← Акыда

Акыда · id 7664

الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق

سليمان بن سحمان

Полный текст (691 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقوله ﷺ لوفد عبد القيس: "آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله" الحديث كما في الصحيحين١. وقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" الحديث. وقوله ﷺ : "كفوا عن أهل لا إله إلا الله" ٢) انتهى. مراده بإيراد هذه الأحاديث: أن من أتى بناقض من نواقض لا إله إلا الله كدعاء الغائبين والأموات والنذر لهم والذبح أنه لا يكفر ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٩] ، وسيأتي الكلام عليها في محلها فيما بعد إن شاء الله تعالى.

стр. 177

فصل في بيان جهمية الملحد وسنية الشيخ ... فصل قال العراقي الملحد: (ومن عجيب أمره أنه يموه على الناس بدعوى توحيد الله وتنزيهه قائلاً: إن التوسل بغير الله شرك. مع أنه يفصح عن استواء الله تعالى على العرش بمثل الجلوس عليه، ويثبت له اليد، والوجه، والجهة، ويقول بصحة الإشارة إليه في السماء، ويدعي أن نزوله إلى السماء الدنيا حقيقة فيجسمه تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً فأين تنزيه الله تعالى بعد جعله جسماً يشترك معه حتى أخس الجمادات، وفي ذلك من التنقص والإزراء بألوهيته -سبحانه- ما هو منزه عنه) . فالجواب أن يقال لهذا الجهمي المشرك بالله في عبادته، النافي لصفاته ونعوت جلاله: قد بينا فيما تقدم أن الشيخ لا يكفر بمجرد التوسل الذي يعرفه أهل العلم من لفظ التوسل. وأما التوسل باصطلاح هؤلاء الغلاة فسيأتي الكلام عليه في محله إن شاء الله تعالى.

стр. 178

وأما قوله: (يفصح عن استواء الله تعالى على العرش بمثل الجلوس عليه) . فالجواب أن نقول: قد جاء الخبر بذلك عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الذي ضرب الله الحق على لسانه، كما رواه الإمام عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في كتاب "السنة" له في١ الرد على الجهمية قال: حدثني أبي وعبد الأعلى بن حماد النرسي٢ قالا حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر قال: "إذا جلس ﵎ على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد". وهذا الحديث حدث به أبو إسحاق السبيعي مقرراً له كغيره من أحاديث الصفات، وحدث به كذلك سفيان الثوري، وحدث به أبو أحمد الزبيري ومحمد٣ بن أبي

стр. 179

بكر ووكيع عن إسرائيل، ورواه أبو عبد الرحمن عبد الله بن حنبل أيضاً عن أبيه، حدثنا وكيع بحديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر ﵁: إذا جلس الرب على الكرسي. فاقشعر رجل سماه أبي عند وكيع، فغضب وكيع وقال: أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذا الحديث ولا ينكرونه. قلت: وهذا الحديث صحيح عند جماعة من المحدثين، أخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي. وإذا كان هؤلاء الأئمة أبو إسحاق السبيعي، والثوري، والأعمش، وإسرائيل، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو أحمد الزبيري، ووكيع، وأحمد بن حنبل، وغيرهم ممن يطول ذكرهم وعددهم، الذين هم سرج الهدى، ومصابيح الدجى، قد تلقوا هذا الحديث بالقبول، وحدثوا به، ولم ينكروه، ولم يطعنوا في إسناده، فمن نحن حتى ننكره، ونتحذلق عليهم، بل نؤمن به. قال الإمام أحمد: لا نزيل عن ربنا صفة من صفاته بشناعة شنعت وإن نبت عنه الأسماع. فانظر إلى وكيع بن الجراح الذي خلف سفيان الثوري في علمه وفضله، وكان يشبه به في سمته وهديه، كيف أنكر على ذلك الرجل، وغضب لما رآه قد تلون لهذا الحديث.

стр. 180

وقال الإمام ابن القيم –رحمه الله تعالى- في "الكافية الشافية": واذكر كلام مجاهد في قوله ... أقم الصلاة وتلك في سبحان في ذكر تفسير المقام لأحمد ... ما قيل ذا بالرأي والحسبان إن كان تجسيماً فإن مجاهداً ... هو شيخهم بل شيخه الفوقاني ولقد أتى ذكر الجلوس به وفي ... أثر رواه جعفر الرباني أعني ابن عم نبينا وبغيره ... أيضاً أتى والحق ذو تبيان والدارقطني الإمام يثبت الـ ... آثار في ذا الباب غير جبان وله قصيد ضمنت هذا وفيـ ... ـها لست للمروي ذا نكران وجرت لذلك فتنة في وقته ... من فرقة التعطيل والعدوان والله ناصر دينه وكتابه ... ذا حكمه مذ كانت الفئتان وهذا نص الأبيات التي أشار إليها ابن القيم رحمه الله تعالى من كلام الدارقطني رحمه الله تعالى:

