← Фикх общий

Фикх общий · id 7662

الصلاة وصف مفصل للصلاة بمقدماتها مقرونة بالدليل من الكتاب والسنة، وبيان لأحكامها وآدابها وشروطها وسننها من التكبير حتى التسليم

عبد الله الطيار

Полный текст (444 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

إتباع الجنازة فضله وكيفيته: فإذا تم تغسيل الميت وتكفينه، وجب حمله وإتباعه، وفي ذلك فضل عظيم، لما رو ي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان" قيل: وما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين" ١. وحمل الجنازة واتباعها من حق الميت على المسلمين، ويسن حمل الجنازة من جميع جوانب السرير، لما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "من اتبع جنازة، فليحمل بجوانب السرير كلها، فإنه من السنة، ثم إن شاء فليتطوع، وإن شاء فليدع" ٢. ويسن الإسراع بالجنازة، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أسرعوا بالجنازة فإن كانت صالحة قربتموها إلى الخير، وإن كانت غير ذلك، كان شرا تضعونه عن رقابكم" ٣. وحمل الجنازة خاص بالرجال، وهو مفهوم من هذا الحديث، ولا يجوز للنساء اتباع الجنازة، لحديث أم عطية: "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا" ٤.

стр. 317

ويجوز المشي خلف الجنازة وأمامها، لثبوت فعل ذلك عن الرسول ﷺ والأفضل المشي خلفها وهو مفهوم من الحديث الذي رواه عوف بن مالك عن النبي ﷺ قال: "عودوا المريض واتبعوا الجنازة" ١. ويسير الراكب خلف الجنازة لقول النبي ﷺ – "الركب يسير خلف الجنازة" ٢، والأفضل المشي، لما روى ثوبان أن رسول الله ﷺ أتي بدابة وهو مع الجنازة، فأبي أن يركبها، فلما انصرف أتي بدابة فركب، فقيل له؟ فقال: "إن الملائكة كانت تمشي، فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبت" ٣، وفي الحديث جواز الركوب بعد الانصراف دون الكراهة. وكان ﷺ إذا صلى على ميت، تبعه إلى المقابر ماشيا أمامه، وهذه كانت سنة خلفائه الراشدين من بعده، وسن لمن تبعها أن يكون وراءها، وإن كان ماشيا أن يكون قريبا منها، إما خلفها أو أمامها أو عن يمينها أو عن شمالها، وكان يأمر بالإسراع بها، حتى إن كانوا ليرملون بها رملا، وأما دبيب الناس اليوم خطوة خطوة فبدعة مكروهة مخالفة للسنة، ومتضمنة للتشبه بأهل الكتاب اليهود ٤. ولا يجوز اتباع الجنازة بما يخالف السنة من رفع الصوت بالبكاء والذكر والتكبير والترحم، ولا يجوز أن تتبع بالبخور، لما روي عن

стр. 318

أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار" ١، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا يستحب رفع الصوت مع الجنازة، لا بقراءة ولا ذكر، ولا غير ذلك، هذا مذهب الأئمة الأربعة، وهو المأثور عن السلف من الصحابة والتابعين، ولا أعلم فيه مخالفا" ٢. ويحرم اتباعها بمنكر، كالطبل والعزف الحزين على الآلة، والنياحة والتصفيق. ولا بأس بحمل الجنازة على سيارة ونحوها، إذا كانت المقبرة بعيدة. ويستحب ٣ لمتبع الجنازة أن يكون متخشعا متفكرا في مآله متعظا بالموت، وبما يصير إليه الميت، ولا يتحدث بأحاديث الدنيا. ومن البدع ما يقوله بعض الناس أثناء تشييع الجنازة مثل: وَحِّدُوه، فيرد عليه السامعون: لا إله إلا الله، وكقول بعضهم: اذكروا الله، فليس لهذا العمل أصل في السنة، ولا عند السلف ﵏.

стр. 319

دفن الميت: وحمل الميت ودفنه تكريم للميت، وهو من فروض الكفاية، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً﴾ ١، ومعنى الكفت: الضم والجمع، وقال الفراء: يريد تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم، وتكفتهم أمواتا في بطنها أي: تحوزهم٢. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ ٣، جعل له قبرا يواري فيه، قال الفراء: جعله مقبورا ولم يجعله ممن يلقى كالسباع والطيور٤. ويتولى إنزال٥ الميت ولو كان أنثى - الرجال دون النساء لأمور: الأول: أنه المعهود في عهد النبي ﷺ ، وجرى عليه عمل المسلمين حتى اليوم. الثاني: أن الرجال أقوى على ذلك. الثالث: لو تولته النساء أفضى ذلك إلى انكشاف شيء من أبدانهن أمام الأجانب، وهو غير جائز، وأولياء الميت أحق بإنزاله لعموم قول الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ٦.

