على "حسين بن جراد" ومن معه من تلك الأجناد من حرب، ومن اجتمع عليها من الأمداد، فأخذهم الله، وقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم رجع بتلك المغانم الجسيمة، هذا وماجد بن حمود الرشيدي مع جنوده قريباً من عنيزة، فلجأ إليها، ونزل قريباً منها لأجل حماية أهلها، فسار إليهم عبد العزيز فدخل عنيزة عنوة ليلاً وقتل أمير ابن رشيد الذي كان فيها، ثم سار بجنوده آخر الليل فهجم على ماجد بن حمود ومن معه من الجنود، فأخذهم الله تعالى، وهرب ماجد بمن نجا معه إلى الجبل، وسار عبد العزيز إلى بريدة فدخلها عنوة، وحاصر الحصن الذي فيها نحواً من شهر ثم فتحه الله صلحاً. هذا ملخص ما جرى في تلك الوقعات.
стр. 142
فصل في كيد الدولة العثمانية
...
فصل
قال العراقي: (ولما رأت الدولة العثمانية١ اعتداء عبد الرحمن هذا وبغيه، وتطاوله على صادقها ومخلصها الأمير ابن رشيد، ونزع عبد الرحمن إلى الأجانب، أرسلت كتيبة من عساكرها المنصورة صحبة الأمير ابن رشيد لقطع دابر أولئك المارقين، وقمع بغيهم واعتدائهم، وإطفاء شرر فتنتهم المستطير، فصادمت العساكر المنصورة الجماعة الباغية حزب ابن سعود قرب بلدة البكيرية من بلاد القصيم. فوقعت بين الجمعين ملحمة كبرى، انجلت عن هزيمة الفئة الباغية جماعة ابن سعود، وامتلاك العساكر أحد عشر راية من راياتهم. وقد كان –والحق يقال- لحضرة الأمير ابن رشيد وجيشه في هذه الملحمة خدمة في قمع الأعداء تشكر، وبسالة يخلد ذكرها ولا تنكر، وأما المنهزمون فهم اليوم متحصنون ببعض تلك البلاد، والعساكر المنصورة مع جيش الأمير ابن رشيد محدقون
стр. 143
بهم ومجدون في تنكيلهم وكبح جماحهم. وفقهم الله تعالى لذلك) .
والجواب أن يقال: ليس الأمر كما زعم هذا العراقي، بل حقيقة الحالة أنه لما رأت الدولة العثمانية أنه قد وقع بين العرب حروب عديدة، وملاحم شديدة، طمعت في بلاد العرب بواسطة الانتصار لابن رشيد، كما أخذت الأحساء والقطيف بغياً وعدواناً بواسطة الانتصار لعبد الله بن فيصل على أخيه سعود.
وقد كان من المعلوم أنها لا تمشي مع أحد لحظ نفسه، وإنما تمشي لحظ نفسها، ولكن لا يشعر تائه بمصابه، لأنه ما دخل الأمر من بابه:
فجاءوا بأسباب من الكيد مزعج ... مدافعهم يزجي الوحوش رنينها
وظنوا أنهم لمن عاداهم من الناس سيقهرون، وأنهم لمن حاربهم سيغلبون، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١] ، فأقبل بتلك العساكر والعربان، يقودهم البغي والعدوان، والأشر والبطر والطغيان ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢] حتى نزل بأدنى قرى القصيم، وأنزل الله عليهم بها من رجزه عقاصاً عظيماً، ووباء وخيماً، فقتل بعض أولئك
стр. 144
الطغام، وبقي منهم خلق كثير، وجمع غفير، ولم يعتبروا بما حل بهم ودها، وما نزل بهم من النوى.
فنهض إليهم الإمام عبد العزيز بمن معه من المسلمين، وهم لا يبلغون معشار أولئك المعتدين، ونزل "البصر"، فارتحل ابن رشيد ونزل بالشيحيات، وسار عبد العزيز بالمسلمين فنزل البكيرية، فلما كان من الغد وانتصف النهار، ولم يلق كيداً من أولئك الأشرار، وظن المسلمون أنه لا يكون في ذلك الوقت مقاتلة من الأغيار، فتفرقوا في النخيل والأشجار، فانتهز ابن رشيد هذه الفرصة، وعبأ عساكره وجنوده، ونشر راياته وبنوده، وجاؤوا كما قال الله تعالى: ﴿بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٤٧] ، فوقعت بين الطائفتين وقعة عظيمة، وملحمة كبيرة جسمية، وكان المسلمون قد نهضوا إليهم على غير تعبئة، وكانت العساكر والجنود الطاغية قد نهضوا بأجمعهم في نحر أهل الرياض ومن معهم من أهل النواحي غير أهل القصيم، فانكشف المسلمون بعد أن جاءتهم الخيل من خلفهم ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤١] ، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] الآية. ولم يقتل من المسلمين على التحقيق إلا نحواً١ من ثمانين رجلاً، وقد قتل من
стр. 145
العسكر وجند ابن رشيد خلق كثير، ولما كان في آخر النهار قبل غروب الشمس ظهرت جموع أهل القصيم، وهم لا يعلمون بانكشاف أهل العارض لأنهم في خب منخفض، فحملوا على العساكر العثمانية والجنود الرشيدية، وقد اجتمع بأهل القصيم من أهل الرياض عصابة في ذلك اليوم فهزموهم شر هزيمة، وقتلوا في ذلك اليوم منهم مقتلة عظيمة، وأخذوا كثيراً من مطارحهم وخيامهم ومدافعهم، وقد قتل من العسكر ومن أهل الجبل نحواً١ من خمسمائة مقاتل.
