← Тараджим

Тараджим · id 7656

الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ومنهجه في مباحث العقيدة

آمنة محمد نصير

Полный текст (246 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وحتى أصحاب النظر الفلسفي من أنصار المذاهب المادية لم يرقوا إلى تصور بداية للإنسان أو نهاية له أو رسالة يضطلع بها بعيدا عن هذا التصور اللهم إلا محاولتهم تجريد المعاناة المادية من أشكالها للوصول إلى تصور معنوي للسعادة الإنسانية ظل على الدوام غامضا غموض أقيسة الفلسفة الجدلية ومعطياتها. والقائمون على عقائد أهل الكتاب وإن توفر لهم من بقية العلم بالكتب السابقة ما يهديهم إلى الاعتقاد بأن للإنسان بداية تسبق عالم الحس، وسيفضي إلى نهاية يلقى بها عالم البعث ,انه بين البداية والنهاية محل للتكليف من الخالق ـإلا أنهم ليسوا بدء الإنسان على الأرض بمقولة الخطيئة التي تأخذ بزمامه. والتي يحتاج معها إلى الشفعاء من أبناء الرب وأحبائه يمنحون صك غفران يسلك له إلى ملكوت السموات وإلا فهو محروم شقي لا محالة. وقد جاء الإسلام بالخبر اليقين الذي يبدد وهم الأولين وغلو الآخرين فارتفع بالإنسان عن وضاعة التطور من الخلية الحيوانية وأبان أنه مخلوق ذو مركز خاص في الكون، من حيث أصل خلقته ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (١) ومن حيث مكانه في الأرض ورسالته ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٢) من حيث قدراته وملكاته واستعداده ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاء كُلَّهَاَ﴾ (٣) ومن حيث مسؤوليته عن عمله ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٤) وعدم مؤاخذته بجريرة غيره. ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٥) وفي ظل التطور المادي الذي أشرنا إله كانت الجماعات الإنسانية تتكون وتتشكل كما يجري للحيوانات في عالم الغاب من حيث أن القوة المادية وحدها هي التي توجه هذا التكوين والتشكيل, فالقبيلة التي تجمعها وحدة

стр. 177

الأصل تحاول أنت تبسط نفوذها على غيرها من القبائل، فإذا أمكنتها القوة من ذلك وتتابعت بها الأسباب بدت في صورة الدولة ملكا أو إمبراطورية أو غير ذلك من الأشكال ولم تعرف البشرية قبل الإسلام جماعة إنسانية تتكون بوازع العقيدة والعقيدة وحدها، إذا أن الرسالات السماوية السابقة على الإسلام ظلت في دائرة إصلاح وجدان الأفراد كأفراد دون أن تصبح محورا تقوم عليه حياة الجماعة ويأتلف به الإنسان مع الإنسان، وثم لم يكن مجتمع بني إسرائيل خلال الفترة الوجيزة التي أقاموا فيها دولتهم إلا صورة خاصة لمفهوم الجماعة الإنسانية القائمة على التصور المادي، ذلك أنهم وإن احتكموا إلى التوراة أغلقوا دائرة الجماعة الإنسانية على من يجمعهم الأصل العرقي الواحد. فلما انصف الإسلام الإنسان وكشف عن جوهره الفريد ومركز المتميز في الكون ورسالته في الحياة انبثق من هذا التصور الإسلامي الفريد نموذج مثالي للاجتماع الإنساني نموذج يمكن أن نلخصه في عبارة واحدة: التسامي بالنوع الإنساني حتى يكون أهلا لشرف التكليف بعبادة الله تعالى. ويقوم هذا التسامي على قاعدتين وحدة أصل الإنسان ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ . (١) ووحدة الغاية التي خلق لأجلها ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) والجماعة المسلمة مفتوحة لكل إنسان يتوفر فيه مفهوم القاعدتين السابقتين. وبحكم وحدة أصل الإنسان ومساواة أفراده فهم جمعيا على اختلاف الأصل واللهو واللغة والجنس مدعوون للالتحاق بهذه الجماعة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا

стр. 178

النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعا﴾ (١) والشرط الوحيد لتحقيق هذا الالتحاق هو الإيمان بالله. وحيث يوجد هؤلاء المؤمنون فهم جماعة واحدة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٢) ومن هنا كانت الجماعة المسلمة فريدة في تكوينها.. إنها تقوم على العقيدة وحدها، عقيدة الإيمان بالله. وقد رأينا لدى استعراض مواد الفصل الأول من الباب الأول من هذا البحث: كيف نشأت الجماعة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة لتجمع أفرادا ومن مختلف قبائل العرب بل ومن أفراد غير عرب كسلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي وحدوا الله فوحد الله بينهم ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ . (٣) وعرفت الإنسانية بهذا الجماعة الإسلامية مفهوم الدولة العقائدية التي انضوت تحت أعلامها أمم شتى هجرت رابطة العرق والوطن إلى رابطة الدين والإيمان وظلت دولة الإسلام قوية ما بقيت هذه الرابطة الإيمانية فلما غلبتها نوازع الشعوبية والأممية تداعى البناء الشامخ وتصدعت أركانه. وأدرك محمد بن عبد الوهاب الجماعة المسلمة وقد تمزقت دار السلام إلى عدة أديار، وعادت نجد إلى حال قريب من حالتها في الجاهلية مما عرضنا له تفصيلا في الباب الأول، وكان عليه أن يواجه هذا الواقع ليحدد على ضوئه نظرته إلى أسس تكوين الجماعة المسلمة. وقد جاء هذا التحديد مقرونا بالتطبيق العملي الذي تفيض به الشواهد التاريخية، بدأ بنفسه فتزود بالعلم الذي يتميز به الحق من الباطل، حتى إذا، استوعب حقائق الإسلام وتحقق له بعد الناس عن هذا الحقائق أخذ يدعو

стр. 179

الناس" فأعلن بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) (١) فلما التف حوله بعض الناس بذل جهده في تعليمهم أمور دينهم وكان له مجالس عديدة في التدريس كل يوم وكل وقت في التوحيد والتفسير والفقه وغيرها". (٢) وإذا توفرت له الجماعة التي تلتقي معه في مفهوم العقدية الصحيحة القائمة على التوحيد الحق والإتباع الكامل لرسول الله ﷺ واجه الانحراف بعزيمة تغيير المنكر" وتبعه أناس من أهل العيينة وكان فيها أشجار تعظم ويعلق عليها فبعث إليها من يقطعها فقطعت" (٣) واعترفت عنده امرأة بارتكاب الزنى الموجب للحد فأمر برجمها، وسرعان ما كشف المجتمع المحيط به عن مدى بعده عن شريعة الإسلام وأحكامه، فقد استهول حكام الإحساء وغيرها من إمارات الجزيرة العربية مسلك محمد بن عبد الوهاب في الالتزام بالتطبيق العملي لقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فبدأوا بالعداء وحرضوا أمير العينية ابن معمر على إخراجه منها فخرج مهاجرا إلى الدرعية. ولم يكن مخرجه من العيينة واضطراره إلى الهجرة إلى الدرعية ليثنيه عن الجهاد الذي عاهد الله عليه بل كشفت هذه المحنة عن استعداده لمواجهتها وعن فهمه الدقيق لطبيعة الصراع بين الإسلام وأعدائه ومقتضيات هذا الصراع. عبر عن هذا الفهم في حواره الذي بدأ به لقاءه مع أمير الدرعية محمد بن سعود قال للأمير:" ... هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم فمن تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعبادة وأنت ترى نجداً كلها وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل والفرقة والاختلاف والقتال لبعضهم بعض فأرجو أن تكون إماما يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك وجعل يشرح له الإسلام وشرائعه وما يحل وما يحرم وما عليه النبي ﷺ وأصحابه من الدعوة إلى التوحيد والقيام في نصره والقتال عليه". (٤)

стр. 180

وبهذه العبارات أوجز الشيخ مفهومه للجماعة المسلمة التي تتكون بوازع الإيمان وتجتمع على نصرة الإسلام والقتال دفاعا وتطبيقا لشرائعه. كما أوضح عن فهمه لطبيعة الصراع بين الحق والباطل وأن الباطل لا يخلي مكانه للحق إلا راغما واستدل على ذلك بما جرى للرسول ﷺ وصحبه. وقد يأخذ عليه البعض أنه وهو يعمل لنصرة دعوة الإسلام وإحياء سنة الرسول ﷺ قد خالف هذه السنة فيما جرى منه من مبايعة للأمير محمد بن سعود بأن يكون إماما وذريته من بعده، إذ الثابت أن رسول الله ﷺ كان حريصا وهو يدعو القبائل إلى الإسلام ألا يجعل ثمن نصرهم لدين الله اختصاصهم بإمامة أو ما أشبه، وقد رأينا (١) كيف دعا بني عامر بن صعصعة إلى الإسلام فاشترطوا عليه أن يجيبوه إلى دعوته على أن يكون لهم الأمر من بعده فكان جوابه ﷺ الرفض المشفوع بقوله:" الأمر لله يضعه حيث يشاء، ثم رأيناه ﷺ وهو يدخل المدينة مهاجرا يعتذر عن قبول كل دعوة قدمت له للنزول في حي بعينه من أحياء الأوس أو الخزرج ويأمر من أخذ بخطام ناقته أن يخلي عنها حتى بركت الناقة وهي مأمورة ـ كما حدث المعصوم ﷺ في مريد لغلامين يتيمين فأبى الرسول ﷺ أن يأخذه إلا بثمنه وفي مكانه أنشأ مسجده. والاعتراض ولا شك سديد غير أنه مما يخفف اللائمة عن محمد بن عبد الوهاب أنه أولا: من المحال أن يستشرق إلى الذروة التي تسنمها رسول الله ﷺ أحد وهو سيد الرسل من أولي العزم وحسب العبد الصالح أن يقتفي أثره ما استطاع. ثانيا: أن العبارة المنقولة عن الشيخ هي أقرب إلى الدعاء والتمني لقوله:" فأرجو أن تكون إماما". وتحمل على الترغيب وتقريب سبيل الهداية للأمير. ثالثا: إن كان في معاناة المهجر من العيينة إلى الدرعية يلتمس الأمن والمأوى لتبليغ دعوته." ولا تتم دعوة إلا بوجود شوكة" (٢) وحسبه بهجرته من

