو؟ فقال له الإمام مالك: ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله تعالى؟ بل استقبله واستشفع به، فيشفعه الله فيك. قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ ١.ثم يذكر ابن دحلان المصادر التي نقل عنها هذا الخبر المنسوب إلى الإمام مالك فيقول: "ذكره.. أي هذا الخبر: القاضي عياض في "الشفا" وساقه بإسناد صحيح، وذكره الإمام السبكي في "شفاء السقام" وذكره السمهودي في "خلاصة الوفا" والعلامة القسطلاني في "المواهب المدنية" إلخ.. ونقول: أنه لو كان لابن دحلان شيء من العلم بدين الله، لما استند إلى هذا الخبر، ولما نقله مستدلا به على جواز الاستشفاع بغير الله تعالى. فهذا الخبر مخالف للشرع والعقل، وتأويل فاسد لكلام الله، وذلك من وجوه: فأولا: أن استقبال القبلة ركن من أركان الإسلام، في صحة فريضة من أعظم الفرائض وهي الصلاة، فلا تصح الصلاة إلا باستقبال القبلة، والتوجه إليها، كما يقول تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ ٢.والصلاة دعاء والدعاء عبادة كالصلاة، وعلى الداعي أن تكون القبلة وجهته في دعائه.. فكيف يعطي الداعي ظهره للقبلة، ويتوجه إلى قبر رسول الله صلى الله عليه
стр. 90
وسلم؟ أفليس ذلك مخالفا خلافا صريحا لشرع الله؟ ولن يكون من الإمام ﵁ أن يفتى بغير ما شرع الله، فيعدل بالمنصور عن حكم الشرع، ولكن الذين كذبوا على رسول الله ﷺ ووضعوا من الأحاديث المكذوبة ما أملته عليهم أهواؤهم، لا يتحرجون من أن يؤلفوا تلك الروايات الكاذبة على غير الرسول الكريم. وثانيا: ما استشهد به ابن دحلان من قوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ ١.من أن هذه الآية الكريمة تدل على المجيء إلى قبر رسول الله ﷺ من أولئك الذين ظلموا أنفسهم، طالبين أن يستغفر لهم، بعد أن يستغفروا الله -هذا الاستشهاد بتلك الآية الكريمة باطل، وتحريف للكلم عن مواضعه.. فالآية الكريمة في معرض الرد على المنافقين الذين يعرضون عن الاحتكام إلى الله ورسوله، ويتحاكمون إلى الطاغوت، وهم الذين أشارت إليهم الآيات الكريمة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ
стр. 91
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ١.فالآية الكريمة من سورة النساء واردة بين آيات هن في معرض الرد على المنافقين الذين يعرضون عن الاحتكام إلى الله ورسوله، ويتحاكمون إلى الطاغوت، وهم أهل الضلال من اليهود وغيرهم من الذين كانوا يحتكمون إلى رسول الله في أمر شدد عليهم فيه دينهم العقاب، ليجدوا عند رسول الله مخرجا مما هم فيه، فإذا وجدوا ذلك رضوا به، واتخذوه لهم حجة عند الله، وذلك هو النفاق حتى مع كتابهم؛ إذ كانوا لا يؤمنون برسول الله ﷺ ، ولا يؤمنون بما نزل على رسول الله من عند الله، بل يؤمنون بما يحقق مصالحهم الدنيوية ويكفرون بما عداه، وفي هذا يقول الله تعالى عنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ ٢.وفي هؤلاء الملحدين المنافقين، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ
стр. 92
فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.فهذه الآيات، ومنها الآية المستشهد بها- تواجه اليهود وتفضح نفاقهم وعبثهم بكتب الله، ومنها التوراة التي في أيديهم، ومنها القرآن الكريم الذي فروا إليه من بعض أحكام التوراة التي تضيق صدورهم بها. وفي الآيات بيان من الله لرسوله ﷺ ، وما يكون منه من موقف مع هؤلاء اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٢.وفي الآية المستشهد بها -كذبا وافتراء- على جواز التوسل برسول الله ﷺ بعد موته، وذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ ٣.في هذه الآية الكريمة دعوة إلى هؤلاء اليهود الذين ظلموا أنفسهم بهذا الموقف الخبيث اللئيم الذي يقفونه من كتب الله، وأنهم إذا أحسوا هذا الظلم الذي أوقعوه بأنفسهم، ثم أرادوا التخلص منه، فليس لهم من سبيل إلا الرجوع والإنابة إلى الله وطلب المغفرة منه،
стр. 93
ثم الرجوع إلى رسول الله ﷺ طالبين إليه الصفح عما كان منهم من كيد، سائلين أن يستغفر الله لهم، وإلا فهم وما ارتكبوا من ظلم ومكر بالله، وبرسول الله: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ ١.وواضح من هذا أن الآية الكريمة، ليس فيها أي دليل على الاستشفاع برسول الله ﷺ وإنما تدل على طلب الصفح منه ﷺ لأولئك الذين عبثوا بكتب الله، وأرادوا الرسول على أن يحكم بينهم بما في كتابهم، ولم يقبلوه ثم طلبهم الدعاء من رسول الله ﷺ بأن يغفر الله لهم هذا الذي كان منهم. فالاستغفار من رسول الله ﷺ هو دعاء منه ﷺ ، يطلب به المغفرة من ربه لهؤلاء النادمين التائبين. وكل مسلم يستغفر ربه لنفسه ولغيره، فيقول: اللهم اغفر لي ولإخواني المؤمنين كما علمنا الله تعالى أن ندعوه بقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.وكما قال الله تعالى على لسان موسى ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٣.
