أولهم إلى آخرهم وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة" (١) .
(٣) حذر ابن عبد الوهاب من الانخداع تحت أي مسمى يخدش التوحيد أو ينال من حق الله على العباد فيقول:" فمعلوم أن اللغات تختلف: فالمعبود عن العرب، والإله الذي يسميه عوامنا " السيد" و " الشيخ" و " الذي فيه السر" عندهم هو القدرة على النفع والضر وكونه يصلح أن يدعي ويرجى ويخاف ويتوكل عليه". (٢)(٤) ثم يرد على القائلين بأنهم يعرفون بأن الله هو الخالق الرزاق المدبر، لكن هؤلاء الصالحين مقربون ونحن ندعوهم وننذر لهم، وندخل عليهم نستغيث بهم ـ بذلك الوجاهة والقربى ـ يرد ابن عبد الوهاب على هؤلاء بقوله"كلامك هذا قول أبي جهل وأمثاله، فإنهم يدعون: عيسى وعزيرا والملائكة والأولياء يريدون ذلك (٣) كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . (٤)(٥) ومن بين الأشكال التي اتخذها الناس للتقرب إلى الأولياء والصالحين وهم بهذه الأعمال يشبهون النصارى الذين منهم من يعبد الله الليل والنهار ويزهد في الدنيا ويتصدق بما لدينه معتزلا في صومعته عن الناس، ومع هذا فهو كافر، عدو الله، مخلد في النار بسبب اعتقاده في عيسى أو غيره من الأولياء من يدعوه، ويذبح له، وينذر له، ويبين ابن عبد الوهاب فضل الإسلام في النهي عن كل هذه الأمور فيقول: " فقد تبين لك كيف صنعه الإسلام الذي دعا إليه نبيك ﷺ وتبين لك أن كثيرا من الناس عنه بمعزل". (٥)
стр. 142
(٦) يهاجم أهل عصره بأن كفرهم أشد من كفر أهل زمان لأن كفار زمان كانوا إذا مسهم الضر ـ تركوا السادة والمشايخ فلا يدعون أحدا منهم ولم يستغيثوا له، بل يخلصون لله في الشدة فإذا جاء الرخاء أشركوا، ويقول في ذلك:" وأنت ترى المشركين من أهل زماننا ـ ولعل بعضهم
يدعي أن من أهل العلم، وفيه زهد واجتهاد وعبادة ـ إذا مسه الضر قام يستغيث بغير الله مثل: معروف، وعبد القادر الجيلاني، وأجل من هؤلاء مثل رسول الله ﷺ ، وأعظم من ذلك وأطم أنهم يستغيثون بالطواغيت والكفرة والمردة مثل شمسان وإدريس ـ ويوسف وأمثالهم". (١)(٧) يلزم ابن عبد الوهاب القائل بقول" لا إله إلا الله" أن يلتزم بهذا التزاما عمليا لا قولا بلا فعل: فقوله: لا إله إلا الله" إبطال للوسائط وعلى العبد أن يلتزم بتبعاتها من توحيد للألوهية والربوبية لا الثانية دون الأولى، وعلى كل مسلم أن يتذكر أن أعظم ما أرسل به الله نبيه محمد، فيقول:" وأعظم من ذلك، وأكبره، وزبدته، هو إخلاص الدين أحد من دون الملائكة، والنبيين، فضلا عن غيرهم، فمن ذلك أن لا يسجد إلا لله ولا يركع إلا له، ولا يدعى لكشف الضر إلا هو، ولا لجلب الخير إلا هو ولا ينذر إلا له، ولا يحلف إلا به ولا يذبح إلا له، وجميع العبادات لا تصلح إلا له وحده لا شريك له، وهو معنى قول:" لا إله إلا الله". (٢)(٨) يحذر من الاعتقاد في مخاريق السحرة والانخداع في هذا اللون من الاعتقاد فيقول:" اعتقادهم في مخاريق السحرة وأمثالهم أنهما من كرامات الصالحين" (٣) ويتابع هجومه على من يغتر في هؤلاء القوم
стр. 143
فيقول: ثم صار الأمر عند أكثر من يدعي العلم وأنه من هداة الخلق وحفاظ الشرع إلا أن الأولياء لا بد منهم من ترك اتباع الرسل، ومن تبعهم فليس منهم". (١)(٩) إهمالهم العلم ومحاربة من يشتغل به من الاتباع، انغماسهم في رياضة الأبدان على غيره ما أمر الله ورسوله ويسوق حديث رسول الله ﷺ " إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة ثم يقول:" فإن الذي أنا عليه وأدعوكم إليه هو في الحقيقة الإقتداء بأهل العلم، مع عدم اتخاذ العلماء أربابا والذي ذمه الله وسماه شركا". (٢)(١٠) النذر للقبر وأهل القبور من الأمور التي انتشرت أو زاد انتشارها في عهده نتيجة للتخلف الذي ساد عصره ثم التفاف العامة حول الأولياء والمتصوفة ونذر النذور لهم ويعتبر ذلك معصية ولا يجوز الوفاء به فيقول:" إن النذر للمخلوق لا يجوز، ومنها: ظن أن الميت يتصرف في الأمر واعتقاد هذا كفر....."إلى أن قال" إذا عرف هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها، وينقل إلى ضرائح الأولياء ـ فحرام بإجماع المسلمين، وقد ابتلي الناس بهذه لاسيما في موكب أحمد البدوي". (٣)(١١) ينعي ابن عبد الوهاب على ما يفعله الجهلة والطغاة وعدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم مثل تعظيم القبور وإكرامها وإيقاد السرج وتقبيلها وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها مثل افعل لي كذا وكذا وأخذ التراب والتبرك به وإفاضة الطيب على القبور وشد الرحال إليها وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى. وهذه الأفعال هي عودة الناس إلى ما كان عليه مشركو العرب الأولون من التعلق بغير الله من الأولياء والصالحين وغيرهم من الأوثان والأصنام والأحجار ويذهبون إلى قبر زيد بن الخطاب ـ يسألونه قضاء الحاجات
стр. 144
وتفريج الكربات وقبر يزعمون أنه قبر ضرار بن الأزور.
وشجرة تسمى الطريفة يعتقدون فيها كما اعتقد من قبلهم في ذات أنواط مشركو الجاهلية ويعتقدون في شمسان ويوسف.....الخ.
ويهاجم الحلولية وملاحدة الصوفية على ما يرون أنه من الشعب الإيمانية والطريقة المحمدية وفيهم من إضاعة الصلوات وشرب المسكرات ما هو معروف مشهور". (١)
ثم يتسائل ويقول:" فأين هذا ممن يدعو الله مخلصا له الدين لا يدعو مع الله أحد ولكن يقول في دعائه أسألك بنبيك، أو بالمرسلين، أو بعبادك الصالحين أو يقصد قبر معروف أو غيره يدعو عنده". (٢)
ويخلص بعد ذلك إلى أن هذه الأفعال والأقوال فيقول" فليس هذا من دين المسلمين، فهذا هو الصواب بلا ريب. (٣)(١٢) بالإشارة إلى أن هذه الأفعال السابقة تبين مدى مخالفة الناس لكتاب الله وسنة رسوله الذي لم يشرع لأمته أن يدعو أحدا من الأموات ولا الأنبياء ولا غيرهم بلفظ الاستغاثة ولا غيرها.
(١٣) لم يشرع السجود لميت مهما كان ولا يوجد أي نص يحض على الإتيان إلى المقابر والدعاء عندها والطواف حول الأضرحة وطلب قضاء الحاجات. (٤)
نخلص مما سبق إلى أن ابن عبد الوهاب أنكر كل عمل يخالف الكتاب والسنة، وبعد الإنسان عن مفهوم التوحيد النقي ولذلك كانت حملته عميقة ضد جميع ألوان الشرك في السلوك أو في الاعتقاد صدر من العبد بقصد أو غير قصد وشهر سلاحه وقلمه من اجل عودة الإسلام إلى نقائه وصفائه من الشوائب التي تردى فيها الناس في عصره وإن كان من المؤسف أن هذه المظاهر
стр. 145
التي حاربها ابن عبد الوهاب من تبرك بالأولياء أو طواف بالأضرحة ونذور وموالد وغيره ذلك ما زالت وتحتاج إلى وقفة من العلماء في كل مكان من العالم الإسلامي لوقفها لأنها بدعة لا يقبلها الإسلام ولا تليق بالمسلمين.
نعود لنطرح موضوع التصوف مرة أخرى بعد ما عالجنا رفضه للمظاهر والأشكال التي ترتبت على مفهوم الأولياء والسادة من الصوفية وسلوك العامة تجاههم وما ترتب على ذلك من اعتقادات ومفاهيم رفضها ابن عبد الوهاب رفضا قاطعا وحاربها بكل سلاح يملكه, هل كان نفس الموقف تجاه جوهر التصوف هو عين الموقف السالف الذكر؟ هذا ما سنتناوله في الصفحات القادمة.