стр. 181

العيينة إلى الدرعية أن أحيا في الناس سنة الهجرة إلى الله ورسوله "فهاجر الشيخ أصحابه الذين بايعوه في العيينة" إلى الدرعية. ولم يلبث أن تزايد المهاجرون إلية من كل بلد علموا استقراره. (١) ويمكن القول بحق أنه بهذه النواة من المهاجرون إلى الدرعية تكونت الجماعة المسلمة التي تجمعها العقيدة والعقيدة وحدها وكان ذلك في حد ترجمة لمفهوم الجماعة الإنسانية حسبما يريدها القرآن. ومن خلال هذه الجماعة التي تكونت على التوحيد واجتمع شملها على الإيمان باشر محمد بن عبد الوهاب تربية أفرادها على خلق الإسلام وإلزامهم بسائر ضوابطه سواء منها ما يتعلق بعلاقة العبد بربه "فاجتمع الناس على الصلوات والدروس والسؤال عن معنى لا إله إلا الله وفقه معناها والسؤال عن أركان الإسلام وشروط الصلاة وأركانها ووجباتها (٢) " كذلك توفرت تربية الأفراد فيما يتعلق بحقوق بعضهم على بعض فتحقق بينهم التكامل والتعاون وجمعت الزكاة لمن تحب عليهم وصرفت على مستحقيها وتغير مفهوم النصرة القبلية التي كانت تحمل الفرد علي نصرة أخوية ظالما ومظلوما بالحق والباطل إلى مفهوم النصرة الإسلامية على التناصح والتواصي بالحق والصبر بعد أن فقه القوم حديث رسول الله "انصر أخاك ظالما أو مظلوما "بما بينة رسول الله من أن معني نصر الأخ ظالما: منعه من الظلم. ومن خلال تربية الأفراد على معنى التآخي والتنا صر والتواصي بما فهمهم لمعنى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فأقبلوا على إحياء هذا الركن الإسلامي المكين من أركان تكوين الجماعة المسلمة. ولم يمض وقت بعيد حتى كان مجتمع الدرعية قد ظفر بمنهج تربوي وتطبيقي يكفل حسن تربية المسلم من خللا الجماعة. منهج يقوم على الحقائق الإسلامية الأساسية التي تتضمنها الكليات الخمس: توحيد الله وأتباع رسوله ومساواة بني الإنسان والعلم والتعلم.

стр. 182

وتيقن محمد بن عبد الوهاب أن السبيل إلى ضمان استمرار المجتمع المسلم على كلياته الخمس يتوقف على الكلية الخامسة وهي التعلم. من هنا كان حرصه على تعليم اتباعه وترغيبهم في التعلم واهتمامه بعامتهم وخاصتهم في هذا الخصوص ووضعه الأسلوب الأمثل لتعليم كل حسب استعداده فيقول:"ينبغي للمعلم أن يعلم الإنسان على قدر فهمة" (١) ثم يفصل درجات الناس ويعطي كلا حسب قدر ثقافته وذكائه. ويجدد غاية العلم والتعلم في أن يعرف المسلم الحقوق التي علية. ثم يرتب له الحقوق بدءا بالأدنى وترقبا إلى الأعلى"فيصف له الحقوق الخلق مثل حق المسلم على المسلم وحق الأرحام وحق الوالدين وأعظم من ذلك حق النبي"ثم حق الله وحق الله عليك. (٢) ومن مصنفات محمد بن عبد الوهاب التي عالج فيها الجانب التربوي في أوساط العامة "تلقين أصول العقيدة للعامة (٣) " ومن حقوق المسلم على المسلم تلك التي يتبادلها الحاكم والمحكوم مما يعرف حديثا بالحقوق العامة، ولا يستقيم شأن جماعة إنسانية إلا على قاعدة واضحة تستقر عليها هذه الحقوق التي أصبحت مجالا للنص عليها في الدساتير والقوانين الأساسية. وابن عبد الوهاب يضع هذا النوع من الحقوق في مكان الصدارة من تفكير ويسوق لذلك الاستشهاد بالحديث الصحيح: "إن الله يرضى لكم ثلاث: ألا تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم" (٤) . واستدلالا بهذا الحديث يرتفع محمد بن عبد الوهاب بمركز ولي الأمر من حيث حتمية وجوده ووجوب طاعته والانقياد له إلى حد اعتبار مخالفته والخروج عليه من مسائل الجاهلية التي تتلو درجة الشركة بالله والتفرق في الدين إذ يقول

стр. 183

أن أهل الجاهلية كانوا يرون أن "مخالفة ولي الأمر وعدم الانقياد له فضيلة والسمع والطاعة ذل ومهانة فخالفهم رسول الله وأمر بالصبر على جور الولاة وأمر بالسمع والطاعة لهم والنصيحة وغلظ في ذلك وأبدى وأعاد. (١) ومن الجدير بالذكر أن محمد بن عبد الوهاب تعرض لنقد معارضية في مسألة عقدة الإمامة لابن سعود بمقولة أنه بذلك خرج عن إجماع فقهاء المذاهب الأربعة وعلى الأخص مذهب الإمام أحمد – فيما يشترط في الإمام من أن يكون قرشيا ورموه بأنة يدعو دعوة الخوارج ممن قالوا بجواز إمامة غير القرشي. والحق أنني أري في موقف محمد بن عبد الوهاب من مسألة الإمامة وطاعة ولي الأمر حسبما أوضحناه أنفا اختلافا تاما بينه وبين فقه الخوارج فهو يجعل وجود ولي الأمر أصلا ثابتا يقوم علية صلاح الدين والدنيا معا يبرر طاعته في حال وجود ولي الأمر أصلا ثابتا يقوم علية صلاح الدين والدنيا معا مما يبرر طاعته في حال عدله وجوه، حال كون الخوارج لا يرون شيئا من ذلك بل كانت مقالتهم الأولى التي صاح بها مناديهم في وجه علي ﵁: لا حكم إلا لله مما دعا الإمام علي أن يكشف خبيثهم بقوله: قولة حق أريد به باطل. يقولون لا طاعة لمخلوق ولا بد من طاعة أمير أو فاجر. (٢) ولا يعني الأمر بوجوب طاعة ولي الأمر مطلق الطاعة حتى في المعاصي إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق إنما المعني: انتظام الجماعة في الطاعة والتحذير من الخروج على الإمام لمجرد الرغبة في الخروج والتباهي به كسنن الجاهلية الأولى. ثم يرسم ابن عبد الوهاب لولى الأمر وللرعية معا طريق استدامة الود بينهما الكفيل بدوام تعاونهما على البر والتقوى فيحدده في الحب في الله والبغض فيه وأن فقدان الجماعة لهذا الحب والبغض هو الذي يدخل الخلل على علاقات الحاكمين بالمحكومين وفي ذلك يقول: يجيئنا من العلوم أنه يقع بين أهل الدين والأمير بعض الحرشة، وهذا شئ ما يستقيم علية الدين، والدين هو الحب في الله والبغض فيه" (٣) .ويضع يده على العلة الحقيقية فى حدوث هذا

стр. 184

الخلل في العلاقة بين الحاكم والمحكوم. إنهم في رأي الشيخ بطانة السوء التي يجب أن يحذر الأمير وسواسها "فإن كان الأمير ما يجعل بطانته أهل الدين صار بطانته أهل الشر". (١) وهو إذ يدعو الأمير إلى أن يتخذ من أهل الدين بطانته يدعو هؤلاء إلى أن"عليهم جمع الناس على أميرهم والتغاضي عن زلته (٢) "وأن يجعلوا فصحهم له برفق وخفية عن الناس مع تجنب الغلظة الموجبة للفرقة "فإن بعض أهل الدين ينكر منكرا وهو مصيب لكن يخطي في تغليظ الأمر إلى شئ يوقع الفرقة بين الإخوان. (٣) وقد آتت تربية ابن عبد الوهاب ثمارها في تقوية أواصر الحاكم بالمحكوم بحيث أصبح المجتمع القائم" في الدرعية قدرا على مواجهة الهجوم المتوالي الذي شنه أعداؤه عليه من داخل الجزيرة العربية وخارجها والذي دام عشرات السنين. (٤) وكرد فعل لتحالف الأعداء من كل صوب ضد الدرعية الذي اضطر لأن يعيش حالة حرب مستمرة حوالي نصف قرن من الزمان فقد انغلق هذا المجتمع على نفسه قانعا بأنه يقاتل في سبيل الله فقاتله جهاد مقدس ضد أعداء كافرين يتربصون به الدوائر. وأيا كان موقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب من تكفير مخالفية والذي سنعرض لبيانه في الفصل الثاني من هذا الباب فهو سائر جماعته لا ينكرون قولهم بتكفير من حاربهم وتصدى لنشر دعوتهم وكتب الشيخ ورسائله ورسائل أتباعه من بعده صريحة في تسمية أنفسهم بالمسلمين ومقاتليهم بالكفار ومن ثم فقتلاهم شهداء وقتلى خصومهم هالكون وما ينالونه من خصومهم فتح وغنيمة وما يناله خصومهم منهم ابتلاء من الله وقد رسخت هذه العقيدة في نفسهم

