ما يباح في الصلاة:
١- يباح للمصلي قراءة سورتين فأكثر مع الفاتحة، لحديث حذيفة قال: "صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها.."١.
٢- ويباح للمصلي عد الآيات التي يقرأها، كمن لا يعرف الفاتحة، وأراد أن يقرأ بعددها من القرآن، أن عد التسبيح، أو عد الركعات خاصة لكثير النسيان، لأن هذه حاجة. ولا يعد باللفظ حتى لا تبطل الصلاة بالكلام، بل يعدها بأصابعه أو بقلبه، والصلاة لا تبطل بعمل القلب، ولا بعمل الجوارح إلا إذا كثر وتوالى لغير ضرورة.
٣- ويباح للمأموم أن يفتح على الإمام فيما يفوت الكمال به كتنبيه الإمام لنسيانه قراءة سورة مع الفاتحة، لقول النبي ﷺ : "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني.." ٢، فأمر بتذكيره، وقد يكون الفتح على الإمام واجبا فيما يبطل الصلاة تعمده، كزيادة ركعة، أو لحن في الفاتحة يحيل المعنى.
٤- ويباح في الصلاة لبس ثوب لحاجة، كأن يشعر المصلي ببرودة بعد شروعه في الصلاة، والثوب حوله معلق في الجدار، فله أن يأخذه ويلبسه، ويشرع ذلك إذا كان لبس الثوب يؤدي إلى اطمئنان في
стр. 177
صلاته والراحة فيها.
وقد يكون لبس الثوب واجبا، كمن صلى عريانا لعدم وجود ثوب، وبعد شروعه في الصلاة جيء إليه بثوب، فلبسه للثوب واجب، فعندما أخبر جبريل النبي ﷺ أن في نعليه أذى، خلعهما واستمر في صلاته.
١- ويباح في الصلاة لف العمامة، وكف أحد طرفي الغترة إلى الخلف، أو حول الرقبة وسدل الآخر، لأنه من اللبس المعتاد، لحديث وائل بن حجر: "أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر (وصف همام حيال أذنيه) ثم التحف بثوبه ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ثم رفعهما.."١.
٢- ويباح في الصلاة قتل حية وعقرب، لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: "أمر رسول الله ﷺ بقتل الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب"٢.
٣- ويباح في الصلاة قراءة أواخر السور وأوساطها وأوائلها، لعموم قول الله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ، ولقول النبي ﷺ : "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر واقرأ بما تيسر معك من القرآن.." ٣، وقد قرأ النبي ﷺ في النفل من أواسط السور، والأفضل والأكمل أن يقرأ الإنسان سورة كاملة في كل ركعة
стр. 178
لأن هذا هو الأصل.
١- ويباح في الصلاة التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، لأمر يتعلق بالصلاة، كتنبيه الإمام إذا أخطأ، أو لأمر يتعلق بغير الصلاة كالإذن للداخل، ونحو ذلك ويقول الرجل: "سبحان الله"، وهو ذكر مشروع لسبب، فيزول بزوال السبب، فإن لم يتنبه كرر حتى ينتبه، وتصفق المرأة، ونلحظ التفريق في الحكم، لأنه لا ينبغي للمرأة أن تظهر صوتها عند الرجال، لا سيما وهم في الصلاة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" ١.
ويجوز التنبيه برفع الصوت بما يقول الإنسان في الصلاة ويجوز أن ينبه بالنحنحة وأفضل شيء التسبيح لأن النبي ﷺ أمر به.
٢- ويباح في الصلاة إن بدر الإنسان البصاق أن يبصق عن يساره أو تحت قدمه ما لم يكن في المسجد، فإن كان في مسجد بصق في ثوبه، وحك بعضه ببعض، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد، فأقبل على الناس، فقال: "ما بال أحدكم يقوم أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخم في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره تحت قدمه، فإن لم يجد ليتفل هكذا" ووصف القاسم: فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه على بعض" ٢.
٣- ويباح للمصلي أن يضع أمامه سترة كمؤخرة الرحل، لما روي عن
стр. 179
موسى بن طلحة، عن أبيه، قال قال رسول الله ﷺ .: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل، ولا يبال من مر وراء ذلك" ١، وعن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يركز (وقال أبو بكر: يغرز) ٢ العنزة ويصلي إليها. زاد ابن أبي شيبة: قال عبيد الله: وهي الحربة ٣.
وتبدو الحكمة من السترة في كونها تحجب نقصان صلاة المرء إذا مر أحد من ورائها، وتحجب نظر المصلي لا سيما إذا كان لها جرم شاخص، فإنها تعين المصلي على حضور قلبه وحجب بصره، وقبل ذلك فيها امتثال لأمر النبي ﷺ وإتباع لهديه، وفي ذلك خير عظيم.
فإن لم يجد شاخصا خط أثر في الأرض، لقول النبي ﷺ : "..فمن لم يجد فليخط خطا.." ٤.
والسترة تكون للمنفرد وللإمام دون المأموم، لأن المأموم سترته هي سترة إمامه، أو الإمام سترة للمأموم، لحديث ابن عباس أنه قال: "أقبلت راكبا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك علي أحد"٥.
стр. 180
١- ويباح للإمام والمنفرد أن يعوذا عند آية الوعيد، وأن يسألا عند آية الرحمة، لحديث حذيفة يصف قراءة النبي ﷺ في صلاة الليل: " ... يقرأ مترسلا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ.."١.
أما المأمون فإن أدى تعوذه أو سؤاله عدم الإنصات للإمام فإنه ينهى عنه، وإن لم يؤدي إلى عدم الإنصات فإن له ذلك، وقد نهى النبي ﷺ أن يقرأ والإمام يقرأ إلا بأم القرآن.
٢- ويباح في الصلاة السجود على ثياب المصلي أو عمامته لعذر، لما روي عنم أنس ﵁ قال: ""٢.