стр. 181

حديث الشفاعة في أحمد ... إلى أحمد المصطفى نسنده وأما حديث بإقعاده ... على العرش أيضاً فلا نجحده فلا تنكروا أنه قاعد ... ولا تنكروا أنه يقعده أمروا الحديث على وجهه ... ولا تدخلوا فيه ما يفسده فإذا ثبت هذا عن أئمة أهل الإسلام، فلا عبرة بمن خالفهم من الطغام أشباه الأنعام. وأما قوله: (ويثبت له اليد والوجه والجهة، ويقول بصحة الإشارة إليه في السماء) . فالجواب أن نقول: نعم قد كان الشيخ محمد ﵀ وأتباعه يثبتون اليد والوجه لله تعالى، ويصفون الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، وما وصفه به السابقون الأولون، لا يتجاوزون القرآن والحديث، كما قال الإمام أحمد ﵁: لا يوصف الله إلا بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، لا تتجاوز القرآن والحديث.

стр. 182

ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ونعلم أن ما وصف الله به نفسه من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه، لا سيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول، وأفصح الخلق في بيان العلم، وأنصح الخلق في البيان والتعريف والدلالة والإرشاد، وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء لا في نفسه المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة، فكذلك له صفات حقيقة، وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فكل ما أوجب نقصاً أو حدوثاً فإن الله منزه عنه حقيقة، فالله سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقة العدم، ولافتقار المحدث إلى محدث، ولوجوب وجوده بنفسه . ومذهب السلف بين التعطيل وبين التمثيل، فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون ما وصف به نفسه، ووصفه به

стр. 183

رسوله فيعطلون أسماءه وصفاته العليا، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويلحدون في أسماء الله وآياته. فإذا عرفت هذا فإنا نثبت لله اليد كما أثبتها لنفسه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] ، وقال تعالى: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [صّ:٧٥] ، وقال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] ، وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] ، إلى غير ذلك من الآيات. ونثبت أن لله وجهاً كما قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ، وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ، وقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ١ [البقرة:١١٥] ، إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 184

وقال ﷺ في الحديث المتفق عليه: "أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، وخط لك الألواح بيده" وفي لفظ: "وكتب لك التوراة بيده" ١، وقال ﷺ كما في صحيح مسلم: "وغرس كرامة أوليائه في جنة عدن بيده" ٢،

стр. 185

وقوله ﷺ : "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفى أحدكم خبزته في سفره نزلاً لأهل الجنة" ١، ومثل أحاديث أخر "بيده الأمر"٢، "والخير في يديك" ٣، "والذي نفس محمد بيده" ٤، "وإن الله يبسط يده

стр. 186

بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل" ١، وقوله: "المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن –وكلتا يديه يمين-" ٢ وقوله: " يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون، أين المتكبرون، ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون" ٣ وقوله: "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع" ٤ وكل هذه الأحاديث في الصحاح.

стр. 187

وفي صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابة النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" ١. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال

стр. 188

رسول الله ﷺ : "جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" ١. رواه البخاري، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وقال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية": لما فرغ المريسي من إنكار اليدين ونفيهما عن الله أقبل قِبَل وجه الله ذي الجلال والإكرام ينفيه عنه –إلى أن قال-: واستمر الجحود به حتى ادعى أن وجه الله الذي وصفه بأنه ذو الجلال والإكرام مخلوق، لأنه ادعى أنه أعمال مخلوقة يتوجه بها إليه، وثواب وإنعام مخلوق يثيب به العامل، وزعم أنه قبلة الله وقبلة الله لا شك مخلوقة -ثم ساق الكلام في الرد عليه وأن القول بأن لفظ الوجه مجاز باطل- انتهى٢. وأما الجهة فقال شيخ الإسلام في "المنهاج": فإن مسمى لفظ الجهة يراد به أمر وجودي كالفلك الأعلى، ويراد به أمر عدمي كما وراء العالم، فإن أريد الثاني أن يقال كل جسم في جهة، وإذا أريد الأول امتنع أن يكون

стр. 189

كل جسم في جسم آخر، فمن قال: الباري في جهة، وأراد بالجهة أمراً موجوداً فكل ما سواه مخلوق له في جهة بهذا التفسير فهو مخطئ. وإن أراد بالجهة أمراً عدمياً وهو ما فوق العالم، وقال: إن الله فوق العالم، فقد أصاب، وليس فوق العالم موجود غيره، فلا يكون سبحانه في شيء من الموجودات. وأما إذا فسرت الجهة بالأمر العدمي، فالعدم لا شيء. وهذا ونحوه من الاستفسار وبيان ما يراد به اللفظ من معنى صحيح وباطل يزيل عامة الشبه. فإذا قال نافي الرؤية: لو رؤي لكان في جهة وهذا ممتنع، فالرؤية ممتنعة. قيل له: إن أردت بالجهة أمراً وجودياً فالمقدمة الأولى ممنوعة، وإن أردت بالجهة أمراً عدمياً، فالثانية ممنوعة، فيلزم بطلان أحد المقدمتين على كل تقدير، فتكون الحجة باطلة، وذلك أنه إن أراد بالجهة أمراً وجودياً لم يلزم أن كل مرئي في جهة وجودية، فإن سطح العالم الذي هو أعلاه ليس في جهة وجودية، ومع هذا تجوز رؤيته، فإنه جسم من الأجسام، فبطل قولهم: كل مرئي لا بد أن يكون في جهة إن أراد بالجهة أمراً