стр. 185

حتى ذهب بعضهم إلى اعتبار إيمان الفرد مرهونا بمتابعة لجماعتهم والالتحاق بمعسكرهم ونقل الشوكاني عنهم أنهم يرون أن من لم يكن داخلا تحت دولة صاحب نجد وممتثلا لأوامره خارج عن الإسلام. ولقد أخبرني أمير حاج اليمن أن جماعة منهم خاطبوه هو ومن معه من حجاج اليمن وأنهم غير معذورين عن الوصول إلى صاحب نجد لينظر في إسلامهم (١) ويمكننا أن نقول على ضوء ما تقدم أن محمد بن عبد الوهاب أقام منهجه في تربية الفرد من خلال الجماعة على إنارة وجدانه بالتوحيد الخالص والإتباع الأمين لرسول الله ثم اندراجه في الجماعة المسلمة على قاعدة المساواة التامة في الحقوق والواجبات مساواة تقوم على دعامتين رئيسيتين: وحدة أصل الإنسان فلا تفاوت في العرق ووحدة الغاية وهي عبادة الله وحده وأن هذه الجماعة المسلمة مطالبة بحماية أفرادها من زيغ العقيدة بالتربية السليمة ومن عدوان الأعداء بالاستعداد للجهاد في سبيل الله وإن التزام هذه الجماعة هو عين الإيمان والخروج عليها ومفارقتها كفر وشقاق. ويخلص لنا من ذلك أن محمد بن عبد الوهاب من خلال دعوته وحركته الأحداث التي واجهها قد أدلى بدلوه في مسألتين هامتين من مسائل الفكر الإسلامي ونعني يهما: (١) التكفير وما يخرج عن الإسلام. (٢) الجهاد في سبيل الله من أركان العقيدة. وقد عقدنا لكل من هاتين المسألتين فصلا مستقلا في هذا الباب على التوالي.

стр. 186

الفصل الثاني: التكفير وما يخرج عن الإسلام التكفير: رمي إنسان بالكفر بعد الإسلام. وقد حذر رسول الله ﷺ من أن يرمي المسلم أخاه المسلم بالكفر بقوله: أيما مسلم قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما. واستدل الفقهاء من ذلك علي أن من كفر مسلما فقد كفر. وعند النظر الدقيق في تقسيم القرآن لمجتمع المدينة إلى مؤمنين وكافرين ومنافقين واختصاص كل طائفة بذكر وحكم خاص بها يتضح لنا أن رمي من أسلم وأظهر الإسلام بالكفر ممتنع شرعا حتى ولو كان منافقاً. ذلك أنه لوعد بنفاقه كافراً لما ورد النص على نعت المنافقين وتخصيصهم بهذا الوصف ولأصبح الأمر يدور بين الإسلام والكفر ولا ثالث بينهما. وإسلام المرء مرهون بنطقه بالشهادتين، فإن شهد فقد اكتسب وصف المسلم وكل فريضة بعد ذلك من صلاة وزكاة وحج وصوم مفروض هي من واجباته كمسلم أي أنه مسلم قبل أن يأتيها، وآداؤه لهذه الفرائض ظاهراً يجزي عنه سواء كان مخلصاً في آدائها أو مرائيا، وحسابه على الله. وقد ثبت بالخبر المتواتر أن رسول الله ﷺ تلقي بيعة نفر من أهل المدينة على الإسلام وهم منافقون مردوا على النفاق فلم يحاول الرسول ﷺ أن يستجلي سرائرهم أو ينقب عن أحوالهم بل وكلها إلى الله الذي أنزل عليه قرآنا يتلى في شأنهم ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ . (١)

стр. 187

وبعد أن ثبت بالخبر القرآني وجود نفر من المنافقين في المدينة، وبعد أن فضحهم الله وأخرج أضغانهم ونبأ رسوله أنهم يتآمرون على الجماعة الإسلامية ويسرون بالمودة إلى الكافرين ويقولون لهم ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (١) بعد ذلك كله لم يجابه رسول الله واحدا منهم بأنه منافق بل ظل يؤمهم مع المسلمين في الصلاة ويعاملهم كمسلمين وحتى لما افتضح كبيرهم عبد الله بن أبى بن سلول وخاض مع الخائضين في حديث لإفك وما تلاه. وهم بعض الصحابة بقتلة وتقدم ابنة معبرا عن ذلك بقوله: ائذن لي يا رسول الله بقتله فإني أكره أن يقتله غيري فلا تطيب نفسي برؤيته فأقتله فأكون قد قتلت مؤمنا بكافر. نقول حتى بعد ذلك كله أبى رسول الله ﷺ أن يمس أحدا هذا المنافق بسوء قائلا: لا تفعل فيقال أن محمداً يقتل أصحابه. وسياق هذه القصة قاطع في أن الإسلام بالشهادتين يدخل العبد ساحة الجماعة الإسلامية أما نيته فمردها إلي الله كما قال رسول الله ﷺ ":بعثت هاديا لا منقبا عن قلوب الناس" وكما قال لخالد بن الوليد وقد قتل رجلا ينطق بالشهادتين معتذرا عن ذلك بأن نطقه كان خوفاً فأجابه الرسول ﷺ :"فهلا شققت عن صدره". وقد خلت سنوات السلف في الصدر الأول طوال خلافة الشيخين أبى بكر وعمر والمسلمون على هذا النهج لا يكفر أحدهم أخاه بمعصية يرتكبها أو بنية يستبطنها إلي أن لفتهم الفتنة الكبرى بدءا بمقتل عثمان ﵁ ثم خروج معاوية علي الإمام على رضي الله عنة وسير الأحداث من بعد إلي التحكيم وما وقع فيه من خديعة لصالح معاوية فقد نتج عن ذلك رد فعل ملئ بالأسى لدى بعض أنصار أمير المؤمنين علي فابتدروا إلى تكفير معاوية والحكمين بما ارتكبوه من خديعة وافتراء ودعوا عليا ﵁ إلى القول معهم بكفر خصومه

стр. 188

فأبي رضوان الله عليه فقهاً منه بدينه أن يكفر أحدا بذنب ولو كان في شناعة ذنب معاوية ومن لف لفه. فإذا بأنصار علي المطالبين بإكفار الحكمين ومعاوية يضيفون إلى قائمة الأكفار علياً نفسه ثم سائر الصحابة وكانت فتنة الخوارج ولم يخل مذهب من المذاهب المعتبرة من تسفيه رأيهم وبيان فساده. ولا تكاد فتنة التكفير أن يطويها مر السنين وتعاقبت القرون حتى تعود من جديد فتطل على المسلمين من خلال ما تبادله من خصوم الوهابية وأنصارها من سهام تكفير بعضهم بعضا وليس من مهمتنا أن نبين أي الفريقين هو المسؤول عن إيقاظ فتنة التكفير إلا بالقدر الذي نستظهر فيه الموقف الفكري لمحمد بن عبد الوهاب من هذه المسألة. وموقف محمد بن عبد الوهاب واضح مفصل في كتابه"التوحيد"الذي ألفه في مطلع حياته الفكرية لدى وجودة في البصرة، ويعتبر هذا الكتاب بحق مرآة فكرة وترجمان عقيدته واعتقاده وعلى هذا الكتاب توفر سائر اتباعه بالشرح والتعليق وفيه يقول حفيده عبد الرحمن بن حسن: فصنف في البصرة كتاب التوحيد الذي شهد له بفضل تصنيفه القريب والبعيد أخذه من الكتب التي في مدارس البصرة من كتب الحديث. (١) وأول ما يستدعي الباحث لدي مطالعة كتاب التوحيد أن مؤلفة يعالج قضايا التوحيد في ذاتها بحديث موضوعي يستهدف إضاءة جوانب هذه القضايا وضبط المعايير التي تحكم مفاهيمها وما هو أصيل فيها وما هو دخيل عليها. وليس في هذا التحديد الموضوعي أية محاولة للحكم علي شخص بعينه أو جماعة بذاتها الأكفار. ويسترعي انتباه الباحث كذلك أنه عالج قضايا التوحيد بإيراد النصوص الدالة على وجوب عبادة الله تعالى وحده ثم بيان مفهوم العبادة في الاعتقاد والسلوك وتحديد ما يعد من وجوه العبادة فلا يتوجه به إلا لله تعالى، وهو في كل ذلك لم يعد إيراد النص القرآني وما يجري مجراه من حديث رسول الله ﷺ وما يتصل به من فعل الصحابة الدال على فهم النص وتحديد مضمونه عملاً. ولا

