← Фикх общий

Фикх общий · id 7662

الصلاة وصف مفصل للصلاة بمقدماتها مقرونة بالدليل من الكتاب والسنة، وبيان لأحكامها وآدابها وشروطها وسننها من التكبير حتى التسليم

عبد الله الطيار

Полный текст (444 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

يصلى، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى" ١. وينبغي أن يسعى الإنسان إلى الصلاة للأمر به، وقد اختلف العلماء في معنى السعي في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٢ على ثلاثة أقوال: الأول: أن المراد به النية، أي سعي القلوب، وهي أول السعي ومقصوده الأكبر. والثاني: أنه العمل، أي فاعملوا ما تستعدون به للمضي إلى ذكر الله من اغتسال وتمشط وادهان وتطيب وتزين باللباس. والثالث: أن المراد به السعي على الأقدام، وهو الأفضل، لكنه ليس بشرط، قال ابن العربي: "وظاهر الآية وجوب الجميع، لكن أدلة الاستحباب ظهرت على أدلة الوجوب"٣. ٢ـ ويجب أن يتجنب الإنسان الروائح الخبيثة قبل ذهابه إلى المسجد، لما روى عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته" ٤ ومن المشابه للثوم والبصل الكراث والفجل، ونحو ذلك مما له رائحة كريهة تؤذي الملائكة والمصلين، ويدخل في ذلك دخولا أولياء ما حرمه الله من الخبائث كالدخان وغيره.

стр. 247

٣ـ ويشرع له تنظيف الفم، وتخليل الأسنان حتى تكون رائحة فمه طيبة ولما روي عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "تسوكوا، فإن السواك مطهرة للفم ومرضاة للرب، ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك، حتى خشيت أن يفرض علي وعلى أمتي، ولولا أني أخاف أن أشق على أمتي لفرضته لهم، وإني لأستاك حتى لقد خشيت أن أحفي مقادم فمي" ١. وينبغي أن يقول ما ورد من الدعاء، عند الخروج من بيته، ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله قال يقال حينئذ: هديت وكفيت ووقيت" فتتنحى له الشياطين فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفى ووقي؟ " ٢. وعن أم سلمة قالت: "ما خرج النبي صلى الله علية وسلم من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: "اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو اجهل أو يجهل علي" ٣. فإذا بلغ المسجد قدم اليمنى ودعاء بالمأثور، عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد قال: "أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم" قال: قط؟

стр. 248

قلت: نعم قال: فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم"١. وإذا أراد الخروج قدم اليسرى قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ ثم ليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك فإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك" ٢ فإذا دخل لا يتخطى رقاب الناس ولا يضيق على أحد في الصف أو ينازعه مكانه فإذا بلغ موضع جلوسه ألقى السلام على قريب منه ولا يجلس حتى يصلى ركعتين تحية المسجد لما روي عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال: "إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" ٣. ويجلس في الصف الأول بلا مزاحمة فإن لم يجد فالذي يليه، وميامن الصفوف أفضل عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف" ٤ فإذا جلس كره تشبيك أصابعه لأنه في صلاة وفرقعتها، ولا يتنخم، ولا يبصق، وينبغي أن ينشغل بذكر الله.

стр. 249

شروط صحة الجمعة: ١ــ الوقت: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتا﴾ ١ فلا تصح الجمعة قبل وقتها ولا بعده بالإجماع، وآخر وقتها آخر وقت الظهر بغير خلاف٢. وأداؤها بعد الزوال أفضل وأحوط لما روي عن أنس بن مالك ﵁: "أن النبي ﷺ كان يصلى الجمعة حين تميل الشمس" ٣. وهذا هو فعل الرسول ﷺ في أكثر الأوقات أما أداؤها قبل الزوال فمحل خلاف بين أهل العلم ٢ـ الجماعة: فلا تصح من منفرد لما روي عن طارق بن شهاب أن النبي ﷺ قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في الجماعة...." ٤. وفي العدد الذي تنعقد به الجمعة خلاف كثير بين أهل العلم وأصح ما قيل في ذلك ثلاثة: الإمام واثنان معه فإذا وجد في القرية ثلاثة رجال مكلفون أحرار مستوطنون أقاموا الجمعة ولم يصلوا ظهرا لأن الأدلة الدالة على شرعية صلاة الجمعة وفريضتها تعمهم. واشتراط الأربعين لإقامة صلاة الجمعة قال به جماعة من أهل العلم،

стр. 250

منهم الإمام أحمد بن حنبل ﵀ والقول الأرجح جواز إقامتها بأقل من أربعين وأقل شيء ثلاثة كما تقدم ... والحديث الوارد في اشتراط الأربعين ضعيف كما أوضح ذلك الحافظ بن حجر في بلوغ المرام١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "تنعقد الجمعة بثلاثة: واحد يخطب واثنان يستمعان وهو إحدى الروايات عن أحمد وقول طائفة من العلماء"٢. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم ... " ٣ وأما ما روي من قول جابر "مضت السنة أن في كل أربعين فما فوق جمعة" فلم يصح ولأن الأصل وجوب الجمعة على الجماعة المقيمين فالثلاثة جماعة تجب عليهم الجمعة ولا دليل على إسقاطها عنهم، وإسقاطها عنهم تحكم بالرأي الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا جماع ولا قول صاحب ولا قياس صحيح٤. ٣ـ الاستيطان: قال شيخ الإسلام: كل قوم كانوا مستوطنين ببناء متقارب لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفا تقام فيه الجمعة إذا كان مبينا بما جرت به عادتهم: من مدر أو خشب أو قصب أو جريد أو سعف أو غير ذلك فإن أجزاء البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك إنما الأصل أن يكونوا مستوطنين ليسوا كأهل الخيام والحلل الذين ينتجعون في الغالب مواقع