стр. 190

وجودياً، وإن أراد بالجهة أمراً عدمياً منع المقدمة الثانية، فإنه إذا قال الباري ليس في جهة عدمية، وقد علم أن العدم ليس بشيء، كان حقيقة قوله أن الباري لا يكون موجوداً قائماً بنفسه حيث لا موجود إلا هو، وهذا باطل، وإن قال أحد: يستلزم أن يكون جسماً أو متحيزاً عاد الكلام معه في مسمى الجسم المتحيز، فإن قال: هذا يستلزم أن يكون مركباً من الجواهر المنفردة، أو من المادة والصورة وغير ذلك من المعاني الممتنعة على الرب لم يسلم له هذا التلازم، وإن قال يستلزم أن يكون الرب يشار إليه برفع الأيدي في الدعاء، وتعرج الملائكة والروح إليه، ويعرج محمد ﷺ إليه، وتنزل الملائكة من عنده، وينزل منه القرآن ونحو ذلك من اللوازم التي نطق بهم الكتاب والسنة وما كان في معناها، قيل له: لا نسلم انتفاء هذه اللوازم، فإن قال: ما استلزم هذه اللوازم فهو جسم، قيل: إن أردت أنه يسمى جسماً في اللغة والشرع فهذا باطل، وإن أردت أن يكون جسماً مركباً من المادة والصورة، أو من الجواهر المركبة، فهذا أيضاً ممنوع في العقل، فإنما هو جسم باتفاق العقلاء كالأجسام، لا نسلم أنه مركب بهذا الاعتبار، كما قد بسط في موضعه. وتمام ذلك بمعرفة البحث العقلي في تركيب الجسم الاصطلاحي من هذا وهذا، وقد بسط في غير هذا

стр. 191

الموضع، وتبين به أن قول هؤلاء وهؤلاء باطل مخالف للأدلة العقلية القطعية. انتهى١. وقال في كتابه "موافقة العقل الصحيح للنقل الصريح": وكذلك إذا قالوا: إن الله منزه عن الحدود والأحياز والجهات أوهموا الناس بأن مقصودهم بذلك أنه لا تحصره المخلوقات، ولا تحوزه المصنوعات، وهذا المعنى صحيح، ومقصودهم أنه ليس مبايناً٢ للخلق، ولا منفصلاً عنه، وأنه ليس فوق رب السموات رب، ولا على العرش إله، وأن محمداًلم يعرج به إليه، ولم ينزل شيئاً، ولا يصعد إليه شيء ولا يتقرب إليه بشيء، ولا ترفع٣ الأيدي إليه في الدعاء، ولا غيره، وغير ذلك من معاني الجهة. وإذا قالوا: إنه ليس بجسم أوهموا الناس أنه ليس من جنس المخلوقات، ولا مثل أبدان الخلق، وهذا المعنى صحيح، ولكن مقصودهم بذلك أنه لا يرى، ولا يتكلم بنفسه، ولا تقوم به صفة، ولا هو مباين للخلق، وأمثال ذلك. النتهى. فإذا تبين لك هذا وتحققته فهذه الألفاظ لم يرد بها

стр. 192

نص عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه، ولا عن السلف الصالح، ولا الأئمة الأربعة، ولا غيرهم من أئمة الحديث. فإذا اتضح لك هذا فلفظ الجهة لا تثبته مطلقاً، ولا تنفيه مطلقاً، لأنه محتمل لمعنيين: باطل وصحيح، فمن أطلقه نفياً أو إثباتاً سئل عما أراد به، فإن قال أردت بالجهة أنه منزه عن جهة وجودية تحيط به وتحويه إحاطة الظرف بالمظروف، قيل له: نعم هو أعظم من ذلك، وأكبر وأعلى، ولكن لا يلزم من كونه على عرشه هذا المعنى. وإن أراد بالجهة أمراً يوجب مباينة الخلق للمخلوق، وعلوه على خلقه، واستواءه على عرشه، فنفيه بهذا المعنى باطل، وتسميته جهة اصطلاحي منه توصل به إلى نفي ما دل عليه العقل والنقل، فسمى ما فوق العالم جهة، وقال: منزه عن الجهة اهـ. وبهذا يندفع عنا ما ألزمنا به من لم يعرف حقيقة ما عندنا، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وأما قوله: (ويقول بصحة الإشارة إليه في السماء) . فالجواب أن نقول: نعم نقول به، ونعتقده، وندين الله به، ونشهد الله وملائكته وجميع خلقه على اعتقاد ذلك، عليه نحيى وعليه نموت، وعليه نبعث إن شاء الله تعالى، لأنه ليس في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ،

