نقول تصدى ابن عبد الوهاب لإبطال التقليد في عصر ساد فيه التقليد واستحكم حتى تهيب العلماء من التعرض لمشروعيته واستسلم أغلبهم لسيادة التقليد والأخذ به، ولكن ذلك لم يمنع الشيخ محمد بن عبد الوهاب من أن يهاجم التقليد ويكشف القناع عن قضية جوهرية تفيض بها آيات القرآن الكريم ـ تلك القضية هي أن الأمم الغابرة التي جحدت برسالات السماء وكذبت المرسلين إنما قادها إلى هاوية الكفر والضلال تقليد الآباء. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ . (١)
وقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ (٢) وقال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ . (٣)
وفي القرآن الكريم من آيات النهي عن التقليد نصوص كثيرة من جنس ما أوردنا، وهي وإن كان موردها في الكفار، فالمراد بها وبأمثالها ذم من أعرض عما أنزله الله سبحانه إيثاراً من لتقليد آبائه. واللفظ أوسع من دائرة سبب النزول والاعتبار بعمومه لا بخصوص سببه كما تقرر في الأصول.
والمقلد يتقفى ما ليس له به علم خلافا لأمر الله تعالى في قوله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ . (٤)
والمقلد ينزل الأشخاص الذين يقلدهم منزلة الربوبية من دون الله على ما أوردته الآية الكريمة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . (٥)
وفي تفسير ذلك روي عن حذيفة وغيره أنهم قالوا: لم يعبدوهم من دون الله ولكنهم أحلوا لهم وحرموا عليهم فاتبعوهم. وقال عدي بن حاتم وكان قبل
стр. 72
إسلامه قد تنصر: يا رسول الله إنا لم نتخذهم أربابا قال: "أليس يحلون لكم ما حرم الله عليكم فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله لكم فتحرمونه؟ " فقلت: بلى، قال: "فتلك عبادتهم". أخرجه أحمد والترمذي وحكى بن القيم عن أحمد بن حنبل أنه قال: (لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الثوري ولا الأوزاعي وخذ من حيث أخذوا) . (١) ويعرض الشيخ محمد بن عبد الوهاب لكل ما تقدم فينتهي منه إلى النهي عن تقليد العلماء بلا حجة لكون ذلك في مقام اتخاذهم أربابا. وهو الذي سماه الله ورسوله شركا وهو اتخاذ العلماء أربابا." (٢)
فالقاعدة المقررة لدى ابن عبد الوهاب ذم التقليد والتحذير من الوقوع فيه وأنه طريق إلى الضلالة لا إلى الهداية ويقول في وصف المقلدين:" إن دينهم مبنى على أصول أعظمها التقليد فهو القاعدة الكبرى لجميع الكفار أولهم وآخرهم." (٣)
فهل لهذه القاعدة المقررة عنده من استثناء؟ بمعنى: هل تعرض أحوال يباح فيها التقليد وما هي شروط إباحته؟
بديهي حسبما قدمنا أن الاجتهاد النافي للتقليد يقتضي حركة عقلية لاستخلاص الحكم من دليله مما ذهب معه العلماء إلى تقرير أن للمجتهد شروطاً لا بد من توافرها حسبما حصلنا في هذا الخصوص. وبديهي كذلك أنه ليس في الإمكان توفر هذه الشروط في كافة المكلفين من المسلمين، لان استجماعها يقتضي انقطاعا على نحو أو آخر لتحصيلها والمهارة فيها وليس متصورا ان تقف عجلة الحياة بالمسلين عند هذا الانقطاع. فإذا لم يمكن ان يكون كل مسلم مكلف فقيها مجتهدا، وإذا لا يتصور ان يستوي أهل العلم في حصيلة علمهم بل فيهم على الدوام الأفضل والفاضل والمفضول، فقد استبان من ذلك ان التقليد ـ حيث تعذر الاجتهاد ـ يباح كضرورة تقدر بقدرها، وحتى نضبط هذه الضرورة ونقدرها نعرض لمسائل ثلاث:
стр. 73
١. الذين يرخص لهم في تقليد غيرهم.
٢. الذين يجوز أن يكونوا محلا لتقليدهم من غيرهم.
٣. دائرة التقليد.
(١) الذين يرخص لهم في التقليد:
اتفق العلماء على أن التقليد مباح للعامة ممن لا حظ لهم من معرفة الكتاب والسنة وطرائق استخراج الاحكام من أدلتها، فهؤلاء لا معدى لهم عن التقليد بل هو طريقهم الوحيد لمعرفة الأحكام الشرعية فهو بذلك واجب متعين عليهم بمعنى ألا يقدموا على عمل حتى يسألوا أهل العلم ويتلقوا عنهم حكمه الشرعي فيلزمهم اتباعه.
ولكن دائرة الاباحة في التقليد لا تقتصر على العامة فحسب بل تمتد إلى العلماء فيما بينهم على حسب تفاضلهم ومنازلهم في العلم، إذ أن معرفة كل شيء أمر لا يدركه عالم بعينه ومهما تبحر في علومه ومعارفه يظل العلم أوسع من حصيلته، ومن هنا صح عن علماء السلف تقليد بعضهم في مسائل عرضت لهم دون أن يتبين لهم فيها الدليل من كتاب أو من سنة كالذي نقل عن الشافعي في تقليد عمر إذ قال: في الضبع (١) بعير قلته تقليدا لعمر، وكالذي نقل عن أبي حنيفة في مسائل الآبار: ليس معه فيها إلا تقليد من تقدمه وكما نقل عن مالك في أخذه بعمل أهل المدينة فالأئمة قلدوا في مسائل لم يظفروا فيها بنص عن الله ورسوله ولم يجدوا فيها سوى قول من هو أعظم منهم فقلدوه وعلى العموم فالحاكم على إباحة التقليد: عدم إمكان العلم بالدليل فحيث تحقق عدم العلم جاز التقليد وفي ذلك يقول ابن عبد الوهاب:" فإن تبين لك الحق فاتبعه فإن لم يتبين لك واحتجت إلى العمل فقلد من تثق بعلمه ودينه." (٢)(٢) من يجوز تقليدهم:
أساس في تعيين من هو أهل لتقليده على ما حدده الشيخ في النص
стр. 74
السابق: هو ثقة المقلد في علم ودين من يقلده، ونلاحظ هنا دقة ابن عبد الوهاب في قوله: فقلد من تثق بعلمه ودينه، كأنه يطلب من المقلد حتى في حال إباحة التقليد له أن يجتهد في اختيار من يقلده وألا يكتفي بما يشاع عنه من علم ودين بل لا بد من أن يثق هو أي المقلد في علمه ودينه.
ثم يحذر من أن يجري التقليد بالهوى مما يخالف شرط الثقة في العلم والدين:"وأما أن قلد شخصا دون نظيره بمجرد هواه من غير علم ان الحق معه فهذا من أهل الباطل." (١)
وأخذا بمعيار الثقة في العلم والدين كشرط لاختيار من يجوز تقليده فإن أولى الناس بتقليدهم والاقتداء بهم بعد الرسول المعصوم ﷺ هم: الصحابة المرضي عنهم بنص كتاب الله تعالى فهم خير الأمة على امتداد المكان والزمان إلى قيام الساعة حكما بقول رسول الله ﷺ :" خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة احدهم يمينه ويمينه شهادته"، (٢) وتقيدا بهذا الهدي النبوي كان ابن عبد الوهاب حريصا دائما على أن يقرر أنه في مسائل الخلاف التي لا نص فيها بشخص إلى عمل الصحابي فإن لم يجد فإلى التابعي الصالح"فمن عاند دعوته إلى المباهلة كما دعا إليها ابن عباس في بعض مسائل الفرائض وكما دعا إليها سفيان والأوزاعي في مسألة رفع اليدين وغيرهما من أهل العلم (٣) ".
(٣) الدائرة التي يجوز فيها التقليد:
لأن القاعدة كما قدمنا حظر التقليد وإباحته هي الاستثناء فدائرته محدودة وإن كانت بالنسبة للعامي أوسع منها بالنسبة للعالم.
فبالنسبة للعامي يباح له التقليد من يثق في علمه ودينه في سائر مسائل الفروع، وأما في أصول الدين فلا يجوز التقليد البتة لعامي ولا لمتعلم، بل بجب على كل مكلف معرفة الله ﵎ ومعرفة الرسول ﷺ وما بعث به
стр. 75
من التوحيد وما أخبر به عن الله من البعث بعد الموت والجنة والنار ومثل وجوب الفرائض من الصلاة والزكاة والحج والصيام، وبالجملة فإن سائر ما هو معلوم من أصول الدين بالضرورة يظل بعيدا عن دائرة التقليد.
