١- إن النبي ﷺ وأصحابه لم يذكروا ذلك التفريق, ولم يقولوا لمن دخل في دين الله أن هناك توحيدين.
والجواب: إن مدعي هذه الشبهة إما أن يريد أنهم لم يذكروه باللفظ المذكور, وإما أن يريد أنهم لم يذكروه ولا بالمعنى, ولم يفهموا من دخل في الدين أن هناك توحيدين, إن أراد الأول فلا يضرنا ولا ينفعه, لأننا لا نزعم أن الرسول ﷺ يتكلم بألسنتهم واصطلاحاتهم, وإن أراد الثاني نازعناه, وقلنا: إنك لم تقم دليلا عليه, بل نقول: إن الرسول ﷺ وأصحابه أعلموا الداخلين في الدين أن هناك توحيد ألوهية, وتوحيد ربوبية بقوله لهم قولوا: لا إله إلا الله, ولا تعبدوا إلا الله وتدعوا إلا إياه مع قولهم لا خالق ولا رازق إلا الله, وهؤلاء يريدون أن يكون كلام رسول ﷺ أفصح البشر آتيا على اصطلاحاتهم بأن يقول: ينقسم التوحيد قسمين إلى آخر العبارة، ولو كان كلام الرسول صلى الله عله وسلم ككلامهم لما قبل الإسلام.
٢- قول الله تعالى في أخذ الميثاق ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ قالوا: ولو كان بين الإله والرب فرق، لما اكتفى بالسؤال عن الرب فقط، بل لقال: ألست بربكم وإلهكم؟
والجواب: سبق مثل هذا الاعتراض في سؤال المنكرين، وسبق الجواب، ولكن لا بأس من الزيادة والإيضاح والبيان فنقول:
أ- لو تدبر هؤلاء في قولهم قليلا، لرأوا أن الله سألهم عن التوحيدين، فقوله تعالى ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ سؤال عن الربوبية والرب، وقوله تعالى ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ نهى عن اتباع الآباء في الشرك وأمر بعبادته وحده، فالتوحيدان متغايران بصريح الآية.
ب- هذا الإيراد لا يرد علينا إلا إذا ذكروا: أن السؤال كان عن جميع
стр. 107
الدين، أو عن جميع ما هو شرط في قبول الإيمان، وإلا فلا يرد علينا يقينا، فإن لنا أن نقول: سألهم الله عن الربوبية وقررهم عليها، وإقرارهم بها يهديهم إلى الألوهية لو عقلوا ولم ينقادوا للشيطان، فإن من يعقل لا يعبد إلا من له الأمر والنهي والنفع والضر، ولو خلى الناس وفطرهم لما عبدوا إلا الله، ولولا مشيخة الضلال المحسنين لهذه البدعة وسدنة القبور، لما وجدت من يستغيث بالأولياء ويطوف بهم، قال الله تعالى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
ألا يرى هؤلاء أن هذه الشبهة تفتح عليها أن يقال: الآية لم تذكر غير توحيد الله ولم تذكر الإيمان بالكتب والرسل والملائكة والبعث وسائر أركان الإيمان، فليست هذه الأشياء مما يلزم الإيمان به لأن الآية لم تذكره، يقول هؤلاء المبتدعة لنا: إذا كان توحيد الربوبية غير توحيد الألوهية، فلماذا لم تذكر الآية توحيد الألوهية، فإذا أردنا أن نسألهم كسؤالهم قلنا: الآية أيضا لم تذكر كل ما يجب الإيمان به، فيجب أن نقول: أنه لا يجب الإيمان إلا بالله، أما ملائكته وكتبه الخ فلا يلزم الإيمان بهم، هذا سؤال لا محيص لهم عنه، وتحرير هذا الجواب أن يقال: الآية لم تلتزم أن تذكر جميع أبواب الإيمان فلا يصلح أن تسألونا السؤال المذكور، هذا أمر واضح.
٣- قول الله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ .
والجواب: ليس لهذه الشبهة وجه يصح، والإله هنا هو المعبود بلا شك، أي هو معبود في الأرض وفي السماء، وهؤلاء أبوا أن يكون ذلك هو المعنى، لأنه سوف يجيء زمن – كما يقولون - لا يعبد الله في الأرض أحد، فلا يكون فيها إلها أي معبودا وفاتهم أن الآية لم تقل وفي
стр. 108
الأرض إله في كل وقت، ومثل هذا الاستعمال يصدق في أقل مدة يعبد الله فيها، وأيضا الاعتراض لازم على كل حال إن كان صحيحا، فهم يقولون الإله والرب معناهما واحد، فالرب هن الإله، والإله هو الرب، لأنهم لا يفرقون بينهما، فقوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ . أي رب ومعبود باعترافهم، وسوف يجيء زمن -كما قالوا- لا يكون الله في الأرض معبودا، فما المخلص ما أكثر ما يزلون، وأيضا من قال لهم: إن زمنا من الأزمان لا يعبد الله فيه أحد؟ ألا يذكرون قوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة وهم على ذلك" وهبوا أنه لا يعبد الله من الناس أحد في ذلك الزمن، فالكائنات الأخرى تعبده، والقرآن أخبر بأنها تسجد له وتسبحه، ولا يجسرون أن يقولوا: إن الأنبياء والأولياء أحياء في قبورهم، يعبدون الله ويعطون سائليهم، فالله معبود في الأرض إلى يوم القيامة ولو من الأموات على زعمهم فالشبهة مثل الضعف أ. هـ١
стр. 109
الشبهة الحادية عشر: قال المبتدعون: أن النبي ﷺ ذم نجد وامتنع أن يدعو لهم
...
الشبهة الحادية عشرة
قال المبتدعون: إن النبي ﷺ ذم نجدا, وامتنع أن يدعو لهم, فقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا, قالوا: وفي نجدنا قال: اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا, قالوا: وفي نجدنا: فأظنه قال في الثالثة: هناك الزلازل, والفتن, وبها يطلع قرن الشيطان" , وفي حديث آخر "رأس الكفر قبل المشرق ".
وابن عبد الوهاب خرج من نجد, وقد أخبر النبي ﷺ أن هناك الزلازل والفتن ودعوته من الفتن والزلازل, وقد خرج قبله من اليمامة مسيلمة الكذاب يدعي النبوة, وطليحة بن خويلد الأسدي, فإذا كانت نجد موضع الزلازل والفتن, وفي الحديث رأس الكفر قبل المشرق, ونجد تقع شرق المدينة, فمن هنا نعلم أن دعوته ضالة وأن أكثر المسلمين على خلاف ما يقول هذا الشيخ, فقد أتى بما لم يسبق إليه أحد.
جواب الشبهة الحادية عشرة
وجواب الشبهة ومن الله أستمد الصواب:
لا ريب أن هذا الحديث الذي أورد المعترضون صحيح, ولكن ليس الذم واردا لنجد اليمامة ولكن كلمة نجد هي كل ما ارتفع من الأرض, وشرق المدينة هي العراق وليست اليمامة.
стр. 110
معنى نجد في اللغة
مصدر معناه الرفعة والعلو, يقال لكل شيء عال نجد, ولكل قطعة من الأرض مرتفعة عما حواليها وهذا مذكور في جميع كتب اللغة كالقاموس ولسان العرب وتاج العروس والمنجد وغيرها.
قال الكرماني في شرح البخاري: وأصل نجد ما ارتفع من الأرض وهو خلاف الغور, وكذا قال الحافظ ابن حجر والقسطلاني: واتفقت كلمة شراح الحديث وأئمة اللغة أن نجدا ليس اسما لبلد خاص ولا اسما لبلدة بعينها, بل يقال لكل قطعة من الأرض المرتفعة عما حواليها.
ونجود العرب كثيرة منها نجد البرق, نجد أجاء, نجد العقاب بدمشق, نجد اليمن, نجد الحجاز, نجد العراق وهو يقع جهة الشرق من المدينة المنورة.
قال صاحب تاج العروس: كل ما وراء الخندق على سواد العراق هو نجد.
قال الكرماني في شرح حديث يطلع منها قرن الشيطان: هو الأرض المرتفعة من تهامة إلى العراق, وأصرح من هذا قوله: ومن كان بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام كان نجد بادية العراق وهي مشرق أهلها.
وقال الخطابي: نجد من جهة المشرق ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها.
ومما أوردناه تعلم أيها الواقف أن الذم الوارد في نجد في قوله ﷺ هنالك الزلازل والفتن, وبها يطلع قرن الشيطان, فليس المراد نجد اليمامة بل نجد العراق.
стр. 111
وأزيد القارئ بيانا أنه جاء في بعض الأحاديث ما يؤيد ما أسلفنا ذكره, فقد قال ﷺ :
(١) "رأس الكفر قبل المشرق" (صحيح مسلم) .
(٢) رأس الكفر نحو المشرق (صحيح البخاري)
(٣) "ومن ههنا جاءت الفتن نحو المشرق" (صحيح البخاري) .
(٤) رأيت رسول الله ﷺ يشير نحو المشرق "أن الفتنة ههنا, أن الفتنة ههنا".
(٥) وهو مستقبل الشرق يقول: "إن الفتنة ههنا".