٣- ويباح في الصلاة حمد الله عند العطاس أو عند حدوث نعمة، لما روي عن رفاعة بن رافع قال: "صليت خلف رسول الله ﷺ فعطست فقلت: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه مباركا عليه كما يحب ربنا ويرضى. فلما صلى رسول الله ﷺ انصرف فقال: "من المتكلم في الصلاة؟ " فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثانية: "من المتكلم في الصلاة؟ " فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثالثة: "من المتكلم في الصلاة؟ " فقال رفاعة بن رافع بن عفراء: أنا يا رسول الله قال: "كيف قلت؟ " قال: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه مباركا عليه كما يحب ربنا ويرضى، فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده لقد ابتدرتها بضعة وثلاثون ملكا أيهم يصعد بها" ٣.
стр. 181
١- ويباح في الصلاة رد السلام بالإشارة، لما روى جابر ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ بعثني لحاجة ثم أدركته وهو يسير (قال قتيبة: يصلي) فسلمت عليه، فأشار إلي، فلما فرغ دعاني فقال: "إنك سلمت آنفا وأنا أصلي" وهو موجه حينئذ قبل المشرق١.
وتكون الإشارة بالإصبع أو باليد جميعا أو بالإيماء بالرأس، فكل ذلك وارد في السنة.
٢- ويباح في الصلاة أن يمشي المصلي ليقرب من سترة يتحاشى بها ما يمر بين يديه، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه، قال: "هبطنا مع رسول الله ﷺ من ثنية أذاخر، فحضرت الصلاة – يعني فصلى إلى جدار – فاتخذه قبلة ونحن خلفه، فجاءت بهمة تمر بين يديه، فما زال يدارئها حتى لصق بطنه بالجدار ومرت من ورائه"٢.
ويباح له أن يدفع المار بين يديه، لما روي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه، وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فاليقاتله، فإنما هو شيطان" ٣.
١٦- ويباح للمصلي أن يصلي في نعلين طاهرين، لما روي عن أبي سلمة سعيد بن زيد قال: "قلت لأنس بن مالك: أكان رسول الله ﷺ يصلي في النعلين؟ قال: نعم"٤.
стр. 182
١٧- ويباح في الصلاة لعن الشيطان والتعوذ منه، والعمل القليل، لما روي عن أبي الدرداء ﵁ قال: " قام رسول الله ﷺ فسمعناه يقول: "أعوذ بالله منك" ثم قال: "ألعنك بلعنة الله" ثلاثا وبسط يده كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة قلنا يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك قال: "إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثلاث مرات ثم أردت أخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة " ١.
стр. 183
وصف للصلوات الخمس:
فرض الله الصلاة على عباده في كتابه الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ ١، وبين كيفيتها نبيه الأمين عن تعليم الأمين جبريل ﵊، وأمرنا المصطفى ﷺ باتباعه، فقال فيما رواه مالك بن حويرث: " ... وصلو كما رأيتموني أصلي.." ٢.
والصلوات المفروضة على العباد خمس صلوات في اليوم والليلة، فعن أبي محيرز، " خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن لم لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له "٣.
وأوقات الصلاة خمسة، أشار إليها القرآن إجمالا، وجاءت بها السنة تفصيلا، قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ ٤، ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أي لزوالها، ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ أي
стр. 184
إلى نصف الليل؛ لأن تمام الغسق وهو الظلمة يكون في وسط الليل، فهذا الوقت من نصف النهار إلى نصف الليل لا تخلوا لحظة منه من وقت لصلاة، وتفصيل ذلك جاءت به السنة.
- وقت الظهر: من الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله.
- وقت العصر: من هذا الوقت إلى اصفرار الشمس اختيارا، وإلى الغروب اضطرارا.
- وقت المغرب: من غروب الشمس إلى مغيب الشفق، وهو الحمرة التي تعقب غروب الشمس.
- ووقت العشاء: من مغيب الشفق إلى نصف الليل.
وهذه الأوقات الأربعة المتصل بعضها ببعض قد دل عليها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الثابت في حديث مسلم، أن رسول الله ﷺ قال: "وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة فإنها تطلع بين قرني شيطان" ١.
أما الوقت الخامس فقال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ فصله عما قبله، لأن وقت الفجر منفصل عما قبله، ومنفصل عما بعده، لأن من نصف الليل إلى طلوع الفجر فليس وقتا للصلاة المفروضة، ومن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وقت للفجر، ومن طلوع الشمس إلى زوالها ليس وقتا لصلاة مفروضة، ومن ثم جاء القرآن مفردا لصلاة الفجر،
стр. 185
فقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ ، ولكن الله عبر عن الفجر بقرآنه، لأن القراءة تطول في صلاة الفجر١.
هذه الأوقات الخمسة، لو صلى الإنسان الصلاة قبل وقتها بقدر تكبيرة الإحرام فلا تصح صلاته، لأنه ابتدأها قبل دخول الوقت، ولو أن أحدا أخر الصلاة عن وقتها بلا عذر شرعي، فلا تصح صلاته، كما لو تعمد رجل ألا يصلي الفجر إلا بعد طلوع الشمس وصلى الفجر، فإن الصلاة لا تقبل منه، ولا يشرع له قضاؤها، لأنه لا فائدة له من القضاء.
وقد قال النبي ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ٢، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – بأن الإنسان إذا تعمد تأخير الصلاة عن وقتها لم تقبل منه، وإن صلاها ألف مرة، بخلاف من أخرها عن وقتها لعذر٣، لقول النبي ﷺ : "من نسي صلاة أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" ٤.
وصلاة الظهر كما هو معلوم من السنة المطهرة أربع ركعات في الحضر، وركعتان في السفر، والعصر كالظهر، وأما المغرب فثلاث ركعات في الحضر والسفر، والعشاء أربع ركعات في الحضر، ركعتان في السفر، والفجر ركعتان في الحضر والسفر.
يؤدي المسلم هذه الصلوات على الوجه الشرعي الثابت عن رسول الله ﷺ ، وقد سبق أن ذكرنا وصفا تفصيليا للصلاة.
стр. 186
الصلاة في البلدان التي يطول فيها النهار جداً أو يقصر جداً أو لا يرى فيها النهار أو الليل في بعض أيام السنة:
اختلف أهل العلم في مسألة تقدير الوقت في البلاد التي يطول نهارها ويقصر ليلها، والبلاد التي يقصر نهارها ويطول ليلها، وكذلك في البلاد القطبية حيث يستمر الليل نصف سنة في القطب الشمالي بينما تكون هذه المدة الطويلة نهاراً في القطب الجنوبي، فمنهم من يرى التقدير، ومنهم من يرى إلحاق هذه البلاد بأقرب البلاد إليها.