أما بالنسبة لتقليد العالم غيره من العلماء فإن دائرته على التحقيق أضيق فقد اتفق العلماء على عدم جوازه له فيما إذا اجتهد فعلا وغلب على ظنه الحكم واختلفوا فيما إذا لم يكن كذلك (١) وقد أجازه كثير من العلماء من طوائف السنة والشيعة. (٢)
ويثور سؤال حول جواز الفتيا بالتقليد من عدمه وتتردد في المسألة أقوال ثلاثة في مذهب أحمد، أحدها: أنه لا يجوز الفتيا بالتقليد لأنه ليس بعلم والفتوى بغير علم حرام، وهذا قول أكثر الأصحاب، والثاني أن ذلك جائز للمفتي فيما يتعلق بنفسه، فيجوز له أن يقلد غيره من العلماء إذا كانت الفتوى لنفسه، ولا يجوز أن يقلد العلماء فيما يفتي به غيره، وهو قول ابن بطة من أصحابنا والقول الثالث أنه يجوز ذلك عند الحاجة وعدم المجتهد وهو أصح الأقوال وعليه العمل حسبما رواه وأخرجه الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب. (٣)
وعلى الرغم من جواز تقليد العالم غيره عند استغلاق الدليل لديه فإن محمد بن عبد الوهاب يطالب العالم في حال تقليده بجمله أمور بمنها:
(١) أن يظل يقظاً لمعرفة دليل المسألة التي يقلد فيها فإذا بدا له وجده الحق خلافا لما جرى به تقليده تعين عليه اتباع الحق وعدم المادي في التقليد.
(٢) أن يلتزم في تقليده بما يعتقد أنه الحق دون أن ينتقل من قول إلى قول لمجرد أنه على دراية بأكثر من قول ويلزم ابن عبد الوهاب هذا السلوك من بعض العلماء ويرده إلى الرياء والتعالي:" ومن العجيب أنه يوجد في بلدكم من يفتي الرجل بقول إمام والثاني بقول إمام آخر، والثالث
стр. 76
بخلاف القولين وبعد ذلك فضيلة وعلما وذكاء ويقال هذا يفتي في مذهبين أو أكثر، ومعلوم عنه عند الناس أن مراده في هذا العلو والرياء وأكل أموال الناس بالباطل." (١)
ومما تقدم نستخلص من معالم فكر محمد بن عبد الوهاب ومنهجه في الاجتهاد والقليد جملة قواعد أهمها:
(١) كتاب الله تعالى وسنة بنبيه ﷺ هما المصدران الوحيدان لكل أمر ونهي وتقرير.
(٢) وأن نصوصهما اشتملا على حكم كل مسألة كانت أو ستكون.
(٣) وان الحكم إن عرف من النص لزم اتباعه وعدم تركه لقول كان منا يكون.
(٤) فإذا لم يعرف الحكم وجب الاجتهاد لمعرفته، وأن الاجتهاد فرض كفاية على الأمة ماض على يوم القيامة.
(٥) وأن كل مسألة خلافية هي محل للاجتهاد ما بقي الخلاف ولا ينتهي الخلاف فيها إلا بالإجماع.
(٦) وأن الإجماع المعتبر هو إجماع سائر علماء الأمة وليس مجرد إجماع علماء المذاهب الأربعة.
(٧) وأن التقليد مذموم ما لم تدع إليه ضرورة تقدر بقدرها.
(٨) وأن علم أصول الدين فرض على كل مكلف فلا يجوز التقليد فيها لعامي أو عالم.
(٩) وأن على العالم إذ قلد غيره في مسألة يجهل حكمها أن يلتزم في تقليده بما يعتقد أنه الحق وألا ينتقل من قول إلى قول بلا حجة تبدو له.
стр. 77
الفصل الثاني: اهتمامه بالربط بين العلم والعمل
انتهينا في الفصل الأول من هذا الباب إلى استجلاء معلم أساسي من معالم فكر الشيخ ومنهجه وعرفنا من خلال ذلك طبيعة نظرته إلى الاجتهاد ومكانته السامية في شريعة الإسلام وكونه واجبا ماضيا على الأمة إلى يوم القيامة.
وبادراك مكانة الاجتهاد في منه الشيخ وفكره ندرك نصوره العميق لحركة التجدد الإسلامي المتصل وأن الإسلام يضمن باستمرارية الاجتهاد دوام مسايرة الحياة وعدم التخلف عن ضبط وقائعها وتعميق مفاهيمها واثرائها دائما بالفكر المتسامي.
هذا التجدد والاثراء والتسامي يعطي على الفور الانطباع بأن العلم في خدمة الحياة بمفهومها الواسع ونعني به: حركة الإنسان على الأرض ـ تعميرا لها وفق ما يأذن الله به ويرضى، أي أن العلم في ميزان الإسلام مقدمة للعمل، فإذا خلا منه كان كالمقدمة العاطلة عن النتيجة.
وتلك لعمرو الحق من مقررات الإسلام وبدائه شريعته فكما أمر الله بتحصيل العلم والحض عليه والتسامي فيه بدءا من قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (١) إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِين
стр. 78
َ لا يَعْلَمُونَ﴾ . (١) كذلك أمر تعالى بالعمل ورفع مراتب العاملين.﴾ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴿. (٢) ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ . (٣)
وقد عاش رسول الله ﷺ حياة تزخر بالعلم والعمل، وعلم أصحابه ألاّ هدى في عمل بغير علم ولا خير في علم بلا عمل، وكان من هديه لأصحابه في تعليمهم آيات الكتاب الكريم أن يعلمهم بضع آيات فلا يعدوها أحدهم حتى يعمل بها.
ومن جملة حرصه ﷺ على قاعدة الربط بين العلم والعمل أنه كان ينهي أصحابه عن شغل أنفسهم بالقيل والقال وكثرة السؤال لما في ذلك من صرف لهم عن العمل بما تعلموه حال كون المطلوب منهم أن ينظروا " فما أمرتم به فأنوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عن فانتهوا." (٤)
إلا أن قاعدة الربط بين العلم والعمل على رسوخها ووضوحها في منهج الإسلام لم تلبث أن تعرضت بعد قرون من وفاة الرسول ﷺ لما تعرضت له سائر قواعد الإسلام واقيسته من جدل تعطل منع العمل حتى نجمت مذاهب الأرجاء التي تخفف أصحابها من أمانة العمل ولم يروا أنه من أصول الإيمان أو متمماته، ثم غصت ساحة الإسلام بأجناس من الزهاد والمنصوفة الذين اكتفوا بتلقين الرموز والإشارات وغفلوا عن أمانة العمل بالواجبات.
وبمثل ما هاجم الشيخ محمد بن عبد الوهاب قضية ما سموه: غلق باب الاجتهاد كان منطقيا مع منهجه التجددي في التأكيد على معلم بالغ الأهمية من معالم فكره ومنهجه وذلك بحرصه على الربط بين العلم والعمل، بل إنه ليذهب في ذلك إلى حد اعتباره المميز الأهم لأمة الاسلام عن أمم أهل الكتاب الذي خلوا من قبل، ففي معرض تفسيره لسورة الفاتحة يعرض لتفسير خواتيمها بقوله: وأما الآيتان الأخيرتان ففيهما من الفوائد ذكر أحوال الناس
стр. 79
قسمهم الله تعالى إلى ثلاثة أصناف: منعم عليه، مغضوب عليه، ضال. فالمغضوب عليهم أهل علم ليس معهم عمل والضالون أهل عبادة ليس معها علم، وإن كان سبب النزول في اليهود والنصارى فهي لكل من اتصف بذلك والثالث من اتصف بالعلم والعمل، وهم المنعم عليهم." (١)
فاليهود الذي حكى عنهم القرآن توفر العلم ليدهم وتوليهم عن العمل به بقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) والنصارى الذين سجل القرآن عليهم أن عملهم على غير علم في قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ (٣) هؤلاء وأولئك فسقوا عن أمر ربهم فيما أمر به من تحصيل العلم بأوامره وكمال العلم بها، فارتباط العلم بالعمل في منهج الاسلام في مقام ارتباط الوسيلة بالغاية والمقدمة بالنتيجة: العلم مقدمة ووسيلة والعمل نتيجة وغاية فالعلم بالله هو المقدمة لعبادته تعالى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (٤) وعبادته تعالى وهي العمل هو الغاية التي خلق الناس من أجلها ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ، (٥) ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٦) ويوضح الشيخ ارتباط العلم بالعمل بقوله: " إن الاسلام واتباع ملة الانبياء هو العلم بذلك والعمل به لا مجرد العلم. (٧)
وتطبيقا لهذا المفهوم تشتد حملة الشيخ على المبتدعين الذين انحرفوا بمفهوم التوحيد حتى اصبح عندهم مجرد قول لا يستلزم عملا " فإنما توحيدهم بالقول لا بالعبادة والعمل" ثم يبين التوحيد الذي جاءت به الرسل بأنه:"لا بد فيه من إخلاص الدين كله لله" (٨) وأن هذا الاخلاص لا يتم إلا بتمام العلم بالله واثبات أسمائه وصفاته ثم تمام العمل بذلك.
стр. 80
أما كيف حقق الشيخ منهجه في الربط بين العلم والعمل فذلك ما سوف نعرض له في المبحثين التاليين بدءا بالعلم وختما بالعمل.
