الناس أن يمشوا عليه، ويجوز الجمع للريح إذا كانت شديدة باردة أو كانت شديدة تحمل تراباً يتأثر به الإنسان ويشق عليه.
روى البيهقي عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ جمع ين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة"١
وكون النبي ﷺ جمع في ليلة مطيرة لا يمنع أن يجمع في يوم مطير، لأن العلة هي المشقة، لذا يجوز الجمع بين الظهرين لهذه الأعذار، كما يجوز الجمع بين العشاءين لوجود المشقة.
ولا تنحصر أسباب الجمع فيما ذكرنا من أسباب، ولكن٢ إذا دعت الحاجة وشق على الإنسان أن يصلي كل صلاة في وقتها فلا حرج عليه أن يجمع حينئذ.
ومثال ذلك:
المستحاضة بين الظهرين، وبين العشاءين يجوز لها الجمع لمشقة التوضؤ عليها كل صلاة، وكذا مرافق المريض الذي لا يستطيع أن يغيب عن مراقبته ومتابعته قليلاً من الوقت خشية هلاك المريض أو تأخر برئه.. فإنه يجمع ولا حرج عليه، والمرضع والشيخ الضعيف وأشباههما ممن يشق عليه ترك الجمع.
ولا يجوز الجمع لغير عذر شرعي، لأن كل صلاة لها وقتها الذي لا تصح ولا تقبل إلا بدخوله، قال الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ
стр. 212
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ ١.، وتقديم الصلاة أو تأخيرها عن وقتها المشروع أداؤها فيه دون عذر، ظلم للنفس، وتعد لحدود الله : ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢، وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ٣، وهكذا كله لأن فعل الصلاة في وقتها فرض.٤.
قال عمر بن الخطاب ﵁: الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر٥.
стр. 213
هل هناك تلازم بين الجمع والقصر ؟
قال سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز: ليس بينهما تلازم، فللمسافر أن يقصر ولا يجمع، وترك الجمع أفضل إذا كان المسافر نازلاً غير ظاعن، كما فعله النبي ﷺ في منى في حجة الوداع، فإنه قصر ولم يجمع، وقد جمع بين القصر والجمع في غزوة تبوك، فدل على التوسع في ذلك، وكان ﷺ يقصر ويجمع إذا كان على ظهر سير غير مستقر في مكان.
أما الجمع فأمره أوسع، فإنه يجوز للمريض، ويجوز أيضا للمسلمين في مساجدهم عند وجود المطر بين المغرب والعشاء، وبين الظهر والعصر، ولا يجوز لهم القصر، لأن القصر مختص بالسفر فقط١.
وإن٢ أتم الصلاتين في وقت الأولى، ثم زال العذر بعد فراغه منهما، قبل دخول وقت الثانية، أجزأته، ولم تلزمه الثانية في وقتها، لأن الصلاة وقعت صحيحة مجزية عن ما في ذمته، وبرئت ذمته منها، فلم تشتغل الذمة بها بعد ذلك، ولأنه أدى فرضه حال العذر، فلم يبطل بزواله بعد ذلك، كالتيمم إذا وجد الماء بعد فراغه من الصلاة.
стр. 214
ما هي رخص السفر ؟
رخص السفر أربعة:
١- صلاة الرباعية ركعتين.
٢- الفطر في رمضان، ويقضيه عدة أيام أخر.
٣- المسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها ابتداء من أول مرة مسح.
٤- سقوط المطالبة براتبة الظهر والمغرب والعشاء.
أما راتبة الفجر وبقية النوافل فإنها باقية على مشروعيتها واستحبابها، فيصلي المسافر صلاة الليل وسنة الفجر وركعتي الضحى وسنة الوضوء وركعتي دخول المسجد وركعتي القدوم من السفر.. فإن من السنة إذا قدم الإنسان من سفر أن يبدأ قبل دخول بيته بدخول بيت الله (المسجد) فيصلي فيه ركعتين.
وهكذا بقية التطوع بالصلاة فإنه لا يزال مشروعا بالنسبة للمسافر ما عدا ما قلت سابقاً، وهي: راتبة الظهر وراتبة المغرب وراتبة العشاء، لأن النبي ﷺ كان لا يصلي هذه الرواتب الثلاث١.
هل تسقط مشروعية السنن الرواتب في السفر؟
المشروع ترك الرواتب في السفر ما عدا الوتر سنة الفجر، لأنه ثبت عن النبي ﷺ ، من حديث ابن عمر وغيره، أنه كان يدع الرواتب في السفر ماعدا الوتر وسنة الفجر، أما النوافل المطلقة فمشروعة في السفر
стр. 215
والحضر، وهكذا ذوات الأسباب، كسنة الوضوء وسنة الطواف وصلاة الضحى والتهجد في الليل لأحاديث وردت في ذلك ١.
стр. 216
صلاة الراكب:
والراكب على الدابة من أهل الأعذار إذا كان نزوله عنها للصلاة يؤذيه. قال ابن عابدين: واعلم أن ماعدا النوافل من الفرض والواجب بأنواعه لا يصح على الدابة إلا لضرورة، كخوف لص على نفسه أو دابته أو ثيابه لو نزل، وخوف سبع وطين ونحوه١.