стр. 189

تكاد تحس بأثر للمصنف إلا من حيث ما يدل عليه استصحابه للنصوص وربطة بينها من فقه لمعني التوحيد الخالص. ذلكم هو كتاب التوحيد عمدة كتب محمد بن عبد الوهاب، وعلى نسقه جاءت مصنفاته الأخرى: إبداء النص الشرعي واستخلاص الحكم من مدلوله اللغوي على ضوء فهم الصحابة له وعملهم به دون اتهام لجماعة معينة بالكفر. ولكن خصومه ومعارضيه لم يقفوا عند دائرة النصوص التي ساقها تحديدا لمعنى التوحيد وبيانا لحقوقه بل رأوا في إيراد الشيخ لهذه النصوص ما يحمل معني تكفير من يخالفها، وبدلا من أن يلتزموا دائرة البحث الموضوعي للوصول إلى وجه الحق في فهم هذه النصوص استبقوا إلى التشهير به ورمية بأنة يكفر المسلمين. وفي هذا الصدد يقول العاملى: "والحاصل أن حكم الوهابيين بكفر وشرك جميع المسلمين هو أساس مذهبهم ومحوره الذي يدور علية ولا يتحاشون منه وكتبهم مشحونة بالتصريح به تصريحاً لا يقبل التأويل". (١) وقد سبق العاملي إلى ذلك غيرة أمثال أحمد زيني (٢) وعلوي الحداد (٣) وأخيه سليمان بن عبد الوهاب. (٤) وجميل صدقي الزهاوي (٥) . وتقرأ النصوص التي أوردها الشيخ فتجدها ناطقة بأن مدار الإسلام على النطق بالشهادتين. فقد أورد حديث عبادة بن الصامت- ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. وإن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل"

стр. 190

"أخرجة البخاري ومسلم. كما أورد حديثهما "فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله". (١) الأمر الذي يقطع بأنه التزم في المسألة بدلالة النص واتبع السلف في عدم القول بإكفار من نطق بالشهادتين. وأكد ذلك بما أورده بقوله:"إن النبي ﷺ كان يعرف منافقين بأعيانهم ويقبل علانيتهم وبكل سرائرهم إلى الله". (٢) ولكن مجريات الأحداث بعد ذلك دفعت أنصار الشيخ وخصومه إلى تبادل الاتهام بإكفار بعضهم بعضا فهل كان ذلك يمثل من جانب الشيخ تحولا عن فكره الأول أم أن ذلك مجرد رد فعل للصراع الحربي الذي طال أمده فلجأ كل فريق إلى التشنيع على خصمه واستعمال سلاح التكفير في المعركة دون وزن للحجج والبراهين التي يثبت بها الكفر أو ينتفي. وحتى نعرف وجه الحق في هذا التساؤل يلزمنا أن ندرك المدى الحقيقي لرد الفعل المصاحب للحروب الوهابية التي خاضها اتباع محمد بن عبد الوهاب دفاعا عن أنفسهم واستبقاء على حريتهم في أرضهم وعقيدتهم، وهي حروب اتصلت في الداخل والخارج. يكفي أن نعرف أن إمارة الرياض التي كان رأسها دهام بن دواس ظلت تقاوم الدرعية هجوما ودفاعا قرابة ثلاثين سنة وذكر أن عدد القتلى بينهم في هذه المدة نحو من أربعة آلاف رجل من أهل الرياض ألفان وثلاثمائة ومن المسلمين ألف وسبعمائة (٣) فكيف بالحروب الأكبر والأخطر التي واحة فيها محمد بن عبد الوهاب واتباعه من بعده جيوش العراق تارة ومصر تارة؟ أخرى والتي أتصلت بعد موت محمد بن عبد الوهاب حتى تم تدمير الدرعية والقضاء علي الدولة السعودية الأولى على يد إبراهيم باشا الكبير عام ١٢٣٣هـ (٤) بعد أكثر من سبعين عاما من هجرة محمد بن عبد الوهاب إليها واتخاذها قاعدة لدعوته. في أتون الحرب الضروس تداعت ردود الأفعال وكان كل فريق

стр. 191

حريصا على النصر وعلى استخدام كل سلاح يؤدى به إليه. وللحق فقد بذل محمد بن عبد الوهاب جهدا واضحا للحد من آثار ردود الأفعال الناجمة عن الصراع على مفهوم القضايا والمسائل المتعلقة بالاعتقاد فسجل في رسائله إلى أمراء مكة المكرمة ما يدل على ذلك وأرسل من أتباعه من يناظر علماء مكة المكرمة وتفيض رسائله إلى أمراء مكة وعلمائها بتوقير أهل البيت وإجلالهم وإبداء الرغبة في النزول عند مقتضى الشرع من ذلك ما كتب به إلى شريف مكة عام١١٨٦هـ ردا على كتابه إليه".. المعروض لديك أدام الله فضل نعمه عليك حضرة الشريف أحمد.. أعزه الله فى الدارين وأعز به دين جده سيد الثقلين أن الكتاب لما وصل إلى الخادم وتأمل ما فيه من الكلام الحسن رفع يديه بالدعاء إلى الله بتأييد الشريف ... ولما طلبتم من ناحيتنا طالب علم امتثلنا الأمر وهو واصل اليكم ويحضر في مجلس الشريف أعزه الله تعالى هو وعلماء مكة فإن اجتمعوا فالحمد لله تعالى على ذلك وإن اختلفوا أحضر الشريف كتبهم وكتب الحنابلة والواجب على كل منا ومنهم أن يقتصد بعلمه وجه الله ونصر رسوله" (١) وقد جرت المناظرة بين عالم نجد وعلماء مكة حول ثلاث مسائل: ما نسب إلى اتباع محمد بن عبد الوهاب من التكفير بالعموم وهدم القباب التي على القبور وإنكار دعوة الصالحين للشفاعة "فذكر لهم الشيخ عبد العزيز "موفد محمد بن عبد الوهاب " أن نسبة التكفير الينا زور وبهتان علينا" (٢) . ولم يأل محمد بن عبد الوهاب جهدا في التزام الموضوعية لدى توضيح مسائل التوحيد التي يراها قاعدة للإيمان نافياً ما نسبه إليه خصومه من أنه يكفر بالعموم ويوجب الهجرة إلى جماعتهم على من قدر على إظهار دينه ثم أوضح أنه "لا يكفر أحدا من المسلمين بذنب ولا يخرجه عن دائرة الإسلام "٣ وإنما يبين حقيقة التوحيد بأقسامه وضده الشرك بأقسامه ويبين أنواع الكفر التي قد يقع فيها العباد ليحذروها حرصا على سلامة دينهم. والكفر يقع لدى إخلال العبد بحق الله على وجه الجحود له أو إخلاله

стр. 192

بحق الرسول ﷺ في لزوم اتباعه على وجه الاستهزاء والتكذيب. وحق الله: توحيده، ولا يكتمل التوحيد إلا باكتمال أوصافه وهي عند ابن عبد الوهاب أنواع، إذ يرى أن التوحيد ثلاثة أنواع: ١- توحيد الربوبية. ٢- توحيد الألوهية. ٣- توحيد الأسماء والصفات. وإنها كلها مندرجة في شهادة التوحيد وأن ضد هذا التوحيد الشرك بأقسامه: الشرك الأكبر والشرك الأصغر والشرك الخفي وأن الوقوع في شئ من هذا الشرك يخرج الواقع فيه من الإسلام (١) . وحق رسول الله ﷺ وجوب اتباعه فمن خالفه جاحدا برسالته أو مكذبا بها أو مستهزئا خرج من الإسلام ١هذان نوعان من أنواع الكفر التى حذر منها ابن عبد الوهاب وما نظن أحدا من ذوي العلم بالإسلام إلا حذر منها وعدا الواقع فيها كافرا. يضاف إلى هذين النوعين من أنواع الكفر أنواع أخرى ذكرها ابن عبد الوهاب نجملها فيما يلي: (١) من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله الذي أظهرناه للناس وأقر أيضاً أن هذه الاعتقادات في الحجر والشجر والبشر هي الشرك بالله ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد ولا تعلمه ولا دخل له فيه ولا مدح الشرك ولا يزينه للناس. (٢) من عرف التوحيد وأحبه وعرف الشرك وتركه ولكنه يكره من دخل في التوحيد ويحب من بقي على الشرك. (٣) من سلم من هذا كله ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة التوحيد واتباع

стр. 193

أهل الشرك وساعون في قتالهم ويتعذر أو يشق عليه ترك وطنه فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده ويجاهد بما له ونفسه فهذا أيضا كافرا (١) ونحن نلمس في هذه الأنواع الثلاثة من أنواع الكفر التي ذكرها ابن عبد الوهاب مدى تأثره برد فعل العداوة التي حوصر بها وأتباعه ومحاولته إخراج العديد من المسلمين الذين وقفوا على الحياد في هذا الصراع عن حيادهم ليحددوا مواقفهم مع الحركة الوهابية أو مع خصومها. ويبقى أن نقرر أنه رغم تأثر ابن عبد الوهاب بجو الصراع لدى تحديده أنواع الكفر فقد ظل في دائرة المنهج الموضوعي، إنه يحدد أنواعا للكفر ولا يرمي أناسا معينين به. نأتي بعد ذلك إلى تبيان وجهة النظر في هذه المسألة: وانطلاقا مما أسلفنا بيانه في مستهل هذا الفصل فإني أرى أن الإسلام منوط بشهادة: لا إله إلا الله. محمد رسول الله، فمن نطق بالشهادتين فقد أسلم، ولا يخرجه عن الإسلام معصية يرتكبها أو نية يستنبطها تخالف ما أعلنه. ذلك هو الإسلام الذي قبله رسول الله ﷺ من الناس وخلت الأيام بالسلف عليه. فالحديث: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإن قالوها فقد عصموا منى دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله. من ذلك يتبين أننا أمام أمور ثلاثة: الأول: الإسلام الذي يدخل به الإنسان في إطار الجماعة الإسلامية ويستحق به وصف المسلم وتثبت له به حقوق المسلم وتجب عليه واجباته. الثاني: الإسلام الذي يقبله الله من العبد ويكتب له به الجنة.

