قال ابن قدامة: "لا أعلم فيه خلاف.." وروي عن أحمد قال: إن فعلن فلا بأس، وإن لم يفعلن فجائز١.
١- عدم الزيادة أو النقص عما ورد به النص، لأن الأذان عبادة، ومدار العبادات على اتباع، لما روي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ٢.
٢- رفع الصوت بالنداء، وإن كان منفردا في صحراء، لقول النبي ﷺ : "فليؤذن لكم أحدكم" ٣، وقوله "لكم" يشير إلى رفع الصوت ليسمع الآخرين، فمن خفت صوته كان آذانه لنفسه فقط، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي صعصعة الأنصاري ثم المازني عن أبيه، أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري ﵁ قال له: "إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء شهد له يوم القيامة"، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم٤.
٣- أن يؤتى بوجه لا يتغير به المعنى.
ويستحب للمؤذن أن يبتغي بآذانه وجه الله وأن يكون طاهرا من الحدثين، وأن يؤذن قائما مستقبل القبلة، وأن يلتفت يمينا في (حي على الصلاة) ، وشمالا في (حي على الفلاح) وأن يدخل إصبعيه في أذنيه
стр. 107
لفعل بلال ﵁.
عن معاوية ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة" ١، وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا.." ٢.
ويسن أن يردد من يسمع الأذان فيقول مثل ما يقول المؤذن، لما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن" ٣، إلا في الحيعلتين فيقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، لما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "..ثم قال: حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله" ٤.
ويسن للمؤذن ولمن سمع الأذان وأجاب المؤذن، أن يصلي على النبي ﷺ بعده ثم يسأل الله له الوسيلة، لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة" ٥.
стр. 108
وعن جابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة" ١.
стр. 109
٤- استقبال القبلة:
معنى القبلة لغة وشرعا:
والقبلة لغة: الجهة، وكل ما يستقبل من الشيء.
وشرعا: يراد بها البيت الحرام، الكعبة.
حكم استقبال القبلة:
واستقبال البيت الحرام عند الصلاة واجب، لقول الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ١ فاستقبال القبلة شرط لصحة الصلاة، لقول الرسول ﷺ للمسيء صلاته: "..إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر ... " ٢.
وعن البراء بن عازب ﵁ قال: "صلينا مع رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، ثم صرفنا نحو الكعبة"٣.
وقد جاءت بعض الآثار أن رسول الله ﷺ كان يصلي بمكة قبل الهجرة بين الركنين، والكعبة بين يديه، ووجهه إلى بيت المقدس.
ومن تمكن من رؤية الكعبة، وجب عليه استقبال عينها، فإن حال
стр. 110
بينه وبينها حائل استقبل جهتها، وتحرى لذلك قدر الإمكان، لقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٢، وعن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم.." ٣.
وقال أهل العلم: لا يضر الانحراف اليسير، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة" ٤، قاله لأهل المدينة لأن قبلتهم جنوب.
بم تعرف القبلة؟
وتعرف القبلة بالمحاريب في المساجد، أوببيت الإبرة (البوصلة) ، فإن خفيت لغيم أو ظلمة سأل من يدله عليها، فإن عدم اجتهد وصلى إلى جهة اجتهاده، وصلاته صحيحة ولا إعادة عليه، حتى لو ظهر له خطؤه بعد فراغه من صلاته، فإن تبين خطؤه في جهة القبلة أثناء الصلاة، توجه إلى القبلة ولا يقطع صلاته، والدليل على ذلك ما رواه ابن عمر ﵄، قال: "بينما الناس في صلاة الصبح بقباء، إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة"٥، والشاهد في هذا الحديث أنهم لم يقطعوا صلاتهم عندما تغيرت القبلة واستداروا إلى الكعبة.
فإن اختلف في جهة القبلة، صلى كل منهم إلى ما يعتقد، والجاهل
стр. 111
بعلامتها يتبع العارف.
متى يسقط استقبال القبلة؟
ويسقط استقبال القبلة في المواضع التالية:
١- عند العجز عنه، كالأعمى الذي لا يجد من يوجهه، والمريض الذي ليس عنده من يوجهه، والمأسور المقيد إلى جهة غير القبلة، وقبلتهم هي الجهة التي يقدرون على استقبالها، لقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ١، ولقول النبي ﷺ : ".. فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ... " ٢.
٢- عند الخوف من آدمي أو غيره على النفس أو المال، فيستقبل الخائف الجهة التي يقدر على استقبالها، لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ ٣، ورجالا: أي مشاة على أرجلكم، وذلك قد لا يكون جهة القبلة، قال ابن عمر ﵄: مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها، قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله ابن عمر ﵄، ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ "٤.
٣- صلاة النفل للمسافر، لما ثبت في صحيح مسلم، عن ابن عمر ﵄، "أن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته حيث توجهت به" ٥.
стр. 112
وورد من حديث أنس "أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة، فكبر، ثم صلى حيث وجهه ركابه"١.
يتنفل الراكب على دابته، ويستحب له أن يتجه إلى القبلة عند تكبيرة الإحرام، ويومئ بالركوع والسجود، وتكون إيماءة السجود أخفض من الركوع، ويصلي حيث اتجه به ركابه.