стр. 94
وقد نهى الله تعالى النبي والمسلمين أن يستغفروا للمشركين، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ ١.وقد كان فهم أولئك الذين ارتدوا عن الإسلام، ومنعوا الزكاة بعد موت رسول الله ﷺ -كان فهم هؤلاء المرتدين- لكتاب الله أصح من فهم ابن دحلان ومن على شاكلته، في تأويلهم للآية الكريمة، هذا التأويل المنحرف الضال. فلقد كان من حجة مانعي الزكاة -وهي حجة داحضة- أن الله تعالى يقول لنبيه الكريم: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢.وقد كان من حجتهم في منع الزكاة أنه قد فقد شرط من شروط أدائها، وهو صلاة الرسول عليهم بقوله لمخرج الزكاة ومقدمها له: اللهم صل على فلان. أي اغفر له، وارحمه. أما وقد مات رسول الله ﷺ ، وإذن فلا صلاة منه على مخرج الزكاة، وإذن فلا زكاة. فقد فهم هؤلاء المانعون للزكاة أن لا صلاة عليهم من رسول الله بعد موته، وهذا فهم صحيح، ولكن الذي ترتب على هذا الفهم هو غير الصحيح. فالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، هي أركان الدين بعد شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وهي مطهرة وزكاة لمخرجها، أما صلاة الرسول صلوات الله وسلامه عليه بالدعاء وطلب المغفرة لمن يأتيه بها فهي فضل من رسول الله ﷺ وأدب النبوة
стр. 95
العالية، حيث يشكر لمؤدي الزكاة فعله، ويطيب خاطره بما أخرج من ماله العزيز على النفس.. وفي الحديث "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" ومع هذا، فإنه إذا جاز الاستشفاع برسول الله على الله في حال حياته فإن الاستشفاع به على الله بعد موته هو مهواة إلى الشرك، والعياذ بالله. فما أعظمها فرية، وما أشنعها جريمة، أن ينساق الإنسان وراء هواه، فيحرف الكلم عن مواضعه، ويفتري الكذب على الله، وعلى رسول الله، فيهلك، ويهلك من ينخدع من الناس له!! ولا يكتفي ابن دحلان بهذا الدجل، وتلك الشعوذة فيما ساق من أدلة باطلة على جواز الاستشفاع والتوسل برسول الله ﷺ وبالصالحين أحياء وأمواتا. لا يكتفي ابن دحلان بهذه الشعوذات، بل يمضي في غبائه وجهله، فيقول في رسالته ص ١١: " واستسقى عمر ﵁ في زمن خلافته بالعباس بن عبد المطلب ﵁ عم النبي ﷺ ، لما اشتد القحط عام الرمادة، فسقوا " وذلك مذكور في صحيح البخاري، من رواية أنس بن مالك ﵁ حيث قال عمر " اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا ﷺ ، فاسقنا ". ونقول أن هذا الخبر صحيح، فإن عمر ﵁ استسقى عام الرمادة حيث خرج إلى ظاهر المدينة وقد ساق بين يديه الأنعام، ومن خلفها الشيوخ والنساء والصبيان، وجعل على مقدمة الجميع العباس بن عبد المطلب، أشبه بالإمام في الصلاة تكريما له؛ لقرابته من رسول الله ﷺ .