стр. 251

القطر ويتنقلون في البقاع وينقلون بيوتهم معهم إذا انتقلوا وهذا مذهب جمهور العلماء١. والإمام أحمد علل سقوطها عن البادية لأنهم ينتقلون٢. ولذلك كانت قبائل العرب حول المدينة فلم يأمرهم النبي ﷺ بجمعة٣. ٤ـ أن يتقدم صلاة الجمعة خطبتان وقد واظب النبي صلى الله عليه مسلم عليهما وقال ابن عمر ﵄: "كان النبي ﷺ يخطب قائما ثم يقعد ثم يقوم كما تفعلون الآن"٤ وقالت عائشة ﵂: "إنما أقرت الجمعة ركعتين من أجل الخطبة"٥.

стр. 252

شروط الخطبة: قال ابن القيم: خصائص الجمعة الخطبة التي يقصد بها الثناء على الله وتمجيده والشهادة له بالوحدانية ولرسوله بالرسالة وتذكير العباد بأيامه وتحذيرهم من بأسه ونقمته ووصيتهم بما يقربهم إليه وإلى جناته ونهيهم عما يقربهم من سخطه وناره فهذا هو مقصود الخطبة والاجتماع لها١. ولخطبة الجمعة شروط لا تصح بدونها: ١ـ أن تتقدم على الصلاة وهذا هو الموروث عن النبي ﷺ وخلفائه وأجمع عليه المسلمون. ٢ـ النية: لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات.." ٢. ٣ـ حمد الله لقوله ﷺ : "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم" ٣ وكان النبي ﷺ يفتتح خطبة كلها بالحمد لله٤. ٤ـ ذكر الشهادتين وأوجب شيخ الإسلام وغيره حمد الله والثناء عليه والشهادتين والموعظة في الخطبة.

стр. 253

٥ـ الصلاة على الرسول ﷺ لأن كل عبادة تحتاج إلى ذكر الله تعالى تحتاج إلى ذكر الرسول ﷺ . ٦ـ قراءة شيء من القرآن ولو آية لقول جابر بن سمرة: "كانت للنبي على الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهم يقرأ القرآن ويذكر الناس"١ ويستحب أن يقرأ آيات لما ذكر عنه ﷺ وللإجماع على مشروعيتها٢ فمما حفظ٣ من خطبته ﷺ أنه كان يكثر أن يخطب بالقرآن وسورة (ق) عن بنت لحارثة بن النعمان قالت: "ما حفظت (ق) إلا من في رسول الله ﷺ يخطب بها كل جمعة...."٤. ٧ـ الوصية بتقوى الله ، وذكر ابن القيم أن خطبته ﷺ إنما هي تقرير لأصول الإيمان من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه وذكر الجنة والنار وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته وما أعد لأعدائه أهل معصيته ودعوة إلى الله وتذكير بآلائه التي تحببه إلى خلقه وأيامه التي تخوفهم من بأسه، أمرا بذكره وشكره الذي يحببهم إليه فيملا القلوب من خطبته إيمانا وتوحيدا ومعرفة بالله وآياته وآلائه وأيامه ومحبة لذكره وشكره فينصرف السامعون وقد أحبوا الله وأحبهم٥. ٨ـ حضور العدد المشروط للجمعة لسماع القدر الواجب من الخطبتين

стр. 254

من حمد الله والصلاة على رسوله ﷺ والوصية بتقوى الله وقراءة شيء من القران فإن كان هناك مانع من السماع من نوم أو غفلة أو صمم أو بعد صحت. ٩ـ الموالاة بين الخطبتين ولا بأس إن فرق بين الخطبتين، بين أجزاء الخطبة الواحدة أو بينهما وبين الصلاة بيسير فإن طال الفصل بطلت، والمرجع في معرفة طول الفصل وقصره إلى العرف والعادة. ١٠ـ دخول الوقت فلو خطب قبل الوقت وصلى فيه لم تصح لأنهما بدل ركعتين قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ ١ قال ابن العربي: "دليل على أن الجمعة لا تجب إلا بالنداء والنداء لا يكون إلا بعد دخول الوقت"٢. ١١ـ أن يكون الخطيب ممن تجب عليه الجمعة بنفسه كأن يكون حرا مستوطنا ويشترط للخطابة ما يشترط للإمامة. ١٢ـ الجهر بالخطبتين بحيث يسمع العدد المشروط للجمعة فإن جهر الإمام ولم يسمع العدد الذي تجب عليه الجمعة لعذر كغفلة أو نوم أو صمم صحت عن جابر بن عبد لله ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش ... "٣.