ولا بد أن يستشعر المصلي وهو يتوجه إلى القبلة، أنه يعبد الله بهذا التوجه، لأنه ينفذ أمره، قال الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ٢، وعليه أن يتوجه بقلبه في صلاته إلى خالقه.
وما أجمل الشعور بالوحدة التي تجمع المسلمين في صلاتهم، يعبدون ربا واحدا، ويتجهون قبلة واحدة، يضمهم وحدة الدين عقيدة وسلوكا، إنه شعور يملأ النفس عزة وأمنا، قوة ويقينا وثباتا.
стр. 113
٥- حلول الوقت للفريضة:
ومن مقدمات الصلاة، دخول الوقت، فلا صلاة قبله، لأن الصلاة لها أوقات محدودة لابد أن تؤدى فيها، وتتعين قبل خروجه، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ ١.
وقد بين الإسلام عدد الصلوات المفروضة في اليوم والليلة، قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ ٢، و (دلوك الشمس) زوالها عن كبد السماء، وهو بداية وقت الظهر، (إلى غسق الليل) وهو بداية ظلمة الليل، ويدخل فيه العصر والمغرب والعشاء، (وقرآن الفجر) أي وأقم صلاة الفجر، وفي هذه الآية إشارة مجملة إلى الأوقات.
وعن أنس ﵁ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، كم افترض الله على عباده من صلوات؟ قال: "افترض الله على عباده صلوات خمسا" قال يارسول الله هل قبلهن أو بعدهن شيئاً قال: "افترض الله على عباده صلوات خمساً" فحلف الرجل لا يزيد عليه شيئا، ولا ينقص منه شيئا، قال رسول الله ﷺ : "إن صدق ليدخلن الجنة" ٣.
والوقت أهم شروط الصلاة، وأحقها بالمراعاة، وإن ترتب على
стр. 114
ذلك فوات غيره من الشروط، كأن يتيمم خشية خروج الوقت، أو لا يستر عورته خشية فوات الوقت.
أوقات الصلاة:
ووقت الفجر: من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس.
ووقت الظهر: من زوال الشمس عن وسط السماء إلى أن يصير ظل كل شيء مثله.
ووقت العصر: من خروج وقت الظهر إلى اصفرار الشمس، وقيل: حتى يكون ظل كل شيء مثليه.
ووقت المغرب: من مغيب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر.
ووقت العشاء: من مغيب الشفق الأحمر إلى منتصف الليل، وقيل: إلى ثلثي الليل، وقيل: إلى طلوع الفجر.
وقد حددت السنة مواقيت الصلاة، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ حين زالت الشمس، فقال: قم يا محمد فصل الظهر حين مالت الشمس، ثم مكث حتى إذا كان فيء الرجل مثله جاءه للعصر، فقال: قم يا محمد فصل العصر، ثم مكث حتى إذا غابت الشمس جاءه فقال: قم فصل المغرب، فقام فصلاها حين غابت الشمس سواء، ثم مكث حتى إذا ذهب الشفق جاءه فقال: قم فصل العشاء، فقام فصلاها، ثم جاءه حين سطع الفجر في الصبح، فقال: قم يا محمد فصل فقام فصلى الصبح ثم جاءه من الغد حين كان فيء الرجل مثله، فقال: قم يا محمد فصل، فصلى الظهر، ثم جاءه جبريل ﵇ حين كان فيء الرجل مثليه فقال: قم يا محمد فصل، فصلى العصر، ثم جاءه للمغرب حين غابت الشمس وقتا واحدا لم يزل عنه، فقال: قم فصل، فصلى المغرب، ثم جاءه
стр. 115
للعشاء حين ذهب ثلث الليل الأول فقال: قم فصل فصلى العشاء، ثم جاءه للصبح حين أسفر جدا، فقال: قم فصل، فصلى الصبح، فقال: ما بين هذين وقت كله" ١.
بم تدرك الصلاة؟
ولا تجزئ الصلاة قبل الوقت جهلا كانت أو عمدا، ويحرم تأخيرها عن وقتها لغير عذر شرعي، ولا يدرك الوقت إلا بركعة كاملة، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" ٢، وهذا لجميع الصلوات، ولقوله ﷺ : "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته" ٣ والسجدة الركعة، وتقع الصلاة أداء.
فمن أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة، ولا يجوز تعمد تأخير الصلاة إلى هذا الوقت.
حكم تأخير الصلاة لغير عذر:
-اختلف العلماء فيمن أخر الصلاة عن وقتها لغير عذر، هل يلزمه القضاء؟ وهل يلزمه تجزئة؟، على قولين:
الأول: يرى الجمهور أنها تجزئ ويجب عليه القضاء، لما رواه أبو
стр. 116
هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" ١، فإذا كان هذا حال المعذور، فالمتعمد من باب أولى، وعلى هذا الأئمة الأربعة.
والثاني: ما ذهب إليه شيخ الإسلام، وهو مذهب الظاهرية أيضا، أنه لا يقضيها، ولو قضاها لا تجزئه، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ ٢، فوقوع الصلاة قبل وقتها أو بعده أداء لها في غير موضعها الذي كتب الله. عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ٣.
-وأجابوا عن حديث "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" ٤، بأن المعذور صلاته في الحقيقة ليست قضاء بل أداء، وقولهم بعدم وجوب القضاء على من لا عذر له ليس بغرض التخفيف، وإنما تنكيل له وعقوبة من الله أن لا يقبل صلاته.