أولا: منهج الشيخ في تحصيل العلم.
علمنا مما استبان لنا من نشأة الشيخ في نجد أنه شب في بيئة حظها من العلم والثقافة جد قليل ولكن حظها من دواعي التأمل ومجالات التفكير أكبر بكثير والعلم القليل إذا صاحبه التأمل والتفكير وسلمت لصاحبه فطرة الموازنة وسلامة التقدير كان أعون على تحصيل فهم الحقائق من علم كثير يتلقاه صاحبه بالتلقين والتسليم وقد كان الشيخ حريصا منذ حداثته على أن يستخدم حواسه في تحصيل المعرفة وفق المنهج القرآني القائم على الملاحظة والتجربة والاستقراء. هذا المنهج الذي تدل عليه بل وتحيط به الآية الكريمة ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . (١) أي أن تحصيل العلم بالمعقولات يبدأ باستعمال الحواس في ملاحظة الأشياء وتجربتها ورصد النتائج وعقلانيتها. وقد بدأ الشيخ رحلته في تحصيل العلم بحقائق الأشياء من هذه النقطة، فبعد أن تلقى عن أبيه وشيوخ قريته القرآن وشيئا من الحديث راح يتأمل فيما حوله ومن حوله فراعه سوء حال المجتمع والبون الشاسع بين مدلول النصوص التي تلقاها وواقع الناس الذي يعايشه، واستخرجه تأمله في أحوال البيئة التي درج فيها إلى حيث راح يضرب في الأرض مستصحبا منهجه في التأمل في واقع الحياة والناس وعرض ما يراه على ميزان الشرع بالقدر الذي تلقاه ورعاه فازدادت وحشة نفسه ما يرى ويسمع، كان مما تلقاه ورعاه ألا تتخذ قبور الأنبياء مساجد وألا يدعى أحد من دون الله حيا كان أو ميتا صالحا كان أو فاجرا فإذا به وهو في المسجد النبوي بالمدينة المنورة يشهد ما يشتد وجدهم ودعائهم لغير الله ويتمسحون بأحجار قبر الرسول ﷺ ، وفزع إلى عمله الذي تعلمه من كتاب الله ثم كأنه أنهم نفسه بعدم العلم الكامل الذي يدرك على ضوئه حقيقة ما يجري فهرع إلى شيخ من
стр. 81
علماء المدينة هو الشيخ محمد حياة السندي (١) يسأله حكم الشرع فيما يفعل هؤلاء، فكان جواب الشيخ السندي أن تلا عليه قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . (٢)
ولم يلبث أن اطمأن إلى ما هداه إليه تأمل من واقع الحياة الهابط والهوان الذي عليه الناس والبدع التي استذلهم بها الشيطان إنما هي أمور تخالف أصول الدين وحقائق العلم، فطفق ينكر على الناس ما هم فيه من بدع وضلالات فإذا به يواجه بالإنكار عليه ويتزعم هذا الإنكار من يتسمون في الناس بالعلماء، وإذا بهؤلاء المنكرين عليه يرمونه بالجهل وقلة العلم ويستعدون عليه ذوي الجاه والسلطان وإذا به بمواجهة مجتمع جاهل يقوده علماء سوء يجتمعون بسلطان غاشم، وسرعان ما فطن إلى أن الطامة الكبرى في هذا الثالوث الضال تكمن في علماء السوء فهم ضلال العوام ومطايا الحكام فاستيقن الإخلاص من هذا الغاشية التي تغشى الأمة إلا بتخليص العلم من قبضة الخرافة وذلك بتحديد مصادر العلم والمعرفة والاحتكام إليها وحدها بعد تنقيتها من شوائب الجهل والخرافة.
ومن هذا المنطلق تحدد منهجه في تحصيل العلم والمعرفة والاحتكام إليها، فهو لا يرى علما يقينيا إلا ما أنزله الله تعالى أو أخبر به رسوله المعصوم ﷺ ، فعلم الكتاب والسنة وحدهما هما المرجع والمآب وفيهما وحدهما فصل الحجة وفصل الخطاب، وقد خاض ضد خصومه معركة ضارية في هذا السبيل فقد استهول الناس أن يطرحوا جانبا سائر المصنفات والحواشي التي تراكمت في العصور المتأخرة وحلفت بالخرافات والشعوذات والأباطيل وكتب سليمان بن سحيم يستعدي المسلمين على الشيخ لأنه:" أحرق دلائل الخيرات لأجل قول صاحبها سيدنا ومولانا، وأحرق أيضا روض الرياحين وقال: هذا روض الشياطين" وندد بأقوال ابن الفارض وأبن عربي وترك تمجيد السلطان (٣) .
وإذ تبين أن العامة يجهلون حقائق الدين وأنهم ضحايا أشباه العلماء
стр. 82
عليهم أحيا في الناس سنة: الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والتي تبدأ بتعليم أمور دينهم في سائر الأمور الكلية من عبادات ومعاملات، ويصف العلامة الألوسي طريقة الشيخ ومنهجه في تعليم اتباعه بأنه:"لما استوطن الشيخ محمد في الدرعية وكان أهلها في غاية الجهالة والتهاون بالصلاة والزكاة وشعائر الإسلام علمهم الشيخ معنى" لا إله إلا الله وأنها نفي وإثبات، فلا إله نفى جميع المعبودات، وإلا الله يثبت العبادة لله وحده لا شريك له" (١) إلى قوله:"ثم علمهم أصولا وهي معرفة الله تعالى وآياته ومخلوقاته الدالة على ربوبيته والهيته وتسليم الأمر لله تعالى والانقياد لأوامره والانتهاء عن نواهيه، ومعرفة النبي ﷺ : اسمه ونسبه ومبعثه وهجرته وأول ما دعا إليه وسائر العبادات، (٢) وقد جعل الشيخ من بيته بالدرعية" مدرسة تسمى وكر التوحيد تلقن فيها علوم الدين طرفي النهار وفنون الحرب في أوسطه وكان لذلك اقر عظيم في تقوية الروح المعنوية عند أنصار الدعوة ورجالها. (٣)
وقد أثمرت جهود الشيخ في بعث الحركة العلمية وآتت أكلها في أجيال من العلماء من أهل نجد وغيرها ممن تلقوا من الشيخ أو عن أولاده وتلاميذه، ولكن الثمرة الأهم تمثلت في الجانب العلمي التطبيقي فقد كان نجاحها في ذلك فريدا" بل لا نعرف حركة اسلامية كانت أمينة على مبادئها ملتزمة بها في مجال التطبيق مثل الحركة الوهابية ولعل هذا هو الذي ضمن لها البقاء والرسوخ فقد أصبحت منهج فكر وخط حياة وجزءا من كيان المؤمنين بها." (٤) ولذلك ما سوف نعرض له في المبحث التالي:
ثانيا: منهجه في الجانب العملي
من رسالة وجهها الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى بعض أتباعه في البدلان كتب يقول:" الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يحتاج إلى ثلاث: أن يعرف ما يأمر به وينهى عنه، ويكون رفيقا فيما يأمر به وينهى عنه صابرا على ما
стр. 83
جاءه من الأذى، وأنتم محتاجون للحرص على فهم هذا والعمل به فإن الخلل إنما يدخل على صاحب الدين من قله العمل بهذا أو قله فهمه." (١)
ومن هذا النص يبدو لنا الارتباط القائم في ذهن الشيخ بين قلة الفهم أو قلة العمل وإن كلاهما يدخل الخلل على الدين، ولفرط حرصه على أن يتصف المسلم بعلم يعمل به وبعمل يقوم على الفهم لا على التقليد كانت تعاليمه رسائل حية تناقش أوضاع الناس وما يجب أن تكون عليه، ولم تكن مجرد كتب ونظريات تملأ القرطاس ويخلو منها واقع الناس:"فكان يكتب الرسائل ويلقي الخطب ويعقد المجالس ويتحدث للناس في العقيدة والفقه والسياسة والإدارة وأحوال المجتمع وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويعتني بالوفود وطلاب العلم وحاجات المجاهدين ويكاتب البلاد القريبة والبعيدة إلى غير ذلك من شؤون الحياة العامة التي كانت تشغل أكثر وقته..فلا يجد متسعا من الوقت لتأليف الكتب المستفيضة، لذلك كانت رسائله أكثر من كتبه وأحاديثه أكثر من رسائله وكان في كتبه يميل في الغالب إلى الاختصار." (٢)
فالعلم والعمل عنصران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر في سائر جوانب عقيدة المسلم بدءا بالتوحيد الذي لا يكتمل في قلب المسلم غلا بشقيه: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية بإقرار وحدانية الله وصرف كل عبادة إليه عملا، ويكرر الشيخ القول بأن كل توحيد يخلو من هذين العنصرين هو في الحقيقة تعطيل لحقائق الإسلام " والتوحيد الذي أما تعطيل حقائق الأسماء والصفات، فلو كانوا موحدين بالكلام وهو أن يصفوا الله بما وصفته به رسله لكان معهم التوحيد دون العمل وذلك لا يكفي في النجاة، بل لابد أن يعبدوا الله وحده ويتخذوه إلهاً دون ما سواه، وهو معنى قوله" لا إله إلا الله " فكيف وهم في القول معطلون جاحدون لا موحدو ولا مخلصون (٣) ".