ومنها خشية فوات رفقة بنزوله، أو يعجز عن الركوب بعد النزول، أو يعجز عن النزول خلال وقت الصلاة ولا يستطيعه إلا بعد فوات وقتها، فمن لحقه عذر شرعي بنزوله صلى على دابته، لحديث يعلي بن مرة، أنهم كانوا مع النبي ﷺ في مسيرة، فانتهوا إلى مضيق، وحضرت الصلاة، فمطروا، السماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فأذن رسول الله ﷺ وهو على راحلته، وأقام أو أقام، فتقدم على راحلته فصلى بهم، يومئ إيماء: يجعل السجود أخفض من الركوع"٢.
ويجب استقبال القبلة إن استطاع، لقوله تعالى: ﴿حَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ٣، ويركع ويسجد، فإن لم يستطع الاستقبال صلى على حسب حاله، وإن عجز عن الركوع أو السجود أومأ بما عجز عنه، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ٤.
стр. 217
الصلاة في السفينة:
ويجوز لراكب السفينة أن يصلي الفرض فيها لعذر شرعي، لما ذكرنا من الأدلة السابقة، ويصلي على قدر الاستطاعة، فإن تمكن من الصلاة قائماً، وإلا صلى جالسا، وإن تمكن من الركوع ركع، وإلا أومأ برأسه، وإن تمكن من السجود سجد، وإلا أومأ بأسه، فإن أومأ بالركوع والسجود جعل السجود أخفض من الركوع.
ويجب استقبال القبلة عند الافتتاح وكلما دارت، إن تمكن، فإن عجز، صلى على حسب حاله حرصاً على أداء الصلاة في وقتها.
وما يقال في السفينة، يقال في القطار ونحوه من وسائل المواصلات.
واختلف أهل العلم فيمن يصلي في السفينة قاعداً وهو قادر على القيام على قولين:
الأول: أجازه أبو حنيفة، لما روي عن سويد بن غفلة أنه قال: سألت أبا بكر وعمر ﵄ عن الصلاة في السفينة فقالا: إن كانت جارية يصلي قاعداً، وإن كانت راسية يصلي قائماً، وعلل الكاساني جواز القعود مع القدرة على القيام: بأن سير السفينة سبب لدوران الرأس غالباً١.
الثاني: لا يجوز وإن فعله لا يصح، وإليه ذهب أبو يوسف
стр. 218
ومحمد بن الحسن، وقال زفر والشافعي: لا يجزئه إلا أن يصلي قائمً١.
واستدلوا بحديث عمران بن الحصين أنه قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: "صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب" ٢، وقد أمر النبي ﷺ عمران أن يصلي قائماً، فإن عجز صلى قاعداً، فلا ينتقل من القيام إلى القعود إلا عند عدم الاستطاعة التي تمنعه من القيام، والمصلي في السفينة هنا قادر على القيام، فلا يجوز له الانتقال إلى حالة أخرى.
وروي أن النبي ﷺ لما بعث جعفر بن أبي طالب ﵁ إلى الحبشة، أمر أن يصلي في السفينة قائماً، إلا أن يخاف الغرق، ولأن القيام ركن من الصلاة، فلا يسقط إلا بعذر ولم يوجد٣.
والراجح: القول الثاني؛ لإسناده على أدلة صحيحة صريحة، وما استدل به أبو حنيفة من قول أبي بكر وعمر ﵄، فيحتمل أن يكون ذلك لأن سير السفينة سبب لدوران الرأس غالباً، أو لغير عذر، وإذا تطرق إلى الدليل الاحتمال سقط به الاستلال.
وتجوز الصلاة في السفينة قياماً جماعة إذا أمكنهم ذلك، فإذا لم يستطيعوا الصلاة في السفينة قياماً جماعة، وأمكنهم الصلاة فرادى قياماً، فهل يصلي كل واحد منفرداً أم يصلون جلوساً جماعة؟ على ثلاثة أقوال:
стр. 219
قال في الإنصاف١: خير بينهما على الصحيح من المذهب ... وقيل: صلاته في الجماعة أولى، وقيل: تلزمه الصلاة قائماً.
ورجع صاحب الإنصاف القول الثالث، وعلل بقوله: لأن القيام ركن لا تصح الصلاة إلا به مع القدرة عليه، وهذا قادر، والجماعة واجبة تصح الصلاة بدونها.
стр. 220
الصلاة في الطائرة، حكمها وكيفيتها:
والصلاة في الطائرة جائزة إذا خيف خروج الوقت، كطلوع الشمس قبل صلاة الصبح أو غروبها قبل صلاة العصر، وذلك قبل أن تهبط الطائرة في المطار، فإنه يصلي فيها ولا يؤخر الصلاة عن وقتها، ويصلي على الحالة التي تطاق بها، ولا ينتقل إلى غيرها إلا مع العجز.
فإن وجد موضوع يؤدي فيه الصلاة قائماً فعل، فإن لم يجد صلى على كرسيه ولو بالإيماء، فإن كانت جمعاً كالظهر والمغرب أخرها، ولو دخل وقت الثانية، حتى ينزل فيصليهما جمعاً، فإن خشي خروج الوقتين صلاهما على حسب حاله.
وقد ورد هذا السؤال إلى اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية:
إذا كنت مسافراً في طائرة وحان وقت الصلاة، هل يجوز أن نصلي في الطائرة أم لا؟ فأجابت اللجنة بما يلي:
إذا حان وقت الصلاة، والطائرة مستمرة في طيرانها، ويخشى فوات وقت الصلاة قبل هبوطها في أحد المطارات، فقد أجمع أهل العلم على وجوب أدائها في وقتها بقدر الاستطاعة ركوعاً وسجود واستقبالاً للقبلة، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ١، وقول النبي ﷺ : " ... إذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم ... " ٢.