стр. 194

الثالث: حكم المسلم عند الإخلال بالحقوق المترتبة عليه بوصف أنة مسلم وهي حقوق: لا إله إلا الله المشار إليها في الحديث: إلا بحقها. الأول الإسلام الذي يدخل به العبد في الجماعة الإسلامية ويستحق به وصف المسلم. شهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله فمن نطقها بإرادة الدخول في الإسلام فهو مسلم. آمن قلبه أم لم يؤمن. دليل ذلك الإذن للأعراب بأن يقولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ١.إلى غير ذلك من الأدلة التي أشرنا إليها في مفتتح هذا الفصل. الثاني الإسلام الذي يقبله الله من العبد طريقا إلى الجنة: هو أن ينطق بالشهادتين مخلصا وهنا يجتمع القلب واللسان معا وعمل القلب مرجعة إلى الله وحده فليس كل من أسلم في عالم الناس كتب في عالم الغيب عند الله مسلماً. الثالث حقوق لا إله إلا الله محمد رسول الله وحكم الإخلال بها: متى أسلم المرء ترتبت عليه حقوق وواجبات سواء كان مخلصاً في إسلامه أو منافقا، فإن قصر في آداء هذه الحقوق أو تراخى عوقب على تقصيره وأجبر على الأداء، وكان عقابه إجباره بوصف أنه مسلم حتى لو وصل هذا العقاب إلى إهدار دمه في حد من الحدود الموجبة للقتل فهو يقتل بوصف أنة مسلم محدود ولا يخرجه عن القتل حداً عن الإسلام إلا أن يرتد بكفر صريح. ومتى كان ذلك كذلك فليست بنا حاجة إلى القول بكفر من أخل بحق

стр. 195

من حقوق لا إله إلا الله ما دام لا زال على إقراره بها مخلصا كان في إقراره أو منافقاً فهو مؤاخذ على إخلاله في الدنيا بما شرع الله من عقاب له يوصف أنه مسلم وحسابه على الله. ذلك جملة ما أراه في هذه المسألة التي كانت من أهم مسائل الخلاف بين محمد بن عبد الوهاب ومخالفيه ولا زالت إلى اليوم.

стр. 196

الفصل الثالث: الجهاد في سبيل الله كركن من أركان العقيدة لما كان الإسلام عقيدة وشريعة تهدف إلى إقامة المجتمع الإنساني علي أسس وقواعد تخالف ما تواضع الناس عليه. وكان هذا الخلاف جذريا وعميقا عميق المسافة بين وحي السماء المنزل من عند الله وشرائع البشر القائمة على المصالح الآنية المبنية على الغرائز والأهواء، فقد استقبلت المجتمعات الأرضية شريعة الإسلام بالحرب والتصدي لإطفاء نور الله من أول يوم، ولم يكد مجتمع مكة الجاهلي يلقي السمع إلى الذكر الحكيم المنزل على محمد ﷺ ويستوعب أبعاد المعاني المقدسة التي تحملها آياته حتى أيقن أن انتصار هذه الدعوة يعني تصحيح الأوضاع فيما يتعلق بصلة الناس بربهم وصلة الناس ببعضهم بما من شأنه تجريد الرؤساء من رياستهم ورفع هامة العبيد والمسترقين أمام ساداتهم ومساواة الكافة أمام الله رب العالمين. وسارع مجتمع الكفر يسد الطريق على مجتمع الإيمان بتعذيب الضعفاء من المؤمنين إلى حد الموت، ويمر رسول الله ﷺ على مشهد المعذبين من آل ياسر الذين قدموا أول شهيدة في الإسلام: سمية أم عمار، فيناديهم رسول الله ﷺ أن صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة. ولكن الصبر لم يكن أبداً موقفاً أبدياً في مسيرة الدعاة إلى الخير، بل هو موقف مرهون في ميزان الإسلام بعاملين: (١) اختبار معادن المؤمنين للتأكد من قدرتهم على حمل الأمانة: ﴿أَحَسِبَ

стр. 197

النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ١ (١) وصول مجتمع الإيمان إلى الحد الأدنى من العدد والعدة التي تتيح له أن يتصدى للدفاع عن عقيدته. وحالما تحقق للمجتمع الإسلامي الأول استيفاء هذين العاملين أذن من الله بالتصدي لأعدائه ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّه﴾ ٢وانطلاقاً من هذا الإذن الرباني كان الجهاد في سبيل الله. ومنزلة الجهاد في الإسلام لا تحتاج إلى مزيد بيان فقد لقي من عناية المجاهدين بالقول والعمل ما جعله في وضوح الشمس في رابعة النهار وحسبنا أن نتأمل حكم الجهاد المنصوص علية في سورة براءة ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣وقولة تعالى فى سورة النساء: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ .إلى قولة تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيما﴾ ٤ وقوله تعالى في سورة الحج: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ ٥. ولم ينكر أحد من المسلمين فضل الجهاد، وإنما وردت المفاضلة بين جهاد النفس وجهاد العدو أيهما أولى وأعظم درجة فذهب المتصوفة والزهاد إلى المغالاة في رفع مرتبة جهاد النفس دون أن يلقوا كبير وزن لجهاد العدو، حتى اقتحم التتار بغداد وهي تغص بالزوايا والأربطة والخلوات الملأى بمن شغلهم التذرع بجهاد النفس عن جهاد العدو فلم يغن عنهم جهادهم أمام سيوف التتار شيئا

стр. 198

وحصدهم الموت مع مئات الألوف غيرهم من المسلمين الذين فرطوا في الاستعداد لجهاد العدو ورد كيده. ومنذ سقوط بغداد في يد التتار سادت العالم الإسلامي روح القعود عن الجهاد والإعداد له باستثناء انتفاضة المماليك في مصر بقيادة قطز لرد عادية التتار إلى أن قامت الخلافة العثمانية وسجلت في أعمال المجاهدين فتح القسطنطينية. وقد ظهر محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية وهي على ما قدمنا في حينة متفانية في العدوان علي بعضها بعضا بتأثير ما سادها من روح قبلية أعادتها القهقرى إلى عصبية الجاهلية الأولى وما أن استطاع تكوين نواة مجتمع إسلامي يرتفع برابطة العقيدة فوق رابطة القبيلة حتى واجهنه القبائل بالحرب والإنكار، وكان علية أن يقول كلمته في مواجهته ذلك: أهو مجرد داع إلى الحق يواجه المعتدين على خده الأيمن بأن يدير لهم خده الأيسر؟ أم هو داع إلى الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ وعرفه بأن ذروة سنامه الجهاد في سبيل الله؟ ١ لم يتردد محمد بن عبد الوهاب في اختيار طريقه:"فأمر الشيخ بالجهاد لمن عادى أهل التوحيد وسبه وسب أهله"٢. كان بدء أمره بالجهاد عام١١٧٥ هـ وجماعته يعد في دور التكوين لم تكتمل لهم عدة خروب ولا فن قتال حتى أن" أول جيش غزا سبع ركايب، فلما ركبوها وأعجبت بهم النجايب في سيرها سقطوا من أكوارها"٣ ولئن دل هذا الإعجال إلى الجهاد في سبيل الله على شئ فهو يدل على صدق التوكل عليه تعالى، والثقة بنصره، ولا يدل على تواكل عن الأخذ بالأسباب إذ سرعان ما عملت الدولة السعودية الأولى بقيادة محمد بن عبد الوهاب وتوجيه على استكمال عدة الجهاد وما استطاعت إلى ذلك سبيلاً فاستطاعت أن تصمد أمام

стр. 199

غزو أهل العراق تارة وأهل مصر أخرى مع قلة مصادر القوة فى الجزيرة وقد كان الاعداد للجهاد والتقديم والتأخير بيده"فلا يركب جيش ولا يصدر رأي من محمد بن سعود ولا من ابنه عبد العزيز إلا عن قوله ورأيه".١ ومع الأمر العملي بالجهاد والحض عليه والإعداد له حرض محمد بن عبد الوهاب على تفقيه أتباه وتعريفهم الجهاد ومنزلته ومراتبه وما أعد الله من الأجر والثواب للمجاهدين الصادقين بحيث ترك لنا في هذا المجال زادا موفورا. فهو يقرر ما قرره علماء السلف من أن الجهاد فريضة ماضية إلى يوم القيامة فيقول:" وأرى أن الجهاد ماض مع كل إمام برا كان أو فاجرا.. والجهاد منذ بعث محمدا ﷺ إلى أن يقاتل هذه الأمة الدجال٢". وسنده في تقرير وجوب الجهاد ما ورد به أمر الله وما جرت به سنه رسوله ﷺ من اعتبار تمام الإيمان"وذلك أني لا أعرف شيئاً يتقرب به إلى الله أعظم من لزوم طريقة رسول الله ﷺ في حال الغربة. فإن انضاف إلى ذلك الجهاد عليها للكفار تمام الإيمان ومن أفضل الجهاد جهاد المنافقين في زمن الغربة٣ كما يصف موقفه من الجهاد بأنة يلتزم فيه النقل والعقل: "وما جئنا بشيء يخالف النقل وينكره العقل".٤ وهو يضع الجهاد في موضعه الصحيح أنه ليس مجرد كبح لأهواء النفس لمجرد المعاناة والحرمان، إنما هو إعداد لها لتقوى على مهام جهاد العدو ورد كيده. ويضع الهجرة كذلك في موضعها الصحيح _ إنها ليست مجرد انسحاب