فلما علم أهل القصيم بانكشاف المسلمين تركوا ما أخذوه مما لا يطيقون حمله، ورجعوا إلى أوطانهم وأماكنهم، ولم يتراجع الفريقان إلا بعد أيام، فرجع ابن رشيد وعسكره إلى معسكرهم في "الشيحيات" واستولى على البكيرية.
واجتمع المسلمون في عنيزة، ثم نهض إليهم عبد العزيز بالمسلمين، وقدم جمعاً إلى البكيرية، فهجموا عليهم ليلاً وهرب من فيها من جند ابن رشيد، وملكوا سورها وقصورها، فلما كان آخر الليل التقى الجمعان قريباً من البكيرية، فهزمهم المسلمون هزيمة
стр. 146
عظيمة، ونزل المسلمون البكيرية، فرجف الله بابن رشيد وعساكره فارتحلوا منهزمين، وركبتهم خيول المسلمين يأخذون ويقتلون، حتى نزل بالشنانة من أعالي قرى القصيم، ونزل عبد العزيز الرس، ولم يكن بينهم مزاحفة، إنما هو بالخيل مناوشة ومراوحة، ثم لما طال المقام، وخاف ابن رشيد تفرق قومه لطول المقام، ولأن المسلمين لا يدعونهم ينتشرون لرعي إبلهم وجيوشهم، وأكلوا ما في الشنانة حتى النخيل، فارتحل من الشنانة ونزل بماء يقال له "المقوعي" فنهض المسلمون إلى قصر هناك قريباً منهم يقال له قصر ابن عقيل، فالتقى الجمعان، وتصادم الفريقان، وكانت الدائرة للمسلمين على ابن رشيد وذويه، وهزموهم شر هزيمة، وأخذوا من الأموال والمتاع والإبل والغنم ما لا يحصى، ولا يعد ولا يستقصى، وأخذوا نحوا من عشرة أيام يغدون ويروحون إلى المعركة يأخذون من الأموال والمتاع ما لا يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال، فلله الحمد وله الشكر وله الثناء الحسن الجميل، لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه أحد من خلقه.
وأما زعمه أن عبد الرحمن بن فيصل تطاول على مخلص الدولة وصادقها ابن رشيد فنعم، هو مخلصها وصادقها، ونحن إن شاء الله مخلصون لله في عبادته،
стр. 147
الصادقون في جهاد أعدائه، فإنه هو وعمه الذين بغوا علينا، فأبادهم الله تعالى بأيدينا، فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه.
وأما دعوى هذا العراقي نزوع الإمام عبد الرحمن إلى الأجانب، ويعني بالأجانب طائفة النصارى الإنكليز فمعاذ الله من ذلك، ويأبى الله والمؤمنون إلا منابذتهم، ومعاداتهم ومحاربتهم، وكيف يكون ذلك وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً﴾ [المائدة: ٥٧-٥٨] الآية. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] الآية. وقال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة:٨٠] الآية.
وإنما ينزع إليهم ويتخذهم أولياء من حكم قوانينهم، والتزمها على نفسه، ونفذها في رعيته، وجعل وزراءه ووكلاءه منهم، وجعل لهم قناصل في أماكنه ودياره، فنعوذ بالله من رين الذنوب وانتكاس القلوب.
وإذا تحقق المنصف ما ذكرناه، واتضح له ما بيناه، مما كان وجرى، وما حصل من الأمور بعد تلك الوقعات،
стр. 148
والدواهي المعضلات، بقدوم المشير "أحمد فيضي باشا" بجنوده وعساكره وعسكر المدينة إلى القصيم، مما لو ذكره العراقي لأوضحناه على جليته: عرف أن البسالة كل البسالة التي يجب أن تشكر وتذكر، وأن ينشر ذكرها في الخافقين ولا ينكر، مقامات الرئيس المفخم، والمقدام المعظم، والهزبر الغشمشم عبد العزيز بن الإمام المكرم عبد الرحمن بن فيصل، لا من نعتوه بها ممن ليس لها بأهل.