стр. 221
أما إذا علم أنه ستهبط قبل خروج وقت الصلاة بقدر يكفي لأدائها، أو أن الصلاة مما يجمع مع غيرها، كصلاة الظهر مع العصر، وصلاة المغرب مع العشاء، وعلم أنها ستهبط قبل خروج وقت الثانية بقدر يكفي لأدائها، فقد ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز أدائها في الطائرة، لوجوب الأمر بأدائها بدخول وقتها حسب الاستطاعة كما تقدم وهو الصواب.
стр. 222
صلاة الخوف:
تجوز صلاة الخوف في كل قتال مباح ... ، ولا تجوز في محرم؛ لأنها رخصة؛ فلا تستباح بالمحرم كالقصر١. والقتال المباح أنواع: منه قتال الكفار، لقول الله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٢، وقتال من تركوا صلاة العيد أو الأذان وإقامة شعائر الإسلام الظاهرة قياساً على النص السابق، وقتال الطائفة المعتدية
فيما إذا اقتتل طائفتان من المؤمنين، لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ٣.
أدلة مشروعيتها:
من الكتاب، قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ ٤.
فهي٥ مشروعة في زمنه ﵊، وتستمر مشروعيتها إلى آخر الدهر، وأجمع على ذلك الصحابة وسائر الأئمة ما عدا خلافا إلى آخر الدهر، وأجمع على ذلك الصحابة وسائر الأئمة ما عدا خلافا قليلا لا يعتد به.
стр. 223
وتشرع صلاة الخوف في الحضر والسفر عند الخوف من العدو، إنسان أو سبع أو حرق، بشرط أن يكون مما يجوز قتاله، ويخاف أن يهجم على المسلمين وقت أداء الصلاة، قال الله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ففقهاء الحديث كأحمد وغيره متبعون لعامة الحديث الثابت عن النبي ﷺ وأصحابه في هذا الباب، فيجوزون في صلاة الخوف جميع الأنواع المحفوظة عن النبي ﷺ .
стр. 224
صفات صلاة الخوف:
١- إذا كان العدو في غير جهة القبلة، والإمام يصلي الثنائية، وفيها يقسم قائد الجيش جيشه إلى طائفتين، ١ طائفة تصلي معه، وأخرى أمام العدو لئلا يهجم، فيصلي بالطائفة الأولى ركعة، ثم إذا أقام الثانية نووا الإنفراد، وأتمو لأنفسهم، ثم يذهبون ويقفون مكان الطائفة الثانية أمام العدو، والإمام لا يزال قائما، وتأتي الطائفة الثانية وتدخل مع الإمام في الركعة الثانية، ويطيل الإمام الركعة الثانية أكثر من الأولى، فيصلي بهم الركعة التي بقيت، ثم يجلس للتشهد، فإذا جلس للتشهد وقبل أن يسلم، تقوم الطائفة الثانية من السجود وتكمل الركعة التي بقيت وتدرك الإمام في التشهد، فيسلم بهم.
وهذه الصفة توافق ظاهر القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ أي إذا أتموا الصلاة، ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ وهي التي أمام العدو ﴿لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ ٢
ولما كان موقف الطائفة الثانية من العدو أكثر خطرا، أمر الله بأخذ الحذر والأسلحة. وهذه الصلاة فعلها الرسول ﷺ في غزوة
стр. 225
ذات الرقاع١، روى صالح بن خوات، عمن صلى مع رسول الله ﷺ ، يوم ذات الرقاع، صلاة الخوف، أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسا، وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم"٢.
١- إذا كان العدو في غير جهة القبلة، ما روي عن ابن عمر ﵄، قال: " صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة العدو، وجاء أولئك، ثم صلى بهم النبي ﷺ ثم قضى هؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة"٣.، والظاهر من هذا الحديث أن الطائفة الثانية لا تسلم إلا إذا أتمت الركعة الثانية، فتكون صلاتها متصلة، فإذا انصرفت واجهت العدو، وقضت الطائفة الأولى الركعة الثانية.
٢- إذا كان العدو جهة القبلة، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: " شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصفنا صفين: صف خلف رسول الله ﷺ ، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي ﷺ وكبرنا جميعا، ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود، وقام الصف الذي يليه، انحدر
стр. 226
الصف المؤخر بالسجود، وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذين يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحور العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعا، قال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم ١.
١- أن يصلي الإمام بكل طائفة ركعتين، فتكون الصلاة منه أربع، ومن الطائفة ركعتان، عن جابر قال: " أقبلنا مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا كنا بذات الرقاع ... ، قال: فنودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان"٢.
ويفهم من الحديث أن الرسول ﷺ لم يسلم إلا في آخر الأربع.
٢- أن يصلي بكل طائفة من الطائفتين صلاة كاملة ركعتين ويسلم، لما روي عن أبي بكر " أن رسول الله ﷺ صلى بالقوم في الخوف ركعتين ثم سلم، ثم صلى بالقوم الآخرين ركعتين ثم سلم، فصلى النبي ﷺ أربعا"٣.