стр. 255

١٣ـ الاستيطان فتصح الجمعة في المصر والقرية إذا كان العدد المشروط لها مستوطنين بالمكان، ولا تصح ممن فعل شيئا من الأركان في سفينة مثلا قبل قدوم بلده لعدم الاستيطان. ١٤ـ وأن تكون الخطبة باللغة العربية فإن عجز عنها يكفي أن تكون الآية فيها بالعربية، وأسقط المالكية الجمعة إن عدم من يحسن اللغة العربية، وأجاز الحنيفة الخطبة بغير العربية، والصحيح أنه إن كان يستطيع الخطبة بالعربية وجب عليه أداؤها بالعربية، فإن عجز أدها بلغته إذ لا تصح بغير العربية مع القدرة.

стр. 256

أركان الخطبة ... أركان الخطبتين: لابد من توفير أربعة أركان في الإسلام في كلا الخطبتين الأولى والثانية: ١. حمد الله بصيغة (الحمد لله) ، وكان الرسول ﷺ لا يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله١. ٢. الصلاة على النبي ﷺ ، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ٢﴾ . ٣. الوصية بتقوى الله ، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والحث على الطاعة، والزجر عن المعصية، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٣. ومن تأمل خطب النبي ﷺ ، وخطب أصحابه، وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد، وذكر صفات الرب ﷻ ، وأصول الإيمان الكلية، والدعوة إلى الله وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه، وأيامه التي تخوفهم من بأسه، والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه، فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم. ثم طال العهد وخفي نور النبوة، وصارت الشرائع والأوامر

стр. 257

رسوما تقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فأعطوها صورها، وزينوها بما به، فجعلوا الرسوم والأوضاع سننا، لا ينبغي الإخلال بها، وأخلو بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها، فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر، وعلم البديع فنقص بل عدم حظ القلوب منها، وفات المقصود بها. ١. قراءة شئ من القرآن، فمما١ حفظ من خطبه ﷺ ، أنه كان يكثر أن يخطب بالقرآن وسورة ق. عن بنت لحارثة بن النعمان؛ قالت: "ما حفظت (ق) إلا من في رسول الله ﷺ يخطب بها كل جمعة ... "٢.

стр. 258

سنن الخطبة: ١- أن يخطب على منبر أو نحوه، عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: "سمعت النبي ﷺ يخطب على المنبر.."١، وذكر ابن القيم أن رسول الله ﷺ كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ منبر، وكان في الحرب يعتمد على قوس، وفي الجمعة يعتمد على عصا، وكان منبره ثلاث درجات٢. قال النووي: استحباب اتخاذ المنبر وهو سنة مجمع عليها٣. ٢- أن يسلم الخطيب على المأمومين إذا صعد المنبر، لما روي عن جابر ﵁ "أن النبي ﷺ كان إذا صعد المنبر سلم"٤. ٣- أن يجلس الخطيب قبل الخطبة على المنبر إلى فراغ الأذان، لما رواه ابن عمر ﵄ قال: "كان النبي ﷺ يخطب خطبتين: كان يجلس إذا صعد المنبر، حتى يفرغ، أراه قال: "المؤذن"، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب"٥.

стр. 259

٤ - أن يستقبل الناس بوجهه، لما رواه عدي بن ثابت عن أبيه قال: "كان النبي ﷺ إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم"١. قال ابن حجر: ومن لازم الاستقبال، استدبار الإمام للقبلة، واغتفر لئلا يصير مستدبر القوم الذي يعظهم، ومن حكمة استقبالهم للإمام، التهيؤ لسماع كلامه وسلوك الأدب معه في استماع كلامه، فإذا استقبله بوجهه، وأقبل عليه بجسده وبقلبه وحضور ذهنه، كان أدعى لتفهم موعظته وموافقته فيما شرع له القيام لأجله٢. ٥ - أن يعتمد الخطيب٣ على قوس أو عصا، لأن ذلك من السنن الفعلية، لما صح عن الحكم بن حزن قال: "وفدت إلى رسول الله صلى اله عليه وسلم.. فأقمنا بها أياماً شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله ﷺ ، فقام متوكئاً على عصا أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات.."٤. ٦ - أن يجلس الخطيب بين الخطبتين جلسة خفيفة، عن ابن عمر ﵄ قال: "كان النبي ﷺ يخطب خطبتين يقعد بينهما " ٥. ٧ - أن يخطب قائماً، لما رواه ابن عمر ﵄ قال: "كان النبي

стр. 260

صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً ثم يقعد ثم يقوم كما تفعلون الآن"١، ولقول الله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾ ٢. ٨- أن يقصر الخطبة، لما روى مسلم في صحيحه عن عمار قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة وإن من البيان سحراً" ٣ ٩- أن تكون الخطبة الثانية أقصر من الأولى كالإقامة مع الأذان. ١٠- أن يرفع صوته بالخطبة فوق القدر الواجب حسب إمكانه، لما روي عن جابر بن عبد الله قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم.."٤. ١١- أن يدعوا للمسلمين والمسلمات ولنفسه والحاضرين، لجوازه في صلاة الجنازة وغيرها، ففي الخطبة أولى. ١٢- أن يكون في خطبته مسترسلاً معرباً، مبيناً من غير عجلة ولا تمطيط، لأنه أبلغ وأحسن٥. ١٣- أن يؤذن عند الخطبة إذا جلس الإمام على المنبر، لما روي عن السائب ابن يزيد قال: "كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر

стр. 261

على عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر وعمر ﵄، فلما كان عثمان ﵁ وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء"١٢. ١٤- إقامة الصلاة مباشرة بعد الفراغ من الخطبتين من غير فصل طويل.

