وهناك العديد من الآيات التي يستشهد بها في إثبات علو الله ويصرح بتمسكه بمذهب السلف فيقول (وذلك مذهب الإمام أحمد وغيره من السلف أنهم لا يتكلمون في هذا النوع إلا بما تكلم الله به ورسوله فما أثبته الله لنفسه أو أثبته رسوله ـ أثبتوه مثل الفوقية، الاستواء، والكلام والمجيء وغير ذلكن وما نفاه الله عن نفسه ونفاه عنه رسوله نفوه، مثل: المثل والند والسمي وغير ذلك وأما ما لا يوجد عن الله ورسوله إثباته ونفيه، مثل: الجوهر، الجسم والعرض والجهة وغير ذلك ـ لا يثبتونه ولا ينفونه، فمن نقاه فهو عند أحمد والسلف مبتدع، ومن أثبته مثل هشام بن الحكم وغيره فهو عندهم مبتدع، والواجب عندهم السكوت عن هذا النوع اقتداء بالنبي ﷺ وأصحابه" (١) .
وفي موضع آخر في هذه الرسالة يستشهد بقول أبي الوفاء بن عقيل الذي قال (أنا أقطع أن أبابكر وعمر ماتا ما عرفا الجوهر والعرض فإن رأيت ان طريقة ابي على الجبائي وأبي هاشم خير لك من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت) (٢) .
التصريح برفع الأيدي على الله تعالى كما ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله ان النبي ﷺ جعل يقول " ألا هل بلغت" فيقولون نعم فيرفع اصبعه إلى السماء وينكبها إليهم ويقول " اللهم أشهد" (٣) .
ومن الأدلة أيضا على علوه في عرشه إخباره ﷺ ان تردد بين موسى ﵇ وبين ربه ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة.
ونسوق هذا النص في ختام الأدلة والبراهين التي استشهد به ابن عبد الوهاب في إثبات صفة الاستواء على النحو الذي آمن به أهل السنة فيقول:" وذلك ان إنكار (الأين) من عقائد أهل الباطل، وأهل السنة يثبتونه اتباعا لرسول الله ﷺ كما في الصحيح ان قال للجارية أين الله (٤) ؟
стр. 107
ومما هو جدير بالذكر أن ابن الجوزي رفض التعويل على هذا الحديث بقول أنه ضعيف (١) .
والذي يعيننا هنا هو تعويله على الأدلة القرآنية وهي كثيرة كما أوردناها في بداية الحديث عن الاستواء، أضف إلى هذا ان ابن عبد الوهاب رفض تأويل النصوص القرآنية كما فعل ابن الجوزي الذي أقبل على تأويل الاستواء بمعنى الاستيلاء.
ويهاجم ابن عبد الوهاب المتكلمين على موقفهم من إنكار الاستواء واعتبر الفلاسفة اعقل منهم في هذا الموقف" حتى أن أئمة المتكلمين لما ردوا على الفلاسفة تأويليهم في آيات الأمر والنهي مثل قولهم: المراد بالصيام كتمان أسرارنا والمراد بالحج زيارة مشايخنا والمراد بجبريل العقل الفعال، وغير ذلك من إفكهم. ردوا عليهم الجواب بأن هذا التفسير خلاف المعروف بالضرورة من دين الإسلام. فقال لهم الفلاسفة: أنتم جحدتم علو الله في خلقه واستوائه على عرشه، مع أنه مذكور في الكتب على ألسنة الرسل وقد أجمع المسلمون كلهم وغيرهم من أهل الملل، فكيف يكون تأويلنا تحريفا وتأويلكم صحيحاً؟ فلم يقدر أحد من المتكلمين أن يجيب عن هذا الإيراد" (٢) .
نوجز موقف ابن عبد الوهاب في مسألة الاستواء إلى:
١. إثبات جميع الصفات التي ورد به الشرع مع فهم معانيها الحقيقية دون تأويل أو تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل. بعابرة أخرى ينفي عنه مشابهة المخلوقات فيجمع بين الإثبات ونفي التشبيه وبين التنزيه وعدم التعطيل.
٢. إن استواءه على عرشه من لوازم علوه ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا في نصف الليل الثاني من لوازم رحمته وربوبيته.
٣. رفض كل زعم أو تأويل لمسألة الاستواء بمعنى الاستيلاء او القهر.
стр. 108
٤. اعتبر الفلاسفة في إثباتهم للاستواء أعقل من المتكلمين الذين أنكروا صفة الاستواء أو ذهبوا إلى تأويلها.
٥. هاجم بشدة كل من أنكر أو نفى أي صفة وردت في الذكر الحكيم أو في سنة رسوله.
٦. نستطيع أن نقول أن ابن عبد الوهاب لم يسهب ويفصل في توحيد الألوهية ويرجع ذلك إلى أمرين:
الأول منهما: أن مجتمعه والعصر الذي وجد فيه كان عصر تأخر وبعد عن الاشتغال بعلم الكلام ولم تشغل مشكلة الصفات بال إلا القلة القليلة جدا من العلماء إذ وجدوا.
الأمر الثاني: كراهية ابن عبد الوهاب كصاحب مذهب سلفي الخوض في مسألة الصفات والعمل بعلم الكلام للأسباب التي أوردناها في أول الباب واقتفى أثر السلف فأقر ما أقروا وترك ما تركوا والحقيقة أنه التزم بهذا الأمر في جميع جوانب الغيبيات.
стр. 109
الفصل الثاني: النبوات
الموضوع الثالث من مسائل الغيبيات الذي نتناوله الآن لدى ابن عبد الوهاب هو: النبوات. ومسألة النبوة وإرسال الأنبياء إلى الخلق مبشرين ومنذرين ما هو إلا جانب من وعد الله للناس ولطفه بخلقه وتبصيرهم لأمور الدين والدنيا والرجوع بالإنسان إلى منابع الإيمان الأصلية كلما زحزحته عنها الحياة أو بواعث الهوى، ثم هو وعد من الله حيث يقول تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (١) وعدد الأنبياء والرسل لا يحصيهم إلا الله سبحانه ﴿رُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ (٢) .
فأنبياء الله تعالى ورسله إلى البشر قسمان:
نبي يبثه الله تعالى إلى قومه لهدايتهم إلى الحق ورسوله يبعثه الله بكتاب إلى قومه لهدايتهم إلى الحق ودعوتهم إلى عبادة الله وحده وهي دعوة جميع الرسل والأنبياء على مر العصور يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) وهذا الأمر في اختصاص الله وحده بالعبادة واجتناب الطاغوت في جميع أشكاله وألوانه حتى لا يكون للناس على الله حجة بعد ذلك
стр. 110
يقول تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (١) .
هذه الحقائق في حق إرسال الأنبياء والرسل يطالب بها ابن عبد الوهاب أن تكون من واجب كل مسلم ومسلمة الوقوف عليها فيقول: (اعلم رحمك الله أنه واجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلم ثلاث مسائل الأولى: أن الله خلقنا ولم يخلقنا عبثا، ولم يتركنا هملا، بل أرسل إلينا رسولا ومعه كتاب من أطاعه فهو في الجنة، ومن عصاه فهو في النار والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ (٢)
المسألة الثانية: إن أعظم ما جاء به هذا الرسول أن لا يشرك مع الله في عبادته أحدا، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ (٣)
المسألة الثالثة: يحذر ابن عبد الوهاب من معاداة الإنباء والرسل لأنهم من اختيار الله واصطفائه والدليل قوله تعالى (٤) ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ (٥)
ثم يحذر ابن عبد الوهاب أن من يعبد الله لا يجوز له موالاة أعدائه حتى ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم او عشيرتهم، ولكن الواقع أن معاداة الأنبياء والمرسلين ظاهرة مع كل نبي ومرسل على مر العصور, ومطالتبهم دائما بأشياء شاقة وغير عادية، ولذلك ساند الله أنبياءه بالمعجزات، ويقول الله تعالى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ . (٦)
стр. 111
فقد سانده الله تعالى ثم أيده بالطوفان، وكانت معجزة إبراهيم أن قلبه خلا من كل ما سوى الله.. وأنه ألقي في النار فكانت بردا وسلاما عليه، وكامن معجزة موسى عصا تتحول إلى حية جبارة، وكانت معجزة عيسى إحياء الموتى وكانت معجزة محمد كتابا هو القرآن وخلقا هو القرآن وعند هذه المعجزة نقف برهة بعد بيان بشرية الأنبياء.
وإلى جانب معجزة القرآن أيده الله بعلامات النبوة التي أعجزت الكفار وأدهشتهم مثل انشقاق القمر ومعراجه على السماء، إلى سدرة المنتهى وكفاية الله له من أعدائه وعصمته من الناس وإجابة دعائه، وإعلامه بالغيبيات الماضية والمستقبلية وتأثيره في تكثير الطعم والشراب وغيره من المعجزات التي وردت في كتب السيرة والتراجم.