القول الأول: قال بعض أهل العلم:
إن هؤلاء جميعاً لهم حكم واحد، وهو أن تقدر أوقات الصلاة والصيام لهم، لكنهم اختلفوا على أي البلاد يكون التقدير، على قولين.
أ - أن يقوموا بتقدير أيامهم ولياليهم وأشهرهم بحساب أوقات أقرب البلاد المعتدلة إليهم، التي تتميز فيها الأوقات، ويتسع كل من نهارها وليلها لما فرض الله من صوم وصلاة.
ب - وقال بعضهم: بل يقدرون أوقاتهم على حسب البلاد التي نزل فيه التشريع: مكة أو المدينة، لأن هذا أيسر لهم، خصوصاً أنهم يتوجهون إلى الكعبة في صلاتهم كل يوم وليلة.
وقال محمد رشيد رضا في تفسير المنار: "واختلفوا في التقدير على أي البلاد يكون؟ فقيل على البلاد المعتدلة التي فيها التشريع كمكة والمدينة، وقيل على أقرب بلاد معتدلة إليهم، وكل منهما جائز، فإنه اجتهادي
стр. 187
لا نص فيه"١.
القول الثاني: قال بعض أهل العلم:
إذا كان يوجد في هذه البلاد نهار وليل، وجب عليهم الصلاة والصيام، مهما كان طول النهار وقصر الليل والعكس.
والذي أراه راجحاً أن الحكم يختلف بين البلاد التي لها ليل ونهار، والبلاد التي لا يوجد فيها ليل أو نهار. فالبلاد التي يكون فيها ليل أو نهار يلزم أهلها الصلاة والصوم مهما طال النهار أو قصر، لأن الله أناط الحكم بالنهار والليل، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ ٢.
أما البلاد التي لا يوجد فيها ليل أو نهار البتة، كالبلاد القطبية، فهؤلاء يقدرون أوقاتهم على حسب أقرب البلاد إليهم.، ولا بد أن لهم تقديراً في بعض شؤون حياتهم اليومية، فما كانوا يعملون به في أمور دنياهم ينبغي أن يعلموا به في أمور عبادتهم، وهذا أيسر عليهم وأسهل.٣.
وقد ورد إلى سماحة الشيخ/ عبد العزيز ابن باز – يحفظه الله - مفتي عام المملكة العربية السعودية السؤال التالي:
قد يستمر الليل أو النهار في بعض الأماكن لمدة طويلة، وقد يقصر جداً بحيث لا يتسع لأوقات الصلوات الخمس، فكيف يؤدي ساكنوها صلاتهم؟
стр. 188
وقد أجاب فضيلته بما يأتي:
الواجب على سكان هذه المناطق التي يطول فيها النهار أو الليل أن يصلوا الصلوات الخمس بالتقدير إذا لم يكن لديهم زوال ولا غروب لمدة أربع وعشرين ساعة، كما صح ذلك عن النبي ﷺ في حديث النواس بن سمعان المخرج في صحيح مسلم في يوم الدجال الذي كسنة، سأل الصحابة رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "أقدروا له قدره"، وهكذا حكم اليوم الثاني من أيام الدجال، وهو اليوم الذي كشهر، وهكذا اليوم الذي كأسبوع.
أما المكان الذي يقصر فيه الليل ويطول فيه النهار أو العكس في أربع وعشرين ساعة، فحكمه واضح يصلون فيه كسائر الأيام.. ولو قصر الليل جدا أو النهار لعموم الأدلة١.
стр. 189
الصلاة في السفر:
من سماحة الإسلام ويسره، ما شرع من أحكام تتعلق بالصلاة في السفر، فكلما وجدت المشقة وجد التيسير، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ٢.
والصلاة في السفر تختلف عنها في الحضر، لما يترتب على السفر من أحكام كقصر الصلاة إباحة الفطر في رمضان، وامتداد مدة المسح على الخفين، وسقوط الجمعة والنوافل ماعدا سنة الفجر، وسقوط العيدين والأضحية ...
والسفر هو مفارقة محل الإقامة، ويسن للمسافر فيه قصر الصلاة الرباعية: الظهر والعصر والعشاء سواء كان في بر أو بحر أو جو ولا يجوز قصر الصبح والمغرب بالإجماع، لأنهما لو قصرا لفات المقصود منهما، فقصر صلاة الصبح يجحف بها لقتلها ويجعلها وتراً، وقصر المغرب يخرجها عن كونها وتراً، والأصل إتباع النص.
وقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين لا يكون إلا في السفر فقط، وهو سنة مؤكدة، ويكره الإتمام لغير سبب، فلا يجوز لمريض ونحوه، بخلاف الجمع، والدليل على ذلك ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ
стр. 190
تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ١ ولا يكون والآية كما تبدو مقيدة بخوف الفتنة من الكفار أي (أن يمنعوكم من إتمام صلاتكم) ، ولكن هذا القيد مرتفع بسنة الرسول ﷺ التي أخبر بها عن ربه، فعن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد آمن الناس! فقال: عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته" ٢، فصارت إباحة القصر في الأمن صدقة تصدق الله بها علينا.
وأما السنة ٣ فقد تواترت الأخبار أن رسول الله ﷺ كان يقصر في أسفاره حاجاً ومعتمراً وغازياً، وقال ابن عمر: إني صحبت٤ رسول الله ﷺ في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٥.
وقال عبد الله بن مسعود: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصلت مع أبي بكر الصديق بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب
стр. 191
بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات، ركعات متقبلتان ١.
وقال أنس بن مالك: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصلى ركعتين ركعتين، حتى رجع، قلت: كم أقام بمكة؟ قال: عشراً٢.
وأما الإجماع: فقال ابن قدامة: وأجمع أهل العلم على أن من سافر سفراً تقصر في مثله الصلاة في حج أو عمرة أو جهاد أن له أن يقصر الرباعية فيصليها ركعتين٣.