стр. 96
ولو كان عمر يستشفع بالعباس لخرج به وحده، أو لجاءه في بيته مستشفعا به. وهذا الاستسقاء مستحب أن يقوم به المسلمون في حال الجدب، وإمساك المطر، حيث يجتمع الناس صغارا وكبارا، وشيوخاً وشباباً في صلاة للاستسقاء، يجأرون فيها بالدعاء والضراعة إلى الله أن يرحمهم، ويرسل السماء عليهم مدرارا، مقدمين في ذلك من يتوسمون فيه الصلاح والتقوى؛ ليكون إماماً لهم في هذه الصلاة. ثم إنه لو كان يجوز التوسل برسول الله ﷺ بعد موته لما عدل عمر ابن الخطاب عن التوسل به ولما استسقى بالعباس عم النبي. وهذا دليل قاطع على أنه لا يجوز التوسل بالأموات من الأنبياء، فضلا عن غيرهم، أما التوسل بالأحياء ممن يظن بهم الخير، فهذا جائز؛ إذ كان الأحياء ممن يستعان بهم في كثير من الأمور الواقعة في مقدورهم من مسائل الحياة الدنيا.. فجاز لهذا أن يطلب منهم الدعاء إلى الله تعالى، وأن ترجى استجابة الله تعالى لما يدعون به لخير العباد. وهذا مما لا يدخل منه شيء على عقيدة المؤمن، وإخلاص عبوديته لله وإفراده سبحانه بالخلق والأمر لا شريك له. ومن مغالطات ابن دحلان المفضوحة. وضلالاته الشنيعة في التوسل بالأموات، قوله في ص: ١٢: "وإنما استسقى عمر ﵁ بالعباس ﵁ ولم يستسق بالنبي ﷺ ؛ ليبين للناس جواز الاستسقاء بغير النبي ﷺ وأن ذلك لا حرج فيه. وأما الاستسقاء بالنبي فكان معلوما لهم، فل ربما بعض الناس يتوهم أنه لا يجوز الاستسقاء بغير النبي، فبين لهم عمر باستسقائه بالعباس الجواز. "ولو استسقى بالنبي ﷺ لربما فهم بعض الناس أنه لا يجوز الاستسقاء بغيره ﷺ .
стр. 97
ثم يمضي ابن دحلان في هرائه هذا فيقول في الصفحة ذاتها: "وليس لقائل أن يقول: إنما استسقى -أي عمر- بالعباس؛ لأنه حي، والنبي ﷺ قد مات، وأن الاستسقاء بغير الحي لا يجوز.. لأنا نقول: إن هذا الوهم باطل ومردود بأدلة كثيرة منها: توسل الصحابة بالنبي ﷺ بعد وفاته، كما تقدم في القصة التي رواها عثمان بن حنيف في الحاجة التي كانت للرجل الأعمى، وكما في حديث بلال بن الحارث، وكما في توسل آدم بالنبي ﷺ قبل وجوده.. فكيف لا يعتقد في صحته -أي التوسل- بعد وفاته؟ أما القصة التي رواها عثمان بن حنيف، فهي -كما يقول ابن دحلان-: " أن رجلا ضريرا أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت، وهو خير، قال: فادعه.. فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد، نبي الرحمة.. يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى، اللهم شفعه في، فدعا، فأبصر " ١ وفي هذا الخبر الذي يسوقه ابن دحلان، ليقيم منه شاهدا على التوسل بالنبي ﷺ في هذا الخبر أكثر من تناقض، يدل على أنه مكذوب: فأولا: أن الرجل عدل عما هو خير وأفضل، حين طلب الدعاء، ولم يرض بالصبر الذي قيل إن النبي ﷺ أشار به عليه وهو قوله: إن شئت دعوت لك، وإن شئت صبرت وهو خير. فلو أن الرجل كان على إيمان ويثق بالله وعلى صلاح وتقوى لرضي بالصبر الذي دعاه إليه ﷺ ، فكيف يكون هذا الرجل أهلا لأن يتقبل الله دعاءه والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ٢.وهذا دليل على أن الحديث مكذوب على رسول الله ﷺ .