стр. 320

ويسن الدفن في المقبرة، لأن الرسول ﷺ كان يدفن أصحابه في البقيع، والشهيد يدفن في موطن استشهاده، لأمر النبي ﷺ رد شهداء أحد ليدفنوا في مصارعهم، وكان بعض الشهداء قد حمل إلى المدينة. ويسن تعميق القبر وتوسيعه، لما روي عن هشام بن عامر قال: شُكيَ إلى رسول الله ﷺ الجراحات يوم أحد فقال: "احفروا وأوسعوا وأحسنوا ... " ١ وذلك أستر للميت وأحوط أن لا ينبش أو تناله السباع، وفيه قطع للراحة التي تؤذي الأحياء. ويجوز الجلوس عند القبر وقت الدفن لتذكير الحاضرين بالموت وما بعده، ويجوز الدفن في جميع الأوقات، ويكره في أوقات النهي الثلاثة لغير ضرورة. وينبغي ستر قبر المرأة عند وضعها فيه، حتى يصف اللبن عليها، لأنها عورة، ويكره ذلك للرجل إلا لعذر كمطر. ويسن لمن يدخل الميت القبر أن يقول: بسم الله، وعلى ملة رسول الله، لقول النبي ﷺ : "إذا وضعتم موتاكم في قبورهم فقولوا بسم الله وعلى ملة رسول الله" ٢. ويسن وضع الميت في لحده على شقه الأيمن مستقبل القبلة كسُنَّة النوم، لقول النبي ﷺ عند ما سئل: ما الكبائر؟ فذكر منها: ".. واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا" ٣، ويفك عقد الكفن من قبل رأسه ورجليه،

стр. 321

ولا يكشف وجهه، لأنه لم يرد، ويوضع تحت رأسه لبنة، فإن لم يوجد فحجر، فإن لم يوجد فتراب إن احتاج إلى ذلك، وإلا فلا. وينبغي أن يدني الميت من حائط القبر الأمامي، ويسند خلف ظهره بالتراب حتى لا ينكفئ على وجهه، أو ينقلب على ظهره، ويزال الكفن عن خده حتى يلصق بالأرض، ثم تسد فتحة اللحد باللبن والطين حتى لا ينزل التراب على الميت. ويسن حثو التراب عليه باليد ثلاثا، ثم يهال عليه تراب قبره لا غيرهن ويسن رفع القبر عن الأرض قدر شبر ليتميز فيصان ولا يهان، وليترحم على صاحبه، لحديث جابر ﵁ "أن النبي ﷺ ألحد له لحدا، ونصب عليه اللبن نصبا، ورفع قبره من الأرض نحوا من شبر"١، ويكون محدبا كهيئة السنام أفضل من تسطيحه، لحديث سفيان التمار قال: "رأيت قبر رسول الله ﷺ مسنما"٢. وذكر بعض أهل العلم الحكمة من ذلك؛ في أن التسنيم تنزل عنه مياه الأمطار والسيول، والتسطيح يشبه أبنية أهل الدنيا. ولا يسطح قبر من دفن بدار حرب وتعذر نقله حتى لا ينبش ويمثل به. ويسن وضع حصباء على القبر ثم رشه بالماء ليثبت التراب، لما روى جعفر بن محمد عن أبيه: "أن النبي ﷺ رش على قبر ابنه إبراهيم ماء، ووضع عليه الحصباء"٣.

стр. 322

ولا بأس بتعليم القبر بوضع النصائب على طرفيه، لما روي عن النبي ﷺ لما مات عثمان بن مظعون أنه أمر بحجر فوضعه عند رأسه وقال: "أتعلم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي"١، ولا تجوز الكتابة عليها، لما روي عن جابر قال: " نهى النبي ﷺ أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ"٢. فإذا فرغ من دفنه، استحب الدعاء له عند القبر، لما روي عن عثمان بن عفان ﵁ قال: "كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه فقال: " استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل" ٣، ويدعو كل واحد بمفرده وليس جماعة.

стр. 323

من أحكام الدفن: - لا يجوز دفن الكفار في مقابر المسلمين، ولا يجوز دفن المسلمين في مقابر الكفار. - وينبغي أن تتولى الدفن عدل عالم بأحكام الدفن. ولا يجوز زيادة تراب القبر أو البناء عليه لحديث جابر مرفوعا قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يبنى على قبر أو يزاد عليه.." ١. - ويكره رفع القبر فوق شبر، لقول النبي ﷺ : "لا تدع ثمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته" ٢. - ويكره تزويق القبر ودهنه لأنه بدعة ولا يليق بالقبور، ويكره تجصيصه واتكاء عليه، ويكره عنده المبيت والتحدث في أمور الدنيا، والتبسم، والضحك أشد كراهة، وتكره الكتابة على القبر والجلوس عليه، ووطؤه، وبناء قبة عليه، لحديث جابر: "نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه"٣، وزاد الترمذي: "وأن يكتب عليها"٤، ولما روي عن عمارة بن حزم قال: "رآني رسول الله ﷺ جالسا على قبر فقال: "لا تؤذ صاحب القبر ... " ٥.

стр. 324

- ولا يليق التحدث في أمور الدنيا أو التبسم والضحك في مكان يذكِّر بالآخرة، عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة" ١. - ويكره المشي في المقابر بالنعال لغير عذر، فإن كانت الأرض شديدة الحرارة، أو بها شوك ونحوه، فلا بأس بالمشي بالنعال، لما جاء في حديث بشير بن نهيك مولى رسول الله ﷺ قال: "بينما أنا أماشي رسول الله ﷺ ... فإذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان فقال: "يا صاحب السبتيتين، ويحك! ألق سبتيتيك" فنظر الرجل، فلما عرف رسول الله ﷺ خلعهما فرمى بهما"٢. - ويحرم إسراج القبور لما روي عن ابن عباس قال: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج"٣. - ويحرم قضاء الحاجة على القبور أو بينها. - ويحرم بناء المساجد على القبور أو بينها للحديث السابق، وكذا يحرم الدفن في المساجد، لأنها لم تبن لهذا. - ويحرم دفن ميت على آخر حتى يظن أن الأول صار ترابا. - ويستحب جمع الموتى الأقارب في مقبرة واحدة، ويحرم في لحد واحد إلا لضرورة.