لذا يجب أداء الصلاة المفروضة في وقتها، فمن أخرها لغير عذر أثم إثما عظيما، بخلاف من أخرها لعذر فلا إثم عليه، والعذر قد يكون مسقطا للصلاة كالحائض والنفساء، فلا قضاء عليهما لما فاتهما زمن الحيض والنفاس، وقد يكون العذر مباحا لتأخير الصلاة عن وقتها كالنوم والنسيان.
стр. 117
ويجب قضاء الفوائت مرتبة على الفور، لقول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ١، ولما روي عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك" ٢، وينبغي مراعاة الترتيب في قضاء الفوائت، فعندما شغل الأحزاب النبي ﷺ عن صلاة العصر حتى غابت الشمس، صلى رسول ﷺ العصر أولا ثم المغرب، لما روي عن جابر بن عبد الله ﵄ "أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، قال: يا رسول الله، ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، قال النبي ﷺ : "والله ما صليتها" فقمنا إلى بطحان، فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب"٣.
وفي جمع النبي ﷺ للصلاة في سفره، كان يقدم الأولى على المتأخرة.
فإن خشي المصلي إن بدأ بالفائتة خروج وقت الحاضرة، بدأ بالحاضرة، وعليه أن يقضي الصلاة على صفتها تبعا لحالها الذي فاتت عليه، من عدد ركعاتها وسريتها وجهريتها، فلو ذكر صلاة حضر في سفر أداها على صفتها في الحضر، والعكس، لحديث أبي قتادة لما ناموا عن صلاة الصبح ثم انتبهوا بعد طلوع الشمس، قال فيه: "..ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة، فصنع كما كان
стр. 118
يصنع كل يوم ... "١.
قال الخطابي: وفيه دليل على أنه إن ذكر الفائتة في وقت من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، صلاها ولم يؤخرها٢.
стр. 119
صفة الصلاة
صفة الصلاة
...
صفة الصلاة:
قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه مالك بن الحويرث " ... وصلوا كما رأيتموني أصلي ... " ١، وقد أم الأمين جبريل النبي ﷺ عند باب الكعبة معلما إياه كيفية الصلاة وأوقاتها، وقد تعلمها صحابة رسول الله ﷺ منه، وتناقلها المسلمون من بعدهم، جيلا من بعد جيل حتى زمننا الحاضر.
والصلاة عبادة يشترط لها الإخلاص لله سبحنه وتعالى، واتباع الرسول ﷺ ، فمن لم يخلص لله فقد أشرك ولا تصح عبادته، لقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ٢، ومن لم يتبع رسول الله ﷺ فعبادته مردودة لقول النبي ﷺ في الحديث الذي روته عائشة ﵂: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ٣.
والصلاة هي أعظم أركان الإسلام، من تركها جحودا وإنكارا كفر وخرج من الإسلام، ومن تركها تكاسلا وتشاغلا عنها دون عذر شرعي كان كافرا، والسنة الصريحة في ذلك، عن جابر ﵁ قال: "سمعت النبي ﷺ يقول: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" ٤.
والصلاة قيام فيه قراءة، وركوع فيه تسبيح، واعتدال منه فيه حمد،
стр. 120
وسجدتان بينهما جلسة فيهما تسبيح، وكل هذا يسمى ركعة، والصلاة تتكون من ركعات، والصلوات المفروضة خمس: الصبح فرضه ركعتان في الحضر والسفر، والظهر والعصر والعشاء فرض كل صلاة أربع ركعات في الحضر وركعتان في السفر، والمغرب فرضه ثلاث ركعات في الحضر والسفر.
والصلاة يؤديها المسلم منفردا أو في جماعة، فإذا صلى في جماعة فما أحسن أن يتوضأ المسلم في بيته ويسبغ الوضوء، ثم يخرج بنية الصلاة مع الجماعة، فإن فعل ذلك فلم يخط خطوة إلا رفع الله له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، لما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ... وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد.." ١.
وينبغي أن يمشي إلى الصلاة بسكينة ووقار، لأنه مقبل على مكان يقف فيه بين يدي الله ، ولا يسرع حتى لو خاف أن تفوته الصلاة، لما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" ٢، فهذا أدب مع الله .
فإذا دخل المسلم المسجد صلى ما تيسر له ما لم يكن أذن، فإن كان قد أذن صلى الراتبة، وإن لم يكن للفريضة الراتبة قبلها صلى سنة ما بين الأذانين، لقول النبي ﷺ : " بين كل الأذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة".
стр. 121
ثم قال في الثالثة: لمن شاء"١، وتجزىء هذه الصلاة أو الراتبة عن تحية المسجد، لقول النبي ﷺ : " إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" ٢، ويتفق ذلك بصلاة الراتبة، أو سنة ما بين الأذانين، بعدها يجلس المسلم بنية انتظار الصلاة، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدث: اللهم اغفرله، اللهم ارحمه، لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة" ٣.
ولا يضره تأخر الإمام، لأنه في صلاة ما انتظر الصلاة، والملائكة تصلي عليه وتستغفر له ما دام في مصلاه.
فإذا أقيمت الصلاة قام، ولا بأس بالقيام في أول الإقامة أو في أثنائها أو عند انتهائها، فكل ذلك جائز، لأن السنة لم تحدد موضع القيام، إلا أن النبي ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" ٤، والغاية أن يتهيأ المسلم للدخول في الصلاة حتى لا تفوته تكبيرة الإحرام.