لقد من مولانا وأفضل وارتضى ... لنا ملكاً منا سمي المناقبِ
فشام المعالي وارتضاها وأمها ... بهمته العليا وجرد شوازبِ
وبيض قواض يختلي الهام حدها ... وقود الهجان اليعملات النجائب
فتى همه العليا وشأو مرامها ... فأم إلى هاماتها والغوارب
فتى ليس يثني همه ومرامه ... طوال العوالي أو طوال السباسبِ
يخوض عباب الموت –والموت ناقع ... إذا استعرت نار الوغى في الكتائب
ويركب هول الخطب –والخطب معضل ... وقد هابه شوس الملوك المصاعب
стр. 149
يرد لهام الجيش وهو عرمرم ... ويحطمه بالمرهفات السوالب
لقد فات أبناء الزمان وفاقهم ... بنيل المعالي الساميات المراتب
وجود وإقدام إذا احتنك الفضا ... وضاق بحال الصافنات السلاهب
وأحجم أهلوها بيوم عصبصب ... به النقع يسمو كارتكام السحائب
هنالك لا تلقاه إلا كضيغم ... هزبر أبي شبلين حجن المخالب
ترى جثث الأبطال صرعى بغابه ... تراوحها الأشبال من كل ساغب
كذا الملك الشهم الهمام فإنما ... كماة العدى جزراً له بالقواضب
ترى عافيات الطير يعصبن فوقه ... لتحظى بأشلاء العدو المشاغب
وتتبعه غرثى السباع لعلها ... تروح بطاناً من لحوم المحارب
وقد وثقت أن لا تعود خوامصاً ... وأن لها جزراً كماة الكتائب
فنلنا المنى من بعد أن كادت العدى ... تحيط بنا من كل قطر وجانب
стр. 150
بعبد العزيز بن الإمام ابن فيصل ... حليف العلى نسل الكرام الأطايب
فلله من ندب همام مهذب ... أغاظ العدى من عجمها والأعارب
ومن ألمعي أحوذي ومصقع ... بليغ بما قد شاءه في المقانب
يقود أسوداً في الحروب ضياغماً ... تغير على الأعدا كأسد سواغب
حنيفية في دينها حنفية ... وليس لهم إلا العلم من مآرب
سما بهمو نحو المعالي سميدع ... أبيّ وفيّ فاضل ذو مناقب
إذا هو أعطى ذمة لم يخس بها ... وما كان ذا غدر وليس بكاذب
فإن رمت أخباراً له ووقائعاً ... فسل شمراً عنها بصدق المضارب
وحرباً وسل عنها مطيراً وغيرهم ... من العجم والأعراب من كل ناكب
فمزقهم أيدي سبا فتفرقوا ... فما بين مقتول وما بين هارب
وما بين منكوب وقد خال أنه ...
بقوته قد حاز كل المآرب
стр. 151
فما نال إلا الخزي والعار والردى ... وآب حسيراً خاسئاً غير راغب
بلطف من المولى له وإعانة ... على كثرة الأعدا له والمحارب
وعز وإسعاف على كل من بغى ... عليه وتسديد لدى كل نائب
ونصر له بالرعب في كل مأزق ... من الملك العلام مولى المواهب
إذا أم أمراً واعتلى متسامياً ... تمزقت الأعداء من كل جانب
وما ذاك إلا أنه لا ترده ... طوال العوالي أو طوال السباسب
ولا غرو من هذا ولا بدع إنما ... حواها من الشوس الكرام الأطايب
ومن والد سامي الذري ذي مآثر ... حسان وأخلاق يفاع المراتب
له فتكات بالأعادي شهيرة ... يقصر عن تعدادها كل كاتب
أدام لنا ربي بهم كل بهجة ... على السنن الحاوي لكل المطالب
وسنة خير العالمين محمد ... نبي الهدى السامي لأعلى المناقب
стр. 152
عليه صلاة الله ثم سلامه ... بعد وميض البرق جنح الغياهب
وأصحابه والآل ما حن راعد ... وما انهل وبل من خلال السحائب
стр. 153
فصل في فرية الملحد أن الشيخ يريد النبوة
...
فصل
قال العراقي:
(عقيدة الوهابية: لما رأى ابن عبد الوهاب أن قاطني بلاد نجد بعيدون عن عالم الحضارة، لم يزلوا على البساطة والسذاجة في الفطرة، قد ساد عليهم الجهل حتى لم يبق للعلوم العقلية عندهم مكانة ولا رواج، وجد هنالك من قلوبهم ما هو صالح لأن يزرع فيه بذور الفساد، مما كانت نفسه تنزع إليه، وتمنيه به من قديم الزمان، وهو الحصول على رياسة عظيمة ينالها باسم الدين إذ كان –لحاه الله- يعتقد أن النبوات لم تكن إلا رياسة وصل إليها دهاة البشر، حتى ساعدتهم الظروف عليها بين ظهراني قوم جاهلين ليس لهم من العلم نصيب، وحيث إن الله تعالى قد ارتج باب النبوة بعد خاتم الأنبياء سيدنا محمد ﷺ لم يجد للوصول إلى أمنيته طريقاً بين أولئك الأنعام، إلا أن يدعي أنه مجدد في الدين، مجتهد في أحكامه، فحمله هذا الأمر أن كفر جميع طوائف المسلمين، وجعلهم
стр. 154
مشركين، بل أسوأ حالاً وأشد كفراً وضلالاً، فعمد إلى الآيات القرآنية النازلة في المشركين فجعلها عامة شاملة لجميع المسلمين الذين يزرون قبر نبيهم ﷺ ، ويستشفعون به إلى ربهم، نابذاً وراء ظهره كل ما خالف أمانيه الباطلة، وسولته له نفسه بالسوء من أحاديث سيد المرسلين، وأقوال أئمة الدين والمجتهدين، حتى إنه لما رأى الإجماع مصادماً لما ابتدعه أنكره من أصله، وقال: لا أرى للناس بعد كتاب الله الذي جمع فأوعى كل رطب ويابس. وتغافل عما جاء به كتاب الله من قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: ١١٥] ) .