٣- أن تصلي كل طائفة ركعة واحدة فقط مع الإمام، فيصلي الإمام ركعتين، وكل طائفة ركعة من غير قضاء، لما رواه ابن عباس رضي الله
стр. 227
عنهما: "أن رسول الله ﷺ صلى بذي قرد، وصف الناس خلفه صفين: صفا خلفه، وصفا موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا "١.
وما ذكر من صفات للصلاة في الخوف يفعل ما لم يشتد الخوف، فإن حان وقت الصلاة، والمعركة حامية والطعن متواصل، ولم يمكن تفريق القوم ليؤدوا الصلاة على صفة مما تقدم، فلا تؤخر الصلاة، بل يصلون على حسب أحوالهم، إلى القبلة وإلى غيرها، يؤمنون بالركوع والسجود قدر طاقتهم، ويوجهون الضرب والطعن ويكرون ويفرون، وصلاتهم صحيحة، لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ ٢.، والرجال: جمع راجل، والركبان: جمع راكب، أي فصلوا على أي حال كنتم من المشي أو الوقوف أو الركوب.
وكذا من خاف من عدو أو سيل أو سبع أو نار فهرب، أو من كان أسيرا لدى كفار يخاف على نفسه إن رأوه يصلي، أو كان مختفيا يخاف على نفسه إن ظهر، صلى على قدر استطاعته، واقفا أو ماشيا أو قاعدا أو مستلقيا إلى القبلة أو غيرها سفرا أو حضرا يومئ بالركوع والسجود.
وذهب فريق من أهل العلم إلى جواز تأخير الصلاة عن وقتها والحالة هذه إذا اشتد الخوف، بحيث لا يمكن أن يتدبر الإنسان ما يقول أو يفعل، واستدلوا بتأخير النبي ﷺ الصلاة في غزوة الأحزاب.
стр. 228
كيفية صلاة المغرب عند الخوف:
قال الحافظ ابن حجر: لم يقع في شيء من الأحاديث المروية في صلاة الخوف تعرض لكيفية الصلاة المغرب١.
وذكر بعض أهل العلم أن الإمام يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وتتم لأنفسها ركعة، تقرأ فيها بالحمد لله، وبالثانية ركعة، وتتم لأنفسها ركعتين تقرأ فيها بالحمد لله وسورة.
فإذا جلس الإمام للتشهد، أطال الجلوس حتى تجيء الطائفة الثانية فينهض، وتقوم الطائفة الأولى بعد تقصير التشهد لتؤدي الركعة الثالثة وتسلم، فينهض الإمام وتكبر الطائفة الثانية وتدخل معه، وعندما ينتهي من الركعة ويجلس للتشهد تنهض لقضاء ما فاتها ولا تشهد معه، ويحتمل أن تتشهد معه إذا قلنا: إنها تقضي ركعتين متواليتين، لئلا يفضي إلى وقوع جميع الصلاة بتشهد واحد.
وإن صلى المغرب بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين، جاز لأنه لم يزد على انتظارين ورد الشرع بهما٢.
стр. 229
مسائل تتعلق بصلاة الخوف:
حمل السلاح في صلاة الخوف:
ذهب كثير من أهل العلم إلى استحباب حمل السلاح في صلاة الخوف، والصحيح أن حمل السلاح واجب لأمر الله به، قال تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ ١
ولما كان ترك السلاح يمثل خطراً على المسلمين يجب تلافيه والحذر منه، أمر به الله سبحانه الطائفة الأولى، وأمر الطائفة الثانية بالحذر وحمل السلاح، وقال تعالى: ﴿لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ ، والسلاح المراد حمله هو السلاح الدفاعي، لأن المصلي مشغول في صلاته عن مهاجمة العدو، وينبغي أن لا يشغله بحجمه أو ثقله عن الخشوع في الصلاة.
صلاة الخوف حال الأمن:
ولا يجوز أن تصلى صلاة الخوف حال الأمن، فإن صلاها لا تصح، لاختلافها عنها في أمور، منه:
١- ترك الاستقبال.
٢- انفراد الطائفة الأولى عن الإمام قبل السلام.
٣- تقضي الطائفة الثانية ما فاتها من الصلاة قبل سلام الإمام.
٤- ترك المأموم متابعة الإمام.
стр. 230
١- مفارقة الإمام.
٢- العمل الكثير أثناء الصلاة مع تغير في هيئتها.
وكل هذه الأمور تبطل الصلاة في الأمن بغير عذر.
فإن غلب على ظنه إغارة عدو فصلى صلاة الخوف، ثم تبين له أنه غير عدو أو تبين له أنه عدو لا يمكنه الوصول إليه لوجود حاجز يمنعه، فيلزمه إعادة الصلاة لعدم وجود ما يبيحها، كمن صلى ظاناً أنه متطهر ثم علم بحدثه.
يسر الإسلام وسماحته:
والمتأمل صفاي صلاة الخوف وكيفياتها المختلفة، يقف على كثير من الأمور الهامة، وفي مقدمتها: مكانة الصلاة في الإسلام، والتي تجب على العبد مهما كان حاله من الأمن والخوف، أو الصحة والمرض، أو الحضر والسفر، ويكلفه المشرع الحكيم بها بصورة تتناسب مع حاله، فللأمن صلاة وللخوف صلاة، وللصحة صلاة وللمرض صلاة ... مما يشير إلى كمال الشريعة، ومناسبتها لكل زمان ومكان.