وتجب تسوية الصف، لما روي عن النعمان بن بشير قال: قال النبي ﷺ : "لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" ٥.
стр. 122
قال النووي: معناه يوقع بينكم العدواة والبغضاء واختلاف القلوب١.
ولا يخفى ما في ترك تسوية الصفوف من الإثم والمخالفة، ولهذا وجبت التسوية، ولا يجوز التفريط فيها لحرمة ذلك، وكان النبي ﷺ يأمر بتسوية الصف، عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة " ٢.
ولا تعني مخالفة التسوية بطلان الصلاة على الراجح، لأن التسوية واجب للصلاة، وليست واجباً فيها، والواجب للصلاة يأثم تاركه ولا تبطل به الصلاة كالأذن.
والعبرة بالتسوية المحاذاة والموازاة، لما رواه أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أقيموا صفوفكم، فإني أراكم من وراء ظهري، وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه" ٣، وقال النعمان بن بشير: "رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه"٤. هذا هو المعتبر.
وينبغي مع المحاذاة التراص في الصف، بأن لا يترك فرجات للشياطين، لما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفاً وصله الله،
стр. 123
ومن قطع صفاً قطعه الله" ١، وعن أنس أن النبي ﷺ قال: "رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فو الذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف" ٢"٣.
كما ينبغي إكمال الصف الأول قبل الشروع في الصف الثاني، وهكذا، مع مراعاة التقارب بين الصفوف والإمام، ويلزم أن تفرد صفوف النساء وحدها خلف الرجال، ويجب تأخيرها عن صفوف الرجال لقول النبي ﷺ : "خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها" ٤.
وبعد أن يسوي الصف مستقبلاً القبلة بجميع بدنه قاصداً بقلبه فعل الصلاة التي يريدها من فريضة أو نافلة، ولا يتلفظ بالنية، لأن التلفظ بها غير مشروع وبدعة، ولم يذكر عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه ﵃ أنه تلفظ بها.
ويجعل له سترة يصلى إليها إن كان إماماً أو منفرداً، لما روي عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود ... " ٥.
стр. 124
ويكبر تكبيرة الإحرام قائلاً: " الله أكبر" ناظراً ببصره إلى محل سجوده، ولا يجزئ غيرها، لأن ألفاظ الذكر توقيفية، يتوقف فيها على ماورد به النص، ولا يجوز إبدالها بغيرها، فإن عجز عن النطق بها لعدم معرفته باللغة العربية، كبر بلغته ولا حرج عليه، لقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ١، ولا تنعقد الصلاة إلا بتكبيرة الإحرام، لحديث علي ﵁، أن النبي ﷺ قال: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" ٢.
ويرفع يديه مضمومتي الأصابع ممدودة حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه، قبل التكبير أو بعده أو معه، فكل هذه الصفات فاعلها مصيب للسنة، لما روي عن ابن عمر ﵄ قال: "رأيت رسول الله ﷺ إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود " ٣.
وينبغي فعل العبادات الواردة على وجوه متنوعة في أوقات مختلفة لما في ذلك من حضور القلب واتباع السنة وإحيائها.
стр. 125
وبعد أن ينزل يديه من الرفع، يضعهما على صدره، اليمنى على ظهر كفه اليسرى، قابضاً بيمناه كوع ١ يسراه، أو واضعاً يده على الذراع من غير قبض، فكلاهما سنة.
ويسن أن يقرأ دعاء الاستفتاح، لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ إذا كبر في الصلاة سكت هنية قبل أن يقرأ، فقلت: يارسول الله بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماتقول؟ قال: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد" ٢، وإن شاء قال بدلاً عن ذلك: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك" ٣، أو يقول: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، أهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" ٤، أو غير ذلك مما صح عن النبي ﷺ .
стр. 126
وينبغي للإنسان أن يستفتح بهذا مرة، وهذا مرة، ليأتي بالسنن كلها، وليكون ذلك إحياء للسنة وإحضاراً للقلب، ولا يجمع بينها، لأن الرسول ﷺ لم يجمع بينها في جوابه على سؤال أبي هريرة.
ثم يقول: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم" ويقرأ: سورة الفاتحة، لقوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" ١.
والفاتحة ركن من أركان الصلاة، وشرط لصحتها، فلا تصح الصلاة بدونها، يقولها المصلي في كل ركعة لقول النبي ﷺ للمسيء صلاته حين وصف له الركعة الأولى قال: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" ٢، فكما أن الركوع والسجود والقيام والقعود ركن في كل ركعة، فكذلك قراءة الفاتحة ولا فرق، وقد واظب النبي ﷺ على قراءتها في كل ركعة، ولم يحفظ عنه أنه أخل بها في ركعة من الركعات.