стр. 262

الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها من يستمع إلى خطبة الجمعة: ١. إذا قدم المصلي إلى المسجد، لا ينبغي له أن يفرق بين اثنين، لما روي عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة وتطهر بما استطاع من طهر، ثم ادهن أو مس من طيب ثم راح، فلم يفرق بين اثنين فصلى ماكتب له، ثم إذا خرج الإمام أنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى" ١. ٢. وينبغي له أن ينصت وينتبه ويتهيأ لسماع الخطبة للحديث السابق. ٣. فإذا هم بالجلوس، لا ينبغي له أن يقيم الجالس ويقعد في مكانه، لما روي عن ابن عمر ﵄ يقول: "نهى النبي ﷺ يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه"٢. ٤. ويكره أن يتخطى الرقاب في المسجد كراهية شديدة، لما روي عن عبد الله بن بسر قال: كنت جالسا إلى جانبه يوم الجمعة، فقال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال له رسول الله ﷺ : "أي اجلس فقد آذيت" ٣، وروى سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه قال: قال

стр. 263

رسول الله ﷺ : "من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسر إلى جهنم" ١. ٥. وينبغي أن يدنو من الإمام، ويتوجه إليه ويحرص على الصف الأول فالأول، لما ورد في ذلك من الفضل، والأحقية في المكان للسابق في الحضور. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس لأحد أن يفترش شيئا ويختص به مع غيبته، ويمنع به غيره. هذا غصب لتك البقعة، ومنع للمسلمين مما أمره الله تعالى به من الصلاة. والسنة أن يتقدم الرجل بنفسه، وأما من يتقدم بسجادة فهو ظالم، ينهى عنه، ويجب رفع تلك السجاجيد، ويمكن الناس من مكانها٢. ٦. ولا يجوز الكلام والإمام يخطب، لما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت" ٣. وأنصت: أمر بمعروف، ولكنه في هذا المقام: لغو، أي إثم. فغير ذلك من الكلام أبلغ في الإثم إلا الصلاة على النبي ﷺ ، فيسن له ذلك إذا سمعها من الخطيب، بحيث لا يرفع بها صوته، حتى لا يشغل غيره، وكذا يسن لسامع الخطبة أن يؤمن على دعاء الخطيب من غير رفع الصوت. فإن

стр. 264

غلبه العطس حمد الله سرا، بينه وبين نفسه. ولا يشرع١ تشميته لوجوب الإنصات، فكما لا يشمت العاطس في الصلاة، كذلك لا يشمت العاطس في الخطبة. ١. ويكره إذا جلس والإمام يخطب أن يضيق على من قاربه، بأن يتكئ أو يمد رجليه أو يلقي يديه خلفه، فيأخذ أكثر مما يأخذ الجالس، إلا أن يكون به علة فلا بأس. فإن تنحى بعيدا عن موضع الزحام كان أفضل، لما في ذلك من راحة بدنه من غير تضييق على الناس. ٢. ولا يجوز إلقاء السلام لمن دخل والإمام يخطب، بل ينتهي إلى الصف بسكينة ووقار، ويصلي ركعتين خفيفتين، ثم يجلس منصتا للخطبة، ولا يجوز له مصافحة من بجواره، فإن سلم بقوله "السلام عليكم"، فقد لغت جمعته وحرم أجرها، ولا يجوز رد السلام عليه، فإن صافح من غير كلام كره لتنافيه مع التهيؤ والإنصات للخطيب، ولا تلغو جمعته. ٣. ولا يجوز لمن يسمع الخطبة أن يمس الحصا، ونحوه، من العبث بلحيته أو ثوبه أو غير ذلك لتنافيه مع الخشوع، لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "..ومن مس الحصا فقد لغا " ٢. ٤. ولا ينبغي لمستمع الخطبة أن يلتفت يمينا وشمالا، ويشتغل بالنظر إلى ما حوله، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتجهون إلى النبي ﷺ حال الخطبة، لما روى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " كان

стр. 265

النبي ﷺ إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم"١ ١١- ولا بأس بالكلام قبل الخطبة وبعدها وبين الخطبتين لمصلحة، فإذا كان الكلام في حق من يسمع خطبة الجمعة لغو، فهو جائز في حق الخطيب، وقد ذكر٢ ابن القيم أن الرسول ﷺ كان يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه، ويأمرهم وينهاهم إذا عرض له أمر أو نهي، كما أمر الداخل وهو يخطب أن يصلي ركعتين، لما روي عن جابر بن عبد الله قال: "دخل رجل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقال: "أصليت " قال: لا، قال: " فصل ركعتين "٣. ونهى المتخطي رقاب الناس عن ذلك وأمره بالجلوس، لما روي عن عبد الله بن بسر قال: كنت جالسا إلى جانبه يوم الجمعة، فقال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال له رسول الله ﷺ : "أي اجلس فقد آذيت" ٤. وكان يقطع خطبته للحاجة تعرض أو السؤال من أحد أصحابه،

стр. 266

فيجيبه، ثم يعود إلى خطبته فيتمها، وكان ربما نزل عن المنبر للحاجة، ثم يعود فيتمها، كما نزل لأخذ الحسن والحسين ﵄، فأخذهما، ثم رقي بهما المنبر، فأتم خطبته. وكان يدعو الرجل في خطبته: تعال يا فلان، اجلس يا فلان، صل يافلان.