ويعرض الشيخ لسائر أركان الإسلام فيجلي جوانبها وأن كمالها مرهون
стр. 84
بالعلم بها علما يقترن بتطبيقها تطبيقا عملياً، فنراه يتحدث عن الصلاة فيقول: "رجل قال شروط الصلاة تسعة، ثم سردها كلها، فإذا رأى رجلا يصلى عريانا بلا حاجة أو على غير وضوء أو لغير قبلة ولم يدر أن صلاته فاسدة لم يكن قد عرف الشروط ولو سردها كلها، أو رأى من لا يقرأ الفاتحة ومن لا يركع ومن لا يجلس للتشهد ولم يفطن أن صلاته باطلة لم يكن قد عرف الأركان ولو سردها.
ونلمح في سياق النص السابق أن الشيخ بعد أن أوضح ارتباط العلم بالعمل، وضع يده على النتيجة العملية من هذا الربط ألا وهو وجوب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكما أن ثمرة تقرير وجوب العلم والحض على طلبه التزام العالم بالدعوة إلى الله بالحكمة الموعظة الحسنة فإن ثمرة ارتباط العلم بالعمل التزام العالم العامل: بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد كان الشيخ وفيا لمنهج في الربط بين العلم والعلم وما يستلزمه ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تجلى هذا الوفاء منذ الوهلة الأولى لحياة الشيخ، وهو الذي أعطى لهذه الحياة وما عاصرها وصف الحركة فقيل بالحركة الوهابية إشارة على أنها ليست مجرد دعوة إلى الإصلاح إنما هي أمر به وحمل للناس عليه، فما أن استقر بالشيخ المطاف في العيينة والتف حوله بعض الاتباع، وخلص لهم فهم التوحيد الخالص لله على النحو الذي استوعبه الشيخ حتى ندبهم لتطبيق ما فهموه على مظاهر الحياة من حولهم بحرب كل ما يلوث معنى التوحيد." وكان بالعيينة كغيرها من قرى نجد الكثير من القباب والأوثان والأشجار التي يعظمها الجهال فطلب ابن عبد الوهاب من أمير العيينة عثمان بن حمد بن معمر أن يزيل تلك الأوثان والقباب لمخالفتها لعقيدة التوحيد الصافية فاستجاب الأمير لذلك وتم هدم القباب والأوثان والأشجار." (١)
وقد كانت همة الشيخ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي حجر
стр. 85
الزاوية في تميزه عن سائر علماء عصره، وهي السمة التي ميزت أهل نجد عن سائر الناس إبان حركة الشيخ عندما سأل عالم من أهل المدينة عن سبب الاختلاف بين أهل نجد وبين الناس أجابه الشيخ محمد بن عبد الوهاب: " سألت عن سبب الاختلاف الذي هو بيننا وبين الناس فما اختلفنا في شيء من شرائع الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وحج وغير ذلك ولا في شيء من المحرمات. الشيء الذي عند الناس زين هو عندنا زين والشيء الذي عندهم شين هو عندنا شين إلا أننا نعمل بالزين ونغصب بالزين عندنا عليه وننهي عن الشين ونؤدب الناس عليه (١) ".
وبنفس المعنى كتب إلى السويدي عالم العراق:" وأيضا ألزمت من تحت يدي بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وغيرها من فرائض الله ونهيتهم عن الربا وشرب المسكر وأنواع المنكرات (٢) .
وكان أتباع الشيخ منفذين لفكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل بلد فتحوه فعندما دخلوا الحجاز ولم يكن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أهله إلا اسمه وانمحى أثره ورسمه فما أن دخلوا في طاعة أمير نجد وبايعوه على الكتاب والسنة حتى" رفعت المكوس والرسوم وكسرت آلات التنباك ونودي بتحريمه وأحرقت أماكن الحشاشين والمشهورين بالفجور ونودي بالمواظبة على الصلاة في الجماعات وعدم التفريق في ذلك بأن يجتمعوا في كل صلاة على إمام واحد (٣) "
ولم يكتف الشيخ بربط العلم بالعمل، بل فصل درجات الإخلاص في العمل بما يتضمن الحض على التسامي فيه حتى يكون القصد منه وجه الله الكريم وبين أن من دون هذه المرتبة العليا مراتب أدنى مناط كل منها نية العبد، فهو يقول ﵀:" إذا أمر الله العبد بأمر وجب عليه في سبع مراتب:
العلم به، ٢. محبته، ٣.العزم على الفعل، ٤.العمل.
стр. 86
٥.كونه يقع على المشروع خالصا صوابا،٦.التحذير من فعل ما يحبطه.
٧.الثبات عليه (١) .
ثم يضرب الشيخ الأمثال على نماذج من العاملين قد تتحد أعمالهم ولكن تتباين درجاتهم بتباين نياتهم:
١) فريق من الناس يعمل العمل الصلح من إحسان وترك مظالم، لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة وإنما يريد أن يجازي به بحفظ ماله وتنميته أو حفظه أهله وعياله، أو إدامة النعم ونحو ذلك ولا همة لهم في طلب الجنة والهرب من النار فهذا يعطي له تراب عمله في الدنيا وليس له في الآخرة من نصيب.
٢) وفريق يعمل أعمالا صالحة ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة مثل الذي يتعلم العلم ليقال عالم ويتصدق ليقال جواد ويجاهد ليقال شجاع ... الخ.
٣) أن يعمل الأعمال الصالحة ويقصد بهما مغنما مثل الحج لما يأخذه لا لله أو يجاهد لأجل المغنم فقد ذكر ايضا هذا النوع في تفسير هذا الآية كما في الصحيح عن النبي ﷺ انه قال:" تعس عبد الدينار ـ تعس عبد الدرهم ـ إلى آخر الحديث.
٤) أن يعمل الإنسان بطاعة الله مخلصا لذلك لله وحده، ولكنه على عمل يكفره كفرا يخرجه عن الإسلام مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا الله أو تصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم شرك أو كفر أكبر يخرجهم من الإسلام بالكلية ويمنع قبول أعمالهم.
ثم يحذر من إتيان الأعمال التي تحبط العمل ولهذا خاف السلف من حبوط الأعمال ثم يقول:"وأما الفرق بين الحبوط والبطلان فلا أعلم بينهما فرقا (٢) .
стр. 87
ومن خلال إحياء الشيخ لقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتبارها قاعدة أساسية تضمن ربط العلم بالعمل تحدد منهج الشيخ ونظرته إلى دوره العقيدة في بناء الفرد من خلال الجماعة وهو ما سوف نعرض له تفصيلا في الباب الخامس من البحث.
стр. 88
البَابُ الثَّالِث: مَوقفهُ مِنَ الغَيبيَّات
الفصل الأول: الذات والصفات .
الفصل الثاني: النبو ات.
الفصل الثالث: البعث والجزاء.
стр. 89
الفَصل الأول: الذات والصفات
تمهيد:
لم تخل فترة من الزمان منذ بدأ الإسلام من مشتغل على نحو أو آخر بعلم الكلام أو بعبارة أخرى من الحديث في الأمور الغيبية حتى أننا نلمس بذور الاشتغال بالكلام في صدر الإسلام، فما روي أن رسول الله ﷺ خرج على الصحابة يوما وهم يتناظرون في القدر ورجل يقوم ألم يقل الله كذا؟ ... فغضب رسول الله ﷺ وقال: "أبهذا أمرتم؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا لا يكذب، انظروا ما أمركم به فافعلوه وما نهيتم عنه فاجتنبوه" (١) .
إذن فبذور النظر العقلي خالط تربة المسلمين منذ كان صاحب الرسالة صلوات الله عليه بين ظهرانيهم، ولكن سلف الأمة كانوا في جملتهم مع أعمال العقل أهل إيمان وتسليم وعمل بما أمرهم الله ورسوله صلى الله عليهه وسلم.
بيد أنه لم يكد المجتمع الإسلامي يخالط المجتمعات الأخرى حتى زادت فتنة الاشتغال بعلم الكلام ـ سواء كان هذا الاشتغال خلفه حسن النية والدفاع عن الإسلام ضد التيارات التي دخلت الإسلام بأغراض شتى ـ أو للاتجاه المضاد وهو الكيد للإسلام من هذا الطريق، وتعددت الفرق بعد ذلك إلى أن
стр. 90
بلغ عدد أصول الفرق وفروعها عددا كبيرا ولا سيما بعد اتساع الفتوح حتى أصبح حصر عدد هذه الفرق عند المؤرخين مختلفا عليه.
فنشأة الخلاف قديمة منذ موت الرسول ﷺ ثم سكنت النفوس بعد خطبة أبي بكر المشهورة وتلا عليهم قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (١) .
اختلفوا في موضع دفنه ﷺ أيكون بمكة أم بالمدينة أو بيت المقدس الذي به تربة الأنبياء ومشاهدهم صلوات الله عليهم، وزال الخلاف بعد أن قال أبو بكر أن رسول الله ﷺ قال: الأنبياء يدفنون حيث يقبضون فقبلوا منه رأيه ورجعوا على قوله ودفنوه في حجرته.
اختلافهم في باب الإمامة وطال الكلام فيها وتعددت الآراء والأفكار وانتهى وقتها بتولية أبي بكر رضى الله عنه، ولكن كل هذه الخلافات كانت مؤقتة وزالت. ويقول الاسفراييني:" الخلاف لا يكون خطيرا إلا إذا كان في أصول الدين ولم يكن اختلاف بينهم في ذلك بل كان اختلاف من يختلف في فروع الدين مثل مسائل الفرائض فلم يقع خلاف يوجب التفسيق والتبري، هكذا جرى الأمر على السداد أيام أبي بكر وعمر وصدر من زمان عثمان ثم اختلف في أمر عثمان وخرج عليه قوم منهم فكان من أمره ما كان." (٢)
موقف ابن عبد الوهاب من علم الكلام:
(١) ـ نستهل حديثنا عن موقف ابن عبد الوهاب من علم الكلام بنص له ورد في الدرر السنية: (أن علم الكلام بدعة وضلالة حتى قال أبو عمر بن عبد البر: أجمع أهل العلم في جميع الاعصار والأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وضلالات لا يعدون عند الجميع من طبقات العلماء) . (٣)(٢) من الأسباب التي ذكرها ابن عبد الوهاب في كراهيته لعلم الكلام أنهم
стр. 91
أي ـ علماء الكلام ـ يحرفون كلام الله المحكم وكلام رسوله الواضح على غير مراده وقد اشتمل كلامهم من الباطل على مالا يعلمه إلا الله بل فيه من الكذب في السمعيات نظير ما فيه من الكذب في العقليات، حتى انتهى أمرهم إلى القرامطة في السمعيات والسفسطة في العقليات، وهذا منتهى كل مبتدع خالف شيئا من الكتاب والسنة حتى في المسائل العملية والقضايا الفقهية. (١)(١) بدعة علم الكلام كانت أصلا من أصول الفرقة والتفرق في صفوف المسلمين ويقول ابن عبد الوهاب:" أمر الله بالاجتماع في الدين ونهى عن التفريق فيه فبين الله هذا بيانا شافيا كافيا تفهمه العوام.. ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا قبلنا فهلكوا." (٢)(٢) يعيب على المتكلمين تسميتهم طريقة رسول الله ﷺ حشوا وتشبيها وتجسيما مع أنه إذا طالعت في كتاب من كتب الكلام مع زعمهم أن هذا واجب على كل واحد وهو أصل الدين ـ تجد الكتاب من أوله إلى آخره لا يستدل على مسالة منه بآية من كتابة الله ولا حديث عن رسول الله. (٣)(٣) حتى في حالة ذكره إذا استشهد بآية أو بحديث يكون التحريف عن موضعه بما يناسب أهواءهم.
(٤) أنهم يقرون بأنهم لم يأخذوا أصولهم من الوحي بل من عقولهم مع إقرارهم أنهم مخالفون للسلف.
(٥) " وشبهتكم التي ألقيت في قلوبكم أنكم لا تقدرون على فهم كلام الله ورسوله والسلف الصالح وقد قدمنا أن النبي ﷺ قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة". فتأمل هذا الشبهة أعني قولكم لا تقدرون على ذلك وتأمل ما حكى الله عن اليهود في قوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ (٤) وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاه قُرْآناً عَرَبِيّاً
стр. 92
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٢)
فأعراض بعض من المتكلمين عن القرآن الكريم بحجة عدم فهم القرآن أو غواية الشيطان لهم نجد مصداق ذلك في حديثه ﷺ السابق الإشارة إليه وهذا سبب من أسباب كراهية ابن عبد الوهاب لعلم الكلام والمشتغلين به.
(١) ـ هناك خصوصية أخرى يتشبه بها المتكلمون اليهود وعلى وجه الخصوص علماؤهم ورهبانهم من كتمان الحق ولبس الحق بالباطل.
(٢) أنهم عمدوا إلى شيء أجمع المسلمون عليه فابتدع هؤلاء كلاما من عند أنفسهم كابروا به العقول وتابعهم جمهور من يتكلم في علم هذا الأمر (٣) .
(٣) مع كون فساد مذهبهم في نفسه مخالفا للعقول وهو أيضا مخالف لدين الإسلام والكتاب والسنة وللسلف كلهم ـ مع هذا راجت بدعتهم على العالم والجاهل حتى طبقت مشارق الأرض ومغاربها (٤) .
(٤) إن السلف قد كثر كلامهم وتصانيفهم في أصول الدين وإبطال كلام المتكلمين وتكفيرهم وممن ذكر هذا من متأخري الشافعية البيهقي والبغوي وإسماعيل التيمي ومن بعدهم كالحافظ الذهبي وأما متقدموهم كابن سريج والدارقطنيى وغيرهما فكلهم على هذا الأمر (٥) .
فقد نبذ ابن عبد الوهاب علم الكلام لانحرافه عن الكتاب والسنة مع تحريف كثير من النصوص عن مواضعها، ترتب على ذلك انتشار الفرقة والإفتراق والبدع وكثرة القيل والقال، وخروج الناس فيما يخوضون عن كل قصد واعتدال.
стр. 93
كان منهج ابن عبد الوهاب التمسك بالكتاب والسنة، ويقول في ذلك: " فاحضر بقلبك أن كتاب الله أحسن الكتب وأعظمها بيانا وشفاء لداء الجهل وأعظمها فرقا بين الحق والباطل." (١)
وفي موضع آخر يقول:" والله سبحانه قد عرف تفرق بعاده واختلافهم قبل أن يخلقهم (٢) وقد ذكر في كتابه" ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ (٣)
فابن عبد الوهاب ليس على وفاق مع المتكلمين لأنهم سلكوا طريقا غير طريق الإسلام في نظره، وقد أفاض في سرد الأسباب التي من أجلها يكره علم الكلام والمتكلمين ويرفض طريقهم كمنهج وتطبيق، والسلف لا يرضون بطريقة المتكلمين في البحث والتأليف، فإذا كان ابن عبد الوهاب غير راض عنهم فليس بمبتدع بل له أسوة من السلف كما أشار هو إلى ذلك في نص سابق، فكراهية علم الكلام ومبدأ الاشتغال به قديمة منذ عهد الرسول ﷺ خرج على أصحابه ووجدهم يتكلمون كما أشرنا في البداية من هذا الباب وكيف غضب غضبا شديدا، ثم تابعه في ذلك النهج القويم الخلفاء الراشدون وخاصة عمر بن الخطاب ﵁ وقصته مع صبيغ بن سعل وحديثه في المتشابه وكذلك مع السارق الذي اعتبر إقدامه على السرقة من قضاء الله، لشاهد على يقظة الخلفاء الراشدون على أمور الدين والدنيا، وكذلك السلف الذين خلفوهم كانوا ينكرون على المتكلمين نهجهم وما ابتدعوا من بدع.
ويقول العلامة طاش كبرى زاده: " واعلم أن السف من الفقهاء والمجتهدين قد نقل عنهم النكير في حق علم الكلام حتى أن كثيرا من فقهاء عصرنا أنكروا على المشتغلين بعلم الكلام أشد الإنكار تمسكا بما ورد في ذلك من العلماء الأخيار. (٤)
стр. 94
وذكر أقوال الأئمة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل في كراهيتهم لعلم الكلام حتى أن الإمام مالك قال لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء قال بعض أصحابه: أراد بأهل الأهواء أهل الكلام على أي مذهب كانوا.
وأما الإمام الشافعي فقد روي عنه أنه قال: لو يعلم الناس ما في علم الكلام من الأهواء لفروا منه فرارهم من الأسد.
وقال أيضا: حكمي في أهل الكلام ان يضربوا بالجريد وأن يطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك السنة وأخذ في الكلام.
وأما الإمام أحمد فقد قال: لا يفلح صاحب الكلام أبدا، ولا ترى أحدا ينظر في الكلام إلا وفي قلبه مرض. (١)
وهذه الأقوال التي ذكرها مؤلف "مفتاح السعادة" عن هؤلاء الأئمة تؤكد أن مقصدهم هو المسك الحق بالكتاب والسنة، وانتهاج نهج الرسول صلى الله عليهم وسلم وصحابته، والتنزه عن الجدل والبحث فيما لا طائل من ورائه والذي أدى على الفرقة والتنابذ.
وإذا اشتد هؤلاء الأئمة على المتكلمين لأنهم رأوا أن الكلام قد خرج عن نهج القرآن والسنة وهو عين السبب الذي من أجله هاجم ابن عبد الوهاب الكلام والمتكلمين.
مبحث الذات والصفات:
سمى الله تعالى ذاته القدسية بأسمائه الحسنى آمرا المؤمنين ان يدعوه بها في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِه﴾ (٢) ِوقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾ إلى قوله: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ .
واستمع الرعيل الأول من صحابة رسول الله ﷺ إلى آيات الوحي تفيض
стр. 95
بهذه الأسماء: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ. هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) .
صدع المؤمنون بأمر بهم فدعوه بأسمائه التي وصف بها نفسه، وسمى بها نفسه في كتابه وتنزيله أو على لسان رسوله ﷺ من غير زيادة عليها، ولا نقصان مها ولا تجاوز لها، ولا تفسير ولا تأويل لها، بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه بصفات المخلوقين، ولا سمات المحدثين، بل أقروها كما جاءت، وردوا علمها إلى قائلها، ومعناها إلى المتكلم بها صادق لا شك في صدقه.
لم تكن مسألة الصفات الإلهية موضع خلاف لديهم إذ انصرفوا إلى ما هو خير من ذلك الجدال إلى الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته لتكون ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ (٢) ، ووسعهم أن يوقنوا بأنهم جند الله الواحد الذي﴾ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿ (٣) ، حتى إذا مروا على آية من كتاب الله تعالى تنسب إليه صفة تخدش في ظاهرها التوحيد والتنزيه الذي ملأ شغاف قلوبهم كنسبة اليد أو الوجه أو العرش إليه لم يحاولوا تأويلها ولم يجل بخاطرهم أن ينزلوها في الفهم على ظاهرها وحرفيتها لاكتمال يقينهم بأن الله تعالى منزه عن الجسمية وجميع الأعراض والجوارح عرفانا بأنه ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُق﴾ . (٤)
موقف علماء السلف من الذات والصفات:
لم يتجاوز السلف ما أمرهم الله به من الاتباع والوقوف حيث وقف أولهم وحذروا من التجاوز والعدول عن طريقهم وثبت عن الربيع بن سليمان أنه قال: سألت الشافعي ﵁ وعن صفات الله تعالى فقال: حرام على العقول
стр. 96
أن تمثل الله تعالى، وعلى الأوهام أن تحده وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تنكر، وعلى الضمائر أن تمعن، وعلى الخواطر أن تحيط وعلى العقول أن تعقل إلا ما وصف به نفسه على لسان نبيه ﷺ . (١)
ويقول ابن خلدون: " فأما السلف فغلبوا أدلة التنزيه لكثرتها ووضوح دلالتها وعلموا استحالة التشبيه، وقضوا بأن الآيات من عند الله، فآمنوا به لا يتعرضون لمعناها ببحث ولا تأويل وهذا يعنى قول الكثير منهم أقرأوها كما جاءت، أي آمنوا بأنها من عند الله ولا تتعرضا لمعناها ولا تفسيرها لجواز أن تكون ابتلاء". (٢)
وأما الرازي في كتابه " أساس التقديس " فقد عقد بابا لتقرير مذهب السلف، ورتبه على فصول أربعة يبين فيها أن كثيرا من الفقهاء والصوفية والمحدثين يجوزون أن يكون في كتاب الله تعالى ما لا سبيل لنا على العلم به، وهو المتشابه الذي لا يعلم ـ تأويله إلا الله واستدلوا على ذلك بالقرآن والحديث المنقول كما بين أن القرآن فيه المحكم والمتشابه وبين معنى كل منهما ثم ذكر الطريق الذي يعرف به كون الآية محكمة أو متشابهة، وبعد كل ذلك يبين حقيقة مذهب السلف في هذا المتشابهات فقال: " أن يجب القطع فيها بان مراد الله فيها شيء غير ظاهرها وبحب تفويض معناها إلى الله تعالى، ولا يجوز الخوض في تفسيرها". (٣)
أما الصابوني في كتابه " عقيدة السلف" فقد بين أن السلف كانوا يصفون الله تعالى بكل ما وصف به نفسه وما وصفه به رسوله ﷺ بدون تحريف ولا تأويل فيقول:" أصحاب الحديث حفظ الله أحياءهم، ورحم أمواتهم يشهدون لله تعالى بالوحدانية، وللرسول ﷺ بالرسالة والنبوة، ويعرفون ربهم بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد بها رسوله ﷺ على ما وردت به الأخبار الصحاح ونقله العدول الثقات عنه. (٤)
стр. 97
ويستطرد الصابوني في شرح عقيدة السلف في الذات والصفات بأنهم يثبتون له جل شأنه ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ولا يعتقدون تشبيبها لصافته وصفات خلقة، فيقولون أنه خلق آدم بيده كما نص سبحانه علي في قوله" ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١) .
ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين أو القويتين تحريف المعتزلة الجهمية وكذلك يقولون في جميع الصفات التي ورد بها القرآن الكريم، ووردت بها الاختبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والرضا والغضب والقوة والعظمة والإرادة والمشيئة، وغيرها من غير تشبيه بشيء من ذلك بصفات المخلوقين بل ينتهون فيها على ما قاله الله تعالى ورسوله ﷺ من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه ولا تكييف ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير ولا إزالة للفظ الخبير عما تعرفه العرب وتضع عليه، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله كما أخبر الله عن الراسخين في العلم انهم يقولون في قوله تعالى " ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ . (٢)
وفي مجال توضيح عقيدة السلف بشرح محمد عبده في رسالته:" التوحيد" بأن السلف لم يسألوا الرسول ﷺ عن معنى شيء من ذلك، أنهم كانوا قد نهوا عن البحث في ذات الله تعالى وصفاته، لعل هذا البحث وارتفاعه عن مستوى عقولهم فقد ورد أن النبي ﵊ قال: " تفكروا في مخلوقات الله ولا تتفكروا في ذات الله فتهلكوا ". (٣)
ولذلك يقول محمد عبده:" فالنهي واستحالة الوصل إلى الإكتناه شاملان لها، فيكفينا من العلم بها أن نعلم أن متصف بها وما وراء ذلك فهو مما استأثر الله بعلمه، ولا يمكن لعقولنا أن تصل إليه، ولهذا لم يأت الكتاب العزيز وما سبقه من الكتب
стр. 98
إلا بتوجيه النظر على المصنوع لينفذ منه إلى عرفة وجود الصانع، وصفاته الكمالية، وأما كيفية الإتصاف فليس من شأننا أن نبحث فيها". (١)
وإلى نفس المعنى يذهب إمام الحرمين فيما ينقله ابن القيم عنه ما نصه: " ذهب السلف إلى الانكفاء عن التأويل، وإجراء الظاهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب تعالى". (٢)
يتبين من النصوص السابقة ان منهج السلف في موضوع الصفات يتلخص في النقاط الآتية:
(١) ـ الإيمان بألفاظ القرآن والاستدلال به كما هي من غير تأويل.
(٢) حاصل مذهب السلف أن المتشابه يحب القطع فيه بأم مراد الله منها شيء غير ظواهرها، ثم يجب تفويض معناها إلى الله تعالى، ولا يجوز الخوض في تفسيرها وتأويلها.
(٣) أن السلف ﵃ يؤمنون بكل ما أخبر به رسوله ﷺ إيمانا بعيدا عن التحريف والتعطيل ومن التكييف والتمثيل ويجعلون الكلام في ذات الله وصفاته بابا واحدا فإن الكلام في الصفات فرع من الكلام في الذات فكما ان لله ذاتا لا تشبهها الذوات فله صفات لا تشبهها الصفات، فإثبات السلف للصفات إثبات بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تكييف وعلى هذا مضى السلف.
أولاً: ابن عبد الوهاب ومشكلة الصفات:
بعد هذا الاستعراض لعقيدة السلف في الذات والصفات وإجماعهم التزام ما جاء في الكتاب والسنة دون تحريف ولا تصحيف تحت أي مسمى من مسميات علم الكلام والتزام المسلم بما جاء والعمل بما أمر، نستأنف الحديث والإيضاح لأول جانب من جوانب الغيبيات وهو الصفات.
نستصحب في بداية الحديث عن ابن عبد الوهاب والصفات نصا له يشرح فيه عقيدته في الغيبيات والتزامه بمنهج وطريق السلف الصالح فيقول:" أشهد
стр. 99
الله ومن حضر من الملائكة وأشهدكم أني اعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة من الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، بل اعتقد أن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه ولا ألحد في أسمائه وآياته ولا أكيف ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه لأنه تعالى لا سمي له ولا كفؤ له، ولا ند له ولا يقاس بخلقه..". (١)
ويسترسل في شرح عقيدته ببيان موقفه من الفرق وما هي أوصاف الفرقة الناجية التي أخبر عنها رسول الله ﷺ .
ويعتقد أن القرآن كلام منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة أنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين خلقه.
ويؤمن بأن الله تعالى فعال لما يريد ولا يكون شيء إلا بإرادته ولا يخرج شيء عن مشيئته ولا شيء في العالم يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره ولا محيد لأحد عن القدر المحدود ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور. (٢)
ويعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت فيؤمن بفتنة القبر ونعيمه وبإعادة الأرواح إلى الأجساد ويؤمن بالحوض والصراط وبشفاعة نبينا محمد ﷺ .
ويؤمن بأن الجنة والنار مخلوقتان وأنهما موجودتان، أنهما لا يفنيان وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة، وبأن نبينا محمد ﷺ خاتم النبيين والمرسلين ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته.
ويقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئا ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله.
стр. 100
ويرى أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. (١)
هذا تلخيص لأهم ما يعتقد به ابن عبد الوهاب في مسالة الغيبيات ومدى التزامه بمنهج السلف الذي أعلن التمسك به في بداية عرض عقيدته، ولنبدأ بتفصيل القول في أول هذه المسائل وهي الصفات:
يهاجم ابن عبد الوهاب كل منكر للصفات تحت أي شعار أو اتجاه مثل الذين ذهبوا على تعطيل الصفات بحجة تنزيه الله عن المشابهة بينه وبين المخلوقات يندد بقولهم هذا فيقول:" فنكتة المسألة أن المتكلمين يقولون التوحيد لا يتم إلا بإنكار الصفات فقال أهل السنة لا يتم التوحيد إلا بإثبات الصفات وتوحيد كم هو التعطيل ولهذا آل هذا القول ببعضهم على إنكار الرب ﵎ كما هو مذهب ابن عربي وابن الفارض وفئات من الناس لا يحصيهم إلا الله". (٢)
فابن عبد الوهاب يهاجم المتكلمين والمتصوفة في إنكارهم للصفات أو بعضها، بل أنه يقسو على المنكرين للصفات ويعتبرهم أسوأ من الكفار. فالمعطل عنده شر من المشرك:"وأما توحيد الصفات فلا يستقيم توحيد الربوبية ولا توحيد الألوهية إلا بالإقرار بالصفات، لكن الكفار اعقل ممن أنكر
الصفات" (٣) .
ويتعجب من المتكلمين الذي يقرون أمورا لله تعالى ثم ينكرون الصفات أو بعضها، " يجوزون على الله أن يأمر بكل شيء ويفعل كل شيء وينزهونه عن حقائق أسمائه وصفاته ولا يتم التوحيد إلا به" (٤) .
ويعتبر مسلكهم هذا من إضلال الشيطان لهم: " استحوذ عليهم
стр. 101
الشيطان فظنوا أن التوحيد لا يأتي إلا بنفي الصفات فنفوها وسموا من أثبتها مجسماً". (١)
إذن فأول شيء يذهب إليه ابن عبد الوهاب هو التزام السلف في إثبات الصفات ولا يتم التوحيد بنوعيه الألوهية والروبية إلا بإثبات الصفات وبرفض ما عدا ذلك، ويؤكد في جميع كتاباته أن التوحيد لا يتم إلا بالتزام اثبات الصفات جميعها التي أخبر الله عنها في كتابه فيقول:
" إن التوحيد لا يتم إلا بإثبات الصفات وأن معنى الإله هو المعبود فإذا كان هو سبحانه متفردا به عن جميع المخلوقات وكان هذا وصفا صحيحا لم يكذب الواصف به فهذا يدل على الصفات فيدل على العلم العظيم والقدرة العظيمة، وهاتان الصفتان أصل جميع الصفات كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ . (٢)
نلخص من النصوص السابقة:
١-رفض ابن عبد الوهاب مبدأ المتكلمين والوصفية في تعطيل الصفات تحت أي مسمى أو تعليل أو حجة اثبات التوحيد.
٢- التزام ابن عبد الوهاب بمذهب السلف في إثبات الصفات.
٣- إثبات الصفات إثبات لكمال الألوهية وأنه لو لم تدل على أوصاف لم يجز أن يخبر عنه ويوصف بها قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ، فالقوي من أسمائه وقد أخذ عنه بأنه صاحب القوة، فلو لم تدل القوة على صفة لم يخبر عنه بأنه صاحب القوة، وقال: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ ،ومن أسمائه العزيز، وما إلى صفات من العلم والقدرة ومن أسمائه العلم والقدرة فلولا دلالتها على صفة العلم والقدرة لم يقل (بعلمك) ولا (بقدرتك) ، أنه لو لم تكن أسماؤه مشتملة على معان وصفات لم يسغ أن يخبر عنه بأفعالها.
стр. 102
٤- أنه لو لم تكن أسماؤه ذوات معان وأوصاف لكانت جامدة كالأعلام المحضة.
٥- يثبت جميع الصفات ويندد بمن يثبت جانبا منها ويرفض الآخر فيقول: (ويثبتون ما أثبته الرسول ﷺ من السع والبصر والحياة والقدرة والإرادة والعلم والكلام، إلى آخره وهذا أيضا من أعجب جهله، وذلك أن هذا مذهب طائفة من المبتدعة) يثبتون الصفات السبع وينفون ما عداها، ولوكان في كتاب الله، ويؤولونه وأما أهل السنة فكل ما جاء عن الله ورسوله أثبتوه، وذلك صفات كثيرة (١) "
٦- التزام ابن عبد الوهاب بأسلوب وطريق السلف في إثبات الصفات لا ينفي عنه سبحانه ما وصف به نفسه ولا يحرف الكلم عن مواضعه ولا يلحد في أسمائه ولا في آياته ولا يكيف ولا يمثل إنما يتبع نهج الفرقة الناجية التي يوضح أوصافها فيقول (والفرقة الناجية وسط في باب صفاته ﵎ بين أهل التعطيل والجهمية وبين أهل التمثيل والمشبهة وهم وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية وهم وسط في باب وعبد الله بين المرجئة والوعيدية وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية وهم وسط في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج) (٢) .
والحق أن ابن عبد الوهاب التزم ما قال به من تمسكه بالكتاب والسنة واقتفاء الأثر الصالح قولا وعملا ولم نجد ما يخالف ما صرح به في تحديد أصول عقيدته، فأثبت الصفات كما جاءت بها النصوص من غير تحديد للكيف في أي صورة من الصور من تمثيل أو تكييف أو تأويل وتلقى أوصاف الله تعالى من كتبه ورسله بلا زيادة ولا نقصان مع رفضه إنزال هذه الصفات على مقتض العقل مهما بلغ هذا العقل من علو وتقدم وآمن بأن كل صفة معلومة بإثباتها مجهولة بكيفها والكافة مطالبون بالإثبات والكافة مطالبون بعدم الخوص في الكيف.
ونسوق لابن تيمية في هذا المضمار حيث نجد فيه مصداقا لما ذهب إليه
стр. 103
ابن عبد الوهاب. (وأن المعطلة والممثلة كلاهما عطل ومثل فالمعطل لم يفهم الصفة إلا على مقتضى صفات المخلوقين فنفاها والممثل اثبت الصفات على مقتضى المخلوقين فعطل ما يستحقه تعالى من الصفات والأسماء اللائقة بجلاله ... وأن مذهب السلف بين التعطيل والتمثيل) (١) .
الاستواء:
ومن بين القضايا التي أثارها علم الكلام وتعددت فيه أقوال المشتغلين به تبرز مشكلة الاستواء بما يرتبط به من معنى الجهة والحركة والمكان، وقد صحب هذه الضجة موقف أهل السنة الذين تمسكوا بكل ما ورد من النصوص واثبات جميع الصفات كما جاء في القرآن الكريم وعلى لسان نبيه الأمين، أثبتوها عن فقه وعند إدراك بأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، (٢) وأدركوا تماما أنهم ﴿َلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ (٣) .
فقد ورد في الذكر الحكيم نصوص تذكر عرض الله واستواءه عليه كقوله عز شأنه:﴾ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴿ (٤) ، وقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ (٥) ِ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ (٦) .
وقال في سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٧) ، وقال في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٨) ، وقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٩) وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى
стр. 104
الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ (١) ،وقال في سورة السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢) وفي سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ . (٣) في هذه الآيات إثبات صفة الاستواء لله وهي من الصفات الفعلية، ومعنى الإيمان بالاستواء: الاعتقاد الجازم بأن الله فوق سمواته مستو على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته على خلقه بائن منهم وعلمه محيط بكل شيء ومعنى الاستواء العلو والارتفاع والاستقرار والصمود (٤) .
وابن عبد الوهاب يثبت العلو والاستواء بطريقة السلف وعلى منهج إمام دار الهجرة مالك ابن أنس حينما سأل رجل عن الاستواء فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، فأثبت مالك ﵀ الاستواء، ونفى علم الكيفية وكذلك أجمع أهل السنة والجماعة على ذلك ولم يقل أحد منهم: إن الله ليس في السماء، ولا انه ليس على العرش، ولا أنه لا تجوز عليه الإشارة الحسية.
ويستشهد ابن عبد الوهاب على علو الله بحديث ابن مسعود قال: بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام والعرش فوق الماء والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة بن عاصر عن زر عن عبد الله، ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عند عبد الله قاله الحافظ الذهبي (٥) .
واستشهاد ابن عبد الوهاب بهذا الحديث ليدل على مدى تمسكه
стр. 105
بالنصوص واثبات الاستواء لله على منهج أهل السنة الذين أثبتوا جميع أسماء الرب وصفاته من الإيمان باللفظ وإثبات الحقيقة ونفي علم الكيفية، وفي هذا المعنى تدور تفاسير السلف، قال الباري في صحيحه قال مجاهد: استوى على العرش (علا) وقال ابن راهويه سمعت غير واحد من المفسرين يقولون (الرحمن على العرش استوى) أي ارتفع وقال محمد بن جرير في قوله (الرحمن على العرش استوى) أي علا وارتفع (١) .
فابن عبد الوهاب برفض تعريف الاستواء (٢) بمعنى الاستيلاء وتمسك بمنهج أهل السنة واثبت الاستواء كما ورد في نصوص الذكر الحكيم وما جاء في السنة وذهب إليه المفسرون والعلماء ويتمسك بقوله تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٣) وبقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (٤) .
стр. 106
وهناك العديد من الآيات التي يستشهد بها في إثبات علو الله ويصرح بتمسكه بمذهب السلف فيقول (وذلك مذهب الإمام أحمد وغيره من السلف أنهم لا يتكلمون في هذا النوع إلا بما تكلم الله به ورسوله فما أثبته الله لنفسه أو أثبته رسوله ـ أثبتوه مثل الفوقية، الاستواء، والكلام والمجيء وغير ذلكن وما نفاه الله عن نفسه ونفاه عنه رسوله نفوه، مثل: المثل والند والسمي وغير ذلك وأما ما لا يوجد عن الله ورسوله إثباته ونفيه، مثل: الجوهر، الجسم والعرض والجهة وغير ذلك ـ لا يثبتونه ولا ينفونه، فمن نقاه فهو عند أحمد والسلف مبتدع، ومن أثبته مثل هشام بن الحكم وغيره فهو عندهم مبتدع، والواجب عندهم السكوت عن هذا النوع اقتداء بالنبي ﷺ وأصحابه" (١) .
وفي موضع آخر في هذه الرسالة يستشهد بقول أبي الوفاء بن عقيل الذي قال (أنا أقطع أن أبابكر وعمر ماتا ما عرفا الجوهر والعرض فإن رأيت ان طريقة ابي على الجبائي وأبي هاشم خير لك من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت) (٢) .
التصريح برفع الأيدي على الله تعالى كما ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله ان النبي ﷺ جعل يقول " ألا هل بلغت" فيقولون نعم فيرفع اصبعه إلى السماء وينكبها إليهم ويقول " اللهم أشهد" (٣) .
ومن الأدلة أيضا على علوه في عرشه إخباره ﷺ ان تردد بين موسى ﵇ وبين ربه ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة.
ونسوق هذا النص في ختام الأدلة والبراهين التي استشهد به ابن عبد الوهاب في إثبات صفة الاستواء على النحو الذي آمن به أهل السنة فيقول:" وذلك ان إنكار (الأين) من عقائد أهل الباطل، وأهل السنة يثبتونه اتباعا لرسول الله ﷺ كما في الصحيح ان قال للجارية أين الله (٤) ؟
стр. 107
ومما هو جدير بالذكر أن ابن الجوزي رفض التعويل على هذا الحديث بقول أنه ضعيف (١) .
والذي يعيننا هنا هو تعويله على الأدلة القرآنية وهي كثيرة كما أوردناها في بداية الحديث عن الاستواء، أضف إلى هذا ان ابن عبد الوهاب رفض تأويل النصوص القرآنية كما فعل ابن الجوزي الذي أقبل على تأويل الاستواء بمعنى الاستيلاء.
ويهاجم ابن عبد الوهاب المتكلمين على موقفهم من إنكار الاستواء واعتبر الفلاسفة اعقل منهم في هذا الموقف" حتى أن أئمة المتكلمين لما ردوا على الفلاسفة تأويليهم في آيات الأمر والنهي مثل قولهم: المراد بالصيام كتمان أسرارنا والمراد بالحج زيارة مشايخنا والمراد بجبريل العقل الفعال، وغير ذلك من إفكهم. ردوا عليهم الجواب بأن هذا التفسير خلاف المعروف بالضرورة من دين الإسلام. فقال لهم الفلاسفة: أنتم جحدتم علو الله في خلقه واستوائه على عرشه، مع أنه مذكور في الكتب على ألسنة الرسل وقد أجمع المسلمون كلهم وغيرهم من أهل الملل، فكيف يكون تأويلنا تحريفا وتأويلكم صحيحاً؟ فلم يقدر أحد من المتكلمين أن يجيب عن هذا الإيراد" (٢) .
نوجز موقف ابن عبد الوهاب في مسألة الاستواء إلى:
١. إثبات جميع الصفات التي ورد به الشرع مع فهم معانيها الحقيقية دون تأويل أو تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل. بعابرة أخرى ينفي عنه مشابهة المخلوقات فيجمع بين الإثبات ونفي التشبيه وبين التنزيه وعدم التعطيل.
٢. إن استواءه على عرشه من لوازم علوه ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا في نصف الليل الثاني من لوازم رحمته وربوبيته.
٣. رفض كل زعم أو تأويل لمسألة الاستواء بمعنى الاستيلاء او القهر.
стр. 108
٤. اعتبر الفلاسفة في إثباتهم للاستواء أعقل من المتكلمين الذين أنكروا صفة الاستواء أو ذهبوا إلى تأويلها.
٥. هاجم بشدة كل من أنكر أو نفى أي صفة وردت في الذكر الحكيم أو في سنة رسوله.
٦. نستطيع أن نقول أن ابن عبد الوهاب لم يسهب ويفصل في توحيد الألوهية ويرجع ذلك إلى أمرين:
الأول منهما: أن مجتمعه والعصر الذي وجد فيه كان عصر تأخر وبعد عن الاشتغال بعلم الكلام ولم تشغل مشكلة الصفات بال إلا القلة القليلة جدا من العلماء إذ وجدوا.
الأمر الثاني: كراهية ابن عبد الوهاب كصاحب مذهب سلفي الخوض في مسألة الصفات والعمل بعلم الكلام للأسباب التي أوردناها في أول الباب واقتفى أثر السلف فأقر ما أقروا وترك ما تركوا والحقيقة أنه التزم بهذا الأمر في جميع جوانب الغيبيات.
стр. 109
الفصل الثاني: النبوات
الموضوع الثالث من مسائل الغيبيات الذي نتناوله الآن لدى ابن عبد الوهاب هو: النبوات. ومسألة النبوة وإرسال الأنبياء إلى الخلق مبشرين ومنذرين ما هو إلا جانب من وعد الله للناس ولطفه بخلقه وتبصيرهم لأمور الدين والدنيا والرجوع بالإنسان إلى منابع الإيمان الأصلية كلما زحزحته عنها الحياة أو بواعث الهوى، ثم هو وعد من الله حيث يقول تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (١) وعدد الأنبياء والرسل لا يحصيهم إلا الله سبحانه ﴿رُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ (٢) .
فأنبياء الله تعالى ورسله إلى البشر قسمان:
نبي يبثه الله تعالى إلى قومه لهدايتهم إلى الحق ورسوله يبعثه الله بكتاب إلى قومه لهدايتهم إلى الحق ودعوتهم إلى عبادة الله وحده وهي دعوة جميع الرسل والأنبياء على مر العصور يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) وهذا الأمر في اختصاص الله وحده بالعبادة واجتناب الطاغوت في جميع أشكاله وألوانه حتى لا يكون للناس على الله حجة بعد ذلك
стр. 110
يقول تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (١) .
هذه الحقائق في حق إرسال الأنبياء والرسل يطالب بها ابن عبد الوهاب أن تكون من واجب كل مسلم ومسلمة الوقوف عليها فيقول: (اعلم رحمك الله أنه واجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلم ثلاث مسائل الأولى: أن الله خلقنا ولم يخلقنا عبثا، ولم يتركنا هملا، بل أرسل إلينا رسولا ومعه كتاب من أطاعه فهو في الجنة، ومن عصاه فهو في النار والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ (٢)
المسألة الثانية: إن أعظم ما جاء به هذا الرسول أن لا يشرك مع الله في عبادته أحدا، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ (٣)
المسألة الثالثة: يحذر ابن عبد الوهاب من معاداة الإنباء والرسل لأنهم من اختيار الله واصطفائه والدليل قوله تعالى (٤) ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ (٥)
ثم يحذر ابن عبد الوهاب أن من يعبد الله لا يجوز له موالاة أعدائه حتى ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم او عشيرتهم، ولكن الواقع أن معاداة الأنبياء والمرسلين ظاهرة مع كل نبي ومرسل على مر العصور, ومطالتبهم دائما بأشياء شاقة وغير عادية، ولذلك ساند الله أنبياءه بالمعجزات، ويقول الله تعالى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ . (٦)