стр. 325

- ولا يجوز وضع قماشة خضراء على النعش مكتوب عليها آية الكرسي، لما فيه من امتهان كلام الله ، ولأنه لم يرد في السنة، ولم يفعله أحد من الصحابة أو التابعين، ولو كان فيه خيرا لسبقونا إليه، فضلا عن ما في ذلك من الاعتقاد الفاسد بأن ذلك ينفع الميت، والصحيح أنه لا ينفعه. - ويحرم ١ الذبح عند القبور والأكل منه، قال شيخ الإسلام: يحرم الذبح والتضحية عند القبر، ولو نذره، ولو شرطه واقف، فشرطه باطل، لحديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عقر في الإسلام" ٢. - ولا يجوز التلقين بعد الدفن، وقد ذكر ابن القيم ﵀ أنه لم يثبت أن النبي ﷺ كان يلقن الميت كما يفعله الناس اليوم، وعلق على الحديث الذي رواه الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا مات أحد من إخوانكم، فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على قبره ثم ليقل: يا فلان ... " ٣ فقال: "فهذا حديث لا يصح رفعه" ٤. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن التلقين بعد الموت ليس واجبا بالإجماع، ولو كان من عمل المسلمين في عهد النبي ﷺ وخلفائه، ولكنه

стр. 326

مأثور عن طائفة من الصحابة كأبي أمامة، وواثلة بن الأسقع، وقد رخص فيه الإمام أحمد، واستحبه طائفة من أصحابه وأصحاب الشافعي، ومن العلماء من يكرهه لأنه بدعة، فالأقوال فيه ثلاثة: الاستحباب، والكراهة، والإباحة١. والصحيح أن ذلك لم يثبت عن النبي ﷺ ، والمشروع الدعاء للميت لأنه السنة. - ولا يجوز قراءة القرآن عند القبر، لأنه لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، ففاعله مبتدع في الدين، لأنه أحدث فيه ما ليس منه، وهذا غير جائز، لما روي عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: " ... كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ٢. - ولا يجوز للنساء زيارة القبور، لما روي عن ابن عباس قال: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج"٣، ولا يكون اللعن على فعل مباح أو مكروه، بل يكون على فعل محرم، وزيارة النساء للقبور من كبائر الذنوب، لذا ترتب عليه اللعن. - ولا يجوز وضع الجريدة ونحوها على القبر، لأنه بدعة، وسوء ظن بالميت، لأن النبي ﷺ لم يضع الجريدة على القبرين إلا حين علم أنهما يعذبان، ونحن لا علم لنا، فيكون وضعنا سوء ظن، ولا ندري هل يقبل الله شفاعتنا إذا فعلنا ذلك كما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم٤.

стр. 327

التعزية: قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١ فإذا أيقن العبد أن ما أصابه من فقد زوج أو ولد أو والد أو قريب إنما هو بإذن الله، يوفق الله قلبه إلى التسليم والرضا بالقضاء. لذا ينبغي له أن يصبر ويحمد الله ويسترجع، حتى ينال الأجر العظيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ٢. وينبغي للمسلم أن يعلم أن الدنيا دار بلاء وامتحان، لذا يجب عليه أن يتحلى بالصبر عند الشدائد، فيمسك نفسه عن الجزع والسخط بالقضاء، ويحبس لسانه عن قول السوء، ويضبط جوارحه عن المعاصي، فلا يشق جيبا، ولا يلطم خدا، ولا يقول إلا ما يرضي ربه، فتتحول بذلك محنته إلى منحة. عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا أجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرا

стр. 328

منها" ١. قال ابن ناصر الدين الدمشقي ﵀: يجري القضاء وفيه الخير نافلة ... لمؤمن واثق بالله لا لاهي إن جاءه فرج أو نابه ترح ... في الحالتين يقول الحمد لله٢. وكيف يسخط من كانت مصيبته ليست في دينه؟، والرسول ﷺ يقول في دعائه: " ... ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ... " ٣، وكيف يسخط من يذكر المصائب وينسى النعم؟. وإذا كان من حق الميت تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه وسداد دينه، وتنفيذ وصيته الشرعية، والدعاء له والاستغفار، فمن حق أهله أن يخفف عنهم بالقول والعمل. وتعزية أهل الميت سنة من سنن النبي ﷺ لقوله: "ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله سبحانه من حلل الكرامة يوم القيامة" ٤، وعن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "من عزى مصابا فله مثل أجره" ٥. والتعزية فيها تسلية لأهل الميت وحث على الصبر والرضا بالقضاء، وتقوية لهم على تحمل هذه المصيبة واحتساب الأجر، ووقتها من وقت حلول المصيبة قبل الدفن وبعده حتى يزول أثرها عن النفس وتنسى.

стр. 329

وتجوز التعزية في كل مكان، في السوق أو المسجد أو العمل، إذ لا يجوز قصد أهل الميت لتعزيتهم، أو يسافر لهم لهذا الغرض، فليس ذلك من السنة، ما لم يخش قطع رحم فلا حرج. وخير ما يعزى به ما عزى به الرسول ﷺ ابنته زينب، حين أرسلت إليه رسولا يخبره أنه صبيا لها في الموت، فقال ﷺ : "إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب" ١. واختار بعض أهل العلم ألفاظا مثل: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك، ومثل ذلك جائز، والأولى ما جاءت به السنة. ويستحب أن يرد المعزى بقوله: استجاب الله دعاءك ورحمنا وإياك. رد به أحمد ٢ ولا يجوز التعزية بألفاظ بدعية مثل البقية في حياتك، وما ماثل ذلك. ويسن صنع الطعام لأهل الميت لانشغالهم بمصابهم عن الاهتمام بأنفسهم، وقد أمر النبي ﷺ بذلك، عندما استشهد جعفر بن أبي طالب ﵁ فقال: "اصنعوا لأهل جعفر طعاما فإنه قد أتاهم أمر شغلهم" ٣. ولا يجوز الاجتماع للعزاء في البيت، أو في أي مكان، ولا الإعلان عن ذلك، إذ لا أصل له، وقد عده بعض السلف من النياحة.