والإسلام ما بني إلا على اليسر ورفع الحرج ودفع المشقة، وقد أخذ بمبدأ الرخص في العبادات، من أجل التخفيف على الإنسان إذا استحق ذلك وفق معايير دقيقة.
وتبدو سماحة الإسلام، فيما يلحق الصلاة من التخفيف لأصحاب
стр. 231
الأعذار، ويكشف بوضوح عظم شأن الصلاة في الإسلام، وأهمية صلاة الجماعة، حيث لم يسقطا في أحرج الظروف.
انظر إلى المعركة، وقد علت أصوات النيران، وتناثرت الشهب، وطارت القلوب، والمسلمون يصفون ليؤدوا الصلاة في جماعة على صفة مما ذكرنا آنفاً، فإذا كانت صلاة الجماعة في الخوف واجبة ففي حالة الأمن أولى وأوجب.
حتى إن الناس في المطر يجمعون بين صلاتين من أجل تحصيل الجماعة، وبإمكانهم أن يصلوا فرادى في بيوتهم كل صلاة في وقتها.
стр. 232
صلاة المريض ومن في حكمه:
عن أنس بن مالك، قال: "كانت آخر وصية رسول الله ﷺ ، وهو يغرغر بها في صدره، فلا يكاد يفيض بها لسانه: "الصلاة، الصلاة، وما ملكت أيمانكم" ١.
فلا عجب إذا كانت الصلاة لا تترك أبداً، والمصطفى ﷺ المحب لأمته، والحريص عليها، يحثها على التمسك بها عبادة من أجل العبادات لله، وقربة من أعظم القربات، فتكون آخر وصاياه من أهم الوصايا وأعظمها.
وتيسير العبادات منهج التزم به الإسلام ليعالج شتى ظروف الإنسان، فالمرض عارض للإنسان يحد من قوته ونشاطه، وقدرته وحركاته، وحتى لا ينقطع المريض عن خالقه، بما يقترب به إليه من عبادة مفروضة، وليستطيع القيام بتكاليف الحياة، يلزم الإسلام بأداء الصلاة، لأنها لا تسقط عنه ما دام يتمتع بعقل ثابت، مهما كان مرضه.
ولكن صلاة المريض تكون على حسب حاله؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٢.
- يجب على المريض أن يتطهر بالماء لرفع الحدث الأصغر أو الأكبر، لأن الطهارة شرط للصلاة فإن لم يستطع تيمم.
стр. 233
- ويجب عليه أن يطهر ثوبه وبدنه من النجاسات، فإن عجز صلى على حاله، وصلاته صحيحة ولا إعادة عليه.
- ويجب عليه أن يصلي على شيء طاهر، فإن عجز صلى على ما هو عليه، وصلاته صحيحة ولا إعادة عليه.
- ويلزم المريض أن يؤدي الفريضة قائماً ولو منحنياً، ولا بأس إن اعتمد على جدار أو عصا، فإن عجز عن القيام، أو كان في قيامه مشقة ظاهرة، أو تأخر برء، أو زيادة مرض، صلى قاعداً، بأن يجلس متربعاً، لما روي عن عائشة ﵂ قالت: "رأيت النبي ﷺ يصلي متربعاً"١، أو يجلس كجلوس التشهد، وله أن يجلس على الهيئة التي تسهل عليه، ولا ينقص ذلك من ثوابه شيئاً، لما روي عن أبي بردة قال: سمعت أبا موسى مراراً يقول: قال رسول الله ﷺ : "إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً" ٢، وصلاته صحيحة لا يعيدها، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ ٣.
وقد أمر النبي ﷺ عمرا نبن الحصين، فقال: "صل قائماً، فأن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب" ٤.
- فإن عجز عن القعود، أو كان فيه مشقة ظاهرة، صلى على جنبه
стр. 234
متجهاً إلى القبلة، يومئ بالركوع والسجود، ويكون أخفض من ركوعه، يقرب وجهه من الأرض قدر طاقته، والأفضل أن يكون على جنبه الأيمن، فإن عجز عن استقبال القبلة صلى إلى أي جهة تسهل عليه.
- وإن عجز عن أن يصلي على جنبه، قال بعض أهل العلم: / يصلي مستلقياً على قفاه ورجلاه إلى القبلة١، ويومئ بالركوع والسجود برأسه، فإن عجز فبطرفه٢، أي بعينه، فيغمض قليلاً للركوع، ويغمض أكثر لسجود، وأما الإشارة بالإصبع كما يفعله بعض المرضى، فليس بصحيح، ولا أعلم له أصلاً من الكتاب والسنة، ولا من أقوال أهل العلم٣، فإن عجز عن الإيماء أو الإشارة بالعين نوى بقلبه القيام والركوع والسجود.
- وإن استطاع المريض أن يصلي قائماً، وعجز عن الركوع والسجود، صلى قائما ًوأومأ بالركوع، ثم يجلس ويومئ بالسجود، ولا بأس إن وضعت له وسادة بين يديه ليسجد عليها، ويجعل الوسادة منخفضة قدر طاقته، لما روي أن أم سلمة كانت تسجد على مرفقة موضوعة بين يديها لرمد بها، ولم يمنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم٤.
فإن كان الظهر مقوساً، رفع المصلي قدر طاقته حال القيام، وينحني عند الركوع قليلاً، فإن قدر على الركوع دون السجود، ركع عند الركوع، وأومأ بالسجود، وإن قدر على السجود دون الركوع، سجد عند السجود وأومأ بالركوع.