стр. 192
شروط قصر الصلاة:
والقصر جائز بشروط ستة:
الأول: أن تكون١ مسافة السفر مبيحة للقصر. علَّق الشارع الحكيم قصر الصلاة وإباحة الفطر على مطلق السفر دون تحديد له، غير أنه لما كان السفر مظنة المشقة، والمشقة لا تحصل غالباً إلا مع السفر الطويل، اختلف الفقهاء ﵏ في تحديد مسافة السفر المبيحة للقصر والفطر.
فمنهم: من ذهب إلى أن المسافة التي يجوز القصر والفطر فيها هي مسيرة يومين كاملين فأكثر، وهي تعادل ثمانين كيلو متراً تقريباً.
ومنهم: من ذهب إلى أن المسافة المبيحة للقصر والفطر مسيرة ثلاثة أيام.
ومنهم: من ذهب إلى أن المسافة المبيحة للقصر والفطر مسيرة يوم واحد.
ومنهم: من ذهب إلى أنه لاحد للسفر الذي يباح القصر والفطر فيه، بل كل ما سمي سفراً عرفا جاز الفطر فيه.
والراجح: هو القول الأول؛ لأن مسافة اليومين تحتاج إلى الاستعداد، وفيها مشقة ظاهرة وبهذا القول أخذ جماعة الصحابة والتابعين، وهو قول الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد ﵏.
стр. 193
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ... وأما مقدار السفر الذي يقصر فيه ويفطر، فمذهب مالك والشافعي وأحمد أنه مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام هو ستة عشر فرسخاً١، كما بين مكة وعسفان ومكة وجدة، وقال أبو حنيفة: مسيرة ثلاثة أيام، وقال طائفة من السلف والخلف: بل يقصر ويفطر في أقل من يومين، وهذا قول قوي.."٢.
قال ابن قدامة: وإن شك في قدر السفر لم يبح القصر، لأن الأصل الإتمام، فلا يزول بالشك، والاعتبار بالنية دون حقيقة السفر، فلو نوى سفراً طويلاً فقصر، ثم بدا له فأقام أو رجع، كانت صلاته صحيحة، ولو خرج طالباً لآبق أو منتجعاً غيثًا، متى وجده رجع أو أقام لم يقصر ولو سافر شهراً.
ولو خرج مكرهاً كالأسير يقصد به بلداً بعينه فله القصر، لأنه تابع لمن يقصد مسافة القصر، فإذا وصل حصنهم أتم حينئذ نص عليه، وإن كان للبلد طريقان طويلة وقصيرة، فسلك البعيدة ليقصر، فله ذلك لأنه سفر يقصر في مثله، فجاز له القصر، كما لو لم يكن له طريق سواه٣.
الثاني: أن يكون السفر مباحاً؛ لأن الأسفار تنقسم إلى خمسة
стр. 194
أقسام:
١- حرام كسفر لفعل محرم، كالسفر لبلاد الكفر بحثاً عن الدعارة والمخدرات والجريمة، وسفر قطاع الطريق واللصوص ومن في حكمهم، ممن ينشرون الفساد في الأرض ويؤذون المؤمنين، ومنه سفر المرأة بلا محرم.
٢- مكروه كالسفر وحده.
٣- مباح كالسفر للنزهة.
٤- واجب كالسفر لفريضة الحج أو العمرة أو الجهاد.
٥- مستحب كالسفر للحجة الثانية.
والسفر المباح هو ما ليس بحرام ولا مكروه.
قال ابن قدامة: فإن سافر لمعصية كالآبق، وقطع الطريق والتجارة في الخمر لم يقصر، ولم يترخص بشئ من رخص السفر، لأنه لا يجوز تعليق الرخص بالمعاصي، لما فيه من الإعانة عليها والدعاية إليها، ولا يرد الشرع بذلك١.
ويمنع المسافر إلى معصية من رخص السفر، فيمنع من قصر الصلاة والمسح على الخفين ثلاثة أيام، والفطر في رمضان، فإن انقلب السفر المحرم مباحاً كأن يعود من سفره تائباً مستغفر جاز له القصر بشروطه.
الثالث: أن يشرع في السفر ويفارق عامر قريته، لقول الله تعالي: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ ٢،
стр. 195
لأنه لا يكون ضارباً في الأرض إلا إذا شرع في السفر، ولا يجوز له القصر ما دام في قريته ولو كان عازماً على السفر أو مرتحلاً أو راكباً يمشي بين البيوت.
قال ابن قدامة: ليس لمن نوى السفر القصر حتى يخرج من بيوت قريته ويجعلها وراء ظهره، وبهذا قال مالك والشافعي والأوزاعي وإسحق وأبو ثور، وحكي ذلك عن جماعة من التابعين١.
وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن للذي يريد السفر: أن يقصر الصلاة إذا خرج من بيوت القرية التي يخرج منها٢.
وروي عن أنس ﵁ قال: "صليت الظهر مع النبي ﷺ بالمدينة أربعاً وبذي الحليفة ركعتين"٣.
ويرى بعض السلف أن من نوى السفر يقصر ولو في بيته.
والصحيح أن القصر مع نية الإحرام بالصلاة، لأنه إن أطلق النية، فستنصرف إلى الأصل وهو الإتمام، وإن نوى الإتمام لزمه.
الخامس: أن لا تكون الصلاة وجبت في الحضر، فلو ترك صلاة حضر فقضاها في السفر لم يجز له قصرها، لأنه تعين فعلها أربعاً، فلم يجز النقصان فيها، كما لو نوى أربع ركعات، ولأن القضاء معتبر بالأداء،
стр. 196
والأداء أربع١.
السادس: أن لا يأتم بمقيم، فإن ائتم بمقيم لزمه الإتمام، سواء ائتم به في الصلاة كلها أو جزء منها، فعن موسى بن سلمة أنه قال: كنا مع ابن عباس بمكة فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا ركعتين؟ قال: تلك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم٢.
وهذا ينصرف إلى سنة النبي ﷺ : ولأنها صلاة مردودة من أربع، فلا يصليها خلف من يصلي الأربع٣.
واشترط جماهير أهل العلم أن يكون واقعاً في مدته، وهي أربعة أيام فأقل لمن عزم على الإقامة.