стр. 193

ولا عن أحد من سلف الأمة لا من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرف واحد يخالف ذلك، ولا نصاً ولا ظاهراً، ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا أنه ليس على العرش، ولا أنه بذاته في كل مكان، ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا أنه لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا منفصل عنه ولا متصل، ولا أنه لا تجوز الإشارة إليه بالأصابع ونحوها، بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات في أعظم مجمع حضره الرسول ﷺ جعل يقول: "ألا هل بلغت؟ " فيقولون: نعم، فيرفع أصبعه إلى السماء وينكبها إليهم ويقول: "اللهم اشهد "١ غير مرة. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في "أعلام الموقعين" في بيان رد الجهمية للنصوص المحكمة: الثالث عشر الإشارة إليه حساً إلى العلو، كما أشار إليه من هو أعلم به، وما يجب له، ويمتنع عليه من أفراخ الجهمية، والمعتزلة والفلاسفة، في أعظم مجمع على وجه الأرض برفعه أصبعه إلى السماء، ويقول: "اللهم اشهد" ليشهد

стр. 194

الجمع أن الرب الذي أرسله ودعا إليه، واستشهده هو الذي فوق سمواته على عرشه. انتهى. فتبين من هذا أن هذا المذهب الملعون –أعني إنكار الإشارة إليه بالأصبع إلى السماء- مذهب أفراخ الجهمية، والمعتزلة والفلاسفة. وقد استدل الملحد بكلام شيخ الإسلام وابن القيم على عدم تكفير أهل الأهواء، ورأى أنهما من العلماء المجتهدين الذين يعمل بأقوالهم، فإذا لم يكن ما قالاه هنا حقاً انتقض عليه الاستدلال بكلامهما هنالك. وقوله: (ويدعي أن نزوله إلى السماء الدنيا حقيقة، فيجسمه –تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيراً- فأين تنزيه الله تعالى بعد جعله جسماً يشترك فيه معه أخس الجمادات، وفي ذلك من النقص والإزراء بألوهيته سبحانه ما هو منزه عنه) . فالجواب أن نقول: نعم قد ثبت ذلك بالكتاب والسنة وأجمع على ذلك أهل السنة والجماعة، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أحاديث النزول في "الصواعق المرسلة"، وذكر من كلام الأئمة، ومن الأجوبة العقلية والنقلية ما يكفي، وذكر في "حادي الأرواح" الأحاديث الواردة في ذلك، فمن أراد الوقوف عليها فليراجعها،

стр. 195

ونذكر هنا شيئاً يسيراً من كلام الأئمة ليتبين لهذا الجاهل أنه قد اتبع سبيل أفراخ الجهمية والفلاسفة والمعتزلة، وأنه قد حاد عن سبيل المؤمنين. قال شيخ الإسلام: قال أبو عبد الله محمد بن عبد الله الدميني١ الإمام المشهور من أئمة المالكية في كتابه الذي صنفه في أصول السنة في باب الإيمان بالنزول قال: ومن قول أهل السنة أن الله ينزل إلى سماء الدنيا، ويؤمنون بذلك من غير أن يحدوا فيه حداً، وذكر الحديث من طريق مالك وغيره –إلى أن قال-: وأخبرني وهب عن ابن وضاح عن الزهري عن ابن٢ عباد قال: وممن أدركت من المشايخ مالك وسفيان وفضيل بن عياض، وعيسى بن المبارك٣، ووكيع كانوا يقولون: إن النزول حق. قال ابن وضاح: وسألت يوسف بن عدي٤ عن النزول قال: نعم أومن به ولا أحد فيه حداً. وسألت عنه ابن معين فقال: نعم أؤمن به ولا أحد فيه حداً اهـ.

стр. 196

وقال أبو عثمان الصابوني: فلما صح خبر النزول عن رسول الله ﷺ أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله ﷺ ، ولم يعتقدوا تشبيهاً له بنزول خلقه، وعلموا وعرفوا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الرب ﵎ لا تشبة صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق تعالى الله عما يقولون المشبهة والمعطلة علوا كبيرا، ولعنهم الله لعنا كثيراً١. وقال الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني شيخ الصوفية في حدود المائة الرابعة قال: أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة، وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر بلا كذب، وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين قال فيها: وأن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، والاستواء معقول٢، والكيف فيه مجهول، وأنه البائن عن خلقه، والخلق منه بائنون، بلا حلول ولا ممازجة، ولا اختلاط ولا ملاصقة، لأنه الفرد بائن من الخلق، الواحد الغني عن الخلق، وأن الله سميع بصير، عليم خبير، يتكلم ويرضى ويسخط، ويضحك ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكاً وينزل كل ليلة إلى سماء

стр. 197

الدنيا كيف شاء فيقول هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر، ونزول الرب إلى السماء بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال، وسائر الصفوة على هذا اهـ١. وقال الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن هارون الخلال في كتاب "السنة" حدثنا أبو بكر الأثرم حدثنا إبراهيم بن الحارث –يعني العبادي- حدثنا الليث بن يحيى قال سمعت إبراهيم بن الأشعث قال أبو بكر –هو صاحب الفضيل- قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو، لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١-٢-٣] فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه، وكل هذا النزول والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الاطلاع كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطلع، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، فإذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل: بل أؤمن