وقال صاحب "أكمل البيان في شرح حديث نجد قرن الشيطان": مقصود الأحاديث أن البلاد الواقعة في جهة المشرق من المدينة المنورة هي مبدأ الفتنة والفساد ومركز الكفر والإلحاد ومصدر الابتداع والضلال, فانظروا في خريطة العرب بنظر الإمعان, يظهر لكم أن الأرض الواقعة في شرق المدينة إنما هي أرض العراق فقط, موضع الكوفة والبصرة وبغداد, والراسخون في العلم يعلمون هذا من إلقاء النظرة على الخريطة أ. هـ.
وها أنا ذا أوضح للقراء بالحوادث التي لا تقبل النقاش والجدال الذي لا يرقى إليه شك ولا ارتياب ويقوي قول العلماء, أن المقصود بنجد العراق, وأن الزلازل والفتن التي حصلت في العراق لم يحصل عشرها في نجد.
الزلازل والفتن التي وقعت والتي تقع في العراق
منها وقعة الجمل وصفين اللتان فرقتا شمل المسلمين, وهاتان الوقعتان هما الأساس لخروج الفرق الضالة وتشتيت كلمة المسلمين, وتكفير بعضهم لبعض, فقد ظهرت الخوارج والشيعة بسبب هاتين الوقعتين.
ثم حادثة قتل الحسين بن علي ﵁, وهي من أكبر الفتن جرت الوبال على المسلمين وأشعلت نار الفرقة بينهم, وظهور المختار ابن أبي عبيد
стр. 112
الثقفي ودعواه نزول الوحي عليه, وحادثة قتل زيد بن علي بن الحسين.
وظهور المعتزلة والقدرية وحادثة القول بخلق القرآن, وموقف المأمون مع الإمام أحمد بن حنبل وعلماء السنة, يأمرهم بهذا الاعتقاد الفاسد, ووصل الأمر به إلى حد سجنهم, وجاء المعتصم بعد المأمون على منهجه ثم الواثق بالله وسار هو أيضا على درب سابقيه, وسجن الإمام أحمد ثمانية وعشرين شهرا وضر بالسياط مرارا حتى أغمي عليه ولم يوافقهم على ما يريدون, ولا زالت الفتن بها حتى جاء عبد الكريم قاسم وقتل من قتل من الملوك والعلماء, ودعا إلى مذهب الشيوعية والإلحاد, ولا زالت الفتن تترى.
فقل بربك هل ظهر في نجد اليمامة حوادث كحوادث العراق, أو ربع تلك الحوادث أو عشرها, فإن كان قد ظهر مسيلمة الكذاب في نجد فقد ظهر الأسود العنسي في اليمن مدعيا النبوة, وكم من مدع للنبوة ظهر في غير نجد, فما بال هؤلاء يغضبون من نجد ويرضون عن غيرها.
ولهذا قال الشيخ يوسف النبهاني عائبا أهل نجد بخروج مسيلمة بقوله:
مسيلمة الجد الكبير وعرسه ... سجاح لكل منهم الجدة الكبرى
أجابه المرزوقي ﵀ بقوله:
نعم كان في ذاك الزمان مسيلم ... وأسود في صنعا وطلحة ذو الأغرا
ومثلهم المختار في كوفة افترى ... غداة حكى جبريل أوحى له الأمرا
ففي يمن كانوا ونجد وكوفة ... أتغضب من نجد وترضى عن الأخرى
فماذا على نجد من العيب والأذى ... بمن قد خلا من كافر عنه وازورا
تعير نجدا في سجاح وزوجها ... وذنبك في الإسلام قد جاوز الحصرا
стр. 113
ثم هناك أمر ثان, أن النبي ﷺ يقول "اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا" , والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ قد رأى كتب شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم وأمعن النظر فيها وهضم معانيها, فنفخت فيه روح الثورة على تلك الأوضاع الفاسدة ومنحته سلاحا قويا من الحجج النقلية والبراهين العقلية ما استطاع بها أن يزهق باطل أولئك المردة والمشركين, وأن يزيف شبه علمائهم ودعاة مذاهبهم, ولا ريب أن الشيخين كانا شاميين, فإذا دعوة الشيخ شامية لا نجدية, الحديث يقول "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا"
فهل بقي للقراء بعدما أسلفنا ذكره من أدلة لغوية وحديثية والحوادث التاريخية شك أن المتشبثين بحديث "اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا" في ذم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته تشبث باطل ومستند فاسد لا يستريب في منصف, وأن هؤلاء لما كانوا مفلسين في ميادين الحجج النقلية الصحيحة والعقلية الرجيحة, أخذوا يتشبثون ويستمسكون بما هو أوهن من بيت العنكبوت من الشبه الفاسدة والآراء الكاسدة ليقووا مذهبهم ويوهنوا دعوة الشيخ رحمه الله تعالى..
стр. 114
الشبهة الثانية عشر: قول المعترضين: أما تخيل المانعين المحرومين أن منع التوسل والزيارة من المحافظة على التوحيد
...
الشبهة الثانية عشرة
من ذلك قول المعترضين:
وأما تخيل المانعين المحرومين, من بركاته " ﷺ " أن منع التوسل والزيارة من المحافظة على التوحيد وأن التوسل والزيارة مما يؤدي إلى الشرك هو تخيل فاسد باطل.
جواب الشبهة الثانية عشرة
والجواب: أن التوسل أسلفنا الكلام فيه وأنه بدعة وليس بشرك ولا بكفر إلا إذا تضمن دعاء غير الله, لأن الكثيرين من هؤلاء لا يفرقون بين التوسل والاستغاثة فقد يأتي بالاستغاثة ويسميه توسلا, وأما زيارة الرسول " ﷺ " فلم يقل أحد بمنعها وإنما منع الشيخ محمد بن عبد الوهاب شد الرحال إلى زيارة القبور ومنها قبره " ﷺ " للحديث الصحيح "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد, مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى" رواه مسلم, قال الترمذي في جامعه حدثنا ابن أبي عمر أخبرنا سفيان ابن عيينة عن عبد الملك بن عمر عن قزعة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام, ومسجدي هذا, والمسجد الأقصى" قال هذا حديث حسن صحيح.
وروى سلمان الأغر عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة, ومسجدي هذا, ومسجد إيليا" رواه مسلم.
وهناك أحاديث أخرى رواها الطبراني وابن ماجة ومالك في الموطأ تدور حول هذا المعنى وأنت ترى أن الحديثين اللذين رواهما مسلم بصيغة
стр. 115
الحصر, وكذا ما رواه الترمذي, والأحاديث ظاهرة المعنى أن شد الرحال لا يكون إلا إلى هذه المساجد الثلاثة كالذي يشد الرحال إلى زيارة القبور والمشاهد.
وأما اعتراض المعترض يلزم على قولكم ألا تشد الرحال إلى طلب العلم وإلى زيارة الأرحام فالجواب: أن تلك الأمور التي ذكرها المعترض وردت فيها أوامر كقوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ . وكقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ . وبر الوالدين وصلة الأرحام مأمور بهما في القرآن والسنة كما أن كثيرا من الصحابة والتابعين وتابعيهم شدوا رحالهم إلى طلب العلم, لكن ليأتنا هؤلاء الذين يجوزون شد الرحال إلى زيارة القبور المعظمة بدليل مقبول من كتاب أو من سنة صحيحة أو حسنة على صحة قولهم بأنها مندوبة أو جائزة.
أما من أتى المدينة أو من كان في المدينة فيستحب له أن يزور قبره ﷺ بل يستحب زيارة قبور جميع المسلمين في المدينة وفي غيرها لحديث " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة". وقد كان ابن عمر يسلم على الرسول ﷺ عندما يريد سفرا أو يأتي من سفر, وقد ذكر عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن عبيد الله بن عمر أنه, قال ما نعلم أحدا من أصحاب النبي فعل ذلك إلا عمر.
وقد نهى علي بن الحسين زين العابدين, الذي هو أفضل أهل بيته وأعلمهم في وقته ذلك الرجل الذي كان يجيء إلى فرجة كانت عند القبر فيدخل فيها فيدعو, واحتج عليه بما سمعه من أبيه عن جده علي بن أبي طالب ﵃ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تتخذوا قبري عيدا وبيوتكم قبورا فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم" وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن بن علي شيخ أهل بيته, كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند غير دخول المسجد, ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدا, وقال للرجل الذي رآه
стр. 116
عند القبر: مالي رأيتك عند القبر؟ فقال: سلمت على النبي ﷺ . فقال: إذا دخلت المسجد فسلم ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا بيتي عيدا أو لا تتخذوا بيوتكم مقابر, لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد, وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حينما كنتم ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء".
والشيخ محمد وأتباعه لم ينكروا زيارة القبور عموما لأنها مسنونة, فكيف ينكرون زيارة قبره ﷺ , وإنما أنكروا شد الرحال للقبور كما سبق بيانه ومن تلك القبور قبره " ﷺ ".
وهنا قد يقول المخالفون: بكلامكم هذا تفضلون المسجد على النبي, والنبي بالاتفاق أفضل الخلق على الإطلاق, والجواب: هذه مسائل قربة وعبادة, لأن زيارة القبر محسوبة على القرب وشد الرحال إلى المساجد الثلاثة قربة للصلاة فيها والاعتكاف بها, والعبادة مبنية على التوقيف لا تتحكم فيها العقول والأهواء والمقاييس الفاسدة.