стр. 98
وثانياً: أنه لو صح هذا الحديث لكان العمل به دواء لكل أعمى من المسلمين؛ إذ ليس فيه ما يدل على أنه خاص بهذا الأعمى، وهذا غير مقبول شرعاً، وعقلاً، وواقعاً. وثالثاً: الشفاعة التي ثبتت للنبي ﷺ هي شفاعة في الآخرة لعصاة المؤمنين بإذن من ربه ، والله تعالى يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ١ ويقول سبحانه ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٢.وأما حديث بلال بن الحارث الذي أشار إليه ابن دحلان، فهو قوله: " كان رسول الله ﷺ إذا خرج إلى الصلاة قال: بسم الله، آمنت بالله، وتوكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك ".. وقد بينا من قبل أن هذا -إن صح- فهو دعاء خالص لله تعالى، وليس توسلا بالسائلين، وإنما بحق السائلين الذي هو لله تعالى وحده، بما أوجب على ذاته الكريمة من إجابة دعوة الداعين المتوجهين إليه سبحانه بالدعاء، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٣.وأما توسل آدم بالنبي ﷺ بأن يقبل الله توبته، ويغسل خطيئته، فقد كشفنا عن بطلانه، وأنه من تخريفات المتصوفة، ومفتريات الباطنية.
стр. 99
وأما ما يقول ابن دحلان عن توسل عمر بالعباس عم النبي ﷺ وأنه لم يتوسل بالنبي، وأن ذلك كان لنكتة أخرى زيادة على ما تقدم وهي شفقة عمر ﵁ على ضعفاء المؤمنين، فإنه لو استسقى بالنبي ﷺ لربما تأخرت الإجابة، لأنها معلقة بإرادة الله تعالى.. فلو تأخرت الإجابة ربما تقع وسوسة واضطراب لمن كان ضعيف الإيمان بسبب تأخر الإجابة، بخلاف ما إذا كان التوسل بغير النبي ﷺ فإنه لو تأخرت الإجابة لا تحصل تلك الوسوسة ولا ذلك الاضطراب". ونقول إن هذه النكتة من ابن دحلان هي فتح لباب الفتنة على مصراعيه، وذلك بجواز التوسل بأي من الناس ولو كان هناك من هو أفضل منه خوفا من أن يساء الظن به إذا لم يتحقق ما توسل به.. وما كان لعمر ﵁ أن يرى جواز التوسل بالنبي ﷺ بعد موته ثم يعدل عنه إلى العباس خوفا من أن تقع اضطرابات في إيمان بعض المؤمنين لو تأخرت الإجابة، والإجابة معلقة في كل حال بإرادة الله .. فهذا تعليل فاسد من ابن دحلان، يريد به أن يلبس على المسلمين دينهم، وليكون مدخلا له إلى ما يزعمه من جواز التوسل بالأحياء والأموات. وهذا ما يقرره ابن دحلان في قوله بعد هذا في ص: ١٣ "والحاصل أن مذهب أهل السنة والجماعة صحة التوسل وجوازه بالنبي ﷺ في حياته وبعد مماته، وكذا بغيره من الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وكذا بالأولياء والصالحين.. فلا فرق في التوسل بالنبي ﷺ وغيره من الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين، وكذا بالأولياء والصالحين بين كونهم أحياء وأمواتا". وهذا هو بيت القصيد -كما يقولون- من هذا التلبيس، وذلك الخلط من ابن دحلان.. فإنه لا يعنيه من التوسل إلا أن يقرر جواز التوسل بأصحاب القباب والأضرحة الذين يرى العامة وأشباه العامة من علماء السوء أن تحت كل قبة أو ضريح ولي من أولياء الله.
стр. 100
فابن دحلان لا يحتج بجواز التوسل بالنبي ﷺ وبإخوانه من الأنبياء والمرسلين، ﵈، أحياء وأمواتا - لا يحتج ابن دحلان بجواز هذا إلا ليصل إلى إنفاذ سهامه المسمومة إلى قلوب المسلمين ليزرع فيها جراثيم الشرك التي اقتلعتها دعوة التوحيد التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، تلك الجراثيم التي كانت قد اغتالت مواقع الإيمان من القلوب بالتبرك بأصحاب القبور والتعبد لهم بالنذور، وتقديم القرابين. إن ابن دحلان لا يعنيه من التوسل إلا التوسل بأصحاب القباب، والطواف بأضرحتهم، والتمسح بأركانها، والتضرع والبكاء للمقبورين تحتها.. وذلك ليقف في وجه دعوة التوحيد التي تذهب بمكانته بين العوام، وتقطع موارد كسبه الحرام.