стр. 235
- وإذا صلى المريض قاعداً، ويمكنه السجود على الأرض، وجب عليه، ولا يكفيه الإيماء، وإن بدأ المسلم
الصلاة قائماً وعجز في أثنائها، أتم الصلاة على قدر استطاعته، قال الكاساني: الصحيح إذا شرع في الصلاة، ثم عرض له مرض، بنى على صلاته على حسب إمكانه قاعداً أو مستلقياً١. وكذا من بدأ الصلاة على جنب أو قاعداً وقدر القيام أثنائها أتم صلاته قائماً.
ومن كان في ماء أو طين لا يمكنه السجود إلا التلوث والبلل، فله الصلاة بالإيماء، والصلاة على دابته٢، لما روى ابن عمر ﵄: "كان رسول الله ﷺ يأمر المؤذن إذا كانت ليلةٌ باردةٌ ذات مطر يقول: ألا صلوا في الرحال"٣.
وروى يعلى بن مرة أنهم كانوا مع النبي ﷺ في مسير، فانتهوا إلى مضيق، وحضرت الصلاة فمطروا، السماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فأذن رسول الله ﷺ وهو على راحلته، وأقام، أو أقام، فتقدم على راحلته، يومئ إيماء: يجعل السجود أخفض من الركوع"٤.
فإن كان البلل يسيراً لا أذى فيه لزمه السجود، لما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ " ... انصرف من الصبح وجهه ممتلئٌ طيناً وماءً"٥.
стр. 236
ولا يجوز للمريض أن يؤخر الصلاة عن وقتها، مالم شق عليه جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، جمع تقديم أو تأخير، على ما يتيسر له قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٦.
стр. 237
صلاة الجمعة
حكم صلاة الجمعة
...
صلاة الجمعة:
وسميت بذلك لجمعها الخلق الكثير، أو من أجتماع الناس لها، أو لأن آدم خلقه الله فيها أو لما جمع فيها من الخير.. وهي من أوكد فروض الإسلام، ومن أعظم مجامع المسلمين١.
حكم صلاة الجمعة:
وهي واجبة وفرضها ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، يصليها المسلمون ركعتين جماعة، وهي فرض عين، والظهر عوض عنها إن فاتت لعذر.
من القرآن: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
فأمر بالسعي، ويقتضي الأمر الوجوب، ولايجب السعي إلى واجب،
ونهي عن البيع لئلا يشتغل به عنها، فلو لم تكن واجبة، لما نهى عن البيع من أجلها٣.
ومن السنة: عن حفصة زوج النبي ﷺ ، أن النبي ﷺ قال: "رواح الجمعة واجب على كل محتلم" ٤، وعن ابن عمر وأبي هريرة، أنهما
стр. 238
سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين" ١، وعن أبي الجعد الضمري أن رسول الله ﷺ قال: "من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه" ٢.
والإجماع: حكى ابن المنذر العربي الإجماع على أنها فرض عين٣.
على من تجب الجمعة؟ ولا تجب إلا على من اجتمعت فيه شرائط ثمانية: الإسلام، والبلوغ، والعقل، لأنها
من شرائط التكاليف بالفروع، والذكورية، والحرية، والاستيطان، لما روى طارق بن شهاب قال: إن النبي ﷺ قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة، عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض " ٤ ولأن المرأة ليست من أهل الجماعات، وكان النبي ﷺ بعرفة يوم جمعة، فلم يصل جمعة ... ، ولأن العبد مملوك المنفعة محبوس على سيده، أشبه المحبوس بدين،
السابع: انتفاء الأعذار المسقطة للجماعة، الثامن: أن يكون مقيما بمكان الجمعة، الثامن: أن يكون مقيما بمكان الجمعة أو قريب منه٥.
فلا تصح الجمعة من الكافر ولا المجنون، ولو أدياها لم تنعقد بهما، لكونهما ليسا من أهل العبادات، وتجب وتنعقد بالبالغ الذكر الحر
стр. 239
المستوطن، ولا يؤم من أخل بشرط منها لسقوط الوجوب عنه، وكذا لا تنعقد بمن أخل بشرط منها، لأن سقوطها رخصه في حقهم كالصبي والمرأة والعبد والأمة والمسافر، فإن أدوها أجزتهم.
وإنما تجب عند انتفا الأعذار، فلو تكلف المريض الحضور وجبت عليه وانعقدت به، لأن الرخصة لرفع المشقة ‘ وبحضوره زالت المشقة وارتفعت الرخصة.
والاستيطان شرط للانعقاد، فأهل البادية الذين يطلبون المرعى تصح منهم ولا تنعقد بهم.
قال السيوطي: الناس في الجمعة أقسام:
الأول: من تلزمه وتنعقد به، وهو كل ذكر صحيح، مقيم مستوطن مسلم بالغ عاقل حر، لاعذر له.
الثاني: من لا تلزمه ولا تنعقد به، ولكن تصح منه، وهم: العبد والمرأة والخنثى والصبي والمسافر.
الثالث: من تلزمه ولا تنعقد به، وذلك اثنان: من داره خارج البلد، وسمع النداء، ومن زادت إقامته على أربعة أيام وهو على نية السفر.
الرابع: من لاتلزمه وتنعقدبه: وهو المعذور بالأعذار السابقة١.