стр. 197
مسائل تتعلق بالقصر:
١- فمن أحرم بالصلاة في بلده ثم شرع في سفره، فإتمام الصلاة واجب في حقه لأنه ابتدأ الصلاة في حال يلزمه فيها الإتمام، ومثاله: رجل على ظهر سفينة راسية في نهر يشق البلد، فلما كبر للصلاة مشت السفينة وفارقت البلد وهو في أثناء الصلاة، فهذا أحرم في البلد ثم سافر فيلزمه الإتمام.
٢- ومن أحرم بالصلاة مسافراً قبل أن يدخل بلده، ثم دخل البلد أثناء الصلاة، يلزمه الإتمام، ومثاله: رجل على ظهر سفينة أحرم بالصلاة قبل أن يدخل البلد، ثم دخل أثناء الصلاة البلد فيلزمه الإتمام.
وهاتان المسألتان: الولي والثانية: يمنعه، فغلب جانب المنع؛ لما عليه الفقهاء إذا اجتمع مبيح وحاظر فالحكم للحاظر، لقول النبي ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"١، ولقوله ﷺ : " ... فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.." ٢.
قال ابن قدامة تعليقاً على المسألتين: لأنها عبادة تختلف بالسفر والحضر، ووجد أحد طرفيها في الحضر، فغلب حكمه كالمسح٣.
٣- من نسي صلاة الحضر فذكرها في سفر، لأن هذه الصلاة لزمته تامة،
стр. 198
فوجب قضاؤها تامة، عن أبي قتادة قال: ذكروا للنبي ﷺ نومهم عن الصلاة فقال: ".. إذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها" ١ أي يصلي هذه الصلاة كما هي إذا ذكرها.
١- من نسي صلاة سفر فذكرها في الحضر، قال النووي: وإن فاتته صلاة في السفر
فقضاها في الحضر، ففيه قولان: قال في القديم: له أن يقصر لأنها صلاة سفر، فكان قضاؤها كأدائها في العدد، كما لو فاتته في الحضر فقضاها في السفر، وقال في الجديد: لا يجوز له القصر، وهو الأصح لأنه تخفيف تعلق بعذر كالعقود في صلاة المريض.
وإن فاتته في السفر فقضاها في السفر ففيه قولان: أحدهما: لا يقصر لأنها صلاة ردت من أربع إلى ركعتين، فكان من شرطها الوقت كصلاة الجمعة. والثاني: له أن يقصر، وهو الأصح، لأنه تخفيف تعلق بعذر كالعقود في صلاة المريض٢.
٢- مسافر ائتم بمقيم، فيجب أن يتم لعموم قول النبي ﷺ : " ... فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" ٣، فإن أدرك ركعة في الظهر أتى بثلاث، وإن أدرك التشهد أتى بأربع. ولو أدرك المسافر من الجمعة
стр. 199
أقل من ركعة لزمه إتمامها أربعاً لائتمامه بالمقيم١، فإن أدرك ركعة أتمها جمعة.
١- مسافر ائتم بمن يظن أنه مقيم أو يشك في كونه مسافراً أو مقيماً، فيجب عليه الإتمام وإن قصر إمامه اعتباراً بالنية، لأن من شروط القصر أن ينويه بنية جازمة غير متردد.
فإن علق نيته بقوله: إن أتم إمامي أتممت، وإن قصر قصرت، فله متابعة إمامه، إن قصر ففرضه القصر، وإن أنم ففرضه الإتمام، ولا يدخل هذا في الشك، لكنه من باب تعليق الفعل بأسبابه.
فإن غلب على ظنه أنه مسافر لوجود ما يدل على ذلك، كمن يحمل أمتعة سفر في المطار، فله أن ينوي القصر، وعليه أن يتبع إمامه، فإن قصر تبعه، وإن أتم تبعه.
٢- قال ابن قدامة في كلامه عن المسافر: ولو نوى الإتمام أو ائتم بمقيم ففسدت الصلاة وأراد إعادتها لزمه الإتمام أيضاً، لأنها وجبت عليه تامة بتلبسه بها خلف المقيم، ونية الإتمام، وهذا قول الشافعي.
وقال الثوري وأبو حنيفة: إذا فسدت صلاة الإمام عاد المسافر إلى حاله٢.
والراجح أن المسافر يعود إلى حاله فله أن يقصر إذا صلى وحده أو مع جماعة يقصرون، وذلك لأن صلاته التى شرع فيها إنما يلزمه إتمامها تبعاً لإمامه لا من الأصل، وبعد أن فسدت زالت التبعية، فلا يلزمه إلا صلاة مقصورة.
стр. 200
وكذا مسافر ائتم بمقيم، وبعد شروع الصلاة، ذكر المسافر أنه على غير وضوء، فذهب وتوضأ، فلما رجع وجد الناس قد صلوا، فلا يلزمه الإتمام، لأن الصلاة لم تنعقد أصلاً.
١- مسافر دخل وقت الصلاة وهو في السفر، ثم دخل البلد، فإنه يتم اعتباراً بحال فعل الصلاة، أما لو دخل وقت الصلاة وهو في البلد ثم سافر فإنه يقصر.
قال ابن قدامة: قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن له قصرها، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، لأنه سافر قبل خروج وقتها، أشبه ما لو سافر قبل وجوبها.
٢- مسافر شرع في صلاة رباعية ولم ينو القصر ولا الإتمام. قال ابن قدامة: ولنا أن الأصل الإتمام، فإطلاق النية ينصرف إليه١.
وهناك من يرى أنه يقصر لأنه الأصل، والأحوط الإتمام، أما من نوى فعلى حسب نيته، فمن نوى القصر قصر، ومن نوى الإتمام أتم.
٣- مسافر شرع في الصلاة ثم شك في نيته، أنوى القصر أم لم ينو؟ قال ابن قدامة: فإن شك في نية القصر لزمه الإتمام.
وهناك من يرى أنه يقصر ولا يلزمه الإتمام، لأن الأصل في صلاة المسافر القصر، ولأن من شك في وجود شئ أو عدمه فالأصل العدم، فأشبه هنا من لا نية له، والأحوط الإتمام.