стр. 200

من مكان إلى مكان ابتغاء السلامة وطلب الأمان، بل هي مقدمة للانحياز إلي مجتمع المؤمنين ليزداد هذا المجتمع بالمهاجرين قوة ومنعه وعزما على الجهاد إلا بالهجرة، ولا هجرة إلا بالإيمان. والراجون رحمة الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثة".١ ويستشهد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. ولا يرى صلاحا للحياة غلا بالجهاد فهو عنده:" سبب لبقاء الأنفس والأموال٣ "، كما أن تركه:" سبب لعذاب الأنفس وذهاب الأموال". وقد كانت دعوة محمد بن عبد الوهاب إلى إحياء الجهاد في سبيل الله باعتباره ركنا من أركان العقيدة، وامتثال أنصاره لهذه الدعوة مدعاة لنعتها من قبل خصومها:٤بأنها سعت إلى تحقيق أغراضها بعنف واعتمدت على القوة العسكرية وحدها "٥.وهي ذات الدعوى التي أرجفت به أعداد للإسلام قديما وحديثا وبالغ في الارجاف بها المستشرقون ومن دار في فلكهم اتهاما للإسلام بأنه اعتمد في انتشاره على السيف، وانتهزوا فرصة الحروب الوهابية ليعودوا إلى مقولتهم زاعمين أن حركة محمد بن عبد الوهاب:" دفعت بالأمة العربية المفطورة على الحرب إلى خوض غمار القتال"٦. والحق الذي يشهد التاريخ له وتنطق به النصوص أن الإسلام جاء يخاطب العقول والإفهام بالحجة والدليل والبرهان. وإن خصومه لما افتقدوا إلى المنطق القادر على مواجهة منطق الإسلام وحججه لجأوا إلى إيذاء المسلمين وفتنتهم عن دينهم وأمر الله عبادة المسلمين أن يتصدوا لدفع العدوان ﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ

стр. 201

وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ١ أي حتى يمتنع على المعاندين فتنة الراغبين في الدخول في دين الله، وحتى يصبح الطريق مفتوحاً ليختار الإنسان العقيدة التي يرضاها بدون إجبار ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ٢. ولم تخرج الدعوة الوهابية عن هذا المنهج قيد شعرة فلم يكن جهاد محمد بن عبد الوهاب واتباعه إلا لرد عادية المعتدين عليهم الراغبين في فتنتهم عن دينهم وفي ذلك يقول: وأما القتال فلم نقاتل أحداً إلا دون النفس والحرمة فإنا تقاتل على سبيل المقابلة"٣ويستشهد بقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٤. ويتفرع عن وجوب جهاد العدو وجوب معرفته فإن معرفة العدو هي المقدمة الصحيحة لكمال التصدي له وعدم الوقوع في شركه. وفي سبيل توفير هذه المعرفة أفاض الشيخ في تبيان معالم أهل الحق الذين تجب مقاومتهم والحذر منهم وعدم موالاتهم مهما كانت قوتهم وضعف المسلمين، ويؤكد على صدق الإيمان مرهون بعداوة أهل الباطل فيقول: " إن الإنسان لا يستقيم له دين ولا إسلام ولو وحد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء "٥ويستشهد بالآية الكريمة: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ﴾ ٦. ولعله مما يؤكد صدق التزام أبن عبد الوهاب بإقامة فريضة الجهاد كما أرادها الله دفعا لعدوان المعتدين وتحريراً لإرادة الإنسان من سلطان الطواغيت.

стр. 202

أن أحدا من هدمة على كثرتهم لم ينسب إليه أن اغتنم هذا الجهاد غنائم لنفسه وولده، ولم يبتغ به علوا في الأرض ولا فساد بدليل أن من كان يأتيه من خصومه مؤمنا بالله ورسوله بعد شدة العداوة له لم يكد يجد منه إلا الصفح والعفو" ولم يكن أحب إليه من أن يأتيه أحدهم المعذرة فيبادره المغفرة ولم يعامل أحدا بالإساءة بعد أن غلب وظهر "١ ولو أن خصومة كما يقول ابن غنام "لو مكنهم الله منه لقطعوا أوصاله وأوقعوا به أقبح المثلة والنكال"٢ ومسلك ابن عبد الوهاب حيال خصومة على هذا النحو هو التطبيق السليم لمضمون الجهاد في الإسلام فالمجاهد في سبيل الله يمتلئ عداوة للكافرين وغلظة عملا بقوله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ ٣ولكن مع هذا العداء والغلظة جندي عقيدة لا يحارب لمغنم أو جاه فحالما يلتقى معه عدوة في رحاب العقيدة يلبس له لباس الود الصادق والمؤاخاة الكاملة ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ٤وبهذا يتفرد الجهاد في سبيل الله عن الصراع المادي المرير الذي تقود إليه الأطماع والرغبة في امتلاك أوطان الغير واستعمارها فالمستعمرون يستولون على الأرض لاسترقاق أصحابها والمجاهدون يفتحون البلاد لخير العباد وهاهي آثار الاستعمار الصليبي في جنوب أفريقيا وروديسيا فرغم أن أهل البلاد الأصليين اعتنق غالبهم المسيحية فإن المستعمرين يعاملونهم بأبشع ألوان التفرقة العنصرية. وصفوة القول أن محمد بن عبد الوهاب أحيا قاعدة الإسلام المثلى في إقامة المجتمع الإنساني على العقيدة ن وحقق في مجتمعه مفهوم الأخوة الإيمانية وواجه بهذا المجتمع المسلم على قلة أسبابه عدوان المعتدين بعقيدة الجهاد في سبيل الله فأثبت أنها عقيدة في الإسلام وركن من أركانه وأنها

стр. 203

فريضة ماضية إلى يوم القيامة. وإن أساس الجهاد دفع الفتنة عن المسلم حتى يكون الدين لله. وإن الجهاد في سبيله يلتزم معرفة العدو لإمكان مجاهدته والصبر على قتاله، وأن عداوة أهل الحق لأهل الباطل لا يبتغون بها جلب منافع لأشخاصهم أو الاستعلاء في الأرض بل تيسير طريق الهداية للضالين فإن اهتدوا أصبحوا إخوانا في الدين لجماعة المؤمنين لهم مالهم وعليهم ما عليهم فليس جهاد المسلم للعلو والفساد في الأرض بل للأغراض التي حددها الله تعالى لعبادة: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ ١

стр. 204

الباب السادس: آثاره في الفكر والسياسة مدخل ... الباب السادس: آثارهُ في الفكر والسياسة الفصل الأول: أثره في الفكر الإسلامي الفصل الثاني: أثرة في السياسة

стр. 205

الباب الثالث: آثاره في الفكر والسياسة استبان لنا من دراسة فكر محمد بن عبد الوهاب ومنهجه، من القضايا التي أثارها واحتدم الجدل حولها بين خصومه وأنصاره أنه واحد من القلائل الذين جددوا الفكر الإسلامي وأضافوا برهانا جديدا على ثراء هذا الفكر وقدرته على العطاء المستمر المتجدد. وبمنطق أنصاره وخصومه على السواء يعترف له بالأثر العظيم الذي تركه في الفكر الإسلامي، إيجابيا كان هذا الأثر في تقدير أنصاره أو سلبياً في حسبان خصومة. ومتى كان هذا الأثر ملحوظاً من حيث المبدأ فمن واجبنا أن نعرض له لنسبر غوره ونستطلع قدر الإمكان مداه. ولما كانت دعوة محمد بن عبد الوهاب تقوم علي الإسلام بوصفة عقيدة شاملة تنظم الدين والدنيا، فقد استوعبت هذه الدعوة أصول الدين في نفس الوقت الذي اهتمت فيه بشؤون السياسة، ب‘تبار الدين والسياسة معا من صميم موضوعات الإسلام، إذ أن السياسة في ميزاته: مسؤولية الراعي عن رعيته وطاعة الرعية للراعي. وقد شرع الإسلام لضبط هذه المسؤولية وتحديدها وترشيد هذه الطاعة وبيان أساسها ما يعد منهجا فريدا حجته غاشية الجهل والاستبداد في القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي) .وكان لابن عبد الوهاب فضل إزاحة ستار النسيان عن هذا المنهج ووضعه مره أخرى موضع التطبيق. ولهذا كان علينا أن نعرض لأثره في الفكر ثم لأثره في السياسة التي لم تكن إلا ترجماناً لهذا الفكر.