ولا تسقط إلا عن مسبوق أدرك الإمام راكعاً أو قائماً ثم شرع فيها وخاف أن يفوته الركوع قبل أن يتمها، لحديث أبي بكرة ﵁: أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "زادك الله حرصاً ولا تعد" ٣، ولم يأمره بقضاء الركعة التي أدرك ركوعها دون قراءتها، ولو كانت الركعة غير صحيحة لأمره بإعادتها كما أمر المسيء صلاته بإعادة الصلاة لعدم الإتيان بأركانها. والفاتحة ركن في القيام، والمسبوق سقط عنه القيام لمتابعة إمامه، فلما سقط عنه المحل سقط الحال. وتجب قراءة الفاتحة ركناً على الإمام والمأموم
стр. 127
والمنفرد في الصلاة السرية والجهرية، ولا تسقط إلا عن المسبوق الذي ذكرنا.
وقد دلت السنة على وجوب قراءتها على المأموم في صلاة الفجر، وصلاة الفجر جهرية، ففي حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا خلف رسول الله ﷺ في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله ﷺ فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: " لعلكم تقرؤون خلف إمامكم " قلنا: نعم. هذا يارسول الله، قال: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" ١.
وروى الإمام أحمد ﵀ عن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب محمد قال: قال رسول الله ﷺ : "لعلكم تقرءوون والإمام يقرأ"، قالها ثلاثاً، قالوا: إنا لنفعل ذاك، قال: "فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب" ٢.
ويقول بعد الفاتحة (آمين) للمنفرد والمأموم والإمام، جهراً في الصلاة الجهرية، وسراً في السرية، وينبغي للمأموم أن يوافق الإمام فلا يسبقه ولا يتأخر عنه، ويسن أن يقرأ بعدها ما تيسر من القرآن.
ثم يركع مكبراً رافعاً يديه حذو منكبيه أو أذنيه، ثم يضعهما على ركبتيه معتمداً عليهما، مفرقاً أصابعه، جاعلاً رأسه مستوياً مع ظهره،
стр. 128
ويطمئن في ركوعه ويقول: "سبحان ربي العظيم"، والأفضل أن يكررها ثلاثاً أو أكثر، فيجتمع بهذا الذكر التعظيم القولي، وبالركوع التعظيم الفعلي لله . ويستحب أن يزيد على"سبحان ربي العظيم" (وبحمده) ، لورود ذلك في السنة الصحيحة، كما يشرع له ما صح به الحديث عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" ١، ومما صحت به السنة أيضاً ماروي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح" ٢.
ويسن أن يفرج عضديه عن جنبيه ما لم يؤذ جاره، فإن آذاه فلا ينتهك حرمة المسلم من أجل فعل سنة.
ثم يرفع رأسه من الركوع رافعاً يديه إلى حذوا منكبيه أو أذنيه قائلاً: "سمع الله لمن حمده" ٣ إن كان إماماً أو منفرداً، ويقول حال قيامه: "ربنا ولك الحمد"، وبعد رفعه: " حمدا كثيراً طيباً مباركاً فيه". ملء السماوات وملء الأرض وملء ماشئت من شيء بعد٤ أما إن كان مأموماً فإنه يقول عند الرفع: " اللهم ربنا ولك الحمد"، فإذا اطمأن قائماً قال: "حمداً كثيراً طيباً ... " إلى آخر ما تقدم.
والرفع من الركوع ركن، لقول النبي ﷺ للمسيء صلاته: "ثم ارفع حتى تعتدل قائماً"٥، أما رفع اليدين فإنه سنة، ويشرع أن يزاد بعد
стр. 129
القيام من الركوع: " ... أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد"١.
ويستحب أن يضع كل منهم يده اليمنى على اليسرى على صدره، كما فعل في قيامه قبل الركوع، لثبوت ما يدل على ذلك عن النبي ﷺ من حديث وائل بن٢ حجر وسهل٣ بن سعد ﵄.
ولقد دلت السنة على مقدار الاعتدال بعد الركوع، عن البراء بن عازب ﵁ قال: " رمقت الصلاة مع محمد ﷺ فوجدت قيامه فركعته فاعتداله بعد ركوعه فسجدته فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف، قريباً من السواء"٤.
ثم يسجد مكبراً واضعاً ركبتيه قبل يديه إذا تيسر ذلك، فإن شق عليه قدم يديه قبل ركبتيه، مستقبلاً بأصابع رجليه ويديه القبلة، ضاماً أصابع يديه، ويكون على أعضاء السجود السبعة، الجبهة مع الأنف، واليدين والركبتين، وبطون أصابع الرجلين، ويقول: " سبحان ربي الأعلى"، ويكرر ذلك ثلاثاً أو أكثر.
ويستحب أن يقول مع ذلك: " سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" ويقول" سبوح قدوس رب الملائكة والروح"، ويكثر من الدعاء لقول النبي ﷺ : " أما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود
стр. 130
فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" ١، ويسأل ربه من خير الدنيا والآخرة سواء أكانت الصلاة فرضاً أم نفلاً، ويجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويرفع ذراعيه عن الأرض، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب" ٢.
وللمصلي أن يضع يديه على الأرض حذاء المنكبين، وإن شاء قدمهما وجعلهما حذاء الجبهة أو فروع الأذنين، فكل هذا مما جاءت به السنة.
والسجود من كمال التعبد لله والذل له سبحانه، فالإنسان يضع أشرف ما فيه وهو وجهه بحذاء أدنى ما فيه وأسفل ما فيه وهو قدمه، تعبداً لله تعالى وتقرباً إليه.