стр. 201
١- مسافر نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام فيلزمه الإتمام، والدليل على ذلك فعل النبي ﷺ ، عندما قدم إلى مكة في حجة الوداع يوم الحد الرابع من ذي الحجة، وأقام فيها، الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء وخرج يوم الخميس إلى منى، فأقام في مكة أربعة أيام يقصر الصلاة.
اختلف أهل العلم في هذه المسألة خلافًا واسعا، والصحيح أنه إن نوى إقامة تزيد على أربعة أيام لزمه إتمام الصلاة والصوم كغيره من المقيمين، لانقطاع أحكام السفر في حقه، سواء كانت إقامته لدراسة أو لتجارة أو غير ذلك من الأمور المباحة.
وأن نوى إقامة أربعة أيام فأقل، أو أقام لقضاء حاجة لا يدري متى تنقضي، فله القصر لعدم انقطاع أحكام السفر في حقه١.
٢- والملاح الذي يسير في سفينة وليس له بيت سوى سفينته، فيها أهله وتنوره وحاجته لا يباح له الترخيص، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الملاح أيقصر ويفطر في السفينة؟ قال: أما إذا كانت السفينة بيته فإنه يتم ويصوم، قيل له: وكيف تكون بيته؟ قال: لا يكون له بيت غيرها، معه فيها أهله، وهو فيها مقيم، وهذا قول عطاء، وقال الشافعي: يقصر ويفطر لعموم النصوص وقول النبي ﷺ لعبد الله بن الشخير: "أتدري ما وضع الله عن المسافر؟ " قلت: وما وضع الله عن المسافر؟ قال: "الصوم وشطر الصلاة" ٢، ولأن
стр. 202
كون أهله معه لا يمنع الترخيص كالجمال١. والصحيح أن الملاح معه أهله لا ينوي الإقامة ببلد المغادرة ولا ببلد الوصول، فهذا يجب عليه أن يتم؛ لأن بلده سفينته. فلو كان له نية الإقامة في بلد فإنه يقصر لكونه مسافراً وفق ما ذكرناه آنفًا من قيد المسافة والزمن.
قال أبو داود: سمعت أحمد يقول في المكاري الذي هو دهره في السفر: لابد من أن يقدم فيقيم اليوم، قيل: فيقيم اليوم واليومين والثلاثة في تهيئة للسفر. قال: هذا يقصر. وذكر القاضي وأبو الخطاب انه ليس له القصر كالملاح، وهذا غير صحيح لأنه مسافر مشفوق عليه، فكان له القصر كغيره، ولا يصح قياسه على الملاح، فإن الملاح في منزله سفراً وحضراً، ومعه مصالحه وتنوره وأهله، وهذا لا يوجد في غيره، وإن سافر هذا بأهله كان أشق عليه وأبلغ في استحقاق الترخيص٢.
والفيج: وهو المسرع في سيره الذي يحمل الأخبار من بلد إلى بلد أشبه برجل البريد، وهو كالمكاري في حكم القصر.
١- مسافر إلى بلد آخر، ولمقصده طريقان، أحدهما بعيد يبلغ مسافة القصر، والآخر قريب لا يبلغ حد القصر، فسلك أبعدهما، فله القصر، لأنه يصدق عليه أنه مسافر سفر قصر، بينما لو تعمد الأبعد ليتحايل على الفطر في رمضان، فالفطر عليه حرام، والصيام واجب عليه حينئذ.
٢- مسافر منع من السفر ولم ينو إقامة كمن حبسه سلطان بحق أو بظلم،
стр. 203
أو حبس بعدو أو مرض أو خوف، فإنه يقصر إن كان حبسه أربعة أيام فأقل، فإن كان أكثر من أربعة أيام لم يقصر إلا إذا كان لا يعلم مدة حبسه، فإنه يقصر على كل حال.
١- مسافر لم يجمع على إقامة أكثر من أربعة أيام، فله القصر. قال ابن قدامة: وإن قال: إن لقيت فلانًا أقمت، وإلا لم أقم، لم يبطل حكم سفره، لأنه لم يعزم على الإقامة١.
وكذا من أقام لقضاء حاجة ولم ينو إقامة مطلقة، فإنه يقصر أبداً، لأنه لا يعد مستوطناً، والإقامة تقيد بزمن وتقيد بعمل، فإن نوى أكثر من أربعة أيام أتم، ودونها يقصر وإن قيد إقامته بعمل يقصر فيها أبداً ولو طالت المدة، كمن سافر للعلاج ولا يدري متى ينتهي.
٢- إذا كان السفر مباحاً، فغير نيته إلى المعصية، انقطع الترخيص لزوال سببه. ولو سافر لمعصية فغير نيته إلى مباح، صار سفراً مباحاً، وأبيح له ما يباح في السفر المباح، وتعتبر مسافة السفر من حيث غير النية، ولو كان سفره مباحاً فنوى المعصية بسفره، ثم رجع إلى نية المباح، اعتبرت مسافة القصر من حين رجوعه إلى نية المباح، لأن حكم سفره انقطع بنية المعصية، فأشبه ما لو نوى الإقامة، ثم عاد فنوى السفر، فأما إن كان السفر مباحاً لكنه يعصي فيه، لم يمنع ذلك الترخيص لأن السبب هو السفر المباح، وقد وجد فثبت حكمه، ولم يمنعه وجود معصية، كما أن معصيته في الحضر لا تمنع الترخيص فيه٢.
стр. 204
١- مسافر قلب نيته إلى سفر قصير، لزمه إتمام الصلاة، ولزم من خلفه متابعته.
٢- ومن قصر معتقداً تحريم القصر فصلاته فاسدة، لأنه فعل ما يعتقد تحريمه١ (١) .
وقصر الصلاة رخصة، تدل في جوهرها على سماحة الإسلام، ومراعاته لأحوال المسلمين وظروفهم، فكم من التعب يلقاه المسافر! وكم من المشقة يمر بها!
ولكن يجب أن لا ينقطع عن العبادة المفروضة، وينبغي أن لا يتخلى عن التحلي بالسنن والواجبات، حتى يستمر المؤمن في صلته بربه أينما حل وارتحل، فيعيش تملأ حياته الطاعة، ويستقر في نفسه الإيمان.