ضلال بعد ضلال:
وإذ يحسب ابن دحلان أنه قد كسب المعركة التي يواجه بها دعوة التوحيد بهذا الدجل، وتلك الشعوذة وبما ساق من نقول فاسدة من كتب المتصوفة والرافضة. وغيرهم - إن ابن دحلان إذ خيل إليه من شعوذته تلك أنه يثبت أركان دولته المنهارة - قد مضى في الشعوذة إلى أبعد غاية حتى غرق، كما غرق فرعون من قبله. وها هو ذا يأتي بنقول من عالم الترهات والأباطيل، ويستملي من خرافات لا يقبلها عقل أي عاقل لم يبلغ حد الجنون والهلوسة - فها هو ذا يأتي بتلك المرويات التي لا تخرج إلا من عالم البله والمجانين. ومن ذلك ما يرويه عن العتبي فيقول: " قال العتبي: كنت جالسا عند قبر رسول الله ﷺ فجاء أعرابي فقال: "السلام عليكم يا رسول الله.. سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ ١.
стр. 101
وقد جئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك إلى ربي.. ثم بكى وأنشد:
يا خير من دفنت بالبقعاء أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف، وفيه الجود والكرم
" قال العتبي: ثم استغفر الأعرابي: وانصرف، فغلبتني عيناي، فرأيت النبي ﷺ في النوم فقال: يا عتبي: الحق الأعرابي، فبشره أن الله غفر له فخرجت خلفه، فلم أجده ". ونحن لا نكذب ابن دحلان فيما نقل، ولكننا نستخف عقله أن ينقل مثل هذا السخف ويقبله شاهدا على جواز التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته. وأنه كفى بهذا الخبر كذبا أن يقول العتبي: إن النبي ﷺ جاءه في النوم وهو في المسجد، والأعرابي يدعو ثم ينصرف، فيقول له ﷺ يا عتبي: الحق الأعرابي فبشره أن الله غفر له، ثم يخرج العتبي، فلا يجد للرجل أثراً.. فكيف يقول النبي ﷺ للعتبي هذا القول، ولا يعلم أن الأعرابي قد ذهب بعيدا، ولا يمكن أن يبلغه هذا الخبر؟ ونترك الحكم على هذا لمن كان له عقل أو دين. وينقل ابن دحلان فيما ينقل من تلك الأساطير التي تفسد جوهر الإسلام، وتعرضه في هذا المعرض الخرافي، الذي من شأنه أن ينفر الناس من هذا الدين الذي يحمل مثل هذه الخرافات. يقول ابن دحلان: " روى بعض الحفاظ - ولا يسميه - عن أبى سعيد السمعاني، أنه روى عن علي بن أبي طالب ﵁ وكرم وجهه، أنهم بعد دفنه ﷺ بثلاثة أيام، جاءهم أعرابي، فرمى بنفسه على القبر الشريف، على صاحبه أفضل الصلاة والسلام،
стр. 102
وحثا ترابه على رأسه، وقال يا رسول الله: قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن الله ما وعينا عنك وكان فيما أنزل الله عليك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ ١ وقد ظلمت نفسي، وجئتك مستغفرا إلى ربي "فنودي من القبر الشريف: أنه قد غفر لك"!! ونسأل ابن دحلان وقد رحل عن هذه الدنيا - هلا سأل نفسه من نقل عن الأعرابي هذا الذي سمعه من القبر الشريف؟ وهل ذكر الأعرابي هذا لأحد؟ وهل سمع أحد ما سمعه هذا الأعرابي؟ إنها دعوى لا مستند لها ولكل دعي أن يدعي هذه الدعوى! فهل يصح أن تكون مثل هذه الدعوى شاهدا على جواز التوسل بالنبي ﷺ بعد موته؟ وهل تكون الخرافات مما يدخل في دين الله ويكون حجة من حججه على الناس؟ ثم ألم يسأل ابن دحلان نفسه: هل أحد من صحابة رسول الله ﷺ وذوي قربته - جاء إلى قبر النبي ﷺ يسأله فيما وقع لهم من أمور وما كان بينهم من اختلاف في أمر الخلافة التي كانت مثار جدل بين المهاجرين والأنصار؟ وهل رجع أبو بكر ﵁ إلى رسول الله ﷺ يأخذ عنه الحكم في حرب المرتدين، بعد وفاته ﷺ ؟ ثم هل كان قبر النبي ﷺ مفزعا للمسلمين في الأحداث المزلزلة الدامية في عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم؟ ولا نريد جوابا، فلسان الحال أفصح من كل لسان! أما الآية الكريمة التي يتخذ منها ابن دحلان ومن على شاكلته من دعاة الضلال شاهدا على جواز التوسل برسول الله ﷺ والفزع إليه في النائبات - فقد كشفنا عن وجه الحق منها، وأنها بيان من الله تعالى لرسوله الكريم عن الموقف الذي يقفه من المنافقين من اليهود.