стр. 330

ولا يجوز قراءة القرآن، وهو ما يحدث في بعض البلاد الإسلامية من استئجار المقرئين في المآتم، لأنه بدعة، وإنفاق للمال في وجه غير مشروع. ولا يجوز تخصيص لباس معين للتعزية، كالأسود في بعض البلاد الإسلامية: لما في ذلك من التسخط على قدر الله، ولم يفعله السلف. ولا يجوز تعزية غير المسلمين، لأن التعزية تخفيف على المصاب، وتثبيت وحث على الصبر، والإيمان والرضا، والكفار أعداء للمسلمين، فلا ينبغي مواساتهم، ولا تشييع جنائزهم، ولا الاستغفار لهم، قال الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ٢، ولا حرج أن نقبل تعزيتهم إن عزونا، وندعو لهم بالهداية. ولا يجوز أن يتخذ الناس المصافحة والتقبيل للمعزى سنة، فإن ظُن ذلك فتركها أولى، ولكن لملاقاة المعزى وغيره فلا حرج. ولا يجوز لطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية، لقول النبي ﷺ : "ليس منا من ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية" ٣. وعن أبي موسى قال: "أنا بريء ممن بريء منه رسول الله ﷺ ، إن

стр. 331

رسول الله ﷺ برىء من الصالقة١ والحالقة٢ والشاقة٣"٤. ويجوز البكاء على الميت إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة، لقول النبي ﷺ "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده ... " ٥. قال في الإحكام: وأجمع أهل العلم على تحريم النياحة، إلا ما روي عن بعض المالكية لحديث أم عطية، والحديث حجة عليهم٦. ويكون ذلك بتعداد محاسن الميت مع رفع الصوت بالبكاء، لما في ذلك من الجزع والجاهلية، والاعتراض على قضاء الله وقدره، قال ﷺ "النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب" ٧. وعن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه" ٨، وعن عبد الله أن حفصة بكت على عمر، فقال مهلا يا بنية! ألم تعلمي أن رسول الله ﷺ قال: "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه " ٩. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والصواب أنه يتأذى بالبكاء

стр. 332

عليه، كما نطقت به الأحاديث الصحيحة١. قال محمد المنبجي الحنبلي ﵀: وأما صنع أهل الميت طعاما للناس فمكروه، لأن فيه زيادة على مصيبتهم، وشغلا لهم إلى شغلهم، وتشبيها بصنع أهل الجاهلية، فإنهم يتكلفون طبخ الطعام كما يفعله أهل البر في زماننا، فهذا من النياحة التي نهى عنها رسول الله ﷺ ، عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام من النياحة٢. ولا يجوز سب الأموات، لما روي عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" ٣.

стр. 333

النوافل الرواتب ... النوافل: ١-الراتبة: مشروعية صلاة التطوع: من حكمة الله ، ورحمته بعباده أن شرع التطوع، وجعل لكل عبادة واجبة تطوعا من جنسها، ليكون جبرا لما قد يقع في الفرائض من نقص. فالصلاة منها الواجب ومنها التطوع، والصيام منه الواجب ومنه التطوع، والحج منه الواجب ومنه التطوع ... وصلاة التطوع ليست واجبة، يطالب المكلف بفعلها طلبا غير جازم، زيادة على المكتوبة. عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: "إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال: يقول ربنا جل وعز لملائكته، وهو أعلم: "أنظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها؟ " فإن كانت تامة، كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئا، قال: "انظروا هل لعبدي من تطوع؟ "، فإن كان له تطوع، قال: "أتموا لعبدي فريضته من تطوعه"، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم"١ وصلاة التطوع منها ما هو غير تابع للصلاة المكتوبة، كصلاة الكسوف

стр. 334

والخسوف والتراويح والاستسقاء، ومنها ما هو تابع للصلاة المكتوبة، كالنوافل القبلية والبعدية، ومنها ما هو مقيد بسبب، ومنها ما هو موقت، ومنها ما هو غير موقت. السنن الراتبة: والنوافل التابعة للصلاة المكتوبة، تنقسم إلى قسمين: راتبة، وغير راتبة. والسنن الراتبة دائمة مستمرة تابعة للفرائض، واختلف أهل العلم في عددها، فمنهم من ذهب إلى أنها عشر ركعات، ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعده، وركعتان بعد صلاة المغرب، وركعتان بعد صلاة العشاء، وركعتان قبل صلاة الصبح، لحديث ابن عمر ﵄ قال: "حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح ... "١. وذهب آخرون إلى أنها اثنتا عشرة ركعة، لحديث عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ كان لا يدع أربعا قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة"٢، وعن أم حبيبة زوج النبي ﷺ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعا إلا بنى الله له بيتا في الجنة أو إلا بني له بيت في الجنة.." ٣. قال الحافظ في الفتح: والأولى أن يحمل على حالين: فكان تارة