والجواب أن يقال: ما أعظم جراءة هذا العراقي على الكذب وتعمد الفجور وقول الزور، وهذه حال كل متمرد كفور، وقد قدمنا من حال نشأة الشيخ ودعوته إلى الله ما بين إفك هذا العراقي وتمرده وفجوره، وأنه إنما أخذ هذه المجونات والمخرفة والأكاذيب والزندقة من كتب قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل، وأشربت قلوبهم عداوة هذا الدين، وأهله، ومن دعا إليه، وكراهته، وكراهة من دان به، فأخذوا يضعون هذه الأوضاع ليصدوا عن سبيل الله من آمن به ويبغونها عوجاً.
стр. 155
ومن أعظم مفتريات هؤلاء الكفرة أعداء الله ورسوله حيث انبعث أشقاها، وتفوه –بما لفقوه- أغواها، حيث زعم أن الشيخ يزرع في قلوب أهل نجد بذور الفساد، مما كانت نفسه تنزع إليه وتمنيه به من قديم الزمان، وهو الحصول على رياسة عظيمة ينالها باسم الدين، إذ كان يعتقد أن النبوات لم تكن إلا رياسة وصل إليها دهاة البشر حين ساعدتهم الظروف عليها بين ظهراني قوم جاهلين.
وهذا القول لا يقوله ويحكيه عن الشيخ من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعلم أنه موقوف بين يدي الله تعالى.
وقد كان من المعلوم أن هذا الاعتقاد من عقائد الملاحدة الذين يقولون: إن الكتب المنزلة فيض فاض من العقل الفعال على النفس المستورة الفاضلة الزكية، فتصورت تلك المعاني، وتشكلت في النفس بحيث يتوهمها أصواتا تخاطبه، وربما قوي ذلك ببعض الحاضرين١ فيرونها ويسمعون خطابها، ولا حقيقة لشيء من ذلك في الخارج، وهذا يكون عندهم بتجرد النفوس عن العلائق، واتصالها بالمفارقات من العقول والنفوس المجردة، وهذه الخصائص تحصل عندهم بالاكتساب، ولهذا طلب النبوة من تصوف على مذهب هؤلاء.
стр. 156
وهؤلاء عندنا وعند الشيخ ﵀ أكفر من اليهود والنصارى، وأبعد عن الإسلام من غيرهم من طوائف الكفر.
ولما توهم هذا الملحد أن الشيخ ينتحل هذا المذهب الملعون قال: وحيث إن الله قد أرتج باب النبوة بعد خاتم الأنبياء سيدنا محمد ﷺ لم يجد للحصول على أمنيته طريقاً بين أولئك الأنعام، إلا ان يدعي أنه مجدد في الدين مجتهد في أحكامه.
فيقال لهذا الملحد: قد كان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، وبما ورد في الكتاب والسنة أن النبي ﷺ خاتم النبيين لا نبي بعده، فمن توهم حصولها لأحد بعده فهو كافر، ولكن قد أخبر ﷺ : "أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها أمر دينها" ١،
стр. 157
وفي الحديث: "ما جعل الله من نبوة إلا كانت بعدها فترة".
وهذا معلوم معروف عند أهل العلم كما قال الإمام أحمد في خطبته: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، ومن ضال تائه قد هدوه، فما أحسن
стр. 158
أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم١"، إلى آخر كلامه.
وقد شهد أهل العلم والفضل من أهل عصره أنه أظهر توحيد الله وجدد دينه، ودعا إليه كما تقدم ذكره عن الإمام حسين بن غنام، ومحمد بن إسماعيل الصنعاني، ومحمد بن أحمد الحفظي٢، وغيرهم من علماء أهل الأمصار.
وقد كان من المعلوم عند كل عاقل خبر الناس، وعرف أحوالهم، وسمع شيئاً من أخبارهم وتواريخهم: أن أهل نجد وغيرهم ممن تبع دعوة الشيخ واستجاب لدعوته من سكان جزيرة العرب كانوا على غاية من الجهالة والضلالة والفقر والعالة، لا يستريب في ذلك عاقل، ولا يجادل فيه عارف، كانوا من أمر دينهم في جاهلية، يدعون الصالحين ويعتقدون في الأشجار والأحجار، والغيران٣، يطوفون بقبور الأولياء، ويرتجون الخير والنصر من جهتها،
стр. 159
وفيهم من كفر الاتحادية والحلولية، وجهالة الصوفية ما يرون أنه من الشعب الإيمانية، والطريقة المحمدية، وفيهم من إضاعة الصلوات، ومنه الزكاة، وشرب المسكرات ما هو معروف مشهور.
فمحا الله بدعوة الشيخ شعار الشرك ومشاهده، وهدم بيوت الكفر والشرك ومعابده، وكبت الطواغيت والملحدين، وألزم من ظهر عليه من البوادي وسكان القرى، بما جاء به محمد ﷺ من التوحيد والهدى، وكفر من أنكر البعث واستراب فيه من أهل الجهالة والجفا، وأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وترك المنكرات، ونهى عن الابتداع في مسائل الدين، وأمر بمتابعة السلف الماضين في الأصول والفروع من مسائل الدين، حتى ظهر دين الله واستعلن، واستبان بدعوته منهاج الشريعة والسنن، وقام قائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحدت الحدود الشرعية، وعزرت التعازير الدينية، وانتصب علم الجهاد، وقاتل لإعلاء كلمة الله أهل الشرك والفساد، حتى سارت دعوته وثبت نصحه لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، وجمع الله به القلوب بعد شتاتها، وتألفت بعد عداوتها، وصاروا بنعمة الله إخواناً، فأعطاهم الله بذلك من النصر والعز والظهور ما لا يعرف مثله لسكان تلك الفيافي والصخور، وقهروا سائر العرب من عمان إلى عقبة مصر، ومن اليمن إلى
стр. 160
العراق والشام، ودانت لهم عربها، فأصبحت نجد تضرب إليها أكباد الإبل في طلب الدنيا والدين، وتفتخر بما نالها من العز والنصر والإقبال.