стр. 198

برب يفعل ما يشاء ونقل هذا عن الفضيل جماعة منهم البخاري في كتابه خلق أفعال العباد. انتهى١. وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف في كتابه الذي سماه: "اعتقاد التوحيد في إثبات الأسماء والصفات" قال: ومما نعتقده أن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، فيبسط يده فيقول: هل من سائل" الحديث. وقال أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سماه "الإبانة في أصول الديانة" وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه وعليه يعتمدون في الذب عنه عند من يطعن عليه، فقال٢: فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة، فإن قال قائل قد أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون؟ قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكلام ربنا، وسنة نبينا٣، وما روي عن الصحابة

стр. 199

والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل –نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته- قائلون، وما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ورفع به الضلالة، وأوضح به المنهاج، وقمع بدعة المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم١، إلى أن قال: وأنه مستو على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وأن له وجهاً كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ، وأنه لد يدين بلا كيف كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [صّ: ٧٥] ، وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ [المائدة:٦٤] إلى أن قال: ونصدق بجميع الروايات التي أثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب يقول: هل من سائل هل من مستغفر، وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافاً لما قال أهل الزيغ والتضليل. انتهى. وقال عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه المعروف "بنقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما

стр. 200

افترى على الله في التوحيد، قال١: وادعى المعارض أيضاً أن قول النبي ﷺ : " إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حتى يمضي ثلث الليل فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من داع؟ "، قال: فادعى أن الله لا ينزل بنفسه إنما ينزل أمره ورحمته وهو على العرش، وبكل مكان من غير زوال، لأنه الحي القيوم، والقيوم بزعمه من لا يزول، قال: فيقال٢ لهذا المعارض: وهذا أيضاً من حجج النساء والصبيان، ومن ليس عنده بيان، ولا لمذهبه برهان، لأن أمر الله ورحمته ينزل في كل ساعة ووقت وأوان، فما بال النبي ﷺ يحد لنزوله الليل دون النهار، ويوقت الليل شطره أو الأسحار، فأمره ورحمته يدعوان العباد إلى الاستغفار، أو بقدر الأمر والرحمة أن يتكلما دونه فيقولا: هل من داع فأجيبه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ فإن قررت مذهبك لزمك أن تدعي أن الرحمة والأمر هما اللذان يدعوان إلى الإجابة والاستغفار بكلامه دون الله، وهذا محال عند السفهاء، فكيف عند الفقهاء؟! قد علمتم ذلك ولكن تكابرون، وما بال رحمته وأمره ينزلان من عنده شطر الليل ثم يمكثان إلى طلوع الفجر، ثم يرفعان، لأن

стр. 201

رفاعة –راويه- يقول في حديثه: "حتى ينفجر الفجر " قد علمتم إن شاء الله أن هذا التأويل باطل ولا يقبله إلا جاهل. وأما دعواك أن تفسير القيوم الذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرك، فلا يقبل منك هذا التفسير إلا بأثر صحيح مأثور عن رسول الله ﷺ ، أو عن بعض أصحابه، أو التابعين، لأن الحي القيوم يفعل ما يشاء، ويتحرك إذا شاء ويهبط ويرتفع إذا شاء ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء، لأن أمارة ما بين الحي والميت التحرك١، كل حي متحرك لا محالة، وكل ميت غير متحرك لا محالة، ومن يلتفت إلى تفسيرك وتفسير صاحبك مع تفسير نبي الرحمة ورسول رب العزة، إذ فسر نزوله مشروعاً منصوصاً، ووقت لنزوله مخصوصاً لم يدع لك ولا لأصحابك فيه لبساً٢ ولا عويصاً انتهى. ولو ذهبنا ننقل أقوال العلماء أهل السنة والجماعة المتفق على إمامتهم ودرايتهم لطال الكلام، وبما ذكرناه يندفع الخصام، وينجلي تلبيس هؤلاء الجهلة الطغام، فنقتصر على ما ذكر من كلام أئمة الإسلام. وأما قوله: (فيجسمه تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيراً) .

стр. 202

فيقال في جوابه إنك أيها الضال المضل لا تفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا الكلام اللازم بعينه تابع لهذا المفهوم، وأما استواء يليق بجلال الله، ونزول وهبوط وارتفاع يليق بجلال الله ويختص به، فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي يجب نفيها، كما يلزم سائل الأجسام، وصار هذا مثل قول الممثل: إذا كان للعالم صانع، فإما أن يكون جوهراً أو عرضاً، وكلاهما محال إذ لا يعقل موجود إلا هذان. وقوله: إذا كان مستوياً على العرش فهو مماثل لاستواء الإنسان على السرير، والفلك إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا، فإن كليهما١ مثل، وكلاهما عطل حقيقة ما وصف الله به نفسه، وامتاز الأول بتعطيل كل اسم لا استواء الحقيقة، وامتاز الثاني بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين، والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به، ونزول وارتفاع يليق به ويختص به، فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك –ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي كعلم المخلوقين