стр. 335

يصلي ثنتين، وتارة يصلي أربعا، وقيل: هو محمول على أنه كان في المسجد يقتصر على ركعتين، في بيته يصلي أربعا، ويحتمل أن يكون يصلي إذا كان في بيته ركعتين، ثم يخرج إلى المسجد فيصلي ركعتين، فرأى ابن عمر ما في المسجد، دون ما في بيته، واطلعت عائشة على الأمرين، ويقوي الأول ما رواه أحمد وأبو داود في حديث عائشة: "كان يصلي في بيته قبل الظهر أربعا ثم يخرج١" قال أبو جعفر الطبري: الأربع في كثير أحواله، والركعتان في قليلها٢. والصحيح أن الرواتب اثنتا عشرة ركعة، أربع قبل الظهر، وركعتان بعده، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر. وهذه الرواتب ترفع ما يحصل في الصلوات المفروضة من خلل. والسنن الرواتب تنقسم إلى قسمين: مؤكدة وغير مؤكدة، المؤكدة منها اثنتا عشرة ركعة، وهي التي كان الرسول ﷺ يصليها كثيرا ويتركها قليلا، وأما غيرها، فهو سنة مستحبة، وهي التي رسول الله ﷺ يصليها قليلا ويتركها كثيرا. فضل سنة الفجر: وأشد السنن الرواتب تأكيدا، ركعتا سنة الفجر، لما روي عن عائشة ﵂ قالت: "لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد منه

стр. 336

تعاهدا على ركعتي الفجر"١ وعنهما عن النبي صلى لله عليه وسلم قال: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" ٢ ومما يدل على تأكدهما، أن النبي ﷺ كان لا يدعهما في الحضر أو السفر، وعن أببي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تدعوا ركعتي الفجر وإن طردتكم الخيل" ٣، رغم الشدة ومطاردة العدو، والرسول ﷺ ينهى عن ترك سنة الفجر. وعن عائشة ﵂ قالت: "ما رأيت رسول الله في شيء من النوافل أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر"٤. ما تختص به ركعتا الفجر: وتختص سنة الفجر بأمور: ١-كان من هدي النبي ﷺ تخفيفهما، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني لأقول: هل قرأ بأم الكتاب؟ "٥. ٢-وكان النبي ﷺ يقرأ فيها بعد الفاتحة قراءة خاصة، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٦.

стр. 337

وعن ابن عباس قال: " كان رسول الله ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ ١، والتي في آل عمران: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ٢ "٣. وفي رواية لمسلم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ ، كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية في البقرة، وفي الآخرة منهما: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٤"٥. ويجوز أن يقرأ الفاتحة فقط، من غير قراءة بعدها، لحديث عائشة ﵂ قالت: "كان قيام رسول الله ﷺ في الركعتين قبل صلاة الفجر قدر ما يقرأ فاتحة الكتاب"٦. ٣-ويسن الاضطجاع بعدهما على الجنب الأيمن لمن يقوم الليل، لحاجته إلى الراحة، على الراجح، ما لم يخش استغراقه في النوم، وضياع صلاة الفجر، فلا يسن له ذلك. الفصل بين السنة الراتبة والمفروضة: ويسن الفصل بين الفرض وراتبته القبلية أو البعدية بانتقال أو كلام، لما روي عن معاوية ﵁ أنه قال: " ... إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك. أن

стр. 338

لا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج"١. وعن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فقام رجل يصلي فرآه عمر، فقال له: اجلس، فإنما هلك أهل الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم فصل، فقال رسول الله ﷺ : "أحسن ابن الخطاب" ٢. مكان صلاة النافلة: تصلى النافلة في المسجد وفي البيت، ولكن صلاتهما في البيت أفضل، باستثناء ما شرعت له الجماعة كالتراويح، ففعلها في المسجد أفضل، لما روي عن زيد بن ثابت ﵁، أن النبي ﷺ قال: " ... فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة" ٣. وعن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا" ٤. حكم قضاء الراتبة: كل سنة قبل الصلاة، فوقتها من دخول وقتها إلى فعل الصلاة، وكل سنة بعدها فوقتها من فعل الصلاة إلى خروج وقتها٥. وإذا فات الإنسان صلاة الراتبة، فإن كان لعذر فلا حرج عليه أن يقضيها وتجزئه، وإن كان لغير عذر فإنها لا تجزئه، ولا إثم عليه،

стр. 339

وتقضي سنة الفجر، ويتأكد قضاؤها، إذا لم تصل في وقتها لعذر، من حل النافلة إلى الزوال. عن أم سلمة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "يا بنت أبي أمية، سألت عن الركعتين بعد العصر، إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان" ١. وما ثبت في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة وأبي قتادة٢، في قصة نوم النبي ﷺ وأصحابه وهم في السفر عن صلاة الفجر، فصلى النبي ﷺ راتبة الفجر أولا ثم الفريضة بعدها. الجلوس في تأديتها: ويجوز في صلاة التطوع الجلوس مع القدرة على القيام، بخلاف الفريضة، فالقيام فيها ركن، ومن تركه مع القدرة عليه فصلاته باطلة. قال في المغني: لا نعلم خلافا في إباحة التطوع جالسا، وأنه في القيام أفضل، وقد قال النبي ﷺ : "من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم.." ٣.. ويستحب للمتطوع جالسا أن يكون في حال القيام متربعا٤. ويجوز أداء بعض التطوع قائما، وبعضه جالسا، من غير كراهة، حتى ولو كان ذلك في ركعة واحدة، لما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن علقمة بن وقاص قال: "قلت لعائشة: كيف كان يصنع رسول الله ﷺ في