стр. 206

الفصل الأول: أثره في الفكر الإسلامي أول ما يطالعنا من أثر لابن عبد الوهاب في الفكر الإسلامي أنه: جدد المعنى الشمولي للإسلام باعتباره عقيدة تعالج سائر جوانب علاقة الإنسان بالله تعالى ثم بالكون والحياة. هذه العلاقة التي تدور حول محور أساسي هو: توحيد الله تعالى في ربوبيته والهيته، وهو التوحيد الذي يستلزم طاعة الله بالتزام آمرة واجتناب نهيه، إن المدار في معرفة الأمر والنهي علي تبليغ الرسول المعصوم ﷺ عن ربه، وإنه ما من أمر يتوقف عليه صلاح حال المسلم في علاقته بربه ثم بالناس إلا ودل الرسول عليه، أن من أحدث في هذا الأمر ما ليس عليه رسول الله ﷺ فهو رد. وبهذا المعني الشمولي تتميز دعوة محمد بن عبد الوهاب عن كل دعوة اجترأت جانبا من جوانب الإسلام واكتفت به عن غيره سواء كان هذا الجانب متعلقا بصلاح النفس البشرية وكبح أهوائها وشهواتها مما كان مجالاً لاهتمام العباد والزهاد والمتصوفين، أم كان متعلقاً بحماية أرض الإسلام ومقدسا ته مما كان مجالا لاهتمام بعض العلماء أيام الحروب الصليبية والتترية وحتى الغزو الاستعماري الحديث. ويتجلى هذا الأثر الشمولي لدعوة محمد بن عبد الوهاب في ضراوة المعارك التي ووجهت بها من خصومها، فقد تعدد هؤلاء الخصوم بتعدد أغراض الدعوة التي شملت مساحة الفكر الإسلامي كله خصوصاً وقد جاءت هذه الدعوة في

стр. 207

فترة بلغ فيها المسلمين أقصى مداه حتى أصبحوا بين عوامل البدع والخرافات التي تخرب جبهتهم الداخلية، وعوامل الغزو الاستعماري المتربص." فواجهت الحركة الوهابية ثقل الكفاح على مقاومة الضعف الداخلي، وهو ضعف يستند علي تعاليم الباطنية وانحراف فريق من المتصوفة، ومع ذلك لم تغفل هذه الحركة مقاومة الهجوم الخارجي الذي بدت طلائعه في ضعف الخلافة العثمانية تحت الضغط السياسي الروسي القيصري المسيحي والإنجليزي والأوربي بوجه عام"١ وإذ قامت دعوة محمد بن عبد الوهاب على أساس طبيعة الإسلام الشمولية، والتي تخاطب الإنسان إلى آخر الزمان فقد عملت الدعوة علي تجديد الفكر الإسلامي ليكون وافيا لوصف الشمول الممتد إلى يوم القيامة. ومن هنا أحيت سنة الاجتهاد ودافعت عن مشروعيته واستمراره ولزومه، ونددت بالجمود والتقليد، وحث العلماء علي الالتزام برسالتهم برد ما اختلفوا فيه إلى الله ورسوله، وأنه لا قول لقائل مع وجود النص القطعي في حجيته ودلالته، فإذا لم يكن ثمة نص قطعي على هذا النحو فلاجتهاد واجب في كل مسألة مختلف فيها وليس لعالم معين أن يقيد العقول والأفهام في المسائل الخلافية، وعلى هذا فليس لمذهب في ذاته قداسة تمنع الناس من تجاوزه والأخذ بغير ما ورد به. ومن هذه الزاوية كان لدعوته أثرها الفذ في تحرير العقول من أسر التقليد، وفي وضع المذاهب الفكرية في حجمها الإنساني باعتبارها فكرا بشريا يخطئ ويصيب وأن كل مذهب علي حدة لا يمكن أن يدعي احتكار الحقيقة، بل ولا أي عدد من المذاهب يسمو في اتفاق علي رأي إلى مرتبة الإجماع بما في ذلك المذاهب الأربعة عند أهل السنة فالإجماع لا يكون كذلك إلا بإجماع سائر علماء الأمة"فكل مستوف لأدوات الاجتهاد له الحق في أن يجتهد بل عليه أن يفعل ذلك " ٢. ما لم يكن هناك نص قطعي أو إجماع من سائر علماء الأمة.

стр. 208

ولا نستطيع أن ندرك عظم هذا الأثر إلا إذا استحضرنا في أذهاننا إلي أي حد شهدت القرون المتأخرة تحكم المذاهب في اتباعها واستسلام العقول لمقررات المذاهب باعتبارها فوق البحث والمناقشة" حتى فشت فاشية التعصب المذهبي فوجدنا من يقولون بوجوب تقليد إمام من الأئمة فإذا ما قلده وجب عليه ألا يتحول عن أحكام مذهبة لا في كثير ولا في قليل١ ".وهو ما عرضنا له في الباب الثاني. ولعله مما يستلفت الانتباه أنه ما من عالم أو مفكر من علماء الإسلام في القرن الثامن عشر ميلادي وما سبقه رضي للنفسه أو رضي له محبوه أن يذكر مجردا من انتمائه المذهبي. فيقال: فلان.. المالكي أو الشافعي أو الحنبلي. ودلالة ذلك واضحة: أنها تدل على قداسة المذاهب حتى غدا دينا يتسمى به أتباعه..حتى جاء محمد بن عبد الوهاب فجرد المذاهب من هذه القداسة المدعاة لها، ومنذ ظهرت دعوته بدء علماء يحررون أسمائهم ونسبتهم من ذكر المذاهب، فأصبح الباحث يجد بين يديه الكثير من المفكرين الذين لا يعتبرون هذا الانتساب مما يتعين إظهاره والتعريف به. ثم بدأ العلماء يحررون أفكارهم من التقيد بمذهب واحد "٢.

стр. 209

وعرفانا بهذا الأثر الملحوظ لمحمد بن عبد الوهاب في تحرير العقول من أغلال التقليد وصف بأنه من زعماء الإصلاح١.وبأنه من المجددين في الإسلام ٢. بل يرى كثير من الباحثين أن دعوته هي البداية غلي يقظة العالم حديثا٣. وأنها بتقريرها وجوب الرجوع إلى مذهب السلف تقريرها مبدأ الاجتهاد حققت نهضة أخلاقية شاملة ووثبة روحية جريئة ودعوة إلى الحق والإصلاح"أيقظت العقول الراقدة وحركت المشاعر الخامدة ودعت إلى إعادة النظر في الدين لتصفية العقيدة وتحرير الإيمان وتطهير العقول من الخرافات والأوهام٤ مما كان له أثره في إشعال جذوة الفكر "فتبدت تباشير صبح الإصلاح ثم بدأت اليقظة الكبرى في عالم الإسلام٥. وشأن كل فكر رائد في الإصلاح لا يدرك أثره الحسن إلا بعد حين، فقد كان رد الفعل العاجل والتلقائي لدى بعض العلماء الذين استهولوا فتح باب الاجهاد أن اتهموا محمد بن عبد الوهاب بأنه يحدث في الدين مذهبا خامساً غير المذاهب الأربعة، ومجرد اتهام الشيخ بأنه أحدث مذهبا خامسا مبتدعا دليل على مدى ما لدعوته من أثر في تحريك العقول فراح البعض يقابلها بالإنكار

стр. 210

وغيرهم يقابلها بالاستحسان _ وكل يعمل على شاكلته _ وكانت المحصلة النهائية لمعارضة الدعوة الوهابية إثراء الفكر بالعديد من الكتب فتحركت العقول الجامدة للرد والجدل ورجعوا إلى أمهات الكتب للبحث عن الأدلة والحجج ومن بين هذه المؤلفات التي ألفها خصوم دعوة محمد بن عبد الوهاب نذكر علي سبيل المثال: كتاب: إظهار العقوق فر الرد على من منع التوسل إلى الله بالنبي والولي الصدوق تأليف أبي عبد الله سيدي محمد بن مصطفى الحسني. وبهامشه رسالة لمحمد الطيب في الرد علي بعض المبتدعة من الطائفة الوهابية وهي من أقدم ما كتب في هذا الصدد وكتاب: الصواعق الإلهية في الرد علي الوهابية لسليمان بن عبد الوهاب١.وهناك عشرات من الكتب غير ذلك تم تأليفها في هذا الصدد وهي إن دلت على شئ فإنها تدل على ظاهرة صحية: هي البحث والجد والتنقيب مما يحرك العقول والإفهام. غير أن معارضي دعوة بن عبد الوهاب عجزوا عن التصدي لتأثيرها المتزايد عبر الزمان والمكان، فلئن كانت دعوه سلفية سابقة هي دعوه بن تيميه قد أرهقتها المعارضة التي واجهتها" فلم يحرز بن تيميه نجاحا حتى مات في السجن عام ١٣٢٨مـ ٢فإن دعوة بن عبد الوهاب قد تفوقت على عوامل القهر والتصدي رغم كثرتها فتتابع تأثيرها في كل حركة فكرية إسلامية تلتها إذ "أن كل حركات الإصلاح التي ظهرت في الشرق في القرن التاسع عشر كانت مدينة للدعوة الوهابية ٣. وإذا كانت الدعوة الوهابية بإحيائها سنة الاجتهاد وتقريرها عدم التقيد إلا بالكتاب والسنة قد أرست أمتن الأسس لمنهج فكري متحرر من الخرافة والتقليد فإنها بإحيائها سنة الجهاد وقد وفرت لهذا المنهج عوامل الحركة والانتشار