حكمة مشروعية صلاة الجمعة:
شرع اجتماع المسلمين فيه لتنبيههم على عظم نعمة الله عليهم،
стр. 240
وشرعت فيه الخطبة لتذكيرهم بتلك النعمة، وحثهم على شكرها، وشرعت فيه صلاة الجمعة في وسط النهار؛ ليتم الاجتماع في مسجد واحد١.
وفي هذا الاجتماع الأسبوعي تعليم وتوجيه وموعظة وتذكير، وتجديد للبيعة، وإحياء لعاطفة الأخوة، وتركيز للوحدة، وإظهار للقوة٢.
وفي يوم الجمعة خلق الله آدم، عن عبد الرحمن الأعرج، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق ادم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها" ٣.
والإنسان ما خلق إلا للعبادة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٤، فناسب أن يتفرغ الإنسان فيه من هموم الدنيا وشواغلها، ويشتغل بالعبادة والشكر للخالق، وليكون وقفة مع النفس يتذكر فيها المبدأ والمعاد.
стр. 241
فضل يوم الجمعة:
قال ابن القيم: وكان من هديه ﷺ تعظيم هذا اليوم وتشريفه، وتخصيصه بعبادات يختص بها عن غيره، وقد اختلف العلماء: هل هو أفضل أم يوم عرفة؟ على قولين: هما وجهان لأصحاب الشافعي١.
وجوب اجتماع المسلمين فيه وأداء صلاة الجمعة، ومن تركها من غير عذر ختم الله على قلبه بالجهل والجفاء والقسوة والإقفال، وكان من الغافلين.
وفيه ساعة إجابة، وهو يوم عيد يتكرر كل أسبوع، عن أبي لبابة بن عبد المنذر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " إن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر، وفيه خمس خلال: خلق الله فيه آدم، وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفى الله آدم، وفيه ساعة لايسأل الله فيها العبد شيئا إلا أعطاه، ما لم يسأل حراما، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض، ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة" ٢.
قال ابن القيم: وكان ﷺ يقرأ في فجره بسورتي [ألم تنزيل] ٣ و [هل أتى على الإنسان] ٤......، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إنما
стр. 242
كان النبي ﷺ يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة، لأنهما تضمنتا ما كان ويكون في يومها، فإنهما اشتملتا على خلق آدم، وعلى ذكر المعاد، وحشر العباد، وذلك يكون يوم الجمعة، وكان في قراءتهما في هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه ويكون.
وقد استحب بعض أهل العلم قراءة سورة الكهف في يومه، مستدلين بما روي عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين"١.
يستحب فيه وفي ليلته كثرة الصلاة على النبي ﷺ ، لما روي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثروا الصلاة على يوم الجمعة وليلة الجمعة" ٢.
الأمر بالاغتسال فيه، وهو سنة مؤكدة، وللناس٣ في وجوبه ثلاثة أقوال: النفي والإثبات، والتفصي بين من به رائحة يحتلج إلى إزالتها، فيجب عليه، ومن هو مستغن عنه، فيستحب له، والثلاثة لأصحاب أحمد.
ويستحب التطيب فيه وهو أفضل من التطيب في غيره من أيام الأسبوع، والتجمل والسواك، لما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "غسل يوم الجمعة على كل محتلم، وسواك،
стр. 243
ويمس من الطيب ما قدر عليه"١، قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ ٢.
وروي عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال: "حق على كل مسلم الغسل والطيب والسواك يوم الجمعة" ٣.
ويستحب التبكير إلى المسجد فيه لصلاة الجمعة لغير الإمام، والاشتغال بالصلاة النافلة، والذكر، وقراءة القرآن، حتى يخرج الإمام للخطبة.
ويجب الإنصات للخطبة إذا سمعها، فإن ترك الإنصات كان لاغيا، ومن لغا فلا جمعة له، لما رواه علقمة قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس يجلسون من الله يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعات، الأول والثاني والثالث، ثم قال: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد" ٤.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في
стр. 244
الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر" ١.
وعن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله ﷺ قال: "فإذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت" ٢.
وقد بسط القول في فضل الجمعة وخصائصها، العلامة ابن القيم في زاد المعاد٣.
стр. 245
آداب المشي إلى صلاة الجمعة:
إذا كان يوم الجمعة قد خص بكل هذه الخصائص، فلله در من تنبه إلى عظيم الفضل، فسعى لينال الأجر، ولم يغلبه الكسل والغفلة فسارع إلى التوبة.
١ـ وينبغي لمن أم المسجد ليصلى الجمعة أن يتطهر، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ١، وأن يكون على أحسن حال وأبهى صورة من النظافة والتزين والتطيب، وأن يلبس من ثيابه أحسنها، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ٢، ثم يخرج وعليه السكنية والوقار، ولا يشبكن بين أصابعه لقوله ﷺ : "إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبكن يديه فإنه في صلاة " ٣.
ولما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أيوب الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان له، ويلبس من أحسن ثيابه، ثم يخرج وعليه السكنية، حتى يأتي المسجد ثم يركع إن بدا له، ولم يؤذ أحدا، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى
стр. 246
يصلى، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى" ١.
وينبغي أن يسعى الإنسان إلى الصلاة للأمر به، وقد اختلف العلماء في معنى السعي في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٢ على ثلاثة أقوال:
الأول: أن المراد به النية، أي سعي القلوب، وهي أول السعي ومقصوده الأكبر.