стр. 103
ومن متقولات ابن دحلان الخرافية ما جاء في ص ٢٦ من رسالته. يقول ابن دحلان: " وقف أعرابي - هكذا لا يكون الواقف إلا أعرابيا مجهولا - على قبره الشريف ﷺ وقال: اللهم إنك أمرت بعتق العبيد، وهذا حبيبك، وأنا عبدك فأعتقني من النار على قبر حبيبك " فهتف به هاتف: يا هذا، تسأل العتق لك وحدك؟ هلا سألت العتق لجميع المؤمنين؟ اذهب فقد أعتقتك!! وهذا كذب صراح على الله، لا يقول هذا مؤمن بالله، وبما له سبحانه من جلال وتقديس، فمن هو هذا الهاتف الذي هتف بهذا الأعرابي؟ وإذا كان الهاتف هو الله تعالى، كما تقول هذه الخرافة - " اذهب فقد أعتقتك " فكيف ينكر الله تعالى على هذا الأعرابي أن يطلب العتق لنفسه، ولا يطلبه لجميع المؤمنين؟ وكان منطق هذا الإنكار أحد الأمرين: إما أن يعتق الله جميع المؤمنين، وإما أن يحرم الأعرابي هذا العتق!! ثم كيف يكلم الله تعالى هذا الإنسان؟ إن الله تعالى لم يكلم أحدا من أنبيائه ورسله، غير موسى ﵇ كما يقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ١.فهذه ثلاث صور من صور اتصال الله تعالى بالبشر: الوحي، بمعنى الإلهام كما ألهم الله تعالى أم موسى، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي
стр. 104
وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ١.والصورة الثانية، كلام الله تعالى لمن يكلمه، وذلك من وراء الحجاب، كما كلم الله تعالى موسى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ ٢ والصورة الثالثة، أن يرسل الله تعالى رسولا، أي ملكا، وهو جبريل ﵇، فيوحي إلى الرسل بما يأذن الله تعالى به. وهذا الأعرابي - كما تقول الأسطورة التي يرويها ابن دحلان - ليس نبيا، ولا رسولا، فكيف يخاطبه الله تعالى ويهتف به، اذهب فقد أعتقتك؟ !! ولو قيل: " اذهب فقد أعتقت "، لكان لهذا الكلام محملا من محامل التأويل، أما أن يقال له: اذهب فقد أعتقتك، فهذا صريح بأن هذا خطاب من الله لهذا الأعرابي!! إن هذا الكلام لا يمكن أن يصدر إلا من عالم المتصوفة القائلين بوحدة الوجود فلا رب ولا مربوب، ولا معبود، ولا عبيد.. بل الكل عبد، والكل رب، كما يقول شيخهم ابن عربي:
فأنت عبد وأنت رب ... لمن له أنت فيه عبد؟
وأنت رب وأنت عبد ... لمن له في الخطاب عهد!!
فإن كان ابن دحلان من القائلين بوحدة الوجود، أو كان من الحلوليين، فلا حديث لنا معه، بل نقول له: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ٣.
стр. 105
وإذن، فلا يصح من ابن دحلان قول في الإسلام، ولا ينبغي أن يكون له موقف من الداعين إلى الإسلام الحنيف المبرأ من ضلالات الحلول، ووحدة الوجود. ولكن الرجل يأبى إلا أن يتصدى لدعوة الدين الحنيف متزييا بزي الغيورين عليه المنافحين عن حماه.. ومن قبل ومن بعد فعل كثير من أعداء الإسلام هذا، فدخلوا في الإسلام، وأظهروا الورع والنسك، حتى انخدع بهم الناس، فساقوهم إلى الضلال، ووردوا بهم موارد الكفر كما فعل عبد الله بن سبأ، اليهودي الذي قاد الفتنة على عثمان ﵁ ثم كان من المقاتلين مع علي ﵁ ومن الذين فتنوا كثيرا من المسلمين بادعاء الألوهية لعلي، والتي لا تزال تسيطر على عقول كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام. ومن هنا كان موقفنا من ابن دحلان، ومن هذا الضلال الذي خلفه وراءه حتى لا يفتن به من يطلع عليه.