стр. 340

الركعتين وهو جالس؟ قالت: "كان يقرأ فيهما، فإذا أراد أن يركع قام فركع"١. وعن عائشة ﵂ قالت: "ما رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسا حتى إذا كبر قرأ جالسا، حتى إذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية قام فقرأهن ثم ركع"٢. الراتبة في السفر: المشروع ترك الرواتب في السفر، ما عدا الوتر وسنة الفجر، لما ثبت عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر وغيره، أنه كان يدع الرواتب في السفر ما عدا الوتر وسنة الفجر، أما النوافل المطلقة فمشروعة في السفر والحضر، وهكذا ذوات الأسباب، كسنة الوضوء، وصلاة الضحى والتهجد في الليل، لأحاديث وردت في ذلك٣.

стр. 341

٢_ التراويح: حكمها وسبب تسميتها: وصلاة التراويح من النوافل التي يسن لها الجماعة في رمضان. وهي سنة مؤكدة، وسميت تراويح لأن الناس كانوا يجلسون للاستراحة بين كل أربعة ركعات، لأنهم كانوا يطيلون القراءة. وسئلت عائشة ﵂: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا، ... "١. و"ثم" حرف عطف يفيد الترتيب والتراخي. وكان الرسول ﷺ يصلي أربع ركعات بتسليمتين، ثم يستريح، لما روي عن ابن عمر ﵄، أن رجلا قال: يا رسول الله، كيف صلاة الليل؟ قال: "مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة" ٢ ولحديث عائشة ﵂، قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء (وهي التي يدعو الناس العتمة) إلى الفجر، إحدى عشر ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة ... "٣.

стр. 342

فضلها ووقتها: وقد رغب النبي ﷺ في قيام رمضان، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه١..". وهي سنة للرجال والنساء تؤدى بعد صلاة العشاء وسنتها، وقبل الوتر، ركعتين ركعتين، ويجوز بعده على خلاف الأفضل. ويمتد وقتها إلى طلوع الفجر الثاني، أو إلى آخر الليل، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ ٢. وروي عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة والرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم، إلا أني خشيت أن تفرض عليكم" وذلك في رمضان٣. وقد بين النبي ﷺ العذر في ترك المواظبة عليها. عدد ركعاتها: عن عائشة ﵂، قالت: ما كان رسول الله صلى لله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره عن إحدى عشرة ركعة ... "٤، وعن جابر رضي الله

стр. 343

عنه، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ في رمضان ثمان ركعات، والوتر، فلما كان من القابلة اجتمعنا في المسجد، ورجونا أن يخرج إلينا، فلما نزل في المسجد حتى أصبحنا، فدخلنا على رسول الله ﷺ ، فقلنا له: يا رسول الله رجونا أن تخرج إلينا فتصلي بنا، فلما: "كرهت أن يكتب عليكم الوتر" ١. هذا هو الثابت المتواتر عن رسول الله ﷺ ، ثم جمع من بعده عمر بن الخطاب الناس على أبي بن كعب، فصاروا يصلون جماعة إلى يومنا هذا، وكانوا يصلون عشرين ركعة، ويوترون بثلاث، ووافقهم الصحابة، ولم يكن لهم مخالف ممن بعدهم من الخلفاء الراشدين. قال في المغني: والمختار عند أبي عبد الله ﵀ فيها: عشرون ركعة، وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: ستة وثلاثون، وزعم أنه الأمر القديم، وتعلق بفعل أهل المدينة، فإن صالحا مولى التوأمة قال: أدركت الناس يقومون بإحدى وأربعين ركعة يوترون منها بخمس٢. والصحيح أن السنة في صلاة التراويح إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشر ركعة، وهذا ما كان النبي ﷺ يفعله، وهو الأفضل، ولو زاد المصلون على هذا، فلا حرج، لما روي عن السلف من الأنواع المتعددة في الزيادة والنقص، ولم ينكر بعضهم على بعض، ولم يحدد النبي ﷺ عددا

стр. 344

معينا يقتصر عليه، ولكن يجب أن تكون هذه الركعات على الوجه المشروع، وقد بين النبي ﷺ في الحديث الذي رواه ابن عمر ﵄، أن رجلا قال: يا رسول الله، كيف صلاة الليل، قال: "مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة" ١. والأفضل للمأموم أن يقوم مع الإمام حتى ينصرف، سواء صلى الإمام إحدى عشر ركعة أو ثلاثة عشرة ركعة أو ثلاثا وعشرين، حتى يكتب له أجر قيام ليلته، لقول النبي ﷺ : "إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلته ... " ٢. وتسن صلاة التراويح جماعة في المسجد، ويجوز أن يصليها الإنسان منفردا في بيته، ولا يدرك السنة، ولكنها جماعة في المسجد أفضل، وقد تقدم ما يفيد أن الرسول ﷺ صلى جماعة بالمسلمين في المسجد، ولم يداوم على ذلك خشية أن تفرض عليهم، لأن زمانه ﷺ زمان وحي وتشريع، فلما زالت علة التشريع بموت الرسول صلى الله عليه سلم، رجع الأمر إلى أصله، وقد ثبتت سنة صلاتها في المسجد جماعة في رمضان. وفي عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر بقي المسلمون على حالهم أوزاعا متفرقين، ثم جمع عمر بن الخطاب ﵁ الناس على إمام. عن عبد الرحمن بن عبد القاري، قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع

стр. 345

متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقام عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: "نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله"١. وعمر بن الخطاب ﵁ لم يكن مبتدعا في الدين، لأن ما فعله له أصل في الشرع. ويكره التنفل أثناء صلاة التراويح لخروج المصلي عن الجماعة، فإن فاتته الفريضة، صلى خلف الإمام ونوى العشاء، وأتم ركعتين بعد سلام الإمام، وله أن ينوي راتبة العشاء، ويدخل مع الإمام في الجماعة، ولا يضر اختلاف نية الإمام والمأموم على الصحيح من كلام أهل العلم، ويكره التنفل بين التراويح أثناء الاستراحة. ويكره التعقيب بعد التراويح والوتر منفردا أو في جماعة، لقول النبي ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا" ٢. ولا كراهة إن جاء التعقيب بعد التراويح وقبل الوتر، وهذا ما عليه الناس اليوم في العشر الأواخر من رمضان. قراءة القرآن في التراويح: وقراءة القرآن سنة، باتفاق أئمة المسلمين، بل من جل مقصود التراويح قراءة القرآن فيها، ليسمعوا كلام الله، وينبغي أن يحسن القارئ

стр. 346

صوته بالقرآن، لقول النبي ﷺ : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" ١. والتغني التحسين والترنم بخشوع وحضور قلب، وتدبر وتفهم، لكونه أنفع للقلب، وأدعى لحصول الإيمان، وذوق حلاوة القرآن ... من غير تكلف ولا تمرين ... ويتحرى أن يختم القرآن آخر التراويح قبل ركوعه، ويدعو. نص عليه أحمد وغيره٢. ويجوز للإمام إذا لم يكن حافظا أن يقرأ من المصحف، لما ثبت عن عائشة زوج النبي ﷺ "أنها كان يؤمها غلامها ذكوان في المصحف في رمضان"٣، ويقرأ الإمام بالناس في رمضان بما لا يشق عليهم، ولا بأس بأن يتفق جماعة يفضلون الإطالة. الوتر والقنوت في التراويح: والوتر سنة مؤكدة داوم عليه النبي ﷺ في حضره وسفره، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : "الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل" ٤. ويبدأ وقته من صلاة العشاء إلى الصبح، وأفضل وقت له السحر، لقول عائشة ﵂: " كل الليل أوتر رسول الله ﷺ وانتهى وتره

стр. 347

إلى السحر"١. يصليه بعد القيام أو التهجد، فإن خاف أن لا يقوم أوتر قبل نومه، لما روي عن جابر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من خاف أن لا يقوم من آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره، فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل" ٢. ولا يجوز أن يوتر مرتين في ليلة، مرة مع الإمام في التراويح، ومرة بعد تهجده من نفس الليلة، لقول النبي ﷺ : "لا وتران في ليلة" ٣. ويجوز لمن يصلي مع الإمام التراويح أن يؤخر الوتر، فإذا سلم الإمام قام وضم ركعة أخرى. وأقل الوتر ركعة، وأكثره إحدى عشرة، يصلي مثنى مثنى ويوتر بواحدة، وأدنى الكمال ثلاث بسلامين أو سرداً. ويستحب أن يقرأ في الركعة الأولى سورة "الأعلى"، وفي الثانية سورة "الكافرون"، وفي الثالثة سورة "الإخلاص"، لما روى أبي بن كعب، قال: " كان رسول الله ﷺ يوتر بـ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ "٤.

стр. 348

ويجوز للمصلى أن يوتر بخمس أو سبع أو تسع سرداً، كل هذا مما جاءت به السنة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما قنوت الوتر فللعلماء فيه ثلاثة أقوال: قيل: لا يستحب بحال، لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه قنت في الوتر، وقيل: بل يستحب في جميع السنة، كما ينقل عن ابن مسعود وغيره، ولأن في السنن أن النبي ﷺ علم الحسن بن علي ﵄ دعاء يدعو به في قنوت الوتر، وقيل: بل يقنت في النصف الأخير من رمضان كما كان أبي بن كعب يفعل. وحقيقة الأمر أن قنوت الوتر من جنس الدعاء السائغ في الصلاة، من شاء فعله، ومن شاء تركه ... وإذا صلى بهم قيام رمضان، فإن قنت في جميع الشهر، فقد أحسن، وإن قنت في النصف الأخير، فقد أحسن، وإن لم يقنت بحال، فقد أحسن١. وإذا قنت الإمام أمن من خلفه، فإن لم يسمع قنوت الإمام، دعا هو٢. القيام المشروع: بعض الأئمة يحرصون على تخفيف صلاة التراويح، فيصلونها بسرعة، فيصلونها بسرعة، تمنع المصلين من فعل ما يسن، بل ربما تمنعهم من فعل ما يجب، وفي المقابل يطيل بعضهم إطالة تشق عليهم. والواجب على الإمام أن يتقي الله تعالى، فلا يخفف بما يخل بواجب

стр. 349

أو مسنون، ولا يطيل بما يشق على المأمومين وينفرهم، وعليه أن يلتزم هدي النبي ﷺ ، ويؤدي الصلاة علي الوجه المشروع. ومن الغلط، أن يقوم الإمام في صلاة التراويح ويأتي بركعة ثالثة، وعندما ينبهه المأموم يصر ويأتي بالرابعة، فهذا مخالف للسنة، ومفسدة للصلاة، لأن النبي ﷺ قال عن كيفية صلاة الليل: "مثنى مثنى ... " ١، وعن عائشة ﵂، عن رسول الله ﷺ : "من عمل عملاً عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" ٢، والواجب عليه عندما يتذكر أو ينتبه في الثالثة أن يجلس للتشهد ويسلم ويسجد للسهو بعد السلام. ولا بأس بأن يحسن الإمام صوته أثناء قراءة القرآن، ويأتي به على صفة ترقق القلوب دون غلو. وأن يراعي أحكام القراءة، فلا يفرط في المد أو يمطط الحروف أو يشبع الحركات حتى تصير حروفاً، بما يعد لحناً وتطريباً، وحتى لا يخرج به عن المقصود من فهم معانيه من أمر ونهي ووعد ووعيد ووعظ وتخويف....، قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ٣. وقد استمع النبي ﷺ ذات ليلة إلى قراءة أبي موسى الأشعري، وأعجبته قراءته حتى قال له: "لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود" ٤ فتحسين الصوت في القراءة والقنوت ينشط المصلين، ويجذب قلوبهم وأسماعهم، ما دام في الحدود الشرعية.

стр. 350

وبعض الناس يتتبع أصوات الأئمة التي تؤثر في نفسه، وهذا لا بأس به، ولكن الأفضل أن يصلي الناس في مساجدهم وخلف إمامهم. عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليصل أحدكم في مسجده ولا يتتبع المساجد" ١، حتى لا تخلو بعض المساجد من الناس، وتزدحم مساجد أخرى، ويحصل ارتباك في الشوارع، وضياع للوقت من أجل الوصول إلى المسجد وتخطي الزحام، وربما فوات بعض الركعات..... وفي بعض الأقطار الإسلامية تنتشر أقوال بدعية، كقولهم بعد التسليمة الأولى: "الصلاة والسلام على أول خلق الله"، وبعد التسليمة الثانية "سبحان الواحد الأحد، سبحان الفرد الصمد، سبحان الذي لم يلد ولم يكن له كفواً أحد"، وبعد التسليمة الرابعة يكررون ما قالوه بعد التسليمة الثانية، ثم يقولون: "أشفعوا وأوتروا واستقبلوا شهر الصيام أثابكم الله ". وما أكثر ما يقال بين صلاة وصلاة من أقوال بدعية لا أصل لها في الشرع.

стр. 351

التهجد: حكمه وفضله: وقيام الليل من النوافل المطلقة، وهو سنة مؤكدة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة ... ولقد أمر الله سبحانه نبيه به، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ ١، قال مجاهد: إنما كان نافلة للنبي ﷺ ، لأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكانت طاعته نافلة، أي زيادة في الثواب، ولغيره كفارة لذنوبه" ٢. وإن خص النبي ﷺ بهذا الأمر، فنحن مأمورون باتباعه. وذكر الله سبحانه من صفات المتقين، الذين يقومون الليل، وبين جزاءهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ، كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ٣، وشرفهم وكرمهم بنسبتهم إليه، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ ٤. وشهد لهم بالإيمان بآياته، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى

стр. 352

جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١ ووصفهم بالعلم، ورفع مكانتهم على غيرهم، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٢. وقيام الليل من أفضل الأعمال، وهو أفضل من تطوع النهار، لما في سريته من الإخلاص لله تعالى والبعد عن الرياء، ولما فيه من المشقة واللذة التي تحصل للعبد من مفارقة الدعة والراحة من أجل الفوز بلقاء الله، في وقت نامت فيه العيون. وفي آخر الليل ينزل الرب ﵎ إلى السماء الدنيا، لما روي عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " ٣. وعن عمرو بن عبسة أنه سمع النبي ﷺ يقول: "أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر....." ٤، وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " ... وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" ٥.

стр. 353

وهي سبب لدخول الجنة بسلام، قال ﷺ : " أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام" ١. والنبي ﷺ كان حريصاً على قيام الليل، عن عائشة ﵂، " أن نبي الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً ... " ٢. ويبدأ قيام الليل من الغروب إلى طلوع الفجر، وصلاة آخر الليل أفضل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ ٣، والناشئة القيام بعد النوم، ومن لم يرقد فلا ناشئة له.

стр. 354

آداب التهجد: ١- ينبغي أن ينوي الإنسان قيام الليل عند نومه، والتهجد إنما يكون بعد النوم، لما روي عن أبي الدرداء، يبلغ به النبي ﷺ : قال: "من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح، كتب له ما نوى صدقة عليه من ربه ... " ١. ٢- فإذا استيقظ مسح النوم عن وجهه وتسوك، لما روي عن حذيفة ﵁ "أن النبي ﷺ كان إذا قام للتهجد من الليل يشوص فاه بالسواك"٢، ثم يدعوا بما ورد، فعن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ كان إذا استيقظ من الليل قال: "لا إله إلا أنت سبحانك، اللهم أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علما، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب" ٣. ٣- وعن عبد الله بن عباس أنه رقد عند رسول الله ﷺ فاستيقظ فتسوك وتوضأ وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ٤، فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة، ثم

стр. 355

قام فصلى ركعتين، فأطال فيهما الركوع والسجود ... "١. وعن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجد قال: "اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيين حق، ومحمد ﷺ حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت، أو لا إله غيرك" ٢ ونحو ذلك مما ورد. ٣- ويستحب أن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين، لفعل النبي ﷺ وأمره بذلك. وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل ليصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين"٣، ثم يصلي مثنى مثنى، لأن النبي ﷺ لما سئل عن كيفية صلاة الليل فقال: "مثنى مثنى" ٤، أي يسلم من كل ركعتين لا يزيد عن ركعتين٥
следующие страницы →