إنها سماحة الإسلام التي تراعي أحوال المسلم في سفره وفي مرضه وفي خوفه، ويأتي تشريع الحكيم العليم وافياً بما يناسب حال الإنسان في كل زمان ومكان.
إنها عدالة الله تراعي ظروف الخلف، حاملة في طياتها الرأفة والرحمة واليسر، قال الله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢.
قال ابن عبد البر: وفي إجماع الجمهور من الفقهاء على أن المسافر
стр. 205
إذا دخل في صلاة المقيمين فأدرك منها ركعة أن يلزمه أربع، دليل واضح على أن القصر رخصة، إذ لو كان فرضه ركعتين لم يلزمه أربع بحال١.
стр. 206
جمع الصلاة في السفر
...
جمع الصلاة في المسافر:
تعريف الجمع وبيان حكمه:
والجمع: هو ضم إحدى الصلاتين للأخرى، ويكون الجمع بين الظهر والعصر، كما يكون بين المغرب والعشاء، ولا يكون في غيرهما، وهو سنة إذا وجد سببه لوجهين:
الأول: أنه رخصة، والله يحب أن تؤتى رخصه.
الثاني: أن فيه اقتداء بالرسول ﷺ ، حيث كان يجمع عند وجود السبب المبيح للجمع، ويدخل هذا في عموم قوله ﷺ : " ... صلوا كما رأيتموني أصلي.." ١.
وقت الجمع وصفته:
إذا جاز الجمع لوجود السبب المبيح له، صار الوقتان وقتا واحدا، فأنت مخير بالجمع في وقت الأولى، أو في الوقت الذي بينهما، لما روى عن معاذ بن جبل ﵁: " أن رسول الله ﷺ كان في غزوة تبوك، إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وإذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك، إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل
стр. 207
العشاء، ثم نزل فجمع بينهما"١.
الأسباب المبيحة للجمع:
١- يجوز الجمع للمسافر سفرا تقصر فيه الصلاة، قال النووي: وفي السفر الذي لا يقصر فيه الصلاة قولان: أحدهما: يجوز لأنه سفر يجوز فيه التنقل على الراحلة، فجاز فيه الجمع كالسفر الطويل، والثاني: لا يجوز، وهو الصحيح لأنه إخراج عبادة عن وقتها، فلم يجز في السفر القصير كالفطر في الصوم٢ والسفر الذي يجوز للمسافر أن يجمع فيه هو السفر المباح، ولا يجوز في غيره.
واختلف أهل العلم حول جواز الجمع للمسافر نازلاً أو سائراً على قولين:
الأول: لا يجوز الجمع للمسافر إلا إذا كان سائراً لا إذا كان نازلاً لحديث ابن عمر ﵄ قال: " إن رسول الله ﷺ كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء "٣ يعني إذا كان سائراً، ولأن النبي ﷺ لم يجمع بين الصلاتين في حجة الوداع لأنه كان نازلاً، ولا شك أنه في سفر لأنه يقصر الصلاة.
واحتج عليهم بأن النبي ﷺ جمع بين الظهرين في عرفة وهو نازل، وأجابوا بأن النبي ﷺ فعل ذلك ليدرك الناس صلاة الجماعة، لأنهم بعد الصلاة سوف يتفرقون في موقفهم في عرفة ويشق
стр. 208
جمعهم.
ونظير ذلك أن الناس يجمعون بين المغرب والعشاء في المطر من أجل تحصيل الجماعة، وإلا فبإمكانهم أن يصلوا الصلاة بوقتها في بيوتهم لأنهم معذورون بالوحل.
الثاني: أنه يجوز الجمع للمسافر سواء أكان نازلاً أم سائراً، واستدلوا بأن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك وهو نازل، وبأن المسافر في الغالب يشق عليه أن يفرد كل صلاة في وقتها، إما للمشقة والعناء، وإما لقلة الماء، وإما لغير ذلك، وبأنه إذا جاز الجمع للمطر ونحوه فجوازه في السفر من باب أولى، ولعموم حديث ابن عباس ﵄ قال: "جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر"١.
والصحيح أن الجمع للمسافر مستحب في حق السائر، وجائز في حق النازل، إن جمع فلا بأس، وإن ترك فهو أفضل.
ولا تشترط النية للجمع، قال النووي: وقال المزني وبعض الأصحاب لا تشترط، لأن النبي ﷺ جمع، ولم ينقل أنه نوى الجمع ولا أمر إلى بنيته، وكان يجمع معه من تخفي عليه هذه النية، فلو وجبت لبينها٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وتنازع العلماء في الجمع والقصر: هل يفتقر إلى نية؟ فقال جمهورهم: لا يفتقر إلى نية، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب أحمد ... وقال
стр. 209
الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد: إنه يفتقر إلى نية، وقول الجمهور هو الذي تدل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
فالنية ليست شرطا عند إحرام الأولى، وإنما يشترط وجود سبب الجمع عند الجمع، لذا للمصلي أن ينوي الجمع ولو بعد سلامه من الأولى، أو عند إحرامه في الثانية عند وجود السبب.
إذا حدث فصل بين الصلاتين يمنع الموالاة:
قال سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز:
الواجب في جمع التقديم الموالاة بين الصلاتين، ولا بأس بالفصل اليسير عرفاً، لما ثبت عن النبي ﷺ في ذلك ... ، أما جمع التأخير فالأمر فيه واسع، لأن الثانية تفعل في وقتها، ولكن الأفضل هو المولاة بينهما تأسيا بالنبي ﷺ في ذلك " ٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والصحيح أنه لا تشترط الموالاة بحال، لا في الوقت الأولى، ولا في وقت الثانية، فإنه ليس لذلك حد في الشرع، ولأن مراعاة ذلك يسقط مقصود الرخصة ٣ لأن معنى الجمع عنده: هو ضم وقت الثانية للأولى، بحيث يكون الوقتان وقتا واحدا. وليس ضم الفعل.