والثاني: أنه العمل، أي فاعملوا ما تستعدون به للمضي إلى ذكر الله من اغتسال وتمشط وادهان وتطيب وتزين باللباس.
والثالث: أن المراد به السعي على الأقدام، وهو الأفضل، لكنه ليس بشرط، قال ابن العربي: "وظاهر الآية وجوب الجميع، لكن أدلة الاستحباب ظهرت على أدلة الوجوب"٣.
٢ـ ويجب أن يتجنب الإنسان الروائح الخبيثة قبل ذهابه إلى المسجد، لما روى عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته" ٤ ومن المشابه للثوم والبصل الكراث والفجل، ونحو ذلك مما له رائحة كريهة تؤذي الملائكة والمصلين، ويدخل في ذلك دخولا أولياء ما حرمه الله من الخبائث كالدخان وغيره.
стр. 247
٣ـ ويشرع له تنظيف الفم، وتخليل الأسنان حتى تكون رائحة فمه طيبة ولما روي عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "تسوكوا، فإن السواك مطهرة للفم ومرضاة للرب، ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك، حتى خشيت أن يفرض علي وعلى أمتي، ولولا أني أخاف أن أشق على أمتي لفرضته لهم، وإني لأستاك حتى لقد خشيت أن أحفي مقادم فمي" ١.
وينبغي أن يقول ما ورد من الدعاء، عند الخروج من بيته، ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله قال يقال حينئذ: هديت وكفيت ووقيت" فتتنحى له الشياطين فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفى ووقي؟ " ٢.
وعن أم سلمة قالت: "ما خرج النبي صلى الله علية وسلم من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: "اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو اجهل أو يجهل علي" ٣.
فإذا بلغ المسجد قدم اليمنى ودعاء بالمأثور، عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد قال: "أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم" قال: قط؟
стр. 248
قلت: نعم قال: فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم"١.
وإذا أراد الخروج قدم اليسرى قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ ثم ليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك فإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك" ٢ فإذا دخل لا يتخطى رقاب الناس ولا يضيق على أحد في الصف أو ينازعه مكانه فإذا بلغ موضع جلوسه ألقى السلام على قريب منه ولا يجلس حتى يصلى ركعتين تحية المسجد لما روي عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال: "إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" ٣.
ويجلس في الصف الأول بلا مزاحمة فإن لم يجد فالذي يليه، وميامن الصفوف أفضل عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف" ٤ فإذا جلس كره تشبيك أصابعه لأنه في صلاة وفرقعتها، ولا يتنخم، ولا يبصق، وينبغي أن ينشغل بذكر الله.
стр. 249
شروط صحة الجمعة:
١ــ الوقت: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتا﴾ ١ فلا تصح الجمعة قبل وقتها ولا بعده بالإجماع، وآخر وقتها آخر وقت الظهر بغير خلاف٢.
وأداؤها بعد الزوال أفضل وأحوط لما روي عن أنس بن مالك ﵁: "أن النبي ﷺ كان يصلى الجمعة حين تميل الشمس" ٣.
وهذا هو فعل الرسول ﷺ في أكثر الأوقات أما أداؤها قبل الزوال فمحل خلاف بين أهل العلم
٢ـ الجماعة: فلا تصح من منفرد لما روي عن طارق بن شهاب أن النبي ﷺ قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في الجماعة...." ٤.
وفي العدد الذي تنعقد به الجمعة خلاف كثير بين أهل العلم وأصح ما قيل في ذلك ثلاثة: الإمام واثنان معه فإذا وجد في القرية ثلاثة رجال مكلفون أحرار مستوطنون أقاموا الجمعة ولم يصلوا ظهرا لأن الأدلة الدالة على شرعية صلاة الجمعة وفريضتها تعمهم.
واشتراط الأربعين لإقامة صلاة الجمعة قال به جماعة من أهل العلم،
стр. 250
منهم الإمام أحمد بن حنبل ﵀ والقول الأرجح جواز إقامتها بأقل من أربعين وأقل شيء ثلاثة كما تقدم ... والحديث الوارد في اشتراط الأربعين ضعيف كما أوضح ذلك الحافظ بن حجر في بلوغ المرام١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "تنعقد الجمعة بثلاثة: واحد يخطب واثنان يستمعان وهو إحدى الروايات عن أحمد وقول طائفة من العلماء"٢.
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم ... " ٣ وأما ما روي من قول جابر "مضت السنة أن في كل أربعين فما فوق جمعة" فلم يصح ولأن الأصل وجوب الجمعة على الجماعة المقيمين فالثلاثة جماعة تجب عليهم الجمعة ولا دليل على إسقاطها عنهم، وإسقاطها عنهم تحكم بالرأي الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا جماع ولا قول صاحب ولا قياس صحيح٤.
٣ـ الاستيطان: قال شيخ الإسلام: كل قوم كانوا مستوطنين ببناء متقارب لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفا تقام فيه الجمعة إذا كان مبينا بما جرت به عادتهم: من مدر أو خشب أو قصب أو جريد أو سعف أو غير ذلك فإن أجزاء البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك إنما الأصل أن يكونوا مستوطنين ليسوا كأهل الخيام والحلل الذين ينتجعون في الغالب مواقع