وبالجملة فلا يقول مثل هذا في الشيخ ﵀ إلا رجل مكابر، لا يتحاشى من البهت والافتراء، وإلى الله ترجع الأمور، وعنده تنكشف السرائر.
ولما كان هذا العراقي الملحد من جملة من نشأ على عقائد الملاحدة أعداء الله ورسوله ومن نحا نحوهم من المتكلمين، الذين يزعمون أن العقل مقدم على النقل، وأن لنصوص الكتاب والسنة ظواهر ظنية، وأن معقولاتهم التي هي نحاتة الأفكار، وزبالة الأذهان، وريح١ المقاعد هي البراهين اليقينية، اعتقد أن من لم يكن على هذا المذهب الملعون أنه قد خرج عن عالم الحضارة، ولم يزل على البساطة والسذاجة في الفطرة.
وقد كان من المعلوم أن جفاة العرب أسلم فطرة وأصح عقولاً من هؤلاء الملاحدة، ولذلك لما دخلوا في دين الله، وعرفوا هذا الدين كانوا على طريقة السلف في باب معرفة الله وأسمائه وصفاته، وفي باب العمل والعبادة، وتقديم كتاب الله وسنة رسوله على قول كل أحد كائناً من
стр. 161
كان، وجمع الله لمن طلب العلم منهم من العلوم والمعارف ما لا يعرفه هؤلاء من سائر العلوم والفنون، مع أن كثيراً من علوم هؤلاء الخارجين عن طريقة أهل الإسلام من العلوم التي لا ينتفع بها في معرفة ما جاءت به الرسل، وأنزلت به الكتب، إنما هي أوضاع اليونان والفلاسفة، والمجوس والصابئين، ولذلك كان الغالب على من دخل في هذه العلوم الحيرة والشك، نعوذ بالله من الخروج عن الصراط المستقيم.
وأما قوله: (فحمله هذا الأمر أن كفر جميع طوائف المسلمين وجعلهم مشركين، بل أسوأ حالاً وأشد كفراً وضلالاً) .
يعني: أن الشيخ ادعى أنه مجدد لدين الله، مجتهد في أحكامه، فحمله على أن كفر جميع طوائف المسلمين.
فأقول: أما كونه مجدداً لدين الله فهو من المعلوم بالضرورة، ولا ينكره إلا مكابر في الحسيات، مباهت في الضروريات.
وأما كونه كفر جميع طوائف المسلمين فجعلهم مشركين، فهذه العبارة تدل على تهور في الكذب، ووقاحة تامة، وفي الحديث: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة
стр. 162
الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت" ١.
وصريح هذه العبارة أن الشيخ كفر جميع هذه الأمة من المبعث النبوي إلى قيام الساعة، وهل يتصور هذا عاقل قد عرف حال الشيخ، وما جاء به، ودعا إليه.
بل كان من المعلوم أن هذا العراقي كان لا يعرف ما جاء به الرسول ﷺ من دين الإسلام، ولو كان يعرف دين الإسلام لما تجازف بهذه المجازفة، ومخرق بهذه المخرقة المارجة.
والشيخ ﵀ لا يعرف له قول انفرد به عن سائر الأمة، بل ولا عن أهل السنة والجماعة منهم، وجميع أقواله في هذا الباب -أعني ما دعا إليه من توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد العمل والعبادات- مجمع عليه عند المسلمين، لا يخالف فيه إلا من خرج عن سبيلهم، وعدل عن منهاجهم كالجهمية والمعتزلة، وغلاة عباد القبور.
بل قوله مما أجمعت عليه الرسل، واتفقت عليه
стр. 163
الكتب، كما يعلم ذلك بالضرورة من عرف ما جاؤوا به وتصوره.
ولا يكفر إلا على هذا الأصل بعد قيام الحجة المعتبرة١، فهو في ذلك على صراط مستقيم، متبع لا مبتدع.
وهذا كتاب الله، وسنة رسوله، وكلام أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن بعدهم من أهل العلوم والفتوى معروف مشهور مقرر في محله في حكم من عدل بالله، وأشرك به، وتقسيمهم الشرك إلى أكبر وأصغر، والحكم على المشرك الشرك الأكبر بالكفر مشهور عند الأمة، لا يكابر فيه إلا جاهل لا يدري ما الناس فيه من أمر دينهم، وما جاءت به الرسل.
وقد أفرد هذه المسألة بالتصنيف غير واحد من أهل العلم، وحكى الإجماع عليها، وأنها من ضروريات الإسلام، كما ذكره تقي الدين ابن تيمية وابن قيم الجوزية، وابن عقيل، وصاحب الفتاوى البزازية، وصنع الله الحلبي، والمقريزي الشافعي، ومحمد بن حسين النعيمي الزبيدي، ومحمد بن إسماعيل الصنعاني، ومحمد بن علي الشوكاني، وغيرهم من أهل العلم.