٢- ويجوز الجمع في الحضر للمريض الذي يلحقه بترك الجمع مشقة وضعف، ويشمل ذلك المريض بأي مرض يجد من الأفراد في الصلاة مشقة، لعموم قول الله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا
стр. 210
يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٢، ولحديث ابن عباس ﵄ قال: "جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر"٣، وقيل لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: كي لا يحرج أمته. فدل ذلك على انتفاء الخوف والمطر، وعلى انتفاء السفر أيضا لكونه في المدينة، ومن هنا نأخذ أنه متى لحق المكلف حرج في ترك الجمع جاز له أن يجمع، فيجمع المريض متى لحقه بالإفراد مشقة، سواء أكان صداعا في الرأس أم وجعا في الظهر أم في البطن أم في الجلد أم غير ذلك.
قال ابن قدامة: وقد أجمعنا على أن الجمع لا يجوز لغير عذر، فلم يبق إلا المرض، ولأن النبي ﷺ أمر سلهة بنت سهيل وحمنة بنت جحش بالجمع بين الصلاتين لأجل الإستحاضة، وهو نوع مرض، ثم هو مخير بين التقديم والتأخير، أي ذلك كان أسهل عليه فعله، لأن النبي ﷺ كان يقدم إذا ارتحل بعد دخول الوقت، ويؤخر إذا ارتحل قبله طلبا للأسهل، فكذلك المريض، وإن كان الجمع عنده واحدا فالأفضل التأخير٤.
٣- ويجوز الجمع لمطر يبل الثياب لوجود المشقة من بلل أو برد، وتزداد المشقة مع هذا بوجود ريح شديدة مع هذا بوجود ريح شديدة. ويجوز الجمع لوحل يشق على
стр. 211
الناس أن يمشوا عليه، ويجوز الجمع للريح إذا كانت شديدة باردة أو كانت شديدة تحمل تراباً يتأثر به الإنسان ويشق عليه.
روى البيهقي عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ جمع ين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة"١
وكون النبي ﷺ جمع في ليلة مطيرة لا يمنع أن يجمع في يوم مطير، لأن العلة هي المشقة، لذا يجوز الجمع بين الظهرين لهذه الأعذار، كما يجوز الجمع بين العشاءين لوجود المشقة.
ولا تنحصر أسباب الجمع فيما ذكرنا من أسباب، ولكن٢ إذا دعت الحاجة وشق على الإنسان أن يصلي كل صلاة في وقتها فلا حرج عليه أن يجمع حينئذ.
ومثال ذلك:
المستحاضة بين الظهرين، وبين العشاءين يجوز لها الجمع لمشقة التوضؤ عليها كل صلاة، وكذا مرافق المريض الذي لا يستطيع أن يغيب عن مراقبته ومتابعته قليلاً من الوقت خشية هلاك المريض أو تأخر برئه.. فإنه يجمع ولا حرج عليه، والمرضع والشيخ الضعيف وأشباههما ممن يشق عليه ترك الجمع.
ولا يجوز الجمع لغير عذر شرعي، لأن كل صلاة لها وقتها الذي لا تصح ولا تقبل إلا بدخوله، قال الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ
стр. 212
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ ١.، وتقديم الصلاة أو تأخيرها عن وقتها المشروع أداؤها فيه دون عذر، ظلم للنفس، وتعد لحدود الله : ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢، وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ٣، وهكذا كله لأن فعل الصلاة في وقتها فرض.٤.
قال عمر بن الخطاب ﵁: الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر٥.
стр. 213
هل هناك تلازم بين الجمع والقصر ؟
قال سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز: ليس بينهما تلازم، فللمسافر أن يقصر ولا يجمع، وترك الجمع أفضل إذا كان المسافر نازلاً غير ظاعن، كما فعله النبي ﷺ في منى في حجة الوداع، فإنه قصر ولم يجمع، وقد جمع بين القصر والجمع في غزوة تبوك، فدل على التوسع في ذلك، وكان ﷺ يقصر ويجمع إذا كان على ظهر سير غير مستقر في مكان.
أما الجمع فأمره أوسع، فإنه يجوز للمريض، ويجوز أيضا للمسلمين في مساجدهم عند وجود المطر بين المغرب والعشاء، وبين الظهر والعصر، ولا يجوز لهم القصر، لأن القصر مختص بالسفر فقط١.
وإن٢ أتم الصلاتين في وقت الأولى، ثم زال العذر بعد فراغه منهما، قبل دخول وقت الثانية، أجزأته، ولم تلزمه الثانية في وقتها، لأن الصلاة وقعت صحيحة مجزية عن ما في ذمته، وبرئت ذمته منها، فلم تشتغل الذمة بها بعد ذلك، ولأنه أدى فرضه حال العذر، فلم يبطل بزواله بعد ذلك، كالتيمم إذا وجد الماء بعد فراغه من الصلاة.
стр. 214
ما هي رخص السفر ؟
رخص السفر أربعة:
١- صلاة الرباعية ركعتين.
٢- الفطر في رمضان، ويقضيه عدة أيام أخر.
٣- المسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها ابتداء من أول مرة مسح.
٤- سقوط المطالبة براتبة الظهر والمغرب والعشاء.
أما راتبة الفجر وبقية النوافل فإنها باقية على مشروعيتها واستحبابها، فيصلي المسافر صلاة الليل وسنة الفجر وركعتي الضحى وسنة الوضوء وركعتي دخول المسجد وركعتي القدوم من السفر.. فإن من السنة إذا قدم الإنسان من سفر أن يبدأ قبل دخول بيته بدخول بيت الله (المسجد) فيصلي فيه ركعتين.
وهكذا بقية التطوع بالصلاة فإنه لا يزال مشروعا بالنسبة للمسافر ما عدا ما قلت سابقاً، وهي: راتبة الظهر وراتبة المغرب وراتبة العشاء، لأن النبي ﷺ كان لا يصلي هذه الرواتب الثلاث١.
هل تسقط مشروعية السنن الرواتب في السفر؟
المشروع ترك الرواتب في السفر ما عدا الوتر سنة الفجر، لأنه ثبت عن النبي ﷺ ، من حديث ابن عمر وغيره، أنه كان يدع الرواتب في السفر ماعدا الوتر وسنة الفجر، أما النوافل المطلقة فمشروعة في السفر
стр. 215
والحضر، وهكذا ذوات الأسباب، كسنة الوضوء وسنة الطواف وصلاة الضحى والتهجد في الليل لأحاديث وردت في ذلك ١.