стр. 267

أحكام تتعلق بصلاة الجمعة: فإذا فرغ الإمام من خطبة الثانية نزل، فتقام صلاة الجمعة ركعتين إجماعاً، وهي صلاة مستقلة، ينوب عنها الظهر لمن فاتته لعذر. فإذا أذن لها بين يدي الخطيب حرم البيع استجابة لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ١. قال الشوكاني: "ويلحق به سائر المعاملات"٢. وقال ابن العربي: "كل أمر يشغل عن الجمعة من العقود كلها فهو حرام شرعاً مفسوخ ردعاً"٣. ولا يجوز السفر في يومها لمن تلزمه الجمعة قبل فعلها بعد دخول وقتها، وأما قبلها فللعلماء فيه ثلاثة أقوال، وهي روايات منصوصات عند أحمد، وأحدها: لا يجوز، والثاني: يجوز، والثالث: يجوز للجهاد خاصة٤. ويجهر الإمام في ركعتي الجمعة بالقراءة، ويسن أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة بسورة (الجمعة) ، وفي الثانية بعد الفاتحة بسورة (المنافقون) ، لما رواه مسلم عن ابن أبي رافع قال: استخلف مروان أبا

стр. 268

هريرة على المدينة، وخرج إلى مكة، فصلى لنا أبو هريرة الجمعة، فقرأ بعد سورة (الجمعة) في الركعة الآخرة: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ ، قال: فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلت له: إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما في الكوفة، فقال أبو هريرة: إني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما يوم الجمعة١. ويسن أن يقرأ في الأولى بسورة (الأعلى) ، وفي الثانية بسورة (الغاشية) بعد الفاتحة، لا يقسم السورة بين الركعتين لأنه خلاف السنة. عن النعمان بن بشير قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية. قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد، يقرأ بهما في الصلاتين"٢. بم تدرك الجمعة؟ وتدرك صلاة الجمعة مع الإمام، بإدراك ركوع وسجود من الركعة الثانية لمن فاتته الركعة الأولى، فإن دخل في الصلاة ولم يلحق ركوع الثانية أتمها ظهراً، لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" ٣. وقاله ﷺ : "إذا جئتم ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة" ٤.

стр. 269

راتبه الجمعة: اختلف أهل العلم في التنفل قبل صلاة الجمعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أما النبي ﷺ فإنه لم يكن يصلي قبل الجمعة بعد الأذان شيئاً، ولا نقل هذا عنه أحد، فإن النبي ﷺ كان لا يؤذن على عهده إلا إذا قعد على المنبر، ويؤذن بلال ثم يخطب النبي ﷺ الخطبتين، ثم يقيم بلال فيصلي النبي ﷺ بالناس، فما كان يمكن أن يصلي بعد الأذان، لا هو، ولا أحد من المسلمين الذين يصلون معه ﷺ ، ولا نقل عنه أحد أنه صلي في بيته قبل الخروج يوم الجمعة، ولا وقت بقوله صلاة مقدرة قبل الجمعة، بل ألفاظه ﷺ فيها الترغيب في الصلاة إذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة من غير توقيت، كقوله: "من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له، ثم أنصت ... "١، وهذا هو المأثور عن الصحابة، كانوا إذا أتوا المسجد من يوم الجمعة يصلون من حين ما يدخلون ما تيسر، فمنهم من يصلى عشر ركعات، ومنهم من يصلي اثنتي عشرة ركعة، ومنهم من يصلي ثماني ركعات، ومنهم من يصلي أقل من ذلك. ولهذا كان جماهير الأئمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة مؤقتة بوقت، مقدرة بعدد، لأن ذلك إنما يثبت بقول النبي ﷺ أو فعله، وهو لم يبين في ذلك شيئاً، لا بقوله ولا بفعله، وهذا مذهب مالك ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه؛ وهو المشهور في مذهب أحمد، وذهب طائفة من العلماء إلى أن قبلها سنة٢. والصواب: أن لا يقال أن قبل الجمعة سنة راتبه مقدرة٣.

стр. 270

فإذا دخل المصلي المسجد قبل خروج الإمام للخطبة صلى ما شاء الله له، فإن كان دخوله والأمام يخطب ركع ركعتين خفيفتين قبل جلوسه، لقول النبي ﷺ : "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما" ١. أما بعد صلاة الجمعة، فإن صلى في المسجد صلى أربع ركعات، وإن صلى في بيته صلى ركعتين لما روى عن ابن عمر ﵄ أنه وصف تطوع صلاة رسول الله ﷺ قال: "فكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلى ركعتين في بيته ... "٢. وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً" ٣.

стр. 271

الأعذار المرخصة في عدم حضور الجمعة: صلاة الجمعة لا يرخص في عدم حضورها إلا عذر عام أو خاص، وهي أوكد من صلاة الجماعة بإجماع المسلمين على أنها فرض عين، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٤. أما الجماعة: فالقول الراجح أنها فرض عين.

стр. 272

وتسقط الجمعة والجماعة لعذر مما يأتي: أولا: من الأعذار العامة: المطر الشديد، والثلج الذي يبل الثياب، والبرد والوحل الذي يشق على الناس المشي فيه، وكل عذر يشق معه أداء الصلاة في المسجد..، لما روي عن نافع أن ابن عمر أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح فقال: "ألا صلوا في الرحال، ثم قال: كان رسول الله ﷺ يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول: ألا صلوا في الرحال "١. قال ابن بطال: "أجمع العلماء أن التخلف عن الجماعة شدة المطر والظلمة والريح، وما أشبه ذلك مباح"٢. ثانياً: من الأعذار الخاصة: ١- المرض الذي يشق على صاحبه لو ذهب يصلي، لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٣ وعن أم المؤمنين عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال في مرضه: "مروا أبا بكر يصل بالناس" ٤. قال ابن المنذر: "لا أعلم خلافاً بين أهل العلم أن للمريض أن يتخلف عن الجماعات من أجل المرض"٥. ٢- مدافعة أحد الأخبثين، البول والغائط، ويلحق بهما الريح، لقول

стр. 273

النبي ﷺ : "لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان" ١، والنفي بمعني النهي، لأن المدافعة تقتضي انشغال القلب عن الصلاة بما يحدث خللا في العبادة، بينما ترك الجماعة خلل في أمر خارج عن العبادة، والمحافظة على ذات العبادة أولى، إضافة إلى أن الاحتباس يضر البدن. ٣- من يحضره طعام محتاج إليه متمكن من تناوله، للحديث السابق: "لا صلاة بحضرة طعام" ٢. ٤- الخوف من وقوع ضرر في النفس أو المال أو العرض، لما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من سمع المنادي، فلم يمنعه من إتباعه عذر " قالوا: وما العذر؟ قال: "خوف أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى" ٣، ومن ذلك مرافق المريض أو من يحتضر، يعذر بترك الجمعة ان خشي أن يموت وهو غير حاضر، وأحب أن يبقى عنده ليلقنه الشهادة. ٥- ملازمة غريم له يطالبه ويؤذيه ولا شيء معه. ٦- فوات رفقة في سفر طاعة أو سفر مباح، كمن يخشى أن يفوته موعد السيارة أو موعد إقلاع الطائرة، وهذا عذر من وجهين: الأول: فوات مقصده إذا انتظر صلاة الجمعة، الثاني: انشغال القلب كثيراً. ٧- غلبة النعاس، كمن انهمك في عمل أو عاد من سفر فأخذه النعاس،

стр. 274

فإن صلى على حاله لم يدر ما يقول، فهو معذور، لحديث أبي قتادة مرفوعاً: "إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها"١. ٨- تطويل الإمام في الخطبة والصلاة طولاً زائداً عن السنة، ودليل ذلك ما روى النسائي عن جابر قال: " مر رجل من الأنصار بنا ضحين على معاذ وهو يصلى المغرب، فافتتح بسورة البقرة، فصلى الرجل ثم ذهب، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال أفتانٌ يا معاذ؟ ألا قرأت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوهما"٢. ٩- سرعة الإمام بحيث تمنع المأموم من فعل ما يجب، فإن وجد مسجد آخر تقام فيه الجمعة وجبت عليه لزوال العذر. ١٠- أكل ما ينتن الفم، من الثوم والبصل والكراث، ونحو ذلك، مما يؤذي المخاطبين وينفر من آكلها. والنهى عن حضور المسجد ليس لعذر، ولكنه دفع أذيته. لأنه يؤذي الملائكة، ويؤذي بني آدم، عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "..فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" ٣، أما الأكل فهو حلال بالإجماع. فإن أمكنه إزالة الرائحة من الفم، فيحضر لزوال الأذى، فإن أكل ما ينتن فمه تحايلاً لترك الجمعة، فلا تسقط، ويحرم، لما روي عن أنس أنه سئل عن الثوم، فقال: قال رسول الله ﷺ : "من أكل

стр. 275

من هذه الشجرة فلا يقربنا ولا يصلي معنا" ١. وكذا من ببدنه أو ثوبه ريح خبيثة لا يسهل عليه إزالته، والمراد بالعذر سقوط الإثم، مع أخذه الأجر كاملاً، لقول النبي ﷺ : "إذا مرض أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً" ٢. أما آكل البصل والثوم، فلا يكتب له أجر الجماعة لأن سقوط الجماعة في حقه لدفع أذاه. ١١- أن يكون عارياً لا لباس له٣. قال السيوطي: "كل عذر أسقط الجماعة أسقط الجمعة إلا الريح العاصف، فإن شرطها الليل، والجمعة لا تقام ليلاً"٤. وقال: "الأعذار المرخصة في ترك الجماعة نحو أربعين"٥. وإذا طرأ بعض الأعذار أثناء الصلاة، أتمها المصلي خفيفة، وإلا خرج منها، لأن الرسول ﷺ عاتب معاذاً حين أطال صلاته، ولم يعاتب الرجل الذي انصرف من صلاته حين شرع معاذ في سورة البقرة.