موقف ابن دحلان من دعوة التوحيد:
والذي حمل ابن دحلان على هذا الضلال الذي غرق فيه هو حقده على الإمام محمد بن عبد الوهاب، وما يدعو إليه من توحيد الله، وترك الأعمال الشركية التي كان عليها الناس يومئذ. وإذ ينظر ابن دحلان هناك وهنا ليجد من يذهب مذهب الضال من دعوة التوحيد، لا يقف عند كتاب الله أو سنة رسوله، بل إنه إذا جاء بآية كريمة تأولها تأويلا فاسدا، أو فعل حديثا جاء به من الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة.. ولهذا فإنه يستدعي لنصرة مذهبه الضال كل ضال مثله، ويجعل من هذا شاهدا على بطلان الدعوة التي يدعو إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
стр. 106
ولو أن ابن دحلان كان يؤمن بما يقول، لما التفت إلى غيره من هؤلاء الذين يستدعيهم للدخول معه في هذه الحرب التي يعلنها على دعوة التوحيد؛ لأن صاحب الحق في قوة من الحق لا تغلب أبدا. يقول ابن دحلان في ص ٥٢ من رسالته: " فممن ألف في الرد عليه أي على الشيخ محمد بن عبد الوهاب - وسأله عن بعض المسائل، فعجز " العلامة الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن عفالق " فإنه ألف كتابا جليلا سماه: " تهكم المقلدين بمن ادعى تجديد الدين " ورد عليه - أي على ابن عبد الوهاب في كل مسألة من المسائل التي ابتدعها بأبلغ رد، ثم سأله عن أشياء تتعلق بالعلوم الشرعية والأدبية فعجز عن الجواب عن أقلها، فضلا عن أجلها. ثم يسوق ابن دحلان صورة من تلك الصور التي كانت من مواقف ابن عفالق مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فيقول: " فمن جملة ما سأله عنه، قوله: " أسألك عن قوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً فَالْمُورِيَاتِ قَدْحا ً﴾ ١ إلى آخر السورة، التي هي من قصار المفصل: كم فيها من حقيقة شرعية وحقيقة لغوية، وحقيقة عرفية؟ "وكم فيها من مجاز مرسل، ومجاز مركب، واستعارة حقيقية، واستعارة وفاقية، واستعارة تبعية، واستعارة مطلقة، واستعارة مجردة، واستعارة مرشحة؟ "وأين الوضع، والترشيح، والتجريد، والاستعارة بالكناية، والاستعارة التخيلية؟ "وكم فيها من التشبيه الملفوف، والمفروق. والمفرد، والمركب"؟ "وما فيها من المجمل والمفصل"؟ "وما فيها من الإيجاز والإطناب، والمساواة؟ " وما فيها من الإسناد الحقيقي، والإسناد المجازي المسمى بالمجاز الحكمي والعقلي.. إلخ.. إلخ - فلم يقدر محمد بن عبد الوهاب على الجواب عن شيء مما سأله عنه "!!
стр. 107
هذه هي الأسئلة وما على شاكلتها التي وجهها ابن عفالق إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليحاجه بها دين الله، وفي دعوة التوحيد التي يدعو إليها وذلك مما يرويه ابن دحلان في رسالته: ونسأل: أفي هذه الأسئلة سؤال واحد يفرق بين الشرك الذي يحاربه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ويحذر الناس منه وبين التوحيد الذي يدعوهم إليه ويلبسهم لباس الإيمان به؟. ولماذا يعدل ابن عفالق عن الطريق الواضح في تلك المعركة القائمة بين الشرك والتوحيد، ليرد على الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوته من كتاب الله وسنة رسوله ويدخل في سوق السفسطة البعيدة عن ميدان المعركة؟ أليس ذلك دليلا على أنه لا يجد بين يديه السلاح الذي يواجه به دعوة التوحيد فدخل في هذه المعركة التي أسلحتها هذه الألغاز وتلك المعميات من واردات الجدل العقيم الذي لا يفيد في دنيا أو دين؟ ونسأل: هل كانت هذه الدراسات الرياضية والفلسفة الكلامية مما يمكن العقل السليم من فهم كتاب الله، وسنة رسول الله، أم هي مصائد للعقول وشباك للمدارك وشغل بالقشور عن اللباب؟ وهل عرف أحد من صحابة رسول الله ﷺ أو التابعين ومن بعدهم من أئمة الفقه لدين الله - هل عرف أحد منهم شيئا من هذه السفسطات التي دخلت على العقل العربي، فأفسدت الذوق العربي للغة العربية؟ وهل كان إذا سئل أبو بكر أو عمر ﵄ عن شيء من هذا العبث أكان يعرف له جوابا؟ ثم أيتهم أبو بكر وعمر إذا عجزا عن الإجابة على تلك الأسئلة أيتهمان بأنهما لا يعرفان دين الله ولا يفهمان ما في كتاب الله، أو سنة رسول الله ﷺ ؟