ولنا أن نقول ثانيا تقبيل الحجر الأسود مستحب للطائف بالكعبة, لكن يحرم تقبيل قبر الرسول ﷺ , أو يكره على الأقل, فهل معنى هذا أننا فضلنا الحجر الأسود على النبي ﷺ , لا يقول هذا إلا مختل العقل والفؤاد.
ثالثا: الطواف بالكعبة المشرفة ركن من أركان الحج والعمرة, فإذا لم يطف طواف الركن في الحج والعمرة لا يصح حجه بإجماع العلماء, لكن الطواف بقبر الرسول شرك أكبر, فهل معنى هذا أننا فضلنا الكعبة على الرسول ﷺ , فلا حول ولا قوة إلا بالله, ونسأل الله السلامة من الأفهام السقيمة والأذهان الكليلة والأقوال الساقطة التي إن دلت على شيء فإنما تدل على جهل القائلين, أو على إرادة الغش وتضليل المسلمين لإخراجهم من نور التوحيد إلى ظلمات الشرك, هدانا الله وإياهم إلى الصراط المستقيم, وإليك ما قاله بعض فضلاء نجد في هذا الخصوص:
стр. 117
وإن رمت للهادي البشير زيارة ... تحط بها ذنبا وتمحوا بها وزرا
فقدم عليها نية المسجد الذي ... به الله في الأذكار قد رفع الذكرا
وثم إذا نلت الأماني بقربه ... وشاهدت من أركانه النور والفخرا
فبادر على العينين والرأس ماشيا ... وقابل إمام المرسلين أبا الزهرا
وسلم عليه من قريب وفز بما ... سعدت به من زورة تشرح الصدرا
فقل هل ترى فيما نقول ملامة ... ولكن أعمى العين لا يبصر الفجرا
وإلى القارئ زيادة من شبهاتهم حول زيارة الرسول ﷺ , وذلك بإيرادهم أحاديث في زيارته ﷺ وهاك بيانها:
احتج القائلون بوجوب الزيارة أو بندبها بقوله ﷺ : "من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني" رواه ابن عدي بسند يحتج به.
الجواب: في سند ابن عدي نعمان بن شبل, ومحمد بن محمد بن النعمان بن شبل وهما ضعيفان جدا. يراجع في هذا الموضوع تلخيص الحبير والميزان للذهبي, والصارم المنكي.
فقول المعترضين بسند يعتد به باطل قطعا, ومن ثم صرح جماعة من أهل النقد بضعف الحديث وجماعة بوضعه ولم يذهب أحد إلى صحته أو حسنه, إنما تفرد به الشيخ ابن حجر المكي وقلده ملا علي القارئ ولا عبرة بتحسينهما لأنهما ليسا من علماء الجرح والتعديل, ولا من يرجع إليهما في تصحيح الحديث أو تحسينه أو تضعيفه, ومن يدعي تحسين هذا الحديث فعليه الإثبات من كلام ذوي التحسين والتضعيف.
كما وردت أحاديث كثيرة صحيحة في الترغيب في زيارة قبره ﷺ ؟
والجواب: ليس في الباب حديث واحد صحيح فضلا عن الأحاديث الكثيرة الصحيحة! ولا أراك شاكا في أن هذا القول غلط واضح وخطأ بين, فإن السبكي مع شدة سعيه في هذا الباب لم يثبت في زعمه الا حسن حديثين أو صحتهما, الأول "من زار قبري وجبت له شفاعتي" والثاني "من جاءني زائرا
стр. 118
لا تعمله حاجة إلا زيارتي كان حقا علي أن أكون له شفيعا يوم القيامة" وهذان الحديثان فيهما أيضا كلام شديد, وبالجملة ادعاء صحة الأحاديث الكثيرة في زيارة قبر النبي ﷺ باطل بالبداهة.
ومن تلك الأحاديث التي احتجوا بها "من حج فزار قبري " وفي راية "فزارني بعد وفاتي عند قبري" كان كمن زارني في حياتي" رواه أبو يعلى والدارقطني.
والجواب: أن في سنده حفص بن أبي داوود وليث بن أبي سليم وفي بعض طرقه الحسن بن الطيب وأحمد بن رشدين وكلهم ضعفاء مجروحون, قال الإمام ابن عبد الهادي في الصارم: "واعلم أن هذا الحديث لا يجوز الاحتجاج به ولا يصلح الاعتماد على مثله فإنه حديث منكر المتن ساقط الإسناد لم يصححه أحد من الحفاظ ولا احتج به أحد من الأئمة بل ضعفوه وطعنوا فيه, وذكر بعضهم أنه من الأحاديث الموضوعة والأخبار المكذوبة".
وبالجملة كما سبق بيانه أن ليس في زيارة قبره ﷺ بالخصوص حديث صحيح ولا حسن, بل إما أن يكون ضعيفا أو موضوعا ولا حجة في ضعيف وموضوع كما لا يخفى على من شم رائحة من العلم.
قال السيد الزيني دحلان زيادة على ما سلف: كأن هؤلاء المانعين للتوسل والزيارة يعتقدون أنه لا يجوز تعظيم النبي ﷺ فحيثما صدر من أحد تعظيم له ﷺ حكموا على فاعله بالكفر والإشراك.
الجواب: هذا الإيجاب الكلي والسلب الكلي اللذان يشتمل عليهما هذا الكلام الساقط الفاسد بهتانان صريحان, فإن المانعين للتوسل لا يمنعون مطلق التعظيم ولا يحكمون على فاعله بالكفر والإشراك, إنما يمنعون التعظيم الذي يتضمن عبادة غير الله أو نهى الله عنه ورسوله, أو التعظيم المحدث الذي لا يدل عليه دليل من الكتاب والسنة, ويحكمون بالكفر والشرك على من عظم تعظيما يتضمن شيئا من موجبات الكفر والشرك, وأما التعظيم الذي هو ثابت بالكتاب والسنة فهو عين الإيمان.
стр. 119
فمن تعظيمه ﷺ عدم جعل دعاء الرسول كدعاء البعض بعضا, وعدم التقديم بين يدي الله ورسوله, وعدم رفع الصوت فوق صوت النبي ﷺ وعدم الجهر له بالقول كجهر بعضكم لبعض, وغض الأصوات عند النبي ﷺ , وعدم المناداة من وراء الحجرات, والصلاة والتسليم على النبي ﷺ , وعدم بقاء الخير لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى رسول الله ﷺ أمرا, وسؤال نساء النبي ﷺ من وراء حجاب, وعدم نكاح أزواجه من بعده أبدا, وتحكيم النبي فيما شجر بينهم, وعدم وجدان الحرج في أنفسهم مما قضى النبي ﷺ , وإطاعة الرسول, والرد إليه إذا وقع التنازع في شيء, وإجابة دعوة الرسول وإن كان المدعو في الصلاة كما دل عليه حديث أبي سعيد بن المعلى المروي في صحيح البخاري, واعتقاد أن الله تعالى يبعث رسولنا ﷺ مقاما محمودا الذي هو أعلى درجة في الجنة لا ينالها عبد من عباد الله إلا نبينا ﷺ , واعتقاد أن أمة محمد ﷺ يكونون شهداء على الناس ويكون الرسول عليهم شهيدا, واعتقاد أن أمة محمد خير الأمم, واعتقاد أن محمدا ﷺ خاتم النبيين, واعتقاد أن الله تعالى أسرى بمحمد ﷺ ليلا وعرج به, واعتقاد أن النبي ﷺ أرسل إلى الناس كافة, واعتقاد أن الله تعالى قد غفر له ﷺ ما تقدم من ذنبه وما تأخر, إلى غير ذلك من الأمور التي ذكرها العلماء من باب تعظيمه ﷺ .
стр. 120
الشبهة الثالثة عشر: إن الشيخ وأتباعه كفروا صاحب البردة ومن كانت في بيته أو قرأها
...
الشبهة الثالثة عشرة
إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه الوهابية كفروا صاحب البردة, ومن كانت في بيته أو قرأها, ونهوا عن قراءتها نهيا باتا, بدعوى أن فيها شركا, والبردة صاحبها معروف بالعلم والصلاح وتلقاها العلماء والأدباء بالقبول, وكان صاحبها مصابا بفالج, فرأى النبي ﷺ في المنام فأنشأ القصيدة أمامه, فانتبه من النوم وإذ هو قد عوفي, وشرحها العلماء الأجلاء, ولم يعترض عليها أحد حتى أتت الوهابية, وزعمت أن صاحبها مشرك, ونهوا عن قراءتها وهي قصيدة فائقة في مدح الرسول ﷺ , وهل سمعتم بأعجب من هذا؟ رجل يمدح الرسول ﷺ من شدة محبته, وحب الرسول فرض على كل مسلم, ومع هذا فلم يبالوا به وبعلمه وصلاحه, ولا باعتناء العلماء بهذه القصيدة الجليلة التي تقبلها العلماء واعتنوا بشرحها, ومنهم من خمسها ومنهم من شطرها الخ هذا الهذيان.
وقبل الدخول في الجواب, وجدت من المناسب أن أذكر نبذة مختصرة عن البوصيري وسبب إنشائه للقصيدة:
تاريخ ميلاد البوصيري ووفاته:
ولد البوصيري سنة ٦٠٨هـ, وتوفي عام ٦٩٦هـ في الإسكندرية من بلاد مصر, وكان في بعض أيام حياته قد تولى مديرية الشرقية بعد تقربه من الأمراء والحكام والسلاطين بسب مدحه لهم كما يقال.