стр. 211

بحيث يمكننا القول أن الدعوة الوهابية حققت تأثيرا بتأكيدها على هاتين الدعامتين: الاجتهاد طريقا لتحرير العقول من الأوهام، الجهاد طريقا لتذليل كل عقبة تواجه الحركة. وقد رأينا لدى معالجة موضوعات الباب الخامس أن الجهاد في مفهوم دعوة محمد بن عبد الوهاب وتطبيقه كان طريقا متعينا لدفع العدوان ولم يكن ذريعة للاعتداء على الآخرين. ورغم ذلك فقد كان لأخذه بسنة الجهاد أثرة في إثارة حنق الكثيرين عليه واتهام دعوته:" بأنها سعت إلى تحقيق أغراضها واعتمدت على القوة العسكرية وحدها "١وحاول البعض أن يلتمس العذر للدعوة الوهابية في العنف الذي نسبوه إليها بقولهم"كان الجو الذي نبتت فيه الدعوة محكوما بتيارات العصبية التي كانت تسود بلاد نجد بصفة خاصة والجزيرة العربية بصفة عامة.٢ والحق أن هذا التعليل إن ساغ سوقه تبريرا للحروب التي خاضها اتباع محمد بن عبد الوهاب داخل نجد في مواجهة القبائل المحيطة بالدرعية فهو تعليل غير سائغ في شأن الحروب التي شنها السلطان العثماني على الدعوة على يد والي بغداد تارة وعلى والي مصر تارة أخرى إذ لم يكن الوهابيون حيال هذه الحروب إلا مدافعين عن وجودهم وحرية اعتقادهم ومهما يكن من أمر فإن إحياء الدعوة الوهابية لسنة الجهاد والانتقاد الذي ووجهت به في شأن حروبها وغزواتها قد أتاح للفكر الإسلامي أن يواجه قضية طال تناسيها وهي قضية الجهاد من حيث مشروعيته ولزومه واستمراره والأساس الذي يقوم عليه. وقد كان العالم الإسلامي في أمس الحاجة إلي استرجاع روح الجهاد والاستشهاد في مواجهة الغزو الصليبي الذي أحاط به من كل جانب. ولذلك كان اهتمام المجاهدين والمناضلين الذين قادوا مقاومة العالم الإسلامي للغزو الأوربي بالحركة الوهابية اهتماما عظيما وكان تأثيرها عليهم ملحوظا مما دعا بعض الباحثين ممن اهتموا بدراسة صورة مقاومة العالم الإسلامي للاستعمار الغربي إلي ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحركته باعتبارها أصلا جذريا للفكر الإسلامي الذي قاوم الاستعمار الغربي وتعددت صوره وحلقاته.

стр. 212

مهما بدا في هذه الصور من اختلاف في الجزئيات.١ ولم يكن متصورا أن تقوم في الجزيرة العربية حركة إسلامية لها من العمق والشمول ما لحركة محمد بن عبد الوهاب، ثم تبقى قاصرة عن التأثير العميق في الفكر الإسلامي منهجا وحركة على امتداد العالم الإسلامي مع ما هو مسلم به من الكافة من أنه " ليس من دين في الدنيا جامع لأبنائه بعضهم مع بعض موحد لشعورهم دافع بهم نحو الجامعة العامة والاستمساك بعروتها كدين الإسلام فضلا عن أن الجزيرة العربية مهبط الوحي ومهبط أفئدة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وإليها تسعي وفود الحجيج من كل فج لحج بيت الله الحرام أحد أركان الإسلام الخمسة وثاني قاعدتين أساسيتين تقوم عليهما الوحدة الإسلامية إذ أن الوحدة الإسلامية قائمة علي ركنين هما أساساها ولا ثالث لهما: الحج إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة والخلافة "٢. فإذا علمنا أن الدولة السعودية الأولى القائمة علي أساس دعوة محمد بن عبد الوهاب قد تمكنت من بسط سيطرتها على الحجاز منذ شهر المحرم من عام ١٢١٨هـ بدخول سعود بن العزيز بن محمد بن سعود إلى مكة المكرمة حيث عمل على نشر العقيدة الصحيحة وتنقية الأماكن المقدسة من كل مظاهر الشرك وجمع المسلمين على إمام واحد في الصلاة حول الكعبة المشرفة٣ وقد ظلت الأماكن المقدسة في يد أنصار الدعوة الوهابية بعد ذلك _خلال مدة وجيزة _ ظهر فيها على هذه الأماكن محمد على باشا الكبير مما يؤكد أن مواسم الحج كانت ميدانا لنشر الدعوة الوهابية وشرح مبادئها لوفود الحجاج القادمين من كل بلاد العالم الإسلامي، ومن ثم عودتهم إلى بلادهم متأثرين بهذه الدعوة على نحو أو أخر، الأمر الذي وسع نطاق الدعوة حتى بلغت دور النهضة الإسلامية

стр. 213

الشاملة١. والممتدة بآثارها عبر المكان وعلى امتداد الزمان. أما امتدادها عبر المكان فقد ذكر أكثر من باحث أن الزعيم الهندي المسلم السيد أحمد الذي قاد كفاح مسلمي البنجاب ضد الغزو الاستعماري الإنجليزي كان يحمل بين جنبيه عقيدة محمد بن عبد الوهاب حتى وصفة بعضهم قائلاً " فقام في شمال الهند الزعيم الوهابي المسلم السيد أحمد مستفزاً مسلمي البنجاب وأنشأ دولة وهابية٢وهذه الحركة الإسلامية بين مسلمي الهند وصفت بقوة أثرها وجزيل نفعها، وقد دونت أخبارها في سفر وضعة، مولوي إسماعيل الدهلوي الذي كان صديقا وفيا للسيد أحمد وعنوانه " تنويه الإيمان"وفيه يكافح المؤلف في همة وغيرة كل صفوف الشرك ويهب بالمسلمين أن يعتصموا بالتوحيد الصحيح. كما أن أثر الدعوة الوهابية في آسيا لم يقتصر على القارة الهندية بل تجاوزها إلى جاوا وأقصى جزر الهند الشرقية التي عرفت بإندونيسيا فقد عاد بعض حجاج هذه البلاد إلى أوطانهم يحملون تأثيرا عميقا بالحركة الوهابية ومنذ عودتهم إلى وطنهم في سو مطره عام ١٨٠٣م بدأوا في نشر الإسلام بين مواطنيهم "ثم أخذوا في التشدد في التوحيد الذي تقول به الطائفة الوهابية"٣ وكانت لهم مواقفهم الثابتة فى مواقفهم الثابتة في جهاد الاستعمار الهولندي. وفي أفريقيا كان للدعوة الوهابية أثر كبير في نشاط الحركات الإسلامية. فحركة السنوسي شمال أفريقية اتسم صاحبها بالميل " إلى بعض المبادئ الوهابية "٤ أما أعماق القارة الأفريقية فقد قاد الداعية المجاهد

стр. 214

المسلم عثمان دنفديو حركة إسلامية حاربت البدع والخرافات ووحدت سائر القبائل في مساحات شاسعة من أواسط القارة واستطاع بالأفكار التي تلقاها من الفكر الوهابي لدي حجة بمكة المكرمة أن يغير وجه الحياة لشعبه ولمن دخل الإسلام من الوثنين فكانوا مثلا رائعا في حسن الخلق والمعاملة الطيبة وتوارث خلف"عثمان دنفديو" الدعوى الإسلامية حتى انتهي الأمر إلى الرئيس أحمد وبلو"١ كما أن حركة الزعيم السوداني محمد أحمد المهدي لم تخل من تأثر بالحركة الوهابية. ومهما قيل عن الطابع الاستقلالي لهذه الحركة وغيرها، مما قد يفسر بأنها تعود في نشأتها إلى الظروف المحيطة بكل حركة، إلا أن قرب عهدها وتعاصرها مع انتصار الحركة الوهابية٢وذيوع أمرها يرجح تأثر هذه الحركات بدعوة محمد بن عبد الوهاب، خصوصا إذا علمنا بأن كافة الحركات الإسلامية التي أشرنا إليها اعتنقت فكرة الجهاد سبيلاً في مواجهة الاستعمار الذي يهددها من الخارج والاستبداد السياسي الذي يهددها من الداخل وكان الجهاد على ما قدمنا أحد ركيزتين أساسيتين قامت عليهما الدعوة الوهابية، والركيزة الثانية هي الاجتهاد. والحق أن حركات الإصلاح اللاحقة لحركة محمد بن عبد الوهاب لم تكن تتجاوز في أصولها الاعتماد على أي من هاتين الركيزتين فبينما اعتمد الزعيم جمال الدين الأفغاني على إثارة وعي المسلمين لجهاد الاستعمار، فقد جنح الإمام محمد عبده إلى تجديد الفكر وتطوير الأزهر وفتح باب الاجتهاد أمام علمائه، وكان للحركة الوهابية فضل الجمع بين الاجتهاد والجهاد مما يؤكد تأثر جميع الحركات الإصلاحية بها على نحو أو أخر. ومما مكن لدعوة محمد بن عبد الوهاب من التأثير في عالم الفكر الإسلامي اهتمام الشيخ حال حياته بتثقيف وتخريج أكبر عدد من التلاميذ الذين يعتنقون فكره ومنهجه علما وعملا، وقد أثمرت جهوده فى هذا المجال، فتخرج على يديه جيل نشط من العلماء العاملين عنت بذكرهم وإيراد سيرهم

стр. 215

مختلف المصنفات التي عرضت للدعوة ومؤسساتها على نحو مفصل، فأوضحت أن محمد بن عبد الوهاب" أخذ عنه عدة من العلماء الأجلاء من بنيه وبني بنيه وغيرهم من قضاة النواحي ومن علماء الأقطار"١ وقد عاش هذا الجيل من علماء مدرسة محمد بن عبد الوهاب وفيا لفكر صاحب الدعوة ومنهجه في مختلف المجالات. عاش جيل العلماء من تلامذته وفيا لتوحيد الخالص الذي دعا الشيخ إليه وجعله عماد دعوته فصنف هؤلاء التلاميذ من بعده عديد المصنفات والرسائل في فضل التوحيد ووجوبه ونفي الشرك بشتى مظاهره العلنية والخفية، نذكر من ذلك الرسالة القيمة التي كتبها عبد الله بن عبد الوهاب٢يشرح فيها عقيدة التوحيد لدى دخوله مكه المكرمة مع الإمام سعود بن عبد العزيز في شهر المحرم عام ١٢١٨هـ ٣
следующие страницы →