стр. 108
وابن عفالق هذا الذي يعجب بنفسه، ويعجب به ابن دحلان، ويتخذه مصدرا من مصادر علمه الذي يواجه به دعوة التوحيد - ابن عفالق هذا لم يسأل الشيخ محمد بن عبد الوهاب أي سؤال عما في السورة الكريمة من مجاني الحق ومطالع الهدى، التي تحملها في آياتها وكلماتها مما يزكي المؤمن، ويوثق صلته بربه، ويكشف له الطريق إلى الأعمال الصالحة التي يؤدي بها حق الله وحق نفسه وحق المؤمنين. فلو أن ابن عفالق سأل الشيخ ابن عبد الوهاب عن معنى آية أو آيات من هذه السورة الكريمة مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ١ لجاءه الجواب محملا بعلم غزير وفهم دقيق لما تحمل كلمات الله من حق وخير لمن استمع إليها، وتدبر معانيها، واستقام على هديها، إن مثل هذه الأسئلة التي أوردها ابن عفالق وأمثالها هي مما أبعد المسلمين عن دينهم حيث شغلوا بهذه السفسطة وذلك الجدل عما ينفعهم في دينهم أو دنياهم تماماً، كما شغلوا بالأحجبة والأوردة بالكلمات الأعجمية عن تلاوة كتاب الله وتدبر آياته والعمل بأحكامه، فأصابهم ما أصابهم من مرض في القلوب وجدب في العقول حتى أصبحوا مرعى لآفات الشرك التي أجلب عليهم بها علماء السوء، والتي جاء الشيخ بن عبد الوهاب بدعوته التي تحمل الدواء لهم من تلك الأدواء المهلكة، ومن قبل قام المعتزلة بهذا الجدل العقيم حول ذات الله وصفاته وحول الإرادة والقهر والتخيير والتسيير وما إلى ذلك مما ولده الجدل والسفسطة، وكان من هذا البلاء أن تفرقت الأمة شيعا ومذاهب يقاتل بعضها بعضا ويكفر بعضها بعضا حتى لقد صدق فيهم قول الشاعر:
كنا أناسا على دين ففرقنا ... مضغ الكلام وخلط الجد باللعب
стр. 109
فلا عجب أن يعود الدين غريبا كما بدأ، مصداقا لقول الرسول ﷺ " بدأ الدين غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء، قالوا: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس " ١.لا عجب أن يعود الإسلام غريبا، ونحن نرى أمثال هؤلاء العلماء الجهلاء الأدعياء يقومون على رؤس الناس بهذا اللغو من الكلام، وتلك السفسطة من القول، ثم يلبسون ذلك ثوب الدين، ويطعمون العامة منه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢ إن هؤلاء العلماء يدخلون على العامة باسم الدين من باب الدجل والشعوذة، قائلين لهم عن هذه الشعوذات إن هذا من علم الباطن، الذي لا يعرفه إلا أولياء الله من شيوخ المتصوفة، ومن يجري مجراهم في خداع الناس بتلك الشعوذات التي يخيل للعامة منها أنها تحمل أسراراً ربانية، وعلوما علوية من رددها على لسانه كذا ألف مرة في اليوم، فتح الله عليه، وأشرقت عليه أنوار الحق، وكشف عنه الحجاب.. وإنهم ليقولون إفكاً من القول وزوراً، فما يجد هؤلاء المخدوعون بهذا البهتان إلا الحسرة والندامة، وسوء المنقلب، وخسران الدنيا والآخرة جميعا: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ ٣ ولكن الله تعالى بالغ أمره، ومحقق وعده، وناصر جنده، ومهيئ لهذه الأمة من أمرها رشدا، حيث لا يغيب من أفقها أبدا دعاة يدعون إلى الله ويكشفون ما يدخل على المسلمين من آفات وعلل حتى تعود إليها الصحة والعافية، وإذا هي على هذا الوصف الكريم الذي أضفاه الله الرحمن الرحيم رب العالمين عليها في قوله تعالى:
стр. 110
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ١.وها هي دعوة التوحيد التي يطلع بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد تداعت آفات الشرك على المسلمين، حتى كادت تذهب بدينهم، وإذا هذه الدعوة المباركة تعيد المسلمين إلى الإسلام الحنيف، وإذا أنواره العلوية الساطعة تأتي على الشرك وأهله، وإذا الإيمان الحق يعمر القلوب، ويشرح الصدور، وإذا المسلمون على طريق مستقيم لقيادة ركب الإنسانية إلى الإيمان والخير والفلاح: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور ِ﴾ ٢ صدق الله العظيم.