стр. 276

حكم صلاة الجمعة خلف المذياع والتلفاز: دلت النصوص من القرآن والسنة على وجوب أداء الصلاة جماعة، وصلاة الجمعة فرض عين، تجب جماعة في المسجد على كل ذكر صحيح مقيم مستوطن مسلم بالغ عاقل حر لا عذر له، وهي أوكد من الجماعة بإجماع المسلمين، ولا تسقط صلاتها في المسجد إلا لعذر شرعي. ولكن بعض الناس يقتدون بالمذياع أو التلفاز ظنا منهم أنهم قد أدوا الصلاة الواجبة عليهم شرعا جماعة، في صلاة الجمعة وغيرها، ويفعلون ذلك جهلا، أو تهاوناً وكسلاً. والصحيح: عدم جواز الصلاة بهذه الصورة، ومن صلى في بيته مقتد بالإمام، يسمع صوتهن طريق المذياع أو التلفاز فصلاته غير صحيحة، فضلاً عن كونه مبتدعاً في الدين، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ١ مع فساد صلاته، فقد استهان بشعيرة من شعائر الله، ولم يلتزم سنة الرسول ﷺ وهو القائل: " ... وصلوا كما رأيتموني أصلى ... " ٢ وفوت على نفسه ما وعد به من الأجر العظيم للسعي إلى الصلاة وشهود الجماعة. وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية في هذا الأمر واشتملت على ما يلي:

стр. 277

"ولا يجوز للرجال ولا للنساء، ضعفاء أو أقوياء، أن يصلوا في بيتهم واحداً أو أكثر، جماعة بصلاة الإمام، ضابطين صلاتهم معه بصوت الكبر فقط، سواء كانت الصلاة فريضة أم نافلة، جمعة أو جماعة في المساجد على الرجال الأقوياء، وسقوط ذلك عن النساء والضعفاء"١.

стр. 278

الصلاة وحكم تاركها: خلق الله الإنسان لعبادته، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾ ١، وكلفه بخمس صلوات في اليوم والليلة، وقد خص الله سبحانه هذه العبادة بخصائص ليست لغيرها، فهي أول ما يحاسب عليه العبد من عمله فرضها الله في السماء ليلة المعراج، لا يسقط فرضها عن العبد بحال ما دام عاقلا، وهي عمود الإسلام، يؤديها الحر والعبد، والذكر والأنثى، والمقيم والمسافر، والغني والفقير، والصحيح والمريض والحاكم والمحكوم. وهي أكثر الواجبات ذكراً في القران. قال أبو عبد الله: وحكي عن الكفار أنهم لما سئلوا بعد دخولهم النار، فقيل لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ ٢، فلم يذكروا شيئاً من الأعمال عذبوا عليها قبل تركهم الصلاة٣. ويتوقف قبول سائر الأعمال من صوم وحج وصدقة على فعلها، لما روى عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة..٤

стр. 279

وبالجملة فهي أهم العبادات، ولا يجوز تأخيرها إلا لعذر. وتجب الصلاة على المسلم العاقل البالغ، لما روته عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل" ١. وتجب على غير حائض ونفساء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومعلوم أنه لو بلغ صبي، أو أسلم كافر، أو طهرت حائض، أو أفاق مجنون، والوقت باق لزمتهم الصلاة أداء لا قضاء، وإذا كان بعد خروج الوقت فلا إثم عليهم"٢. ولا تجب عليهم إلا ببلوغ دعوة النبي ﷺ إليهم لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٤.

стр. 280

الصلاة وحكم تاركها تارك الصلاة ... تارك الصلاة: تهاون كثير من المسلمين في الصلاة، فغفلوا عنها وأضاعوها، بل ربما هانت على بعضهم فتركها مطلقاً، قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ ١ إنه وعيد الله بالويل للذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وإن صلوها بعد ذلك، قال الله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً ٥٩) ٢، روى الحاكم عن عبد الله بن مسعود ﵁ في قوله ﴿فسوف يلقون غياً﴾ ، قال: نهر في جهنم بعيد القعر خبيث الطعم ٣. وعن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لو أن صخرة زنة عشر عشروات قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفاً، ثم تنتهي إلى غي وأثام. فقلت: ما غي وأثام؟ قال: بئران في أسفل جهنم، يسيل فيهما صديد أهل جهنم، فهذا الذي ذكر الله في كتابه ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ ٤ ﴿أَثَاماً﴾ ٥ " ٦.

стр. 281

وعن جابر قال: قال رسول الله ﵌: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" ١ قال الشوكاني: "الحديث يدل على أن ترك الصلاة من موجبات الكفر، ولا خلاف بين المسلمين في كفر من ترك الصلاة منكراً لوجوبها، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أولم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة، وإن كان تركه لها تكاسلاً مع اعتقاده لوجوبها، كما هو حال كثير من الناس، فقد اختلف الناس في ذلك"٢. قال ابن القيم: "لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمداً من أعظم الذنوب، وأكبر الكبائر، وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس، وأخذ الأموال، ومن إثم الزنى والسرقة وشرب الخمر، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة"٣. وتارك كالصلاة المكتوبة الكلف بها، إن كان منكراً لوجوبها غير معذور كفر لجحده، ولو فعلها، لإنكاره ما علم من الدين بالضرورة، وتكذيبه الله ورسوله، ويقتل، لقول النبي ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" ٤، وتطبق عليه أحكام المرتد. وإن كان معتقداً وجوبها وتركها كسلاً حتى خرج الوقت، ففي ذلك خلاف بين أهل العلم، قيل: كافر كفراً مخرجاً من الملة، يقتل إذا لم يتب ويصل، وقيل: لا يكفر، بل يفسق، فإن تاب، وإلا قتل حداً. وقيل لا يكفر ولا يقتل، بل يعزر ويحبس حتى يصلي أو يموت.