стр. 203

وقدرتهم- فكذلك هو سبحانه فوق العرش، وينزل منه كل آخر ليلة إلى سماء الدنيا، ولا يثبت لفوقيته ونزوله وصعوده خصائص فوقية المخلوق على المخلوق، ونزوله وصعوده وملزوماتها. وأما زعمه أنا نجسمه إذا أثبتنا ما أثبته الله لنفسه. فهذا ليس ببدع من ألقاب أهل الضلال. ثم اعلم أنه ليس أحد منا يقول: إن الله جسم، فإن هذا اللفظ عندنا١ مبتدع محدث في الإسلام لم يقل به أحد من السلف الصالح والصدر الأول. وأو ما ظهر إطلاق لفظ الجسم من متكلمة الشيعة كهشام بن الحكم، كذا نقل ابن حزم وغيره. قال أبو الحسن الأشعري في كتاب "مقالات الإسلاميين، واختلاف المصلين"٢: اختلف الروافض أصحاب الإمامية في التجسيم وهم ست فرق: فالفرقة الأولى: الهشامية أصحاب هشام بن الحكم الرافضي، يزعمون أن معبودهم جسم وله نهاية، وحد طويل عريض عميق، طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه، لا يوفي بعضه عن بعض، وزعموا أنه نور ساطع،

стр. 204

له قدر من الأقدار في مكان دون مكان، كالسبيكة الصافية يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها، ذو لون وطعم ورائحة ومجسة وذكر كلاماً طويلاً. والفرقة الثانية: من الرافضة يزعمون أن ربهم ليس بصورة، ولا كالأجسام، وإنما يذهبون في قولهم: إنه جسم، إلى أنه موجود ولا يثبتون الباري ذا أجزاء مؤتلفة، وأبعاض متلاصقة، ويزعمون أن الله على العرش مستو بلا مماسة ولا كيف. والفرقة الثالثة: من الروافض يزعمون أن ربهم على صورة الإنسان، ويمنعون أن يكون جسماً. والفرقة الرابعة: من الرافضة الهشامية أصحاب هشام بن سالم الجواليقي يزعمون أن ربهم على صورة الإنسان، وينكرون أن يكون لحماً ودماً، ويقولون إنه نور ساطع يتلألأ بياضاً، وإنه ذو حواس كحواس الإنسان، له يد ورجل وأنف وأذن وفم وعين، وأنه يسمع بغير ما به يبصر وكذلك سائر حواسه متغايرة عندهم، قال: وحكى أبو عيسى الوراق أن هشام بن سالم كان يزعم أن لربه وفرة متغايرة سوداء، وأن ذلك نور أسود. والفرقة الخامسة: يزعمون أن لرب العالمين ضياء خالصاً ونوراً بحتاً، وهو كالمصباح الذي من حيث ما جئته يلقاك بنور، وليس بذي صورة، ولا أعضاء، ولا

стр. 205

اختلاف في الأجزاء، وأنكروا أن يكون على صورة الإنسان، أو على صورة شيء من الحيوان. قال: والفرقة السادسة: من الرافضة يزعمون أن ربهم ليس بجسم، ولا بصورة ولا يشبه الأشياء، ولا يتحرك ولا يسكن ولا يماس. وقالوا في التوحيد بقول المعتزلة والخوارج. قال أبو الحسن الأشعري: وهؤلاء قوم من متأخريهم، فأما أوائلهم فإنهم كانوا يقولون بما حكينا عنهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية١: وهذا الذي ذكره أبو الحسن الأشعري عن قدماء الشيعة من القول بالتجسيم قد اتفق على نقله عنهم أرباب المقالات حتى نفس الشيعة كابن النوبختي ذكر ذلك عن هؤلاء الشيعة، ثم ذكر من قال بالتجسيم من المتكلمين وغيرهم ممن يزعم أنه من أهل السنة –إلى أن قال-: وأئمة النفاة –يعني نفاة التجسيم- هم الجهمية من المعتزلة ونحوهم، يجعلون من أثبت الصفات مجسماً بناء عندهم على أن الصفات عندهم لا تقوم إلا بجسم، ويقولون: إن الجسم مركب من الجواهر المنفردة، ومن

стр. 206

المادة والصورة١. فقال لهم أهل الإثبات: قولكم منقوض بإثبات الأسماء الحسنى، فإن الله تعالى حي عليم قدير، وإن أمكن إثبات حي عليم قدير وليس بجسم، أمكن أن يكون له حياة وعلم وقدرة وليس بجسم وإن لم يمكن ذلك، فما كان جوابكم عن إثبات الأسماء؟ كان جوابنا عن إثبات الصفات- انتهى المقصود منه. فإذا تبين لك أن هذا المذهب –أعني القول بالتجسيم- هو مذهب هؤلاء المبتدعة الضلال، ومن وافقهم من أتباع الأئمة. فمذهب الوهابية هو مذهب أهل السنة المحضة، كالإمام أحمد وذويه، فلا يطلقون لفظ التجسيم لا نفياً ولا إثباتاً لوجهين: أحدهما: أنه ليس مأثوراً لا في كتاب، ولا سنة ولا أثر عن أحد الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا غيرهم من أئمة المسلمين، فصار من البدع المذمومة. الثاني: أن معناه يدخل فيه حق وباطل. انتهى من المنهاج لشيخ الإسلام رحمه الله٢، وتمام الكلام فيه، فمن أراد الوقوف عليه فليراجعه.