стр. 146
الفصل الثاني: التفرقة بين جوهر التصوف وأشكاله
تمهيد:
رأينا أن ابن عبد الوهاب رفض جميع أشكال المتصوف التي تخرج الإنسان عن دائرة إخلاص العبودية لله في جميع أنواع العبادات إلى التردي في متاهات الجهل والخرافات التي انتشرت في زمانه وحاربها بالكلمة والسيف. ويقول في هذا:" وهذه هي المسألة التي تفرق الناس لأجلها بين مسلم وكافر، وعندها وقعت العداوة، ولأجلها يشرع الجهاد (١) كما قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (٢) .
إذن ما الذي قبله من التصوف وتحت أي شروط قبلها؟ قبل ابن عبد الوهاب جوهر التصوف الذي لا يتصادم مع الشرع بل لابد أن يخضع للشروط التي وردت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فلم ينكر الكرامة وأقربها وأحب أولياء الله الذين يحبهم الله وعليه يتوكلون، ووافق على تنزيه الباطن بالشروط والقوانين الشرعية المستمدة من الكتاب والسنة فمقام التوحيد مقام رفيع والتوكل والمحبة والإخلاص أساس الإيمان، ثم نتناول بالتفصيل والتحليل موقفه من التوسل المقبول والمرفوض.
стр. 147
الكرامة:
أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة تظهر على يد عبد ظاهر الصلاح ملتزم المتابعة لنبي كلف بشريعته مصحوبا بصحة الاعتقاد والعمل الصالح, ويقرن بينها وبين المعجزة بأن المعجزة تكون مقرونة بدعوة النبوة بخلاف الكرامة، ومن أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها. وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر فرق الأمة وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة وهي أعظم دلالة على كمال قدرة الله ونفوذ مشيئته وأنه فعال لما يريد وأنه كما أن لله سننا وأسبابا تقتضي مسبباتها الموضوعة لها شرعا وقدرا ويستشهد ابن عبد الوهاب من سورة الكهف فيقول:" الرد على منكري الأسباب، لأنه سبحانه قادر على إتجاه السفينة وتثبيت أبوي الغلام وإخراج الكنز له بدون ما جرى". (١)
كما أن له سبحانه سننا أخرى لا يقع عليها علم البشر ولا تدركها أعمالهم وأسبابهم، فمعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء بل وأيام الله وعقوباته في أعدائه الخارقة للعادة كلها تدل دلالة واضحة أن الأمر كله لله وأن لله سننا لا يعلمها إلا هو، وقيل: أن الكرامة من المبشرات التي يجعلها الله لمن أتت على يديه، وهي تارة يرى الإنسان ما لا يراه يره يقظة ومناما، وتارة يعلم مالا يعلمه غيره وحيا وإلهاما أو إنزال علم ضروري أو فراسة صادقة ويسمى كشفا ومشاهدات ومكاشفات ومخاطبات فالسماع مخاطبات والرؤية مشاهدات والعلم مكاشفة ويسمى ذلك كله كشفا ومكاشفة. (٢)
وفي الترمذي عن علي ﵁ قال:" كنت مع رسول الله ﷺ
стр. 148
بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله". (١)
وتحفل كتب السيرة والتاريخ عشرات من كرامات النبي ﷺ وأولياء الله الذين يلتزمون بطريق الحق.
ومن باب كرامة السابقين باب القدرة كعصا موسى وفلق البحر وناقة صالح وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لعيسى.
وأما ما كان لغير الأنبياء من باب الكشف والعلم، فمثل قصة عمر لما أرسل جيشا أمر عليهم رجلا يسمى سارية، فبينما عمر يخطب إذ جعل يصيح على المنبر: يا سارية الجبل يا سارية الجبل فقدم رسول الجيش فسأل فقال: يا أمير المؤمنين لقينا عدونا فهزمونا، فإذا بصائح: يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله.
ومن كرامات الأولياء قصة سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: ركبنا البحر في سفينة فانكسرت السفينة، فركبت لوحا من ألواحها فطرحني في أجمة فيها أسد، فلم يرعبني إلا به فقلت: يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله ﷺ فطأطأ رأسه وغمز بمنكبه، فما زال يغمزني ويهديني الطريق حتى وضعني على الطريق وهمهم، فظننت أنه يودعني.
فابن عبد الوهاب الملتزم طريق أهل السنة والجماعة في اتباع آثار رسول الله ﷺ في أقواله وأعماله، واتباع سبيل السابقين ـ الأولين من المهاجرين والأنصار والأخذ بوصية رسول الله ﷺ حيث قال:" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة". (٢)
وبناء على هذا الالتزام والتمسك فابن عبد الوهاب يوافق على كل أمر يلتزم بالكتاب والسنة ولذلك فهو يقبل من الصوفية تنزيه الباطن من الرذائل
стр. 149
وبعض المقامات التي سنعرض لها، ويقر بالكرامة الحقة التي يكون معها استقامة وعدم غرور فيقول:" وأقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئا ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله. (١)
ثم يحذر الناس من الاغترار بخوارق العادات التي تجري على يد أناس غير صالحين:" أنه لا ينبغي أن يغتر بخوارق العادة إذ لم يكن مع صاحبها استقامة على أمر الله، فإن اللعين أنظره الله تعالى ولم يكن ذلك إلا إهانة له وشفاء له، وحكمة بالغة يعلمها العليم الخبير فينبغي للمؤمن أن يميز بين الكرامات وغيرها ويعلم أن الكرامة هي لزوم الاستقامة". (٢)
ويسوق الأمثال والوقائع على ذلك بما يفعله كثير من أتباع إبليس واتباع المنجمين والسحرة والكهان ممن ينتسب إلى الفقر، وكثير ممن ينتسب إلى العلم، من هذه الخوارق التي يوهمون بها الناس ويشبهونها بمعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء ومرادهم أكل أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله، حتى أن بعض أنواعها يعتقد فيه من يدعي العلم أنه من العلم الموروث عن الأنبياء من علم الأسماء، وهو من الجبت والطاغوت. ولكن هذا مصداق قوله ﷺ :" للتبعن سنن من كان من قبلكم" ومنها هذه الحيلة الربوية التي مثل حيلة أصحاب السبت وأشد. (٣)
إذن فابن عبد الوهاب يقر بالكرامة الحقة ويؤيد حب الصالحين الذين يرعون حق الله وفي نفس الوقت يرفض الإسراف في حبهم إلى الحد الذي يخرج المسلم عن الاعتدال ويوقعه في الشرك ويكون مصيدة للشيطان فيقول:" وأما الصالحون فهم على صلاحهم، ﵃ ولكن نقول ليس لهم شيء من الدعوة". (٤)
وفي موضع آخر يقول: " ثم لما صار على أكثر الأمة ما صار اظهر لهم
стр. 150
الشيطان الإخلاص في صورة تنقص الصالحين والتقصير في حقهم وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين واتباعهم". (١)
حارب ابن عبد الوهاب الغلو ومجاوزة الحد بأن يجعل للصالحين من حقوق الله الذي لا يشاركه فيها مشارك، هو الكمال المطلق، والغني المطلق والتصرف المطلق من جميع الوجوه، وأنه لا يستحق العبادة والتأله أحد سواه، كما جاء في محكم آياته ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ . (٢)
وقوله " ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . (٣)
ويوضح منهجه وما يجب على العبد في علاقته مع الصاحين وأولياء الله ويبين أقسام الناس في معاملة الصاحين ثلاثة أقسام:
(١) أهل الجفاء الذين يهضمونهم حقوقهم ولا يقدمون من الحب والموالاة لهم والتوقير فيقول:" فالواجب عليك حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال، ودين الله وسط بين طرفين وهدى بين ضلالتين وحق بين باطلين". (٤)(٢) أهل الغلو الذي يرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله بها، وقد أوضحنا في الصفحات السابقة العديد من هذه الصور.
(٣) وأهل الحق الذين يحبونهم ويوالونهم ويقومون بحقوقهم الحقيقية ولكنهم يبرأون من الغلو فيهم وادعاء عصمتهم والصالحون أيضا يبرأون من أن يدعوا لأنفسهم حقا من حقوق ربهم الخاصة، كما قال الله عن عيسى ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ﴾ . (٥)
هذه عقيدة ابن عبد الوهاب الذي لا ينكر الطريقة الصوفية في تنزيه
стр. 151
الباطن من رذائل المعاصي المتعلقة بالقلب ولا الجوارح، طالما استقام صاحبها على القانون الشرعي والمنهج القويم المرعي، إلا أنه لا يتكلف له تأويلا في كلامه ولا في أفعاله ولا يعول ولا يستعان ولا يستنصر إلا على الله تعالى ونتوكل في جميع أمورنا عليه فهو نعم المولى ونعم النصير.