سبب إنشاء البوصيري للقصيدة:
قال البوصيري كما جاء في فوات الوفيات ج٢ ص٢٠٩:
كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله ﷺ , منها ما كان اقترحه علي
стр. 121
الصاحب زين العابدين يعقوب بن الزبير, ثم اتفق بعد ذلك أن أصابني فالج أبطل نصفي, ففكرت في عمل قصيدتي هذه البردة, فعملتها واستشفعت به إلى الله تعالى في أن يعافني وكررت إنشادها وبكيت ودعوت وتوسلت ونمت, فرأيت النبي ﷺ , فمسح على وجهي بيده المباركة, وألقى علي بردة, فانتبهت ووجدت في نهضة فقمت وخرجت من بيتي, ولم أكن أعلمت بذلك أحدا, فلقيني بعض الفقراء, فقال لي: أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله ﷺ , فقلت أيها, فقال التي أنشأتها في مرضك, وذكر أولها وقال: والله لقد سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي رسول الله ﷺ , فرأيت رسول الله ﷺ يتمايل وأعجبته وألقى على من أنشدها بردة فأعطيته إياها, وذكر الفقير ذلك وشاع المنام إلى أن اتصل بالصاحب بهاء الدين ابن حنا, فبعث إلي وأخذها وحلف أن يسمعها إلا قائما حافيا مكشوف الرأس, وكان يحب سماعها هو وأهل بيته, ثم إنه بعد ذلك أدرك سعد الدين الفارقي رمد أشرف منه على العمى, فرأى في المنام قائلا يقول له: اذهب إلى الصاحب وخذ البردة واجعلها على عينيك فتعافى بإذن الله , فأتى إلى الصاحب وذكر منامه, فقال ما أعرف عندي من أثر النبي ﷺ بردة ثم فكر ساعة وقال: لعل المراد قصيدة البردة التي للبوصيري فأت بها, فأتى بها وأخذها سعد الدين ووضعها على عينيه فعوفي, ومن ثم سميت البردة والله أعلم.
جواب الشبهة الثالثة عشرة
والجواب ومن الله نستمد الصواب
إن قصيدة البردة من حيث فن الشعر قصيدة راقية وعذبة, ولكن جاء إنكار الشيخ محمد بن عبد الوهاب وسائر السلفيين من أجل ما فيها من الغلو الذي يبلغ في بعض الأبيات حد الشرك.
стр. 122
وأما قولهم أنهم كفروا صاحب البردة ومن كانت في بيته وقرأها, فهذا كذب وافتراء, فلم يكفروه ولم يكفروا أحدا بعينه, إنما يقولون إذا رأوا كلاما فيه شرك, يقولون: إن هذا الكلام بدعة أو شرك ولا يقولون قائله كافر ولا سيما إذا مات, لأن الخاتمة عند الله, ولا يجوز تكفير المعين إلا بعد إقامة الحجة عليه إذا أتى بالشرك أو الكفر, لأنه قد يكون جاهلا وصاحب البردة قد مات, فكيف تقام عليه الحجة حتى يكفروه, لكنهم يقولون إنه على الرغم من أن قصيدته رائعة إلا أنه رجل جاهل بالسنة والتوحيد, وإن كان صالحا, لأن كثيرا من الناس قد يكون معهم صلاح ولكن يكونون جاهلين بالتوحيد والسنة.
أما كون العلماء والأدباء تلقوها بالقبول, فليس حجة, فكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ , والعالم بشر يخطئ ويصيب.
وكثير من الذين تلقوا كلامه وأعجبوا به وأخذوا ينشدون هذه القصيدة في الموالد وغيرها ويشرحونها ويشطرها بعضهم ويخمسها آخرون, معتقدهم في التوسل والاستغاثة كمعتقد صاحب البردة, فمثل هؤلاء ليسوا بحجة لأن التوسل بدعة والاستغاثة بغير الله شرك, وسيأتي الكلام عليها مفصلا إن شاء الله تعالى.
وها أنا ذا آتي بنماذج من أبيات البردة التي فيها المخالفة للشرع والغلو المذموم.
قال:
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
معنى هذا أن النبي ﷺ لم يكن محتاجا لضرورات المعيشية الدنيوية, لأن هذه الدنيا لم توجد إلا لأجله هو شخصيا.
والجواب: إنه كان محتاجا للضرورات الحياة لأنه بشر مثل البشر, وإن الدنيا خلقت وما فيها لعبادة الله ومعرفته بدليل قوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ
стр. 123
يُطْعِمُونِ﴾ , وعلى ذلك فهذا البيت معناه خطأ وهو من الغلو المنهي عنه.
فإن قيل إنه ورد عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أوحى الله إلى عيسى ﵇ يا عيسى آمن بمحمد وأمر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت آدم ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار, ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن. أورده ابن ناصر الدين في مورد الصادي إلى مولد الهادي وعزاه إلى طبقات الأصبهانيين لأبي الشيخ وقال: صحح الحاكم إسناده, وأورده الزرقاني في ج١ من شرح المواهب اللدنية ص ٤٤.
والجواب: إن هذا الحديث لا يصح أبدا, وتصحيح الحاكم وإيراد الزرقاني له ليس له قيمة, والحاكم معروف بتساهله في تصحيح الأحاديث, ومثل هذا الحديث الموضوع: لو لاك لو لاك ما خلقت الأفلاك.
وقد تشبث المبتدعون بمثل هذه الأحاديث, وزعموا أن الله تعالى خلق الدنيا والكون كله لأجل محمد ﷺ . فقال صاحب البردة بهذا القول وهذا المعتقد متأثرا بما سمعه من تلك الأحاديث الموضوعة وإيراد بعض العلماء لتلك الأحاديث.
وقوله:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
معناه: إن من جودك الدنيا وضرتها أي من عطائك وإنعامك وأفضالك الدنيا والآخرة, وهذا كلام لا يحتمل تأويله بغير ذلك, ووازن بين قول الناظم من جودك الدنيا وضرتها, وبين قوله تعالى ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً, قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ... ﴾ الآية.
قال ابن كثير: قل لا أقول لكم عندي خزائن الله, أي خزائن رزقه فأعطيكم ما تريدون ولا أعلم الغيب فأخبركم بما غاب مما مضى وما سيكون, ولا أقول لكم إني ملك لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه الآدمي, ويشاهد
стр. 124
ما لا يشاهد الآدمي, وقال تعالى ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
وهذا القول "إن من جودك الدنيا.... الخ" عدوان على مقام الله, وأي عدوان أكبر من هذا؟ إن الدنيا والآخرة هما من جود الله ومن فضله لقوله تعالى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ .
وكيف يجود ﷺ والله ﷻ قد خلق السموات والأرض وما فيهما قبل أن يخلق محمدا بملايين السنين, وقال الله تعالى آمر نبيه ﷺ بقوله ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ .
ولو كان مالكا وواهبا لأقل مما ذكره الشاعر, لاستطاع أن ينفع ويضر على الأقل.
وقوله:
ومن علومك علم اللوح والقلم: لما بلغ في مدح النبي ﷺ وإطرائه ووصفه بكون الدنيا والآخرة من جوده ﷺ , فتعدى في وصفه بالجود ناسبا في زعمه أن يصفه في سعة العلم, فقال: ومن علومك ... الخ.
يعني أن علم اللوح والقلم من بعض علومك.
أما اعتذار بعض الناس, بأن المراد باللوح هنا: اللوح الذي يكتب فيه الناس والقلم الذي يكتبون به, فهذا الاعتذار غير مجد لما قدمناه, ولأن مقتضى لفظه أن أل في اللوح والقلم للعهد الذهني, فلا يقع في ذهن السامع غير اللوح المحفوظ والقلم الذي جرت به المقادير. ولو أراد أقلام الناس لم يخص اللوح, بل يأتي بلفظ يعم ما يكتبون فيه من لوح وقرطاس وغيره, وأيضا فالناس يكتبون بأقلامهم الحق والباطل, ويكتبون الكفر والسحر والشعر وجميع العلوم الباطلة مما ينزه الرسول ﷺ من إضافته إليه, ويكتبون بعد موته ﷺ الرسائل والمداينات وغير ذلك مما يقع في غد, وذلك من الخمس التي لا يعلمها إلا الله, وقد قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله
стр. 125
عنها: من زعم أن محمدا يعلم ما في غد فقد كذب ثم قرأت ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ .
ومن قبل ذلك قال:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حدوث الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تجلى باسم منتقم
ولا يخفى على كل ذي حجى أن هذه الألفاظ استغاثة برسول الله ﷺ واستعاذة به, فإذا خوطب النبي ﷺ أو غيره من الأموات والغائبين بلفظ من ألفاظ الاستغاثة أو طلب منه حاجة يقول: أغثني أو أنقذني من كذا أو خذ بيدي أو اقض حاجتي أو أنت حسبي أو أشكو إليك حاجتي ونحو ذلك, يتخذه واسطة بينه وبين الله في ذلك فهذا شرك العرب الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ , وقول المستغيث خذ بيدي أو أنقذني من أبلغ ألفاظ الاستغاثة, فلو اعتقد الداعي أن من دعاه وطلبه يقضي حاجته استقلالا من دون الله كان هذا شركا في توحيد الربوبية والألوهية.
قال شيخ الاسلام تقي الدين رحمه الله تعالى: ومن رحمة الله سبحانه أن الدعاء المتضمن شركا كدعاء غيره أن يفعل أو دعائه أن يدعو إن كان ميتا ونحو ذلك, لا يحصل غرض صاحبه ولا يورث حصول الغرض شبهة إلا في الأمور الحقيرة, فأما الأمور العظيمة كإنزال الغيث عند القحط وكشف العذاب النازل فلا ينفع فيه هذا الشرك, قال تعالى ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ .
وقال تعالى ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ . وقال تعالى ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ
стр. 126
أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ وقال ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ , فكون هذه المطالب العظيمة لا يستجيب فيها إلا هو سبحانه دل على توحيده وقطع شبهة من أشرك به.
وقول بعض المعتذرين والمسوغين لقول صاحب البردة, إن قصده بالحادث العمم يوم القيامة, وإن قصده الشفاعة, لأنه قال:
إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... ومنقذي من عذاب الله والألم
أو شافعا لي مما قد جنيت غدا ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم
فالجواب: لا يجوز أن تطلب الشفاعة مباشرة من النبي ﷺ , بل يطلب الله أن يشفع فيه النبي ﷺ لأن الله تعالى يقول ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ , وقال تعالى ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ .
وازن أيها القارئ الكريم بين قول الناظم: يا أكرم الخلق ما لي من ألو ذ به, وبين قول النبي صلى الله لعيه وسلم للذي قال له: ما شاء الله وشئت, فرد عليه ﷺ قائلا: أجعلتني لله ندا, قل ما شاء الله وحده.
فلو قال الناظم: ما لي من ألوذ به إلا الله وأنت لكان أقبح من قول القائل: ما شاء الله وشئت, لأن الله أثبت للعبد مشيئة بقوله ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ , فكيف إذا أفرد الرسول باللياذ والالتجاء من ذلك اليوم الذي ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ .
وقولهم: إن الله وعد الرسول ﷺ بالشفاعة, والله تعالى لا يخلف وعده, وقد ثبت أنه ﷺ أول شافع وأول مشفع.
والجواب: هذا القول صحيح, ولكن ليس معنى أنه يشفع, أنه ملكه الشفاعة, يتصرف فيها كما يشاء, بل الرسول ﷺ عندما تأتيه الأمم يوم القيامة من بعد ما طلبوا من آدم إلى عيسى, يسجد ﷺ عن يمين العرش فيأتيه الإذن من الله: اشفع تشفع, وسل تعط ولا يشفع إلا لمن أذن الله له فيه بالشفاعة, كما قال تعالى ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ , فعلى المسلم أن يدعو الله أن يشفع الرسول ﷺ فيه.
стр. 127
فإن قيل إن الوهابية بالغت في التهجم على الشيخ البوصيري, ونسبت إليه الغلو والشرك, وكأنهم لم يعلموا أن الشيخ كان عالما, وأنه احترز عن مثل ما يظن به بقوله: دع ما ادعته النصارى في نبيهم.
وبقوله:
فمبلغ العلم فيه أن بشر ... وأنه خير خلق الله كلهم
فالجواب: إنه لم يلتزم ما قاله, بل تجاوز الحد مما يجوز إلى ما لا يجوز, وهل ضلت النصارى إلا بالغلو في عيسى ﵇, وفي الأحبار والرهبان, فإنهم ألهوا عيسى وعبدوه من دون الله, وعبدوا الأحبار والرهبان بإطاعتهم لهم في تحليل ما حرم الله وفي تحريم ما حلل الله, كما قال المفسرون في قوله تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
فمن صرف شيئا من العبادات كالدعاء والنذر لغير الله والاستغاثة والاستعاذة بغيره تعالى والرجاء والخوف والطواف والقسم بغير الله, يكون قد ألهه لأن الإله هو المعبود بحق أو باطل, ويصبح المؤله لغير الله مشركا إلا أن في القسم تفصيلا, إن حلف بغير الله وقصد تعظيم غير الله كتعظيم الخالق, فقد أشرك شركا أكبر, وإن لم يقصد ذلك فقد أشرك شركا أصغر.
والناظم بدافع الحب استغاث بالرسول ﷺ واستجار به, وأقسم بغير الله في مثل قوله:
أقسمت بالقمر المنشق ان له ... من قلبه نسبة مبرورة القسم
وزعم أن الله تعالى لم يخلق الكونين إلا لأجله, وأن علوم الأنبياء من علمه, لأنه الذي أفاض عليهم سوى ما أتى به من الأقاويل الضعيفة كقوله:
وبات إيوان كسرى وهو منصدع ... كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم
ولو تتبعنا أخطاء البردة لطلب منا كتابا, كما أن في همزيته أخطاء وغلوا كقوله:
стр. 128
وليس يخفى عليك في القلب داء.... الخ, ولكن تركناها للاختصار, ولكن للحق والإنصاف, أن في القصيدة حكما والحكم تصدر من المسلم ومن غير المسلم, ولكن كل ما في الأمر أن لا نقول إنها كلها خطأ وضلال, بل فيها الجيد من حيث صناعة الشعر والحكم, وفيها الغلو المذموم من حيث التوحيد, ومخالفته للكتاب والسنة, ولا يتعرض الشيخ ولا أتباعه من السلفيين لذات الناظم كما سبق بيانه, لأن الخاتمة عند الله تعالى.
стр. 129
الشبهة الرابعة عشر: إن الشيخ وأتباعه منعوا من شد الرحال إلى قبور الأنبياء
...
الشبهة الرابعة عشرة
يقول المبتدعون خصوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذين أخذوا على عاتقهم محاربة دعوته السلفية ومنهجه الإصلاحي, إن الشيخ محمدا بالإضافة إلى تلك العقائد التي خرج بها على الناس وحكم بشرك من يستغيث بالأنبياء والأولياء ويتوسل بهم, منع شد الرحال إلى قبور الأنبياء, ولم يرع حرمة للأنبياء ولا للأولياء الصالحين, وأتى بعقيدة التجسيم والتمثيل مقلدا في تلك العقيدة الضالة ابن تيمية الذي خرج على الناس بآراء جديدة في العقائد وفي الفروع, ورد عليه علماء عصره وسجنته الملوك وتوفي في السجن من جراء مقالاته المخالفة لأهل السنة والجماعة.
والتمثيل والتجسيم في قول ابن عبد الوهاب وابن تيمية: إن الله مستو على عرشه, وأن له يدين ووجها, وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا, ولم يعيرا اهتماما لتأويل هذه الصفات بحسب اللغة العربية فرارا من التمثيل ... الخ ما سجلوه من هذا الكلام البارد السخيف الذي لا يصدر عن ذي حجى فضلا عمن ينتمي إلى العلم.
الجواب عن الشبهة الرابعة عشرة
والجواب: هذه الشبهة تتكون من أربعة عناصر:
الأول: إن ابن عبد الوهاب مشبه ومجسم, وهذا عين الضلال, زيادة آرائه السابقة.
الثاني: كذلك الشيخ ابن تيمية من أهل التمثيل والتجسيم, ولذلك رد عليه علماء عصره.. الخ.
стр. 130
الثالث: إن أهل السنة والجماعة في زعم المعترضين هم الخلف الذي ينتمون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري, وأبي منصور الماتريدي رحمهما الله, وما سوى هذين المذهبين, فليسوا من أهل السنة.
الرابع: أن إثبات هذه الصفات تمثيل وتجسيم, وهما عين الضلال, بل الكفر والوبال.
أما جواب العنصر الأول: قولهم أن الشيخ محمدا كان مشبها ومجسما لكونه معتقدا باستواء الله على عرشه وبنزوله كل ليلة ... الخ....
فنقول: سبق في أول الكتاب عقيدة الشيخ في صفات الله وفي القدر وفي الشفاعات, وفي مقام الرسول ﷺ , وخلاصة عقيدته: إن سلفي على ما كان عليه الصحابة والتابعون الأئمة المهتدون في صفات الله كالإمام مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وابن المبارك وإسحق بن راهويه والأوزاعي وأهل الحديث, أنه يثبت ما جاء في صفات الله في القرآن الكريم وفي السنة الصحيحة, فلا يمثل صفات الله بصفات خلقه ولا يجسم معتصما بقول الله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ , ولكن لبعد ما ذكرنا سابقا لا بأس أن نعيد بعض الفقرات من شرح عقيدته فيما يمس هذا الموضوع, وإليك أيها القارئ من رسالته لأهل القصيم ما نصه:
قال ﵀ بعد البسملة: أشهد الله ومن حضرني من الملائكة, وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقده أهل السنة والجماعة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله, والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره.
ومن الإيمان بالله, الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه, وعلى لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل, بل أعتقد أن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ , فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه, ولا أحرف الكلم عن مواضعه, ولا ألحد في أسمائه وآياته, ولا أكيف ولا أمثل صفاته بصفات خلقه, لأنه تعالى لا سمي له ولا كفء, ولا ند له, ولا يقاس بخلقه, فإنه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلا, وأحسن حديثا.
стр. 131
فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل, وعما نفاه عنه النافون, من أهل التحريف والتعطيل, فقال تعالى ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . أ. هـ.
وها نحن أريناكم عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب, وأنها كعقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم من الأئمة المهتدين رضوان الله عليهم, وأما أنتم أيها المعترضون والناسبون للشيخ التمثيل والتجسيم في صفات الله, فعليكم الإثبات من كتب الشيخ أو أبنائه أو أتباعه, وإلا فاعلموا أنكم مفترون وعن الحق ناكبون, ولصفات الله معطلون.
وأما بقية الكلام من التوسل والاستغاثة ونحوهما, فقد سبقت الأجوبة بما أغنى عن الإعادة.
وأما الجواب عن العنصر الثاني قولهم: إن الشيخ ابن تيمية كان من أهل التمثيل والتجسيم.... الخ.
فنقول: لا تقبل الدعوى بغير بينة, قال الشاعر:
والدعاوى إذا لم يقيموا لها ... بينات أبناؤها أدعياء
وقال آخر:
وكل ادعا قرين افترا ... سوى من إذا ما ادعى أشهدا
وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية بلغت مئات وانتشرت في مشارق الأرض ومغاربها, فأثبتوا لنا حرفا واحدا في كتبه يدل على التشبيه والتجسيم, وخصوصا في بحث الاستواء والنزول, فقد أطنب وألف رسائل خاصة كالحموية في الاستواء وشرح النزول.
قال في الحموية: رفع إلى الشيخ ابن تيمية سؤال:
ما قول السادة الفقهاء أئمة الدين في آيات الصفات كقوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وقوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ , إلى غير ذلك من الآيات, وأحاديث الصفات كقوله ﷺ : "إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن" وقوله
стр. 132
"يضع الجبار قدمه في النار.". إلى غير ذلك, وما قالت العلماء فيه وأبسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى فأجاب:
الحمد لله رب العالمين, قولنا فيها ما قال الله ورسوله ﷺ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان, وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودراياتهم, وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره, فإن الله بعث محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد, وشهد له بأنه بعثه داعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا وأمره أن يقول ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ .
إلى أن قال: فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره, وسنة رسوله ﷺ من أولها إلى آخرها ثم عامة كلام الصحابة والتابعين, ثم كلام سائر الأئمة مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله هو العلي الأعلى, وهو فوق كل شيء وهو عال على كل شيء, وأنه فوق العرش, وأنه فوق السماء مثل قوله تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في سبع مواضع ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ . إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يحصى إلا بالكلفة, وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى إلا بالكلفة مثل قصة معراج الرسول إلى ربه, ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه, وقوله في الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل والنهار "فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم" , في الصحيح في حديث الخوارج "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر
стр. 133
السماء صباحا ومساء". وفي حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره "ربنا الله الذي في السماء, تقدس اسمك, أمرك في السماء والأرض, كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض اغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع". قال ﷺ : "إذا اشتكى أحد منكم أو اشتكى أخ له فليقل ربنا الله الذي في السماء ". وذكره وقوله في الحديث الصحيح للجارية: "أين الله, قالت في السماء قال: من أنا, قالت أنت رسول الله, قال: أعتقها فإنها مؤمنة ", وقوله في الحديث الصحيح: "إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش, أن رحمتي سبقت غضبي". وقوله في حديث قبض الروح: "حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله". وقول عبد الله بن رواحة الذي أنشده للنبي ﷺ وأقره عليه:
شهدت بأن الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا
وقول أمية بن أبي الصلت الثقفي الذي أنشد للنبي ﷺ هو وغيره من شعره, فاستحسنه وقال: "آمن شعره وكفر قلبه".
مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا
بالبناء الأعلى سبق الناس ... وسوى فوق السماء سريرا
شرجعا ما يناله بصر العين ... ترى دونه الملائك صورا
وقوله في الحديث الذي في المسند: " إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا". وقوله في الحديث: "يمد يديه إلى السماء يقول يا رب يا رب". إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية التي تورث علما يقينا من أبلغ العلوم الضرورية,
стр. 134
إن الرسول المبلغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوين أن الله سبحانه على العرش وأنه فوق السماء كما فطر الله على ذلك جميع الأمم عربهم وعجمهم في الجاهلية والإسلام إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته، ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو ألوفا, ثم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ولا عن أحد من سلف الأمة لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرف واحد يخالف ذلك لا نصا ولا ظاهرا, ولم يقل أحد منهم قط أن الله ليس في السماء ولا أنه ليس على العرش, ولا أنه بذاته في كل مكان, ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء, ولا أنه لا داخل العالم ولا خارجه, و"لا أنه" متصل ولا منفصل, ولا أنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع ونحوها, بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات في أعظم مجمع حضره الرسول ﷺ جعل يقول: ألا هل بلغت؟ فيقولون نعم, فيرفع إصبعه إلى السماء وينكبها إليهم ويقول: اللهم اشهد, غير مرة وأمثال ذلك كثيرة.
فإن كان الحق فيما يقول هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في الكتاب والسنة من هذه العبارات ونحوها دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصا وإما ظاهرا, فكيف يجوز على الله, ثم على رسوله, ثم على خير الأمة, أنهم يتكلمون دائما بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق, ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط, ولا يدلون عليه لا نصا ولا ظاهرا, حتى يجيء أنباط الفرس والروم, وأحبار اليهود والنصارى والفلاسفة يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف أو كل عاقل أن يعتقدها, لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم, وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصا أو ظاهرا, لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير, بل كان وجود الكتاب
стр. 135
والسنة ضررا محضا في أصل الدين.
فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء: إنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله وما يستحقه من الصفات نفيا وإثباتا لا من الكتاب ولا من السنة ولا من طريق سلف الأمة, ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقا له من الصفات فصفوه به سواء كان موجودا في الكتاب والسنة أو لم يكن وما لم تجدوه مستحقا له في عقولكم فلا تصفوه به.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية عقيدة وجيزة, وهي منظومة لامية من بحر الرجز وها هي ذا فاقرأها:
يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي ... رزق الهدى من للهداية يسأل
اسمع كلام محقق في قوله ... لا ينثني عنه ولا يتبدل
حب الصحابة كلهم لي مذهب ... ومودة القربى بها أتوسل
ولكلهم قدر وفضل ساطع ... لكنما الصديق منهم أفضل
وأقول في القرآن ما جاءت به ... آياته فهو الكريم المنزل
وجميع آيات الصفات أمرها ... حقا كما نقل الطراز الأول
وأرد عهدتها إلى نقالها ... وأصونها عن كل ما يتخيل
قبحا لمن نبذ القرآن وراءه ... وإذا استدل يقول قال الأخطل
والمؤمنون يرون حقا ربهم ... وإلى السماء بغير كيف ينزل
وأقر بالميزان والحوض الذي ... أرجو بأني منه ريا أنهل
وكذا الصراط يمد فوق جهنم ... فموحد ناج وآخر يهمل
والنار يصلاها الشقي بحكمة ... وكذا التقي إلى الجنان سيدخل
ولكل حي عاقل في قبره ... عمل يقارنه هناك ويسأل
هذا اعتقاد الشافعي ومالك ... وأبي حنيفة ثم أحمد ينقل
فإن اتبعت سبيلهم فموفق ... وإن ابتدعت فما عليك معول
стр. 136
تأمل أيها القارئ كيف يقول الشيخ: وأمر آيات الصفات كما أتت، فلم يؤول ولم يمثل، بل صرح في النزول بغير كيف، كما قال مالك في الاستواء.
ولا ينسب إلى الشيخ التمثيل والتكييف إلا من رق إيمانه وقل عقله وغلب عليه التعصب والتقليد الأعمى، يقول ما يشاء ولا يحسب حسابا لوقوفه يوم القيامة أمام رب العباد يقول تعالى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
ودعوى الخصوم أن الشيخ ابن تيمية ﵀ يمثل ويجسم، فإنها أولا صادرة من خصومه وثانيا من كذبة ابن بطوطة في رحلته إلى دمشق، ولا يخفى على كل ذي حجى أن رحلة ابن بطوطة مملوءة بالأكاذيب والغرائب التي لا يصدقها عاقل، وتأييدا لذلك، أذكر ماقاله العلامة بهجة البيطار عن فرية "حديث النزول" التي افتراها ابن بطوطة إن صح ما قال، وأن رحلته هذه مملوءة بالمختلقات والحكايات الغريبة بما يخالف المعتقد الصحيح، فهاك البيان:
"١" أن ابن بطوطة ﵀ لم يسمع من ابن تيمية ولم يجتمع به، إذ كان وصوله إلى دمشق يوم الخميس التاسع عشر من شهر رمضان المبارك عام ستة وعشرين وسبعمائة هجرية، وكان سجن شيخ الإسلام في قلعة دمشق أوائل شهر شعبان من ذلك العام، ولبث فيه إلى أن توفاه الله تعالى ليلة الاثنين لعشرين من ذي القعدة عام ثمانية وعشرين وسبعمائة هجرية، فكيف رآه ابن بطوطة يعظ على منبر الجامع وسمعه يقول:
ينزل.... الخ.
"٢" أن رحلة ابن بطوطة مملوءة بالروايات والحكايات الغريبة، ومنها ما لا يصح عقلا ولا نقلا وهو يلقي ما ينقله على عواهنه، ولا يتعقبه بشيء
стр. 137
فمن ذلك قوله: "١: ٥٤" وفي وسط المسجد "أي المسجد الأموي بدمشق" قبر زكريا ﵇، والمعروف أنه قبر يحيى ﵇، وقوله أيضا: وقرأت في فضائل دمشق عن سفيان الثوري أن الصلاة في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة، وهذا لا يقال من قبل الرأي، وسفيان أجل من أن يفضله على مسجد رسول الله ﷺ وعلى المسجد الأقصى ثالث الحرمين الشر يفين وهما لم يبلع الثواب فيهما هذه الدرجة، كما هو معلوم للمحدثين وغيرهم، ومن نقوله التي أقرها ولم ينكرها "١, ١٩٩, ١٣٣, ١٣٦" النذور للقبور المعظمة، والوقوف على أبواب الملوك، ومن ذلك النذر لأبي اسحق إذا هاجت الرياح في البحار , واشتدت الأخطار , وهو ما لم يبلغه أهل الجاهلية الذين قال الله تعلى عنهم ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ .
"٣" لم يكن ابن تيمية يعظ الناس على منبر الجامع كما زعم ابن بطوطة "١:٧٥" "فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ على منبر الجامع" بل لم يكن يخطب أو يعظ على منبر الجمعة كما يوهمه قوله: "ونزل درجة من درج المنبر وقال: ينزل الرب كنزولي هذا". وإنما كان يجلس على كرسي يعظ الناس، ويكون المجلس غاصا بأهله، قال الحافظ الذهبي: وقد اشتهر أمره، وبعد صيته في العالم، وأخذ في تفسير الكتاب العزيز أيام الجمع على كرسي من حفظه، فكان يورد المجلس ولا يتلعثم.
"٤" يظهر من كلام الحافظ ابن حجر، أن الشيخ نصرا المنبجي الذي كان مقدما في الدولة هو الذي أشاع مسألة النزول عن الدرج، بسبب كتاب ورده من الإمام ابن تيمية ينكر عليه فيه أقوالا في وحدة الوجود، ويعدها عليه، قال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة "١٥٤:١" "" وكتب إليه كتابا طويلا ونسبه وأصحابه إلى الاتحاد الذي هو حقيقة الإلحاد، فعظم ذلك عليهم، وأعانه عليه قوم آخرون ضبطوا عليه كلمات في العقائد مغيرة، وقعت منه في مواعيده "مواعظه" وفتاويه،
стр. 138
فذكروا أنه ذكر حديث النزول، فنزل عن المنبر درجتين "كذا" فقال: كنزولي هذا، فنسب إلى التجسيم". أ. هـ.
كما أود أن أذكر، أن الحكاية التي ذكرها ابن بطوطة عن الشيخ تقي الدين ابن تيمية، أنها حكاية غير صحيحة للآتي:
"١" لما سبق من حديث النزول، وأنه جاء دمشق بعد أن سجن الشيخ، ولم يخرج الشيخ من السجن حتى توفي رحمه الله تعالى.
"٢" ومن كلامه أنه سجن أعواما بأمر الملك الناصر، وصنف في السجن كتابا في تفسير القرآن سماه البحر المحيط، ثم إن أمه تعرضت للملك الناصر، وشكت إليه فأمر بإطلاقه إلى أن وقع منه مثل ذلك ثانية, وكنت إذ ذاك بدمشق، فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع، وذكر حديث النزول، كما ذكر قصة الفقيه المالكي الذي زعم أنه ضربوه بالأيدي والنعال حتى سقطت عمامته وظهرت على رأسه شاشية حرير.... الخ.
وأقول إن الملك الناصر هو الذي أخرج الشيخ من السجن بالإسكندرية, وهو الذي استقبل الشيخ بحفاوة أمام جمع حافل من العلماء والقضاة, ومنهم ابن مخلوف المالكي عدو الشيخ, وهو الذي استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة فلم يوافقه الشيخ, ولقد توفيت أم الشيخ "الشيخة صالحة ست النعم بنت عبد الرحمن بن علي بن عبدوس الحرانية" يوم الأربعاء العشرين من شوال عام ٧١٦هـ, بعد أن رجع الشيخ إلى دمشق ولم يتعرض لأحد الملوك لا للناصر ولا لغيره.
نعم السجن الأخير الذي توفي فيه الشيخ كان بأمر الملك الناصر, لأن الفقهاء الذين كانوا أعداء للشيخ أكثروا على الملك الناصر, وقالوا: إن الشيخ حرم زيارة قبر النبي ﷺ كذبا وافتراء عليه, فأمر
стр. 139
بحبسه, وذلك في يوم الاثنين السادس من شعبان عام ٧٢٦هـ.
"٣" حكاية الفقيه المالكي وضربه وسقوط العمامة من على رأسه وظهور شاشية من الحرير, هي من نسيج ابن بطوطة, لم يذكرها ابن الأثير كما لم يذكرها ابن كثير. ولا ابن حجر العسقلاني ولا غيرهم.
أما توجيه التهم الباطلة ونسبة الأمور المخالفة لعالم من العلماء بغير إثبات, فليس لها قيمة في ميزان العلم, لأن سلاح الخصوم الجهلاء الافتراء على خصمهم, فالنبي ﷺ لم يسلم من التهم الباطلة كتهمة السحر والشعر, ولم يخف على أحد ما فعله أعداء الصحابة وما خلقوا لهم من المثالب والطعون التي هم أبرياء منها, وكذلك الأئمة ﵏.
وكون علماء عصره ردوا عليه, فأي قيمة لتلك الردود الباطلة التي لم تؤيد لا بنقل صحيح ولا بعقل رجيح, وقد رد المنتصرون للشيخ ابن تيمية ﵀ على أولئك الطاعنين والرادين عليه, كالصارم المنكي في الرد على السبكي, وجلاء العينين في محاكمة الأحمدين, والرد الوافر, إلى غير ذلك من المؤلفات التي تنتصر للشيخ, وتزهق باطل خصومه, والبحث في هذا طويل, وكتبت فيه المؤلفات.
والخلاصة: أنه لم يقل قولا يخالف القرآن أو السنة, لا في العقائد ولا في الفروع ولا في الأخلاق, نعم قد يخالف أحد المذاهب أو كلها في بعض المسائل القليلة لقوة الدليل, لأنه بلغ الاجتهاد المطلق, وكان الخصوم يعترفون, ويكفينا ثناء الأئمة الأعلام عليه سلفا وخلفا.
وأما أن الشيخ ابن تيمية قد سجن, فقد سجن قبله الإمام أبو حنيفة, كما سجن الإمام أحمد وجلد, كما جلد الإمام مالك, فهل نقص ذلك من قيمتهم شيئا, بل ازدادوا رفعة ومقاما.
وإذ قد سمعت وقرأت ما أوردته عليك, فيتبين لك أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بريء مما نسب إليه من التجسيم والتمثيل, وأن هذه التهمة من اختلاق أعدائه, لأن أعداءه ﵀ كانوا كثيرين من الفقهاء والصوفية
стр. 140
وسائر الفرق الباطلة، لأنه نازل الجميع، وبين زيفهم وبطلان ما يعتقدون، وقد جاهد في الله حق جهاده لسانا وسنانا، بما لا يخفى إلا على جاهل أو متعصب أعماه الحقد والضغينة، فمن يشك فيما أقول، فليقرأ كتب الشيخ، فهذه رسالة الواسطية هي من أصغر الرسائل، طلب منه أهل واسط فكتب هذه الرسالة الكريمة المدعمة بالآيات والأحاديث في العقيدة الصحيحة، ووقعت على هذه الرسالة المناظرة بينه وبين علماء عصره في مجلسين أو ثلاث، ولم يستطع أحد منهم أن ينتقد كلمة واحدة، بل سلموا له الأمر، واعترفوا بعلمه الواسع وعقيدته الصحيحة، فليقرأ من يريد تراجم الشيخ في الكتب التي اعتنت بترجمته حتى يعرف تلك المناظرة.
وأما الرسالة فهي مطبوعة ومنتشرة في سائر الأرجاء، ثم الحموية التي ذكرتها، ثم شرح النزول، وله من المؤلفات الشيء الكثير، وكثيرا ما يتطرق إلى العقائد كمنهاج السنة النبوية، ودرء التعارض بين المعقول والمنقول.
وهكذا شأن الخصوم إذا عجزوا في ميدان الحجج اختلقوا الأكاذيب والترهات، ولما جاء دور الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لم يستطيعوا أن يثبتوا عليه حرفا واحدا بأنه خالف الكتاب والسنة، ولهذا اختلقوا هذه الافتراءات والترهات التي هي أشبه بأساطير الأولين.
والشيخ ابن تيمية وأتباعه، والشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، ومن يدين بعقيدة السلف، إذا قالوا شيئا أثبتوه بالدلائل المسلمة.
وأما الخصوم، فليس عندهم إلا الكلام الباطل، فإذا اجتهدوا كل الاجتهاد، وبذلوا كل الوسع، أتوا بحديث إما أن يكون موضوعا أو ضعيفا لا يحتج بهما، وبعد اللتيا والتي يأتون بآية لا تدل على مرامهم مثل استدلالهم على التوسل بقول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ وفي مقام الأولياء قول الله تعالى ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فالآية الأولى سبق الكلام عنها، والآية الثانية لأن تكون حجة عليهم أولى من أن تكون لهم حجة، إذ ليس فيها إلا بيان
стр. 141
صفات الأولياء، بأنهم من المؤمنين والمتقين، فأين الكرامات المختلقة لهم، وأين التوسلات والاستغاثات الشركية، لكن الأمر كما قيل:
إذا أخذ ما وهب ... سقط ما وجب
الجواب عن العنصر الثالث:
الخلف لم ينتهجوا منهج السلف، فأثبتوا صفات المعاني والمعنوية، وأولوا الصفات الخبرية كالاستواء والنزول واليدين، فهذا التأويل لا يستطيعون أن يثبتوا عليه دليلا من القرآن ولا من السنة ولا من أقاويل الصحابة ولا من التابعين ولا من الأئمة، وإنما أخذوه متأثرين من آراء المعتزلة والجهمية الذين فكروا بعقولهم إننا لو أنكرنا النصوص القرآنية في الصفات الإلهية كفرنا، ولو أثبتنا ونحن عندنا من علم الفلسفة والمنطق ما يقودنا إلى عدم إثبات هذه الصفات، فالأولى أن تؤول ونلتمس من اللغة العربية، ما يكون لنا مسوغا فأخذوا من قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق
بأن معناه قد استولى
وأخذوا من قول العرب لفلان على فلان يد بمعنى نعمة وفلان له يد طولى في العلم أو القوة أو الحكم.
فأولوا تلك الصفات مستندين إلى ذلك والحال أنه قد رد العلماء تأويلاتهم بما لا يدع شكا إنها مبنية على شفا جرف هار، وقد بسط الحافظ ابن القيم في الصواعق المرسلة بما لا مزيد بعده ولا نطيل به الكلام. ثانيا: أنهم زعموا أنهم اتبعوا أبا الحسن الأشعري وقد كان إماما عظيما وهو بريء من هذه التأويلات، وكتابه الإبانة، وكتابه مقالات الإسلاميين، يبرهنان أوضح برهان أن الإمام أبا الحسن رجع عن هذه الآراء لأنه كان أولا معتزليا صرفا ثم رجع وتوسط بين المذهبين، أثبت بعض الصفات وأول بعض الصفات، ثم رجع أخيرا إلى مذهب السلف كما ترجم له الشيخ تاج
стр. 142
الدين السبكي وابن عساكر وشارح الإحياء وبين هؤلاء كلهم أنه رجع سلفيا.
أما جواب العنصر الرابع:
فالجواب من وجوه:
أحدها: نقول للمعطل، هل تقر بوجود الله تعالى أم لا؟ فإن قال لا فهو كافر بالربوبية، فيجب علينا حينئذ إقامة الأدلة على ربو بيته تعالى.
وأن أقر بوجود الله، فيقال له هل وجوده كوجودنا؟ فمن اليقين أن يقول لا كوجودنا، بل له وجود يخصه، فنقول له فكذلك صفاته ليست كصفاتنا، لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات.
فكما أن ذاته ليست كذوات غيره، فكذلك صفاته ليست كصفات غيره، وليعلم المعطل أن اشتراك شيئين في مطلق اسم لا يوجب اتحادهما في الحقيقة.
فإذا قيل أن العرش موجود، والذباب موجود، فهل يفهم عاقل أن وجود العرش كوجود الذباب؟
وكذلك إذا قيل بأن الله موجود، والمخلوق موجود، لا يفهم من هذا أن وجوده تعالى كوجود المخلوق.
وإذا قلنا لله علم، ولبعض المخلوق علم، لم يكن علمه تعالى كعلم المخلوق، وهكذا القول في سائر الصفات.
وإن أقر بالوجود، وزعم أن وجوده لا يستلزم التشبيه لأنه واجب عقلا ونقلا، وأنكر بقية الصفات أو أولها لاستلزامها ما ذكر بحجة أن العقل يحيلها، لاستلزامها الحدوث.
فيجاب: ليس الأمر كما زعمت، لأننا نقول: الموجود إما أن يكون جسما أو عرضا، والله موجود فيلزم أن يكون أحدهما، فإن اعترفت بأحدهما فذلك المحذور بعينه، وإن استطعت أن تقول أنه تعالى ليس جسما ولا عرضا ولا
стр. 143
مماثلا لغيره، فقل كذلك صفاته الثابتة في القرآن والسنة ليست كصفات غيره، ومجرد قولك يلزم هذا ولا يلزم هذا، لا يقبل إلا بدليل مسلم به.
والمقصود أن فتح باب التأويل يوجب هدم الشريعة، إذ مادمت تسوغ التأويل في باب أسماء الله وصفاته، لا يمكنك أن تنكر على مبطل، لأنك إن أنكرت على قرمطي في تأويله لنصوص التكاليف ونصوص المعاد يجبك إني أولتها كما أولت في الصفات، ولا يعقل نفي تأويلي وقبول تأويلك، وإذا أنكرت على المرجئة, وبينت لهم نصوم الوعيد, أجابوك بتأويل النصوص، وأن المقصود منها التخويف فقط، وأنت قائل بالأقاويل التي أعظم من هذه.
وإن أنكرت على من سب الصحابة ﵃، وكفروهم وأوردت لهم النصوص الدالة على فضلهم قالوا لك: إنها مؤولة.
فإذا قلت تأويلكم غير مقبول، قالوا لك: كيف يقبل منك التأويل الذي يرجع إلى الخالق، ولا يقبل منا ما يرجع إلى المخلوق.
والحاصل: إنه لا يمكن للمؤول أن ينكر على مبطل أو يناظره، إلا ويناضله بسلاح ذلك المناضل حتى ينتصر عليه، وهل فتح هذا الباب إلا هدم لأساس الدين.
إن القرآن قد أنزله الله لهداية البشر وإخراجهم من ظلمات الوثنية والإلحاد والشرك إلى نور الإيمان والتوحيد والإسلام، وتقديس الله وتنزيهه عما لا يليق بجلاله.
وأمر الله نبيه بالتبليغ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ، ووصف القرآن بأن فيه البيان لكل شيء، فقال ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ . بين الرسول صلى لله عليه وسلم هذه التأويلات التي زعموها؟ وقد اهتدى بالقرآن والنبي صلى لله عليه وسلم ملايين البشر، وصاروا بعد تلك الوثنية والكفريات من المؤمنين المنزهين لله تعالى، فلو كان ظاهر تلك الآيات، دالة
стр. 144
على التمثيل والتجسيم، لما كانوا منقولين من الوثنية والكفر، إذ هذا هو الوثنية بعينها، ولا كان هناك معنى لهداية البشر، ولا فائدة في القرآن والرسول ﷺ .
ولا يخفى أن في هذا طعنا في القرآن والرسول، إذ قد أتيا بما يدل على التجسيم والتشبيه كما يلزم الطعن في المسلمين السابقين والعلماء الراسخين والعوام الموحدين، لأنهم اعتقدوا ما دلت عليه الآيات والأحاديث.
فإن قالوا: لا نقول بموجب ذلك، بل نبرأ إلى الله مما هنالك، بل قصدنا تنزيه الله وبعده عن النقائص.
قلنا لا بأس، ولكن النبي ﷺ أحق منكم بالتنزيه، والمسلم لا يكون مسلما إلا بإقراره بالله وتوحيده، وتنزيهه عن الكفء والمثيل، ولكن لا ينزه الله عما وصف به نفسه، وأنتم قد نزهتموه عن الصفات التي وصف بها نفسه، فلو كان ما تقولون حقا لنزهه الرسول ﷺ ، ثم أصحابه رضوان الله تعالى عليهم بمثل ما نزهتموه به، ولكن لم يثبت شيء من ذلك.
ولو كان ما تقولون حقا لبينه النبي صلى لله عليه وسلم للأمة وهو مأمور بالبيان والتبليغ، فيلزم من قولكم أنه لم يبين ما هو واجب البيان، وهذا طعن في الرسول ﷺ ، وقد ذكر الله تعالى في الآية آنفة الذكر، إنه تبيان لكل شيء، فأين بيان الله لهذه التأويلات، وأين بيان الرسول صلى لله عليه وسلم؟
وكيف يبين الرسول ﷺ للأمة كل ما يحتاجون إليه، حتى آداب قضاء الحاجة، ولا يبين لهم ما يعتقدونه في ربهم ومعبودهم.
وإذا كان ظاهر النصوص يدل على التشبيه والتجسيم، ومن العلوم أن التجسيم والتشبيه ضلال، والضلال نقيض الهدى، فأين قول الله تعالى في وصف كتابه ﴿هُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ؟ وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وكيف يقول ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهل يأمر الله تعالى باتباع الضلال.
стр. 145
فنسبة التجسيم إلى القائل وهو الله والرسول أولى منا لأننا راوون لما قال الله وقاله رسوله، ومعتقدون ما أخبر الله به ورسوله، ولم يقل الله ورسوله لا تعتقدوا بظواهر هذه الآيات لأنها تدل على التجسيم والتمثيل، واستدلالكم ب ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ جوابنا: إن هذه الآية حجة عليكم لأن صدرها ينفي المثلية ويرد على الممثلة والمشبهة، وعجزها يثبت كونه سميعا بصيرا، وفيه رد على المعطلة.
ولم يقل أحد من السلف بأن صفاته كصفات غيره، حتى تلزموهم بالتمثيل والتجسيم، بل ينزهون الله أعظم من تنزيهكم، ويثبتون له أوصافه السنية كما جاء في القرآن والسنة النبوية، ويقرنون بعدم التكييف والتمثيل أ. هـ.١