стр. 207

فصل في مدح الملحد للعقل وذمه لأهل السنة ... فصل قال العراقي: (ومن عظيم سفهه أنه لما رأى العقل مخالفاً لجميع ما يدعيه، خلع الحياء فعطل العقل، ولم يحكمه في شيء، وتصدى إلى جعل الناس كالبهائم) إلى آخر ما هذى به. والجواب أن نقول: لما رأى الشيخ ﵀ أن هؤلاء الذين هم أفراخ المتفلسفة، وأتباع الهند واليونان وورثة المجوس والمشركين، وضلال اليهود والنصارى والصابئين، وأشكالهم، وأشباههم فيها يعتقدونه أنهم في معرفة ذلك اعتمدوا على مجرد عقولهم، ودفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل على الكتاب والسنة نصاً أو ظاهراً، ولم يحكموا كتاب الله وسنة رسوله، ولم يلتفتوا إلى أقوال الصحابة ومن بعدهم من التابعين لهم بإحسان، ولم يسلكوا طريق الأئمة في باب معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وفي باب العمل والعبادة، وأنهم خالفوا صحيح العقل الموافق لصريح النقل، مما أجمع عليه سلف الأمة

стр. 208

وأئمتها: عطل عقول هؤلاء، ولم يحكمها في شيء، فإن البهائم التي لا تعقل شيئاً أهدى سبيلاً من عقول هؤلاء كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] لأنها قد تهتدي إلى بعض منافعها. وقد كان من المعلوم بالضرورة أن أصح الناس عقولاً، وأكملهم آراء أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان، ومن بعدهم من السلف الصالح والصدر الأول، وأئمة الدين والحديث، ومن على طريقهم، فمن خالفهم فعقله فاسد ورأيه كاسد. ومن المعلوم أيضاً أن الشيخ ﵀ لم ينف معقول هؤلاء الأئمة، بل حكم ما وافق المنقول من معقولهم، واعتمده في رد أباطيل هؤلاء الملاحدة وأشباههم، وكذلك ما أصلوه من الأصول، وبنوا عليه من الفروع الموافق لقواعد الشريعة المطهرة يعمل به، ويحكم به، فمن نسب إليه غير ذلك فقد أخطأ، وظلم نفسه، وافترى عليه، وقد خاب من افترى.

стр. 209

فصل في مفتريات الملحد، وردها ... فصل قال العراقي: (قد آن لنا أن نذكر ههنا خلاصة ما تمذهبت به الفرقة المارقة الوهابية١ من الأباطيل، ثم نتكلم عليها في المباحث الآتية بما يردها ويدحض حجتها. فنقول: قد اشتملت عقيدتهم الباطلة على أمور: الأول: إثبات الوجه، واليد والجهة للبارئ سبحانه، وجعله جسماً ينزل ويصعد. الثاني: تقديم النقل على العقل، وعدم جواز الرجوع إليه في الأمر الدينية. الثالث: نفي الإجماع وإنكاره. الرابع: نفي القياس. الخامس: عدم جواز التقليد للمجتهدين من أئمة الدين، وتكفير من قلدهم.

стр. 210

السادس: تكفيرهم لكل من خالفهم من المسلمين. السابع: النهي عن التوسل إلى الله تعالى بالرسول أو بغيره من الأولياء والصالحين. الثامن: تحريم زيارة قبور الأنبياء والصالحين. التاسع: تكفير من حلف بغير الله وعده مشركاً. العاشر: تكفير من نذر لغير الله، أو ذبح عند مراقد الأنبياء والصالحين) . فالجواب أن نقول: نعم قد اشتملت عقيدة الوهابية على إثبات الوجه واليد كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة وأقوال أئمة السلف، كما هو معروف مشهور في عقائدهم، وفيما صنفوه من الرد على الجهمية وغيرهم من أهل البدع، وذكرنا من ذلك طرفاً فيما تقدم. وأما لفظ الجهة، وجعله جسماً فهذا من الكذب على الوهابية وقد تقدم الكلام على ذلك قريباً، وفيه بحث وتفصيل. وأما كونه تعالى ينزل ويصعد فهو ثابت بالأحاديث الصحيحة أحاديث النزول، وقد تقدم الكلام على ذلك، وهو مما نعتقده وندين الله به على ما يليق بجلاله وعظمته، ولو كره الكافرون.

стр. 211

وأما قوله الثاني: تقدم النقل على العقل. فأقول: وهذا أيضاً مما ندين الله به، ونعتقده، ومن لم يقدم النقل على العقل فما آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، ومع ذلك نقول: إن العقل الصحيح لا يخالف النقل الصريح، فإن اختلفا فالعقل إما فاسد، أو النقل غير صحيح ولا صريح. وأما عدم جواز الرجوع إليه في الأمور الدينية فما ذاك إلا لمخالفة النقل الصحيح الصريح، وأما إذا وافق النقل فلا مانع من جوازه عندنا، بل نعتقد ذلك ونعتمده. وقوله: الثالث نفي الإجماع وإنكاره. فأقول هذا كذب فإنا نعتقد أنه الأصل الثالث، وأن الأمة لا تجمع على ضلالة، لكن ننكر إجماع عباد القبور، وأفراخ المتفلسفة، وأنباط الفرس والروم، ومن نحا نحوهم، وحذا حذوهم١، وأيضاً ننكر دعوى الإجماع على أن الاجتهاد قد انقطع، وأن التقليد واجب. وقوله: الرابع نفي القياس.

стр. 212

فأقول: أما نفي القياس مطلقاً من الكذب، فإنه فيه ما هو صحيح، وفيه ما هو باطل. وقوله: الخامس عدم جواز التقليد للمجتهدين من أئمة الدين وتكفير من قلدهم. فأقول: وهذا أيضاً من الكذب على الوهابية، فإنهم كانوا على مذهب أحمد بن حنبل١، ولكن ربما يوجد ذلك في كتب بعض من ينسبونه هؤلاء إليهم، لاعتقاده أنهم على الحق، وأنهم مخالفون لعباد القبور، ولأهل الأهواء من أهل البدع، كما قد يوجد ذلك في كتب صديق الهندي وغيره. وقوله: السادس تكفيرهم كل من خالفهم من المسلمين. فأقول: وهذا أيضاً كذب على الوهابية، فإنهم لا يكفرون المسلمين، وإنما يكفرون من كفر الله ورسوله، وأهل العلم من غلاة عباد القبور، وغلاة الجهمية، وغلاة القدرية والمجبرة وغلاة الروافض وغلاة المعتزلة وغيرهم، ممن كفره السلف الصالح بعد قيام الحجة.

стр. 213

وقوله: السابع النهي عن التوسل إلى الله تعالى بالرسول، وبغيره من الأولياء والصالحين. فأقول: نعم، كانوا ينهون عن التوسل بالرسول، وبغيره من الأولياء والصالحين بعد مماتهم، وفي حال غيبتهم، إذا كان التوسل على ما يعرف في لغة الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين. وأما في حال حياتهم بهذا العرف فلا ينهون عنه ولا ينكرونه. وأما على عرف غلاة عباد القبور واصطلاحهم الحادث فهم ينهون عنه ويكفرون من دعا أهل القبور، واستغاث بهم والتجأ إليهم بعد قيام الحجة عليهم. وقوله: الثامن تحريم زيارة قبور الأنبياء والصالحين. فأقول: وهذا أيضاً من الكذب على الوهابين، فإنه يجوز عندهم زيارة القبور على الوجه الشرعي. وأما شد الرحال إليها فيمنعون من ذلك، وينكرونه لقوله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" ١ الحديث.

стр. 214

وقوله: التاسع تكفير من حلف بغير الله، وعده مشركاً. فأقول: هذا كذب على الوهابية، فإنهم لا يكفرون بمجرد الحلف بغير الله، وفيه بحث. وقوله: العاشر تكفير من نذر لغير الله، أو ذبح عند مراقد الأنبياء والصالحين. فأقول: نعم يكفرون من نذر لغير الله، وذبح لغيره، فإن النذر والذبح من خصائض الإلهية، فمن أشرك بالله أحداً من المخلوقين في خصائص الخالق فلا مانع من تكفيره بعد قيام الحجة عليه، وسيأتي الكلام على كلامه١ عليها إن شاء الله تعالى.

стр. 215

فصل في زعم الملحد أن إثبات الصفات تجسيم ... فصل قال العراقي: (تجسيم الوهابية: إن الوهابية التي كفرت من زار قبر رسول الله ﷺ متوسلاً إلى الله تعالى، وعدت ذلك شركاً في ألوهيته، وقالت بوجوب تنزيهه تعالى قد خبطت كل الخبط في تنزيه الله تعالى، حيث أبت إلا جعل استوائه سبحانه ثبوتاً على عرشه، واستقراراً وعلواً فوقه، وأثبتت له الوجه واليدين، وبعضته سبحانه فجعلته ماسكاً بالسموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والملك على إصبع، ثم أثبتت له الجهة، فقالت: هو فوق السموات ثابت على العرش، يشار إليه بالأصابع إلى فوق إشارة حسية، وينزل إلى السماء الدنيا، ويصعد، قال بعضهم: لئن كان تجسيماً ثبوت استوائه ... على عرشه إني إذا لمجسم وإن كان تشبيها ثبوت صفاته ... فعن ذلك التشبيه لا أتلعثم
следующие страницы →