بشرية الأنبياء وحكمة الله فيها:
يبين عبد الوهاب حكمة الله في إرسال الأنبياء والمرسلين من البشر عملا بقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (١) حتى تتوافر الالفة ويحدث التقارب هذا من ناحية ومن ناحية الاخرى حتى يكون للمعجزة التي يجريها الله على يد نبيه لها معنى لكي تفوق بلوم المعجزة على يد ملك ليس بغريب ويقول الله تعالى في هذا الشأن ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ (٢) .
أي خلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدرون الملك هو أم آدمي؟
ثانيا: بشرية الأنبياء اقتضت أن تكون صفاتهم هي عين الصفات التي يتحلى بها البشر من حيث أنهم أكمل الخلق علماً وعملاً وأصدقهم وأبرهم وأكملهم أخلاقا لأن الله اختارهم وخصهم بفضائل لا يلحقهم فيها أحد وبراهم من كل خلق رذيل ويجب محبتهم وتعظيمهم ويحرم الغلو فيهم ورفعهم
стр. 112
فوق منزلتهم، ويجوز في حقهم شرعا وعقلا النوم والنكاح والأكل والشرب والجلوس والمشي والضحك وسائر الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم الصلبة (١) .
ثالثا: بشرية الأنبياء لا تؤدي إلى نقص في تبليغ الأحكام ـ وقد تمتد إليهم أيدي الظلمة وينالهم الاضطهاد وقد يقتل الأنبياء كما أخبر الله بذلك في كتابه بقوله سبحانه ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (٢) .
رابعا: يندد ابن عبد الوهاب بالذين يدعون لأنفسهم أكثر مما يكون لدى الأنبياء فيقول: (تبرؤ الرسل من دعوى أن عندهم خزائن الله أو علم الغيب، مع أن الطواغيت في زمننا ادعوا ذلك وصدقوا وعبدوا لأجل ذلك) (٣) .
خامساً: يؤكد ابن عبد الوهاب أن من بشرية الأنبياء بأن ليس لهم الأمر شيء فيقول (التحقيق بكون المخلوق ليس له من الأمر شيء ولو كان نبياً مرسلا، لسبب ما فيها من قصة ابن نوح) (٤) .
سادسا: إن الذي عليه المحققون من العلماء من الحنابلة والشافعية والمالكية والحنفية أن الأنبياء معصومون من الكبائر وأما الصغائر فقد تقع منهم لكنهم لا يقرون عليها بل يتوبون منها ويحصل لهم بالتوبة منها أعظم مما كان قبل ذلك وجميع أهل السنة والجماعة متفقون على أنهم معصومون في تبليغ الرسالة ولا يجوز أن يستقر في شيء من الشريعة خطأ باتفاق المسلمين (٥) .
سابعا: إنه لا ينكر إصابة الشيطان للأنبياء بما لا يقدح في النبوة لقوله تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ مع قوله ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ (٦) .
стр. 113
ثامنا: شدة الحاجة على تعلم التوحيد. فإذا كان الأنبياء يحتاجون إلى ذلك ويحرصون عليه، فكيف يغيرهم ففيها رد على الجهال الذين يعتقدون أنهم عرفوه فلا يحتاجون إلى تعلمه (١) .
ثم يقول (ما عليه الإنسان من البشرية ولو كان نبيا وذلك من أدلة التوحيد) (٢) .
تاسعا: يجوز الإجارة على النبي بخلاف قول كثير من الفقهاء من منعهم الإجارة بالطعام والكسوة وأن مهمة الرعي لا تنقص (كيف وقد قال ﷺ : ما بعث الله نبيا إلا رعى لغنم) (٣) .
عاشراً: الترحم على الأنبياء، وأنه لا ينقص من قدرهم بل هو من السنة (٤) .
بعد هذا العرض والتحليل لموقف ابن عبد الوهاب من مسألة النبوة ومدى حاجة البشرية لها على مر العصور، حتى خاتم النبيين جاء بالرسالة الكافية الشافية لأمور الدين والدنيا، ثم أوضحنا رأيه في بشرية الأنبياء وضرورتها لتتلاءم مع المهمة التي أرسلهم الله من أجلها، وتعرضهم للأذى والاضطهاد من شعوبهم على طول فترات التاريخ، وكان وعد الله لأنبيائه ورسله بتأييدهم بالمعجزات ونصرهم بخوارق الأمور، وهذا ما سنتناوله بالإيضاح والتفصيل.
المعجزة:
تعريف المعجزة:
المعجزة في اللغة اسم فاعل من الاعجاز مصدر للفعل (أعجز) يقال: عجز فلان عن الأمر، وأعجزه الأمر إذا حاوله فلم يستطعه، ولم تتسع له مقدوراته وجهده.
стр. 114
والمعجزة في لسان الشرع أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة (١) .
والمعجزة: أما حسية، تجابه الحواس، تتحدى القدر.... من هذا النوع، أي أنها كانت تقع في مجال الحس، وخاصة حاسة النظر، حيث أنها في هذا المجال تتكشف للناس على صورة تكاد تكون واحدة، لا اختلاف عليها بينهم لأن الناس لا يختلفون اختلافا بعيدا في مدلول ما يقع للحواس الأخرى من مسموعات، ومذوقات، ومشمومات، وملموسات.
يقول السيوطي: (وأكثر معجزات بني إسرائيل كانت حسية ... لبلادتهم، وقلة بصيرتهم ... وأكثر معجزات هذه الأمة ـ الإسلامية عقلية لفرط ذكائهم، وكمال إفهامهم ـ ولأن الشريعة لما كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة، خصت بالمعجزة العقلية الباقية.. ليراها ذوو البصائر) (٢)
وتتعدد المعجزات وتختلف كما هو معروف من تاريخ الأديان ونصوص الكتب المقدسة، أن كل نبي كان يحمل بين يديه إلى قومه آية صدقه في معجزة يلقاهم بها، متحديا على صورة لم يسبقة إليها أحد من قبل، ولم ينكشف للناس شيء من وجهها قبل أن تطلع عليهم، قاهرة متحدية.. بل إن بعض الأنبياء كان يحمل إلى قومه أكثر من معجزة ويجيء إليهم بأكثر من دليل يدل على أنه مرسل من عند الله، وهذه المعجزات التي بين يديه هي شهود عدول على صدق ما يقول، وما يدعي.
فموسى ﵇ حمل لبني إسرائيل عصا كانت تتفجر منها المعجزات يلقى بها من يده فتنقلب حية تسعى، ويضرب بها البحر فينفلق إلى جانب تلك العصا ومعجزاتها معجزة أخرى هي يده يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء. (٣)
стр. 115
ثم معجزاته سوق آيات النقمة والبلاء على فرعون وقومه. ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلات﴾ (١) .
وعيسى ﵇ كان معجزته في يده، وفي فمه، واختلاف المعجزات في أجيال الناس مما اقتضته دواعي الحكمة التي جاءت المعجزات من أجلها. لهذا كان من تدبير الحكيم العليم القادر أن يكون في يد كل نبي دليل صدقه الذي لا يشاركه فيه غيره، وأن تكون معجزته التي يلقى بها الناس فريدة لم تقع في خاطر ولا تجول في تفكير.
وإذا كان لكل نبي آياته ومعجزاته التي يؤيد بها دعوى نبوته ورسالته، فما هي المعجزة أو المعجزات التي جاء بها "محمد" بين يدي رسالته.. لتقطع على الناس طريق الشك فيه، وفيما يدعيه لا شك أن معجزته ﷺ هي القرآن الكريم كما ورد في القرآن ذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) .
فهذه الآية صريحة في قطع الكافرين عن البحث في آيات أخرى غير القرآن ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣) .
وجوه إعجاز القرآن:
قبل أن نتحدث عن وجوه إعجاز القرآن ينبغي أن نقول أنه الوثيقة التي يقال عنها أنها القرآن الذي نزل على محمد.
ونسوق نصل للباقلاني يبرز فيه بعض وجوه إعجاز القرآن فيقول: " الذي يوجب الاهتمام التام بمعرفة إعجاز القرآن، أن نبوة نبينا ﵇ بنيت على هذه المعجزة، وإن كان أيد بعد ذلك بمعجزات كثيرة" (٤)
وفي موضع آخر يقول: " فأما دلالة القرآن فيهي معجزة تامة، عمت
стр. 116
الثقلين وبقيت بقاء العصرين، ولزوم الحجة بها في أي وقت منذ وجودها إلى يوم القيامة" (١) .
١. وأبرز ما يلفت النظر ويستدعي الإنصاف أن محمدا ﷺ كان أميا لا يكتب ولا يقرأ وكذلك كان معروفا من حاله أنه لم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم، ثم أتى بجملة ما وقع وحدث من عظيمان الأمور ومهمات السير من حين خلق آدم ﵇، إلى حين مبعثه.