стр. 282

وذهب إلى القول الأول جماعة من السلف، وهو مروي عن على بن أبي طالب، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي وذهب إلى القول الثاني مالك والشافعي، وذهب إلى القول الثالث أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي١. واحتج الموجبون للقتل بقول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ٢، فجعلت الآية شرط تخلية سبيلهم التوبة، وأول عمل إقامة الصلاة، فإن لم يتحقق الشرط يجب القتل، ويقول النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" ٣ والأحاديث في ذلك كثيرة. واحتج أصحاب القول الثاني على عدم الكفر بقول الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يشاء﴾ ٤، وبما قال النبي ﷺ في حديث معاذ بن جبل الذي رواه أنس بن مالك: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار.." ٥، وورد نحوه من حديث أبي هريرة ﵁ وغيره.

стр. 283

واحتج أصحاب القول الثالث على عدم الكفر بأدلة أصحاب القول الثاني، وعلى عدم القتل بما روي عن مسروق عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل دم امريء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة" ١، وليس فيه الصلاة. قال الشوكاني: "والحق أنه كافر يقتل، أما كفره فلأن الأحاديث قد صحت أن الشارع سمى تارك الصلاة بذلك الاسم، وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة، فتركها، مقتض لجواز الإطلاق، ولا يلزمنا شيء من المعارضات التي أوردها الأولون، لأنا نقول: لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة، ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفراً، فلا ملجئ إلى التأويلات التي وقع الناس في مضيقها"٢ وقد علل الشوكاني القول بوجوب القتل، بما شرطه الله في القرآن من التخلية بالتوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فلا يخلى من لم يقم الصلاة، وبما صح من السنة التي تقضي صراحة بوجوب القتل. وذكر أن دليل مانعي القتل: "لا يحل دم امرئ مسلم"، لا يعارض مفهومه المنطوقات الصحيحة الصريحة ٣. وما سيق من الأدلة التي ترى عدم كفر تارك الصلاة وعدم قتله، وتأويلها لم صرحت به الأحاديث بكفر تارك الصلاة إلى أنه كفر نعمة لا كفر ملة، أو كفر دون الكفر الأكبر، فيرد على هذا من وجوه:

стр. 284

أولا: تارك الصلاة هدم ركناً من أركان الإسلام، وهذا يقتضي تقويض البناء الإسلامي في داخله، وخروجه من دائرة الإسلام إلى الكفر، خاصة وأن الصلاة هي الحد الفاصل بين متضادين فلا وجه للتداخل بينهما.. والنصوص الدالة على الكفر المخرج من الملة صحيحة صريحة لا تحتاج إلى تأويل، ومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "ليس بين العبد والشرك إلا ترك الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك" ١ وقوله ﷺ : "عرى الإسلام، وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام، من ترك واحدة منهن فهو بها كافر، حلال الدم، شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان" ٢، وهل يستحل الدم إلا لمن خرج عن الإسلام؟ أما ما سيق من الأدلة على أن تارك الصلاة لا يكفر، عندما نتأمله نجد عدم تعارضه مع القائلين بالكفر ٣، وقد دل الإجماع على كفر تارك الصلاة ٤. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن كان مقراً للصلاة في الباطن معتقداً لوجوبها، يمتنع أن يصر على تركها حتى يقتل، وهو لا يصلي، هذا لا

стр. 285

يعرف من بني آدم وعادتهم، ولهذا لم يقع هذا قط في الإسلام ... ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل، لم يكن في الباطن مقراً بوجوبها، ولا ملتزماً بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين١. واختلف٢ أهل العلم القائلين بقتله، أيقتل حداً أم يقتل كفراً؟ ويترتب على ذلك، أيستتاب أم لا؟ - فمن ذهب إلى قتله حداً جعل حد ترك الصلاة القتل، والحدود تجب بأسبابها المتقدمة كالزنى، ولا تسقطها التوبة بعد الرفع إلى الإمام. ومن ذلك إلى قتله كفراً، يرون الاستتابة، لأن هذا قتل لترك واجب، شرعت له الاستتابة كقتل الردة، لأن هذا قتل لترك واجب، شرعت له الاستتابة كقتل الردة، بل الاستتابة هنا أولى لأن احتمال رجوعه أقرب، حيث أن التزامه للإسلام يحمله على التوبة مما يخلصه من العقوبة في الدنيا والآخرة، وهذا القول هو الصحيح. لأن أسوأ أحواله أن يكون كالمرتد، وقد اتفق الصحابة على قبول توبة المرتدين ومانعي الزكاة، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ٣، وهذا يعم المرتد وغيره، فالمشهور أنه يستتاب، فإن تاب ترك وإلا قتل. ــ واختلف أهل العلم فيما يقتل لتركه. قال الشوكاني: "هل يجب القتل لترك صلاة واحدة أو أكثر؟ فالجمهور أنه يقتل لترك صلاة واحدة، والأحاديث قاضية بذلك، والتقييد بالزيادة لا دليل عليه، قال أحمد بن حنبل: إذا دعي إلى الصلاة فامتنع، وقال: لا أصلي حتى خرج وقتها
следующие страницы →