ومن أجل ذلك يكون الإنسان أقرب إلى الله وهو ساجد، قال الله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ ٣، لذا ينبغي أن تسجد قلوبنا قبل أن تسجد جوارحنا، حتى يدرك الإنسان في هذا الذل والتواضع لله لذة السجود وحلاوته، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء" ٤.
ثم يرفع رأسه مكبراً، ويفرش قدمه اليسرى ويجلس عليها، ظهرها إلى الأرض وبطنها إلى أعلى، وينصب رجله اليمنى، ويضع يديه على
стр. 131
فخذيه، وأطراف أصابعه عند ركبتيه، أو يضع اليد اليمنى على الركبة، واليد اليسرى يلقمها الركبة، صفتان عن النبي ﷺ ، وكلتاهما صحيح، ويقول: "اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني" ١، ويطمئن في هذا الجلوس.
ثم يسجد السجدة الثانية مكبراً، ويفعل فيها كما فعل في السجدة الأولى، ثم يرفع رأسه مكبراً ويجلس جلسة خفيفة، وتسمى جلسة الاستراحة، وهي مستحبة، وإن تركها فلا حرج، وليس فيها ذكر ولا دعاء.
ثم ينهض قائماً إلى الركعة الثانية معتمداّ على ركبتيه إن تيسر ذلك، فإن شق عليه اعتمد على الأرض، ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر له من القرآن بعد الفاتحة، ثم يفعل كما فعل في الركعة الأولى، ولا يأتي في الثانية بتكبيرة الإحرام ولا دعاء الاستفتاح ولا يتعوذ، لأن الصلاة عبادة واحدة من أولها إلى آخرها، والتعوذ في الركعة الأولى يكفي، فإن، نسي تعوذ في الثانية.
ولهذا يكره مخالفة الترتيب فيما يقرأ بعد الفاتحة في الركعتين، لأن قراءة الصلاة واحدة، وجاز له التعوذ كل ركعة، ولا يأتي بنية جديدة.
فإذا كانت الصلاة ثنائية، أي ركعتين كصلاة الفجر والجمعة والعيد، جلس بعد رفعه من السجدة الثانية ناصباً رجله اليمنى مفترشاً رجله اليسرى، واضعاً يده اليمنى على فخذه اليمنى قابضاً أصابعه كلها إلا السبابة فيشير بها إلى التوحيد.
стр. 132
وإن قبض الخنصر والبنصر من يده وحلق إبهامها مع الوسطى وأشار بالسبابة فحسن، لثبوت الصفتين عن النبي ﷺ ، والأفضل أن يفعل هذا تارة وهذا تارة، ويضع يده اليسرى على فخذه اليسرى مبسوطة الأصابع مضمومة ممدودة على الفخذ.
ويجوز أن يلقم اليسرى ركبته، وأن يضع اليمنى على الركبة بإحدى الصورتين السابقتين في وصف الأصابع لورود السنة بذلك أيضاً.
ثم يقرأ التشهد في هذا الجلوس، وهو: " التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله١، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد"٢.
ويسن أن يستعيذ بالله من أربع، فيقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، ثم يدعو بما شاء من خير الدنيا والآخرة، وإذا دعا لوالديه أو غيرهما من المسلمين فلا بأس، سواء أكانت الصلاة فريضة أم نافلة، ثم يسلم عن يمينه وشماله قائلاً: السلام عليكم ورحمة الله.... السلام عليكم ورحمة الله، يقول بلسانه متدبراً ذلك بقلبه.
ويشير بسبابته في تشهده عند الدعاء، فكلما دعا حرك، إشارة إلى علو المدعو .
стр. 133
ففي قوله: " التحيات لله ... " (لا يشير) ، "السلام عليك أيها النبي" (فيه إشارة) ، "السلام علينا ... "، "اللهم صل على محمد...." (فيه إشارة) ، "اللهم بارك على محمد ... " (فيه إشارة) ، "أعوذ بالله من عذاب جهنم" (فيه إشارة) ، "ومن عذاب القبر" (فيه إشارة) "ومن فتنة المحيا والممات" (فيه إشارة) ، "ومن فتنة المسح الدجال" (فيه إشارة) .
وقد وردت الأحاديث الصحيحة في التشهد على أكثر من وجه، لذا ينبغي أن نأتي بهذا مرة، وهذا مرة، إتباعا للسنة، وإحياء لها، وحضوراً للقلب.
فإن كانت الصلاة ثلاثية كالمغرب، أو رباعية كالظهر والعصر والعشاء، قرأ التشهد الأول، وهو المذكور آنفاً إلى قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله"، وذكر بعض أهل العلم أنه يذكر ذلك مع الصلاة على النبي ﷺ .
ثم ينهض قائماً معتمداً على ركبتيه، رافعاً يديه حذو منكبيه أو فروع أذنيه قائلاً" الله أكبر، ثم يضعهما على صدره كما تقدم، ويقرأ الفاتحة فقط، فإن قرأ في الثالثة والرابعة من الظهر زيادة عن الفاتحة في بعض المرات، فلا بأس، لثبوت ما يدل على ذلك عن النبي ﷺ ، من حديث أبي سعيد١ ﵁، ثم يتشهد بعد الثالثة من المغرب، وبعد الرابعة من الظهر والعصر والعشاء، كما تقدم في الصلاة الثنائية، ثم يسلم عن يمينه بقوله: "السلام عليكم ورحمة الله"، وعن شماله بقوله: "السلام عليكم ورحمة الله".
стр. 134
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يزيد في التسليمة الأولى والثانية"وبركاته"، لحديث أخرجه أبو داود١، وقال الحافظ ابن حجر: "وقع في صحيح ابن حبان من حديث ابن مسعود زيادة" وبركاته"، وهي عند ابن ماجه أيضاً، وهي عند أبي داود أيضاً في حديث وائل بن حجر، فيتعجب من ابن الصلاح حيث يقول: إن هذه الزيادة ليست في شيء من كتب الحديث"٢.
وتمتاز الركعة الثالثة في المغرب، والركعتان الأخيرتان من الظهر والعصر والعشاء، بأنه يقتصر فيهما على الحمد، ويسر فيهما بالقراءة حتى في الصلاة الجهرية.
ويسن التورك في التشهد الأخير من الصلاة الثلاثية أو الرباعية، وله ثلاث صفات مشروعة:
الأولى: أن يخرج المصلي رجله اليسرى من الجانب الأيمن مفروشة، ويجلس على مقعدته على الأرض، وتكون الرجل اليمنى منصورة.
الثانية: أن يفرش القدمين جميعاً ويخرجهما من الجانب الأيمن.
الثالثة: أن يفرش اليمنى ويدخل اليسرى بين فخذ وساق الرجل اليمنى وينبغي أن يفعل الإنسان هذا مرة وهذا مرة.
والمرأة كالرجل في كل ما سبق من أحكام، غير أنها تخالفه في بعضها كمسألة سترة الثياب، والقراءة، فالرجل يجهر في القراءة في الصلاة الجهرية، والسنة في حق المرأة أن تسر.
стр. 135
وينبغي بعد السلام أن يستغفر المسلم الله ثلاثاً، ويقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والإكرام، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
ويسبح الله ثلاثاً وثلاثين، ويحمده مثل ذلك، ويكبره مثل ذلك، ويقول تمام المائة: لا إله إلا الله ووحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ويقرأ آية الكرسي، وسورة الإخلاص والفلق والناس بعد كل صلاة.
ويستحب تكرار هذه السور الثلاث الثلاث مرات بعد صلاة الفجر وصلاة المغرب، لورود الأحاديث بذلك عن النبي ﷺ .
وكل هذه الأذكار سنة وليست بفريضة.
стр. 136
حديث المسيئ صلاته
...
حديث المسيء صلاته:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل فصلى فسلم على النبي ﷺ ، فرد وقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل"، فرجع يصلي كما صلى ثم جاء فسلم على النبي ﷺ ، فقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل" ثلاثاً، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره، فعلمني، فقال: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ثم ارفع حتى تعدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، وافعل ذلك في صلاتك كلها" ١.
وفي رواية لمسلم: "إذا قمت إلى الصلاة فأصبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر" ٢.
بعد أن عرضنا صفة الصلاة، بقي لنا أن نشير إلى الأركان والشروط والواجبات والسنن، وما يتعلق بهم من أحكام.
стр. 137
أركان الصلاة:
والركن ما كان جزءاً من الشيء، ولا يوجد ذلك الشيء إلا به، فالسجود في الصلاة ركن لأنه جزء منها، ولا توجد الصلاة إلا به.
وأركان الصلاة لا تسقط عمداً، ولا سهواً، بل تبطل الصلاة بتركها، وهي على الصحيح أربعة عشر، بيانها كالتالي:
١-القيام مع القدرة، لقول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ١، ولحديث عمران بن حصين ﵁ قال كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: "صل قائما فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب" ٢.
٢- تكبيرة الإحرام، لقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ ٣ ولحديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم" ٤ ويتعين لفظ "لله أكبر" لقوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ٥، وفي حديث المسيء صلاته عن الطبراني: " ... ثم يقول: الله أكبر ... "٦، ولحديث أبي
стр. 138
حميد الساعدي أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائماَ ورفع يديه حتى يحاذي منكبيه، ثم قال: "الله أكبر"١.
٣- قراءة الفاتحة في كل ركعة، وقد دلت السنة الصحيحة الصريحة على ذلك، عن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" ٢. وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" ٣.
والثابت عن أن النبي ﷺ أنه كان يقرأ الفاتحة في كل ركعة من ركعات الفرض والنفل، ولم يثبت عنه خلاف ذلك، ومدار العبادات على الإتباع، وفي الحديث: " ... وصلوا كما رأيتموني أصلي ... " ٤.
٤- الركوع، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ ٥، ولحديث المسيء صلاته حيث قال له النبي ﷺ : "..ثم اركع حتى تطمئن راكعاً.." ٦.
стр. 139
٥-الاعتدال عن الركوع، لحديث المسيء صلاته، وفيه "..ثم ارفع حتى تعتدل قائماً.."، ولوصف أبي حميد صلاة رسول الله ﷺ قال: "رفع النبي ﷺ رأسه حتى يعود كل فقار مكانه"١، وتصف أم المؤمنين عائشة ﵂ صلاة النبي ﷺ فتقول: ".. وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً.."٢، وعن أبي مسعود الأنصاري البدري قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجزئ صلاة لا يقيم فيها الرجل – يعني - صلبه في الركوع والسجود" ٣.
٦- السجود على الأعضاء السبعة، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ ولقول النبي ﷺ للمسيء صلاته: "..ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً.."، وعن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين والركبتين، وأطراف القدمين.." ٤.
٧- الاعتدال عن السجود، لقوله النبي ﷺ للمسيء صلاته: "..ثم اعتدل حتى تطمئن جالساً..".
٨-الجلوس بين السجدتين، لقول النبي ﷺ للمسيء صلاته: "..ثم ارفع حتى تطمئن جالساً" ٥.
٩-الطمأنينة في جميع الأركان، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
стр. 140
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ .
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "هل ترون ههنا؟ والله ما يخفى علي ركوعكم ولا خشوعكم، وأني لأراكم وراء ظهري".
وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أقيموا الركوع والسجود؛ فو الله أني لأراكم من بعدي، وربما قال: من بعد ظهري إذا ركعتم وسجدتم" ٢.
وقد وجه الرسول ﷺ المسيء في صلاته إلى الطمأنينة في الركوع والسجود والاعتدال والجلوس.
١٠-التشهد الأخير، وقد روي عن ابن مسعود أنه قال: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ قلنا: السلام على جبريل ميكائيل، السلام على فلان وفلان، فالتفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: "إن الله هو السلام، فإذا صلى أحدكم فليقل التحيات لله.." ٣، وهذا يدل على أنه فرض بعد أن لم يكن مفروضاً.
١١-الجلوس للتشهد الأخير، لما ثبت من فعل النبي ﷺ المتواتر، أنه كان يقعد القعود الأخير، يقرأ فيه التشهد، وقد أمرنا الرسول ﷺ بإتباعه فقال: "..وصلوا كما رأيتموني أصلي.." ٤.
стр. 141
١٢-الصلاة على النبي محمد ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ١.
وعن أبي مسعود البدري قال: قال بشير بن سعد: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله ﷺ ثم قال: "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم" ٢.
١٣-الترتيب في هذه الأركان حسب ما ورد في حديث المسيء صلاته، وقد تقدم.
١٤-التسليم، لما روى علي ﵁، أن النبي ﷺ قال: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" ٣.
وعن عامر بن سعد عن أبيه قال: "كنت أرى النبي ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده" ٤، وعن علقمة بن وائل عن أبيه قال: "صليت مع النبي ﷺ ، فكان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" ٥.
стр. 142
حكم من ترك ركنا في الصلاة
...
حكم من ترك الصلاة:
والمتروك إما أن يكون تكبيرة الإحرام وإما غيرها، فمن ترك تكبيرة الإحرام عمداً أو سهوا لم تنعقد صلاته.
ومن ترك ركناً غير تكبيرة الإحرام عمداً بطلت صلاته، وأما من تركه سهواً فتفصيله كما يلي:
١-إن وصل المصلي إلى موضع تركه من الركعة التالية، لغت الركعة التي نسي فيها الركن، وقامت التالية مقامها، ويسجد للسهو بعد السلام، ثم يسلم عقب سجوده.
٢- وإن لم يصل إلى موضع المتروك سهواً، عاد إليه أتى به وبما بعده وجوباً، وسجد بعد السلام، وسلم عقب سجوده.
٣- فإن تذكر بعد الصلاة فحاله لا يخلو من أمرين:
أ-لم يفصل فاصل طويل، وكان قريب الوقت من الصلاة قام دون تكبير وأتى بركعة كاملة من التشهد الأخير والسلام، ثم يسجد للسهو ويسلم.
ب-فصل فاصل زمني طويل، فإنه يعيد الصلاة كلها لبطلانها بترك ركن من أركانها.
стр. 143
شروط الصلاة:
والشرط: ما لا يوجد المشروط مع عدمه، وليس من أفعال الصلاة وأقوالها، وإنما هو إعداد يتم قبل الصلاة من حيث الوقت، ووجهة المكان، والطهارة ...
وشروط الصلاة تسعة بيانها كالتالي:
١-الإسلام، فلا تجب على الكافر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ ١.
ولا تصح منه حال كفره، لما روي عن ابن عباس ﵄ أن معاذاً قال: بعثني رسول الله ﷺ . قال: "إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم ... " ٢.
ولقد أوضح القرآن الكريم هذا الشرط في كثير من الآيات، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ٥.
стр. 144
٢-العقل، لحديث عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يفيق"١ وغير العاقل ليس أهلاً للتكليف.
٣-التمييز، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع"٢.
وهذه الشروط الثلاث في سائر العبادات
٤-دخول الوقت، لقوله الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ ٤.
وفي هذه الآية إشارة إلى الأوقات الخمسة للصلاة
٥-الطهارة من الحدث، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ ٥.وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول" ٦.
стр. 145
٦-اجتناب النجاسات، قال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ١، وعن جابر بن سمرة قال سأل رجل النبي ﷺ يصلي في الثوب يأتي أهله؟ قال: "نعم. إلا أن يرى شيئاً فيغسله" ٢.
وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه" ٣.
وعن أبي هريرة ﵁ قال قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : "دعوه وهريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوباً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" ٤.
٧-ستر العورة: لقول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ٥ وقول النبي ﷺ لجابر: " ... فإن كان واسعاً فالتحف به، وإن كان ضيقاً أتزر به" ٦، وعن جرهد ﵁ أن النبي ﷺ مر به وهو كاشف عن فخذه، فقال النبي ﷺ : "غط فخذك فإنها من العورة" ٧، وعن عائشة ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا يقبل الله