ثم يقول:" وإنما كتبت لكم هذا معذرة من الله ودعوة إلى الله لأوصل ثواب الداعين إلى الله". (١)
ويحث تلاميذه من حوله من اتباع على كثرة الدعاء والتضرع إلى الله لجلاء النفس من كدوراتها فيقول:"فإن أصغى إليه قلبك بعض الشيء، فعليك بكثرة التضرع على الله، والانطراح بين يديه، خصوصا في أوقات الإجابة: كآخر الليل، وأدبار الصلوات، وبعد الأذان، وكذلك بالأدعية المأثورة، خصوصا الذي ورد في الصحيح أن ﷺ كان يقول:" اللهم، رب جبريل وميكائيل ... " (٢) .
فابن عبد الوهاب كما أسلفنا يؤمن بتنقية القلب وتنزيه الباطن وذلك بالطريق المشروع والمأثور عن رسوله ﷺ ويرفض شطحات الصوفية التي تقربهم من الغرور وتبعدهم عن الاستقامة التي رسمها الشرع للعبد ونعني الاستقامة في القول والعمل والاعتقاد، ويكون ميزان كل ذلك الشرع لا شيء غيره من المصطلحات التي ابتدعها الصوفية.
وقد نقد الغزالي هذا الغرور الناجم عن إكرام الله لعبد من عباده بكرامة ما فقال:" وإنما يقيس على الماضي بواسطة الكرامة الحب إذ يقول لولا أني كريم عن الله ومحبوب لما أحسن إلي والتلبيس تحت ظنه أنه كل محسن محب لا بل تحت ظنه أن أنعامه عليه في الدنيا إحسان فقد اغتر بالله إذ ظن أنه كريم عنده بدليل لا يدل على الكرامة". (٣)
стр. 152
أولاً: التوحيد:
عني ابن عبد الوهاب بدعوة التوحيد إلى الله فهي أولى دعوات الرسل والأنبياء ـ فكل رسول يفتتح دعوته لقومه بهذا التوحيد ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ . (٢)
فدلت الآية على أن الله تعالى خلق الخلق لحكمة عظيمة وهي القيام بما وجب عليهم من عبادته وحده وبترك عبادة ما سواه، فخلق الخلق سبحانه لكي يؤدوا العبادة التي هي اسم يجمع كمال كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فالعبادة اسم يجمع كمال الحب لله ونهايته وكمال الذل ونهايته، وهذا التوحيد الذي خلقوا له ودعوا إليه هو توحيد الألوهية، توحيد القصد والطلب، وأما توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وتوحيد الأفعال فهو توحيد العلم والاعتقاد والمراد من العبادة التي خلقوا لها هي العبادة الخالصة التي لا يلبسها شرك بعبادة شيء سوى الله كائنا ما كان، ويقول في ذلك: (وأما عبادته بالإخلاص دائما في الرخاء والشدة فلا يعرفونها، وهي نتيجة توحيد الإلهية، وكذلك الإيمان بالله واليوم الآخر والإيمان بالكتب والرسل وغير ذلك، وأما الصبر والرضا والتسليم والتوكل والإنابة والتفويض والمحبة والخوف والرجاء فمن نتائج توحيد الربوبية وهذا وأمثاله لا يعرف إلا بالتفكر، لا بالمطالعة وفهم العبارة". (٣)
فإثبات التوحيد بأقسامه الثلاثة لا بد أن يجتمع مع الاعتقاد العملي الذي هو الثمرة الحقيقية لوجود الإنس والجن.
وقد كثر كلام الصوفية في تعريف التوحيد وحقيقته وأقسامه في مؤلفاتهم مثل الرسالة القشيرية (٤) ، والكلاباذي (٥) ، والسهروردي (٦) والغزالي الذي
стр. 153
تسوق له هذا التعريف فيقول:" التوحيد الذي يترجمه قولك: لإله إلا الله وحدة لا شريك له والإيمان بالقدرة التي يترجم عنها قولك له الملك والإيمان بالجود والحكمة الذي يدل عليه قولك وله الحمد فمن قال لا إله إلا الله وحدة لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير تم له الإيمان الذي هو اصل التوكل".
وسئل البوشنجي عن التوحيد فقال: غير مشبه الذات ولا منفي الصفات. (١)
والمتابع لتعريفات أعلام الصوفية للتوحيد وبين ما جاء لدى ابن عبد الوهاب يجد فروقا كثير نخص بالذكر ما يلي:
١. دعوة ابن عبد الوهاب إلى التوحيد تشمل جميع طبقات الناس.
٢. دعوة التوحيد لديه مبنية على الاعتقاد والقول والعمل دون تفريق بين الظاهر والباطن.
٣. لم يذهب إلى مذهب الصوفية في جعل التوحيد مقسم على أوجه ثلاث: توحيد العامة الذي يصح بالشواهد والوجه الثاني توحيد الخاصة وهو الذي يثبت بالحقائق والوجه الثالث توحيد قائم بالقلب وهو توحيد خاصة الخاصة، بل ألزم ابن عبد الوهاب كل مسلم ان يتعلم حقيقة التوحيد: توحيد الألوهية والربوبية وتوحيد الصفات، كما جاء في كتابه الحكيم وكما بلغه رسوله الأمين.
٤. إن مقام التوحيد ذهب بعض الصوفية إلى جعله آخر المقامات كما فعل الهروي، أو من جعله متقدما أو متوسطا مثل الغزالي، ولكن ابن عبد الوهاب لا يقدم على التوحيد أي فكر ولا علم تحت أي مسمى ويعتبر التوحيد هو أول دعوة الرسل وأعظم ما يتعلمه الخلق ويقول في ذلك: "فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي ﷺ وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج فكيف إذا جحد الإنسان شيئا من هذه
стр. 154
الأمور كفر ولو عمل بكل ما جاء الرسول ﷺ وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر؟ ". (١)
نخلص مما تقدم من النصوص الواردة في مؤلفات ابن عبد الوهاب إلى أن التوحيد الذي جاء به الرسل والأنبياء هو إخلاص الدين كله لله وعبادته وحده لا شريك له في جميع أنواع العبادة التي أمر بها الإسلام.
(١) ـ إن دعوة ابن عبد الوهاب في التوحيد أساسها الشرع وميزانه سنة رسول الله ﷺ ولا يقدم على هذه الدعوة أي شيء آخر مهما بدا عظيما.
(٢) ـ لا يجوز دعوة الصالحين وأن نعلم جيدا أنهم على صلاحهم أنهم ليس لهم من الأمر شيء ويقول في ذلك:" وأن لا يتخذوا مع الله إلهاً آخر ونهاهم عن عبادة المخلوقين من الملائكة والأنبياء والصالحين والحجر والشجر...." (٢)
ثم يستطرد بأن هذا الكلام أي تجريد التوحيد من كل شائبة فيقول:
"وكون أكثر القرآن في بيان هذا الأصل من وجوه شتى بكلام يفهمه أبلد العامة". (٣)
وتلك حجة على من يشرك في عبادته أحداً، أو يتعلل بعدم الفهم،
(٣) قول: (لا إله إلا الله) إبطال للوسائط.
ثانيا ـ الإخلاص:
أما الإخلاص: فحقيقته أن يخلص العبد لله في أقواله، وأفعاله وارادته ونيته وهذه هي ملة إبراهيم ﵇ وقد ورد في الكتاب والسنة وإجماع الأمة على اشتراط الإخلاص للأعمال والأقوال الدينية وأن الله لا يقبل منها إلا ما كان خالصا وابتغى به وجهه ولهذا كان السلف الصالح يجتهدون غاية
стр. 155
الاجتهاد في تصحيح نياتهم، ويرون الإخلاص أعز الأشياء وأشقها على النفس وذلك لمعرفتهم بالله وما يجب لله.