стр. 164
والشيخ ﵀ لم يكفر طوائف المسلمين، وإنما كفر طوائف المشركين والخارجين المارقين من دين الإسلام، فإن الأحداث لا تزال موجودة في الأمة تقل وتكثر من عهد الصحابة إلى أن تقوم الساعة.
فقد كفر الصحابة ﵃ من كفروه من أهل الردة على اختلافهم، وكفر علي الغلاة، وكفر من بعدهم من العلماء القدرية ونحوهم كتكفيرهم للجهمية، وقتلهم لجعد بن درهم، وجهم بن صفون، ومن على رأيهم، وقتلهم للزنادقة، وهكذا في كل قرن وعصر من أهل العلم والفقه والحديث طائفة قائمة تكفر من كفره الله ورسوله، وقام الدليل على كفره، لا يتحاشون عن ذلك، بل يرونه من واجبات الدين، وقواعد الإسلام، وفي الحديث "من بدل دينه فاقتلوه" ١.
وبعض العلماء يرى أن هذا والجهاد عليه ركن لا يتم الإسلام بدونه، وقد سلك سبيلهم الأئمة الأربعة المقلدون
стр. 165
وأتباعهم في كل عصر ومصر، وكفروا طوائف أهل الإحداث كالقرامطة والباطنية، وكفروا العبيديين ملوك مصر، وقاتلوهم وهم يبنون المساجد، ويصلون ويؤذنون ويدعون نصر أهل البيت.
وصنف ابن الجوزي كتاباً سماه "النصر على مصر" ذكر فيه وجوب قتالهم وردتهم، وأن دارهم دار حرب.
وقد عقد الفقهاء في كل كتاب من كتب الفقه المصنفة على مذاهبهم باباً مستقلاً في حكم أهل الإحداث التي توجب الردة، وسماه أكثرهم "باب الردة"، وعرفوا المرتد بأنه: الذي يكفر بعد إسلامه، وذكروا أشياء دون ما نحن فيه من المكفرات، حكموا فيه بكفر فاعلها، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فما المانع من١ تكفير من أشرك بالله، وعدل به سواه، واتخذ معه الآلهة والأنداد، وإنما يهمل هذا من لم يؤمن بالله ورسوله، ولم يعظم أمره، ومن لم يسلك صراطه، ولم يقدر الله ورسوله حق قدره، بل ولا قدر علماء الأمة وأئمتها حق قدرهم.
وأما قوله: (فعمد إلى الآيات القرآنية النازلة في المشركين فجعلها عامة شاملة لجميع المسلمين الذين
стр. 166
يزورون قبر نبيهم ﷺ ، ويستشفعون به إلى ربهم، نابذاً وراء ظهره كل ما خالف أمانيه الباطلة، وسولت له نفسه الأمارة بالسوء من أحاديث سيد المرسلين، وأقوال أئمة الدين والمجتهدين) .
فالجواب أن يقال: هذا كذب على الشيخ، فإنه ما عمد إلى الآيات القرآنية النازلة في المشركين فجعلها عامة شاملة لجميع المسلمين، وإنما استدل بالآيات القرآنية النازلة في المشركين وجعلها عامة شاملة لمن أشرك بالله، وعدل به سواه، وبدل دينه، وفعل كما فعل المشركون من صرف خالص حق الله لمن أشركوا به، واتخذوهم شفعاء من دونه. وسيأتي الكلام على هذا في محله إن شاء الله تعالى.
وقوله: (نابذاً وراء ظهره ... إلى آخره) .
أقول: إنما نبذ وراء ظهره كل ما خالف كتاب الله وسنة رسوله، وخالف أقوال أئمة الدين المجتهدين، وهو –ولله الحمد- متبع لا مبتدع، وإنما أمانيه القيام بأوامر الله وشرعه ودينه، ودعوة الناس إلى ذلك، والجهاد على ذلك، ولم تسول له نفسه ما يخالف الكتاب والسنة، وإنما
стр. 167
قام أشد القيام في اتباع الكتاب والسنة، ورد ما خالفهما، وترك ما ألفه أعداء الله ورسوله الزنادقة من الأحاديث المكذوبة الموضوعة، وإذا لم يجد في كتاب الله وسنة رسوله شيئاًَ اعتمد على أقوال أئمة الدين والعلماء المجتهدين، وذلك معروف في رسائلة ومصنفاته، ولا ينكره إلا مكابر.
وأما قوله: (حتى إنه لما رأى الإجماع مصادماً لما ابتدعه أنكره من أصله) .
فأقول: ما أنكر الشيخ إلا إجماع أهل الكفر بالله، والإشراك به: على عبادة غير الله، وجعلهم معه آلهة وأنداداً يستغيثون بهم، وبلجئون إليهم في الرغبات والرهبات والطلبات، ويطلبون منهم تفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، ويصرفون لهم خالص حق الله من الدعاء، والحب والتعظيم والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والاستغاثة، والذبح والنذر والالتجاء وسائر أنواع العبادة التي صرفها المشركون لغير الله.
وخرق هذا الإجماع واجب على كل مسلم، وليس هذا هو الإجماع الذي يشير إليه العلماء، الذي من خالفه فقد ضل، وإنما هذا هو إجماع من ضل عن الصراط المستقيم، وهم
стр. 168
الأكثرون، كما قال الله تعالى ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه﴾ [الأنعام:١١٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف:١٠٢] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠] .
وأما قوله: (ولا أرى للناس بعد كتاب الله الذي جمع فأوعى كل رطب ويابس، وتغافل عما جاء به كتاب الله من قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: ١١٥] ) .
فأقول: هذا الكلام بهذا اللفظ لا يثبت عن الشيخ، ولم نره في شيء من كتبه، ولا في كلامه، ولا في رسائله، بل الذي في كتبه ومصنفاته الأمر بالاعتصام بالكتاب والسنة.
قال رحمه الله تعالى في مصنفه "أصول الإيمان": باب الوصية بكتاب الله . وقول الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:٣] عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ خطب فحمد الله وأثنى، ثم قال: "أما بعد
стр. 169
أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، وتمسكوا به"، فحث على كتاب الله، ورغب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي"، وفي لفظ: "كتاب الله هو حبل الله ومن اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة" رواه مسلم١.
وله في حديث جابر الطويل أنه ﷺ قال في خطبته يوم عرفة: "وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ " قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. قال بأصبعه السبابة يرفعه إلى السماء وينكبها إلى الأرض "اللهم اشهد" ثلاث مرات٢.
وعن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنها ستكون فتنة" فقلنا: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا
стр. 170
تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم" رواه الترمذي وقال: غريب١.
وعن أبي الدرداء مرفوعاً قال: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن ينسى شيئاً ﴿وَمَا كَانَ
стр. 171
رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ " رواه البزار وابن أبي حاتم والطبراني١ إلى آخر الباب، ثم قال:
باب تحريضه ﷺ على لزوم السنة، والترغيب في ذلك، وترك البدع والتفرق والاختلاف والتحذير من ذلك.
عن العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة فقال رجل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" صححه الترمذي٢.
стр. 172
ولمسلم عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة".
وللبخاري عن أبي هريرة ﵁ رفعه: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قيل: ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" إلى آخر الباب.
وله مصنفات ورسائل مملوءة بكلام الأئمة المهتدين، والعلماء المجتهدين، وله مختصر "ألشرح الكبير" و"الإنصاف" على مذهب أحمد، ولكن الهوى يعمي ويصم.
وأما قوله: (وتغافل عما جاء به كتاب الله من قوله ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ الآية) .
فالجواب أن نقول: إن اتباع سبيل المؤمنين لا يخالف كتاب الله وسنة رسوله، والإجماع لا يخالف ما أمر الله به ورسوله، فمن خرج عن كتاب الله وسنة رسوله لم يكن من المؤمنين، واتباع سبيل المؤمنين، هو تقديم كتاب الله وسنة رسوله على قول كل أحد كائناً من كان.
стр. 173
قال الإمام الشافعي ﵀: "أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان".
وقد اتبع ﵀ سبيل المؤمنين، فكان على ما كان عليه السلف الصالح، والأئمة المهتدون في باب معرفة الله وأسمائه وصفاته، وباب العمل والعبادة لا يخالفهم في كل ذلك، لكن من خرج عن سبيلهم، وعدل عن منهاجهم، كالجهمية والمعتزلة وغلاة عبادة القبور. وكان في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ كما هو مشهور في الرسالة التي اختصرت لأهل مكة، قال:
ولا ننكر١ على من قلد أحد الأئمة الأربعة دون غيرهم، لعدم ضبط مذاهب الغير، كالرافضة والزيدية، والإمامية، ونحوهم، ولا نقرهم على شيء من مذاهبهم الفاسدة، بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة، ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا أحد لدينا يدعيها، إلا أننا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ، ولا مخصص، ولا معارض بأقوى منه،
стр. 174
وقال به أحد الأئمة الأربعة أخذنا به، وتركنا المذهب كإرث الجد والإخوة، فإنا نقدم الجد، وإن خالف مذهب الحنابلة، ولا نفتش على أحد في مذهبه، ولا نعترض إلا إذا اطلعنا١ على نص جلي كذلك مخالف لمذهب بعض الأئمة وكانت المسألة مما يحصل بها٢ شعار ظاهر كإمام الصلاة، فنأمر الحنفي والمالكي مثلاً بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال، والجلوس بين السجدتين، لوضوح دليل ذلك، بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة، وشتان بين المسألتين، فإذا قوي الدليل أمرناهم للنص، وإن خالف المذهب، وذلك إنما يكون نادراً جداً، ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، فلا مناقضة لعدم دعوى الاجتهاد المطلق، وقد سبق جمع من أئمة المذاهب الأربعة إلى اختيارات لهم في المسائل مخالفين للمذهب ملتزمين تقليد صاحبه" انتهى.
وأما قوله: (على أنه لم يأخذ من كتاب الله إلا ما نزل في المشركين من الآيات فأولها ظلماً منه، وتجاسراً على الله، تأويلاً يسهل له الحصول على أمنيته، وذلك بأن
стр. 175
حملها على المسلمين فكفرهم منذ ستمائة عام، وهدر دماءهم، وأباح أموالهم، وجعل بلادهم بلاد حرب) .
والجواب أن نقول: قد تقدم الجواب عن هذا فلا فائدة في الجواب عنه.