٢. إن القرآن يتضمن الإخبار عن الغيب، وذلك مما لا يقدر عليه البشر، ولا سبيل لهم إليه (٢) .
٣. إنه بديع النظم، عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى الحد الذي عجز الخلق عنه، ويقول في ذلك : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرا﴾ (٣) .
فالقرآن الكريم معجز في تاريخه دون سائر الكتب معجز في أثره الإنساني، معجز كذلك في حقائقه إلى يوم القيامة وفي هذا يقول الإيجي: " لا يجد الباطل إليه سبيلا.. ولا يتطرق إليه نسخ.. أي لا ينتهي حكمه بعد زمانه ﵇ وذلك لانقطاع الوحي وتقرر أحكامه إلى يوم القيامة، ولا تحريف في أصله) (٤) .
فابن عبد الوهاب تستدل ويؤكد نبوة نبينا محمد ﷺ من معجزة نزول القرآن الكريم قرآنا يتلى عجز الخلائق عن الإتيان بمقله ولا بآية منه نثبت به
стр. 117
عجز الخلق أمام الخالق وما زال هذا الإعجاز يتجلى كل يوم وسيظل كذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها لتتم به حجة الله على عباده منذ دعهم وتحداهم به، فيقول (وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده) (١) .
وفي موضع آخر يقول (وأومن بأن نبينا محمد ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصلح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته) (٢) .
ويستنبط بن عبد الوهاب من سور القرآن الكريم على ثبوت نبوته صىل الله عليه وسلم مثال سورة المسد (٣) ، والعلق (٤) ، وفي سورة القصص في تفسيره ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
يستخلص ابن عبد الوهاب منها:
١. التنبيه على جلالة القرآن وعظمته وإخبار النبي ﷺ الأمي بأخبار السابقين.
٢. التنبيه على وضوح القرآن " الحق".
٣. فيه علامة من علامات نبي الاسلام ﵇.
فابن عبد الوهاب يؤمن بنبوة محمد ﷺ وأن معجزة القرآن ونزوله خص بها النبي الأمين وأن القرآن الكريم كلام الله منزل غير مخلوق، وأنه أعجز الخلائق عن الإتيان بمثله ولا بآية منه وأنه يؤمن بأن النبي ﷺ خاتم النبيين وأنه أعلى مراتب البشر، أقر بهذه الحقائق جميعا في إطار الشرع ومنهج السلف دون إخلال يؤدي إلى بدعة من البدع التي انتشرت في عهده وخاض معارك فكرية وحربية ضارية للقضاء عليها.
стр. 118
رفض ابن عبد الوهاب الإسراف في تحميل الأشخاص صفات وأحوال لا يجوز للبشر المغالاة فيها إلى حد يدخل صاحبه في الشرك فيقول للذين أسرفوا في رفع رتبة النبي ﷺ إلى حد يبعده عن بشريته:" هاجر إلى المدينة وبها توفي، ودفن جسمه وبقي علمه، نبي لا يعبد ورسول لا يكذب، بل يطاع ويتبع" (١) .
ويؤكد ابن عبد الوهاب طاعة الرسول بقوله: (إن كل عمل على غير اتباع الرسول غير مقبول" (٢) .
وقد هوجم ابن عبد الوهاب اشد هجوم على موقفه هذا ورمي بأشياء كثيرة منها:" وأما ما يكذب عليها سترا للحق، وتلبيسا على الخلق، بأننا نفسر القرآن برأينا، ونأخذ من الحديث ما وافق أفهامنا، من دون مراجعة شرح ولا معول على شيخ، وإنا نضع من رتبة نبينا محمد ﷺ بقولنا: النبي في قبره، وعصا أحدنا انفع له منه، وليس له شفاعة أو أن زيارته غير مندوبة وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله حتى نزل عليه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ مع كون الآية مدنية. (٣) إلى آخر ما أورده من المفتريات والتي يرد عليها بقوله: (وصورة الأمر الصحيح أني أقول ما يدعي إلا الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى في كتابه: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ (٤) وقال في حق النبي ﷺ : ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ (٥) .
فابن عبد الوهاب يلتزم في اثبات النبوة للأنبياء والمرسلين كما أخبر الله عنها في كتابه وكما ورد عن نبيه ﷺ دون اسراف أو تقديس لأصحاب النبوات صلوات الله عليهم يخرجهم عن بشريتهم أو يطلب منهم ما لا يطلب إلا من الله وحده الخالق الرزاق، وأن القرآن الكريم معجزة المعجزات في معناه ومغزاه ولفظه ووضوحه إلى يوم القيامه لأنه منزل من لدن حكيم عليم.
стр. 119
الفصل الثالث: البعث والجزاء
تزخر آيات الكتاب الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة بالحديث عن البعث والنشور وتسوق الدليل بعد الدليل على أن ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (١) . وقال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ . (٣)
فالبعث لغة التحريك والإثارة وشرعا إعادة الأبدان وإدخال الأرواح فيها فيخرجون من الأجداث أحياء مهطعين إلى الداعي كما ذكر الله تعالى: ﴿خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ (٤) .
وأن البعث والإعادة أهون على الله من البدء والخلق وكل هين ويسير ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (٥) ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (٦) .
وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ (٧) .
стр. 120
وهذا رد على من عميت بصائرهم ويثبتون بعث الأرواح دون الأجسام ورغم وجود هذه الآيات البينات كدليل شرعي إلا أن هناك من أنكر البعث وهؤلاء نصيبهم الخسران.
وينعى ابن عبد الوهاب على هؤلاء الذي رفضوا آياته وأنكروا على عقولهم التفكير فيما سبق من بينات، فقصة أهل الكهف" وأما دلالتها على اليوم الآخر فمن طول مكثهم لم يتغيروا" (١) كما قال الله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ . (٢)
ويسوق دليلا آخر يخاطب به عقول المنكرين للبعث فيقول: الدليل على اليوم الآخر، لأن من أعظم الدلالة حياء الموتى في دار الدنيا) . (٣)
وهؤلاء الجاحدون للبعث يتخذ جحودهم صورا عديدة يبينها الجرجاني في شرح المواقف فقال ما نصه:" واعلم ان الأقوال الممكنة في مسألة المعاد لا تزيد على خمسة": الأول: ثبوت المعاد الجسماني فقط، وهو قول المتكلمين النافين للنفس الناطقة.
الثاني: ثبوت المعاد الروحاني فقط وهو قول الفلاسفة الإلهيين.
الثالث: ثبوتها معا وهو قول كثير من المحققين، كالعليمي، والغزالي، والراغب وأبي زيد الدبوسي، ومعمر من قدماء وجمهور من متأخري الإمامية، وكثير من الصوفية، فإنهم قالوا: الإنسان بالحقيقة هو النفس الناطقة، وهي المكلف، والمطيع والعاصي والمثاب والمعاقب والبدن يجري فيها مجرى الآلة، والنفس باقية بعد فساد البدن فإذا أراد الله تعالى حشر الخلائق خلق لكل واحد من الأرواح بدنا يتعلق
стр. 121
به، ويتصرف منه كما كان في الدينا.
الرابع: عدم ثبوتهما معا وهذا قول القدماء من الفلاسفة الطبيعيين.
الخامس: التوفيق في هذه الأقسام، وهو المنقول عن جالينوس فإنه قال: لم يتبين لي أن النفس هل هي المزاج فينعدم عن الموت فيستحيل إعادتها أو هي جوهر باق بعد فساد البينة فيمكن العاد حينئذ" (١) .
وذكر نفس الشيء كل من الرازي في كتابه (الأربعين في أصول الدين وسعد الدين التفتازاني" في شرح المقاصد" أن الأقوال الممكنة في مسألة المعاد لا تزيد على خمسة؛ وذلك لأن الحق إما أن يكون المعاد هو المعاد الجسماني فقط، وهو قول أكثر المتكلمين أو المعاد الروحاني فقط، وهو قول أكثر المحققين، أو الحق هو بطلانهما معا، وهو قول القدماء من الفلاسفة الطبيعيين أو الحق التوقف في كل هذه الأقسام، وهو المنقول عن جالينوس، فإنه قال لم يظهر لي أن النفس شيء غير المزاج، بتقدير أن تكون النفس هي المزاج، فعند الموت تصير النفس فانية معدومة، والمعدوم لا يمكن إعادته، أما بتقدير أن تكون النفس جوهرا باقيا بعد فساد المزاج كان العاد ممكنا، ولما لم يتبين عنده أن النفس هل هي المزاج بعينه أو شيء غيره لا جرم توقف فيه (٢) .
هكذا يعرض الرازي وسعد الدين التفتازاني الأقوال التي أمكن قولها في المعاد، ونحن إذا استبعدنا القولين الأخيرين، لأنهما ليسا من أقوال أهل السلف، ونحن نبحث آراء ابن عبد الوهاب وصلتها بأقوال المسلمين السابقين عليه، إذا استبعدنا هذين القولين بقي عندنا ثلاثة أقوال:
(١) قول أكثر المتكلمين النافين للنفس الناطقة (المجردة) وهؤلاء يقولون أن المعاد الجسماني فقط.
(٢) قول الفلاسفة الإلهين وهؤلاء يقولون أن المعاد روحاني فقط.
(٣) قول المحققين من المتكلمين كالغزالي، والعلمي من الأشاعرة، ومعمر
стр. 122
من المعتزلة، وبعض الصوفية والإمامية، وهؤلاء يقولون أن المعاد جسماني وروحاني وأن الروح باقية بعد فناء الجسد، ثم تتصل به بعد الإعادة. وبالمقارنة بين هذه الأقوال وقول ابن عبد الوهاب نجده:
أولاً: يعتبر أن خلق آدم من تراب، من أبين الأدلة على المعاد (١) .
ثانيا: معرفة المؤمن إذا أعثر عليه: ﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ كما رد سبحانه موسى إلى أمه ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ فتأمل هذا العلم ماهو.
ثالثا: أن الساعة آتية لا ريب فيها لما وقع بينهم من النزاع وذلك أن بعض الناس يزعم أن البعث للأرواح خاصة، وأعثر عليهم ليكون دليلا على بعض الأجساد. (٢)
ويكمل موقفه في موضع آخر من مسألة البعث فيقول: (وأعتقد الأيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت فأومن بفتنة القبر ونعيمه بإعادة الأرواح إلى الأجساد فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا) (٣) .
ويستطرد في حديثه عن حكم منكر البعث بأنه كافر، وهل الناس إذا ماتوا يبعثون؟ فقل: نعم، والدليل قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ والذي ينكر البعث كافر، والدليل قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٤) .
(١) - خلاصة القول أن ابن عبد الوهاب يؤمن بالبعث على الوجه الذي أنبأ به الله تعالى في كتابه وحدث به رسوله ﷺ وهو أن البعث يكون بالجسد والروح معاً.
(٢) - أن البعث وعد من الله والله لا يخلف الميعاد.
стр. 123
(٣) - أن منكر البعث كافر.
(٤) - يقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة عزلا، وتدنو الشمس وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله.
(٥) ويؤمن بحوض نبينا محمد ﷺ وبشفاعته وأنه أول شافع وأول مشفع.
(٦) - ويؤمن بأن الصراط منصوب على شفر جهنم. يمر به الناس على قدر أعمالهم ثم يستطرد في وصف الصراط فيقول:
" ولنذكر في الصراط المستقيم قولا وجيزا، فإن الناس قد تنوعت عباراتهم عنه بحسب صفاته ومتعلقاته، وحقيقته شيء واحد وهو الطريق الذي نصبه لعباده موصلا إليه ولا طريق له إليه سواه، بل الطرق لكلها مسدودة على الخلق إلا طريقه الذي نصبه على ألسن رسله، وجعله موصلا لبعاده إليه، وهو أفراده بالعبودية وإفراد رسوله بالطاعة" (١)(٧) - ويؤمن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما موجودتان، وأنهما لا يفنيان.
(٨) -ويؤمن بأن المؤمنين يرونه ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته (٢) ، فابن عبد الوهاب يلتزم بما جاء في الكتاب والسنة بخصوص البعث ومشاهد يوم القيامة وما أثر عن السلف الصالح دون زيادة أو نقصان مع رفضه كل تفسير أو تأويل ورد عن طريق الفلاسفة والمتكلمين.
الثواب والعقاب:
فرغنا من توضيح موقف ابن عبد الوهاب من البعث والمثول أمام خالق العالمين لينال كل مخلوق جزاءه العادل على ما قدم في ديناه بعد أن أرسل الله مبشرين ومنذرين. ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٣) ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ (٤) وبين في كتبه حدود ما
стр. 124
افترض على عباده﴾ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة ﴿ٍ (١) ووعد المؤمنين﴾ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿ (٢) ووعد الكافرين﴾ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ﴿ (٣) وجعل ليوم الحساب موعدا﴾ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً ﴿ (٤) .
يقول ابن عبد الوهاب:" أن الله خلقنا ما تركنا هملا بل أرسل إلينا الرسل أولهم نوح وآخرهم محمد ﵇". (٥) وفي موضع آخر يقول" أن محمدا ﷺ جاءنا من عند ربنا بالبينات والهدى ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بشيرا ونذيرا فأول ما أول الله عليه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أراد الإنذار عن الشرك قبل الإنذار عن الزنا والسرقة ونكاح الأمهات) (٦) .
ويستطرد بعد ذلك في بيان أنه ﷺ لما هدم هذا الشرك وانذر عنه بذلك أخرج الناس من الظلمات إلى النور وهو التوحيد الذي قال فيه﴾ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴿وعلى العباد أن يصدقوا ويتبعوا، وإرسال المبشرين والمنذرين وعد من الله لعباده حتى لا يكون لأحد منهم حجة عدم المعرفة وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً، وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً، رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ . (٧)
أما موقف ابن عبد الوهاب من نصوص الوعد والوعيد تلقى الواضح
стр. 125
منها بالاتباع والأيمان به مثل: وعيد من أراد الدنيا وأسرف فيها على حسا ب الآخرة، وعيد من افترى على النبي، وعيد من كفر، وعد المؤمنين (١) .
ويقول في موضع آخر: (أنه سبحانه توعد بالنار الذين كفروا من أهل الكتاب ومن العامة، وقدم أهل الكتاب في الذكر، أنه وعيد لكل من يكذب بلقاء الله ـ التكذيب ببعض ما أخبرت به الرسل عن اليوم الآخر كما في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ . (٢)
أما موقفه من المشكل في نصوص الوعد والوعيد فيجيب على ذلك بقوله: " أما مسألة معاذ فالمعنى عند السلف على ظاهره وهو من الأمور التي يقولون أمروها كما جاءت اعني نصوص الوعد والوعيد لا يتعرضون للشكل فيه (وأما قوله) لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله (فتلك مسألة أخرى على ظاهرها) أن الله لو يستوفي حقه من عبده لم يدخل أحد الجنة ولكن كما قال تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ . (٣)
ويحدثنا عن مظاهر القيامة كما نقله ابن بشر وسطر في الدرر السنية وتدنو منهم الشمس وتنصب الموازين وتوزن بها أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ . (٤) وتنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله وأومن بان الصراط منصوب على متن جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم (٥) .
بذلك آمن المسلمون الأولون والتابعون لهم بإحسان آمنوا بما أنزل الله على نبيهم محمد ﷺ بعد أن صدقوه رسولا من ربهم فكان لديهم كل وعد وعد الله به عباده المؤمنين حقا كما أرداه الله﴾ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّا ﴿ (٦) وقال تعالى: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِه﴾ (٧) وكان كل وعيد توعد به
стр. 126
الكافرين حقا يقطع كل حجة﴾ قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ﴿. (١)
لكن علماء الكلام ما كانوا ليقفوا في جدالهم عند حد فكما أقدموا على الحديث عن الذات القدسية وأمعنوا في البحث عن كنه الذات ومدلول الصفات والتفريق بين صفة الذات عند البعض كعين الذات وعند الآخرين زائدة عليها وبين صفة للفعل توجب بوجود الفعل أو هي سابقو ويعيب ابن عبد الوهاب على المتكلمين هذا الإسراف والإسفاف في تلقي النصوص: (إن السلف قد كثر كلامهم وتصانيفهم في أصول الدين وإبطال كلام المتكلمين وتكفيرهم) (٢) .
كذلك أقدموا على آيات الوعد والوعيد بأن قالوا أن الوعد واجب على الله الوفاء به لعباده المؤمنين لأنه منزه من عدم الوفاء به، أما الوعيد فجائز وقوعه وجائز العفو عنه وهي تفرقه تعود عند المعتزلة إلى قولهم في أحد أصولهم بالحسن والقبح واستلزامهم إتيان الله لكل حسن وتنزهه عن كل قبيح، وتعود عند المرجئة على قولهم بالإرجاء ومضمونه أن أفعال العبادة مرجأة " إلى الله تعالى يعفو عمن يشاء ويعاقب من يشاء بل إنهم قالوا أنه لا تضر مع الإيمان معصية مهما كبرت وقادهم هذا التفريع على الحديث عن اليوم الآخر وماهيته، وماهية البعث وكيف يكون النعيم لأهل النعيم والعذاب لأهل العذاب وهل يخلد كل فريق في نعيمه أو عذابه؟
ومجمل قول أهل السنة في دحض شبهة المرجئة ومن نجا نحوهم أنه إذا كان الله قد بعث رسلا مبشرين منذرين فبينوا للناس ما شرع الله من الدين فكان منهم المؤمن والكافر وصح في العقل والنقل أن لهم جميعاً ﴿مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ . (٣) وأنهم إلى ربهم يحشرون ليثاب المحسن على إحسانه ويجازى المسيء على إساءته ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ (٤) وإذا كان عقاب المذنب مما تصرح به
стр. 127
الآيات فإن ذهاب المرجئة إلى أن من أقر بالشهادتين وأتى بكل المعاصي لم يدخل النار أصلا وهو محض ابتداع.
وقد هاجم المرجئة في قولهم هذا كثير من العلماء وأهل السنة ومن بينهم ابن عقيل الذي يندد بموقفهم في فصلهم الإيمان عن العمل بما ينافي الأحاديث الصحاح في إخراج الموحدين من النار" ما أشبه أن يكون واضع الأرجاء زنديقا فإن صلاح العالم بإثبات الوعيد واعتقاد الجزاء فالمرجئة لما لم يمكنهم جحد الصانع لما فيه من نفور الناس ومخالفة العقل اسقط فائدة الإثبات وهي الخشية والمراقبة وهدموا سياسة الشرع فهم شر طائفة على الإسلام (١) .
ويذهب ابن عبد الوهاب مذهب أهل السنة في أن المؤمنين أو من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان لا يخلد في النار بل يدخلها ليتطهر ثم يأتيه العفو من رب العالمين وبأن الإيمان يتجزأ وذهاب الجزء ليس معناه ذهاب الكل، وأما وذهاب الجزء ليس معناه ذهاب الكل، وأما كون " لا إله إلا الله " تجمع الدين كله وإخراج من قالها من النار إذا كان في قلبه مثقال ذرة، فلا أشكال في ذلك، وسر المسألة أن الإيمان يتجزأ ولا يلزم من ذهاب بعضه ذهاب كله، بل هذا مذهب الخوارج، فالذي يقول أن الأعمال كلها من " لا إله إلا الله " فقوله الحق. والسبب ما ذكرت لك من التجزؤ وبسبب الغفلة عن التجزؤ غلط أو حنيفة وأصحابه في زعمهم: أن الأعمال ليست من الإيمان والإسلام". (٢)
١. خلاصة القول أن ابن عبد الوهاب يذهب مذهب أهل السنة والجماعة في أن الإيمان يتجزأ ويزيد وينقص.
٢. الأعمال كلها من " لا إله إلا الله " المصحوبة بالعمل.
٣. أن الموحدين لا يخلدون في النار.
٤. أن المعاد مرتبط بالميزان والصراط والحوض وجميع مشاهد يوم القيامة كما ورد في الكتاب والسنة ذكر الوعيد بالميزان، ثانيا ـ أنه الحق لقطع الأطماع ثالثا ـ أن الفلاح بسبب ثقله، رابعا أن الخسارة بسبب خفته، خامسا ذكر سبب الخفة (٣) .
стр. 128
١. أنه يؤمن بشفاعة نبينا ﷺ وحديث الشفاعة نتوقف أمامه قليلا لما له من أهمية ولما أثاره أعداء ابن عبد الوهاب من إنكاره لها ـ وسوف نعرض حجج القوم ثم نورد بنصوص من واقع عقيدة ابن عبد الوهاب كما هو متبع في منهجنا في البحث:
أولا: تعريف الشفاعة فقد قال أهل المعاني أنها مأخوذة من الشفع المقابل للوتر، قال أو جعفر:" والشفاعة"مصدر من قول الرجل: شفع لي فلان إلى فلان شفاعة وهو طلبه إليه في قضاء حاجته. وإنما قيل للشفيع" شفيع وشافع" لأنه ثنى المستشفع به فصار صاحبه له فيها شافعا، وطلبه فيه وفي حاجته شفاعة ولذلك سمي الشفيع في الدار وفي الأرض "شفيعا" لمصير البائع به شفعا (١) .
ويذكر ابن الأثير في النهاية قد تتكرر ذكر الشفاعة في الحديث فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم، يقال شفع يشفع شفاعة فهو شافع وشفيع والمشفع الذي يقبل الشفاعة (يكسر الفاء المشددة) والمشفع الذي يقبل شفاعته.
ويعرف بشير السهسواني الهندي نقلا عن الحافظ في فتح الباري الإستشفاع طلب الشفاعة وهي انضمام الأدنى إلى الأعلى يستعين به على ما يردفه، إذا دريت هذا فاعلم أن شفاعة النبي ﷺ للمؤمنين ثابتة في الدنيا والآخرة، أما الشفاعة في الدنيا فقد قال تعالى في سورة النساء ﴿َلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ . (٢)
ويذهب المفسرون لهذه الآية بأن الله تعالى يرشد العصاة والمذنبين إذا وقع الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول ﷺ فيستغفروا الله عنده ويسألوه أن يستغفر لهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم.
وهذه هي بعض تعريفات الشفاعة لدى أصحاب التفسير والإقرار فيها
стр. 129
بأن الشفاعة للنبي جائزة في الدنيا والآخرة وهذا لا خلاف فيه.
فقد انقسم الناس في الشفاعة إلى طرفين ووسط، قسم نفى الشفاعة للأصنام وهم المشركون كما ذكر الله عنهم بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّه﴾ (١) توسطوا وهم أهل السنة فأثبتوها بشرطيها وهما إذن الله للشافع أن يشفع، والثاني رضاه عن المشفوع له ولا يرضى من العمل إلا ما كان خالصا صوابا ويخرج الله من النار أقواما بغير شفاعة وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته، وأني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا" (٢) .
فأحاديث الشفاعة كثيرة وهي رد على من ينكرها مثل المعتزلة الذين أنكروا خروج أحد من النار بعد دخولها ففي حديث الصور رد عليهم والذي مضمونه: أنه يأتون آدم، ثم نوحا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم يأتون رسول الله محمد ﷺ فيذهب فيسجد تحت العرش في مكان يقال له الفحص فيقول الله: ما شأنك؟ وهو أعلم، قال رسول الله ﷺ فأقول: وعدتني الشفاعة، فشفعتني في خلقك ناقض بينهم، قال: فارجع فأقف مع الناس ثم ذكر انشقاق السماوات، وتنزل الملائكة في الغمام، ثم يجيء الرب لفصل القضاء. (٣)
ويرد المؤرخون والمفسرون ألوان الشفاعة وترتيبها، فأولا: شفاعته ﷺ في أهل الجنة ليدخلوا الجنة.
النوع الثاني والثالث من الشفاعة: شفاعته ﷺ في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة، وفي أقوام آخرين قد أمر بهم إلى النار، لا يدخلونها.
стр. 130
النوع الرابع: شفاعته ﷺ في رفع درجات من يدخل الجنة فيها فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم، وقد وافقت المعتزلة على هذه الشفاعة خاصة وخالفوا فيما عداها من المقامات مع تواتر الأحاديث فيها.
النوع الخامس: الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب كما ورد في حديث عكاشة بن محصن، حين دعا له رسول الله ﷺ أن يجعله من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب.
النوع السادس: الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه كشفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف عنه عذابه، ثم قال القرطبي في التذكرة بعد ذكر هذا النوع فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ ،قيل له: لا تنفعه في الخروج من النار كما تنفع عصاة الموحدين، الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة.
النوع السابع: شفاعته أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنة: كما تقدم: وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ أن رسول لله ﷺ قال: " أنا أول شفيع في الجنة".
النوع الثامن: شفاعته في أهل الكبائر من أمته، فمن دخل النار فيخرجون منها، وهذه الشفاعة يشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون أيضا (١) يقول ابن عبد الوهاب في هذه الدرجة من الشفاعة:
"وأيضا فإن الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ فصح أن الملائكة يشفعون، والأفراط يشفعون، والأولياء يشفعون، أتقول أن الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم؟ فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله في كتابه، وأن قلت، لا، بطل قولك أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله." (٢)
إلى هنا والاتفاق يتسم في معظم الأقوال في تعريف الشفاعة وفي ادخار رسو ل الله ﷺ دعوته وهي الشفاعة الكبرى أو المقام المحمود ثم طلبه من رب
стр. 131
العزة فصل الحساب يوم القيامة، ثم مقامات الشفاعة المختلفة كما ذكرناها.
إذن فمن أين يبدأ الخلاف والاختلاف بين المذاهب والفرقة وبصفة خاصة بين صاحب دراستنا والفريق الآخر الذي شن عليه أشرس الحملات وأعنفها حول موضوع الشفاعة فهل أنكر الشفاعة كما أدعى خصومه أم أن له منها الإقرار كما ورد في اشرع دون إخلال وإسراف؟ نستطلع حقيقة الأمر من واقع مؤلفاته:"فإن قال: اتنكر شفاعة رسول الله وتبرأ منها؟ فقل: لا أنكرها ولا أتبرأ منها بل هو ﷺ الشافع المشفع وأرجو شفاعته. (١)
ولكنه يتمسك بالشروط التي أوردها الله تعالى في كتابه في قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعا﴾ (٢) وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ . (٣) وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ . (٤)
هذه بعض الآيات التي استشهد بها ابن عبد الوهاب في شروط الشفاعة والتي سألخصها بعد هذا الحديث.
أما ما ورد في الحديث بشأن الشفاعة قوله ﷺ أنه " يأتي فيسجد لربه ويحمده ـ لا يبدأ بالشفاعة أولا ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل نسمع وسل تعط، واشفع تشفع" وقال له أبو هريرة: من اسعد الناس بشفاعتك؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" فتلك الشفاعة لأهل الخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله، وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه وينال المقام المحمود (٥) فحقيقة الأمر:
(١) أن ابن عبد الوهاب يقر بالشافعة وان نبينا محمد ﷺ هو أول شافع وأول مشفع.
стр. 132
(١) أنها تكون بعد إذن الله ورضاه.
(٢) لا تكون لمن أشرك بالله، وأنه ينعم بها على من عرف حقيقة التوحيد ولا يشرك بالله شيئا.
(٣) قد قطع سبحانه الأسباب التي يتعلق بها المشركون قطعا يعلم من تأمله وعرفه أن من اتخذ من دون الله وليا أو شفيعا فهو كمثل العنكبوت اتخذت بيتا واهيا (١) ، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ . (٢)(٤) وأيضا فإن الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ مثل الملائكة والأفراط والأولياء ولكن لا تطلب منهم بل" أعطاه الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله (٣) .
(٥) وابلغ رد على من أتهم ابن عبد الوهاب بأنه ينكر الشفاعة قوله:"ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال ولكنها لا تكون إلا بعد الإذن والرضى. (٤)(٦) ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ وتفسير هذه الآية هي موضع الاختلاف بين ابن عبد الوهاب والفريق المعارض له، فهو يقول في شأن تفسير هذه الآية بأن المقصود منها عدم الشفاعة إلا من بعد إذنه تعالى، وأن النبي ﷺ لا يبدأ بالشفاعة بل يسجد، فإذا أذن الله له شفع، وأن الشفاعة لا تطلب منه في الحياة الدنيا لأن الشفاعة من جنس العبادة وصرف شيء من العبادة لغير الله كصرف جميعها حرام"من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم كفر إجماعا"
إذن فما هو رأي الفريق المعارض حول تفسير الآية السالفة الذكر يقول
стр. 133
الشيخ محمد حسنين مخلوف الذي يشاركه نفس الاتجاه لفيف من المفكرين (١) حول تفسير ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ بأن هذه الآية تقرر ثبوت الشفاعة للأنبياء وغيرهم ولا ينافي طلبها منهم كما زعمه بعض المبتدعة ذاهبا إلى منع سؤال الشفاعة من النبي ﷺ كأن يقول اشفع لي يا رسول الله أو أسألك الشفاعة، قال وإنما يطلب ذلك من الله بقول الله شفع فينا نبيك ولا تطلب من غيره محتجا بهذه الآية وهو زعم باطل واحتجاج فاسد فإن القائل اشفع لي يا رسول الله لا يريد منه أن يكون فاعلا للغفران ودخول الجنة والنجاة من النار لأن الشفيع كالشافع ليس معناه ذلك ولا هو ملجئ له تعالى على الفعل وإنما يريد أن يسأل الله تعالى أن يفعل ما ذكر وكون الشفاعة بإذن أو بغير إذن لا دخل له في ذلك". (٢)
١- إذن الخلاف الأول حول جواز طلب الشفاعة منه ﷺ مباشرة وقد أوضحنا موقف ابن عبد الوهاب منها وقد رفض ذلك بنص الكتاب والسنة في وضوح عدم جواز الطلب مباشرة من النبي ﷺ .
٢- حول طلب الشفاعة من النبي ﷺ في الدنيا وقد رفضها واعتبر أن اللجوء إلى الوسائط يؤدي إلى الكفر.
٣- الخلاف الثالث حول تفسير آية ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ يذهب فريق العلماء المشار إليهم آنفا وغيرهم بأن معنى الآية هو الاستفهام الاستنكاري والمقصود منه بيان كبرياء شأنه تعالى وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه والحقيقة التي لا بد من الإقرار بها أن موقف ابن بعد الوهاب من الشفاعة هو موقف أهل السنة والجماعة الملتزمين بكتاب الله وسنة رسوله، فهو يقر بها ولكن للموحدين المخلصين الذين آمنوا بما أنزل إليهم، ويرفض أقوال المبتدعين من الفلاسفة والمتكلمين والمتأولين لبعض آيات الشفاعة تأويلا يخرجها عن الطريق الحق مفهوم هذه الآيات، ومما لا شك فيه أن ابن عبد الوهاب واضح الفكر في موضوع الشفاعة معتدل القول ملتزم منهج أهل السنة والسلف.
стр. 134
الباب الرابع: التصوف وصلته بالعقيدة
الفصل الأول: موقفه من التصوف .
الفصل الثاني: التفرقة بين جوهر التصوف وأشكاله.
الفصل الثالث: موقفه من التوسل.
стр. 135
الفصل الأول: موقفه من التصوف
أولا: تمهيد: الصراع بين الفقهاء والمتصوفة:
انتهينا في الفصول السابقة من بيان موقف ابن عبد الوهاب من بعض مباحث العقدية فأوضحنا موقفه من الاجتهاد والتقليد وأن الجمود والتأخر الذي أصاب العالم الإسلامي كان من جراء التقليد، ثم تناولنا بالتحليل والتطبيق منهجه في ربط العلم بالعمل، وفي الباب الثالث تناولنا عدة مسائل في الغيبيات وبيان موقفه منها والمنهج الذي سلكه في تلقي هذه الأمور مع مقارنة موقفه ببعض السابقين عليه مع التحليل والتمحيص للآراء الذي ذكرت. ونتناول في هذا الباب موقفه من التصوف ونبدأه بهذا التمهيد في الصراع بين الفقهاء والمتصوفة:
أخذت الحضارة طريقها إلى العرب وواكب ذلك علم التدوين وأعني تدونين العلوم الشرعية من تفسير وحديث وفقه وعقائد، وقد ساير الصوفية ركب هذا الموكب فدونوا علومهم وبينوا رياضاتهم والمراتب التي يتدرج فيها الصوفي، والآفات التي تعترض طريقه، واصطلحوا على ما اصطلحوا عليه من الفناء، والبقاء والصحو والسكر حتى أصبح التصوف علما من العلوم المدونة ويقول في ذلك د. التفتازاني: "فقد وضعوا لأنفسهم مصطلحا خاص ورموزا معينة لا يفهمها أحد حق الفهم إلا بالتلقي عنهم". (١)
стр. 136
ومنذ عصر التدوين اشتد الخلاف بين الفقهاء والصوفية ويرجع هذا الخلاف إلى ان الفقه علم يبين أحكام الأعمال الظاهرة من عبادات ومعاملات وجنايات وأحوال شخصية وغيرها ونظروا إلى علم التصوف والمتصوفة نظرة تحقير من شأنه لأنهم أرباب ظواهر، ونظروا إلى أنفسهم نظرة فيه أنفة واعتداد، وتبادل الفريقان الكراهية والحقد (١) إلى ان تطورت إلى رمي كل فريق بالكفر وتفاقمت المشكلة وما المعارك التي نشبت في المساجد بين الفقهاء والصوفية إلا راجعة إلى إمعان الصوفية في الباطن وإسرافهم في التحدث عما في هذا الباطن من ضمير يستلهمونه المعرفة كما يستلهمونه الحكم على الأعمال.
اعتماد الصوفية على المعرفة الحاصلة عن طريق الإلهام، وذلك يخالف ما دعا إليه القرآن من المعرفة عن طريق النظر والاستدلال، وتحكيم الضمير وإعطائه سلطة الحكم على الأعمال يخالف الشريعة الإسلامية لأنها تقوم الناس بحسب الظاهر لا الباطن وتثيب المحسن على إحسانه وتعاقب المذنب على ذنبه.
ويدافع أصحاب الفكر الصوفي على هذا الاتجاه أي أن للشرع ظاهرا وباطنا فيقول أبو الفيض المنوفي:"وسبب ذلك أن للقرآن باطنا وظاهرا، وجدا ومطلعا كما جاء في السنة، ومن الآيات ما يؤخذ على ظاهره ومنها ما يحتاج فهمه فهما صحيحا لتأويله وتخريج معناه على الوجه الصحيح". (٢)
هكذا كان الصراع بين الفقهاء والصوفية الفقهاء ينددون بالمنهج الصوفي والصوفية يقررون منهجهم ويضعون لعلمهم المصطلحات والتفاسير الخاصة بكل طريقة ويؤد الدكتور التفتازاني هذه الحقيقة فيقول:" ولما كان الصوفية الأوائل قد فرقوا بين علم الشريعة أو علم الظاهر الذي هو على الجوارح الظاهرة وعلم الحقيقة أو علم الباطن الذي هو على الجارحة الباطنة وهي القلب وجعلوا علمهم أكثر يقينا من العلوم الأخرى وجعلوه ثمرة الشريعة وروحها. (٣)
стр. 137
كان من ثمرة هذا الصراع بين الطائفتين أن سيق إلى المحاكمة أمام قضاة بغداد كل من ذي النون المصري والحلاج وغيرهما، وقد شهد النصف الثاني من القرن الثالث الهجري بداية الصراع بين هاتين الطائفتين واستمر الصراع إلى أن جاء الغزالي (١) وقد استطاع ما يصفه د. مصطفى حلمي بما أوتي من صفاء الروح وجلاء القلب وذكاء العقل وقوة الإيمان أن يهدئ ثورة الفقهاء ويدعو إلى الدين الصحيح ويحبب التصوف إلى نفوس أهل السنة، تكاثر عدد المقبلين منهم عن طريق الذوق الموصل إلى المعرفة اليقينية والسعادة الحقيقية وتلقوا هذا التصوف بقبول حسن وأحلوه محلا رفيعا إبان القرنين الخامس والسادس للهجرة. (٢)
ويشارك د. أبو الوفا التفتازاني د. حلمي نفس الرأي فيقول:" وكان مجيء الإمام الغزالي في رأينا من العوامل الهامة التي غيرت من مجرى التصوف الإسلامي، فقد أرسى الغزالي قواعد التصوف السني. (٣)
جاء بعد الغزالي صوفية مزجوا مسائل الكلام والفلسفة الإلهية بعلمهم وكانت لهم مذاهب في الاتحاد ووحدة الوجود ووحدة الشهود..تجدد العداء ونظر الفقهاء إلى هذا الاتجاه، واعتبروه زندقة وإلحادا ولذا شهد القرن السابع للهجرة وما تلاه من القرون حركة متتابعة من الخصومات بين الفقهاء والصوفية وكانت مذاهب وحدة الوجود والحلول ووحدة الشهود هي المحور الرئيسي الذي دارت حوله هذه الخصومات وقد حمل لواء الطعن على الصوفية وبصفة خاصة على التصوف الفلسفي ابن تيمية فقد جرح ابن عربي وابن الفارض وابن سبعين وعفيف الدين التلمساني وقد بلغت خصومة ابن تيمية مداها حينما أعلن تحريم زيارة الأضرحة والدعاء للأولياء والتوسل بهم، ومنذ ذلك الحين اشتدت الخصومة بين الفقهاء والصوفية واتخذت أشكالا مختلفة على أيدي كثير من الفقهاء وأوضح دليل على ذلك ما حدث حول ابن عربي وابن الفارض من
стр. 138
خلاف فالبعض نسبهما إلى الاتحاد والحلول ووحدة الوجود، وطعن في سلوكهما والبعض الآخر نفى هذا عنهما وبرأ ساحتهما، كان ابن تيمية القائد الأول لحركة الطعن التي وجهت فيها سهام التكفير إلى أصحاب الأذواق والمواجيد.
ومن الناعين الناقدين على انحرافات الصوفية التي عمت في القرن السادس الهجري الفقيه الحنبلي أبو الفرج بن الجوزي وكتابه"تلبيس إبليس" صورة واضحة لما عابه عليهم وما وجهه إليهم من نقد حول الأخذ بالحقيقة دون الشريعة ومن ذم العلم إلى آخر ما ورد في كتبه.
ومن أجل هذا لم يتردد ابن تيمية في تكفيرهم، بل اعتبرهم اشد كفرا من اليهود والنصارى:" الباطن والظاهر ... والشريعة والحقيقة كل هذا مردود إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لا إلى المشايخ والفقراء ولا إلى الملوك والأمراء ولا إلى العلماء والقضاة وغيرهم، بل جميع الخلق عليهم طاعة الله ورسوله ﷺ . (١)
ويذهب إلى نفس الرأي ابن عبد الوهاب فيقول:" إني عثرت على أوراق عند ابن عزاز فيها اجازات له من عند مشايخه، وشيخ مشايخه رجل يقال له عبد الغني، ويثنون عليه في أوراقهم ويسمونه العارف بالله، وهذا اشتهر عنه انه درس دين ابن عربي الذي ذكر العلماء: أنه أكفر من فرعون حتى قال ابن المقري الشافعي:" من شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر". (٢)
هذه وقفة أمام الصراع أو جانب منه بين الفقهاء والمتصوفة منذ بدأ عصر التدوين للعلوم الشرعية، ونتناول بالبحث والتحليل موقف صاحب الدراسة من التصوف.
ثانيا: محمد بن عبد الوهاب والتصوف.
إن قضية التصوف وما تثيره من الآراء المعارضة له أو الآراء المؤيدة حول هذا الموضوع استمرت ردحا طويلا من الزمان، ونحن الآن بصدد بيان موقف
стр. 139
ابن عبد الوهاب من هذه القضية والتي ألمحنا آنفا إلى مدى الصراع الذي استمر بين الفقهاء والصوفية فترة طويلة نستطيع أن نقول أنه أشعل نارها: بموقفه من أفعال العامة من الأولياء حول الأضرحة ويقول في ذلك:"وأما ما صدر من سؤال الأنبياء والأولياء بالشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها والسرج والصلاة عندها واتخاذها أعيادا وجعل السدنة والنذور لها فكل ذلك من حوادث الأمور" (١) فرفض ابن عبد الوهاب لهذه الأمور أشعل الجدال والقتال حول هذه المفاهيم مما سنتناوله بالتفصيل.
يستطيع الباحث المنقب في جوانب شخصية ابن عبد الوهاب أن يجد الصلابة والقدرة على مواجهة الخصوم وتحليل الآراء المخالفة وتفنيدها ودستوره الكتاب والسنة فما وافقهما فهو حق وما خالف واحدا منهما فهو باطل ومردود.
ويترتب على منهجه هذا أن قبل كل ما يجد له برهانا من ربه أو سندا صحيحا من سنة رسوله، وسطر منهجه فقال:" ولست ـ ولله الحمد ـ أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه، أو متكلم، أو إمام من الأئمة الذي أعظمهم، مثل ابن القيم، والذهبي، وابن كثير، وغيرهم بل أدعو إلى وحده لا شريك له وأدعو إلى الله وحده لا شريك له وأدعو إلى سنة رسول الله ﷺ . (٢)
رفض ابن عبد الوهاب أي عمل أو فكر يخرج عن هذا الدستور واعتبره بدعة، فعاب على المتصوفة الإسراف في تعذيب النفس وحرمانها مما أحل الله فيقول:" تركهم الواجب ورعا، وتعبدهم بتحريم الطيبات من الرزق وتعبدهم بترك زينة الله". (٣)
هاجم ابن عبد الوهاب اعتكاف المتصوفة في خلواتهم وبعدهم عن ممارسة الحياة وتعمير هذا الكون بشريعة الله فيقول:" وكذلك أيضا من أعظم الناس ضلالا متصوفة في معكال وغيره، مثل ولد موسى بن جوعان وسلامة بن مانع، وغيرهما، يتبعون مذهب ابن عربي وابن الفارض وقد ذكر
стр. 140
أهل العلم أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب الاتحادية، وهو أغلظ كفرا من اليهود والنصارى، فكل من لم يدخل في دين محمد ﷺ ويتبرأ من دين الاتحادية فهو كافر برء من الإسلام، ولا تصح الصلاة خلفه، ولا تقبل شهادته". (١)
ورغم أنه يستشهد بقول أهل العلم على حد تعبيره إلا أنه في موضع آخر يتبرأ من أنه يرمي ابن عربي أو ابن الفارض بالكفر فيقول:" وإني أكفر من حلف بغير الله ـ وإني أكفر ابن الفارض وابن عربي ... "جوابي عن هذه المسائل أن أقول سبحانك هذا بهتان عظيم". (٢)
نخلص من منهجه الذي أشرنا إليه آنفا ومن كتاباته من واقع كتبه ورسائله إلى تلخيص موقفه من التصوف والصوفية وما عابه عليهم في النقاط الآتية:
(١) أول ما كاد الشيطان للناس أن أغواهم بتعظيم الصالحين تعظيما خارجا عن مقام الاستقامة كما ذكر الله ذلك في كتابه: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ (٣) ﴿قال الكليبي هؤلاء قوم صالحون فماتوا في شهر فجزع عليهم أقاربهم وقال لهم رجل هل لكم أن أعمل خمسة أصنام على صورهم ومع توالي القرون الأزمان ازداد تعظيمهم لهذه الأصنام. (٤)
تمسك ابن عبد الوهاب في دعوته إلى تنقية التوحيد وإخلاص الدين لله فيقول:" لكني بينت للناس إخلاص الدين لله ونهيتهم عن دعوة الأنبياء والأموات من الصالحين وغيرهم وعن إشراكهم فيما يعبد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهو الذي دعت إليه الرسل من
стр. 141
أولهم إلى آخرهم وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة" (١) .
(٣) حذر ابن عبد الوهاب من الانخداع تحت أي مسمى يخدش التوحيد أو ينال من حق الله على العباد فيقول:" فمعلوم أن اللغات تختلف: فالمعبود عن العرب، والإله الذي يسميه عوامنا " السيد" و " الشيخ" و " الذي فيه السر" عندهم هو القدرة على النفع والضر وكونه يصلح أن يدعي ويرجى ويخاف ويتوكل عليه". (٢)(٤) ثم يرد على القائلين بأنهم يعرفون بأن الله هو الخالق الرزاق المدبر، لكن هؤلاء الصالحين مقربون ونحن ندعوهم وننذر لهم، وندخل عليهم نستغيث بهم ـ بذلك الوجاهة والقربى ـ يرد ابن عبد الوهاب على هؤلاء بقوله"كلامك هذا قول أبي جهل وأمثاله، فإنهم يدعون: عيسى وعزيرا والملائكة والأولياء يريدون ذلك (٣) كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . (٤)(٥) ومن بين الأشكال التي اتخذها الناس للتقرب إلى الأولياء والصالحين وهم بهذه الأعمال يشبهون النصارى الذين منهم من يعبد الله الليل والنهار ويزهد في الدنيا ويتصدق بما لدينه معتزلا في صومعته عن الناس، ومع هذا فهو كافر، عدو الله، مخلد في النار بسبب اعتقاده في عيسى أو غيره من الأولياء من يدعوه، ويذبح له، وينذر له، ويبين ابن عبد الوهاب فضل الإسلام في النهي عن كل هذه الأمور فيقول: " فقد تبين لك كيف صنعه الإسلام الذي دعا إليه نبيك ﷺ وتبين لك أن كثيرا من الناس عنه بمعزل". (٥)
стр. 142
(٦) يهاجم أهل عصره بأن كفرهم أشد من كفر أهل زمان لأن كفار زمان كانوا إذا مسهم الضر ـ تركوا السادة والمشايخ فلا يدعون أحدا منهم ولم يستغيثوا له، بل يخلصون لله في الشدة فإذا جاء الرخاء أشركوا، ويقول في ذلك:" وأنت ترى المشركين من أهل زماننا ـ ولعل بعضهم
يدعي أن من أهل العلم، وفيه زهد واجتهاد وعبادة ـ إذا مسه الضر قام يستغيث بغير الله مثل: معروف، وعبد القادر الجيلاني، وأجل من هؤلاء مثل رسول الله ﷺ ، وأعظم من ذلك وأطم أنهم يستغيثون بالطواغيت والكفرة والمردة مثل شمسان وإدريس ـ ويوسف وأمثالهم". (١)(٧) يلزم ابن عبد الوهاب القائل بقول" لا إله إلا الله" أن يلتزم بهذا التزاما عمليا لا قولا بلا فعل: فقوله: لا إله إلا الله" إبطال للوسائط وعلى العبد أن يلتزم بتبعاتها من توحيد للألوهية والربوبية لا الثانية دون الأولى، وعلى كل مسلم أن يتذكر أن أعظم ما أرسل به الله نبيه محمد، فيقول:" وأعظم من ذلك، وأكبره، وزبدته، هو إخلاص الدين أحد من دون الملائكة، والنبيين، فضلا عن غيرهم، فمن ذلك أن لا يسجد إلا لله ولا يركع إلا له، ولا يدعى لكشف الضر إلا هو، ولا لجلب الخير إلا هو ولا ينذر إلا له، ولا يحلف إلا به ولا يذبح إلا له، وجميع العبادات لا تصلح إلا له وحده لا شريك له، وهو معنى قول:" لا إله إلا الله". (٢)(٨) يحذر من الاعتقاد في مخاريق السحرة والانخداع في هذا اللون من الاعتقاد فيقول:" اعتقادهم في مخاريق السحرة وأمثالهم أنهما من كرامات الصالحين" (٣) ويتابع هجومه على من يغتر في هؤلاء القوم
стр. 143
فيقول: ثم صار الأمر عند أكثر من يدعي العلم وأنه من هداة الخلق وحفاظ الشرع إلا أن الأولياء لا بد منهم من ترك اتباع الرسل، ومن تبعهم فليس منهم". (١)(٩) إهمالهم العلم ومحاربة من يشتغل به من الاتباع، انغماسهم في رياضة الأبدان على غيره ما أمر الله ورسوله ويسوق حديث رسول الله ﷺ " إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة ثم يقول:" فإن الذي أنا عليه وأدعوكم إليه هو في الحقيقة الإقتداء بأهل العلم، مع عدم اتخاذ العلماء أربابا والذي ذمه الله وسماه شركا". (٢)(١٠) النذر للقبر وأهل القبور من الأمور التي انتشرت أو زاد انتشارها في عهده نتيجة للتخلف الذي ساد عصره ثم التفاف العامة حول الأولياء والمتصوفة ونذر النذور لهم ويعتبر ذلك معصية ولا يجوز الوفاء به فيقول:" إن النذر للمخلوق لا يجوز، ومنها: ظن أن الميت يتصرف في الأمر واعتقاد هذا كفر....."إلى أن قال" إذا عرف هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها، وينقل إلى ضرائح الأولياء ـ فحرام بإجماع المسلمين، وقد ابتلي الناس بهذه لاسيما في موكب أحمد البدوي". (٣)(١١) ينعي ابن عبد الوهاب على ما يفعله الجهلة والطغاة وعدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم مثل تعظيم القبور وإكرامها وإيقاد السرج وتقبيلها وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها مثل افعل لي كذا وكذا وأخذ التراب والتبرك به وإفاضة الطيب على القبور وشد الرحال إليها وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى. وهذه الأفعال هي عودة الناس إلى ما كان عليه مشركو العرب الأولون من التعلق بغير الله من الأولياء والصالحين وغيرهم من الأوثان والأصنام والأحجار ويذهبون إلى قبر زيد بن الخطاب ـ يسألونه قضاء الحاجات
стр. 144
وتفريج الكربات وقبر يزعمون أنه قبر ضرار بن الأزور.
وشجرة تسمى الطريفة يعتقدون فيها كما اعتقد من قبلهم في ذات أنواط مشركو الجاهلية ويعتقدون في شمسان ويوسف.....الخ.
ويهاجم الحلولية وملاحدة الصوفية على ما يرون أنه من الشعب الإيمانية والطريقة المحمدية وفيهم من إضاعة الصلوات وشرب المسكرات ما هو معروف مشهور". (١)
ثم يتسائل ويقول:" فأين هذا ممن يدعو الله مخلصا له الدين لا يدعو مع الله أحد ولكن يقول في دعائه أسألك بنبيك، أو بالمرسلين، أو بعبادك الصالحين أو يقصد قبر معروف أو غيره يدعو عنده". (٢)
ويخلص بعد ذلك إلى أن هذه الأفعال والأقوال فيقول" فليس هذا من دين المسلمين، فهذا هو الصواب بلا ريب. (٣)(١٢) بالإشارة إلى أن هذه الأفعال السابقة تبين مدى مخالفة الناس لكتاب الله وسنة رسوله الذي لم يشرع لأمته أن يدعو أحدا من الأموات ولا الأنبياء ولا غيرهم بلفظ الاستغاثة ولا غيرها.
(١٣) لم يشرع السجود لميت مهما كان ولا يوجد أي نص يحض على الإتيان إلى المقابر والدعاء عندها والطواف حول الأضرحة وطلب قضاء الحاجات. (٤)
نخلص مما سبق إلى أن ابن عبد الوهاب أنكر كل عمل يخالف الكتاب والسنة، وبعد الإنسان عن مفهوم التوحيد النقي ولذلك كانت حملته عميقة ضد جميع ألوان الشرك في السلوك أو في الاعتقاد صدر من العبد بقصد أو غير قصد وشهر سلاحه وقلمه من اجل عودة الإسلام إلى نقائه وصفائه من الشوائب التي تردى فيها الناس في عصره وإن كان من المؤسف أن هذه المظاهر
стр. 145
التي حاربها ابن عبد الوهاب من تبرك بالأولياء أو طواف بالأضرحة ونذور وموالد وغيره ذلك ما زالت وتحتاج إلى وقفة من العلماء في كل مكان من العالم الإسلامي لوقفها لأنها بدعة لا يقبلها الإسلام ولا تليق بالمسلمين.
نعود لنطرح موضوع التصوف مرة أخرى بعد ما عالجنا رفضه للمظاهر والأشكال التي ترتبت على مفهوم الأولياء والسادة من الصوفية وسلوك العامة تجاههم وما ترتب على ذلك من اعتقادات ومفاهيم رفضها ابن عبد الوهاب رفضا قاطعا وحاربها بكل سلاح يملكه, هل كان نفس الموقف تجاه جوهر التصوف هو عين الموقف السالف الذكر؟ هذا ما سنتناوله في الصفحات القادمة.