ويعرف الإخلاص الصوفية بتعريفات كثيرة ومتعددة أذكر منها تعريف الجنيد:" الإخلاص ما أريد به الله من أي كعمل كان". (١)
ويعرف الإخلاص صاحب الرسالة القشيرية: الإخلاص إفراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد وهو أن يريد بطاعته التقرب على الله سبحانه دون شيء آخر من تصنع مخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس أو محبة مدح من الخلق أو معنى من المعاني سوى التقرب به إلى الله تعالى". (٢)
فلب الإخلاص لدي مفكري المسلمين جميعا هو تصفية الفعل عن ملاحظة الخلق أو انتظار مدح منهم والتوجه إلى الله ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . (٣)
وقال تعالى ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص﴾ . (٤)
ويستشهد الغزالي بقول علي بن أبي طالب ﵁ (لا تهتموا لقلة العمل واهتموا للقبول فإن النبي ﷺ قال لمعاذ بن جبل " أخلص العمل يجزك منه القليل". (٥)
ويهتم ابن عبد الوهاب بإخلاص في العلم ويعتبرها من أعز الأمور التي يجب على كل مسلم أن يصل إلى هذه الحقيقة ولا يتم ذلك إلا بالصدق فيقول:" المسألة كبيرة ولما ذكر الإمام أحمد الصدق والإخلاص قال بهما ارتفع القوم، ولكن يقربهما على الفهم التفكر في بعد إفراد العبادة مثل الصلاة، فالإخلاص فيها يرجع إلى إفرادها عما يخالطها كثيرا من الرياء والطبع والعادة
стр. 156
وغيرها، والصدق يرجع إلى إقامتها على الوجه المشروع ولو ابغضه الناس لذلك". (١)
إخلاص العبادة لله وحده، وهو معنى قول الخليل ﵇: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . (٢)
إخلاص الدين كله لله تحقيقا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ . (٣)
فإن دين الإسلام هو دين الله الذي أمر به الأولين والآخرين، ويستطرد ابن عبد الوهاب في سوق الأدلة والبراهين عن حقيقة الإخلاص وما يلزمه فيقول:"الثالثة" بل من أسلم وجهه لله وهو محسن، وفسر إسلام الوجه بما يقتضي الإخلاص، والإحسان في العمل الصالح المأمور به وهذان جماع الدين لا يعبد إلا الله، ولا نعبده بالبدع بل بما شرع". (٤)
ثم يقيم هذا العمل الخالص لله فيقول:" إن هذين الأصلين هما تحقيق الشهادتين شهادة أن (لا إله إلا الله) وشهادة أن محمدا رسول الله فالأولى تتضمن إخلاص الألوهية فلا يتأله القلب غيره...." (الثانية) " يتضمن تصديق الرسول فيما أخبر به وطاعته فيما أمر فلا حرام إلا ما حرم ولا دين إلا ما شرع". (٥)
فابن عبد الوهاب واضح الفكر والمنهج في هذا الأمر:
(١) فإخلاص الدين لله فريضة على كل مسلم ومسلمة.
(٢) العبادة تكون في حدود ما شرع الله دون إضافة أو ابتداع وقد شدد ابن عبد الوهاب على هذا الالتزام حتى لا تفسد العبادات وتشوبها الجهالات المختلفة.
стр. 157
ولأن العبادة مظهر العلاقة بين العبد وخالقه، وهذا المظهر ليس للعبد حق وضعه، ولا بيان كيفيته وإنما هذا لله وحده، ولهذا منع الأصوليون الاجتهاد في الأمور التعبدية.
(١) عدم الإخلاص في العبادة تفرق الناس لأجلها بين مسلم وكافر، وعندها وقعت العداوة، ولأجلها شرع الجهاد (١) ، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (٢)(٢) يجب ان يكون الإخلاص دائما في الرخاء والشدة ويعيب على أهل زمانه فيقول:"فلا يعرفونها وهي نتيجة توحيد الإلهية. (٣)
ثالثا ـ التوكل:
إن التوكل على الله لا بد أن يكون علما وحالا وعملا والتوكل مشتق من الوكالة يقال وكل أمره إلى فلان أي فوضه إليه واعتمد عليه فيه ويسمى الموكول إليه وكيلا ويسمى المفوض إليه متكلا عليه ومتوكلا عليه.
ومن صفات المؤمنين كما وصفهم الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤) وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ . وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّه﴾ .
والتوكل من المقامات الأولى التي اعتنى بها الصوفي لكي يرقى إليها ويستطيع تحقيقها في رياضاته، ويسوق القشيري حديث رسول الله ﷺ في بيان أهمية درجة المتوكلين على الله فيقول: "عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "أرأيت الأمم بالموسم فرأيت أمتي قد ملؤا السهل والجبل فأعجبني كثرتهم وهيبتهم فقيل له أرضيت فقلت نعم قال ومع هؤلاء سبعون ألفا
стр. 158
يدخلون الجنة بغير حساب لا يكتوون ولا يتطيرون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون" فقال عكاشة بن محسن الأسدي فقال يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم فقال رسول الله ﷺ : "اللهم أجعله منهم" فقال آخر" ادع الله أن يجعلني منهم" فقال رسول الله ﷺ : "سبقك بها عكاشة". (١)
فالمتوكل دون إسراف فيه مقام محمود لا ينكره ابن عبد الوهاب على الصوفية ففي كتابه التوحيد يعقب على الحديث السالف الذكر بقوله:" الرابعة ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك، (الخامسة) كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد، السادسة كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل (٢) " أما الجانب الذي يعيبه على الصوفية هو المغالاة في إنكارهم الجمع بين التوكل والسبب فيقول:" الجمع بين التوكل والسبب خلافا لغلاة المتفقهة وغلاة الصوفية". (٣)
ويستشهد بقصة أهل الكهف للرد على منكري الأسباب أو من يذهب إلى أن هناك تعارض بين الجمع للتوكل والأسباب فيقول:" الرد على منكري الأسباب، لأنه سبحانه قادر على إنجاء السفينة وتثبيت أبوي الغلام وإخراج الكنز له بدون ما جرى". (٤)
والتوكل عند ابن عبد الوهاب فريضة يجب إخلاصه لله تعالى لأنه من أجمع أنواع العبادة الباطنة (٥) .
وفي موضع آخر يقول:"التوكل من لوازم الإسلام والإيمان" (٦) وفي موضع آخر ذكر أنواع العبادة التي أمر بها الإسلام فيقول:" الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرهبة والخشوع ... فمن صرف من ذلك شيئا لغير الله فهو مشرك (٧) والدليل قوله تعالى:
стр. 159
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ . (١)
ولا يحصل كمال التوحيد بأنواعه الثلاثة توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات إلا بكمال التوكل على الله.
قال الإمام أحمد: التوكل عمل القلب وذهب ابن تيمية وابن القيم إلى القول بأن التوكل على الله شرط للإيمان وأن من يتوكل على مخلوق خاب ظنه وخسر عمله وكان من المشركين.
أنواع التوكل:
التوكل قسمان: أحدهما التوكل في الأمور التي لا يقدر عليه إلا الله كالتوكل على الأموات والغائبين ونحوهم وهذا ما تشدد فيه ابن عبد الوهاب مثل الغلو في الأولياء والصالحين وطلب قضاء الحوائج منهم ويعتبر هذه الأعمال شركا أكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه.
القسم الثاني: وهذا التوكل على الأحياء الحاضرين من ذوي السلطان ونحوهم فيما أقدرهم الله عليه من رزق ودفع أذى ونحو ذلك فهو شكر أصغر، والمباح أن يوكل شخصا بالنيابة عنه في التصرف فيما له التصرف فيه من أمور دنياه كالبيع والشراء والإجارة والطلاق والعتاق وغير ذلك فهذا جائز بالإجماع لكن لا يقول (توكلت عليه) بل يقول"وكلته" فإنه لو وكله فلا بد أن يتوكل في ذلك على الله سبحانه (٢) ،عن ابن عباس قال: (حسبنا الله ونعم الوكيل) . قالها إبراهيم ﵇ حين القي في النار وقالها محمد ﷺ حين قالوا له ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ . (٣)(١) ـ ويشيد ابن عبد الوهاب بعظم شأن هذه الكلمة وأنها قول إبراهيم ﵇ ومحمد ﷺ في الشدائد.
стр. 160
(٢) ـ أن التوكل من الفرائض.
(٣) ـ أنه من شروط الإيمان.
هذا هو موقف ابن عبد الوهاب من التوكل وقبوله له في الصورة التي رسمها القرآن الكريم وبينها صاحب السنة الأمين بعيداً عن المغالاة التي نحاها المتصوفة وتركهم للأسباب كلية ومحاربة النفس بما جبلت عليه من الحذر والخوف وفهموا بأن التوكل على الله بمعنى التواكل وترك الأسباب وعدم التزود بكل حالة بما يناسبها وثابت في السنة أن الرسول ﷺ كان يعد لكل أمر عدته وهو خير من توكل على ربه دون أن يصرفه التوكل عن إعداد العدة والتذرع بالأسباب حتى أنه ﷺ أمره ربه بالهجرة من مكة إلى المدينة لم يدع احتياطا ممكنا إلا وأخذه، ولا حيلة يمكن أن تصرف القوم عنه إلا سلكه فمن ذلك انه أعد وأبو بكر راحلتين وزادا ورصدا عيونا على الطريق ورتبا مرور القطيع ليخفي على أثارهما، والتمسا المكث في الغار ثلاثة أيام لينصرف القوم عن طلبهما على آخر ما تحفل به كتب السيرة في قصة الهجرة.
وفي هذا رد على من أنكر الأسباب والجمع بينهما وبين التوكل مثل الغلاة من الفقهاء والمتصوفة، مع تأكيد حقيقة التوكل وأنه على العبد أن يكون على يقين بأنه لا يضره أحد بغير إذن الله تعالى ويقول في ذلك" الإرشاد إلى التوكل بكونه لا يضر أحداً إلا بإذن الله". (١)
خلاصة الأمر أن على العبد أن يلتزم في العبادات الاتباع لا الابتداع فليس لأحد أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ . (٢)
وبهذا التزم ابن عبد الوهاب وألزم مجتمعه بالتمسك بأنه لا يعبد إلا الله وبما شرع وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن"لا إله إلا الله" وأن محمداَ رسول الله.
стр. 161
نتيجة ذلك انه رفض كل ابتداع ذهب إليه أي فريق تحت أي مسمى، وتمسك بصرف العبادة كلها لله، وحده فيقول:"أي أعبدك يا رب مما مضى بهذه الثلاث بمحبتك، ورجائك، وخوفك فهذه الثلاثة أركان للعبادة، وصرفها لغير الله شرك وفي هذه الثلاث الرد على من تعلق بواحدة منها..كمن عبد الله تعالى بالمحبة وحدها، وكذلك من عبد الله بالرجاء وحده كالمرجئة وكذلك من عبد الله بالخوف وحده كالخوارج". (١)
ويسوقنا الحديث إلى بيان موقفه من المحبة.
رابعا ـ المحبة:
كما رأينا منذ قليل أن ابن عبد الوهاب هاجم الفرق الثلاث الصوفية والمرجئة والخوارج لتعلق كل فرقة بعبادة الله عبادة منفردة عن باقي أركانها، فصرف العبادة هو بتوحيد المحبة مع خضوع القلب والجوارح، فمن احب شيئا وخضع له فقد تعبد قلبه له، فلا تكون المحبة المنفردة عن الخضوع عبادة، ولا الخضوع بلا محبة عبادة، فالمحبة والخضوع ركنان للعبادة فلا يكون أحدهما عبادة بدون الآخر.
إذن فتوحيد العبادة هو إفراد الله سبحانه بأنواع العبادة مع محبته والخضوع لأوامره، ومن صرف شيئا لغير الله فهو مشرك.
وقبل أن نفصل القول في بيان رأي ابن عبد الوهاب في المحبة نتناول بعض تعريفاتها لدى السادة الصوفية لأن مقام المحبة لديهم مقام عظيم وكانت عبادتهم لله تعالى تنفرد بالمحبة دون باقي أركان العبادة، وكان مسلكهم هذا موضع نقد ابن عبد الوهاب ولذلك كان لزاما أن نتناول بعض تعريفاتهم بالبيان والتحليل يستشهد الغزالي بالحديث الذي رواه أنس عن النبي رسول الله ﷺ أنه قال:" إذا أحب الله عبد الم يضره ذنب والتائب من الذنب كما لا ذنب له ثم تلا ـ ﴿إن الله يحب التوابين﴾ ". (٢)
стр. 162
ويفسر الحديث فيقول:" ومعناه أنه إذا أحبه تاب عليه قبل الموت فلم تضره الذنوب الماضية وإن كثرت كما لا يضر الكفر الماضي بعد الإسلام وقد اشترط الله تعالى لمحبة غفران الذنب". (١)
فابن عبد الوهاب الذي يقر بالمحبة في الإطار الذي ورد في كتابه الكريم وسنة رسوله والمحكومة بالعمل لا بهجر الحياة والبعد عن تعمير الكون والمحبة عنده ثمرة للمعرفة فمن عرف الله ووقف على صفاته ومعرفة نعوته تندفع القلوب إلى محبته لأن القلوب لا تحب إلا من سبق لها معرفة به، ووجدت فيه صفات ترغبها فيه وهذا ما دفع ابن عبد الوهاب إلى التشدد في التمسك بإثبات الصفات لله تعالى والهجوم على أي فريق أنكر الصفات أو أولها ن واعتبر الكافر أعقل ممن ننكر صفات الله تعالى.
ويقول صاحب الرسالة القشيريية: المحبة حال شريفة شهد الحق سبحانه يوصف بأنه يحب العبد والعبد يوصف بأنه يحب الحق سبحانه.
ويقول الجنيد: المحبة ميل القلوب.
ومعناه: أن يجعل قلبه إلى الله وإلى ما لله منن غير تكلف. وقال غيره: المحبة هي الموافقة، معناه: الطاعة فيما أمر والانتهاء عما زجر، والرضا بما حكم وقدر. (٢)
ومثل هذا اللهو من التعريفات الصوفية للمحبة لا يرفضها ابن عبد الوهاب، لأنه يقر بالمحبة المقرونة بالمعرفة المترجمة إلى عمل في إطار الشريعة.
يرفض عبادة الله بالمحبة وحدها ويعيب هذا المسلك على الصوفية ينادي بعبادة الله بجميع أنواع العبادة كما أقرها الله سب سبحانه و: دكها رسوله ومبلغ وحيه الأمين.
أقسام المحبة لدى ابن عبد الوهاب:
تنقسم المحبة عند الشيخ إلى أربعة أقسام: ـ
стр. 163
١- محبة شركية وهم الذين قال الله فيهم ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ (١) إلى قوله ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ .
٢- المحبة الثانية: حب الباطل وأهله وبغض الحق وأهله وهذه صفة المنافقين.
٣- المحبة الثالثة: طبيعية وهي محبة المال والولد، إذا لم تشغل عن طاعة الله ولم تعن على محارم الله فهي مباحة.
٤- المحبة الرابعة: حب أهل التوحيد وبغض أهل الشرك، وهي أوثق عرى الإيمان وأعظم ما يعبد به العبد ربه.
وتختم قولنا عن المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله وحده وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم وكمال الطاعة وإيثاره على غيره فهذه المحبة لا يجوز تعليقها بغير الله أصلاً، وهي التي سوى المشركون بين آلهتهم وبين الله فيها، هي أول دعوة الرسل وآخر كلام العبد المؤمن الذي إذا مات عليه دخل الجنة، باعترافه وإقراره بهذه المحبة وأفراد الرب بها. (٢)
ومصداق ذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣) وفي المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ . (٤)
وفي آية يونس: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ . (٥)
стр. 164
الفصل الثالث: موقفه من التوسل
انتهينا من بيان وتوضيح موقف ابن عبد الوهاب من التصوف ورفضه الصورة التي آلت إليها سلوك المتصوفة من التفاف العامة حولهم وإتيان الكثير من الأفعال الجاهلية التي نهى عنها واعتبر هذا السلوك هو ردة إلى الوثنية الأولى، ثم أوضحنا قبوله جوهر التصوف وهو السلوك الذي لا يتعارض مع الكتاب والسنة وأخذنا أمثلة على ذلك مثل التوحيد والإخلاص ـ التوكل والمحبة مع مقارنات لأقوال بعض الصوفية حول هذا المقامات وبين ما ذهب إليه ابن عبد الوهاب، ونتناول الآن التوسل المشروع وغير المشروع وبيان موقفه من هذا وذاك وميزان ذلك الكتاب والسنة.
التوسل في اللغة التقرب والوسيلة ما يتقرب به من الأعمال إلى الله وهي أيضا المنزلة عند الملك، والدرجة والقربة، ووسل إلى الله توسيلا، عمل عملا تقرب به إليه كتوسل والواسل الراغب إلى الله يقول تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (٢) أي اطلبوا ما تتوسلون به إليه مما يقربكم إلى نيل ثوابه من فعل طاعة أو ترك معصية.
ولم يجعل الشرع للتوسل حقيقة غير الحقيقة اللغوية ففي حديث الآذان
стр. 165
"اللهم آت محمدا الوسيلة"، والمراد بها في الحديث القرب من الله تعالى وقيل الشفاعة يوم القيامة، وقيل المنزلة من منازل الجنة (١) ،والوسيلة التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من الوصيلة لتضمنها معنى الرغبة، وحقيقة الوسيلة إلى الله مراعاة سبيله بالعلم والعبادة، وتحري مكارم الشريعة وهي القربة.
مما تقدم من تعريفات للوسيلة نجد أن الوسيلة تدو على أمور:
١. القربة.
٢. الدرجة.
٣. المحبة.
٤. الحاجة.
٥. الرغبة.
وإن التوسل إلى الله هو التقرب إليه بالأعمال الصالحة والقرب المشروعة وعليه ليس منها مناداة الأموات، والاستغاثة بهم وسؤال الله لهم. (٢)
وأما الوسيلة في عرف الناس اليوم تقع على الاستغاثة بالأموات، والتمسح والتقبيل لقبور الأولياء التي تملئ بالزائرين لتقديم القرابين ويزرفون فوق ترابهم دموع الندم والاستغفار متوسلين بأصحابها، راجين منهم العفو والغفران ومن هؤلاء المخلوقات الحافية والعارية يتخذها الناس أولياء لله المقربين ن يعلمون الغيب ويملكون الحياة والموت فلم يكن أمام ابن عبد الوهاب إلا دعوة هؤلاء إلى الرجوع إلى القرآن الكريم وتنقية الدين من هذه الأدران والخزعبلات ولكنهم كانوا يدركون أنهم لن يستطيعوا أن يغيروا ما بهؤلاء القوم بالوعظ وإقامة البرهان فحسب بل لا بد من تحكيم السيف أيضا إن عز الإقناع ولم تنفع الحجة، لذلك كانت رسائلهم إلى القبائل تسبق جيوشهم، ويقول ابن عبد الوهاب في هذا الشأن:" وهذه هي المسالة التي تفرق الناس لأجلها
стр. 166
بين مسلم وكافر، وعندها وقعت العداوة ولأجلها شرع الجهاد. (١)
ومن الأشياء التي أثارت ثورة ابن عبد الوهاب شد الرحال من الأماكن البعيدة إلى القبور للتقرب إلى المقبورين والتوسل بهم وقراءة القرآن والأوراد على القبور، ولأرواح المقبورين والصلاة إليها واستقبالها، والبناء عليها وتجصيصها وإيقاد السرج فوقها والطواف حولها، وفي هذا يقول:" ولكن هذه الأمور من أسباب حدوث الشرك، فيشتد نكير العلماء لذلك، كما صح عنه ﷺ أنه قال:" لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". (٢)
ورغم إنكار ابن عبد الوهاب هذه الأفعال من ألوان التوسل والتقرب على الأولياء والصالحين من أهل القبور والإحياء إلا أنه لم ينكر التوسل المشروع وهاك الأدلة:.
مما هو متفق على جوازه أن الحي يطلب منه سائر ما يقدر عليه، سواء أكان بلفظ الاستغاثة أو بغيرها فيقول:
" فإن الاستغاثة بالمخلوق على ما يقدر عليه لا ننكرها كما قال تعالى في قصة موسى ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٣) وكما يستغيث الإنسان بصاحبه في الحرب وغيرها في الأشياء التي يقدر عليها المخلوق ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله.
ويستطرد ابن عبد الوهاب في بيان عقديته حول المشروع من الاستغاثة، مثل الاستغاثة بالأنبياء يوم لقيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة. مثل أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك وتقول له: ادع الله لي، كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه في حياته فيقول:" وأما بعد موته
стр. 167
فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره، بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف دعاؤه بنفسه ﷺ ". (١)
ويرد ابن عبد الوهاب على من يأخذ من قصة إبراهيم ﵇ لما القي في النار واعترض له جبريل وسأله: ألك حاجة فإن مساعدة جبريل وهو كما وصفه الحق تعالى﴾ شَدِيدُ الْقُوَى ﴿ولو أمره الله تعالى أن يفعل أي شيء لفعل، ومثل هذا مثل رجل غني له مال كثير يرى محتاجا فيعرض عليه أن يقرضه، او أن يهب له شيئا ليقضي به حاجته، فيأبى ذلك المحتاج أن يأخذ، ويصبر حتى يأتيه الله برزق لا منة لأحد، ثم يتساءل" فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون؟ ". (٢)
وفيما يلي نعرض لأنواع التوسل المشروع التي توافق ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله وقبلها أهل السنة والسلف الصالح:
النوع الأول: التوسل إليه بأسمائه وصفاته، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٣)
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ . (٤)
وقال عن أيوب ﵇: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ . (٥)
النوع الثاني بالصلاة كما تقبل الدعوة.
وذلك كصلاة الاستسقاء، وصلاة الاستخارة والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ (٦) ولهذا كان رسول الله ﷺ إذا همه
стр. 168
أمر هرع إلى الصلاة فإنها أعظم التقرب إلى الله .
النوع الثالث: بالتوحيد والإيمان، قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٢) وقال عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ . (٣) وقال: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٤)
النوع الرابع: التوسل بالتسبيح:
قال تعالى في قصة يونس ﵇: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . (٥) فالله نجاه وقبل دعوته بتسبيحه
النوع الخامس: التوسل بذرك الأعمال الصالحة السالفة عند نزول الضر كشفه، روي البخاري ومسلم وغيرهما ـ واللفظ للبخاري ـ عن ابن عمر ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ " بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون فإذا أصابهم مطر فآووا إلى غار، فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: أنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق فليدع كل رجل منكم بما علم أنه قد صدق فيه".
فالوسيلة المأمور بها هي الأعمال الصالحة (٦) ، كما قال اخبارا عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ . (٧)
стр. 169
النوع السادس: التوسل بحمد الله والصلاة على رسوله:
روى الترمذي عن فضالة بن عبيد وقال حديث حسن صحيح ـ أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يدعو في صلاته فلم يصل على رسول الله صلى الله لعيه وسلم فقال " عجل هذا، فدعاه" قال له او لغيره " إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والصلاة على رسوله، ثم ليدع بعد بما يشاء".
النوع السابع: التوسل بالقرآن:
روي عن ابن ماجة أن رسول الله ﷺ قال:" اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ .وفاتحة سورة (آل عمران) ".وروي أيضا عن القاسم قال "اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في سور ثلاث: البقرة، وآل عمران، وطه".
النوع الثامن: التوسل بالصدقة، وقد كان بعض العلماء يفعله لقبول الدعوة، ويستدل بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَة﴾ (١) فإذن الصدقة من صالح الأعمال.
النوع التاسع: التوسل بالتضرع والخشية والخشوع:
قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢) وقال بعد أن ذكر إجابته للأنبياء ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ . (٣)
النوع العاشر: التوسل بالاسرار والاخفات بالدعوة:
قال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً، قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ (٤)
وقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ .
стр. 170
النوع الحادي عشر: التوسل بدعاء الصالحين:
كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري وغيره أن الصحابة كانوا إذا أجدبوا توسلوا بالعباس بن عبد المطلب وقال عمر في عام الرمادة " اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فاسقنا".
فيسقون واستسقى معاوية بن ابي سفيان بالأسود بن يزيد وقد ذكر الفقهاء استحسان ذلك في باب صلاة الاستسقاء" (١) .
فالاستغاثة من أنواع العبادة وصرفها لغير الله شرك ويقول في ذلك:
" أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله..من أنواعها الدعاء والاستغاثة والاستعانة وذبح القرابين والنذور والخوف والرجاء ... " (٢) ويسوق الأدلة من القرآن على كل نوع من أنواع العبادة فيقول عن الاستغاثة والاستعانة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣) ودليل الاستغاثة قوله تعالى: ﴿ِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ (٤) .
ثم يستطرد في توضيح حكم من يشرك في أنواع العبادة السابقة الذكر أحداً فيقول:" فمن صرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله فقد اتخذ ربا والها وشارك مع الله غيره وأو يقصده بغير ذلك من أنواع العبادة نقد تقدم من الآيات ما يدل على أن هذا هو الشرك الذي نهى الله عنه". (٥) فقد بعث الله رسله وأنزل كتبه ينهى أن يدعي أحد غيره ولا من دونه ولا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة وهذا هو دين جميع الرسل ثم يقول:"لم يختلفوا فيه كما اختلفت شرائعهم في غيره." (٦)
ويقسم ابن عبد الوهاب أنواع الدعاء التي تقع في أهل زمانه إلى:
стр. 171
(١) النوع الأول: دعاء الله وحده لا شريك له الذي بعث به رسوله.
(٢) النوع الثاني: أن يدعو الله ويدعو معه نبيا أو وليا، ويقول أريد شفاعته وإلا فأنا أعلم ما ينفع ولا يضر إلى الله لكن أنا مذنب، وأدعو هذا الصالح لعله يشفع لي فهذا الذي فعله المشركون، وقاتلهم رسول الله ﷺ حتى يتركوه ولا يدعوا مع الله أحدا لا لطلب شفع ولا نفع.
(٣) النوع الثالث: أن يقول:" اللهم أني أتوسل إليك بنبيك أو بالأنبياء أو لصالحين فهذا ليس شركا ولا نهينا الناس عنه، ولكن المذكور عن أبى حنيفة وأبي يوسف وغيرهم انهم كرهوه ولكن ليس مما نختلف نحن وغيرنا فيه". (١)(١) نخلص مما سبق إلى أن هناك أقساما من التوسل جائزة وصحيحة ولب هذا التوسل كأن لا يعتقد تأثيرا ولا خلقا ولا إيجادا ولا نفعا ولا ضرا إلا الله وحده لا شريك له ولا يعتقد تأثيرا ولا نفعا ولا ضرا للنبي ﷺ ولا لغيره من الأحياء والأموات فلا فرق في التوسل بالنبي ﷺ وغيره من الأنبياء والمرسلين وكذا بالأولياء، والصالحين لا فرق بين كونهم أحياء أو أمواتا لأنهم لا يخلقون شيئا وليس لهم تأثير في شيء وإنما يتبرك بهم لكونهم أحباء الله تعالى.
(٢) إن التذرع بالتبرك والتوسل فتح باب فتنه للعوام وبعض الخواص في أهل القبور وفي المعروفين بالصلاح من الأحياء أنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ ويفعلون ما لا يفعله إلا الله حتى نطقت ألسنتهم بما انطوت عليه قلوبهم فأخذوا يعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع.
(٣) أن مجرد عدم اعتقاد التأثير والخلق والإيجاد والعدم والنفع والضر إلى الله لا يبرئ من الشرك فإن المشركين الذين بعث الرسل إليهم أيضا كانوا مقرين بأن الله هو الخالق الرزاق، بل لا بد فيه من إخلاص توحيده وإفراده في كل أنواع العبادة التي من بينها الاستغاثة والتوسل.
стр. 172
(٤) أنه يجوز أن يستغيث بالمخلوق الحي فيما يقدر على الغوث فيه مثل أن يستغيث المخلوق ليعينه على حمل حجر أو يحول بينه وبين عدوه أو يدفع عنه لصا..ومن ذلك طلب الدعاء لله تعالى من بعض عباده لبعض وهذا لا خلاف في جوازه والاستغاثة الواردة في حديث المحشر من هذا القبيل، وإسناد الإغاثة هنا تكون من قبيل العمل والكسب لا الخلق والإيجاد.
(٥) أن يستغاث بمخلوق ميت أو حي فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى وهذا هو الذي رفضه ابن عبد الوهاب ويقول فيه أهل العلم والتحقيق أنه غير جائز ويوصل إلى الشرك.
وصفوة القول عندي فيما يتعلق بالتوسل أن الله تعالى شرع العبادة لذاته تعالى بلا شريك أو وسيط وبين أنه الخالق النافع الضار وعلى الإنسان أن يحقق كمال العبودية لله تعالى في توحيد الألوهية والربوبية، فلا جرم أن ابن عبد الوهاب أصاب لب الحقيقة في تقريره عدم جواز طلب العبد من العبد شيئا حيا كان أو ميتا شيئا لا يملكه إلا الله، أما شبهة القائلين بان التوسل هو التوجه بالطلب إلى الله عن طريق أحد أوليائه التماسا للإجابة من الله. فقول مردود بأكثر من وجه:
الوجه الأول: أن الله تعالى أمر العباد بتوجيه الطلب المباشر إليه ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ .ولو كان توجيه الطلب عن طريق نبي أو ولي أو ملك مقرب مما يرضاه الله أو يكون سببا في إجابته الدعاء لحث على ذلك وندب إليه وهو ما لم يرد نص في كتاب الله.
الوجه الثاني: أن الله تعالى على ما وصف به نفسه في كتابه وعلى ما وصف به رسوله ﷺ اقرب إلى الإنسان من حبل الوريد وأعلم بسره وجهره منه وأرحم به من والديه بل من نفسه التي بين جنبيه فأي عاقل يترك توجيه السؤال إلى الرب القريب الرحيم المجيب ويتخذ له وسيطا في الطلب والدعاء؟.
الوجه الثالث: أن التوسل بمخلوق على أنه صالح وولي هو تزكية لمخلوق على الله وقد نهى الله عن ذلك ووصف المؤمنين بأنهم لا يزكون على الله أحداً، من يدعي الصلاح ويزين للناس التبرك به والتوسل فحسبه قول الله: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ . (١)
стр. 173
الباب الخامس: نظرته إلى دور العقيدة في بناء الفرد من خلال الجماعة
مدخل
...
البَابُ الخامِس: نظَرته إلىَ دَور العَقيدة في بنَاء الفَرد مِن خِلال الجمَاعَة
الفصل الأول: مفهوم الجماعة المسلمة وكيف تتكون ومدى ارتباط الإيمان بالتزام الجماعة
الفصل الثاني: التكفير وما يخرج عن الإسلام.
الفصل الثالث: الجهاد في سبيل الله كركن من أركان العقيدة.
стр. 174
الباب الخامس: نظرته إلى دور العقيدة في بناء الفرد من خلال الجماعة
تبين لنا من دراسة الفصل الثاني من الباب الثاني في هذا البحث كيف اهتم ابن عبد الوهاب بالربط بين العلم واعمل وأحيا قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتبارها قاعدة أساسية لتحقيق ذلك وألمحنا إلى أن هذا المنهج يحدد نظرة الشيخ إلى دور العقدية في بناء الفرد من خلال الجماعة. فلئن عد الباحثون العلامة ابن خلدون رائدا لعلم الاجتماع باعتبار ما أورده من
تقريرات في أصول هذا العلم أشار إليها في مقدمته بقوله:" إن الاجتماع الإنساني ضرورة" (١) فالحق أن ما أورده ابن خلدون وغيره من مفكري الإسلام ممن سبقوه أو لحقوه إنما يصدر في هذا الخصوص عن هدى القرآن الكريم الذي لفت النظر إلى ضرورة الاجتماع الإنساني في أكثر من آية كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ إلى ورود الخطاب في عديد الآيات بصيغة الجمع ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ مما يؤكد حقيقة أن الاجتماع ضرورة إنسانية. وحسبنا أن نتأمل كون الإسلام عقيدة وشريعة بما ينطوي عليه ذلك من قواعد لتنظيم الحياة وضبط علائق الأفراد والجماعات لندرك مدى وضوح هذه الحقيقة في المنهج الإسلامي عقيدة وشريعة بما ينطوي عليه ذلك من قواعد لتنظيم الحياة وضبط علائق الأفراد والجماعات لندرك مدى وضوح هذه الحقيقة في المنهج الإسلامي، إذ لا مكان للشريعة إلا منفي مجتمع إنساني، فلئن وجدت العقيدة مستقرها في قلب الفرد ووجدانه فلا مستقر للشريعة إلا في المجتمع وتنظيم بنيانه.
لذلك عنى الباحثون من مفكري الإسلام ببيان أسس علاقة الفرد بالجماعة، وكان لمحمد بن عبد الوهاب نظرت في هذا المجال مما سنعرض له في هذا الباب.
стр. 175
الفصل الأول: مفهوم الجماعة المسلمة وكيف تتكون، ومدى ارتباط الإيمان بالتزام الجماعة
رغم أن الاجتماع ضرورة إنسانية عايشها الإنسان منذ كان فلم يعرف الحياة إلا في جماعة، إلا أن مفهوم الجماعة المسلمة يختلف تماما عن مفهوم الجماعة التي لا تخضع لمنهج الإسلام، وهو اختلاف يعود بالأساس إلى اختلاف نظرة الإسلام عما عداه ـ إلى وظيفة الإنسان في الأرض من حيث بدئه ورسالته ومنتهاه.
فالمذاهب المادية السابقة على ظهور الإسلام والتالية له تتواضع بالإنسان حتى تضعه ضمن سائر فصائل الحيوان بل من هذه المذاهب ما يعد الإنسان تطورا من تطورات الخلية الحيوانية وبالتالي فليس له في غير الأرض بداية وليست له على غير الأرض نهاية. وأنه محكوم في تطوره بحركة التاريخ وتداول الأيام فهو ابن الدهر والدهر آكله ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (١)
وعلى ذلك ـ وحسب مقتضى المذاهب المادية فليس للإنسان من رسالة في هذا الحياة إلا بالعثور على الصيغة المثلى لتعايش أفراده بحيث يقتسمون أقوات الأرض على أحسن صورة ممكنة وبحثا عن الصورة الممكنة لاقتسام هذا الأقوات تنقسم المذاهب المادية إلى فردية واشتراكية وشيوعية.
стр. 176
وحتى أصحاب النظر الفلسفي من أنصار المذاهب المادية لم يرقوا إلى تصور بداية للإنسان أو نهاية له أو رسالة يضطلع بها بعيدا عن هذا التصور اللهم إلا محاولتهم تجريد المعاناة المادية من أشكالها للوصول إلى تصور معنوي للسعادة الإنسانية ظل على الدوام غامضا غموض أقيسة الفلسفة الجدلية ومعطياتها.
والقائمون على عقائد أهل الكتاب وإن توفر لهم من بقية العلم بالكتب السابقة ما يهديهم إلى الاعتقاد بأن للإنسان بداية تسبق عالم الحس، وسيفضي إلى نهاية يلقى بها عالم البعث ,انه بين البداية والنهاية محل للتكليف من الخالق ـإلا أنهم ليسوا بدء الإنسان على الأرض بمقولة الخطيئة التي تأخذ بزمامه. والتي يحتاج معها إلى الشفعاء من أبناء الرب وأحبائه يمنحون صك غفران يسلك له إلى ملكوت السموات وإلا فهو محروم شقي لا محالة.
وقد جاء الإسلام بالخبر اليقين الذي يبدد وهم الأولين وغلو الآخرين فارتفع بالإنسان عن وضاعة التطور من الخلية الحيوانية وأبان أنه مخلوق ذو مركز خاص في الكون، من حيث أصل خلقته ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (١) ومن حيث مكانه في الأرض ورسالته ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٢) من حيث قدراته وملكاته واستعداده ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاء كُلَّهَاَ﴾ (٣) ومن حيث مسؤوليته عن عمله ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٤)
وعدم مؤاخذته بجريرة غيره. ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٥)
وفي ظل التطور المادي الذي أشرنا إله كانت الجماعات الإنسانية تتكون وتتشكل كما يجري للحيوانات في عالم الغاب من حيث أن القوة المادية وحدها هي التي توجه هذا التكوين والتشكيل, فالقبيلة التي تجمعها وحدة
стр. 177
الأصل تحاول أنت تبسط نفوذها على غيرها من القبائل، فإذا أمكنتها القوة من ذلك وتتابعت بها الأسباب بدت في صورة الدولة ملكا أو إمبراطورية أو غير ذلك من الأشكال ولم تعرف البشرية قبل الإسلام جماعة إنسانية تتكون بوازع العقيدة والعقيدة وحدها، إذا أن الرسالات السماوية السابقة على الإسلام ظلت في دائرة إصلاح وجدان الأفراد كأفراد دون أن تصبح محورا تقوم عليه حياة الجماعة ويأتلف به الإنسان مع الإنسان، وثم لم يكن مجتمع بني إسرائيل خلال الفترة الوجيزة التي أقاموا فيها دولتهم إلا صورة خاصة لمفهوم الجماعة الإنسانية القائمة على التصور المادي، ذلك أنهم وإن احتكموا إلى التوراة أغلقوا دائرة الجماعة الإنسانية على من يجمعهم الأصل العرقي الواحد.
فلما انصف الإسلام الإنسان وكشف عن جوهره الفريد ومركز المتميز في الكون ورسالته في الحياة انبثق من هذا التصور الإسلامي الفريد نموذج مثالي للاجتماع الإنساني
نموذج يمكن أن نلخصه في عبارة واحدة:
التسامي بالنوع الإنساني حتى يكون أهلا لشرف التكليف بعبادة الله تعالى.
ويقوم هذا التسامي على قاعدتين وحدة أصل الإنسان ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ . (١)
ووحدة الغاية التي خلق لأجلها ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢)
والجماعة المسلمة مفتوحة لكل إنسان يتوفر فيه مفهوم القاعدتين السابقتين.
وبحكم وحدة أصل الإنسان ومساواة أفراده فهم جمعيا على اختلاف الأصل واللهو واللغة والجنس مدعوون للالتحاق بهذه الجماعة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا
стр. 178
النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعا﴾ (١) والشرط الوحيد لتحقيق هذا الالتحاق هو الإيمان بالله.
وحيث يوجد هؤلاء المؤمنون فهم جماعة واحدة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٢)
ومن هنا كانت الجماعة المسلمة فريدة في تكوينها.. إنها تقوم على العقيدة وحدها، عقيدة الإيمان بالله.
وقد رأينا لدى استعراض مواد الفصل الأول من الباب الأول من هذا البحث: كيف نشأت الجماعة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة لتجمع أفرادا ومن مختلف قبائل العرب بل ومن أفراد غير عرب كسلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي وحدوا الله فوحد الله بينهم ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ . (٣)
وعرفت الإنسانية بهذا الجماعة الإسلامية مفهوم الدولة العقائدية التي انضوت تحت أعلامها أمم شتى هجرت رابطة العرق والوطن إلى رابطة الدين والإيمان وظلت دولة الإسلام قوية ما بقيت هذه الرابطة الإيمانية فلما غلبتها نوازع الشعوبية والأممية تداعى البناء الشامخ وتصدعت أركانه.
وأدرك محمد بن عبد الوهاب الجماعة المسلمة وقد تمزقت دار السلام إلى عدة أديار، وعادت نجد إلى حال قريب من حالتها في الجاهلية مما عرضنا له تفصيلا في الباب الأول، وكان عليه أن يواجه هذا الواقع ليحدد على ضوئه نظرته إلى أسس تكوين الجماعة المسلمة.
وقد جاء هذا التحديد مقرونا بالتطبيق العملي الذي تفيض به الشواهد التاريخية، بدأ بنفسه فتزود بالعلم الذي يتميز به الحق من الباطل، حتى إذا، استوعب حقائق الإسلام وتحقق له بعد الناس عن هذا الحقائق أخذ يدعو
стр. 179
الناس" فأعلن بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) (١) فلما التف حوله بعض الناس بذل جهده في تعليمهم أمور دينهم وكان له مجالس عديدة في التدريس كل يوم وكل وقت في التوحيد والتفسير والفقه وغيرها". (٢)
وإذا توفرت له الجماعة التي تلتقي معه في مفهوم العقدية الصحيحة القائمة على التوحيد الحق والإتباع الكامل لرسول الله ﷺ واجه الانحراف بعزيمة تغيير المنكر" وتبعه أناس من أهل العيينة وكان فيها أشجار تعظم ويعلق عليها فبعث إليها من يقطعها فقطعت" (٣) واعترفت عنده امرأة بارتكاب الزنى الموجب للحد فأمر برجمها، وسرعان ما كشف المجتمع المحيط به عن مدى بعده عن شريعة الإسلام وأحكامه، فقد استهول حكام الإحساء وغيرها من إمارات الجزيرة العربية مسلك محمد بن عبد الوهاب في الالتزام بالتطبيق العملي لقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فبدأوا بالعداء وحرضوا أمير العينية ابن معمر على إخراجه منها فخرج مهاجرا إلى الدرعية.
ولم يكن مخرجه من العيينة واضطراره إلى الهجرة إلى الدرعية ليثنيه عن الجهاد الذي عاهد الله عليه بل كشفت هذه المحنة عن استعداده لمواجهتها وعن فهمه الدقيق لطبيعة الصراع بين الإسلام وأعدائه ومقتضيات هذا الصراع. عبر عن هذا الفهم في حواره الذي بدأ به لقاءه مع أمير الدرعية محمد بن سعود
قال للأمير:" ... هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم فمن تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعبادة وأنت ترى نجداً كلها وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل والفرقة والاختلاف والقتال لبعضهم بعض فأرجو أن تكون إماما يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك وجعل يشرح له الإسلام وشرائعه وما يحل وما يحرم وما عليه النبي ﷺ وأصحابه من الدعوة إلى التوحيد والقيام في نصره والقتال عليه". (٤)
стр. 180
وبهذه العبارات أوجز الشيخ مفهومه للجماعة المسلمة التي تتكون بوازع الإيمان وتجتمع على نصرة الإسلام والقتال دفاعا وتطبيقا لشرائعه.
كما أوضح عن فهمه لطبيعة الصراع بين الحق والباطل وأن الباطل لا يخلي مكانه للحق إلا راغما واستدل على ذلك بما جرى للرسول ﷺ وصحبه.
وقد يأخذ عليه البعض أنه وهو يعمل لنصرة دعوة الإسلام وإحياء سنة الرسول ﷺ قد خالف هذه السنة فيما جرى منه من مبايعة للأمير محمد بن سعود بأن يكون إماما وذريته من بعده، إذ الثابت أن رسول الله ﷺ كان حريصا وهو يدعو القبائل إلى الإسلام ألا يجعل ثمن نصرهم لدين الله اختصاصهم بإمامة أو ما أشبه، وقد رأينا (١) كيف دعا بني عامر بن صعصعة إلى الإسلام فاشترطوا عليه أن يجيبوه إلى دعوته على أن يكون لهم الأمر من بعده فكان جوابه ﷺ الرفض المشفوع بقوله:" الأمر لله يضعه حيث يشاء، ثم رأيناه ﷺ وهو يدخل المدينة مهاجرا يعتذر عن قبول كل دعوة قدمت له للنزول في حي بعينه من أحياء الأوس أو الخزرج ويأمر من أخذ بخطام ناقته أن يخلي عنها حتى بركت الناقة وهي مأمورة ـ كما حدث المعصوم ﷺ في مريد لغلامين يتيمين فأبى الرسول ﷺ أن يأخذه إلا بثمنه وفي مكانه أنشأ مسجده.
والاعتراض ولا شك سديد غير أنه مما يخفف اللائمة عن محمد بن عبد الوهاب أنه أولا: من المحال أن يستشرق إلى الذروة التي تسنمها رسول الله ﷺ أحد وهو سيد الرسل من أولي العزم وحسب العبد الصالح أن يقتفي أثره ما استطاع.
ثانيا: أن العبارة المنقولة عن الشيخ هي أقرب إلى الدعاء والتمني لقوله:" فأرجو أن تكون إماما". وتحمل على الترغيب وتقريب سبيل الهداية للأمير.
ثالثا: إن كان في معاناة المهجر من العيينة إلى الدرعية يلتمس الأمن والمأوى لتبليغ دعوته." ولا تتم دعوة إلا بوجود شوكة" (٢) وحسبه بهجرته من