وما نعلم أنه له أمنية في دعوته الخلق إلى الله يتمنى حصولها إلا أن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئاً، وأن يخلعوا الأنداد التي اتخذها المشركون أولياء من دونه , ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [الأعراف:١٦٢] ، ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الروم:٢٩] ، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] والله يهدي إلى صراط مستقيم.
وأما قوله: (وقد قال النبي ﷺ في حديث جبريل كما في الصحيحين: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله" الحديث. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر١: "بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله" الحديث٢،
стр. 176
وقوله ﷺ لوفد عبد القيس: "آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله" الحديث كما في الصحيحين١. وقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" الحديث. وقوله ﷺ : "كفوا عن أهل لا إله إلا الله" ٢) انتهى.
مراده بإيراد هذه الأحاديث: أن من أتى بناقض من نواقض لا إله إلا الله كدعاء الغائبين والأموات والنذر لهم والذبح أنه لا يكفر ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٩] ، وسيأتي الكلام عليها في محلها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
стр. 177
فصل في بيان جهمية الملحد وسنية الشيخ
...
فصل
قال العراقي الملحد: (ومن عجيب أمره أنه يموه على الناس بدعوى توحيد الله وتنزيهه قائلاً: إن التوسل بغير الله شرك. مع أنه يفصح عن استواء الله تعالى على العرش بمثل الجلوس عليه، ويثبت له اليد، والوجه، والجهة، ويقول بصحة الإشارة إليه في السماء، ويدعي أن نزوله إلى السماء الدنيا حقيقة فيجسمه تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً فأين تنزيه الله تعالى بعد جعله جسماً يشترك معه حتى أخس الجمادات، وفي ذلك من التنقص والإزراء بألوهيته -سبحانه- ما هو منزه عنه) .
فالجواب أن يقال لهذا الجهمي المشرك بالله في عبادته، النافي لصفاته ونعوت جلاله:
قد بينا فيما تقدم أن الشيخ لا يكفر بمجرد التوسل الذي يعرفه أهل العلم من لفظ التوسل. وأما التوسل باصطلاح هؤلاء الغلاة فسيأتي الكلام عليه في محله إن شاء الله تعالى.
стр. 178
وأما قوله: (يفصح عن استواء الله تعالى على العرش بمثل الجلوس عليه) .
فالجواب أن نقول: قد جاء الخبر بذلك عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الذي ضرب الله الحق على لسانه، كما رواه الإمام عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في كتاب "السنة" له في١ الرد على الجهمية قال: حدثني أبي وعبد الأعلى بن حماد النرسي٢ قالا حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر قال: "إذا جلس ﵎ على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد".
وهذا الحديث حدث به أبو إسحاق السبيعي مقرراً له كغيره من أحاديث الصفات، وحدث به كذلك سفيان الثوري، وحدث به أبو أحمد الزبيري ومحمد٣ بن أبي
стр. 179
بكر ووكيع عن إسرائيل، ورواه أبو عبد الرحمن عبد الله بن حنبل أيضاً عن أبيه، حدثنا وكيع بحديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر ﵁: إذا جلس الرب على الكرسي. فاقشعر رجل سماه أبي عند وكيع، فغضب وكيع وقال: أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذا الحديث ولا ينكرونه.
قلت: وهذا الحديث صحيح عند جماعة من المحدثين، أخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي.
وإذا كان هؤلاء الأئمة أبو إسحاق السبيعي، والثوري، والأعمش، وإسرائيل، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو أحمد الزبيري، ووكيع، وأحمد بن حنبل، وغيرهم ممن يطول ذكرهم وعددهم، الذين هم سرج الهدى، ومصابيح الدجى، قد تلقوا هذا الحديث بالقبول، وحدثوا به، ولم ينكروه، ولم يطعنوا في إسناده، فمن نحن حتى ننكره، ونتحذلق عليهم، بل نؤمن به.
قال الإمام أحمد: لا نزيل عن ربنا صفة من صفاته بشناعة شنعت وإن نبت عنه الأسماع.
فانظر إلى وكيع بن الجراح الذي خلف سفيان الثوري في علمه وفضله، وكان يشبه به في سمته وهديه، كيف أنكر على ذلك الرجل، وغضب لما رآه قد تلون لهذا الحديث.
стр. 180
وقال الإمام ابن القيم –رحمه الله تعالى- في "الكافية الشافية":
واذكر كلام مجاهد في قوله ... أقم الصلاة وتلك في سبحان
في ذكر تفسير المقام لأحمد ... ما قيل ذا بالرأي والحسبان
إن كان تجسيماً فإن مجاهداً ... هو شيخهم بل شيخه الفوقاني
ولقد أتى ذكر الجلوس به وفي ... أثر رواه جعفر الرباني
أعني ابن عم نبينا وبغيره ... أيضاً أتى والحق ذو تبيان
والدارقطني الإمام يثبت الـ ... آثار في ذا الباب غير جبان
وله قصيد ضمنت هذا وفيـ ... ـها لست للمروي ذا نكران
وجرت لذلك فتنة في وقته ... من فرقة التعطيل والعدوان
والله ناصر دينه وكتابه ... ذا حكمه مذ كانت الفئتان
وهذا نص الأبيات التي أشار إليها ابن القيم رحمه الله تعالى من كلام الدارقطني رحمه الله تعالى: